← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بأنَّ (١) حركاته الظاهرة والباطنة وخواطرَه وإراداته (٢) وجميعَ أحواله ظاهرةٌ مكشوفةٌ لديه (٣)، علانيةٌ له، باديةٌ له (٤) لا يخفى عليه منها شيء. وكذلك إذا أشعرَ قلبَه صفةَ سمعِه ﵎ لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وسواءٌ عنده من أسرَّ القولَ ومن جهرَ به، لا يشغله جَهْرُ من جَهَرَ عن سمعه لِصوت مَن أسرَّ، ولا يشغله سمعٌ عن سمعٍ، ولا تُغلّطه الأصواتُ على كثرتها واختلافها واجتماعها، بل (٥) هي عنده كلها كصوت واحد، كما أنَّ خلقَ الخلق جميعِهم وبعثَهم عنده بمنزلة نفس واحدة. وكذلك إذا شهد معنى اسمه "البصير" ﷻ الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاءِ في حِنْدِس الظلماء، ويرى تفاصيلَ خلقِ الذرَّة الصغيرة ومخّها وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مدَّ البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقَّه من العبودية، فحرَسَ حركاته وسكناته (٦)، وتيقَّن أنَّها بمرأى منه ﵎ ومشاهدةٍ لا يغيب عنه منها (٧) شيء.

стр. 177

وكذلك إذا شهد مشهدَ القيومية الجامع لصفات الأفعال، وأنَّه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت (١)؛ وأنَّه تعالى هو القائم بنفسه، المقيمُ لغيره، القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاءِ المحسن إليه وجزاءِ المسيء إليه؛ وأنَّه لكمال (٢) قيوميَّته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النَّهار وعملُ النَّهار قبل الليل، لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، ولا يضلّ ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفع (٣) مشاهد العارفين، وهو مشهد الربوبية. وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاءِ. وهو شهادة أن لا إله إلا هو، وأنَّ إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أنَّ ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد سواه يستحق أن يؤلَّه ويُعبَد، ويُصلَّى له ويُسجَد. ويستحقُّ نهاية الحبّ مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده، وله الحكم وحده. فكلُّ عبوديةٍ لغيره باطلةٌ وعناءٌ وضلال، وكلُّ محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكلُّ غنًى بغيره (٤) فقرٌ وفاقة، وكلُّ عزٍّ بغيره ذلّ وصغار، وكلُّ تكثّر بغيره قلَّة وذلَّة. فكما استحال أن يكون للخلق ربّ غيره، فكذلك يستحيل (٥) أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات، وتوجهت نحوه الطلبات.

стр. 178

ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإنَّ الإله على الحقيقة هو الغنيّ الصمَد الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجةُ كل أحدٍ إليه، ولا حاجة به إلى أحد؛ وقيامُ كلِّ شيءٍ به، وليس قيامُه بغيره. ومن المحال أن يحصل في الوجود اثنان كذلك، ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظمَ فساد واختلّ أعظمَ اختلال، كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل، فإنَّ استقلالَهما ينافي استقلالَهما، واستقلالَ أحدهما يمنع ربوبّيةَ الآخر، فتوحيد الربوبيّة أعظم دليل على توحيد الإلهية. ولذلك (١) وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره، لصحّة دلالته وظهورها، وقبول العقول والفطَر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبيّة. ولذلك (٢) كان عُبّادُ الأصنام يُقِرون به، وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص/ ٥] مع اعترافهم بأنّ اللَّه وحده هو الخالق لهم وللسماوات والأرض وما بينهما، وأنّه المتفرّد (٣) بملك ذلك كله. فأرسل اللَّه تعالى الرسلَ تذكِّرهم (٤) بما في فطَرهم الإقرارُ به من توحيده وحده لا شريك له، وأنَّهم لو رجعوا إلى فِطَرهم وعقولهم لدلَّتهم على امتناع إليما آخر معه واستحالته وبطلانه. فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاءِ، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظُّ العباد منه بحسب حظّهم من معرفة الأسماء

стр. 179

والصفات. ولذلك كان أكملُ الخلق فيه أعرفَهم باللَّه وأسمائه وصفاته (١)، ولذلك (٢) كان الاسم الدَّالّ على هذا المعنى هو اسم اللَّه ﷻ ، فإنَّ هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلُّها إليه، فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء اللَّه، ولا يقال: "اللَّه" من أسماء الرحمن. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف/ ١٨٥]. فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهدُ كلّها، وكلُّ مشهد سواه فإنَّما هو مشهدٌ لصفة من صفاته. فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهيَّة، وقام بحقّه من التعبَّد الذي هو كمالُ الحبّ بكمالِ الذلّ والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تمَّ له غناه بالإله الحقّ، وصار من أغنى العباد. ولسانُ حالِ مثلِ هذا يقول: غنِيتُ بلا مالِ عن النَّاس كلِّهم ... وإنَّ الغنى العالي عن الشيء لا بِهِ (٣) فيا لَه من غنًى ما أعظم خطره، وأجلَّ قدره! تضاءَلتْ دونه الممالكُ فما دونها، فصارت بالنسبة إليه كالظلِّ من الحامل له، والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديثُ النفس، ويطرده الانتباهُ من النوم.

стр. 180

فصل الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالربّ ﷻ : الفوز بوجوده. هذا الغنى أعلى درجات الغنى؛ لأنَّ الغنى الأوَّل والثاني كانا من آثار ذكر اللَّه والتوجّه، ففاض على القلب في صدق توجهه (١) أنوارُ الصفات المقدَّسة، فاستغنى (٢) القلبُ بذلك، وحصل (٣) له أيضًا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده، وحسن وكالته له (٤)، وقيوميته بتدبيره، وحسن تدبيره، فاستغنت النفس بذلك أيضًا. وأمَّا هذا الغنى الثالث الذي هو "الغنى بالحق" فهو من آثار وجود الحقيقة، وهو إنَّما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات. وإنَّما يكون هذا الوجود بعد مكاشفة عينِ اليقين عندما يطلعِ فجرُ التوحيد، فهذا أوَّله. وكمالُه عند طلوع شمسه، فيتقطع (٥) ضبابُ الوجود الفاني، وتُشرق شمسُ الوجود الباقي، فيتقطَّع (٦) لها كل ضباب. وهذا عبارة عن نور يُقذَف (٧) في القلب يُكشَف له بذلك النور عن عظَمةِ الذَّات، كما كُشِف له بالنور الذي قبلهَ عن عظمة الصفات. فإذا كان أثرٌ من آثار صفات الذَّات أو صفات الأفعال يُغني القلبَ

стр. 181

والنفسَ، فما ظنُّك بما تكاشَفُ (١) به الأرواحُ من أنوار قدسِ الذَّات المتَّصفة بالجلال والإكرام. فهذا غنًى لا يناله الوصفُ، ولا يدخل تحت الشرح، فيستغني العبد الفقير بوجود سيّده العزيز الرَّحيم. فيا لكَ من فَقْرٍ تَقَضَّى (٢)، ومِن غِنَى ... يدومُ، ومِن عيشٍ ألذَّ من المُنى! (٣) فلا تستعجزْ نفسَك عن البلوغ إلى هذا المقام، فبينك وبينه صدقُ الطلب، فإنَّما (٤) هي عزمةٌ صادقةٌ، ونهضةُ حُرٍّ لنفسه (٥) عنده قدرٌ وقيمةٌ، يغار عليها أن يبيعَها بالدون. وقد جاءَ في أثرٍ إلهي: "يقول اللَّه : ابْنَ آدمَ خَلَقْتكَ لنفسي فلا تَلْعَبْ، وَتَكَفلْتُ برزقك فلا تتْعَبْ، ابْنَ آدمَ اطْلُبْني تَجدْني، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شيءٍ، وإِنْ فُتُّكَّ فَاتَكَ كلُّ شيءٍ، وأَنَا أَحَبُّ إليكَ مِنْ كُل شيءٍ" (٦). فمن طلَب اللَّه بصدقٍ وجده، ومن وجده أغناه وجودُه عن كلِّ شيءٍ (٧).

стр. 182

فأصبحَ حُرًّا في غنًى ومهابةٍ ... على وجهه أنوارهُ وضياؤه وإن فاتَهُ مولاه ﷻ ... تباعدَ ما يرجو، وطال عناؤه (١) ومن وصل إلى هذا الغنى قرَّت به كل عين لأنَّه قد قرَّت عينُه باللَّه والفوز بوجوده، ومن لم يصل إليه تقطعتْ نفسُه على الدنيا حسرات. وقد قال ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ والدُّنْيَا أكبرُ همِّه جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْه، وَشَتَّتَ عَلَيْه شَمْلَهُ، وَلَمْ يأْتِه من الدُّنْيا إلا ما قُدِّرَ له. ومَنْ أَصْبَحَ والآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّه جَعَلَ اللَّه غِنَاهُ في قَلْبهِ، وَجَمَعَ عليه شَمْلَه، وأَتَتْهُ الدُّنيا وهي رَاغِمَةٌ، وكان اللَّهُ بِكُلِّ خيرٍ إليه أَسْرَعَ" (٢). فهذا هو الفقر الحقيقي والغنى الحقيقي، وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرةُ أكبرَ همِّه، فكيف من كان اللَّه أكبرَ همِّه، فهذا من باب التنبيه والأَولى. فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى * قال يحيى بن معاذ (٣): "الفقر أن لا يستغني بشيء غير اللَّه،

стр. 183

ورسمُه عدمُ الأسباب كلها" (١). قلتُ: يريد عدَمَها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدمًا بالنسبة إلى سبق مسبِّبها بالأوَّلية، وتفرده بالأزلية. * وسُئِلَ محمد بن عبد اللَّه الفرغاني (٢) عن الافتقار إلى اللَّه تعالى والاستغناء به أيهما أكمل (٣)؟ فقال: "إذا صحَّ الافتقار إلى اللَّه تعالى صحَّ الاستغناء به، واذا صحَّ الاستغناءُ به صحَّ الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكملُ لأنَّه لا يتمّ أحدهما إلا بالآخر" (٤). قلتُ: الاستغناء باللَّه هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأنَّ كمالَ الغنى به هو كمالُ عبوديته، وحقيقةُ العبوديةِ كمالُ الافتقار إليه من كلِّ وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به. فليس هنا شيئان يُطلَب تفضيلُ أحدهما على الآخر، وإنَّما يُتوهَّم كونُهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقَر إليه. فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يُسمَّى "غنًى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرًا" بالنسبة إلى قَصْر همَّته وجمعها على اللَّه . فهي همَّة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير "غنى"، وسفرها إلى اللَّه "فقر". فإذا وصلتْ إليه استغنت به لكمال (٥) فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول

стр. 184

فقر آخر غير فقرها الأوَّل، وإنَّما يكمل فقرها بهذا الوصول. * وسئل رُويم (١) عن الفقر فقال: "إرسال النفس في أحكام اللَّه تعالى" (٢). قلت: إن أراد الحكم الديني فصحيح، وإن أراد الحكم الكونيّ القدريّ فلا يصح هذا الإطلاق، بل لا بدّ فيه من التفصيل كما تقدَّم بيانه (٣). وإرسالُ النفس في أحكامه التي يسخطها ويبغضها، أو إرسالُها في أحكامه التي يجب منازعتُها ومدافعتُها بأحكامه خروجٌ عن العبودية. * وقيل: "نعتُ الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سرّه، وأداءُ فرضه، وصيانة فقره" (٤). قلتُ: حفظُ السرِّ كتمانُه صيانةً له من الأغيار، وغيرةً عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمَن عليه. وأداء الفرض قيامٌ بحقّ العبودية. وصيانةُ الفقر حفظُه عن لَوث مساكنةِ الأغيار، وحفظُه عن كلِّ سببٍ يفسده، وكتمانه ما استطاع. * وقال إبراهيم بن أدهم (٥): "طلبنا الفقرَ فاستقبلَنا الغنى، وطلب

стр. 185

النَّاسُ الغنى فاستقبلهم الفقرُ" (١). * وسُئِلَ يحيى بن معاذ عن الغنى فقال: "هو الأمن باللَّه " (٢). * وسُئِلَ أبو حفص (٣): بماذا ينبغي أن يقدم الفقير على ربِّه؟ فقال: "ما ينبغي للفقير أن يقدم على ربِّه بشيء سوى فقره" (٤). * وقال بعضهم (٥): إنَّ الفقير الصادق لَيخشى من الغنى حِذارًا (٦) أن يدخله فيفسد عليه فقره، كما يخشى الغنيُّ الحريصُ من الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه". * وقال بشر بن الحارث (٧): "أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر" (٨). قلتُ: ومن ههنا قال القائل (٩):

стр. 186

قالوا: غدا العيدُ ماذا أنت لابسُه؟ ... فقلتُ: خلعةَ ساقٍ حِبَّه جُرَعا (١) فقرٌ وصبرٌ هما ثوبان تحتهما ... قلبٌ يرى إلفَه الأعيادَ والجُمَعا (٢) الدهر لي مأتمٌ إن غبتَ يا أملي ... والعيدُ مادمتَ لي مرأى ومستمَعا (٣) * وسئل ابن الجلّاءِ (٤): متى يستحقّ الفقير اسمَ الفقر؟ فقال: "إذا لم يبقَ عليه بقيّةٌ منه". فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: "إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له" (٥). قلت: معنى هذا أنّه لا يبقَى عليه بقيّة من نفسه، فإذا كان لنفسه فليس لها، بل قد أضاع حقَّها، وضيَّع سعادتَها وكمالَها. وإذا لم يكن لنفسه، بل كان كلُّه لربّه، فقد أحرز كلَّ حظٍّ له، وحصّل لنفسه سعادتَها. فإنه إذا كان للَّه كان اللَّه له، وإذا لم يكن للَّه لم يكن اللَّه له، فكيف تكون نفسه له؟ فهذا من الذين خسروا أنفسهم. * وقيل: "حقيقة الفقر أن لا يستغني الفقيُر في فقره بشيء إلّا بمن إليه فقرُه" (٦). * وقال أبو حفص (٧): "أحسنُ ما توسّل به العبدُ إلى مولاه دوامُ الفقر

стр. 187

إليه على جميع الأحوال، وملازمةُ السنّة في جميع الأفعال، وطلبُ القوت من وجه حلال" (١). * وقال بعضهم (٢): "ينبغي للفقير أن لا تسبق همتُه خطوتَه". قلتُ: يشير إلى تعلق همَّته بواجب وقته، وأنَّهُ لا تتخطى همَّته واجبَ الوقت قبل إكماله. وأيضًا يشير إلى قصر أمله، وأنَّ همَّته غيرُ متعلقةٍ بوقتٍ لا يحذث نفسه ببلوغه. وأيضًا يشير إلى جمع الهمَّة على حفظ الوقت، وأن (٣) لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات. * وقيل: "أقلُّ ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء: علم يسوسُه، وورع يحجزُه، ويقين يحمِله، وذكر يؤنسه" (٤). * وقال أبو سهل الخشَّاب لمنصور المغربي (٥): "إنَّما هو فقر وذلّ"، فقال منصور: "بل فقر وعز"، فقال أبو سهل: "فقر وثرى"، فقال منصور: "بل فقر وعرش" (٦). قلتُ: أشار أبو سهل إلى البداية، ومنصور إلى الغاية. * وقال الجنيد: "إذا لقيتَ الفقيرَ فَالْقَه بالرفق ولا تَلْقَه بالعلم، فإنَّ

стр. 188

الرفقَ يؤنسه، والعلم يُوحشه"، فقلتُ (١): يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: "نعم، الفقير إذا كان صادقًا في فقره فطرحتَ عليه العلمَ ذاب كما يذوب الرصاص في النار". * وقال أبو المظفر القِرْمِيسِيني (٢): "الفقير هو الذي لا يكون له إلى اللَّه حاجة". قال أبو القاسم القشيري: "وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم، وإنَّما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاء الاختيار (٣)، والرضى بما يُجريه الحقُّ ﵎" (٤). قلتُ: وبعدُ فهو كلام مستدرَكٌ خطأ، فإنَّ حاجاتِ هذا العبد إلى اللَّه بعدد الأنفاس، إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتَفْلَةٍ في بَحْر. فإنَّ حاجتَه إلى اللَّه في كلِّ طرفة عين أن يحفظ عليه حالَه، ويثبّت قلبَه، ويُرقّيَه في مقامات العبودية، ويصرفَ عنه ما يفسدها عليه، ويعرِّفه منازلَ الطريق ومكامنها وآفاتِها (٥)، ويعرِّفه مواقعَ رضاه ليفعلها ويعزم عليها، ومواقعَ سخطه ليعزم على تركها (٦) ويجتنبها. فأي حاجاتٍ أكثر وأعظم

стр. 189

من هذه؟ فالصوابُ أن يقال: الفقيرُ هو الذي حاجاته إلى اللَّه بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبدُ له في كلِّ نفس ولحظة وطرفة عين عدَّةُ حوائج إلى اللَّه لا يشعر بكثيرٍ منها، فأفقر النَّاسِ إلى اللَّه من شعر بهذه الحاجات وطلَبها من معدنها بطريقها. وإن كان لا بُدَّ من إطلاق تلك العبارة -على أنَّ منها كلَّ بدّ! - فيقال: هو الذي لا حاجة له إلى اللَّه تُخالِف مرضاتَه وتحطُّه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء. وأمَّا أن يقال: لا حاجة له إلى اللَّه، فشطح قبيح. وأمَّا حملُ أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجاري الأقدار، فإنَّما يحسن في بعض الحالات، وهو في القدَر الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدَرٍ آخر كما تقدم (١). وأمَّا إذا كان مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدَر هو أحبُّ إلى اللَّه منه، وهو مأمور به أمرَ إيجابٍ أو استحباب، فإسقاطُ المطالبات وانتفاءُ الاختيار فيه والسعي عينُ العجز، واللَّه تعالى يلوم على العجز. * وقال ابن خفيف (٢): "الفقرُ عدمُ الأملاك، والخروجُ عن أحكام الصفات" (٣).

стр. 190

قلتُ: يريد به (١) عدمَ إضافةِ شيءٍ إليه إضافةَ ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه، ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده. مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي تُوجِبُ له دعوى الملَكة (٢) والتصرف والإضافات، ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجبُ له العجز والفقر والفاقة، كما في دعاء الاستخارة: "اللَّهمَّ إنِّي أستخيرك بعلمكَ، وأستقدِرُكَ بقدرتِكَ، وأسألك من فضلك، فإنَّك تعلمُ ولا أعلمُ، وتقدِرُ ولا أقدِرُ (٣)، وأنت علَّامُ الغيوب" (٤)، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس. * وقال أبو حفص (٥): "لا يصح لأحدٍ الفقر حتَّى يكون العطاءُ أحبَّ إليه من الأخذ، وليس السخاءُ أن يعطي الواجدُ المعدِمَ، وإنَّما السخاءُ أن يعطي المعدمُ الواجدَ" (٦). * وقال بعضهم (٧): "الفقيرُ: الذي لا يرى لنفسه حاجةً إلى شيءٍ من الأشياءِ سوى ربه ﵎".

стр. 191

* وسُئِلَ سهل بن عبد اللَّه (١): متى يستريحُ الفقير؟ فقال: "إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه". *وقال أبو بكر بن طاهر (٢): "من حكم الفقير أن لا يكون (٣) له رغبة، وإنْ كان لا بدَّ فلا تجاوز رغبتُه كفايتَه" (٤). * وسُئِلَ بعضهم (٥) عن الفقيرِ الصادق، فقال: "الذي لا يَملِك ولا يُملَك". *وقال ذو النون (٦): "دوام الفقرِ إلى اللَّه تعالى مع التخليط أحبُّ إليَّ من دوام الصفاء مع العُجْبِ" (٧). فصل فجملة نعت الفقيرِ حقًّا أنَّه المتخلي من الدنيا تظرّفًا (٨)، والمتجافي عنها تعفّفًا، لا يستغني بها تكثّرًا (٩)، ولا يستكثر منها تملُّكًا. وإن كان

стр. 192

مالكًا لها بهذا الشرط لم تضرَّه (١)، بل هو فقيرٌ غناه في فقره، وغني فقرُه في غناه. ومن نعته أيضًا أن يكون فقيرًا من حاله، وهو خروجه عن الحال تبرِّيًا، وتركُ الالتفات إليه تسلّيًا، وتركُ مساكنة الأحوال، والرجوعُ عن موافقتها؛ فلا (٢) يستغني بها اعتمادًا عليها، ولا يفتقرُ إليها مساكنةً لها. ومن نعته أنَّه يعمل على موافقة اللَّه في (٣) الصبر والرضى والتوكل والإنابة، فهو عاملٌ على مراد اللَّه منه لا على موافقة هواه، وهو تحصيل مراده من اللَّه. فالفقيرُ خالص بكلِّيته للَّه ، ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظٌّ ولا نصيب (٤)، بل عملُه بقيام شاهدِ الحقِّ وفناءِ شاهد نفسه. قد غيّبه شاهدُ الحقِّ عن شاهد نفسه، فهو يريد اللَّه بمراد اللَّه، فمعوَّله على اللَّه، وهمَّته لا تقف دون شيءٍ سواه. قد فني بحبّه عن حبِّ ما سواه، وبأمره عن هواه، وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه. فهو في وادٍ، والنَّاسُ في واد! خاضع، متواضع، سليم القلب، سلِس القياد (٥) للحقِّ، سريع القلب إلى ذكر اللَّه، بريء من الدعاوى لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله. زاهدٌ في كلِّ ما سوى اللَّه، راغبٌ في كلِّ ما يقرِّب إلى اللَّه، قريبٌ من النَّاسِ، أبعد شيءٍ منهم، يأنس بما يستوحشون منه،

стр. 193

ويستوحش ممَّا يأنسون به، متفرد (١) في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه العوائد (٢)، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود. من جالسه قرَّت عينه به، ومن رآهُ ذكَّرتْه رؤيتُه باللَّه. قد حملَ كَلَّه ومُؤنته عن النَّاسِ، واحتمل أذاهم، وكفَّ (٣) أذاه عنهم. وبذلَ لهم نصيحته، وسبَّل لهم عِرْضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلَّة وعجز. لا يدخلُ فيما لا يعنيه، ولا يبخلُ بما لا ينقصه. وصفه الصدق والعفَّة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال. لا يتوقع لما يبذله للنَّاسِ منهم عوضًا (٤)، ولا مدحة. لا يعاتِب، ولا يخاصم، ولا يطالِب، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا. مقبلٌ على شأنه، مكرمٌ لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافرٌ في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضغ عصا السيرِ عن عاتقه حتَّى يصل إلى مطلبه. قد رُفِعَ له عَلَمُ الحبِّ، فشمَّرَ إليه، وناداهُ داعي الاشتياق، فأقبل بكلّيته عليه. أجابَ منادي المحبة إذ دعاه: حيَّ على الفلاح، وواصل السُّرى (٥) في بيداءِ الطلب، فحمِد عند الوصول مسراه (٦)، وإنَّما يحمد

стр. 194

القوم السُّرى عند الصباح: فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها ... منازلُكَ الأولى وفيها المخيَّمُ (١) ولكنَّنا سَبْيُ العدوّ، فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلِّمُ وحيَّ على روضاتها وخيامها ... وحيَّ على عيشِ بها ليس يُسأَمُ وحيَّ على يوم المزيد وموعدِ الـ ... ـمحبِّين، طوبى للذي هو منهمُ وحيَّ على وادٍ بها [هو أفيَحٌ ... وتربتُه من أذفرِ المسك أعظمُ] (٢) منابرُ من نورٍ [هناكَ وفضَّةٍ ... ومن خالص العِقيانِ لا يتفصّمُ] (٣)

стр. 195

يروَن به الرحمنَ ﷻ ... كرؤية بدْرِ التِّمِّ لا يُتَوهَّمُ أو الشمس صحوًا ليس من دون أُفْقِها ... ضَبابٌ ولا غَيْمٌ هناكَ يُغيِّمُ وبيناهمُ في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقُهم تُجرى عليهم وتُقسَمُ إذا هُمْ بنورٍ ساطع قد بدا لهم ... فقيل: ارفعوا أبصاركم، فإذا هُمُ بربِّهِمُ مِن فوقِهمْ وهو قائلٌ: ... سلامٌ عليكم طبتُمُ وسلِمتُمُ فياعجبًا، ما عذرُ من هو مؤمنٌ ... بهذا ولا يسعى له ويُقدِّمُ فبادِرْ إذًا ما دام في العمر فسحةٌ ... وعَدْلُك مقبولٌ وصَرْفُك قيِّمُ فما فرحتْ بالوصل نفسٌ مَهينةٌ ... ولا فاز قلبٌ بالبطالة يَنعَمُ فجِدَّ وسارعْ واغتنِمْ ساعةَ السُّرى ... ففي زمن الإمكان يُسْعَى ويُغنَمُ (١) وسِرْ مسرعًا فالسَّيلُ (٢) خلفك مسرعٌ ... وهيهاتَ ما منه مفرٌّ ومهزَمُ فهنَّ المنايا أيُّ واد نزلتَه ... عليها القدومُ أو عليك ستقدَم وإن تكُ قد عاقتْك سُعدى فقلبُك الـ ... ـمُعَنَّى رهينٌ في يديها مسلَّمُ وقد ساعدتْ بالوصل غيرَك فالهوى ... لها منكَ والواشي بها يتنعَّمُ فدَعْهَا وسلِّ النفسَ عنها بجنَّةٍ ... من الفقر في روضاتها الدرُّ يَبسمُ ومن تحتها الأنهارُ تخفِق دائمًا ... وطيرُ الأماني فوقها يترنَّمُ

стр. 196

وقد ذُلِّلتْ منها القطوفُ فمن يُرِدْ ... جناها يَنَلْه كيف شاءَ وينعَمُ وقد فُتِحت أبوابها وتزينت ... لِخُطَّابها (١) فالحسنُ فيها مقسَّمُ أقام على أبوابها داعي الهدى ... هلمُّوا إلى دار السعادة تغنموا وقد طابَ منها نُزْلُها ومقيلُها ... فطوبى لمن حلُّوا بها وتنعموا وقد غرس الرحمنُ فيها غِراسَه ... من النَّاسِ، والرحمن بالغرس أعلمُ فمن كان من غرس الإله فإنَّهُ ... سعيدٌ وإلا فالشقا متحتِّمُ فيا مسرعينَ السيرَ باللَّه ربِّكم ... قِفوا بي على تلك الربوع وسلِّموا وقولوا: محبٌّ قاده الشوقُ نحوَكم ... قضى نحبَه فيكم تعيشوا وتسلَموا قضى اللَّه ربّ العالمين قضيةً ... بأنَّ الهوى يُعمي القلوبَ ويُبكِمُ وحبُّكُمُ أصلُ الهدى ومدارُه ... عليه وفوزٌ للمحبِّ ومغنمُ وتفنى عظامُ الصَّبِّ بعد مماته ... وأشواقُه وقفٌ عليه محرَّمُ فياأيها القلبُ الذي ملَك الهوى ... أعِنّتَه، حتَّامَ هذا التلؤُّمُ وحتَّامَ لا تصحو وقد قرُب المدى ... ودقّت كؤوسُ السير والنَّاسُ نُوَّمُ بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... ويبدو لك الأمرُ الذي كنت تكتمُ ويا موقدًا نارًا لغيرك ضؤوها ... وحرُّ لظاها بين جنبَيك يضرَمُ أهذا جنَى العلمِ الذي قد غرستَه ... وهذا الذي قد كنتَ ترجوه تطعَمُ

стр. 197

وهذا هو الحظُّ الذي قد رضيتَه ... لنفسك في الدَّارين لو كنت تفهَمُ وهذا هو الربحُ الذي قد كسبته ... لعمرُك لا ربحٌ ولا الأصلُ يسلَمُ بخلتَ بشيءٍ لا يضرُّك بذلُه ... وجُدْتَ بشيءٍ مثلُه لا يُقومُ وبعتَ نعيمًا لا انقضاءَ له ولا ... نظيرَ ببخسٍ عن قليلٍ سيُعدَمُ فهلَّا عكستَ الأمرَ إن كنتَ حازمًا ... ولكن أضعت الحزم لو (١) كنتَ تعلمُ وتهدِمُ ما تبني بكفِّك جاهدًا ... فأنتَ مدى الأيام تبني وتهدمُ وعندَ مراد الحق تفنى كميِّتٍ ... وعندَ مراد النفس تُسْدِي وتُلحِمُ وعند خلاف الأمر تحتجُّ بالقضا ... ظهير على الرحمن للجبر يزعُمُ (٢) تُنزه تلك النفسَ عن سوءِ فعلها ... وتعتِبُ (٣) أقدارَ الإله وتظلِمُ وتزعمُ مَعْ هذا بأنَّكَ عارف ... كذبتَ يقينًا في الذي (٤) أنت تزعمُ وما أنت إلا جاهل ثمَّ ظالم ... وإنَّكَ بين الجاهلبن مقدمُ إذا كان هذا نُصْحَ عبدٍ لنفسه ... فمن ذا الذي منه الهُدَى يتعلمُ وفي مثل هذي الحال (٥) قد قال من ... مضى وأحسنَ فيما قالَه المتكلِّمُ:

стр. 198

(فإِن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ) ولو تبصِرُ الدنيا وراءَ ستورها ... رأيتَ خيالًا في منامٍ سيصرَمُ كحُلْم بطيفٍ زارَ في النوم وانقضى الـ ... ـمنام وراح الطيفُ والصَّب مغرمُ وظل أرتْه الشمسُ عند طلوعها ... سيقلِصُ في وقت الزوال ويُفصَمُ ومُزنةِ صيفٍ طاب منها مقيلُها ... فولت سريعًا والحَرورُ تضرَّمُ فجُزْها مَمَرًّا لا مَقرًا، وكنْ بها ... غريبًا تعِشْ فيها حميدًا (١) وتسلَمُ أو ابنَ سبيل قال في ظلِّ دوحةٍ ... وراحَ وخلَّى ظلَّها يتقسَّمُ أخا سفر (٢) لا يستقرُّ قرارُه ... إلى أن يرى أوطانَه ويُسلِّمُ فيا عجبًا كم مصرعٍ وعظتْ به ... بنيها (٣) ولكن عن مصارعها عَمُوا سقَتْهم بكأس الحبِّ حتَّى إذا انتشَوا (٤) ... سقتهم كؤوسَ السُّمَّ والقومُ قد ظَمُوا وأعجبُ ما في العبد رؤية هذه الـ ... ـعظائمِ منها وهو فيها متيَّمُ وأعجبُ من ذا أنَّ أحبابها الأُلي ... تُهينُ ولِلأَعداء تَرْعَى (٥) وتُكرِمُ وذلك برهان على أنَّ قدرَها ... جناحُ بَعوضِ أو أدقُّ وألأَمُ وحسبُك ما قال الرسولُ ممثِّلًا ... لها ولدار الخلد والحقُّ يُفْهَمُ

стр. 199

كما يُدخِل الإنسانُ في اليمِّ إصبعًا ... وينزعُها منه فما ذاك يغنمُ ألا ليتَ شعري هل أبيتَنَّ ليلةً ... على حذرٍ منها وأمريَ مُحكمُ وهل أَرِدَنَ ماءَ الحياةِ وأرتوي ... على ظمأٍ من حوضه وهو مُفعَمُ وهل تبدوَنْ أعلامُهم بعدما سَفَتْ ... عليها السوافي (١) تستبينُ وتُعلَمُ وهل أفرُشَنْ خدِّي ثرى عتَباتِهم ... خضوعًا لهم كيما يرِقُّوا ويرحموا وهل أَرَيَنْ نفسي طريحًا ببابهم ... وطيرُ أماني الحبِّ فوقي تُحَومُ فوا أسفا تفنى الحياةُ وتنقضي ... وعتبُكُم باقٍ، بقيتُمْ وعِشْتُمُ فما منكمُ بدٌ ولا عنكمُ غنًى ... وما لِيَ من صبرٍ فأسلوَ عنكمُ فمن شاءَ فليغضبْ سواكم فلا إذًا (٢) ... إذا كنتمُ عن عبدكم قد رضيتمُ وعُقْبَى اصطباري في رضاكم حميدةٌ ... ولكنها عنكم عِقَابٌ ومَغرمُ (٣) وما أنا بالشاكي لما ترتضونه ... ولكنني أرضى به وأسلمُ وحسب انتسابي من بعيدٍ إليكمُ ... وذلك حظٌ مثلُهُ يتيمَّمُ إذا قيل: هذا عبدهم ومحبُّهم ... تهلَّلَ بِشرًا ضاحكًا يتبسَّمُ وها هو قد أبدى الضراعةَ قائلٌ (٤) ... لكم بلسان الحال والحالُ يُعلَمُ

стр. 200

أحِبَّتنَا عطفًا علينا فإنَّنا ... بنا ظمأٌ، والموردُ العذبُ أنتمُ فيا ساهيًا في غَمْرةِ الجهلِ والهوى ... صريعَ الأماني عن قليلٍ ستندَمُ أَفِقْ قد دنا الوقتُ الذي ليس بعده ... سوى جنَّةٍ أو حرِّ نارٍ تضرَّمُ وبالسنة الغرَّاءِ كنْ متمسِّكًا ... هي العروة الوثقى التي ليس تُفْصَمُ تمسَّكْ بها مَسْكَ البخيل بمالهِ ... وعَضَّ عليها بالنواجذِ تسلمُ وإِيَّاكَ ممَّا أحدث الناسُ بعدها ... فمرتعُ هاتيكَ الحوادثِ أوخَمُ وهَيِّئْ جوابًا عندما تسمع النِّدا ... من اللَّه يومَ العرضِ: ماذا أجبتمُ بهِ رُسُلي لمَّا أتوكمْ، فمن يُجِبْ ... سواهم سيخزى عند ذاك ويندمُ وخذْ من تقى الرحمن أسبغَ جُنَّةٍ ... ليومٍ به تبدو عيانًا جهنَّمُ ويُنصبُ ذاك الجسرُ من فوق متنها ... فهاوٍ ومخدوشٌ وناجٍ مسلَّمُ ويأتي إلهُ العالمين لوعده ... فَيفْصِلُ ما بين العباد ويحكمُ ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقَّه ... فياويحَ من قد كان للخلق يَظلِمُ ويُنشَر ديوانُ الحساب وتوضَع الـ ... ـموازينُ بالقسط الذي لا يُظَلمُ (١) فلا مُجْرِمٌ يَخْشَى هناكَ ظُلامةً ... ولا مُحسِنٌ من أجره الذرَّ يُهضَمُ وتشهد أعضاء المسيء بما جنى ... لذاك على فيه المهيمنُ يَختِمُ

стр. 201

ويا ليتَ شعري كيف حالُكَ عندما ... تَطايرُ كُتْبُ العالمين وتُقسَمُ أتأخُذُ باليمنى كتابَكَ أم [ترى] (١) ... بيُسراكَ خلفَ الظهرِ منك تُسلَّمُ وتقرأ فيه كلَّ شيءٍ عملتَهُ ... فيُشرقُ منك الوجهُ أو هو يُظْلِمُ تقولُ: كتابي هاؤمُ فاقرؤو لي ... يُبَشِّرُ بالجنَّاتِ حقًا ويُعلِمُ (٢) وإنْ تكن الأخرى فإنَّكَ قائِلٌ ... ألا ليتني لم أوتَهُ فهو مُغرِمُ فلا والذي شقَّ القلوب وأودع الـ ... ـمحبَّةَ فيها حيث لا تتصرَّمُ وحَمَّلها قلبَ المحبِّ وإنَّهُ (٣) ... ليضعفُ عن حمل القميص ويألمُ وذلَلَ فيها أنفسًا دون ذلِّها ... حياضُ المنايا فوقها هي حُوَّمُ [فلقد فازَ أقوامٌ وحازوا مَرابحًا ... بتركهم الدنيا وَالاقبالِ منهُمُ (٤) على ربِّهم طولَ الحياة وحبِّهم ... على نهجِ ما قد سنَّهُ فَهُمُ هُمُ] (٥)

стр. 202

قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجةُ العبدِ إليها أعظمُ من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، بل وإلى الروح التي بين جنبيه (١) اعلم أنَّ كلَّ حيٍّ سوى اللَّه فهو فقيرٌ إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحي من جنس النعيم واللّذة، والمضرَّةُ من جنس الألم والعذاب. فلا بُدَّ له (٢) من أمرين: أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي يَنتفعُ ويلتذُّ (٣) به، والثاني هو المعين الموصِل المحصِّل لذلك المقصود، والمانع لحصول المكروه، أو الدافع (٤) له بعد وقوعه. فهاهنا أربعةُ أشياء: أمرٌ محبوب مطلوب الوجود، والثاني: أمرٌ مكروهٌ مطلوب العدم، والثالث: الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضروريةٌ للعبد، بل ولكلّ حي سوى اللَّه، لا يقوم صلاحُه إلا بها. إذا عرف هذا فاللَّه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه، ولا معين على المطلوب غيره؛ وما سواه هو المكروهُ

стр. 203

المطلوب (١) بُعْدُه، وهو المعينُ على دفعه. فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥]، فإنَّ العبادة (٢) تتضمن المقصود المطلوبَ على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يُستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. فالأول من مقتضى ألوهيته، والثاني من مقتضى ربوبيته؛ لأن الإله هو الذي يُؤلَه فيعبَدُ محبَّةً وإنابةً وإجلالًا وإكرامًا، والرب هو الذي يرُب عبدَه فيعطيه خَلْقَه، ثمَّ يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التي بها كمالُه، ويهديه إلى اجتناب المفاسد التي بها فسادُه وهلاكُه. وفي القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين: أحدها: قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥]. الثاني: قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود/ ٨٨]. الثالث: قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود/ ١٢٣]. الرَّابع: قوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة/ ٤]. الخامس: قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان/ ٥٨]. السادس: قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ [الرعد/ ٣٠]. السابع: قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا

стр. 204

إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل/ ٨ - ٩]. ومما يقرِّر هذا أنَّ اللَّه سبحانه خلقَ الخلقَ لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاصِ له. فبذكره تطمئنُّ قلوبُهم، وبرؤيته في الآخرة تقرُّ عيونُهم. ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحبَّ إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحبَّ إليهم من الإيمان به، ومحبتهم له، ومعرفتهم به. وحاجتهم إليه في عبادتهم له وتألُههم له كحاجتهم إليه -بل أعظم- في خلقه لهم (١)، وربوبيته لهم، ورزقه لهم. فإنَّ ذلك هو الغاية المقصودة التي بها سعادتُهم وفوزُهم، وبها ولأجلها يصيرون عاملين متحرّكين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذَّة ولا سرور بدون ذلك بحال. فمن أعرض عن ذكر ربِّه فإنَّ له معيشةً ضنْكًا، ويحشره يوم القيامة أعمى. ولهذا لا يغفرُ اللَّه لمن يشرك به شيئًا، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ولهذا كانت "لا إلهَ إلا اللَّه" أفضلَ الحسنات، وكان توحيدُ الإلهية الذي كلمته "لا إله إلا اللَّه" رأس الأمر. فأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به كلُّ المخلوقات فلا يكفي وحده، وإن كان لا بُدَّ منه، وهو حجة على من أنكر توحيدَ الألوهية، فحقُّ اللَّه على العبادِ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وأن يكرمهم إذا قدموا عليه. وهذا كما أنَّهُ غايةُ محبوب العبدِ ومطلوبه، وبه سروره ولذَّته ونعيمه، فهو أيضًا محبوبُ الربِّ من عبده ومطلوبُه الذي يرضى

стр. 205

به. ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظمَ من فرحِ من وجَدَ راحلتَه التي عليها طعامُه وشرابُه في أرض مهلكة بعد أن فقدها وأَيِسَ منها (١)، وهذا أعظمُ فرع يكون. وكذلك العبد لا فَرَحَ له أعظمُ من فرحِه بوجود ربه، وأنسِه به، وطاعته له، وإقباله عليه، وطمأنينتِه بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوقِ إلى لقائه. فليس في الكائنات ما يسكن العبدُ إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا اللَّه سبحانه. ومن عبد غيرَه وأحبَّه -وإن حصل له نوع من اللَّذة والمودَّة والسكون إليه والفرَح والسرور بوجوده- ففسادُه به ومضرتُه وعطَبُه أعظمُ من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي الذي هو عذبٌ في مبدئه، وعذابٌ في نهايته، كما قال القائل: مآربُ كانت في الشباب لأهلها ... عِذابًا، فصارت في المشيب عَذَابا (٢) ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء/ ٢٢]، فإنَّ قوام السماوات والأرضِ والخليقة بأن تأله الإلهَ الحقَّ، فلو كان فيهما آلهة أخر (٣) غير اللَّه لم يكن إلهًا حقًّا، إذ الإله الحق لا شريكَ له ولا سمي له ولا مثل له، فلو تألهت غيرَه لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحُها، إذ صلاحُها بتألُهِ الإلهِ الحقِّ. كما أنَّها لا توجَد إلا باستنادها إلى الربِّ الواحد القهَّار،

стр. 206

ومستحيلٌ (١) أن تستند في وجودها إلى ربَّين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويَين. إذا عُرفَ هذا فاعلم أنَّ حاجةَ العبد إلى أن يعبد اللَّه وحده، ولا يشرك (٢) به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب = أعظمُ من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإنَّ حقيقة العبد قلبه وروحه (٣)، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إلهَ إلا هو. فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولابد لها من لقائه؛ ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها. ولو حصلَ للعبد من اللذات والسرور بغير اللَّه ما حصلَ لم يدُمْ له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، ثمَّ يتعذب به (٤) -ولا بد- في وقت آخر. وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غيرَ منعِمٍ له ولا مُلِذّ، بل قد يؤذيه اتصالُه به ووجودُه عنده (٥)، ويضرّه ذلك. وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجَرِب من لذة الأظفار التي تحكُه، فهي تُدمي الجلد

стр. 207

وتُحْرِقُه (١) وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكّها من اللَّذّة. وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير اللَّه، هو عذابٌ عليه ومضرةٌ وألمٌ في الحقيقة، لا تزيد لذَّتُه على لذة حكّ الجرِب. والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحَهما وأنفعَهما، واللَّه الموفق المعين، وله الحجَّة البالغة، كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذي لا بُدَّ له منه في كل حالة وكلِّ دقيقة وكلِّ طرفة عين فهو (٢) الإلهُ الحق الذي كلُّ ما سواه باطل، الذي (٣) أينما كان فهو معه. وضرورته إليه (٤) وحاجته إليه لا تشبهها (٥) ضرورةٌ ولا حاجةٌ، بل هي فوق كل ضرورة، وأعظمُ من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام/ ٧٦] (٦).

стр. 208

فصل وهذا مبني على أصلين أحدهما: أنَّ نفس الإيمان باللَّه، وعبادته، ومحبته، وإخلاص العمل له، وإفراده بالتوكل عليه هو غذاءُ الإنسان وقوتُه وصلاحُه وقِوامُه؛ كما عليه أهل الإيمان، وكما دلَّ عليه القرآن؛ لا كما يقوله من يقوله (١) إن عبادته تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذَّته، بل (٢) لمجرد الامتحان والابتلاء، كما يقوله منكرو الحكمة والتعليل؛ أو لأجلِ التعويض بالأجر لما (٣) في إيصاله إليه بدون معاوضةٍ منَّة (٤) تكدره، أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول العقليات، كما يقوله من يتقرَّب إلى النبوات من الفلاسفة. بل الأمرُ أعظمُ من ذلك كله وأجلُّ، بل أوامرُ المحبوب قرَّةُ العيون، وسرورُ القلوب، ونعيمُ الأرواح، ولذاتُ النفوس، وبها كمالُ النعيم. فقرةُ عين المحب في الصلاة والحج، وفرَحُ قلبِه وسروره ونعيمه في ذلك، وفي الصيام والذكر والتلاوة؛ وأما الصدقة فعجب من العجب. وأمَّا الجهاد، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى اللَّه، والصبر على أعداء اللَّه، فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف، ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوَم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم.

стр. 209

ومن غلظ فهمُه وكثف طبعُه عن إدراك هذا فليتأمَّلْ إقدامَ القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم، ومفارقة أوطانهم، وبذل نحورهم لأعدائهم، ومحبتهم للقتل، وإيثارهم له على البقاء، وإيثار لوم اللائمين، وذمّ المخالفين على مدحهم وتعظيمهم. ووقوعُ هذا من البشرِ بدون أمر يذوقه قلبُه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع. والواقع شاهد بذلك، بل ما قام بقلوبهم من اللذّة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذي يتحمل ما يتحمله في موافقة رضى معشوقه، فهو (١) يلتذ به، ويتنعم به، لما يعلمُ من سرور معشوقه به: فيا منكِرًا هذا تأخَّرْ فإنَّهُ ... حرامٌ على الخُفَّاشِ أن يُبْصِرَ الشَّمْسَا فمن كان مرادُه وجهَ (٢) اللَّه، وحياتُه في معرفته ومحبته، ونعيمُه في التوجّه إليه وذكرِه، وطمأنينتِه به وسكونه إليه وحدَه = عرف هذا وأقرَّ به. الأصل الثاني: أنَّ (٣) كمال النعيم في الدَّار الآخرة أيضًا به تعالى: برؤيته، وسماع كلامه، وقربه، ورضوانه؛ لا كما يزعمُ من يزعم أنه لا لذَّةَ في الآخرَة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظمُ مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال. وفي دعاء النبي ﷺ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان

стр. 210

والحاكم في صحيحيهما: "وأسألُكَ (١) لذَّة النظَرِ إلى وجهكَ، والشَّوْقَ إلى لقائِكَ، في غيرِ ضراءَ مُضِرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة" (٢). ولهذا قال تعالى في حقِّ الكفَّار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين/ ١٥ - ١٦]. فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذي يعذَّب به أعداؤه، ولذة النظر إلى وجهه (٣) الكريم أعظمُ أنواع اللذات التي ينعم بها أولياؤه، ولا تقومُ حظوظُهم من سائر المخلوقات مقامَ حظِّهم من رؤيته، وسماع كلامه، والدنو منه وقربه. وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنَّة، وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم فيهما مشايخ الطرق العارفون، وعليهما أهل السنة والجماعة، وهما من فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، ويحتجّون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة، وبالذوقِ والوجد تارة، وبالفطرة تارةً، وبالقياس والأمثال تارةً. وقد ذكرنا مجموع هذه الطرق في كتابنا الكبير في المحبَّة الذي سمَّيناهُ "المورد الصافي، والظل الضافي" (٤) في المحبة وأقسامها

стр. 211

وأنواعها وأحكامها وبيان وجوب (١) تعلّقها بالإله الحقّ دون ما سواه، وقد ذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه (٢). ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرًا أنَّ المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرٌ ولا عطاءٌ ولا منع، بل ربُّه سبحانه الذي خلَقه، ورزقَه، وبصَّره، وهداه، وأسبغَ عليه نِعَمه، وتحبَّب إليه بها مع غناه عنه، ومع تبغُّض العبدِ إليه بالمعاصي مع فقره إليه. فإذا مسَّه اللَّه بِضُرٍّ فلا كاشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمةٍ فلا راد لها ولا مانع؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس/ ١٠٧]. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر/ ٢]. فالعبدُ لا ينفع ولا يضرّ ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن اللَّه، فالأمر كله للَّه أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، هو مقلِّب القلوب ومصرِّفها كيف يشاء،

стр. 212

المتفرِّد بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، والخفض والرفع ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود/ ٥٦]، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف/ ٥٤]. وهذا الوجه أظهرُ (١) لعموم الناس من الوجه الأوَّل، ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأوَّل. لكن من تدبَّر القرآن تبين له أنَّ اللَّه سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأوَّل (٢). فهذا الوجه يقتضي التوكلَ على اللَّه، والاستعانة به، والدعاء له، ومسألته دون ما سواه. ويقتضي أيضًا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه؛ فإذا عبده وأحبَّه وتوكَّل عليه من هذا الوجه دخل في الوجه الأوَّل. وهذا كمن (٣) نزل به بلاءٌ عظيم وفاقة شديدة أوخوف مقلِق، فجعل يدعو اللَّه ويتضرع إليه، حتَّى فتح له من لذيذ مناجاته له وباب الإيمان به (٤) والإنابة إليه ما (٥) هو أحبُّ إليه من تلك الحاجة التي قصدها أوَّلًا، لكنَّه لم يكن يعرف ذلك أوَّلًا حتّى يطلبه ويشتاقَ إليه، فعرَّفه إيَّاه بما أقامه له من الأسباب التي أوصلته إليه. والقرآن مملوءٌ من ذكر حاجة العباد (٦) إلى اللَّه دون ما سواه، ومن

стр. 213

ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذّات، وليس عند المخلوق شيء من هذا. فهذا الوجه يحقق التوكل على اللَّه، والشكر له، ومحبته على إحسانه. وممَّا يوضح ذلك ويقوّيه أنّ تعلّق (١) العبد بما سوى اللَّه مضرَّةٌ عليه، إذا أخذَ منه القدرَ الزائد على حاجته المعينة له على عبودية اللَّه، ومحبته، وتفريغ قلبه له. فإنَّه إن نالَ من الطعام والشراب فوق حاجته (٢) ضرَّه أو أهلكه، وكذلك من النكاح واللباس. وإن أحبَّ شيئا بحيث يخالِله فلا بُدَّ أن يسأمه أو يفارقه، فالضررُ حاصلٌ له إن وُجد أو فُقِدَ، فإن فُقِدَ تعذب بالفراق وتألم، وان وُجدَ فإنهُ يحصل له من الألم أكثر ممَّا يحصل له من اللذة. وهذا أمرٌ معلومٌ بالاعتبار والاستقراء أن كلَّ من أحب شيئًا دون اللَّه لغير اللَّه، فإنَّ مضرته أكثرُ من منفعته، وعذابَه به (٣) أعظمُ من نعيمه. يزيدُ (٤) ذلك إيضاحًا أنَّ اعتمادَه على المخلوق وتوكُّلَه عليه يُوجب له الضررَ من جهته، فإنَّه يُخْذَل من تلك الجهة. وهذا أيضًا معَلوم بالاعتبار والاستقراءِ. فإنَّه (٥) ما علَّق العبدُ رجاءه وتوكلَه بغير اللَّه إلا خابَ من تلك الجهة، ولا استنصرَ بغيره إلا خُذِلَ. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا

стр. 214

سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم/ ٨١، ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]. وقال تعالى عن إمام الحنفاء إنَّه قال للمشركين: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت/ ٢٥]. ولمَّا كان غايةُ صلاحِ العبدِ في عبادة اللَّه وحدَه، واستعانته به (١) وحده كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غايةُ مضرته. وممَّا يوضح الأمرَ في ذلك ويبينه أنَّ اللَّه سبحانه غني حميد، كريم رحيم، فهو محسِن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعةٍ إليه سبحانه ولا لدفع مضرَّة، بل رحمةً وإحسانًا وجودًا محضًا. فإنه رحيم لذاته، محسن لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته؛ كما أنَّهُ غني لذاته، قادر لذاته، حيٌّ لذاته. فإحسانه وجوده وبرّه ورحمته من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك، كما أنَّ حياته (٢) وقدرته وغناه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك. وأما العباد فلا يتصوَّر أن يُحسِنوا إلا لحظوظهم، فأكثرُ ما عندهم للعبد أن يحبوه، ويعنهموه، ويجلبوا (٣) له منفعةً، ويدفعوا عنه مضرَّة. وذلك من تيسير اللَّه وإذنه لهم به، فهو في الحقيقة وليّ هذه

стр. 215

النعم (١) ومُسْدِيها ومُجرِيها على أيديهم. ومع هذا فإنَّهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواءٌ أحبوه لجماله الباطن أوالظاهر. فإذا أحبوا الأنبياء والأولياءَ، وطلبوا (٢) لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك. وكذلك من أحب إنسانًا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك. وإن جلبوا له منفعةً كخدمةٍ ومالٍ (٣)، أو دفعوا عنه مضرَّةً كمرض وعدوّ -ولو بالدعاء- فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل للَّه. فأجناد الملوك، وعبِيدُ المالِك (٤)، وأُجَراء المستأجرِ، وأعوانُ الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، ولا يعرج أكثرُهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد عُلم وهُذِّبَ من جهة أخرى، فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيه طبعُ عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة؛ وإلا فالمقصودُ بالقصد الأول هو منفعة نفسه. وهذا من حكمة اللَّه التي أقام بها مصالح خلقه، إذ قسَّم بينهم معيشتَهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا (٥).
следующие страницы →