← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

خرقِ الإجماعِ أو رفعِ حُكمٍ ما اتَّفَقَ عليه الجمُّ الغفيرُ مِن العلماءِ أو عارَضَه نصُّ كتابٍ أو سُنَّةٍ (١). قالَ الطُّوفِيُّ: وقد وَقَعَ النَّقلُ والتَّخريجُ في مَذهبِنا ونصَّ أحمدُ فيمَن حُبِسَ في موضعٍ نَجِسٍ، فصَلَّى أنَّه لا يُعِيدُ بخلافِ الثَّوبِ النَّجِسِ، فيَتَخَرَّجُ فيهما روايتانِ؛ وذلك لأنَّ طهارةَ الثَّوبِ والبدنِ كِلاهما شرطٌ في الصَّلَاةِ، وهذا وجهُ الشَّبَهِ بينَ المسألتينِ، وقد نَصَّ في الثَّوبِ النَّجِسِ أنَّه يُعِيدُ فيُنقَلُ حُكمُه إلى المكانِ، ويَتَخَرَّجُ فيه مثلُه، ونَصَّ في الموضعِ النَّجِسِ أنَّه لا يُعيدُ فيُنقَلُ إلى الثَّوبِ النَّجِسِ فيَتَخَرَّجُ فيه مثلُه، فلا جَرَمَ صارَ في كلِّ واحدةٍ مِن المسألتينِ روايتانِ: إحداهما بالنَّصِّ، والأُخرى بالنَّقلِ (٢). فائدةٌ: كثيرًا ما يَقَعُ في كلامِ الفقهاءِ في هذه المسألةِ قولانِ بالنَّقلِ والتَّخريجِ، ويَقولونَ أيضًا: يَتَخَرَّجُ أنْ يَكُونَ كذا، وتَتَخَرَّجُ هذه المسألةُ على مسألةِ كذا، أو (٣) في هذه المسألةِ تَخريجٌ، فيُقالُ: ما الفرقُ بينَ (٤) النَّقلِ والتَّخريجِ؟ والجوابُ: أنَّ النَّقلَ والتَّخريجَ يَكُونُ مِن نصِّ الإمامِ بأنْ يُنقَلَ عنْ مَحَلٍّ إلى غيرِه بالجامعِ المُشتَركِ، والتَّخريجُ يَكُونُ مِن قواعدِه الكُلِّيَّةِ. مثالُه: قولُنا: مَن أَتْلَفَ لذِمِّيٍّ خمرًا أو خنزيرًا: لم يَضْمَنْه، ويَتَخَرَّجُ أنْ يَضمَنَ الذِّمِّيُّ خمرًا لذِمِّيٍّ بناءً على أنَّها مالٌ لهم. واعلَمْ أنَّ التَّخريجَ أعمُّ مِن النَّقلِ؛ لأنَّ التَّخريجَ يَكُونُ مِن القواعدِ الكُلِّيَّةِ

стр. 807

للإمامِ أو الشَّرعِ أو العقلِ؛ لأنَّ حاصلَه أنَّه (١) بناءُ فرعٍ على أصلٍ بجامعٍ مشتَركٍ، كتَخريجِنا على قاعدةِ تفريقِ الصَّفقةِ فُروعًا كثيرًا، وأمَّا النَّقلُ والتَّخريجُ فهو مُختَصٌّ بنصوصِ الإمامِ. (وَلَوْ نَصَّ) الإمامُ (عَلَى حُكْمِ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ قالَ: لَوْ قالَ قَائِلٌ بكذا، أَوْ) قالَ قَائِلٌ: لَوْ (ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَيْهِ) يُريدُ حُكمًا يُخالِفُ ما نَصَّ عليه أكانَ مَذهبًا (لَمْ يَكُنِ) المشكوكُ (مَذْهَبًا لَهُ) أي: للإمامِ أيضًا للشَّكِّ في الأصحِّ، كما لو قالَ: وقد ذَهَبَ قومٌ إلى كذا. (وَالوَقْفُ مَذْهَبٌ) فإذا سُئِلَ الإمامُ عن مسألةٍ، وتَوَقَّفَ فيها، فمَذهَبُه فيها الوقفُ، وقد تَقَدَّمَ أنَّ المشكوكَ لَيْسَ بحُكمٍ.

стр. 808

(فَصْلٌ) [قالَ الأئمَّةُ الأربعةُ وغيرُهم] (١): (لَا يُنْقَضُ حُكْمُ) حاكمٍ (فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ) للتَّساوي في الحُكمِ بالظَّنِّ، ولأنَّه عملُ الصَّحابةِ، وللتَّسلسلِ، فيَمتنعُ نقضُ حكمِ الاجتهادِ بتغيُّرِه باجتهادٍ آخَرَ، سواءٌ كانَ مِن المجتهدِ الأوَّلِ أو مِن غيرهِ؛ لِما يَلْزَمُ على نقضِه مِن التَّسلسلِ؛ إذ لو جازَ النَّقضُ لجازَ نقضُ النَّقضِ، وهكذا، فتَفُوتُ مصلحةُ حُكمِ الحاكمِ وهو قطعُ المنازعةِ لعدمِ الوثوقِ حينئذٍ بالحُكمِ؛ لأنَّ الصَّحابةَ أَجمَعُوا على عدمِ النَّقضِ، فإنَّ أبا بكرٍ حَكَمَ في مسائلَ باجتهادِه، وخالَفَه عمرُ، فلم يَنقُضْ أحكامَه، وخالفَهما عليٌّ، فلم يَنْقُضْ أحكامَهما، فإنَّ أبا بكرٍ سوَّى بينَ النَّاسِ في العطاءِ، وأعطى العبيدَ وخالَفَه عمرُ، ففاضَلَ بينَ النَّاسِ، وخالَفَهما عليٌّ فسوَّى بينَ النَّاسِ وحَرَمَ العبيدَ، ولم يَنقضْ أحدٌ منهم ما فَعَلَه مِن قبْلِه. إذا تَقَرَّرَ ذلك فلا يُنقَضُ الاجتهادُ بالاجتهادِ (إِلَّا: (١) بِقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ) فيَلْزَمُ نقضُه، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، (٢) (وَ) إلَّا (بِجَعْلِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ حُجِرَ (٢) عَلَيْهِ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ)؛ لأنَّ ذلك مخالفٌ لنصِّ آحادِ السُّنَّةِ. (وَيُنْقَضُ) الحُكمُ وجوبًا (بِمُخَالَفَةِ: (١) نَصِّ الكِتَابِ) أي: القرآنِ العزيزِ، (أَوْ) مخالفةِ نصِّ (السُّنَّةِ وَلَوْ) كانَتْ (آحَادًا) أي: غيرَ متواترةٍ؛ لأنَّه قضاءٌ لم يُصادِفْ شَرطَه، فوَجَبَ نقضُه

стр. 809

وبيانُ مخالفتِه للشَّرطِ أنَّ شرطَ الحكمِ بالاجتهادِ عدمُ النَّصِّ؛ ولأنَّه إذا تَرَكَ الكتابَ والسُّنَّةَ فقد فَرَّطَ، فوَجَبَ نقضُ حُكمِه. (٢) (أَوْ) أي: ويُنْقَضُ الحكمُ بمخالفتِه (إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا) بلا شكٍّ، زادَ مالكٌ: والقواعدَ الشَّرعيَّةَ، و (لَا) يَجُوزُ نقضُه بمخالفةِ إجماعٍ (ظَنِّيٍّ) على الصَّحيحِ (وَلَا) بمخالفةِ (قِيَاسٍ وَلَوْ) كانَ (جَلِيًّا) عندَ الأكثرِ، وحيثُ قُلْنا يَنْقُضُ الحكمَ، فإنْ كانَ في حقِّ اللهِ تَعَالَى كالطَّلاقِ والعتاقِ ونَحوِهما نَقَضَه؛ لأنَّ له النَّظرَ في حقوقِ اللهِ تعالى، وإنْ كانَ يَتَعَلَّقُ بحقِّ آدميٍّ، فالصَّحيحُ أيضًا أنَّه يَنقُضُه. (وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِه (١): طَلَبُ رَبِّ الحَقِّ) وقال القاضي وغيرُه (٢): لا يَنقُضُه إلَّا بمطالبةِ صاحبِه؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَستوفي حقًّا لمن لا ولايةَ عليه بغيرِ مطالبتِه. (وَحُكْمُهُ) أي: الحاكمِ (بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ بَاطِلٌ وَلَوْ قَلَّدَ) في الحُكْمِ مُجتهدًا (غَيْرَهُ) وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم، وقِيلَ: لا يَكُونُ باطلًا للخلافِ في المدلولِ، وَيَأْثَمُ. (وَمَنْ قَضَى بِرَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ) يَعني قَضى بخلافِ اجتهادِه (نَاسِيًا لَهُ) أي: ناسيًا اجتهادَه (نَفَذَ) حُكمُه (وَلَا إِثْمَ) عليه، وقِيلَ: يَرجِعُ فيه ويَنقضُه، وبَناه بعضُهم على جوازِ تقليدِ غيرِه. (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ حُكْمُ مُقَلِّدٍ)، وهل يَجُوزُ له الحُكُمُ بخلافِ مذهبِ إمامِه أم لا؟

стр. 810

قالَ في «شرح الأصل»: لَيْسَ للمُقَلِّدِ أنْ يَحكُمَ بخلافِ مذهبِ إمامِه، كما أنَّ المجتهدَ لَيْسَ له أن يَحكُمَ بغيرِ اجتهادِه (١)، فعلى هذا لا بُدَّ مِن موافقةِ مذهبِ إمامِه. (وَيُنْقَضُ فِي قَوْلٍ) لبعضِ أصحابِنا (مَا) أي: حُكمٌ (خَالَفَ فِيهِ) المقلِّدُ (مَذْهَبَ إِمَامِهِ)، فإذا حَكَمَ المُقلِّدُ بخلافِ قولِ إمامِه انْبَنَى على أنَّه يَجوزُ له تقليدُ غيرِه أم لا، فإنْ مَنَعْنا الحكمَ بخلافِ قولِ إمامِه نُقِضَ، وإنْ جَوَّزْناه فلا. وقال الغزَّالِيُّ: إذا مَنَعْنا مَن قَلَّدَ إمامًا أن يُقَلِّدَ غيرَه وفَعَلَ وحَكَمَ بقولِه: فيَنبغي ألَّا يَنفُذَ قضاؤُه، ولأنَّه في ظنِّه أنَّ إمامَه أرجحُ. (وَ) لهذا (فِي قَوْلٍ) لبعضِ أصحابِنا وهو موافقٌ لظاهرِ ما قاله ابنُ حمدانَ وهو (مُخَالَفَةُ المُفْتِي نَصَّ إِمَامِهِ كَمُخَالَفَةِ نَصِّ الشَّارِعِ) معَ أنَّ ظاهرَه أنَّه غيرُ المقلِّدِ بل هو مفتٍ، فيَكُونُ المقلِّدُ بطريقِ الأَوْلى. (وَمَنِ اجْتَهَدَ) لنَفسِه (فَتَزَوَّجَ) وأدَّاه اجتهادُه إلى صِحَّةِ النِّكاحِ (بِلَا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) فرأى أنَّه باطلٌ (حَرُمَتْ) عليه زوجتُه مطلقًا في الأصحِّ، وقِيلَ: لا تَحرُمُ مُطلقًا، والقولُ الثَّالثُ وهو الَّذِي عليه عملُ النَّاسِ: أنَّها تَحرُمُ (إِنْ لَمْ يَكُنْ حَكَمَ بِهِ) قبلَ تغيُّرِ اجتهادِه وإن كانَ حَكَمَ به لم تَحرُمْ؛ لئلَّا يَلْزَمَ نقضُ الاجتهادِ بالاجتهادِ، وأيضًا استدامةُ حِلِّها بخلافِ مُعتقَدِه خلافُ الإجماعِ. (وَلَا تَحْرُمُ) الزَّوجةُ (عَلَى مُقَلِّدٍ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ إِمَامِهِ) فإذا أَفْتى مجتهدٌ عامِّيًّا باجتهادٍ ثمَّ تَغَيَّرَ اجتهادُه لم تَحرُمْ عليه على الأصحِّ؛ لأنَّ عَمَلَه بفتواه (٢) كالحكمِ،

стр. 811

(وَإِنْ لَمْ يَعْمَلِ) العامِّيُّ (بِفَتْوَاهُ) أي: بفتوى مُفتيه حَتَّى تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ (لَزِمَ المُفْتِيَ إِعْلَامُهُ) أي: لزمَ تعريفُ العامِّيِّ بتغيُّرِ اجتهادِه فيما أَفْتاه به إنْ تَمَكَّنَ منه؛ لأنَّ العامِّيَّ إِنَّمَا يَعمَلُ به لأنَّه قولُ المفتي، ومعلومٌ أنَّه في تلك الحالةِ لَيْسَ قولَه، ومفهومُه أنَّ العامِّيَّ إن كان قد عَمِلَ بقولِه لم يَلزمْه إعلامُه، (فَلَوْ مَاتَ) المُفْتِي (قَبْلَهُ) أي: قبلَ إعلامِه بتغيُّرِ اجتهادِه (اسْتَمَرَّ) العامِّيُّ على فَتواه في الأصحِّ؛ لأنَّ الظَّاهرَ الجوازُ. (وَ) يَجُوزُ (لَهُ) أي: للعامِّيِّ (تَقْلِيدُ) مجتهدٍ (مَيِّتٍ) كتقليدِ حيٍّ عندَ الجمهورِ؛ لأنَّ قولَه باقٍ في الإجماعِ، وفيه يَقُولُ الإمامُ الشَّافعيُّ: المذاهبُ لا تَمُوتُ بموتِ أربابِها. و (كَحَاكِمٍ وَشَاهِدٍ) لا يَبْطُلُ حُكمُه بموتِه ولا شهادتُه بموتِه، وظاهرُه ولو وُجِدَ مُجتهدًا حيًّا، فلو كانَ الحيُّ دونَ الميِّتِ احتملَ أنْ يُقَلَّدَ الميَّتُ لأرجحيَّتِه أو الحيُّ لحياتِه واحتملَ التَّساوي. (وَإِنْ عَمِلَ) العامِّيُّ (بِفُتْيَاهُ) أي: فُتيا مُفتيه (فِي إِتْلَافِ) نفسٍ أو مالٍ (فَبَانَ خَطَؤُهُ) أي: المفتي (قَطْعًا) أي: خالَفَ دليلًا قاطعًا (ضَمِنَهُ) أي: ضَمِنَ المفتي ما أَتْلَفَه المستفتي بمُقتضى فُتياه، فإنْ لم يُخالِفِ القاطعَ لم يَضمَنْ؛ لأنَّه معذورٌ، (وَكَذا) يَضمَنُ المفتي على الصَّحيحِ (إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا) للفُتيا، بل أَوْلى بالضَّمانِ مِمَّن له أهليَّةٌ والَّذي يَنبغي أن يُنظَرَ إن كانَ المستفتي يَعلَم أنَّه لَيْسَ أهلًا للفُتيا واستفتاه لم يَضمَنْ؛ لأنَّه الجاني على نَفْسِه، وإن لم يَعلَمْه ضَمِنَ المفتي.

стр. 812

قالَ في «شرح الأصل» (١) لَيْسَ للمُقلِّدِ: (وَيَحْرُمُ تَقْلِيدٌ عَلَى مُجْتَهِدٍ) لمجتهدٍ آخَرَ إجماعًا إِذَا (أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ، أَوْ) أي: وإن (لَمْ يَجْتَهِدْ) فيَحرُمُ عليه التَّقليدُ عندَ الأكثرِ. (وَلَهُ) أي: للمجتهدِ (أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَدَعَ) أي: يتركَ (غَيْرَهُ) مِن المجتهدين إجماعًا. قُلْتُ: يُفهمُ ممَّا سَبَقَ بل هو صريحٌ أنَّه يَحرُمُ عليه التَّقليدُ ويَجِبُ الاجتهادُ حيثُ أَمْكَنَه؛ لأنَّ إثباتَ التَّقليدِ يُعتبَرُ دليلُه، والأصلُ عدمُه ونفيُه لانتفاءِ دليلِه، وأيضًا اجتهادُه أصلٌ مُتَمَكِّنٌ مِنه فلم يَجُزْ بَدَلُه كغيرِه. (وَالمُتَوَقِّفُ) مِن المجتهدينَ (فِي مَسْأَلَةٍ نَحْوِيَّةٍ) على سؤالِه النُّحاةَ (أَوْ فِي حَدِيثٍ عَلَى أَهْلِهِ) ما حُكْمُه؟ قالَ أبو الخَطَّابِ: هو (عَامِّيٌّ فِيهِ) والعامِّيُّ يَلْزَمُه التَّقليدُ، وأيضًا ممَّا يَدُلُّ على عدمِ التَّقليدِ قولُه تَعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢)، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣)، وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٤) فالمرادُ يَسألُ من لَيْسَ أهلًا أهلَ الذِّكرِ، وكلُّهم أهلٌ فلم يَدخُلوا، ولقولِه تَعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥).

стр. 813

(فَصْلٌ) اعلمْ أنَّ طريقَ معرفةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ إمَّا التَّبليغُ عنِ اللهِ تَعَالَى بإخبارِ رُسُلِه عنه بها، وهو ما سَبَقَ مِن كتابِ الله تَعَالَى وسُنَّةِ رسولِه ﷺ وما تَفَرَّعَ عن (١) ذلك مِن إجماعٍ أو قياسٍ أو غيرِهما مِن الاستدلالاتِ وطُرُقِها بالاجتهادِ، ولو كَانَ مِن النَّبِيِّ ﷺ كما سَبَقَ آنفًا، وإمَّا أن يَكُونَ طريقُ معرفةِ الحُكمِ التَّفويضَ إلى رأيِ نَبِيٍّ أو عالمٍ، فـ (يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِنَبِيٍّ) من الأنبياءِ (وَمُجْتَهِدٍ) غَيرِ نبيٍّ: (احْكُمْ بِمَا شِئْتَ، فَهُوَ صَوَابٌ) عندَ بعضِهم، (وَيَكُونُ) حكمُه (مَدْرَكًا شَرْعِيًّا) أي: مِن المداركِ الشَّرعيَّةِ (وَيُسَمَّى التَّفْوِيضَ) عندَ الأكثرِ، فإذا قالَ: هذا حلالٌ، عَرَفْنا أنَّ اللهَ تَعَالَى في الأزلِ حَكَمَ بحِلِّه، أو هذا حرامٌ أو نحوَ ذلك، لا أنَّه يُنشِئُ الحكمَ؛ لأنَّ ذلك مِن خصائصِ الرُّبوبيَّةِ. ومَنَعَ الجوازَ بعضُ المعتزلةِ، واختارَه أبو الخطَّابِ وذَكَرَه عن أكثرِ الفقهاءِ، وأنَّه أشبهُ بمذهبِنا؛ لأنَّ الحقَّ عليه أمارةٌ، فكيف يُحكُمُ بغيرِ طلبِها؟ (وَ) اختارَ ابنُ الحاجبِ أنَّه (لَمْ يَقَعْ) يَعني القولَ لنبيٍّ ومجتهدٍ: احكمْ بما شِئْتَ، واستدلَّ لجوازِه بأنَّ اللهَ تَعَالَى قادرٌ عليه فجازَ كالوحيِ ولا مانعَ، والأصلُ عدمُ الوقوعِ، واستدلَّ بتخييرِه في الكَفَّارةِ والعامِّيِّ في المجتهدينَ. (وَ) يَجُوزُ أنْ يُقالَ (لِعَامِّيٍّ: عَقْلًا) لا شَرعًا: احكُمْ بما شئتَ فهو صوابٌ؛ لأنَّه لَيْسَ بمحالٍ.

стр. 814

(وَ) يَجُوزُ (فِي قَوْلٍ) للقاضي (١) وابنِ عَقِيلٍ أنْ يُقالَ له: (وَأَخْبِرْ؛ فَإِنَّكَ لَا تُخْبِرُ إِلَّا بِصَوَابٍ). والقولُ الثَّاني لأبي الخطَّابِ أنَّه لا يَجُوزُ، ولو جازَ، خَرَجَ كَوْنُ الإخبارِ عن الغيوبِ دَالَّةً على ثُبُوتِ الأنبياءِ وكُلِّفَ بتصديقِ (٢) النَّبِيِّ وغيرِه مِن غيرِ عِلْمٍ بذلك.

стр. 815

(فَصْلٌ) قالَ جُمهورُ الفقهاءِ والأُصُولِيِّينَ: (نَافِي الحُكْمِ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ) لأنَّه أَثْبَتَ يقينًا أو ظنًّا بنفيِه، فلَزِمَه الدَّليلُ (كَمُثْبِتِهِ) دليلًا يُعبِّرُ كلُّ واحدٍ عن مقصودِه بنفيٍ، فيَقُولُ: بَدَلٌ مُحْدَثٌ لَيْسَ بقديمٍ. (وَإِذَا حَدَثَتْ مَسْأَلَةٌ لَا قَوْلَ فِيهَا: سَاغَ) أي: جازَ للمجتهدِ (الِاجْتِهَادُ فِيهَا) والفتوى والحكمُ، (وَهُوَ) أي: الاجتهادُ (أَفْضَلُ) مِن التَّوقُّفِ، وقَدَّمَه صاحبُ «الأصلِ»، قالَ ابنُ القيِّمِ: [بل يُسْتَحَبُّ أو يَجِبُ] (١) عندَ الحاجةِ، وأهليَّةُ المفتي والحاكمِ، فإنْ عُدِمَ الأمرانِ: لم يَجُزْ (٢). ولَمَّا فَرَغَ مِن أحكامِ الاجتهادِ ومباحثِه وكانَ التَّقليدُ مُقابِلًا له شَرَعَ في الكلامِ عليه، فقالَ:

стр. 816

(بَابٌ) (التَّقْلِيدُ لُغَةً) أي: هو في اللُّغةِ: (وَضْعُ الشَّيْءِ فِي العُنُقِ) مِن دابَّةٍ وغيرِها (مُحِيطًا بِهِ)، وهذا احتِرازٌ ممَّا لم يَكُنْ مُحِيطًا بالعنقِ، فلا يُسَمَّى قلادةً في عُرفِ اللُّغةِ ولا غيرِها، وذلك كالعقودِ والمرسلاتِ في حلوقِ النِّساءِ والصِّبيانِ والسُّبَحِ الَّتي في حُلُوقِ المُتَزَهِّدِينَ والقلائدِ في أعناقِ الخيلِ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (١) يَعني ما يُقَلَّدُه الهَدْيُ مِن النِّعالِ وآذانِ القِرَبِ. (وَ) التَّقليدُ (عُرْفًا) أي: مَعناه في عُرفِ الأُصُولِيِّينَ: (أَخْذُ) أي: اعتقادُ صِحَّةِ (مَذْهَبِ الغَيْرِ) واتِّباعُه عليه (بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ)، وقالَ الطُّوفِيُّ: مِن غيرِ حُجَّةٍ استعارةٌ مِن المعنى اللُّغويِّ كأنَّ المقلِّدَ يُطَوِّقُ المجتهدَ إثمَ ما غَشَّه به في دِينِه وكَتَمَه عنه مِن عِلْمِه أي يَجعَلُه طَوقًا في عُنُقِه أخذًا مِن قولِه : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٢) على جهةِ الاستعارةِ يَعني من التَّقليدِ اللُّغويِّ كما سَبَقَ (٣). (فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ ، وَإِلَى) قَوْلِه: (المُفْتِي، وَ) إلى (الإِجْمَاعِ، وَ) رجوعُ (القَاضِي إِلَى العُدُولِ) في شهادتِهم (لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ)، وذلك لقيامِ الحُجَّةِ فيها، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ بالمعجزِ والإجماعِ بما تَقَدَّمَ في حُجِّيَّتِه وقولُ المفتي والشَّاهدِ بالإجماعِ، (وَلَوْ سُمِّيَ) ذلك أو بعضُ ذلك (تَقْلِيدًا، سَاغَ) كما يُسَمَّى في العُرفِ أخذُ المقلِّدِ العامِّيِّ بقولِ المفتي تَقليدًا فلا مُشاحَّةَ في التَّسميةِ والاصطلاحِ.

стр. 817

(وَيَحْرُمُ) التَّقليدُ (فِي): (١) الأحكامِ (١) الأُصُوليَّةِ الكُلِّيَّةِ كـ (مَعْرِفَةِ اللهِ) سبحانَه و (تَعَالَى، وَالتَّوْحِيدِ) أي: وحدانيَّةِ اللهِ ، (وَ) صِحَّةِ (الرِّسَالَةِ) ونَحوِها من القطعيَّاتِ الظَّاهرةِ الأدلَّةِ، فإنَّ العامِّيَّ إذا رأى العالِمَ باختلافِ أجناسِه وأنواعِه وحركاتِه وما فيه مِن الحكمةِ والإتقانِ عَلِمَ بالضَّرورةِ أنَّ له صانعًا، وإنْ قَصُرَتْ عبارتُه عن تقريرِ دليلِ الدَّورِ والتَّسلسلِ الدَّالِّ على وجودِ الصَّانعِ، وإذا رأى العالَمَ جاريًا على نظامِ الحُكمِ عَلِمَ أنَّ صانعَه لا مُنازِعَ له فيه ولا شريكَ كما عُلِمَ في مستقرِّ العادةِ مِن أنَّ الأشياءَ تَفسُدُ بتعدُّدِ المتنازعينَ (٢) فيها، وإن لم يُمكِنْه تقريرُ الدَّليلِ مِن قولِه تَعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣)، واستدلَّ بأمرِه تَعَالَى بالتَّدبُّرِ والتَّفكُّرِ والنَّظرِ، ولَمَّا نَزَلَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) الآياتِ، قالَ ﵇: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» (٥)، والإجماعُ على وُجوبِ معرفةِ اللهِ تَعالى، ولا يَحصُلُ بتقليدٍ لجوازِ كذبِ المُخبرِ واستحالةِ حصولِه. (٢) (وَ) يَحرُمُ التَّقليدُ فِيما عُلِمَ كونُه مِن الدِّينِ ضَرورةً كـ (أَرْكَانِ الإِسْلَامِ الخَمْسِ) وهي: الشَّهادتانِ والصَّلَاةُ والزَّكاةُ والصِّيامُ والحَجُّ، (وَنَحْوُهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ) لاشتراكِ العامِّيِّ وغيرِه في العِلْمِ بذلك؛ إذِ التَّقليدُ يَستدعي جَهلَ المقلِّدِ بما قَلَّدَ فيه، وذلك مستحيلٌ فيما عُلِمَ بالضَّرورةِ، والعلمُ بهذه الأركانِ بالضَّرورةِ الحاصلةِ عن التَّواتُرِ والإجماعِ وهُما مُرَكَّبانِ مِن المعقولِ والمنقولِ، وليسَ المرادُ بالضَّرورةِ العقليَّةِ المحضةِ.

стр. 818

(وَيَلْزَمُ) التَّقليدُ عندَ الأكثرِ (غَيْرَ مُجْتَهِدٍ (١) فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أي: غيرَ معرفةِ اللهِ تَعَالَى والتَّوحيدِ والرِّسالةِ وأركانِ الإسلامِ ونحوِها ممَّا تَواتَرَ واشتهرَ. وقالَ الطُّوفِيُّ: يَجُوزُ التَّقليدُ في الفروعِ إجماعًا (٢). استدلَّ له بقولِه تَعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وهو عامٌّ (٤) لتَكَرُّرِه بتَكَرُّرِ الشَّرطِ، وعلةُ الأمرِ بالسُّؤالِ الجهلُ، وأيضًا أجمعَ الصَّحابةُ ومَن بَعدَهم ولم يُنكِرُوا على عامِّيٍّ اتَّبَعَ مُفتيًا فيما أَفْتَاه، سواءٌ ذَكَرَ له الدَّليلَ أو لم يَذكُرْه. (وَلَهُ) أي: لغيرِ المُجتهدِ وهو العامِّيُّ (اسْتِفْتَاءُ مَنْ) أي: مجتهدٍ (عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلًا) بأنْ عَلِمَ أو ظَنَّ أَهلِيَّتَه للاجتهادِ بطريقٍ ما أي بإخبارِ عدلٍ عنه بذلك، أو باشتهارِه بينَ النَّاسِ بالفُتيا وانتصابِه لها وانقيادِ النَّاسِ للأخذِ عنه ونحوِ ذلك، (وَلَوْ) كانَ ذلك المجتهدُ (عَبْدًا، وَأُنْثَى، وَأَخْرَسَ) وعَرَفْنا فُتياه (بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ وَكِتَابَةٍ)؛ لأنَّه إذا عَرَفْنا أنَّه عالمٌ عَدلٌ كفى في جوازِ استفتائِه؛ لأنَّ المقصودَ مِن الاستفتاءِ سؤالُ العالمِ العدلِ، وهو كذلك. (أَوْ) أي: وللعامِّيِّ (٥) استفتاءُ مَن (رَآهُ مُنْتَصِبًا) للإفتاءِ والتَّدريسِ (مُعَظَّمًا) عندَ النَّاسِ، فإنَّ ذلك يَدُلُّ على عِلمِه، وأنَّه أهلٌ للاستفتاءِ، وأمَّا مَن عَلِمَ أو ظَنَّ جَهلَه، فلا يَجُوزُ أنْ يَستفتِيَه؛ لأنَّه تَضييعٌ لأحكامِ الشَّريعةِ، فهو كالعالمِ يُفتي بغيرِ دليلٍ.

стр. 819

قالَ ابنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ سؤالُ أهلِ الثِّقَةِ والخبرةِ عنه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ الرُّجوعُ إلى خبرِه إلَّا بعدَ عِلمِه بأنَّه (١) أهلٌ بدليلِ النَّبِيِّ والحاكمِ والمُقَوِّمِ والمخبِرِ بعيبٍ. (وَيَكْفِيهِ) [في معرفةِ أهليَّتِه] (٢) (قَوْلُ) واحِدٍ (عَدْلٍ خَبِيرٍ) عندَ الجمهورِ كحُكمٍ شَرعيٍّ. (وَيَلْزَمُ وَلِيَّ الأَمْرِ: مَنْعُ) مَن لَيْسَ أهلًا للفُتيا مِن الإفتاءِ عندَ الجمهورِ، ويَمنَعُ (مَنْ لَمْ يُعْرَفُ بِعِلْمٍ، أَوْ جُهِلَ حَالُهُ)؛ لأنَّ الأصلَ والظَّاهرَ الجهلُ، فالظَّاهرُ أنَّه منه، ولا يَلزَمُ الجهلُ بالعدالةِ لأنَّا نَمنَعُه ونَقولُ: لا نَقبَلُ مَن جُهِلَتْ عدالتُه، وقال ربيعةُ: بعضُ مَن يُفتي أحقُّ بالسَّجنِ مِن السُّرَّاقِ. (وَلَا تَصِحُّ) الفتوى ولا تُقبَلُ (مِنْ مَسْتُورِ الحَالِ)، بل لا بُدَّ أن يَكُونَ عدلًا على الصَّحيحِ، وقِيلَ: تَصِحُّ. قالَ في «شرح الأصل»: وهذا أظهرُ، وعَمَلُ النَّاسِ عليه لا سِيَّمَا في هذه الأزمنةِ (٣). (وَيُفْتِي فَاسِقٌ نَفْسَهُ) (٤) فقطْ ولا يَتَعَدَّى فُتياه إلى غيرِه على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لَيْسَ بأمينٍ على ما يَقولُ. وقالَ الطُّوفِيُّ: لا يُشترَطُ عدالتُه في اجتهادِه، بل في قَبولِ فُتياه وخَبَرِه (٥). (وَتَصِحُّ) الفُتيا (مِنْ حَاكِمٍ) على الصَّحيحِ كغيرِه وليسَتْ حُكمًا منه على

стр. 820

الصَّحيحِ، فيَتَفَرَّعُ عليه لو حَكَمَ غيرُه بغيرِ ما أَفْتى لم يَكُنْ نقضًا لحكمِه، ولا هي كالحُكمِ، ولهذا يَجُوزُ أن يُفْتِيَ للحاضرِ والغائبِ، ومَن يَجُوزُ حُكمُه له ومَن لا يَجُوزُ، (و) على هذا تَصِحُّ الفتوى مِن المفتي (عَلَى عَدُوِّ) ـه. (وَهِيَ) أي: الفتيا ممنوعةٌ (فِي حَالَةٍ) لا يَحكُمُ فيها كـ (غَضَبٍ) أو في شِدَّةِ مرضٍ أو فرحٍ أو خوفٍ (١) غالبٍ (وَنَحْوِهِ) فتَحرُمُ وتَنفُذُ (كَقَضَاءٍ) عَلَى الصَّحيحِ، ومرادُهم بالغضبِ الغضبُ الكثيرُ، وكذا غيرُه. (وَلِمُفْتٍ: أَخْذُ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ المَالِ) وظاهرُه سواءٌ كانَ له كفايةٌ مِن مالِه أو لا، وسواءٌ تَعَيَّنَ لها أو لا؛ لأنَّ له فيه حقًّا على الفُتيا فجازَ له أخذُ حقِّه، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الأَخْذُ مِن بيتِ المالِ (أَخَذَ أُجْرَةَ خَطِّهِ) ولو كَانَ له كفايةٌ. (وَلِمُتَعَيِّنٍ لَهَا) أي: للفُتيا لعدمِ غيرِه له حالتانِ: إحداهما: أنْ يَكُونَ له كفايةٌ، فلَيْسَ له الأخذُ مِن مُستفتٍ على الصَّحيحِ إذا لم يَكُنْ له شيءٌ في بيتِ المالِ. والحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكُونَ (لَا كِفَايَةَ لَهُ) لا مِن مالِه ولا مِن بيتِ المالِ، فهذا يَجُوزُ له (أَخْذُ رِزْقٍ مِنْ مُسْتَفْتٍ) على الصَّحيحِ؛ لأنَّه إن لم يَأخُذْ أَفْضى إلى ضررٍ يَلْحَقُه في عائلتِه إن كانوا أو حَرَجٍ وهو منتفٍ شرعًا، وإن لم يُفتِ حَصَلَ أيضًا للمُستفتي ضررٌ، فتَعَيَّنَ الجوازُ. (وَإِنْ جَعَلَ لَهُ) أي: للمُفتي (أَهْلُ بَلَدٍ رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ: جَازَ) في الأصحِّ، وظاهرُه ولو كَانَ له كفايةٌ، وما يَقُومُ به، وهذا مُشكِلٌ، لكنْ يُفهَمُ مِن قولِه: «ليَتفرَّغَ لهم» أنَّه كان مَشغولًا بالعيالِ وهو الظَّاهرُ.

стр. 821

(وَلَهُ) أي: للمُفتي (قَبُولُ هَدِيَّةٍ) عندَ أكثرِ أصحابِنا، والمرادُ لا ليُفْتِيَه بما يُريدُ وإلَّا حَرُمَتْ، وقِيلَ: لا يَقبَلُ الهديَّةَ إلَّا أنْ يُكافِئَ، قالَ الإمامُ أحمدُ: الدُّنيا داءٌ، والسُّلطانُ دواءٌ، والعالِمُ طبيبٌ، فإذا رَأَيْتَ الطَّبيبَ يَجُرُّ الدَّاءَ إلى نَفْسِه فاحذَرْه. وفيه التَّحذيرُ فيمَن يَرغَبُ في مالٍ وشرفٍ بلا حاجةٍ. (وَ) قالَ أحمدُ: (لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى تَكُونَ لَهُ: (١) نِيَّةٌ)، فإنْ لم تَكُنْ له نِيَّةٌ لم يَكُنْ على علمِه نورٌ ولا على كلامِه نورٌ، (٢) (وَكِفَايَةٌ) لئلَّا يَنسُبَه النَّاسُ إلى التَّكسُّبِ بالعلمِ وأخذِ العِوَضِ عليه فيَسقُطَ قولُه، (٣) (وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ) ليَرغَبَ المستفتي، وهم وَرَثَةُ الأنبياءِ، فيَجِبُ أنْ يَتَخَلَّقوا بأخلاقِهم، (٤) (وَقُوَّةٌ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ، وَمَعْرِفَةٌ بِهِ) أي: بما هو فيه، (٥) (وَ) مَعْرِفَتُه (بالنَّاسِ). قالَ ابنُ عَقِيلٍ: هذه الخصالُ مُستحبَّةٌ فيَقصِدُ الإرشادَ وإظهارَ أحكامِ اللهِ تَعَالَى لا رياءً وسمعةً (١)، والتَّنويهَ (٢) باسمِه. ومعرفةُ النَّاسِ يَحتملُ حالَ الرُّواةِ ويَحتملُ حالَ المُستفتينَ فالفاجرُ لا يَستحقُّ الرُّخصَ، فلا يُفتيه بالخَلوةِ بالمحارمِ معَ علمِه بأنَّه يَسْكَرُ، ولا يُرَخِّصُ السَّفرَ لجندِ وَقتِنا؛ لئلَّا يَضَعَ الفُتيا (٣) في غيرِ مَحَلِّها لمعرفتِنا لسفرِهم. قالَ ابنُ مفلحٍ: والخصلةُ الأُولى واجبةٌ (٤).

стр. 822

(وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا) يَسْأَلُه عنِ الفُتيا في بلدِه ولا غيرِه (فَلَهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ) مِن إباحةٍ أو حظرٍ أو وقفٍ. قالَ في «آداب المفتي»: على الخلافِ في الحظرِ والإباحةِ والوقفِ، وهو أقيسُ. (وَيَلْزَمُ المُفْتِيَ (١): تَكْرِيرُ النَّظَرِ) عندَ تَكرارِ الواقعةِ في الأصحِّ، فإنْ لم يُكَرِّرِ النَّظَرَ كانَ مُقَلِّدًا لنَفْسِه لاحتمالِ تغيُّرِ اجتهادِه إذا كَرَّرَ، وكالقبلةِ يُجتَهَدُ لها ثانيًا. (وَ) يَلْزَمُ (المُسْتَفْتِيَ (٢) إذا أفتاه المفتي بحُكْمٍ ثُمَّ تَجَدَّدَتِ الواقعةُ، وقُلْنا إنَّ المجتهدَ يُعيدُ اجتهادَه يَجِبُ على السَّائلِ (تَكْرِيرُ السُّؤَالِ) بأنْ يُعيدَه (عِنْدَ تَكْرَارِ الوَاقِعَةِ) فلا يَكتفي (٣) السَّائلُ بالجوابِ الأوَّلِ على الصَّحيحِ، كما في تَكَرُّرِ النَّظرِ؛ لأنَّه قد يَتَغَيَّرُ نظرُ المفتي، ومَحَلُّ الخلافِ إذا عَرَفَ المستفتي أنَّ جوابَ المفتي مُستنِدٌ إلى الرَّأيِ كالقِيَاسِ، أو شَكَّ في ذلك، والفرضُ أنَّ المفتيَ المقلِّدَ حيٌّ، فإنْ عَرَفَ استنادَ الجوابِ إلى نصٍّ أو إجماعٍ فلا حاجةَ إلى إعادةِ السُّؤال ثانيًا قطعًا، وكذا لو كانَ المُقلَّدُ مَيِّتًا.

стр. 823

(فَصْلٌ) (لَا يُفْتِي إِلَّا مُجْتَهِدٌ) عندَ جماهيرِ أصحابِنا وغيرِهم، قالَ أحمدُ: يَنبغي للمُفتي أن يَكُونَ عالمًا بوجوهِ القُرآنِ والأسانيدِ الصَّحيحةِ والسُّننِ، وقال أكثرُ العلماءِ: يَجُوزُ لغيرِ المجتهدِ أنْ يُفْتِيَ إنْ كانَ مُطَّلِعًا على المآخذِ أهلًا للنَّظرِ، وقال ابنُ هُبَيْرَةَ: مَن لم يُجَوِّزْ إلَّا توليةَ قاضٍ مجتهدٍ إِنَّمَا عَنَى قبلَ استقرارِ هذه المذاهبِ وانحصارِ الحقِّ فيهم، وقال: المجتهدُ اليومَ لا يُتَصَوَّرُ اجتهادُه في هذه المسائلِ الَّتي حُرِّرَتْ في المذاهبِ؛ لأنَّ المجتهدينَ (١) المُتقدِّمين فَرَغُوا منها فلا يُؤَدِّيه اجتهادُه إلَّا إلى أحدِهم. (وَلَا يَجُوزُ خُلُوُّ عَصْرٍ عَنْهُ) أي: عن المجتهدِ عندَ أصحابِنا وغيرِهم؛ لقولِه ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ». قِيلَ: وأين هم يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «بِبَيْتِ المَقْدِسِ أَوْ أَكْنَافِ بَيْتِ المَقْدِسِ» (٢). واختارَه ابنُ دقيقِ العيدِ ما لم يَتَداعَ الزَّمانُ بنقضِ القواعدِ، لكنَّ كلامَهم مُحتَمَلُ الحملِ على عمارةِ الوجودِ بالعلماءِ لا على خصوصِ المجتهدينَ، واختارَ الآمِدِيُّ جوازَه؛ لأنَّه لو امتنعَ لكانَ لغيرِه، والأصلُ عدمُه. وفي الصَّحيحينِ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ [وَلَا مُتَعَلِّمٌ] (٣)، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا

стр. 824

جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (١)، وهذا الخبَرُ أَدَلُّ على المقصودِ مِن الأوَّلِ، ولو تَعارَضَا سَلِمَ هذا الخبَرُ، وأيضًا التَّفقُّهُ فرضُ كفايةٍ، ففي تَركِه اتِّفاقُ الأمرِ على باطلٍ. رُدَّ: مَنَعَه الآمِدِيُّ إنْ أَمْكَنَ تقليدُ العصرِ السَّابقِ ثمَّ فُرِضَ عندَ إمكانِه، فإذا ماتَ العلماءُ لم يُمكِنْ. قالَ ابنُ مُفلحٍ (٢): ويَتَوَجَّهُ أنَّ هذا مرادُ أصحابِنا وغيرِهم، فلا اختلافَ؛ لقولِه ﵇: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللهُ اللهُ» رَوَاه مسلمٌ (٣). وقال بعضُ أصحابِنا: مِن زمنٍ طويلٍ عُدِمَ المجتهدُ المطلقُ، معَ أنَّه الآنَ أيسرُ مِنه في الزَّمَنِ الأوَّلِ؛ لأنَّ الحديثَ والفقهَ قد دُوِّنَا، وكذا ما يَتَعَلَّقُ بالاجتهادِ مِن الآياتِ والآثارِ، وأصولِ الفقهِ والعربيَّةِ، وغيرِ ذلك، لكنَّ الهِمَمِ قاصرةٌ، والرَّغباتِ فاترةٌ، ونارَ الجدِّ والحذرِ خامدةٌ، وعينَ الخشيةِ والخوفِ جامدةٌ اكتفاءً بالتَّقليدِ، واستغناءً مِن التَّعبِ الوكيدِ، وهربًا مِن الأثقالِ، وأَرَبًا في تَمشيةِ الحالِ وبلوغِ الآمالِ، ولو بأقلِّ الأعمالِ. (وَ) على القولِ بأنَّه لا يُفتي إلَّا مجتهدٌ فـ (مَا يُجِيبُ بِهِ المُقَلَّدُ عَنْ حُكْمِ) حادثةٍ (فَـ) هو (إِخْبَارٌ عَنْ مَذْهَبِ إِمَامِهِ لَا فُتْيَا)، قالَ الموفَّقُ: فيَحتاجُ يُخبِرُ عن معيَّنٍ مجتهدٍ. وقال المَاوَرْدِيُّ: لو عَرَفَ حُكمَ حادثةٍ بدليلِها لم يُفتِ في الأصحِّ.

стр. 825

(وَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ) أي: المقلَّدِ (إِنْ كَانَ عَدْلًا) كالرَّاوي. (وَلِعَامِّيٍّ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ) مِن المجتهدينَ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّهم اسْتفْتوْا مِن الصَّحابةِ والسَّلفِ وأفْتوْا وشاعَ ولم يُنْكَرْ، وقال ﵊: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (١) وفيهم الأفضلُ مِن غيرِه، وأيضًا العامِّيُّ لا يُمكِنُه التَّرجيحُ لقصورِه. (وَ) لهذا (يَلْزَمُهُ) أي: العامِّيَّ (إِنْ بَانَ لَهُ الأَرْجَحُ) منهما (تَقْلِيدُهُ، وَيُقَدَّمُ الأَعْلَمُ عَلَى الأَوْرَعِ) في الأصحِّ فيهما؛ لأنَّه لا تَعَلُّقَ لمسائلِ الاجتهادِ بالورعِ والدِّينِ، ولهذا يُقَدَّمُ في الإمامةِ في الصَّلَاةِ، ولأنَّ الظَّنَّ الحاصلَ بقولِه أكثرُ، (وَيُخَيَّرُ) العامِّيُّ في تقليدِ أحدِ مُجتهدينِ (مُسْتَوِيَيْنِ (٢) فيما يُقَدَّمُ عندَ الأكثرِ لعدمِ التَّرجيحِ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) أي: العامِّيَّ: (١) (التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ) في أشهرِ الوجهينِ (٣) كجمهورِ العلماءِ، فيَتَخَيَّرُ. قالَ الشَّيخُ: إنْ خالَفَه لقوَّةِ الدَّليلِ أو زيادةِ علمٍ أو تقوى، فقد أَحْسَنَ ولم يُقدَحْ في عدالتِه بلا نزاعٍ، وقال: بل يَجِبُ في هذه الحال وأنَّه نصُّ أحمدَ. وذَكَرَ ابنُ هُبَيْرَةَ مِن مكائدِ الشَّيطانِ أنْ يُقِيمَ أوثانًا [في المعنى] (٤) تُعبَدُ مِن دونِ اللهِ مِثْلُ أنْ يَتَبَيَّنَ الحقَّ فيَقُولُ: لَيْسَ هذا مَذهَبَنا، تقليدًا لمعظَّمٍ عندَه قد قدَّمَه على الحقِّ.

стр. 826

(٢) (وَلَا) يَلْزَمُ العَامِّيَّ (ألَّا يَنْتَقِلَ عَنْ مَذْهَبٍ عَمِلَ بِهِ) إلى مذهبٍ آخَرَ (فَيَتَخَيَّرُ) عندَ الأكثرِ، واختارَ الآمِدِيُّ منعَ الانتقالِ فيما عَمِلَ به. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أي: العامِّيِّ (تَتَبُّعُ الرُّخَصِ) وهو أنَّه كُلَّما وَجَدَ رخصةً في مذهبٍ عَمِلَ بها، ولا يَعمَلُ بغيرِها في ذلك المذهبِ، بل هذه الفَعلةُ زَنْدَقَةٌ مِن فاعِلِها، (وَيَفْسُقُ بِهِ) أي: بتتبُّعِ الرُّخَصِ، فإنَّ القائلَ بهذه الرُّخصةِ في هذا المذهبِ لا يَقُولُ بالرُّخصةِ بتلك الرُّخصةِ الأُخرى. (وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ) مُفتٍ (مُجْتَهِدٌ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ) إجماعًا. (وَإِنْ عَمِلَ عَامِّيٌّ بِمَا أَفْتَاهُ مُجْتَهِدٌ) في حادثةٍ (لَزِمَهُ) البقاءُ عليه قطعًا وليسَ له الرُّجوعُ عنه إلى فتوى غيرِه في تلك الحادثةِ بعينِها إجماعًا، (وَإِلَّا) بأنْ لم يَعمَلْ بما أفتاه المجتهدُ (فَـ) الصَّحيحُ أنَّه (لَا) يَلْزَمُه العملُ به (إِلَّا بِالتِزَامِهِ) ذلك، وقِيلَ: يَلْزَمُه إذا وَقَعَ في نَفْسِه صِحَّتُه وحقيقتُه، وقِيلَ: يَلْزَمُه بالشُّروعِ، فإن لم يَشْرَعْ ساغَ سؤالُ غيرِه، وقِيلَ بالإفتاءِ بمُجَرَّدِ ما أَفْتَاه لَزِمَه العملُ به؛ لأنَّه في حَقِّه كالدَّليلِ بالنِّسبةِ إلى المجتهدِ، كما لو لم يُوجَدْ غيرُه أو حَكَمَ به عليه حاكمٌ. (وَإِنِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ) أي: العامِّيِّ (مُجْتَهِدَانِ) بأنْ أَفْتَاه واحدٌ بحُكمٍ وآخَرُ بآخَرَ، (تَخَيَّرَ) في الأخذِ على الصَّحيحِ، وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ ظاهرَ كلامِ أحمدَ، فإِنَّه سُئِلَ عن مسألةٍ في الطَّلاقِ، فقالَ: إنْ فَعَلَ حَنَثَ. فقالَ السَّائلُ: إنْ أَفْتَاني إنسانٌ: لا أَحنَثُ؟ قالَ: تَعرِفُ حلقةَ المَدنيِّينَ؟ قُلْتُ: فإنْ أَفْتَوْنِي، حَلَّ؟ قالَ: نعمْ.

стр. 827

(فَصْلٌ) يَجُوزُ (لِمُفْتٍ رَدُّهَا) أي: الفتيا، (وَ) مَحَلُّه إذا كانَ (فِي البَلَدِ غَيْرُهُ) مِن المُفتينَ (١) وهو (أَهْلٌ لَهَا شَرْعًا) على الصَّحيحِ؛ لأنَّها إذًا في حقِّه سُنَّةٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ في البلدِ غيرُه (لَزِمَه الجَوابُ) قطعًا؛ لأنَّه فرضُ كفايةٍ في حقِّه، (إِلَّا: (١) عَمَّا) أي: حُكمٍ (لَمْ يَقَعْ) فلا يَلزَمُ جوابُه، وقد سُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن يأجوجَ ومأجوجَ أمسلمون هم؟ فقالَ للسَّائلِ: أَحكَمْتَ العِلْمَ حَتَّى تَسأَلَ عن ذا؟! (٢) (وَ) لا يَلْزَمُ المفتيَ جوابُ (مَا لَا يَحْتَمِلُهُ السَّائِلُ)، وقد سُئِلَ أحمدُ عن مسألةٍ في اللِّعانِ، فقالَ: سَلْ رَحِمَك اللهُ عَمَّا (٢) ابتُليتَ به. (٣) (وَ) لا يَلْزَمُه أن يُجِيبَ عن (مَا لَا يَنْفَعُهُ) أي: ينفعُ السَّائلَ، وقد سَأَلَ مُهَنَّا أحمدَ عن مسألةٍ، فغَضِبَ وقال: خُذْ -وَيْحَكَ- فيما تَنتفعُ به وإيَّاك وهذه المسائلَ المُحدَثَةَ، وخُذْ فيما (٣) فيه حديثٌ، وفي حديثِ اللِّعانِ: «وَكَرِهَ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا» (٤). قالَ البَيْهَقِيُّ (٥): كُرِهَ السُّؤالُ عنِ المسألةِ قَبْلَ كَوْنِها إذا لم يَكُنْ فيها كتابٌ أو سُنَّةٌ؛ لأنَّ الاجتهادَ إِنَّمَا يُباحُ ضَرورةً.

стр. 828

ثمَّ رَوَى عن معاذٍ: «أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَعَجَّلُوا بِالبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ» (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ لعِكْرِمَةَ: مَن سَأَلَك عمَّا لا يَعنِيه فلا تُفْتِه (٢). وسَأَلَ المَرْوَذِيُّ أحمدَ عن شيءٍ مِن أمرِ العدلِ، فقالَ: لا تَسأَلْ عن هذا؛ فإنَّك لا تُدرِكُه (٣). وذَكَرَ ابنُ عقيلٍ أنَّه يَحرُمُ إلقاءُ عِلْمٍ لا يَحتملُه السَّائلُ. ولا شكَّ أنَّ أمرَ الفُتيا خَطَرٌ، (وَ) قد (كَانَ السَّلَفُ) الصَّالحُ (يَهَابُونَهَا) كثيرًا (وَيُشَدِّدُونَ فِيَها وَيَتَدَافَعُونَهَا) حَتَّى تَرجِعَ إلى الأوَّلِ؛ لِما فيها من المخاطرةِ، فيَنبغي أنْ يُتَّبَعَ السَّلفُ في ذلك. (وَيَحْرُمُ تَسَاهُلُ) مُفتٍ (فِيهَا) أي: الفتيا، (وَ) يَحرُمُ (تَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ بِهِ) أي: بالتَّساهلِ. قالَ أحمدُ: لا يَنبغي أنْ يُجِيبَ في كلِّ مَا يُستفتى فيه. وأَنْكَرَ على مَن تَهَجَّمَ في الجوابِ. (وَلَا بَأْسَ) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَدُلَّ) المستفتيَ (عَلَى) رجلٍ (مُتَّبَعٍ) أو مُتَعَيِّنٍ إنْ كانَ المستفتي أهلًا للرُّخصةِ كطالبِ التَّخلُّصِ مِن الرِّبَا فيَدُلُّه على مَن يَرى التَّحيُّلَ للخلاصِ منه، والخُلْعِ بعدمِ وقوعِ الطَّلاقِ. قالَ في «شرح الأصل»: ولا يَسَعُ النَّاسَ في هذه الأزمنةِ غيرُ هذا (٤).

стр. 829

وصَوَّبَه، وجِيءَ بفتوى للإمامِ أحمدَ فلم تَكُنْ عندَه، فقالَ: عليكم بحلْقَةِ المَدنِيِّينَ. ففي هذا دليلٌ على أنَّ المفتيَ إذا جاءَه المستفتي ولم تَكُنْ عندَه رخصةٌ أنَّه يَدُلُّه على مذهبِ مَن له فيه رخصةٌ، وهذه المسائلُ [مُتَعَلِّقَةٌ بالتَّخلُّصِ] (١) ممَّا يَقَعُ فيه الإنسانُ كالعامِّيِّ، فإنَّ في ذلك راحةً وخلاصًا ممَّا هو أعظمُ ممَّا وَقَعَ فيه. وقالَ ابنُ الجوزيِّ: التَّقليدُ للأكابرِ أَفْسَدَ العقائدَ (٢). ولا يَنبغي أنْ يُنَاظَرَ بأسماءِ الرِّجالِ وإنَّما يَنبغي أنْ يُتَّبَعَ الدَّليلُ، فإنَّ أحمدَ أَخَذَ في الجدِّ بقولِ زيدٍ وخالَفَ الصِّدِّيقَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: مَن صَدَرَ اعتقادُه عن برهانٍ لم يَبْقَ عِندَه تَلوُّنٌ يُراعي به أحوالَ الرِّجالِ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٣)، وكانَ الصِّدِّيقُ مِمَّن ثبتَ معَ اختلافِ الأحوالِ، فلم تَنقلِبْ به الأحوالُ في كلِّ مقامٍ زلَّت به (٤) الأقدامُ.

стр. 830

(فَصْلٌ) فيما يَتَعَلَّقُ بآدابِ المُستفتي والمُفتي و (يَنْبَغِي) لمُستفتٍ (حِفْظُ الأَدَبِ معَ مُفْتٍ وَإِجْلَالُهُ) وتعظيمُه إِيَّاه: (١) (فَلَا) يَقُولُ مُستفتٍ لمُفتٍ أو (يَفْعَلُ مَعَهُ مَا جَرَتْ عَادَةُ العَوَامِّ بِهِ، كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، (٢) وَلَا يُطَالِبُهُ بِالحُجَّةِ) على ما يُفتي به على الصَّحيحِ، (٣) (ولا يُقالُ لَه): ما مَذهَبُ إمامِك في كذا؟ أو أفتاني غيرُك أو فلانٌ بكذا، أو كذا قُلْتُ أنا أو وَقَعَ لي، أو (إِنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوَافِقًا فَاكْتُبْ، وَإِلَّا فَلَا) تَكْتُبْ، (وَنَحْوُهُ)، ظاهرُه لا فرقَ بينَ أنْ يَكُونَ الدَّليلُ قطعيًّا أو ظنيًّا. وقالَ ابنُ السَّمعانيِّ: يَلْزَمُه ذِكرُ دليلٍ قاطعٍ، وإلَّا فلا (١). (لَكِنْ إِنْ عَلِمَ) المفتي (غَرَضَ السَّائلِ) في شيءٍ: (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ غَيْرَهُ) أو يَسْأَلَه على ضجرٍ، أو هَمٍّ، أو (٢) قيامٍ ونحوِه. (وَ) قالَ ابنُ عَقِيلٍ: (لَا يَجُوزُ) للمفتي: (١) (إِطْلَاقُ الفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ) إجماعًا، فلو سُئِلَ: أيَجُوزُ الأكلُ بعدَ طلوعِ الفجرِ؟ فلا بدَّ أن يَقُولَ: يَجُوزُ بعدَ الفجرِ الأوَّلِ لا الثَّاني. قالَ ابنُ مُفلِحٍ: ويَتَوَجَّهُ عملُ بعضِ أصحابِنا بظاهرٍ (٣). وقالَ، يَعني ابنَ عَقِيلٍ: حادثةٌ (٤) نبَّهتْ على التَّحرُّزِ مِن الخديعةِ في الفُتيا: صبيٌّ بَشَرَتُه ظاهرةٌ وجلدتُه مقلَّصةٌ فشَاهَدَه الفقهاءُ وأفتى أقوامٌ: «لا يَجِبُ

стр. 831

خَتْنُه»، فوَقَعَ في نَفْسِ الحنبليِّ أن يَمُدَّ يَدَه ويُحَرِّكَ الجلدةَ، فامتدَّ واستخفَّ بهم حيثُ دَلَّسُوا. قالَ: وأَوْجَب الشَّرعُ والعقلُ التَّحرُّزَ مِن العوامِّ بالتَّقِيَّةِ كما يَلْزَمُه التَّحرُّزُ مِن مَضَارِّ الآخرةِ، حُكِيَ أنَّ حنفيًّا وَطِئَ رَجعِيَّةً فتَحَدَّثَتْ هي وابنٌ لها مِن غيرِه في قتلِه وإباحةِ مالِه، فعَلِمَ حنبليٌّ فأَعلَمَهم بإباحتِها، وهل يَسوغُ لعاقلٍ أنْ يُهمِلَ هؤلاءِ ولا يَفزَعَ منهم كلَّ الفزعِ، ويَتجاهَلَ كلَّ التَّجاهُلِ في الأخذِ بالاحتياطِ منهم، وإنْ أَهْمَلَهم بعينِ الازدراءِ ضَيَّعَ نَفْسَه، فإِنَّه عندَهم أهونُ وهم أكثرُ وعلى الإضرارِ به أقدرُ، وهل طاحَتْ دماءُ الأنبياءِ والأولياءِ إلَّا بأيدي هؤلاءِ وأمثالِهم، حيثُ رَأَوْا مِن التَّحقيقِ ما يُنكرون، ولا إقالةَ عالمٍ زلَّ في شيءٍ ممَّا يَكرهون (١). (٢) (وَ) مَن أرادَ كتابةً في فتيا فـ (لَا) يَجُوزُ له (أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ، أَوْ يُوَسِّعَ الأَسْطُرَ، أَوْ يُكْثِرَ) من الألفاظِ (إِنْ أَمْكَنَهُ اخْتِصَارٌ فِيهَا) لتَصرُّفِه في مِلكِ غيرِه بلا إذنِه، ولا حاجةَ، كما لو أباحَه قميصَه، فاسْتعمَلَه فيما يَخرُجُ عن العادةِ بلا حاجةٍ، (و) كذلك (لَا) يَجُوزُ لمن أرادَ كتابةً (فِي شَهَادَةٍ) أنْ يُكثِرَ أو يُوَسِّعَ الأسطرَ (بِلَا إِذْنِ مَالِكٍ). قالَ في «شرح الأصل»: وفيه نظرٌ، لا سِيَّما في الفتاوى؛ فإنَّ العلماءَ (٢) إذا كَتَبُوا عليها أَطْنَبُوا وزادُوا على المرادِ (٣). ولمَّا انْتَهى الكلامُ في مباحثِ أدلَّةِ الفقهِ المُتَّفَقِ عليها والمختلفِ فيها، وكانَتْ رُبَّما تعارَضَ منها دليلانِ باقتضاءِ حُكمَينِ مُتَضادَّينِ، احتاجَ المجتهدُ إلى ما يُقدَّمُ منها وما يُؤَخَّرُ؛ لئلَّا يَأخُذَ بالأضعفِ منها معَ وجودِ الأقوى، فيَكونَ كالمُتيمِّمِ معَ وجودِ الماءِ، فلذلك أَعقَبَها بقولِه:

стр. 832

(بَابُ تَرْتِيبِ الأَدِلَّةِ) الَّتي هي: الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والقِيَاسُ، وغيرُه مِن الأصولِ المختلَفِ فيها، (وَالتَّعَادُلُ وَالتَّعَارُضُ وَالتَّرْجِيحُ) وهذا البابُ مِن موضوعِ نظرِ المجتهدِ وضروراتِه؛ لأنَّ الأدلَّةَ الشَّرعيَّةَ متفاوتةٌ في مراتبِ القوَّةِ، وقد يَعرِضُ لها التَّعَارُضُ والتَّكافي فتَصِيرُ بذلك كالمعدومةِ، فيَحتاجُ المجتهدُ إلى إظهارِ بعضِها بالتَّرجيحِ ليَعمَلَ به، وإلَّا تَعَطَّلَتِ الأدلَّةُ والأحكامُ، فهذا البابُ ممَّا يَتَوَقَّفُ عليه الاجتهادُ توقُّفَ الشَّيءِ على جُزئِه أو شرطِه. ولمَّا كانَ مقصودُ التَّرتيبِ للأدلَّةِ وتعادلِها وتعارُضِها وتَرجيحِها وَجَبَ الكشفُ عن حقيقةِ التَّرتيبِ وغيرِه؛ لأنَّها شروطٌ في الاجتهادِ، والحُكمُ عليها بالشَّرطِيَّةِ يَستدعي سَبْقَ تصوُّرِ مَاهِيَّتِها؛ إذ التَّصديقُ أبدًا مَسبوقٌ بالتَّصوُّرِ، ولمَّا كانَ التَّرتيبُ مَصدَرَ رَتَّبَ يُرَتِّبُ تَرْتِيبًا عَرَّفَه بمصدرٍ مِثْلِه وهو الجَعْلُ، فقالَ: (التَّرْتِيبُ: جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ)؛ لأنَّ التَّرتيبَ قد يَكُونُ في شيئينِ وقد يَكُونُ في أشياءَ كثيرةٍ، كجماعةِ رجالٍ مُتفاوتينَ في الأقدارِ، يَجلِسُ كلُّ واحدٍ منهم حيثُ يَستحِقُّ بالنِّسبةِ إلى أصحابِه، وقولُه: (فِي رُتْبَتِهِ) أي: في موضعِه أو منزلتِه (الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا) أي: يَستحِقُّ جَعلَها فيها بوجهٍ مِن الوجوهِ؛ لأنَّ أسبابَ التَّرتيبِ والتَّفاوُتِ في المراتبِ مُتَعَدِّدَةٌ، فقد يَستحِقُّ الشَّيءُ التَّقديمَ مِن جهةِ قُوَّتِه أو قُربِه أو حُسنِه أو خاصِّيَّةٍ (١) فيه، وقد

стр. 833

يَستحِقُّ الإنسانُ التَّقديمَ تارةً لشجاعتِه، وتارةً لعِلْمِه، وتارةً لجاهِه، وتارةً لدينِه، وتارةً لجمالِه، وغيرِ ذلك مِن الجهاتِ. إذا عَرَفْتَ ذلك (فَيُقَدَّمُ) مِن أدلَّةِ الشَّرعِ: (١) (إِجْمَاعٌ) على باقيها؛ لوجهين: أحدُهما: كونُه قاطعًا مَعصومًا من الخطأِ بشهادةِ المعصومِ ﵇ في قولِه: «إِنَّ اللهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: ألَّا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَألَّا يَظْهَرَ أَهْلُ البَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الحَقِّ، وَألَّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ» (١). والأحاديثُ كثيرةٌ في مِثلِ هذا، وإنْ كانَ في بعضِ سندِها ضعفٌ، فهي تُقَوِّي بَعضَها. والوجهُ الثَّاني: كونُه آمنًا مِن النَّسخِ والتَّأويلِ، بخلافِ باقي (٢) الأدلَّةِ، فإنَّ النَّسخَ يَلْحَقُها والتَّأويلَ يَتَّجِهُ عليها. (ثُمَّ) إذا نُقِلَ إجماعانِ مُتضادَّانِ فـ (سَابِقٌ) مِنهما معمولٌ به، ظاهرُه سواءٌ كانَا في عصرٍ واحدٍ أو عصرينِ؛ لأنَّ كلَّ مَنِ اجتهدَ مِن المُتأخِّرينَ فقولُه باطلٌ لمخالفتِه الإجماعَ السَّابقَ. (وَ) إنْ كانَ أحدُهما مُختلفًا فيه، والآخَرُ مُتَّفقًا عليه فـ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَوْ أَقْوَى) بأنْ كانَ الخلافُ في كونِه إجماعًا [أَضعَفَ، فيُقَدَّمُ على ما كانَ الخلافُ في كونِه إجماعًا] (٣) أقوى.

стр. 834

والإجماعُ أربعةُ أنواعٍ: نطقيٌّ متواترٌ، نطقيٌّ ثابتٌ بالآحادِ، سكوتيٌّ متواترٌ، سكوتيٌّ ثابتٌ بالآحادِ. (وَأَعْلَاهُ): - إجماعٌ (مُتَوَاتِرٌ نُطْقِيٌّ) فهو مُقَدَّمٌ على غيرِه، - (فَـ) يَليه: إجماعُ [(آحَادٍ) نُطقيٌّ، - (فَـ) يَليه: إجماعٌ] (١) (سُكُوتِيٌّ كَذَلِكَ) أي: متواترٌ سُكوتيٌّ فآحادٌ سكوتيٌّ. فهذه الأنواعُ كلُّها مُقدَّمَةٌ على الكتابِ، وعلى جميعِ أنواعِ السُّنَّةِ مِن متواترةٍ وغيرِها. (٢) (فَـ) يَلي الإجماعَ بأنواعِه مِن حيثُ التَّقديمُ: (الكِتَابُ وَمُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ) فيُقَدَّمان على سائرِ الأدلَّةِ؛ لأنَّهما قاطعانِ مِن جهةِ المتنِ، ولهذا نُسِخَ كلٌّ مِنهما بالآخَرِ على الأصحِّ؛ لأنَّ كلًّا منهما وَحيٌ مِن اللهِ تعالى، وإنِ افْتَرَقا مِن حيثُ إنَّ القُرآنَ نَزَلَ للإعجازِ، فهما في الحقيقةِ سواءٌ. (٣) (فَـ) يَلي الكتابَ ومتواترَ السُّنَّةِ (آحَادُهَا عَلَى مَرَاتِبِهَا) أي: مراتبِ آحادِ السُّنَّةِ، ومراتبُها: صحيحٌ، ثمَّ حَسَنٌ، ثمَّ ضعيفٌ، وتَتَفَاوَتُ مراتبُها، فيُقَدَّمُ مِن كلٍّ منها (٢) ما كانَ أقوى ومَحَلُّ تعريفِها وبسطِها كُتُبُ الحديثِ. (٤) (فَـ) يَلي ضعيفَ السُّنَّةِ (قَوْلُ صَحَابِيٍّ، (٥) فَقِيَاسٌ) بعدَ ذلك كلِّه، ثمَّ باقي الأدلَّةِ على مراتبِها في نظرِ المجتهدِ.

стр. 835

والغرضُ مِن هذا الكلامِ أنَّ المُجتهدَ له وظائفُ، وهي: ترتيبُ الأدلَّةِ والتَّصرُّفُ فيها وترجيحُ بعضها على بعضٍ عندَ التَّعَارُضِ، والتَّرجيحُ نوعٌ مِن التَّصرُّفِ فيها. أمَّا التَّرتيبُ: فهو ما بيَّنَه مِن تقديمِ الإجماعِ، ثمَّ الكتابِ، ثمَّ خبرِ الواحدِ، ثمَّ قولِ الصَّحابيِّ، ثمَّ القِيَاسِ، ثمَّ باقي الأدلَّةِ على مَراتِبِها في نظرِ المجتهدِ. وأمَّا التَّصرُّفُ فيها كحملِ العامِّ على الخاصِّ، والمطلقِ على المقيَّدِ، والمجمَلِ على المبيَّنِ، ونحوِ ذلك، فقد تَقَدَّمَ في أبوابِه. وسُمِّيَ هذا تَصَرُّفًا؛ لأنَّ التَّصرُّفَ هو التَّنقُّلُ في الأزمنةِ والأحوالِ، وهذا تَنقُّلٌ في أحوالِ الأدلَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ. وأمَّا التَّرجيحُ فسيَأتي ذِكرُه قريبًا، وإنَّما أخَّرَه عن التَّعَارُضِ؛ لأنَّه فَرعُه فلا يَقَعُ إلَّا معَ وجودِه، فحيثُ انْتَفَى التَّعَارُضُ انتفى التَّرجيحُ، فالتَّرجيحُ مُرَتَّبٌ على وجودِه، فإذا عَرَضَ للأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ التَّعَارُضُ والتَّكافي صارَتْ كالمعدومةِ، فتَحتاجُ إلى التَّرجيحِ، وقد أَشرْتُ إلى ذلك أوَّلَ البابِ. (وَالتَّعَارُضُ: تَقَابُلُ دَلِيلَيْنِ وَلَوْ) بينَ دليلينِ (عامَّيْنِ) فيَجُوزُ تعارضُهما عندَ الأكثرِ (عَلَى سَبِيلِ المُمَانَعَةِ) مُتَعَلِّقٌ بـ «تقابُلُ»، وذلك إذا كانَ أحدُ الدَّليلَينِ يَدُلُّ على الجوازِ والآخرُ يَدُلُّ على المنعِ، فدليلُ الجوازِ يَمنَعُ التَّحريمَ، ودليلُ التَّحريمِ يَمنَعُ الجوازَ، فكلٌّ مِنهما مقابلٌ للآخَرِ، ومعارضُ له ومانعٌ له، كنَهْيِه ﵇ عن الصَّلَاة بعدَ الصُّبحِ والعصرِ، معَ قولِه ﵇: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١)؛ لأنَّ كلًّا منهما عامٌّ مِن وجهٍ خاصٌّ مِن وجهٍ.

стр. 836

(وَالتَّعَادُلُ) هو (التَّسَاوِي) بينَ الدَّليلَينِ المتعارضينِ، بحيثُ لا يَكُونُ في أَحَدِهما ما يُرَجِّحُه على الآخَرِ (لَكِنَّ تَعَادُلَ) دَلِيلَيْنِ (قَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ) اتِّفاقًا، (فَلَا تَرْجِيحَ) سواءٌ كانَ الدَّليلانِ عقليَّينِ أو نقليَّينِ أو أحدُهما عقليًّا والآخَرُ نقليًّا؛ إذ لو فُرِضَ ذلك لَزِمَ اجتماعُ النَّقيضينِ أو ارتفاعُهما، وتَرجيحُ أحدِهما على الآخَرِ مُحالٌ، فلا مَدخَلَ للتَّرجيحِ في الأدلَّةِ القطعيَّةِ، (وَالمُتَأَخِّرُ) مِن الدَّليلَينِ (نَاسِخٌ) للمتقدِّمِ إنْ عُلِمَ التَّاريخُ، وكانَ المدلولُ قابلًا للنَّسخِ، (وَلَوْ) كانَ الدليلانِ مَنقولينِ (آحَادًا) فيُعمَلُ بالمُتأخِّرِ على الأصحِّ؛ لأنَّه انضمَّ إلى ذلك أنَّ الأصلَ فيه الدَّوامُ والاستمرارُ. (وَمِثْلُهُ) أي: مِثْلُ القطعيَّينِ: (قَطْعِيٌّ وَظَنِّيٌّ) أي: لا تعادُلَ بينَهما ولا تعارُضَ لانتفاءِ الظَّنِّ؛ لأنَّه يَستحيلُ وجودُ ظنٍّ في مقابلةِ يقينٍ خلافِه. (وَيُعْمَلُ بِـ) الدَّليلِ (القَطْعِيِّ) والظَّنِّيُّ لغوٌ؛ ولذلك لا يَتَعارَضُ حُكمٌ مُجمَعٌ عليه معَ حُكمٍ آخَرَ لَيْسَ مُجمَعًا عليه، (وَكَذَا) دليلانِ (ظَنِّيَّانِ) يَعني: تعادلُهما محالٌ على الصَّحيحِ، وظاهرُه ولو كَانَ أحدُهما سُنَّةً قابَلها كتابٌ، (فَـ) على هذا (يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا) إنْ أَمْكَنَ بأنْ عُلِمَ التَّأريخُ، [ولو كانَ] (١) أحدُهما عامًّا والآخَرُ خاصًّا أو مُطلقًا أو مُقَيَّدًا ونحوَ ذلك، فلا يُقَدَّمُ أحدُهما على الآخَرِ على الصَّحيحِ، وقِيلَ: يُقَدَّمُ الكتابُ على السُّنَّةِ، وقِيلَ: يُقَدَّمُ السُّنَّةُ على الكتابِ. وأمَّا قولُه ﷺ في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٢)، معَ قولِه تَعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾

стр. 837

إلى قولِه: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١) فكلٌّ مِن الآيةِ والحديثِ يَتَناوَلُ خنزيرَ البحرِ، فيَتَعارَضُ عمومُ الكتابِ والسُّنَّةِ في خنزيرِ البحرِ، فقَدَّمَ بعضُهم الكتابَ فحَرَّمَه وبعضُهم قَدَّمَ السُّنَّةَ فأَحَلَّه، وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. (فَـ) إنْ لم يُمكِنِ الجمعُ بينَ الدَّليلَينِ بـ (أَنْ تَعَذَّرَ، وَعُلِمَ التَّاريِخُ، فَـ) الدَّليلُ (الثَّاني نَاسِخٌ) لما قَبْلَه (إِنْ قَبِلَهُ) أي: إنْ قَبِلَ الثَّاني النَّسخَ. (وَإِنِ اقْتَرَنَا) أي: الدَّليلانِ الظَّنِّيَّانِ بأنْ لم يَسبِقْ أحدُهما الآخَرَ، (خُيِّرَ) المجتهدُ في العملِ والإفتاءِ بأيِّهما شاءَ، وحيثُ قُلْنُا بالتَّخييرِ أو التَّعادُلِ فلا يَعمَلُ ولا يُفتي إلَّا بقولٍ واحدٍ في الأصحِّ. (وَإِنْ جُهِلَ) التَّأريخُ اجتهدَ في الجمعِ إنْ أَمْكَنَ ثمَّ في التَّاريخِ، فإنْ تَعَذَّرَ (وَقَبِلَهُ) أي: قَبِلَ الدَّليلُ النَّسخَ (رَجَعَ إِلَى) العَمَلِ بِـ (غَيْرِهِمَا) أي: غيرِ الدَّليلَينِ إِنْ أَمْكنَ العملُ بغيرِهما (وَإِلَّا) بأنْ تَعَذَّرَ عليه العملُ بغَيرِهما (٢) (اجْتَهَدَ فِي التَّرْجِيحِ، وَيَقِفُ) عن العملِ بواحدٍ مِنهما (إِلَى أَنْ يَعْلَمَهُ) أي: يَعلَمَ الرَّاجحَ فيَعمَلَ بما تَبَيَّنَ. وقال جماعةٌ مِن أصحابِنا والأكثرُ مِن غيرِهم: يَجُوزُ تعادُلُهما كما في نظرِ المجتهدِ اتِّفاقًا، فعلى هذا هل يُخَيَّرُ المجتهدُ كالكَفَّارةِ وغيرِها أو يَسقُطَانِ ويَجِبُ الرُّجوعُ إلى غيرِهما وهو البراءةُ الأصليَّةُ أو يَقِفُ كتعارضِ البَيِّنَتَينِ أو يَكُونُ كعامِّيٍّ يَجِبُ تَقليدُ غيرِه؟ فيه أقوالٌ، لكنْ فَرَّقَ القائلُ بالأوَّلِ بأنَّه لا تَعارُضَ في الكَفَّارةِ، ولهذا يَجُوزُ وُرودُ الشَّرعِ بإيجابِ الكلِّ، ولا يَجُوزُ في مسألتِنا، ويَكُونُ علامةَ التَّخييرِ،

стр. 838

ومِن هنا جازَ للعامِّيِّ أن يَستفتيَ مَن شاءَ مِن المُفتينَ (١) ويَعمَلَ بقولِه، وقِيلَ: إنْ وَقَعَ التَّعادُلُ في الواجباتِ؛ إذ لا يَمتنعُ التَّخييرُ فيها في الشَّرعِ، كمن مَلَكَ مِئتينِ مِن الإبلِ يُخَيَّرُ بينَ إخراجِ أربعِ حِقاقٍ أو خمسِ بناتِ لَبُونٍ، وإنْ وَقَعَ بينَ حُكمَينِ مُتناقضَينِ كإباحةٍ وتحريمٍ، فحُكمه التَّناقضُ والرُّجوعُ إلى البراءةِ الأصليَّةِ، وليسَ للمُفتي تخييرُ المستفتي والخصومِ (٢) ولا الحُكْمُ في وقتٍ بحُكمٍ، وفي وقتٍ بحُكْمٍ آخَرَ، بل يَلْزَمُ أحدَ القولينِ. وهل يَتَعَيَّنُ أحدُ الأقوالِ بالشُّروعِ فيه كالكَفَّارةِ أم بالتزامِه كالنَّذرِ؟ قالَ الباقلَّانيُّ: لهم فيه قولانِ. (وَالتَّرْجِيحُ) فِعْلُ المُرَجِّحِ النَّاظرِ في الدَّليلِ، وهو (تَقْوِيَةُ إِحْدَى أَمَارَتَيْنِ) صالحتينِ (٣) للإفضاءِ إلى معرفةِ الحُكمِ (عَلَى) الأمارةِ (الأُخْرَى لِدَلِيلٍ) أي: لاختصاصِ تلك الأمارةِ بقوَّةٍ في الدَّلالةِ، كما إذا تَعارَضَ الكتابُ والإجماعُ [في حُكمٍ] (٢) والعامُّ والخاصُّ، أو قياسُ العِلَّةِ والشَّبَهِ، فكلٌّ مِنهما طريقٌ يَصلُحُ لأنْ (٤) يُعرَفَ به الحُكمُ، لكنَّ الإجماعَ اختصَّ بقوَّةٍ على الكتابِ مِن حيثُ الدَّلالةُ، وكذا الخاصُّ على العامِّ، وقياسُ العِلَّةِ على الشَّبَهِ مُقَدَّمٌ لذلك، وقد رَجَّحَتِ الصَّحابةُ قَولَ عائشةَ ﵂ في التقاءِ الختانَينِ: «فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ » على ما رَوَاه الجماعةُ عن النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» (٥)؛ لكونِها أعرفَ بذلك منهم، وقد نَصَّ الشَّارِعُ على اعتبارِ التَّرجيحِ، حيثُ قالَ: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ

стр. 839

لِكِتَابِ اللهِ » (١)، ولمَّا كَثُرَ القَتْلى يومَ أحدٍ أَمَرَ بدفنِ الجماعةِ في القبرِ الواحدِ، وقال: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» (٢). وبالجملةِ، فالتَّرجيحُ دأبُ العقلِ والشَّرعِ حيثُ احتاجَ إليه. (وَلَا تَرْجِيحَ فِي الشَّهَادَةِ) والفرقُ بينَها وبينَ الأدلَّةِ هو أنَّ بابَ الشَّهادةِ مَشُوبٌ بالتَّعبُّدِ، بدليلِ أنَّ الشَّاهدَ لو أَبْدَلَ لفظَ الشَّهادةِ بلفظِ الإخبارِ أو العِلْمِ، فقالَ: أُخْبِرُ، أو أَعْلَمُ مَكانَ أَشْهَدُ، لم تُقبَلْ، ولا تُقبَلُ شهادةُ جمعٍ مِن النِّساءِ، وإنْ كَثُرْنَ على يسيرٍ مِن المالِ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُنَّ رجلٌ معَ أنَّ شهادةَ الجمعِ الكثيرِ من النِّساءِ يَجُوزُ أن يَحصُلَ به العلمُ التَّواتُرِيُّ، وما ذاك إلَّا لثُبُوتِ (٣) التَّعبُّدِ، فجازَ أن يَكُونَ عدمُ التَّرجيحِ فيها مِن ذلك بخلافِ الأدلَّةِ؛ إذ لا تَعبُّدَ فيها. قالَ الطُّوفِيُّ: والتَّرجيحُ أمرٌ مُفِيدٌ مَعقولٌ فلا مانِعَ له مِن لُحوقِها، والمُقتضِي مَوجودٌ، وهو وجوبُ الوصولِ إلى الحقِّ بما يُمكِنُ مِن الظَّنِّ أو العلمِ (٤). فائدةٌ: لو عَلِمَ الحاكمُ يقينًا خلافَ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ، فيَنبغي أنْ يَتَعَيَّنَ الحكمُ عليه بما عَلِمَه، ويَصيرُ ذلك بمثابةِ مُنكَرٍ اختصَّ بعِلْمِه، وهو قادرٌ على إزالتِه، بل هذا هو عينُ ذاك أو صورةٌ مِن صورِه.

стр. 840

(وَلَا) ترجيحَ (فِي المَذَاهِبِ الخَالِيَةِ عَنْ دَلِيلٍ) كأنْ يُقالَ: مذهبُ الشَّافعيِّ أرجحُ مِن مذهبِ أبي حنيفةَ، ونحوُ ذلك؛ لأنَّ المذاهبَ لتَوافُرِ انْهِرَاعِ النَّاسِ إليها وتَعويلِهم عليها صارَتْ كالشَّرائعِ والمللِ المختلفةِ، ولا ترجيحَ في الشَّرائعِ، ولو كَانَ للتَّرجيحِ مدخلٌ في المذاهبِ لاضطربَ النَّاسُ، ولم يَستقرَّ أحدٌ على مذهبٍ، ومَورِدُ التَّرجيحِ إِنَّمَا هو الأدلَّةُ الظَّنِّيَّةُ مِن الألفاظِ المسموعةِ، كنُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ وظواهرِهما والمعاني المعقولةِ، كأنواعِ الأقيسةِ والشَّبِيهاتِ المستفادةِ مِن النُّصوصِ، فحيثُ اختصَّ التَّرجيحُ بالأدلَّةِ الظَّنِّيَّةِ فلا مَدخَلَ له في المذاهبِ مِن (١) غيرِ تمسُّكٍ بدليلٍ. وقالَ الطُّوفِيُّ: الصَّحيحُ المختارُ أنَّ للتَّرجيحِ مَدخلًا في المذاهبِ مِن حيثُ الإجمالُ والتَّفصيلُ إذا دَلَّ عليه الدَّليلُ (٢). ثمَّ قالَ: التَّرجيحُ في المذاهبِ واقعٌ بالإجماعِ، وهو دليلُ الجوازِ قطعًا (٣). (وَلَا) تَرجيحَ (بَيْنَ عِلَّتَيْنِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ) واحدةٍ (مِنْهُمَا طَرِيقًا لِلْحُكْمِ مُنْفَرِدَةً) لأنَّه لا يَصلُحُ ترجيحُ طريقٍ على ما لَيْسَ بطريقٍ. (وَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ) صفةٌ قائمةٌ بالدَّليلِ أو مضافةٌ إليه، وهي (كَوْنُ الظَّنِّ المُسْتَفَادِ مِنْهُ أَقْوَى) مِن الظَّنِّ المستفادِ مِن غيرِه، كالمستفادِ مِن قياسِ العِلَّةِ بالنِّسبةِ إلى قياسِ الشَّبَهِ أو مِن الخاصِّ بالنِّسبةِ إلى العامِّ، ويَظهَرُ لك الفرقُ بينَ التَّرجيحِ والرُّجحانِ مِن جهةِ التَّصريفِ اللَّفظيِّ، فإنَّك تَقولُ: رَجَّحْتُ الدَّليلَ تَرجْيحًا، فأنا مُرَجِّحٌ، والدَّليلُ مُرَجَّحٌ بفتحِ الجيمِ، وتَقولُ: رَجَحَ

стр. 841

الدَّليلُ رُجْحَانًا، فهو راجحٌ، أَلَا تَرَى أنَّك أَسْنَدْت التَّرجيحَ إلى نفسِك إسنادَ الفعلِ إلى (١) الفاعلِ، وأسندتَ الرُّجحانَ إلى الدَّليلِ، فلذلك كانَ التَّرجيحُ وصفَ المستدلِّ والرُّجحانُ وَصفَ الدَّليلِ، فهذه الطَّريقةُ التَّصريفيَّةُ مُفيدةٌ في معرفةِ رُسُومِ بعضِ الأشياءِ. (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ) مِن الأدلَّةِ على المرجوحِ منها؛ لأنَّ العملَ بالأرجحِ مُتَعَيِّنٌ عقلًا وشرعًا وقد عَمِلَ الصَّحابةُ به مُجمِعينَ عليه، وهو أمرٌ مُفيدٌ معقولٌ، فلا مانعَ له مِن لُحُوقِ الأدلَّةِ والمقتضى موجودٌ، وهو وجوبُ الوصولِ إلى الحقِّ بما يُمكِنُ مِن الظَّنِّ أو العلمِ، ويَكُونُ التَّرجيحُ بينَ الدَّليلَينِ المتعارضينِ إذا وُجِدَ في أحدِهما مُرَجِّحٌ وإلَّا تَعادَلَا، وسَبَقَ أنَّ تَعادُلَ القطعيَّينِ والقطعيِّ والظَّنِّيِّ محالٌ، فما بَقِيَ إلَّا تعارُضُ الظَّنِّيَّينِ وحينئذٍ يُحتاجُ إلى التَّرجيحِ، قاله في «شرح الأصل». وتَرجيحاتُ الأدلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُوصِلَةٌ إلى التَّصديقاتِ الشَّرعيَّةِ، وقد قُسِّمَ ثلاثةَ أقسامِ؛ لأنَّ التَّعَارُض بينَهما. (وَ) التَّرجيحُ لا يَخلُو مِن أنْ (يَكُونَ بَيْنَ مَنْقُولَيْنِ) كنَصَّينِ (وَمَعْقُولَيْنِ) كقِياسَيْنِ (وَمَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ) كنَصٍّ وقياسٍ. القِسمُ (الأَوَّلُ) الَّذِي بينَ منقولينِ يَكُونُ (فِي السَّنَدِ) وهو طريقُ ثبوتِ التَّرجيحِ، (وَ) في (المَتْنِ) وهو باعتبارِ مرتبةِ دَلالتِه، (وَ) في (مَدْلُولِ اللَّفْظِ) أي: في الحُكمِ المدلولِ مِن الحرمةِ والإباحةِ ونحوِهما، (وَ) فيما يَنْضَمُّ إليه مِن (أَمْرٍ خَارِجٍ)، فهذه أربعةُ أنواعٍ:

стр. 842

(فَـ) الأوَّلُ: (السَّنَدُ) ويَقَعُ التَّرجيحُ بحَسَبِه في أربعةِ فصولٍ: في الرَّاوي، وفي الرِّوايةِ، وفي المرويِّ، وفي المرويِّ عنه. فالرَّاوي يَكُونُ في نَفْسِه وفي التَّزكيةِ، فـ (يُرَجَّحُ) في نَفْسِه (بِالأَكْثَرِ رُوَاةً) عندَ الجمهورِ، بأنْ يَكُونَ رواةُ أحدِهما أكثرَ عَددًا مِن رواةِ الآخرِ، فيُقَدَّمُ لقوَّةِ الظَّنِّ؛ لأنَّ العددَ الأكثرَ أبعدُ مِن الخطأِ مِن العددِ الأقلِّ؛ [لأنَّ كلَّ واحدٍ يُفيدُ ظنًّا، فإذا انضمَّ إلى غيرِه قويٌّ] (١) حَتَّى يَنتهيَ إلى التَّواترِ المفيدِ لليقينِ، ورَجَّحَ ﵊ قولَ ذي اليَدَينِ بموافقةِ أبي بكرٍ وعمرَ، وعَمِلَ به الصَّحابةُ والعقلاءُ. وقياسُ المذهبِ يُرَجَّحُ بالأوثقِ (أَوْ) أي: ويُرَجَّحُ بِالـ (أَكْثَرِ أَدِلَّةً) في الأصحِّ، فإنَّ كَثرَتَها تُفيدُ تقويةَ الظَّنِّ، والظَّنَّانِ أقوى مِن الظَّنِّ الواحدِ؛ لكونِهما أقربَ إلى القطعِ. (و) يَقَعُ ترجيحُ أحدِ الرَّاويَينِ بكونِه راجحًا على الآخَرِ في وصفٍ يَغلِبُ على الظَّنِّ صِدقُه، فيُرَجَّحُ (بِالأَزْيَدِ ثِقَةً، وَبِفِطْنَةٍ، وَوَرَعٍ، وَعِلْمٍ، وَضَبْطٍ، وَلُغَةٍ (١)، وَنَحْوٍ) فكلُّ وصفٍ مِن هذه الأوصافِ يُرَجَّحُ بها على مَن لم يَبْلُغْها، فيُرَجَّحُ العالمُ بالنَّحوِ تصريفًا وإعرابًا؛ لأنَّ العالمَ بذلك يَتَحَفَّظُ عن موانعِ الزَّلَلِ، فالوثوقُ بروايتِه أقوى مِن غيرِه، وكذلك علمُ اللُّغةِ. (وَ) يُرَجَّحُ (بِالأَشْهَرِ بِـ) شيءٍ مِن (إحدى (٢) هذه الصِّفاتِ (السَّبْعَةِ) وإن لم يُعلَمْ رُجحانُه فيها، فإنَّ كَوْنَه أشهرَ إِنَّمَا يَكُونُ في الغالبِ لرُجحانِه. (وَ) يُرجَّحُ أيضًا أحدُ الرَّاويَينِ (بِالأَحْسَنِ سِيَاقًا) لأنَّ حُسنَ السِّياقِ دليلٌ على رُجحانِه، (وَ) يُرَجَّحُ أيضًا (بِاعْتِمَادِ) الرَّاوي في الرِّوايةِ (عَلَى حِفْظِهِ)

стр. 843

للحديثِ (أَوْ ذِكْرِهِ) أي: ذِكْرِ سماعِهِ من الشَّيخِ لا على نسخةٍ أو خطِّ نفسِه، فإنَّ الاشتباهَ في الخطِّ والنُّسخةِ يُحتمَلُ دونَ الحفظِ والذِّكرِ. (وَ) يُرَجَّحُ أيضًا أَحدُهما (بِعَمَلِهِ بِرِوَايَتِهِ) أي: بروايةِ نَفْسِه؛ لأنَّ مَنْ عَمِلَ بموافقتِه أبعدُ مِن الكذبِ مِن خبرِ مَن لم يُوافِقْ عَمَلُه خَبَرَه، ومِثلُ مَن لم يَعمَلْ بروايتِه مَن لم يُعلَمْ أنَّه عَمِلَ بها. (أَوْ) أي: يُرَجَّحُ أيضًا أحدُ مُرسِلَيْنِ إذا عُلم أنَّه (لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ) فيُقَدَّمُ لذلك، (أَوْ) كانَ الرَّاوي (مُبَاشِرًا) فيُرجَّحُ على غيرِه، كروايةِ أبي رافعٍ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا» (١)، على روايةِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه تَزَوَّجَها وهو مُحرِمٌ (٢). (أَوْ) كانَ (صَاحِبَ القِصَّةِ) كروايةِ ميمونةَ نفْسِها أنَّها قالَتْ: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ» (٣)، فإنَّها تُقَدَّمُ على روايةِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا. (أَوْ) كانَ (مُشَافِهًا) بالرِّوايةِ، كروايةِ القاسمِ عن عائشةَ وهي عَمَّتُه: «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ» (٤). فتُرَجَّحُ على روايةِ الأسودِ (٥) عنها أنَّه كانَ حرًّا؛ لأنَّه كانَ أجنبيًّا. (أَوْ) كانَ (أَقْرَبَ عِنْدَ سَمَاعِهِ) إلى النَّبِيِّ ﷺ كروايةِ ابنِ عُمَرَ:

стр. 844

«أَنَّهُ ﷺ أَفْرَدَ التَّلْبِيَةَ» (١) فتُرَجَّحُ على روايةِ مَن رَوَى أنَّه ثَنَّى؛ لأنَّه رُوِيَ أنَّه كانَ تحتَ ناقةِ النَّبِيِّ ﷺ حينَ لَبَّى، والظَّاهرُ أنَّه أَعرَفُ. (أَوْ) كانَ (مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم، فتُرَجَّحُ روايتُه على الأصاغرِ في الأصحِّ لاختصاصِه بمزيدِ خبْرةٍ بأحوالِ النَّبِيِّ ﷺ لمنزلتِه منه ومَكانَتِه (٢) عندَه وملازمتِه له، والمرادُ بالأكابرِ رؤساءُ الصَّحابةِ لا بالسِّنِّ، والقريبُ أعرفُ بحالِه من البعيدِ، ولقولِه ﵇: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٣). (فَـ) على هذا (يُقَدَّمُ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ (٤) يعني أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم على غيرِهم في الرِّوايةِ لزيادةِ فَضيلتِهم وتيقُّظِهم وتَثَبُّتِهم للأحكامِ واحتياجِهم لها. (أَوْ مُتَقَدِّمُ الإِسْلَامِ) فتُرَجَّحُ روايتُه على المتأخِّر عندَ الآمِدِيِّ وغيرِه. قالَ الطُّوفِيُّ: نَظَرَ إلى مطلقِ الرُّجحانِ في الفضيلةِ. ثمَّ قالَ: والتَّوجيهُ المُؤَثِّرُ المناسِبُ لذلك أنَّ مُتَقَدِّمَ الإسلامِ أثبتُ وأرجحُ في الفتوى والورعِ لزيادةِ نَظَرِه في قوارعِ القرآنِ وزواجرِه، وذلك يَقتضي تَوفُّرَ الدَّواعي على العنايةِ بضبطِ الرِّوايةِ والتَّحرِّي في تَحمُّلِها وآدابِها (٥).

стр. 845

(أَوْ) كانَ (أَكْثَرَ صُحْبَةً) للرَّسولِ ﷺ . (أَوْ قَدُمَتْ هِجْرَتُهُ، أَوْ) كانَ (مَشْهُورَ النَّسَبِ) فيُرَجَّحُ لكثرةِ تَحَرُّزِه عمَّا يُنقِصُ رُتبتَه، وانفردَ الآمِدِيُّ بقولِه: أو غيرَ مُلْتَبِسٍ باسمِ بعضِ الضُّعفاءِ لغَلَبَةِ الظَّنِّ. (أَوْ سَمِعَ) حالَ كَوْنِه (بَالِغًا) فتُقَدَّمُ روايتُه على مَن سَمِعَ دونَ البلوغِ لكثرةِ ضَبطِه واحتياطِه ولخروجِه مِن الخلافِ فيَكُونُ الظَّنُّ به أقوى. (وَ) يَكُونُ تَرجيحُ الرَّاوي بتزكيتِه، فيُرَجَّحُ أحدُ الرَّاويَينِ (بِكَثْرَةِ مُزَكِّينَ، وَ) بِـ (أَعْدَلِيَّتِهِمْ وَ) بِـ (أَوْثَقِيَّتِهِمْ) بأنْ يَكُونَ المُزَكِّي لأحدهما أكثرَ مِن المُزَكِّي للآخَرِ أو أعدلَ أو أوثقَ. (وَ) يُقَدَّمُ حديثٌ (مُسْنَدٌ عَلَى) حديثٍ (مُرْسَلٍ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ فيه مَزِيَّةً يُقَدَّمُ بها، واتَّفقوا على كَوْنِه حُجَّةً بخلافِ المرسلِ، فإِنَّه مُختلَفٌ في كونِه حُجَّةً، وقد يَكُونُ بينَه وبينَ النَّبِيِّ ﷺ مجهولٌ، وما ذاك إلَّا لضعفٍ لَحِقَه، وكذلك كلُّ مُختلَفٍ فيه معَ كلِّ مُتَّفقٍ عليه مِن جِنسِه. تنبيهٌ: يُستثنى مِن تقديمِ المسندِ على المرسلِ مرسلُ الصَّحابيِّ بالنِّسبةِ إلى مُسنَدِ غيرِه، فيَجُوزُ أن يُقَدَّمَ المرسلُ عليه أو يعارِضَه ويُنتظرُ المُرَجِّحُ، وأمَّا إذا تعارَضَ المسندُ والمرسلُ في زمنِ الصَّحابيِّ بأنْ قالَ صحابيٌّ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ كذا، وقال صحابيٌّ آخَرُ: حُدِّثْتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ كذا، كانَ المسندُ مُتَعَيِّنَ التَّقديمِ. (وَ) يَقَعُ التَّرجيحُ في الرِّوايةِ، فيُقَدَّمُ (مُرْسَلُ تَابِعِيٍّ عَلَى) مرسلِ (غَيْرِهِ) لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه رَوَاه عن صحابيٍّ.
следующие страницы →