← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أفعالَه كلَّها طاعات للحكم القدري الكوني، وأنشد: أصبحتُ منفعلًا لما يختارهُ ... منِّي، ففعلي كلُّه طاعاتُ (١) وإذا (٢) قيل له: اتَّق اللَّه ولا تعصِه، يقول: إن كنتُ عاصيًا لأمره فأنا مطيع لحكمه وإرادته! (٣) فهذا منسلخ من (٤) الشرائع، بريءٌ من دعوة الرسل، شقيقٌ لعدوِّ اللَّه إبليس. بل وظيفةُ الفقير في هذا الموضع وفي هذه الضرورة مشاهدةُ الأمر والشرع، ورؤيةُ قيامِه بالأفعال وصدورِها منه كسبًا واختيارًا، وتعلُّقِ الأمر والنهي بها طلبًا وتركًا، وترتُّبِ الذم والمدح عليها شرعًا وعقلًا، وتعلُّقِ الثواب والعقاب بها آجلًا وعاجلًا. فمتى اجتمع له هذا الشهودُ الصحيحُ إلى شهود الاضطرار في حركاته وسكناته، والفاقةِ التامةِ إلى مقلِّب القلوب ومن بيده أزمّة الاختيار ومن إذا شاء وجب وجوده، وإذا لم يشأ امتنع وجوده، وأنَّه لا هادي لمن أضلَّه، ولا مضل لمن هداه، وأنَّه هو الذي يحرك القلوبَ بالإرادات،

стр. 142

والجوارحَ بالأعمال، وأنَّها مدبَّرةٌ تحت تسخيره مذلّلةٌ تحت قهره، وأنَّها أعجز وأضعفُ (١) أن تتحرك بدون مشيئته، وأنَّ مشيئتَه نافذةٌ فيها كما هي نافذة في حركات الأفلاك والمياه والأشجار، وأنَّه حرَّك كلًّا منها بسبب اقتضى تحريكه، وهو خالق السبب المقتضي، وخالقُ السبب خالقٌ للمسبَّب، فخالقُ الإرادة الحادثةِ (٢) التي هي سببُ الحركة والفعل الاختياري خالقٌ لهما، وحدوثُ الإرادة بلا خالقٍ مُحدِثِ محالٌ، وحدوثُها بالعبد بلا إرادة منه مُحالٌ، وإنْ كان بإرادة فإرادتُه للإرادة كذلك، ويستحيل هنا (٣) التسلسل، فلا بُدَّ من فاعلٍ أوجدَ تلك الإرادة التي هي سبب الفعل. وهنا (٤) يتحفق الفقرُ والفاقةُ والضرورةُ التامة إلى مالك الإرادات وربِّ القلوب ومصرِّفها كيف شاء، فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، وما شاء أن يقيمه منها أقامه ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران/ ٨]. فهذا هو الفقرُ الصحيح المطابق للعقلِ والفطرة والشرع، ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى، وعطَّل مُلْكَ الملِك الحقِّ وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه. وحُكْمُ هذا الفقيرِ المضطرِّ إلى خالقه في كلِّ طرفة عين وكلِّ نفس أنّه إن حُرِّك بطاعةٍ أو نعمةٍ شكرها وقال: هذا من فضل اللَّه ومنِّه وجوده، فله

стр. 143

الحمد، وإن حُرِّك بمبادئ معصيته صرخ، ولجأ (١)، واستغاث، وقال: "أعوذُ بك منك" (٢)، "يا مقلّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك" (٣)، "يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك" (٤). فإن تمَّ تحريكه بالمعصية التجأ التجاءَ أسير قد أسره عدوُّه، وهو يعلم أنَّه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفتكّه سيّدُه من الأسر، ففكاكه في يد سيِّده، ليس في يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ فهو في أسْر العدوِّ ناظرٌ إلى سيده، وهو قادر على تخليصه (٥)؛ قد اشتدَّت ضرورته إليه، وصار اعتمادُه كلُّه عليه. قال سهل (٦): "إنَّما يكون الالتجاء على معرفة قدر (٧) الابتلاء". يعني (٨): وعلى قدر معرفة (٩) الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلي. ومن عرف معنى (١٠) قوله (١١) ﷺ : "وأعوذ بك منك" (١٢)، وقام

стр. 144

بهذه المعرفة شهودًا وذوقًا، وأعطاها حقَّها من العبودية، فهو الفقيرُ حقًّا. ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة، فمن رُزِقَ فهمَها (١) فهِمَ سرَّ الفقر المحمدي. فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ من نفسه (٢) بنفسه، وهو الذي يدفع ما منه بما منه. فالأمرُ كلّه له، والحكم كلّه له، والخلق كلّه له (٣). وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئتُه، وما لم يشأ لم يكن أن يجلبه إلا مشيئتُه. فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس/ ١٠٧]. والتحقُّق (٤) بمعرفة هذا يوجب صحةَ الاضطرار وكمالَ الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله، والاستغناء بها، والخروج عن رِبقة (٥) العبودية إلى دعوى ما ليس له. وكيف يدَّعي مع اللَّه حالًا أو ملكةً أو مقامًا مَن قلبُه وإراداتُه (٦) وحركاتُه الظاهرةُ والباطنةُ بيد ربِّه ومليكه، لا يملك هو منها شيئًا، وإنَّما هي بيد مقلب القلوب ومصرِّفها كيف شاء (٧)، فالإيمانُ بهذا والتحقق به نظام التوحيد،

стр. 145

فمتى (١) انحلَّ من القلب انحلَّ نظامُ التوحيد. فسبحان من لا يوصَل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا يُنال ما عنده من كرامته (٢) إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته. فعاد الأمرُ كلُّه إليه، كما ابتدأ الأمرُ كلّه منه، فهو الأوَّل والآخر، وإنَّ إلى ربك المنتهى. ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاصِّي. فإنَّ التوحيد نوعان: عامِّي وخاصِّي، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القُرَب كذلك خاصِّيَّة وعامِّية. فالخاصِّيَّة ما بذل فيها العاملُ نصحَه وقصدَه بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك. فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وتفاوتُهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقِّها (٣) باطنًا وظاهرًا أمرٌ لا يحصيه إلا اللَّه . وقد ظنَّ كثيرٌ من الصوفية أنَّ التوحيد الخاص (٤) أن يشهد العبدُ المحرِّكَ له، ويغيبَ عن المتحرك وعن الحركة، فيغيبَ بشاهده (٥) عن حركته، فيشهدَ (٦) نفسَه شبحًا فانيًا تجري عليه (٧) تصاريف المشيئة، كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعُه طورًا وتخفضه طورًا، فهو غائب بها

стр. 146

عن ملاحظة حركته في نفسه، بل قد اندرجت حركته في ضمن حركة الموج، فكأنَّه (١) لا حركة له بالحقيقة. وهذا، وإن ظنَّه كثيرٌ من القوم غايةً، وظنَّه بعضهم لازمًا من لوازم التوحيد، فالصواب أنَّ وراءَه (٢) ما هو أجل منه. وغاية هذا الفناءُ في توحيد الربوبية، وهو (٣) أن لا يشهد ربًّا وخالقًا ومدبِّرًا إلا اللَّه، وهذا حق (٤)، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي فى النجاة فضلًا عن أن يكون شهودُه والفناءُ فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم. بل الغاية (٥) التي لا غايةَ وراءها ولا نهاية بعدها الفناءُ في توحيد الإلاهية. وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذلِّ له والفقر إليه من جهة كونه معبودَه وإلهَه ومحبوبَه عن الذل والفقر (٦) إلى كلِّ ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. فيرى أنَّه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا اللَّه، ثمَّ يتصف بذلك حالًا (٧)، وينصبغ به قلبه صبغة، ثمَّ يفنى بذلك عمَّا سواه. فهذا هو التوحيد الخاصّ (٨) الذي شمَّر إليه العارفون، والورد الصافي الذي حام

стр. 147

حوله المحبون. ومتى وصل إليه العبدُ صار في يد التقطع والتجريد، واشتمل بلباس الفقر الحقيقي، ومزَّق (١) حبُّ اللَّه من قلبه كلَّ محبَّة، وخوفُه كلَّ مخافة (٢)، ورجاؤه كلَّ رجاءٍ، فصار حبُّه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإرادته ومعاملته = كلُّ ذلك واحدًا (٣) لواحدٍ، فلم ينقسم طلبُه ولا مطلوبُه. فتعددُ المطلوب وانقسامُه قادحٌ في التوحيد والإخلاص، وانقسامُ الطلب قادحٌ في الصدق والإرادة. فلا بدَّ من توحيد الطلب والإرادة، وتوحيد المطلوب المراد. فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره، وبمذكوره عن ذكر غيره، وبمألوهه عن تأله غيره، صارَ من أهل التوحيد الخاص (٤). وصاحبُه مجرَّدٌ عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه. وصاحبُ توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعلٍ غير اللَّه، وهو مجردٌ عن ملاحظة وجوده هو، كما (٥) كان صاحبُ الدرجة الأولى مجرَّدًا عن أمواله، وصاحبُ الثانية مجرَّدًا عن أعماله وأحواله. وصاحبُ (٦) الفناءِ في توحيد الإلهية مجرَّدٌ عن سوى مراضي محبوبه وأوامره، قد فني بحبه وابتغاء مرضاته عن حبِّ غيره وابتغاء مرضاته.

стр. 148

وهذا هو التجريد الذي سَمَتْ إليه هممُ السالكين. فمن تجرَّد عن ماله وحاله وكسبه وعلمه (١)، ثمَّ تجرَّد عن شهود تجريده، فهو المجرَّد عندهم حقًّا، وهذا هو (٢) تجريد القوم الذي عليه يحومون، وإياهُ يقصدون. ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده، وبقائه بموجوده، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، ولا غاية عندهم وراءَ هذا. ولعمرُ اللَّه إنَّ وراءَه تجريدًا أكملَ منه، ونسبتهُ إليه كتَفْلة في بحرِ، وشَعرةٍ في ظهر بعير. وهو تجريد الحبِّ والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ، فيتوحد حبُّه كما توحَّد محبوبه، ويتجرَّد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه، بل يبقى مرادُ محبوبه منه هو (٣) نفس مراده. وهنا يعقل الاتحاد الصحيح، وهو اتحاد المراد، فيكون عينُ مراد المحبوب هو عينَ مراد المحبِّ. وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية، ولا تتجرَّد المحبة عن العلل والحظوظ التي تفسدها إلا بهذا. فالفرقُ بين محبَّة حظِّكَ ومرادك من المحبوب وأنَّك إنَّما تحبه لذلك، وبين (٤) محبَّة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته وأنَّه أهل أن يُحَبَّ. وأمَّا الاتحاد في الإرادة فمحال، كما أنَّ الاتحاد في المريد محال، فالإرادتان متباينتان. وأمَّا مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد. ف الفقر والتجريد والفناء من واد واحد .

стр. 149

وقد جعله صاحب "منازل السائرين" من قسم النهايات، وحدَّه بأنَّه "الانخلاع عن شهود الشواهد"، وجعله على ثلاث درجات: "الدرجة الأولى: تجريد (١) الكشف عن كسب اليقين، والثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم، والثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد" (٢). فقوله في الأولى (٣): "تجريد الكشف عن كسب اليقين" يريد كشفَ الإيمان ومكافحته للقلب، وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه، فالتجريد أن يشهد سبقَ اللَّه تعالى بمنته لكلِّ سبب يُنال به يقين أو إيمان (٤)، فيتجرد (٥) كشفُه لذلك عن ملاحظة سبب أو وسيلة، بل يقطع الأسباب والوسائل، وينتهي نظره إلى المسبب. وهذا (٦) إن أريد [به] (٧) تجريدُها عن كونها أسبابًا فتجريد باطل، وصاحبه ضال، وإن أريد به (٨) تجريدُها عن الوقوف عندها، ورؤيةِ انتسابها إليه، وصدورِها منه، وأنَّ (٩) اليقين إنَّما كان به وحده، فهذا

стр. 150

تجريد صحيح؛ ولكن على صاحبه إثباتُ الأسباب، فإن نفاها عن كونها أسبابًا فسدَ تجريدُه. وقوله في الدرجة الثانية: "تجريد عين الجمع عن درك العلم". لمَّا كانت الدرجة الأولى تجريدًا عن الكسب وانتهاءً إلى عين الجمع الذي هو الغَيبة (١) بتفرد الرب بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب، اقتضت تجريدًا آخر أكمل من الأوَّل، وهو تجريد هذا الجمع عن علم العبد به. فالأولى تجريد عن رؤية السبب والفعل، والثانية تجريد عن العلم والإدراك. وهذا يقتضي أيضًا تجريدًا ثالثًا أكمل من الثاني وهو تجريد التخلص من شهود التجريد، وصاحب هذا التجريد الثالث في عين الجمع قد اجتمعت همته على الحقِّ، وشُغِلَ به عن ملاحظة جمعه وذكرِه وعلمِه به. قد استغرق ذلك قلبَه، فلا سعة فيه لشهود علمه بتجريده ولا شعوره به، فلا التفات له إلى تجريده؛ ولو بقيَ له التفاتٌ إليه لم يكمل تجريده. ووراءَ (٢) هذا كلِّه تجريدٌ نسبةُ هذا التجريدِ إليه كشعرة من ظهر بعير (٣) إلى جُمْلته، وهو: تجريدُ الحبِّ والإرادة عن تعلقه بالسوى، وتجريدُه عن العلل والشوائب والحظوظ التي هي مراد النفس؛ فيتجرد الطلب والحبُّ عن كلِّ تعلُّقٍ يخالف مراد المحبوب، فهذا تجريد الحنيفية . واللَّه المستعان، وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا به.

стр. 151

فصل [في الغنى وانقسامه إلى عالٍ وسافل] ولمَّا كان الفقرُ إلى اللَّه هو عينَ الغنى به، فأفقرُ النَّاس إلى اللَّه أغناهم به، وأذلُهم له أعزهم، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسِه أعلمُهم باللَّه، وأمقتهم لنفسه أقربُهم إلى مرضاة اللَّه = كان ذكرُ الغنى باللَّه مع الفقر إليه متلازمَين متناسبَين، فنذكر فصلًا نافعًا في الغنى العالي. واعلم أنَّ الغنى على الحقيقة لا يكون إلا للَّه (١) الغني بذاته عن كلِّ ما سواه، وكلُّ ما سواه فموسومٌ بسِمَةِ الفقرِ، كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع. فكما (٢) أنَّ كونه مخلوقًا أمرٌ ذاتيٌّ له، فكونه فقيرًا أمرٌ ذاتيٌّ له، كما تقدم بيانه (٣). وغناهُ أمرٌ نسبيٌّ إضافيٌّ عارض له، فإنَّه إنَّما استغنى بأمر خارج عن ذاته، فهو غني به فقير إليه. ولا يُوصَف بالغنى على الإطلاق إلا مَن غناهُ من لوازم ذاته، فهو (٤) الغني بذاته عمَّا سواه، وهو الأحد الصمد الغني الحميد. والغنى قسمان: غنى سافل، وغنى عال، فالغنى السافل: الغنى بالعواريّ المسترَدَّة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث، وهذا أضعف الغنى،

стр. 152

فإنَّهُ غنًى بظل زائل، وعاريَّةٍ ترجع عن قريب إلى أربابها، فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها، وكأنَّ الغنى بها كان حُلْمًا فانقضى. ولا همَّة أضعفُ من همَّةِ من رضي بهذا الغنى الذي هو ظلٌّ زائلٌ. وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون، وإيَّاه يطلبون، وحوله يحومون، ولا أحبَّ إلى الشيطان وأبعدَ من (١) الرحمن من قلبٍ ملآنَ بحبِّ هذا الغنى وبالخوف (٢) من فقده. قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمنًا، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر (٣). وهذا الغنى محفوفٌ بفقرَين: فقرٍ قبله، وفقرٍ بعده، وهو كالغفوة بينهما، فحقيق بمن نصح نفسه أن لا يغترَّ به ولا يجعله نهايةَ مطلبه، بل إذا حصلَ له جعله سببًا لغناهُ الأكبر ووسيلةً إليه، ويجعله خادمًا من خدمه لا مخدومًا له، وتكون نفسه أعزَّ عليه من (٤) أن يعبِّدها لغير مولاه الحق، أو يجعلها خادمةً لغيره.

стр. 153

فصل [في الغنى العالي وتفسير كلام الهروي في درجاته] وأمَّا (١) الغنى العالي فقال شيخ الإسلام (٢): "هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: غنى القلب، وهو سلامته من السبب، ومسالمتُه للحكم، وخلاصُه من الخصومة. والدرجة الثانية: غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتُها من المسخوط (٣)، وبراءتها من المراياة (٤). والدرجة الثالثة: الغنى بالحقِّ، وهو ثلاث مراتب: الأولى: شهود ذكره إيَّاك، والثانية: دوام مطالعة أوليته، والثالثة: الفوز بوجوده" (٥). قلتُ: ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس" (٦). ومتى استغنت النفس استغنى القلب. ولكن الشيخ قسَّم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلَّقه فقال: "غنى

стр. 154

القلب سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة". ومعلومٌ أنَّ هذا شرط في الغنى، لا أنَّهُ نفس الغنى؛ بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى. فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب، لا أنَّ غناه بها نفسِها، وإنَّما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط، كما سيأتي بيانه (١). فإنَّ الغنيَّ (٢) إنَّما يصير غنيًّا بحصول مايسدُّ فاقته ويدفع حاجته. وفي القلبِ فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدُّها إلا فوزُه بحصول الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كلُّ شيء، وإن فاته فاته كلُّ شيء. فكما أنَّه سبحانه الغنيُّ على الحقيقة ولا غنيَّ سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غِنى بغيره ألبتة. فمن لم يستغن به عمَّا سواه تقطَّعت نفسه على السوى حسراتٍ، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحضره كلُّ سرور وفرح، واللَّه المستعان. وإنَّما قدَّم الشيخُ (٣) الكلامَ على "غنى القلب" على الكلام على "غنى النفس"؛ لأنَّ (٤) كمال صلاح النفس، وغناها (٥) بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب؛ وإصلاحُ (٦) النفس متقدمٌ على إصلاح القلب (٧). هكذا قيل! وفيه ما

стр. 155

فيه، لأنَّ صلاحَ كلٍّ منهما مقارنٌ لصلاح الآخر، ولكن لمَّا كان القلب هو الملِك وكان صلاحه صلاحَ جميع رعيته كان أولى بالتقديم. وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" (١). والقلبُ (٢) إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربِّه وعطاياه السنية خلَعَ على الأمراءِ والرعية خِلَعًا تناسبها: فخلعَ على النفس خِلَع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدَّت الحقوق سماحةً لا كظمًا بل (٣) بانشراح ورضًا ومبادرة. وذلك لأنَّها جانست القلب حينئذٍ، ووافقته في أكثر أموره، واتحد مرادهما غالبًا، فصارت له وزير صدق، بعد أن كانت عدوًّا مبارزًا بالعداوة. فلا تسأل عمَّا أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذَّة عيش ونعيم هو رقيقة (٤) من نعيم أهل الجنَّة! هذا، ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما، بل عُدّتها وسلاحها كامنٌ متوارٍ، لولا قوْةُ (٥) سلطان القلب وقهرُه لحاربت بكلِّ سلاح؛ فالمرابطة

стр. 156

على ثغري الظاهر والباطن فرضٌ معيَّن (١) مدَّة أنفاس الحياة: وتنقضي الحربُ، محمودٌ عواقبُها ... للصابرين، وحظُّ الهاربِ الندمُ (٢) وخَلَعَ على الجوارح خِلَع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعةَ (٣) المهابة والنور والبهاء، وعلى اللسان خلعةَ الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة، وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغضّ عن المحارم، وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعُه للعبد في معاشه ومعاده، وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوَّة وأيدٍ، وعلى الفرج خلعةَ العفَّة والحفظ؛ فغدا العبدُ وراح يرفُلُ في هذه الخِلَع، ويجرُّ لها في النَّاس أذيالًا وأردانًا (٤). فغنى النفس مشتقٌ من غنى القلب وفرعٌ عليه، فإذا استغنى سرى الغنى منه إلى النفس. وغنى القلب بما (٥) يناسبه من تحقّقه (٦) بالعبودية المحضة التي هي أعظم خلعة تُخلع عليه، فيستغني حينئذٍ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة والمحبة الناصحة الخالصة، وبما يحصل

стр. 157

له من آثار الصفات المقدسة و [ما] (١) تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفةٍ صفةٍ (٢) على الانفراد ومجموعها قائمةً بالذَّات. وهذا أمرٌ تضيق عن شرحه عدَّةُ أسفار، بل حظُّ العبد منه علمًا وإرادة كما يُدخل إصبعه في اليم، بل الأمر أعظم من ذلك، واللَّه ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد/ ١٧]. فإذا استغنى القلبُ بهذا الغنى الذي هو غاية فقره استغنت النفسُ غنًى يناسبها، وذهبت عنها البرودة التي توجبُ ثقلَها وكسلَها وإخلادَها إلى الأرضِ، وصارت [لها] (٣) حرارةٌ توجِبُ حركتَها وخفّتَها في الأوامر وطلبَها الرفيق الأَعلى، وصارت برودتُها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها. وذهبت أيضًا عنها (٤) اليبوسةُ المضادَّةُ للينها وسرعةِ انفعالها وقبولها؛ فإنَّها إذا كانت يابسةً قاسيةً كانت بطيئة الانفعال، بعيدة القبول، لا تكاد تنقاد. فإذا صارت برودتها حرارةً، ويبوستها رطوبةً (٥) وسُقيَت بماءِ الحياة الذي أنزله اللَّه على قلوب أنبيائه، وجعلها قرارًا ومعينًا له، ففاض منها على قلوب أتباعهم، فأنبتت من كلِّ زوجٍ كريم = فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤديةً لحقوقه، قائمةً بأوامره، راضيةً عنه، مرضيةً له بكمال طمأنينتها ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر/ ٢٧ - ٢٨].

стр. 158

فلنرجع إلى كلامه. [تفسير الدرجة الأولى وهي غنى القلب] فقوله في الدرجة الأولى -وهي غنى القلب- أنَّهُ "سلامته من السبب" أي من الفقر إلى السبب، وشهودِه، والاعتماد عليه، والركون إليه، والثقة به. فمن كان معتمدًا على سبب غنيًّا به (١) واثقًا به لم يطلق عليه اسم "الغنى"، لأنَّه فقير إلى الوسائط، بل لا يسمَّى صاحبُه غنيًّا إلا إذا سلِم من علُّة السبب استغناءً بالمسيِّب، بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره، فلذلك يصير صاحبه غنيًّا بتدبير اللَّه . فمن كملت له السلامة من علَّة الأسباب، ومن علَّة المنازعة للحكم، بالاستسلام له والمسالمة (٢)، أي بالانقياد لحكمه الذي (٣) حصَّل الغنى للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته (٤). فإذا وقف العبد على حسن تدبيره (٥) واستغنى القلب به لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف، إن (٦) لم ينضمّ إليه المسالمة للحكم -وهو الانقياد له- فإنَّ المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليلٌ على وجود رعونة الاختيار، وذلك

стр. 159

دالٌّ على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار، ومن كان فقيرًا إلى شيء لم يُرِده اللَّه لم يُطلَق عليه اسمُ الغني بتدبير اللَّه . فلا يتمُّ الغنى بتدبير الربِّ لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره. ثمَّ يبقى عليه الخلاصُ من معنى آخر، وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الربِّ. فإنَّ مخاصمة (١) الخلق دليلٌ على فقره إلى الأمرِ الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة، ومن كان فقيرًا إلى حظٍّ من الحظوظ، يسخَط (٢) لفوته، ويخاصم الخلقَ عليه، لا يطلق عليه اسم الغني حتَّى يسلم الخلق من خصومته لكمال (٣) تفويضه إلى وليّه وقيومه ومتولي تدبيره. فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن علَّة منازعته لأحكام اللَّه ، ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ = استحقَّ أن يكون غنيًّا بتدبير مولاه، مفوِّضًا إليه، لا يفتقر قلبه إلى غيره، ولا يسخط شيئًا من أحكامه، ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه؛ فتكون مخاصمته للَّه وباللَّه، ومحاكمته إلى اللَّه؛ كما كان النبي ﷺ يقول في استفتاح صلاة الليل: "اللهُمَّ لكَ أسلمتُ وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ" (٤).

стр. 160

فتكون مخاصمةُ هذا العبدِ للَّه، لا لهواه وحظِّه؛ ومحاكمتُه خصمَه إلى أمر اللَّه وشرعه، لا إلى شيءٍ سواه. فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتَّبع هواه، وانتصر لنفسه. وقد قالت عائشة: "ما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه قط" (١)، وهذا لتكميل عبوديته. ومن حاكم خصمَه إلى غيرِ اللَّه ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أُمِر أن يكفر به، ولا يكفر العبد بالطاغوت حتَّى يجعل الحُكمَ للَّه وحده، كما هو كذلك في نفس الأمر. والحكم حكمان (٢): حكم كوني قدري، وحكم أمري ديني. فهذا الذي ذكره الشيخ في "منازل السائرين" وشرَحه عليه الشارحون إنَّما مراده به (٣) الحكم الكوني القدري. وحينئذٍ فلا بدَّ من تفصيل ما أجملوه من مسألة الحكم والاستسلام له وترك المنازعة له، فإنَّ هذا الإطلاق غيرُ مأمور به، ولا ممكن للعبد في نفسه. بل الأحكام ثلاثة: "حكم شرعي ديني"، فهذا حقه أن يُتلقَّى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة، بل الانقياد المحض. وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلًا البتة، وإنَّما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول. فإذا تلقَّى بهذا التسليم والمسالمة إقرارًا وتصديقًا بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادةً وتنفيذًا وعملًا، فلا تكون له شهوةٌ تنازعُ مرادَ اللَّهِ من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهةٌ تُعارضُ إيمانَه

стр. 161

به (١) وإقرارَه. وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شهبة تعارض الحقَّ، وشهوةٍ تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتّبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل (٢) خوضَ الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقُه تحت الأمر، واضمحلَّ خوضُه في معرفته بالحقِّ؛ فاطمأنَّ إلى اللَّه معرفةً به (٣)، ومحبةً له، وعلمًا بأمره، وإرادةً لمرضاته، فهذا حقُّ الحكم الديني. الحكم الثاني: الحكمُ الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي حَكَمَ به يَسخطه ويُبغضه ويَذُمّ عليه. فهذا حقُّه أن يُنازَعَ ويُدَافَعَ بكلِّ ممكن ولا يُسالَمَ البتة، بل يُنازعَ بالحكم الكوني أيضًا، فينازعَ حكمُ الحقِّ بالحقِّ للحق، ويدافَع (٤) به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي: "النَّاسُ إذا وصلوا (٥) إلى القضاءِ والقدر أمسكوا، وأنا انفتحتْ لي فيه (٦) رَوزَنة (٧) فنازعتُ أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ. والعارفُ من يكون منازعًا للقدر، لا واقفًا مع القدر" (٨) انتهى.

стр. 162

فإن ضاق ذرعُكَ عن هذا الكلام وفهمه فتأمَّل قول عمر بن الخطاب، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفِرُّ من قدَر اللَّه؟ فقال: "نفِرُّ من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه" (١). ثمَّ كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاءَ له في هذا العالم إلا به، ولا تتمُّ له مصلحة إلا بموجبه. فإنَّه إذا جاءَه قَدرٌ من الجوع والعطش و (٢) البرد نازعه، وترك الانقياد له ومسالمته، ودَفَعَ (٣) بقدَر آخر من الأكل والشرب واللباس، فقد دفع قدر اللَّه بقدره. وهكذا إذا وقع الحريقُ في داره فهو بقدَر اللَّه، فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلماهُ بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتَّى يطفئ قدَر اللَّه بقدر اللَّه، وما خرج في ذلك عن قدر اللَّه. وهكذا إذا أصابه مرض بقدر اللَّه دافع هذا القدر، ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض. فحقُّ هذا الحكم الكوني أن يحرص العبدُ على مدافعته ومنازعته بكلِّ ما يمكنه، فإنْ غلبه وقهرَه حرَص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها اللَّه لذلك (٤)،

стр. 163

فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم. وبهذا أُمِرَ، بل هذا حقيقة الشرع والقدر. ومن لم يستبصر في هذه المسألة ويعطِها حقَّها لزمَه التعطيلُ للقدر أو الشرع، شاء أم (١) أبى. فما للعبد ينازع أقدارَ الربِّ تعالى بأقداره في حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية (٢)، ولا ينازع أقدارَه بأقداره (٣) في حقِّ مولاه وأوامره ودينه؟ وهل هذا إلا خروجٌ عن العبودية ونقصٌ في العلم باللَّه وصفاته وأحكامه؟ ولو أنّ عدوًّا للإسلام قَصَده لكان هذا بقدر اللَّه، ويجب على كل مسلم دفعُ هذا القدَر بقدَرٍ يحبُّه اللَّه -وهو الجهاد باليد أو المال أو القلب- دفعًا لقدر اللَّه بقدره، فما للاستسلام والمسالمة هنا مدخل في العبودية؛ اللّهم إلّا إذا بذل العبدُ جهدَه في المدافعة والمنازعة، وخرج الأمر عن يده، فحينئذ يبقى من أهل الحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري (٤) على العبد بغير اختياره، ولا طاقَة له بدفعه، ولا حيلة له في منازعته. فهذا حقُّه أَن يتلقّى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة، وأن يكونَ فيه كالميّت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركبُ في لُجّة البحر، وعجَز عن السباحة، وعن سببٍ يدنيه من النجاة؛ فههنا يحسن الاستسلام والمسالمة. مع أنَّ عليه في هذا الحكم عبودياتٍ أخَر سوى

стр. 164

التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزّةَ الحاكم سبحانه في حكمه، وعدلَه في قضائه، وحكمتَه في جريانه عليه، وأنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (١)، وأنّ الكتابَ الأول سبقَ بذلك قبل برء (٢) الخليقة، فقد جفّ القلمُ بما يلقاه كلُّ عبد، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. ويشهد أن القدر ما أصابه إلّا لحكمة اقتضاها اسمُ الحكيم ﷻ وصفة (٣) الحكمة، وأنّ القدر قد أصاب مواقعه وحلّ في المحل الذي ينبغي أن يحلّ فيه، إذ هو مُوجَب الحكمة البالغة والعلم المحيط والعزّة التامّة، لم يخطئ مواقع الحكمة، ولم يتعدَّ منازله التي ينبغي (٤) له أن ينزل بها (٥)؛ وأنّ ذلك أوجبه عدلُ اللَّه وحكمتُه وعزّتُه وعلمُه وملكُه العادل، فهو موجَب أسمائه الحسنى وصفاته العلى. فله عليه أكملُ حمد وأتمُّه، كما له الحمدُ على جميع أفعاله وأوامره. وإن كان حظُّ العبد من هذا القدر الذمّ، فحقُّ الربِّ ﷻ منه الحمد والمدح، لأنّه موجَب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهو موجَب نقصِ العبد وجهلِه وظلمِه وتفريطِه.

стр. 165

فاقتسم الربِّ والعبدُ الخُطتين (١) في هذا القدَر، فكان (٢) للرب تعالى فيه الحمدُ، والنعمةُ، والفضلُ، والثناء الحسن؛ وللعبد خُطَة (٣) الذمّ، واللّوم، والإساءة، واستحقاق العقوبة. استأثر اللَّهُ بالمحامِد والْـ ... ـفَضْلِ، وولَّى الملامةَ الرَّجلا (٤) ويشفيه في هذا المقام (٥) أربعُ آيات: أحدها (٦) قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/ ٧٩]. والثانية: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران/ ١٦٥]. والثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى/ ٣٠]. والرابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾ [الشورى/ ٤٨].

стр. 166

فمن نزَّل هذه الآيات على هذا الحكم علمًا ومعرفةً، وقام بموجبها إرادةً وعزمًا وتوبةً واستغفارًا، فقد أدَّى عبودية اللَّه في هذا الحكم، وهذا قدر زائد على مجرَّد التسليم والمسالمة. واللَّه المستعان، وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه. فصل [في تفسير الدرجة الثانية وهي: غنى النفس] قوله في غنى النفس إنَّه: "استقامتها على المرغوب، وسلامتها من المسخوط (١)، وبراءتها من المراياة (٢) ": يريد به (٣) استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه اللَّه ويرضاه، وتجنُّبَها لمناهيه التي يسخطها ويُبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيمًا للَّه وأمره، وإيمانا به، واحتسابًا لثوابه، وخشية من عقابه (٤)؛ لا طلبًا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم، وهربًا من ذمهم وازدرائهم، وطلبًا للجاه والمنزلة عندهم. فإنَّ هذا دليل على غاية الفقر من اللَّه، والبعد منه (٥)، وأنَّه أفقر شيء إلى المخلوق. فسلامةُ النفس من ذلك واتصافُها بضده دليلُ غناها؛ لأنَّها إذا أذعنت منقادةً لأمر اللَّه طوعًا واختيارًا ومحبة وإيمانًا واحتسابًا، بحيث تصير

стр. 167

لذتُها وراحتُها ونعيمُها وسرورُها في القيام بعبوديته، كما كان النبي ﷺ يقول (١): "يا بلالُ أرحْنا بالصلاة" (٢)، وقال ﷺ : "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَيْني في الصلاةِ" (٣). وقُرَّة العين (٤) فوق المحبة، فجعل النساءَ والطِّيب مما يحبه، وأخبر أنَّ قرَّة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها، وتحضره (٥) لذتُه وفرحُه (٦) وسرورُه وبهجتُه = إنَّما هو (٧) في الصلاة التي هي صلةٌ باللَّه وحضورٌ بين يديه، ومناجاةٌ له واقترابٌ منه، فكيف لا تكون قرَّةَ العين، وكيف تقَرُّ عينُ المحبِّ بسواها؟ فإذا حصل للنفس هذا الحظُّ الجليلُ فأيَّ فقرٍ تَخشَى معه، وأيُّ غنًى فاتها حتَّى تلتفتَ إليه؟ ولا يحصل لها هذا حتَّى ينقلبَ طبعُها، ويصير مجانسًا (٨) لطبيعة

стр. 168

القلب؛ فتصير بذلك مطمئنةً بعد أن كانت لوَّامة. وإنَّما تصير مطمئنة بعد تبدُّل صفاتها، وانقلاب طبعها، لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحقِّ ﷻ ، فجرى أثرُ ذلك النور في سمعه وبصرِه، وشعرِه وبَشرِه، وعَظْمِه ولَحْمِه، (١) وسائرِ مفاصله؛ وأحاطَ بجهاته من فوقه وتحته، ويمينه ويساره، وخلفه وأمامه؛ وصارت ذاتُه نورًا فصارَ (٢) عملُه نورًا، وقولُه نورًا، ومدخلُه نورًا، ومخرجُه نورًا؛ وكان في مبعثه ممن أُتِمَّ (٣) له نورُه، فقطَع به الجسر. وإذا وصلت النفسُ إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة، والتقاعدَ عن الأمور المطلوبة المرغوبة، فإنَّ فقرَها إلى الشهوات هو الموجِبُ لها التقاعدَ عن المرغوب المطلوب؛ وأيضًا فتقاعدُها عن المطلوب منها (٤) موجِبٌ لفقرها إلى الشهوات، فكلٌّ منهما موجب للآخر. وتركُ الأوامر أقوى لها في (٥) افتقارها إلى الشهوات، فإنَّهُ بحسب قيام العبد بالأمر تُدفَع (٦) عنه جيوشُ الشهوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت/ ٤٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧) [الحج/ ٣٨]، وفي

стр. 169

القراءة الأخرى: "يُدافِعُ". فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوَّة الإيمان وضعفه. فإذا (١) صارت النفس حرَّةً مطمئنةً غنيةً بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب، ففاض منه إليها = استقامت بذلك الغنى على الأمر المرغوب (٢)، وسلِمتْ به عن الأمر المسخوط، وبرئت من المراياة (٣). ومدار ذلك كله على الاستقامة ظاهرًا وباطنًا (٤)، ولهذا كان الدِّين كفُه في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود/ ١١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ [الأحقاف/ ١٣]. فصل [في الدرجة الثالثة وهي: الغنى بالحق سبحانه، ولها ثلاث مراتب] وهذه الاستقامة تُرَقِّيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى، وهو الغنى بالحق ﵎ عن كلِّ ما سواه، وهي أعلى درجات الغنى. فأوَّل هذه الدرجة أن تشهد ذكرَ اللَّه إيَّاك قبلَ ذكرك له،

стр. 170

وأنَّه (١) تعالى ذَكَرَك فيمن ذكَره من مخلوقاته ابتداءً قبلَ وجودِك وطاعتِك وذكرِك، فقدّر خلقَك ورزقَك وعمَلَك وإحسانَه إليك ويعمَه عليك حيث لم تكن شيئًا البتة. وذكَرك سبحانه بالإسلام، فوفقك له، واختارك له دون من خذله، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج/ ٧٨] فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قطّ، وإنَّما هو الذي أفَلَك بسابق ذكره، فلولا ذكرُه لك بكل جميلٍ أولاكَه لم يكن لكَ (٢) إليه سبيل. ومن الذي ذكَرك باليقظة، حتَّى استيقظتَ، وغيرُك في رقدة الغفلة مع النُّوَّام؟ ومَن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتَّى وفَّقك لها، وأوقعَها في قلبك، وبعث دواعيك عليها (٣)، وأحيا عزَماتِك الصادقةَ عليها، حتَّى تُبْتَ (٤) إليه، وأقبلتَ عليه، فذقتَ حلاوة التوبة وبردَها ولذَّتَها؟ (٥) ومَن الذي ذكرك سواه بمحبَّته حتَّى هاجت من قلبك لواعجُها، وتوجَّهتْ نحوَه سبحانه ركائبُها؛ وعمرَ قلبَك بمحبَّته بعد طول الخراب، وآنسَك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب؟ ومن تقرَّب إليك أوَّلًا حتَّى تقرَّبت إليه، ثمَّ أثابك على هذا التقرب

стр. 171

تقرُّبًا آخر، فصار التقرُّبُ منك محفوفًا بتقرّبَين منه تعالى: تقرُّبٍ قبله، وتقرُّب بعده؛ والحبُّ منك محفوفًا بحبَّينِ منه: حبٍّ قبله، وحُبٍّ بعده؛ والذكرُ منك محفوفًا بذكرَين: ذكرٍ قبله، وذكرٍ بعده؟ فلولا سابقُ ذكره إيَّاك لم يكن من ذلك كلّه شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرّةٌ ممَّا وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبَّته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه. فهذه كلُّها آثارُ ذكره لك. ثمَّ إنَّه سبحانه ذَكَرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس، فله عليك في كل طرفة عينٍ ونفَسٍ نعمٌ عديدةٌ ذكَرك بها قبلَ وجودك، وتعرَّف بها إليك، وتحبَّب بها إليك، مع غناه التامّ عنك وعن كل شيء. وإنَّما ذلك مجرَّد إحسانه وفضله وجوده، إذ هو الجوادُ (١) المحسنُ لذاته، لا لمعاوضةٍ، ولا لطلب جزاءٍ منك، ولا لحاجةٍ دعته إلى ذلك، كيف وهو الغني الحميد؟ فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنَّه ذكرك بها، فَلْتعظُمْ عندك لِذكره لك بها، فإنَّه (٢) ما حقَّرك مَن ذكَرك بإحسانه، وابتدأك بمعروفه، وتحبَّب إليك بنعمته؛ هذا كلّه مع غناه عنك. فإذا شهد العبدُ ذكرَ ربِّه له، ووصل شاهدُه إلى قلبه شَغَلَه ذلك عمَّا سواه، وحصل لقلبه به غنًى عالٍ لا يشبهه شيء. وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذُه وسيّدُه يَذكُره ولا ينساه، فهو يحصل له -بشعوره بذكر أستاذه له- غنى زائد على إنعام سيّده عليه وعطاياه السنية له؛ فهذا هو غني ذكر اللَّه للعبد.

стр. 172

وقد قال ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "مَنْ ذَكَرَني في نَفْسه ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ" (١). فهذا ذكرٌ ثانٍ بعد ذكر العبد لربّه غير الذكر الأوَّل الذي ذكره به (٢) حتى جعله ذاكرًا، وشعورُ العبد بكلا الذكرَين يُوجب له غنى زائدًا على إنعام ربّه عليه وعطاياه له. وقد ذكرنا في كتاب "الكلم الطيب والعمل الصالح" (٣) من فوائد الذكر استجلابَ ذكرِ اللَّه لِعبده. وذكرنا قريبًا من مائة فائدة تتعلَّق بالذكر، كل فائدةٍ منها لا خطَر (٤) لها. وهو كتاب عظيم النفع جدًّا. والمقصودُ أنَّ شعور العبد وشهودَه لذكر اللَّه له يُغني قلبه ويَسدُّ فاقته، وهذا بخلاف مَن نسوا اللَّه فنسيَهم؛ فإنَّ الفقرَ من كُلّ خير حاصلٌ لهم، وما يظنون أنَّه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر (٥) أسباب فقرهم.

стр. 173

فصل الدرجة الثانية من درجات الفنى باللَّه : دوامُ شهودِ أوَّليته تعالى وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى ممَّا قبله، والغنى به أتمّ من الغنى المذكور؛ لأنَّه من مبادئ الغنى بالحقيقة؛ لأنَّ العبد إذا فتح اللَّه لقلبه (١) شهود أوليته سبحانه حيث كان ولا شيء غيره، وهو الإله الحقّ الكامل في أسمائه وصفاته، الغنيّ بذاته عمَّا سواه، الحميد المجيد (٢) بذاته قبل أن يخلق مَن يحمده ويعبده ويمجّده، فهو معبود محمود حيّ قيّوم، له الملك وله الحمد في الأزل والأبد، لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، وكل شيء سواه فإنَّما كان به؛ وهو تعالى بنفسه ليس بغيره، فهو القيوم الذي قيامُ (٣) كلِّ شيءٍ به، ولا حاجةَ به في قيومته إلى غيره بوجه من الوجوه = فإذا شهد العبدُ سبقَه تعالى بالأوَّلية (٤) ودوام وجوده الحقّ، وغاب بهذا عمَّا سواه من المحدَثات؛ فني في وجوده من لم يكن، كأنَّه لم يكن (٥)، وبقي من لم يزل. واضمحلَّت الممكنات في وجوده الأزليّ الدائم، بحيث صارت كالظلال التي (٦) يبسطُها ويمدُّها ويقبِضُها، فيستغني العبدُ بهذا

стр. 174

المشهد العظيم، ويتغذَّى به (١) عن فاقاته وحاجاته. وإنَّما كان أفضلَ عندهم (٢) ممَّا قبله لأن الشهود الذي قبله فيه شائبةٌ مشيرةٌ إلى وجود العبد. وهذا الشهود الثاني ساترٌ للموجودات (٣) كلِّها سوى الأوَّل تعالى، قد اضمخَلتْ، وفنيتْ فيه، وصارتْ كأوليتها، وهو (٤) العدم. فأفنتها أوَّليةُ الحق ﵎، فبقي العبد محوًا صرفًا وعدمًا محضًا، وإن كانت إنّيَّتُه متشخصةً (٥) مشارًا (٦) إليها، لكنَّها لما نُسِبتْ إلى أوَّلية الحق اضمحلَّتْ وفنيتْ، وبقي الواحد الحقّ الذي لم يزل باقيًا. فاضمحلَّ ما دون الحق تعالى في شهود العبد، كما هو مضمحلّ في نفسه. وشهِد العبدُ حينئذٍ أنَّ كل شيء سوى اللَّه (٧) باطل، وأنَّ الحقَّ المبين هو اللَّه وحده. ولا ريب أنَّ الغنى بهذا الشهود أتمُّ من الغنى بالذي قبله. وليس هذا مختصًّا بشهود أوَّليته تعالى فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الربّ ﷻ يستغني العبدُ بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديّتها. فمَن شهد مشهدَ علوِّ اللَّه على خلقه وفوقيّته لعباده واستوائه على عرشه، كما أخبر به أعرَفُ الخلق وأعلَمُهم به الصادقُ المصدوقُ، وتعبَّد

стр. 175

بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصيرُ لقلبه صَمَدٌ يعرج القلبُ إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوفَ العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأنَّ كلِمَه وعملَه صاعدٌ إليه معروضٌ عليه بين خاصَّته (١) وأوليائه، فيستحيي أن يصعد إليه مِن كلمه وعمله (٢) ما يُخزيه ويفضحه هناك؛ ويشهدُ نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كلَّ وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء، والتولية والعزل، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، وكشف البلاءِ وإرساله، وتقليب (٣) الدول ومداولة الأيام بين النَّاس إلى غير ذلك من التصرّف (٤) في المملكة التي لا يتصرّف فيها سواه، فمراسيمُه (٥) نافذةٌ فيها كما يشاء ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة/ ٥] = فمن أعطى هذا المشهد حقَّه معرفةً وعبوديةً استغنى به. وكذلك من شهِد مشهدَ العلم المحيط الذي لا يعزُب عنه مثقال ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماوات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال؛ بل أحاط بذلك كلّه (٦) علمًا تفصيليًّا، ثمَّ تعبَّد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره، وإراداته (٧)، وعزماته، وجوارحه علمًا

стр. 176

بأنَّ (١) حركاته الظاهرة والباطنة وخواطرَه وإراداته (٢) وجميعَ أحواله ظاهرةٌ مكشوفةٌ لديه (٣)، علانيةٌ له، باديةٌ له (٤) لا يخفى عليه منها شيء. وكذلك إذا أشعرَ قلبَه صفةَ سمعِه ﵎ لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وسواءٌ عنده من أسرَّ القولَ ومن جهرَ به، لا يشغله جَهْرُ من جَهَرَ عن سمعه لِصوت مَن أسرَّ، ولا يشغله سمعٌ عن سمعٍ، ولا تُغلّطه الأصواتُ على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل (٥) هي عنده كلها كصوت واحد، كما أنَّ خلقَ الخلق جميعِهم وبعثَهم عنده بمنزلة نفس واحدة. وكذلك إذا شهد معنى اسمه "البصير" ﷻ الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاءِ في حِنْدِس الظلماء، ويرى تفاصيلَ خلقِ الذرَّة الصغيرة ومخّها وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مدَّ البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقَّه من العبودية، فحرَسَ حركاته وسكناته (٦)، وتيقَّن أنَّها بمرأى منه ﵎ ومشاهدةٍ لا يغيب عنه منها (٧) شيء.

стр. 177

وكذلك إذا شهد مشهدَ القيومية الجامع لصفات الأفعال، وأنَّه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت (١)؛ وأنَّه تعالى هو القائم بنفسه، المقيمُ لغيره، القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاءِ المحسن إليه وجزاءِ المسيء إليه؛ وأنَّه لكمال (٢) قيوميَّته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النَّهار وعملُ النَّهار قبل الليل، لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، ولا يضلّ ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفع (٣) مشاهد العارفين، وهو مشهد الربوبية. وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاءِ. وهو شهادة أن لا إله إلا هو، وأنَّ إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أنَّ ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد سواه يستحق أن يؤلَّه ويُعبَد، ويُصلَّى له ويُسجَد. ويستحقُّ نهاية الحبّ مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده، وله الحكم وحده. فكلُّ عبوديةٍ لغيره باطلةٌ وعناءٌ وضلال، وكلُّ محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكلُّ غنًى بغيره (٤) فقرٌ وفاقة، وكلُّ عزٍّ بغيره ذلّ وصغار، وكلُّ تكثّر بغيره قلَّة وذلَّة. فكما استحال أن يكون للخلق ربّ غيره، فكذلك يستحيل (٥) أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات، وتوجهت نحوه الطلبات.

стр. 178

ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإنَّ الإله على الحقيقة هو الغنيّ الصمَد الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجةُ كل أحدٍ إليه، ولا حاجة به إلى أحد؛ وقيامُ كلِّ شيءٍ به، وليس قيامُه بغيره. ومن المحال أن يحصل في الوجود اثنان كذلك، ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظمَ فساد واختلّ أعظمَ اختلال، كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل، فإنَّ استقلالَهما ينافي استقلالَهما، واستقلالَ أحدهما يمنع ربوبّيةَ الآخر، فتوحيد الربوبيّة أعظم دليل على توحيد الإلهية. ولذلك (١) وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره، لصحّة دلالته وظهورها، وقبول العقول والفطَر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبيّة. ولذلك (٢) كان عُبّادُ الأصنام يُقِرون به، وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص/ ٥] مع اعترافهم بأنّ اللَّه وحده هو الخالق لهم وللسماوات والأرض وما بينهما، وأنّه المتفرّد (٣) بملك ذلك كله. فأرسل اللَّه تعالى الرسلَ تذكِّرهم (٤) بما في فطَرهم الإقرارُ به من توحيده وحده لا شريك له، وأنَّهم لو رجعوا إلى فِطَرهم وعقولهم لدلَّتهم على امتناع إليما آخر معه واستحالته وبطلانه. فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاءِ، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظُّ العباد منه بحسب حظّهم من معرفة الأسماء

стр. 179

والصفات. ولذلك كان أكملُ الخلق فيه أعرفَهم باللَّه وأسمائه وصفاته (١)، ولذلك (٢) كان الاسم الدَّالّ على هذا المعنى هو اسم اللَّه ﷻ ، فإنَّ هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلُّها إليه، فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء اللَّه، ولا يقال: "اللَّه" من أسماء الرحمن. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف/ ١٨٥]. فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهدُ كلّها، وكلُّ مشهد سواه فإنَّما هو مشهدٌ لصفة من صفاته. فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهيَّة، وقام بحقّه من التعبَّد الذي هو كمالُ الحبّ بكمالِ الذلّ والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تمَّ له غناه بالإله الحقّ، وصار من أغنى العباد. ولسانُ حالِ مثلِ هذا يقول: غنِيتُ بلا مالِ عن النَّاس كلِّهم ... وإنَّ الغنى العالي عن الشيء لا بِهِ (٣) فيا لَه من غنًى ما أعظم خطره، وأجلَّ قدره! تضاءَلتْ دونه الممالكُ فما دونها، فصارت بالنسبة إليه كالظلِّ من الحامل له، والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديثُ النفس، ويطرده الانتباهُ من النوم.

стр. 180

فصل الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالربّ ﷻ : الفوز بوجوده. هذا الغنى أعلى درجات الغنى؛ لأنَّ الغنى الأوَّل والثاني كانا من آثار ذكر اللَّه والتوجّه، ففاض على القلب في صدق توجهه (١) أنوارُ الصفات المقدَّسة، فاستغنى (٢) القلبُ بذلك، وحصل (٣) له أيضًا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده، وحسن وكالته له (٤)، وقيوميته بتدبيره، وحسن تدبيره، فاستغنت النفس بذلك أيضًا. وأمَّا هذا الغنى الثالث الذي هو "الغنى بالحق" فهو من آثار وجود الحقيقة، وهو إنَّما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات. وإنَّما يكون هذا الوجود بعد مكاشفة عينِ اليقين عندما يطلعِ فجرُ التوحيد، فهذا أوَّله. وكمالُه عند طلوع شمسه، فيتقطع (٥) ضبابُ الوجود الفاني، وتُشرق شمسُ الوجود الباقي، فيتقطَّع (٦) لها كل ضباب. وهذا عبارة عن نور يُقذَف (٧) في القلب يُكشَف له بذلك النور عن عظَمةِ الذَّات، كما كُشِف له بالنور الذي قبلهَ عن عظمة الصفات. فإذا كان أثرٌ من آثار صفات الذَّات أو صفات الأفعال يُغني القلبَ
следующие страницы →