← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العظيم. واعلم أنَّ الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواصّ الخلق ولبّ العالم. وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسمّيات وجحدِ حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإنَّ القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني (١)، ويجعل قضاءَه وقدرَه هو نفسَ أمره ونهيه، ويفسر (٢) مشيئة اللَّه لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر. وكذلك الحكمة، فإنَّ الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد (٣) حقيقتها، فإنَّهم يجعلونها مطابقةَ علمه تعالى لمعلومه، وإرادته لمراده. فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقةً، ويثبتون حكمةً زائدةً على ذلك، لكنَّهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقًا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته. فهؤلاء كلهم أقرُّوا بلفظ الحكمة، وجحدوا معناها وحقيقتها. وكذلك الأمرُ والشرع، فإنَّ من أنكر كلام اللَّه وقال: إنَّ اللَّه لم يتكلَّم ولا يتكلَّم، ولا قال ولا يقول، ولا يحبُّ شيئًا ولا يبغض شيئًا؛ وجميعُ الكائنات محبوبةٌ له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحِبّ، ولا يحَبّ (٤)، ولا يرضى، ولا يغضب؛ ولا فرق في نفس الأمر بين

стр. 282

الصدق والكذب، والبرّ والفجور (١)، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين (٢) السجود له. ولم يكلف أحدًا ما يقدر عليه، بل كلُّ تكاليفه (٣) تكليفُ ما لا يطاق، ولا قدرة للمكلَّف عليه البتة. ويجوز أن يعذِّب رجالًا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساءً إذ لم يكونوا رجالًا، وسودًا حيث لم يكونوا بيضًا، وعكسه (٤). ويجوزُ أن يُظهر المعجزةَ على أيدي الكذَّابين، ويُرسل رسولًا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. ولا ريبَ (٥) أنَّ هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحالُ بعضَ المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقولِ بموجبها. والمقصود: أنَّه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقةَ الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتُهم. والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: "القدر قدرة اللَّه" (٦). واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد

стр. 283

غايةَ الاستحسان، وقال: إنَّه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر (١). ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذَّبت بالعلم السابق ونفَتْه، وهم غلاتهم الذين كفِّرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورةً للَّه تعالى، وصرَّحت بأنَّ اللَّه لا يقدر عليها. فأنكر هؤلاء كمالَ قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمالَ علمه. وقابلتهم الجبرية، فحافظت (٢) على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة. ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين (٣) من هذه الثلاث (٤) كثيرًا كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل/ ٦]، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر/ ١]. وقال: ﴿حمَ﴾ [غافر/ ١ - ٢]. وقال في حم فصلت (٥) بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت/ ١٢]. وذكر نظير هذا في الأنعام، فقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ

стр. 284

الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام/ ٩٦] (١). فارتباطُ الخلق بقدرته التامَّة يقتضي أن لا يخرج موجودٌ عن قدرته، وارتباطُه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطُه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط (٢) أمره بعلمه وحكمته وعزَّته، فهو عليمٌ بخلقه وأمره، حكيمٌ في خلقه (٣) وأمره، عزيزٌ في خلقه وأمره (٤). ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة (٥) من صفاته العلى. والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. والحكمة هي سنة الرسول ﷺ ، وهي تتضمن العلم بالحق، والعمل به، والخبر عنه، والأمر به؛ فكل (٦) هذا يسمَّى "حكمة". وفي الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن" (٧). وفي

стр. 285

الحديث: "إنَّ من الشعر حكمة" (١). فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده. وهو (٢) محمود على جميع ما في الكون من خيرٍ وشر حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقُه وأمرُه. فمصدرُ ذلك كله عن الحكمة، فإنكارُ الحكمة إنكارٌ لحمده في الحقيقة (٣). فصل وإنَّما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كلِّ ما خلقه اللَّه وأمرَ به، وبيان أنَّه كلّه خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنَّه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأنَّ جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبيّ (٤) ﷺ في دعاءِ الاستفتاح: "لبَّيك وسعديك، الخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليك" (٥). فهذا النفي يقتضي امتناعَ إضافةِ الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضافُ إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله. فإنَّ ذاته تعالى منزَّهة عن كلِّ شرٍّ، وصفاته كذلك، إذ كلّها صفات كمال ونعوتُ جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب،

стр. 286

وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة؛ وهو المحمود على ذلك كله، فيستحيل إضافة الشر إليه. وتحقيق ذلك أنَّ الشرَّ ليس هو إلا الذنوب وعقوبتها، كما في خطبته ﷺ : "الحمدُ للَّه، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا" (١). فتضمّن ذلك الاستعاذةَ من شرور النفوس، ومن سيئات الأعمال وهي عقوباتها. وعلى هذا فالإضافة على معنى "اللام" من باب (٢) إضافة المتغايرين. أو يقال: المرادُ السيئاتُ من الأعمال، فعلى هذا الإضافةُ بمعنى "من"، وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه. ويدلُّ على الأوَّل قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر/ ٩]. قال شيخنا ﵀ (٣): وهذا أشبه، لأنَّه (٤) إذا أريد السيئات من الأعمال، فإن أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنَّما تكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعُه؛ وإن استعاذ منها قبل وقوعها لئلا يقع، فهذا هو الاستعاذة (٥) من شرِّ النفس. وأيضًا فلا يقال في هذه التي لم توجد بعدُ: "سيئات أعمالنا"، فإنها

стр. 287

لم تكن بعدُ أعمالًا فضلًا عن أن تكون سيئات، وإضافة الأعمال إلينا تقتضي وجودها، إذ ما (١) لم يوجد بعدُ ليس هو من أعمالنا، إلا أن يقال: من سيئات الأعمال التي إذا عملناها كانت سيئات. ولمن رجَّح التقدير الثاني أن يقول: العقوبات ليست لجميع الأعمال، بل للمحرَّمات منها، والأعمال أعم، وحملُها على المحرمات خاضَةً خلافُ ظاهر اللفظ. بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى "من"، فتكون الأعمال على عمومها، والسيئات بعضها، فتكون السيئات على عمومها، والأعمال على عمومها (٢). ويترجَّح أيضًا بأن (٣) الاستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشرّ كله، وهي (٤) شرّ النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل، وشرّ العمل الخارج الذي سوَّلته النفس. فالأوَّل شر الطبيعة والصفة التي في النفس، والثاني شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة. ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاةُ من موجَبهما، وهو العقوبة؛ فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم. وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم، فإنَّ هذا من جوامع كلمه البديعة العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرَها إلا أهلُ العلم والإيمان (٥).

стр. 288

وإذا عُرِفَ هذا، وأنَّه (١) ليس في الوجود شرٌّ إلا الذنوب وموجباتها، وكونُها ذنوبا ناشئ (٢) من نفس العبد، فإنَّ سبَب الذنب الظلمُ والجهلُ، وهما من نفس العبد؛ كما أنَّ سببَ الخير والحمَدِ العلم (٣) والحكمة والغنى، وهي أمور ذاتية للرب تعالى. فذاتُ (٤) الرب تعالى مستلزمة للحكمة والخير والجود، وذاتُ العبد مستلزمة للجهل والظلم، وما فيه من العلم والعدل فإنَّما حصل له بفضل اللَّه عليه، وهو أمرٌ خارجٌ عن نفسه. فمن أراد اللَّه به خيرًا أعطاه هذا الفضل، فصدرَ منه موجَبه (٥) من الإحسان والبر والطاعة. ومن أراد به شرًا أمسكه عنه، وخلَّاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها، فصدر منه موجبُ الجهل والظلم من كلِّ شرٍّ وقبيح. وليس منعه لذلك ظلمًا منه تعالى، فإنَّه فضلُه، وليس من منع فضله ظالمًا، لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. وأيضًا فإنَّ هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده، ويوفقَه، ويعينَه، ولا يخليَ بينه وبين نفسه؛ وهذا محض فعله وفضله، وهو سبحانه أعلمُ بالمحلِّ الذي يصلح لهذا الفضل، ويليق به، ويثمر فيه (٦)، ويزكو به.

стр. 289

وقد أشارَ تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام/ ٥٣] فأخبر سبحانه أنَّه أعلمُ بمن يعرف قدرَ هذه النعمة ويشكره عليها. فإنَّ أصلَ الشكر هو الاعترافُ بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلًا بها لم يشكرها؛ ومن عرفها ولم يعرف (١) المنعمَ بها لم يشكرها أيضًا؛ ومن عرفَ النعمة والمنعم لكن جحَدها كما يجحد المنكِر لنعمة المنعِم عليه (٢) فقد كفرها. ومن عرف النعمةَ والمنعِمَ، وأقرَّ بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له، ويحبَّه، ويرضَ به (٣) وعنه، لم يشكرها أيضًا. ومن عرفها، وعرف المنعِم بها، وأقرّ بها (٤)، وخضعَ للمنعم بها، وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها. فلا بُدَّ في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له، كما في صحيح البخاري (٥) عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهم أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شر ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنًا

стр. 290

بها فماتَ من يومه دخل الجنَّة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنَّة". فقوله: "أبوءُ لك بنعمتك عليَّ" يتضمن الإقرار والإنابة إلى اللَّه بعبوديته، فإنَّ المباءة هي التي يبوء إليها الشخص، أي يرجع إليها رجوع استقرار، والمباءَة هي المستقر. ومنه قوله ﷺ : "من كذبَ عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأ مقعدَه من النَّار" (١) أي لِيتَّخِذْ مقعدَه من النَّار مباءَةً يلزمه ويستقر فيه، لا كالمنزل الذي ينزله ثم يرحل عنه. فالعبدُ يبوءُ إلى اللَّه بنعمته عليه، ويبوءُ بذنبه، فيرجع (٢) إليه بالاعتراف بهذا وبهذا، رجوعَ مطمئن إلى ربَّه منيبٍ إليه، ليس رجوعَ من أقبل عليه ثم أعرض عنه، بل رجوعَ من لا يُعرض عن ربه، بل لا يزال مقبلًا عليه، إذ (٣) كان لا بد له منه (٤). فهو معبوده، وهو مستعانه (٥)، لا صلاح له إلا بعبادته، فإن لم يكن معبودَه هلك وفسد، ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته. وفي الحديث: "مثل المؤمن مثل الفرس في آخيّته (٦): يجولُ ثمَّ يرجع إلى آخيته. كذلك المؤمن يجولُ ثمَّ يرجع

стр. 291

إلى الإيمان" (١). فقوله: "أبوءُ" يتضمن أني وإن جُلْتُ كما يجول الفرس -إمَّا بالذنب وإمَّا بالتقصير في الشكر- فإنِّي راجع منيب أوَّاب إليك، رجوعَ من لا غنى له عنك. وذكر النعمةَ والذنبَ لأنَّ (٢) العبد دائمًا يتقلب بينهما، فهو بين نعمةٍ من ربِّه وذنبٍ منه هو، كما في الأثر الإلهي: "ابنَ آدم خيري إليك نازل، وشرُّك إليَّ صاعد. كم أتحبَّب إليك بالنعم، وأنا غني عنك! وكم تتبغض إليَّ بالمعاصي، وأنت فقير إلي! ولا يزال الملك الكريم يعرُج إليَّ منك بعمل قبيح" (٣). وكان في زمن الحسن البصري شابّ لا يُرى إلا وحده، فسأله الحسن عن ذلك فقال: إنِّي أجدني بين نعمةٍ في اللَّه وذنبٍ منِّي، فأريد أن أحدِثَ

стр. 292

للنعمة شكرًا وللذنب استغفارًا، فذلك الذي شغلني عن النَّاس، أو كما قال. فقال له: "أنت أفقه عندي (١) من الحسن" (٢). فالخيرُ كله من اللَّه كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل/ ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ﴾ [الحجرات/ ٧ - ٨]. وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات/ ١٧]. وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة/ ٦ - ٧]. وهؤلاء المنعَم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء/ ٦٩]. فالنعم كلُّها -من (٣) نعم الدِّين والدنيا، وثواب الأعمال في الدنيا والآخرة (٤) - من نِعَمِ اللَّه ومنِّه (٥) وفضله على عبده. وهو تعالى، وإن

стр. 293

كان أجودَ الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فإنَّه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لا يضع الأشياءَ إلا في مواضعها اللائقة بها، ولا يناقض جودُه ورحمتُه وفضلُه حكمتَه وعدلَه. ولو رأى العقلاءُ أحدًا منهم قد وضع المِسك في الحشوش والأخلية، ووضَع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة لاشتدَّ نكيرهم عليه والقدحُ في عقله، ونسبوه إلى السفَه وخلاف الحكمة. وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان، والإحسانَ موضع العقوبة لسفَّهوه، وقدحوا في عقله، كما قال القائل: ووضعُ النَّدى في موضع السَّيف بالعلا ... مُضِرٌّ كوضع السَّيفِ في موضعِ النَّدى (١) وكذلك لو وضع الدواءَ موضع الغذاء، والغذاءَ موضع الدواء، والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه، والإمساكَ حيث يليق الاستفراغ. وكذلك وضع الماء موضعَ الطعام، ووضع (٢) الطعام موضعَ الماء، وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة، بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يُخلق له من العلوم والصنائع. فمن بهرت حكمتُه العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها؟ ومن المعلوم أنَّ أجلَّ نعمِه على عبده نعمةُ الإيمان به، ومعرفته، ومحبته، وطاعته، والرضا به، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتزام عبوديته. ومن المعلوم أيضًا أنَّ الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث

стр. 294

منه، ومنها الطيب، وبين ذلك؛ وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي، والقلب الخسيس الخبيث. وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار، والبر والبحر (١)، والحر والبرد (٢)، والداءَ والدواء، والعلو والسفل؛ وهو أعلمُ بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها، وإيداعها عندها، ويزكو بذرها (٣) فيها، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم (٤) كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذرِ بالبذرِ. فليس من الحكمة أن يبذرَ البُرُّ في الصخور والرمال والسِّباخ (٥)، وفاعل ذلك غير حكيم، فما الظنُّ ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحالّ التي هي أخبث المحالّ. فاللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلًا وميراثًا، فهو أعلمُ بمن يصلح لتحمّلِ رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة، والنصيحة، وتعظيم المرسِل، والقيامِ بحقه، والصبر على أوامره، والشكر لنعمه، والتقرب إليه؛ ومن لا يصلح لذلك. وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رُسله، والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلَّغوه عن ربِّهم. قال عبد اللَّه بن مسعود: "إنَّ اللَّه تعالى نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد ﷺ خيرَ قلوب أهل الأرض، فاختصه برسالته. ثمَّ نظر في

стр. 295

قلوب العباد، فرأى قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته" (١). وفي أثر إسرائيلي (٢): أنَّ اللَّه تعالى قال لموسى: أتدري لمَ اخترتُك لكلامي؟ قال: لا يا رب. قال: لأنِّي (٣) نظرتُ في قلوب العباد، فلم أرَ فيها أخضعَ من قلبك لي. أو نحو هذا (٤). فالربُّ سبحانه إذا علمَ من المحلّ (٥) أهليَّةً لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبَّبَ إليه ذلك، ووضعه فيه، وكتبه في قلبه، ووفَّقه له، وأعانه عليه، ويسَّرَ له طرقَه، وأغلق دونه الأبوابَ التي تحول بينه وبين ذلك. ثمَّ تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظمَ (٦) من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسِن لولده الذي هو أحب شيء إليه. فلا يزال يعامله بلطفه، ويختصه بفضله، ويؤثره برحمته، ويمده بمعونته، ويؤيده بتوفيقه، ويُريه مواقع إحسانه إليه وبرّه به؛ فيزداد العبدُ به معرفةً، وله محبَّةً، وإليه إنابةً، وعليه توكلًا؛ ولا يتولى معه غيره، ولا يعبد (٧) سواه. وهذا هو الذي عرفَ قدرَ النعمة، وعرف المنعم، وأقرَّ بنعمته، وصرفها في مرضاته؛ فاقتضت (٨) حكمة الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر

стр. 296

في هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة، وسقاه ماءَ العلم النافع والعمل الصالح، وأطَلع عليه من نوره شمسَ الهداية، وصرف عنه الآفاتِ المانعة من حصولِ الثمرة، فأنبتت أرضُه الزاكية من كل زوجٍ كريم، كما في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "مثلُ ما بعثني اللَّه به (١) من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصابَ أرضًا، فكان منها طائفةٌ طيبةٌ قبلت الماءَ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها طائفة أجادبُ أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا. وأصاب منها طائفةً أخرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقُه في دين اللَّه ونفعه بما بعثني اللَّه به، ومثل من لم يرفع في بذلك رأسًا ولم يقبل هدى اللَّه الذي أُرسِلتُ به" (٢). فمثَّل القلوب بالأرضِ التي هي محل النبات والثمار، ومثَّل الوحيَ الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماءِ الذي ينزله على الأرضِ. فمن الأرضِ أرضٌ طيبة قابلةٌ للماءِ والنبات، فلمَّا أصابها الماءُ أنبتت ما انتفع به الآدميون والبهائم: أقواتَ (٣) المكلفين وغيرهم. وهذه بمنزلة القلبِ القابل لهدى اللَّه ووحيه، المستعدّ لزكائه (٤) وثمرته ونمائه، وهذا خير قلوب العالمين. ومن الأرضِ أرضٌ صلبةٌ منخفضةٌ غيرُ مرتفعة ولا رابية، قابلةٌ لحفظ الماءِ واستقراره فيها، ففيها قوَّة الحفظ وليس فيها قوَّة النبات؛ فلمَّا

стр. 297

حصلَ فيها الماءُ أمسكته وحفظته، فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم، وسقوا منه زروعهم (١). وهذا بمنزلة القلب الَّذي حفظ الوحيَ، وضبَطَه، وأدَّاه إلى من هو أفهمُ له منه، وأفقه منه فيه (٢)، وأعرف بمراده؛ وهذا في الدرجة الثانية. ومن الأرضِ أرضٌ قيعانٌ -وهي المستوية التي لا تنبت إمَّا لكونها سَبَخةً (٣) أو رمالًا، ولا يستقر فيها الماء- فإذا وقع عليها الماءُ ذهبَ ضائعًا لم تمسكه لشرب الناس، ولم تُنبت به كلأ، لأنَّها غير قابلة لحفظ الماءِ ولا لنبات الكلأ والعشب. وهذَا حال أكثر الخلق، وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى اللَّه ولم يرفعوا به رأسًا، ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين. بل لابد لكلِّ مسلم أن يزكو الوحيُ في قلبه، فينبت من العمل الصالح، والكلم الطيب، ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته. فمن لم ينبت قلبُه شيئًا من الخيرِ البتة، فهذا من أشقى الأشقياء. فصلوات اللَّه وسلامه على مَن الهدى والبيانُ والشفاءُ والعصمةُ في كلامه وفي أمثاله (٤). والمقصود: أنَّ اللَّه سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومن يصلح لها ممن (٥) لا يصلح، وأنَّ حكمته تأبى أن تضع (٦) ذلك عند

стр. 298

غير أهله، كما تأبى أن تمنعه (١) من يصلح له. وهو سبحانه الَّذي جعل المحلّ صالحًا وجعله أهلًا وقابلًا، فمنه الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبَّب. ومن اعترض بقوله: فهلَّا جعل المحالّ كلها كذلك، وجعل القلوب على قلب واحد! فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم، وهو بمنزلة من يقول: لم خلق الأضداد، وهلَّا جعلها كلَّها شيئًا (٢) واحدًا! فلم خلق الليل والنهار، والفوق والتحت، والحر والبرد، والداءَ والدواء (٣)، والشياطين والملائكة، والروائح الطيبة والكريهة، والحلو والمر، والحسن والقبيح؟ وهل يسمح خاطرُ من له أدنى مُسْكةٍ من عقل بمثل هذا السؤال الدَّال على حمق سائله وفساد عقله؟ وهل ذلك إلا موجَب (٤) ربوبيته وإلهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته، ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها. وهل حقيقة الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأَعداءِ؟ وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات، وترتيب آثارها عليها، وإيصال ما يليق بكل منها إليه؛ وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته في العالمِ إلا من لوازم ربوبيته وملكه؛ فهل يكون رزَّاقًا وغفَّارًا وعفوًّا (٥) ورحيمًا وحليمًا (٦)، ولم يوجد من يرزقه، ولا من يغفر له،

стр. 299

ويعفو عنه، ويحلم عنه، ويرحمه؟ وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فممن ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم، ويُري أولياءَه كمال نعمتِه واختصاصه إيَّاهم دون غيرهم بكرامته وثوابه؟ وهل في الحكمة الإلهية تعطيلُ الخير الكثير لأجل شرٍّ جزئي يكون من لوازمه؟ فهذا الغيث الَّذي يحيى اللَّه به (١) البلاد والعباد والشجر والدواب، كم يحبس من مسافر، ويمنع من قصَّار (٢)، ويهدم من بناء، ويعوق عن مصلحة (٣)؟ ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح؟ وهل (٤) هذه المفاسد في جنب مصالحه إلا كتَفلةٍ في بحر؟ وهل تعطيلُه لئلا تحصل به هذه المفاسد إلا موجِبًا (٥) لأعظم المفاسد والهلاكِ؟ وهذه الشمس التي سخَّرها اللَّه لمنافع عباده (٦) وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان الحيوانات والطير، وفيها من المنافع والمصالح ما فيها = كم تؤذي مسافرًا وغيره بحرّها، وكم تجفف رطوبةً وكم تُعطِش حيوانًا، وكم تحبس عن مصلحة، وكم تنشِف من مورد، وتحرق من زرع! ولكن أين يقع هذا في جنبِ ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية، والمُكملة؟ فتعطيل الخير الكثير لأجلِ الشر

стр. 300

اليسير شرٌّ كبير (١)، وهو خلافُ موجب الحكمة الَّذي تنزَّه اللَّه سبحانه عنه. قلتُ لشيخ الإسلام (٢): فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجرَّدةً عن المفاسد، مشتملةً على المصلحة الخالصة. فقال: خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع، فإنَّ وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولو خُلِقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه، ولكان عالمًا آخر غير هذا. قال: ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمةً لنوع من الأمور لا ينفك عنه، كالحركة مثلًا المستلزمة لكونها لا تبقى. فإذا قيل: لم لم تخلق الحركةُ المعيّنةُ باقيةً؟ قيل: لأنَّ ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى مكان والتحول من حال إلى حال، فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة. ونفس الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل/ ٧٨] وإنَّما يأتيها العلم والقدرة والغنى من اللَّه بفضله ورحمته، فما حصل لها من كمال وخير فمن اللَّه، وماحصلَ لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها. وهذه أمور عدمية، وليس لها من نفسها وجود ولا كمال. والأمور العدمية من لوازم وجودها، ولو خلقت (٣) على غير ذلك لم تكن هي هذه النفس الإنسانية بل مخلوقًا آخر. فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة، والشرُّ الَّذي يحصل لها نوعان: عدم، ووجود.

стр. 301

فالأَوَّل كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات، وعدم العمل بها. وهذا العدم ليس له فاعل، إذ العدم المحض لا يكون له فاعل؛ لأنَّ تأثير الفاعل إنَّما هو في أمر وجودي. وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم محض ليس له فاعل، فإنَّ العدم ليس بشيءٍ (١) أصلًا، وما ليس بشيءٍ لا يقال إنَّه مفعول لفاعل، فلا يقال إنَّه من اللَّه، إنَّما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية. ولهذا من قول المسلمين كلهم: "ما شاءَ اللَّهُ كان، وما لم يشأ لم يكن"، فكلُّ كائن فبمشيئته كان، وما لم يكن فلعدم مشيئته (٢). والعدمُ يعلَّل بعدم السبب أو الشرط تارة، وبوجود المانع أخرى. وقد يقال: علَّة العدم عدمُ العلة. وبعضُ الناسِ يقول: الممكن لا يترجح أحدُ طرفيه على الآخر (٣) إلا بمرجِّح، فلا يوجد إلا بسبب، ولا يعدم إلا بسبب. قال (٤): والتحقيق في هذا أنَّ العدم ليس له فاعل ولا علَّة فاعلة أصلًا، بل (٥) إذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة، أي عدمُ العلة استلزمَ عدمَ المعلول، وعدمُ الشرط استلزم عدمَ المشروط، فإذا قيل: عُدِمَ لِعدم علَّته (٦)، أي عدمُ علَّته (٧)

стр. 302

مستلزم (١) لعدمه. والنفس تطلب سببَ العدم، فتقول: لِمَ لَمْ يوجَد كذا؟ فيقال: لعدم كذا، فيضاف عدم المعلول (٢) إلى عدم علَّته، لا إضافة تأثير، ولكن إضافة استلزام وتعريف. وأمَّا التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيًا للعدم، وأمَّا إذا أُريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدمَ الحكم سواءٌ كان المقتضى موجودًا أو لم يكن. والمقصود أنَّ ما عدمته النفس من كمالها فمنها، فإنَّها لا تقتضي إلا العدم، أي عدمُ استعداد نفسه (٣) وقوَّتَها هو السبب في عدم هذا الكمال. فإنَّه كما يكون أحد الوجودين سببًا للآخر، فكذلك أحد العدمين يكون سببًا لعدم الآخر. والموجود الحادث يضاف إلى السبب المقتضي لإيجاده، وأمَّا المعدوم فلا يحتاج استمراره على العدم إلى فاعل يُحدث العدم، بل يكفي في استمراره عدمُ مشيئة الفاعل المختار له. فما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن لانتفاء مشيئته، فانتفاءُ مشيئةِ كونه سببُ عدمه. وهذا معنى قولهم: "عدمُ علَّة الوجود علَّةُ العدم". وبهذا الاعتبار الممكنُ القابلُ للوجود والعدم لا يترجَّح أحدُ طرفيه (٤) إلا بمرجِّح، فمرجِّح عدمه عدمُ مرجِّحه، ومعنى الترجيح والسببية ههنا الاستلزام لا التأثير، كما تقدم. فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى اللَّه .

стр. 303

وأمَّا الشر الثاني، وهو الشر الوجودي -كالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة- فهو من لوازم ذلك العدم. فإنَّه متى عُدِمَ العلم (١) النافع والعمل الصالح من النفس لزم أن يخلفه الشرُّ والجهلُ وموجبُهما، ولا بدَّ، لأنَّ النفس لا بدَّ لها من أحد الضدين، فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد الضار الفاسد. وهذا الشرُّ الوجودي هو من خلقه تعالى، إذ لا خالق سواه، وهو خالق كل شيء، لكن كلُّ ما خلقه اللَّه فلا بد أن يكون له في خلقه حكمةٌ لأجلها خلَقَه، فلو لم يخلقه فاتت تلك الحكمة. وليس في الحكمة تفويتُ هذه الحكمة التي هي أحبُّ إليه سبحانه من الخير الحاصل بعدمها، فإنَّ في وجودها من الحكمة (٢) والغايات التي يُحمد عليها سبحانه أضعافَ ما في عدمها من ذلك، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. وليس في الحكمة تفويتُ هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل للنفس من الشر، مع ما حصل من الخيرات التي لم تكن تحصل بدون هذا الشر، ووجود الشيء (٣) لا يكون إلا مع وجود لوازمه وأنتفاءِ أضداده، فانتفاء لوازمه يكون ممتنعًا لغيره، وحينئذٍ فقد يكون هدي هذه النفوس الفاجرة وسعادتها (٤) مشروطًا بلوازم لم تحصل، أو بانتفاء أضدادٍ لم تنتفِ. فإن قيل: فهلَّا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد؟ فهذا هو

стр. 304

السؤال الأوَّل، وقد بينَّا أنَّ لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالَم لا بدَّ منها، فلو قُدِّرَ عدمُها لم يكن هذا العالم بل عالمًا آخر ونشأةً أخرى وخلقًا آخر. وبينَّا أنَّ هذا السؤال بمنزلة أن يقال: هلَّا تجرد الغيث والأنهار عمَّا يحصل به من تغريق وتعويق (١) وتخريب وأذى؟ وهلَّا تجردت الشمس عمَّا يحصل منها من حرّ وسموم وأذى؟ وهلا تجردت طبيعة الحيوان عمَّا يحصل له من ألم وموت وغير ذلك؟ وهلَّا تجردت الولادة عن (٢) مشقة الحمل والطلق وألم الوضع؟ وهلَّا تجرَّد بدن الإنسان (٣) عن قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغيّر أحواله؟ وهلَّا تجردت فصول العام عمَّا يحدث (٤) فيها من البرد الشديد القاتل، والحر الشديد المؤذي؟ فهل يقبل عاقل هذا السؤال أو يورده؟ وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: لمَ كان المخلوق فقيرًا محتاجًا، والفقرُ والحاجةُ صفةُ نقص، فهلَّا تجرد منها وخُلِعت عليه خلعةُ الغنى المطلق والكمال المطلق؟ فهل يكون مخلوقًا إذا كان غنيًّا غنًى مطلقًا، ومعلوم أنَّ لوازم الخلق لا بدَّ منها فيه؟ ولا بدَّ للعلو من سفل، وللسفل (٥) من مركز. ولوازمُ العلو من السعة والإضاءة والبهجة والخيرات، وما هناك من الأرواح العلوية النيرة المناسبة لمحلها، وما يليق بها ويناسبها من الابتهاج والسرور والفرح والقوَّة

стр. 305

والتجرد من علائق المواد السفلية (١) لا بدَّ منها. ولوازم السفل والمركز من الضيق والحصر، ولوازم ذلك من الظلمة والغلظ والشر، وما هنالك من الأرواح السفلية المظلمة الشرِّيرة وأعمالها وآثارها لا بدَّ منها (٢). فهما عالمان علوي وسفلي، ومحلَّان وساكنان تناسبهما مساكنهما وأعمالهما وطبائعهما، وقد خُلِقَ كلٌّ (٣) من المحلّين معمورًا بأهليه وساكنيه، حكمةً بالغةً وقدرةً قاهرةً. وكلٌّ من هذه الأرواح لا يليق بها غيرُ ما خُلِقَتْ له ممَّا يناسبها ويشاكلها. قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء/ ٨٤] أي على ما يشاكله ويناسبه ويليق به، كما يقول النَّاس: "كل إناءٍ بالذي فيه ينضَح" (٤). فمن أرادَ (٥) من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورةً للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصدق بين الملأ الأَعلى فقد أراد ما تأباه حكمةُ أحكم الحاكمين. ولو أنَّ ملِكًا من ملوك الدنيا جعل خاصَّته وحاشيته سِفْلةَ النَّاس وسَقَطَهم وغَرَثَهم (٦) الذين

стр. 306

تناسبت (١) أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم في القبح والرداءة والدناءة لقدَحَ النَّاسُ في ملكه وقالوا: لا يصلُح للمُلك. فما الظن بمجاوري الملك الأعظم مالكِ الملوك في داره وتمتُّعِهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيبُ خلقه وأزكاهم وأشرفهم؟ أفَيليق بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روحٌ سفليةٌ أرضيةٌ قد أخلدت إلى الأرضِ، وعكفت على ما تقتضيه طباعها (٢) مما يشاركها (٣) فيه بل قد يزيد عليها (٤) الحيوانُ البهيم، وقصرت همتها عليه، وأقبلت بكليتها عليه، لا ترى نعيمًا (٥) ولا لذَّة ولا سرورًا إلا ما وافق طباعها من مأكل (٦) ومشربٍ ومنكح من أين كان وكيف اتَّفق. فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد، وإلا فالقلبُ والطبعُ على قلوب (٧) هذه الحيوانات

стр. 307

وطباعها، وربما كانت طباعُ الحيوانات خيرًا من طباع هؤلاء وأسلمَ وأقبلَ للخير. ولهذا جعلهم سبحانه شرَّ الدواب، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال/ ٢٢، ٢٣]. فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شرِّ البرية وشر الدواب في دار واحدة، يكونون فيها على حالٍ واحدة من النعيم أو العذاب؛ قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم/ ٣٥ - ٣٦]. فأنكر عليهم الحكم بهذا، وأخرجه مخرجَ الإنكارِ لا مخرجَ الإخبار، لينبه العقول على أنَّ هذا ممَّا تحيله الفطَر وتأباه العقول السليمة. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر/ ٢٠]. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص/ ٢٨]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر/ ٩]. بل الواحد من الخلق لا تستوي أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقِبُه وعينُه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر. واللَّه (١) قد خلق الخبيث والطيب، والسهل والحزن، والضار والنافع. وهذه أجزء الأرض: منها ما يصلح جلاءً للعين، ومنها ما يصلح للأتُّون (٢) والنار. وبهذا ونحوه يُعرَف كمال القدرة وكمال الحكمة. فكمال القدرة

стр. 308

بخلق الأضداد، وكمالُ الحكمة بتنزيلها (١) منازلها ووضع كلٍّ منها في موضعه. والعالِمُ من لا يُلقي الحربَ بين قدرة اللَّه وحكمَته، فإن آمن بالقدرة قدَحَ في الحكمة وعطَّلها، وإن آمن بالحكمة قدَح في القدرة ونقَضها (٢)؛ بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولهما لجميع ما خلقه اللَّه ويخلقه، فكما أنَّه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته، فكذلك لا يكون إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلًا، فيكفيها الإيمانُ بما تعلَم وتشاهد منه، ثمَّ تستدل على الغائب بالشاهد، وتعتبر ما علمت بما لم تعلم (٣). وقد ضربَ اللَّه سبحانه الأمثال لعباده في كتابه، وبيَّن لهم ما في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الَّذي به حياتهم وأقواتهم وحياةُ الأرضِ والدوابّ، وما خلقه لهم من النار (٤) التي بها صلاحُ أبدانِهم وأقواتِهم وصنائعهم، من الشر الجزِئي (٥) المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ [الرعد/ ١٧]. فأخبر سبحانه أنَّ الماءَ بسبب مخالطته الأرض (٦) إذا سال فلا بد من

стр. 309

أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدًا عاليًا على وجه السيل. فالذي لا يعرف ما تحت الزبد يقصرُ نظرَه عليه، ولا يرى إلا غثاءً ووسخًا ونحو ذلك، ولا يرى ما تحته من مادة الحياة. وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس (١) وغيرها، إذا أُوقِد عليها في النار لتتهيأ للانتفاع (٢) بها خرَج منها خَبَثٌ ليس من جوهرها ولا يُنتفَع به. وهذا لا بدَّ منه في هذا وهذا (٣). وقد ذمّ تعالى من ضعفت بصيرتُه من المنافقين، وعميَ عمّا في القرآن ممّا به يُنال كل سعادة وعلم وهدىً وصلاح وخير في الدنيا والآخرة، ولم يجاوز (٤) بصرُه وسمعُه رعودَ وعيده وبروقَها وصواعقَها، وما أعدّ اللَّه لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه، الَّذي هو -بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح، ومن (٥) المعارف الإلهية، وتبيين (٦) طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد- يسيرٌ (٧)، وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه. قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ

стр. 310

حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة/ ١٧ - ٢٠]. فهكذا حال كل من قصَر نظرَه في بعض مخلوقات الربِّ تعالى على ما لابدّ منه من شرٍّ جزئيّ جدًّا بالإضافة إلى الخير الكثير. ولو لم يكن (١) في هذه النشأة الإنسانية إلا خاصّته وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرًا ومصلحة، ومَن عداهم (٢) -وإن كانوا أضعافَ أضعافِهم- فهم كالقَشّ والزبالة وغثاء السيل، لا يُعْبَأ بكثرتهم، ولا يقدح في الحكمة الإلهية، بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفَر معه آلاف (٣) مؤلَّفة من النوع الآخر. فإنّه إذا وُجد واحدٌ يوازن البريّةَ ويرجَح عليها كان الخيرُ الحاصلُ بوجوده والحكَمة والمصلحة أضعافَ الشرّ الحاصل من وجود أضداده، وأثبتَ وأنفعَ وأحبَّ إلى اللَّه من فواته (٤)، بتفويت ذلك الشرِّ المقابل له. وهذا كالشمس، فإنّ الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشرّ المقابل له بها. وأين نفعُ الشمس وصلاحُ النبات والحيوان بها مِن نفع الرسلِ وصلاحِ الوجود بهم؟ بل أين ذلك من نفعِ سيّدِ ولدِ آدم، وصلاحِ القلوب و (٥) الأبدان والدنيا والآخرة به؟ وقد ضُرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشرّ مثَلٌ بدولاب أو

стр. 311

طاحونٍ شديدِ الدوران، أيّ شيء خطَفه ألقاه تحتَه وأفسده، وعنده قيِّمُه الَّذي يديره (١)، وقد أحكمَ أمرَه لينتفع به ولا يضرَّ أحدًا. فربّما جاءَ الغِرّ الَّذي لا يعرف فيتقرّب منه (٢)، فيخرق ثوبه أو بدنه، أو يؤذيه. فإذا قيل لصاحبه: لِمَ لَمْ تجعله ساكنًا لا يؤذي من اقترب منه؟ قال: هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابًا وطاحونًا، ولو جُعِلَ (٣) على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه. وكذلك إذا قدَّرنا (٤) نار الأتُّون التي تُحرق ما وقع فيها، وعندها وقَّاد حاذق يحُشها (٥)، فإذا غفل عنها أفسدت. وإذا أرادَ أحد أن يقرب منها نهاه وحذَّره، فإذا استغفله مَن قرب منها حتَّى أحرقته لم يقل لصاحب النَّار: هلَّا قلَّلتَ حرَّها لئلا تفسد من يقرب (٦) منها وتُحرقه؟ فإنَّه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها، ولو جعلتها دون ذلك لم تُحرق أحجارَ الكِلْس (٧)، ولم تطبخ الآجُرّ، ولم تُنضِج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك. فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النَّارِ من نفعها هو من فضل اللَّه ورحمته، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خُلِقَت عليها، التي (٨) لا تكون نارًا إلا بها، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارًا،

стр. 312

وكذلك النفس، ما (١) يحصل لها من شرٍّ فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها، وما حصل لها من خيرٍ فهو من فضل اللَّه ورحمته. واللَّه خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك. فأمَّا (٢) الأمور العدمية فهي باقية على ما كانت عليه من العدم، والإنسان جاهل ظالم بالضرورة، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب/ ٧٢]، فإنَّ اللَّه أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا. والظلم هو النقص، كما قال تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف/ ٣٣]، أي لم تنقص منه شيئًا (٣)، وهي ظالمة نفسها فهي الظالمة المظلومة، إذ كانت منقوصةً من كمالها بعدم بعض الكمالات أو أكثرها منها (٤). وتلك الكمالات التي عدمت كان وجودها سببًا لكمالات أخر، فصار عدمها مستلزمًا لعدم تلك الكمالات، فعَظُمَ النقص، واشتدَّ العيب بحسبه، وفقدت من لذَّاتها وسرورها ونعيمها (٥) وبهجتها وروحها بحسب ما فقدت من تلك الكمالات (٦) التي لا سعادة لها بدونها، فإنَّ أحد الموجودين قد يكون مشروطًا بالآخر فيستحيلُ وجوده بدونه، لأنَّ عدم الشرط يستلزمُ عدمَ المشروط. فإذا عدمت النفسُ هذا الكمالَ المستلزم لكمالٍ آخر مثلِه أو أعلى منه، وهي موصوفة بالنقص الَّذي هو

стр. 313

الظلم والجهل ولوازمها من أصل الخلقة = صارت مستلزمة للشر، وقوَّةُ شرها وضعفُه بحسب قوتها وضعفها في ذاتها. وتأمَّلْ أَوَّلَ نقص دخَلَ على أبي البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم والعزمِ. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه/ ١١٥]. والنسيان سواءٌ كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فُسِّر بهما ههنا فهو أمر عدمي، ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣]. فإنه (١) اعترف بنقص حظِّ نفسِه (٢) -بما حصل لها من عدم العلم والصبر- بالنسيان الَّذي أوجبَ فواتَ حظِّه من الجنَّة. ثمّ قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣] فإنّه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية، فيمنعْ أثرها وعقابها، ويقي (٣) العبدَ ذلك (٤) وإلّا ضرَّتْه آثارُها ولا بدّ، كآثار الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوي بشرب التِّرياق ونحوه وإلّا (٥) ضرّه ولا بدّ. وإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما به تصلُح (٦) النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلَّا خسِر، فالمغفرةُ (٧) تمنع الشرّ، والرحمةُ توجب الخير، والربّ

стр. 314

سبحانه إن لم يغفره للإنسان فيقيه السيئاتِ، ويرحمْه فيؤتيه (١) الحسناتِ وإلّا هلك ولا بدّ، إذ كان ظالمًا لنفسه ظلومًا بنفسه. فإنّ نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، وهي متحرّكة بالذات، فإن لم تتحرّك إلى الخير تحرّكت إلى الشرّ فضرّت صاحبَها. وكونُها متحرّكةً بالذات من لوازم كونها نفسًا لأنّ ما ليس حسّاسًا متحرّكًا بالإرادة فليس نفسًا. وفي (٢) الصحيح عن النبي ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمام" (٣) فالحارث: الكاسب العامل، والهمّام: الكثير الهمّ، والهمّ مبدأ الإرادة، فالنفس لا تكون إلّا مريدةً عاملةً؛ فإن لم توفَّق للإرادة الصالحة وإلَّا وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضارّ (٤). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج/ ١٩ - ٢٢] فأخبر تعالى أنّ الإنسان خُلِق على هذه الصفة، وإنّ من كان على غيرها فلأجل ما زكّاه اللَّه به من فضله وإحسانه. وقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء/ ٢٨] قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساءِ (٥). وقال الحسن: هو خلقه من

стр. 315

ماءٍ مهينٍ (١). وقال الزجّاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى (٢). والصواب أنّ ضعفه يعمُّ هذا كلّه، وضعفه أعظم من هذا وأكثر، فإنّه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر. والآفات إليه مع هذا الضعف أسرعُ من السيل في الحَدور (٣). فبالاضطرار لا بدّ له من حافظ معين يقوّيه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخفى عنه هذا المسعِد (٤) المعين فالهلاكُ أقرب إليه من نفسه. وخلقُه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الربُّ ﷻ ويثنى عليه بها، وهو موجَب حكمته وعزَّته. فكل ما يحدث من هذه الخلقة وما (٥) يلزمُ عنها فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه خيرٌ وعدلٌ وحكمة، إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته. وبالنسبة إلى العبدِ ينقسمُ (٦) إلى خير وشر وحسن

стр. 316

وقبيح، كما يكون (١) بالنسبة إليه طاعةً ومعصيةً وبرًّا وفجورًا، بل أخص من ذلك، مثل كونه (٢) صلاةً وصيامًا وحجًّا وزنًى وسرقةً وأكلًا وشربًا، إذ ذلك موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، وموجَب أمر اللَّه له ونهيه. فللَّه (٣) سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه ممَّا لو شاء (٤) لخلقه، وعلى توفيقه الموجِب لطاعته، وعلى خِذلانَّه الموقع في معصيته. وهو سبحانه سبقت رحمتُه غضبَه، وكتب على نفسه الرحمة، وأحسنَ كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله سبحانه في ذلك أعظم حكمة مطلوبة، وتلك الحكمة إنَّما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التي لا تُنال غاياتُها إلا بها، فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة. ولهذا يقرُن سبحانه في كتابه بين اسمه "الحكيم" واسمه "العليم" تارةً، وبينه (٥) وبين اسمه "العزيز" تارةُ (٦)، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيْمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء/ ٢٦، الأنفال/ ٧١]، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة/ ٢٤٥، المائدة/ ٣٨]، وقوله: ﴿وكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء/ ١٥٨، ١٦٥، الفتح/ ٧، ١٩]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح/ ٤]، ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ

стр. 317

مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل/ ٦]، فإنَّ العزَّة تتضمَّن القوَّة، وللَّه القوَّة جميعًا. يقال: عزَّ يعَزّ -بفتح العين- إذا اشتدَّ وقوي، ومنه الأرض العَزاز للصلبة (١) الشديدة؛ وعزَّ يعِزّ -بكسر العين- إذا امتنع ممن يرومه، وعزَّ يعُز -بضم العين- إذا غلب وقهر. فأعطوا أقوى الحركات -وهي الضمة- لأقوى المعاني وهو الغلبة والقهر للغير، وأضعفَها -وهي الفتحة- لأضعف هذه المعاني وهو كون الشيء في نفسه صلبًا، ولا يلزمُ من ذلك أن يمتنع عمَّن يرومه؛ والحركة المتوسطة -وهي الكسرة- للمعنى المتوسط وهو القوي الممتنع عن غيره، ولا يلزمُ منه أن يقهر غيرَه ويغلبه. فأعطوا الأقوى للأقوى، والأضعف للأضعف، والمتوسط للمتوسط (٢). ولا ريبَ أنَّ قهر المريد (٣) عمَّا يريده من أقوى أوصاف القادر، فإنَّ قهرَه عن إرادته وجعله غيرَ مريد كان أقوى أنواع القهر، والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز، ف العز يقتضي كمال القدرة والعزَّة (٤)، ولهذا يوصف به المؤمن، ولا يكون ذمًّا له، بخلاف الكبر. قال رجلٌ للحسن البصري: إنَّك متكبر. فقال: "لستُ بمتكبر، ولكنِّي عزيز".

стр. 318

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون/ ٨]. وقال ابن مسعود: "ما زلنا أعزَّةً منذ أسلم عمر" (١). وقال النبي ﷺ : "اللَّهم أعِزَّ الإسلامَ بأحد هذين الرجلين: عمرَ بن الخطاب، أو أبي جهل ابن هشام" (٢). وفي بعض الآثار: إنَّ النَّاس يطلبون العزَّة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة اللَّه (٣). وفي الحديث: "اللَّهم أعِزَّنا بطاعتك ولا تذلّنا بمعصيتك" (٤). وقال بعضهم: من أراد عزًّا بلا سلطان، وكثرةً بلا عشيرة، وغنًى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة. فالعزَّة من جنس القدرة والقوَّة. وقد ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قال: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف؛ وفي

стр. 319

كلٍّ خير" (١). فالقدرةُ إن لم تكن معها حكمة، بل كان القادر يفعل ما يريده، بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعله (٢) فسادًا، كصاحب شهوات الغي والظلم، الَّذي يفعل بقوّته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإنَّ هذا وإن كان له قوَّة وعزَّة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونةً على شرِّه وفساده. وكذلك العلمُ كمالُه أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الَّذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه = سفيهٌ غاوٍ، وعلمه عون له على الشرِّ والفساد. هذا إذا كان عالمًا قادرًا مريدًا له إرادة من غير حكمة. وإن قدَّر أنَّه لا إرادة له بحال فهذا أوَّلًا ممتنع من الحي، فإنَّ وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنعٌ كوجود إرادةٍ بدون الشعور. وأمَّا القدرة والقوَّة إذا قدّر وجودها بدون إرادة فهي كقوة الجماد، فإنَّ القوَّة الطبيعية: التي هي مبدأ الفعل والحركة (٣)، وقد قال بعض النَّاس: إنَّ لمحلِّها (٤) شعورًا يليق به، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا

стр. 320

يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة/ ٧٤]، وبقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف/ ٧٧]. وهذه مسألة كبيرة تحتاج إلى كلامٍ لا يليق بهذا الوضع. والمقصود أنَّ العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح، وإنَّما يحصل ذلك بالحكمة معهما. واسمه سبحانه "الحكيم" يتضمن حكمته في خلقه وأمره في إرادته الدينية والكونية، وهو حكيم في كلِّ ما خلقه، حكيمٌ في كلِّ ما (٢) أمر به. والنَّاس في هذا المقام أربع طوائف: الطائفة الأُولى: الجاحدة لقدرته وحكمته، فلا يثبتون له تعالى قدرة ولا حكمة، كما يقوله من ينفي كونه تعالى فاعلًا مختارًا، وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتي لا بالقدرة والاختيار. وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها "عناية إلهية". وهم من أشد النَّاس تناقضًا، إذْ لا يُعقَل حكيمٌ لا قدرة له ولا اختيار، وإنَّما يسمون ما في العالم من المصالح والمنافع "عناية إلهية" من غير أن يرجع منها إلى الرب تعالى إرادة ولا حكمة. وهؤلاءِ كما أنَّهم مكذبون لجميع الرسل والكتب، فهم مخالفون لصريح العقل والفطرة، قد نسبوا الرب تعالى إلى أعظم (٣) النقص،
следующие страницы →