← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قيل: لا ريب أنَّ التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأولى، هذا أمرٌ معلوم بالضرورة، فإمَّا أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة، وسمَّى المضغة فيها نطفةً اعتبارًا بأوَّل أحوالها وما كانت عليه. أو يكون المراد بها الأربعين الأولى، وسمَّى كتابةَ تصويرها وتخليقها (١) وتقديرَه تخليقًا اعتبارًا بما يؤول؛ فيكون قوله "صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدَّر ذلك وكتبه وأعلم به، ثمَّ يفعله (٢) بعد الأربعين الثالثة. أو يكون المراد به (٣) الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر. فإنَّ النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينئذٍ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس. ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صُورت التصويرَ المحسوس المشاهد. فأحد التقديرات الثلاثة متعيِّن (٤)، ولا بُدَّ؛ ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم. وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدرة (٥)، واللَّه أعلم بمراد رسوله. غير أنَّا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم

стр. 247

واللحم إنَّما يكون بعد الأربعين الثالثة. والمقصود أنَّ كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاقٍ، عند أوَّل تخليقه. ويحتمل وجهًا رابعًا وهو أنَّ النطفة في الأربعين الأولى لا يُتعرَّض إليها ولا يُعتنى بشأنها (١)، فإذا جاوزتها وقعتْ في أطوار التخليق طَورًا بعد طَور، ووقع حينئذٍ التقدير والكتابة. فحديث ابن مسعود صريحٌ بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أُسَيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنَّما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين، ولم يوقِّت فيها البَعدية (٢) بل أطلقها، وقد قيدها ووقَّتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب. فأخبر بما يكون للنطفة (٣) بعد الطور الأوَّل من تفاصيل شأنها وتخليقها، وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة، وكلّه بعد الأربعين الأولى، وبعضه متقدم على بعض؛ كما أنَّ كونها علقةً متقدم (٤) على كونها مضغةً، وكونها مضغة متقدِّم (٥) على تصويرها، والتصوير متقدم على نفخ الروح، ومع (٦) ذلك فيصح أن يقال: إنَّ النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة، ويصوَّر خلقُها، وتركَّب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها الروح، ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل.

стр. 248

وهذا وجه حسن جدًّا (١). والمقصود: أنَّ تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار الدنيا، فأسكنه الجنة والنار وهو في بطن أمه. [أحاديث أخرى في إثبات القدر] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه كتبَ على ابن آدم حظَّه من الزِّنى أدْرَكَ ذلك لا محالةَ" الحديث (٢). وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: ما بعثَ اللَّه من نبيٍّ ولا استخلف من خليفة إلا كانَ له بطانتان: بطانة تأمرُه بالخيرِ وتحضُّه عليه، وبطَانةٌ تأمرُه بالشرِّ، وتحضُّه عليه. والمعصومُ من عَصَمَ (٣) اللَّه" (٤). وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم أنَّه قال: أتيت النبي ﷺ فقال: "يا عُدَيُّ أسلِمْ تَسْلَمْ، قلتُ: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنِّي رسول اللَّه، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرّها" (٥).

стр. 249

وفي صحيح البخاري من حديث الحسن عن (١) عمرو بن تغلب قال: أتى النبي ﷺ مالٌ، فأعطى قومًا ومنع آخرين، فبلغه أنَّهم عتبوا، فقال: "إني أعطي الرجل وأدَع الرجل، والذي أدعِ أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي. أُعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهَلع، وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعلَ اللَّهُ في قلوبهم من الغِنى (٢) والخيرِ" الحديث (٣). وفي الصحيحين (٤) من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ : "كان اللَّه، ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماءِ، ثمَّ خلقَ (٥) السماوات والأرض، وكتب في الذكر كلَّ شيء". وفي الصحيح عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قال لأشجِّ عبد القيس: "إنَّ فيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهما اللَّه: الحِلم والأناة". قال: يا رسول اللَّه خُلقَين تخلَّقْتُ بهما، أم جُبلتُ عليهما؟ قال: "بل جبلتَ عليهما". قال: الحمد للَّه الذي جَبَلني عَلى خلقين يحبهما اللَّه (٦). وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "جفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ". رواه البخاري تعليقًا (٧).

стр. 250

وذكر البخاري أيضًا (١) عن ابن عباس في قوله : ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون/ ٦١] قال: سبقت لهم السعادة. وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عبد اللَّه بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت: "أنَّ اللَّه لو عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته (٢) خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثل أحدٍ ذهبًا في سبيل اللَّه ما قبله اللَّه منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متَّ على غير هذا لدخلتَ النَّار". وقاله زيد بن ثابت عن النبي ﷺ (٣). وفي سنن أبي داود عن أبي حفص الشامي قال: قال عبادة بن الصامت: يا بنيّ إنَّك لن تجد (٤) طعمَ الإيمان حتَّى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أوَّل ما خلقَ اللَّه القلم فقال له: اكتب، قال:

стр. 251

ربِّ (١) وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس منِّي" (٢). وفي الصحيحين عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة فيها رسول اللَّه ﷺ ببقيع الغرقد، فجاءَ رسول اللَّه ﷺ فجلس ومعه مِخصرة، فجعل ينكُت بالمِخصَرة في الأرض، ثمَّ رفع رأسه فقال: "ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا قد كُتِبَ مكانُها من النار أو الجنَّة (٣)، إلا قد كُتِبَت: شقيَّة أو سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا نبيّ اللَّه أو لا نمكث (٤) على كتابنا، وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة ليكونَّن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقوة (٥) لَيكوننّ إلى الشقاوة؟ قال: اعملوا، فكل مُيسَّرٌ، أمَّا أهل السعادة فَيُيَسَّرون لِلسَّعَادة، وأمَّا أهل الشقاوة فيُيسَّرون لِلشَّقَاوة". ثمَّ قرأ نبيُّ اللَّه ﷺ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل/ ٥ - ١٠] (٦). وفي السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهني أنَّ عمر بن الخطاب سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ

стр. 252

ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف/ ١٧٢] (١)، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ سئل (٢) عنها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "خلقَ آدمَ (٣)، ثمَّ مسحَ ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريَّة، فقال: خلقت هؤلاء للجنَّة، وبعمل أهل الجنَّة يعملون. ثمَّ مسحَ ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقتُ هؤلاء للنَّار، وبعمل أهل النَّار يعملون". قال رجل: يا رسول اللَّه، ففيم العملُ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ إذا خلقَ العبدَ للجنَّة استعمله بعمل أهل الجنَّة حتَّى يموت على عمل من أعمال أهل الجنَّة، فيُدخله به الجنَّة. وإذا خلقَ العبد للنَّارِ استعمله بعمل أهل النَّار حتَّى يموت على عمل من أعمال أهل النَّارِ، فيدخله به النَّار" (٤). وفي الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه خلقَ آدمَ من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاءَ بنو آدمَ على قدر الأرض، جاء منهم الأحمرُ والأبيض والأسود وبين ذلك، والسَّهْل والحَزْن، والخبيث والطيب". قال الترمذي: حديث حسن

стр. 253

صحيح (١). وذكر الطبري من حديث مالك بن عبد أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال لابن مسعود: "لا تُكْثِرْ (٢) همَّكَ، ما يُقدَّرْ يَكُنْ، وما تُرْزَقْ يأتِك" (٣). وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بُعِثْتُ داعيًا ومبلِّغًا، وليس إليِّ من الهدى شيءٌ، وخُلقَ إبليس مُزَيِّنًا، وليس إليه من الضلالة شيء" (٤). وقال ابن وهب: أخبرنا عبد الرحمن بن سلمان (٥)، عن عقيل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج النبيّ ﷺ ، فسمع ناسًا من أصحابه يذكرون (٦) فقال: "إنَّكم قد أخذتم في شعبتين بعيدتي الغَور (٧)، فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكم". ولقد أخرج يومًا كتابًا، فقال: "هذا كتابٌ من اللَّه الرحمن الرحيم فيه تسمية أهل الجنَّة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمَلٌ (٨) على آخرهم لا يُنقصُ منهم أحدٌ: فريقٌ

стр. 254

في الجنَّة وفريقٌ في السَّعير" (١). وفي الترمذي عن ابن عباس قال: ردِفتُ رسولَ اللَّه ﷺ يومًا فقال: يا غلامُ، ألَا أعلِّمُكَ كلماتٍ ينفعك اللَّه بهنَّ؟ احفظ اللَّه يحفظْك، احفظ اللَّه تجده أمامك. تعرَّفْ على اللَّه في الرَّخاءِ يعرفْك في الشدَّة. إذا سألتَ فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه. رُفِعَت الأقلامُ، وجفَّت الصحف. لَوْ جَهَدت الأُمَّة على أنْ ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه لك، ولو جهدت الأمة على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه عليك. واعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرَج مع الكرْبِ، وأنَّ مع العسر يُسْرًا" (٢). وفي بعض روايات الحديث في غير الترمذي: "فلو أنَّ النَّاس اجتمعوا على أن يعطوك شيئًا لم يُعْطِه اللَّه لم يقدروا عليه، ولو أنَّ الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئًا قدَّره اللَّه لك وكتبه لك (٣) ما استطَاعُوا، فاعبُدِ اللَّه بالصَّبْرِ مع اليقين" (٤).

стр. 255

وقال علي بن الجعد: حدثنا (١) عبد الواحد بن سليم (٢) البصري، عن عطاء بن أبي رباح قال: سألتُ (٣) ابن (٤) عبادة بن الصامت: كيفَ كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: جعل يقول: "يا بنيّ اتّقِ اللَّه، واعلم أنَّك لن تتقيَ اللَّه ولن تبلغ العلم حتَّى تعبد اللَّه وحدَه، وتؤمنَ بالقدر خيره وشرِّه". قلت: يا أبتِ كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: "تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فإنْ متَّ على غير هذا دخلت النَّار. سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أوَّل ما خلقَ اللَّه القلم، فقال له: اكتُبْ، فقال: ما أكتبُ؟ فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد" (٥). وذكر الطبري من حديث بقية حدثنا (٦) أبو بكر العنسي (٧) عن يزيد بن أبي حبيب (٨) ومحمد بن يزيد قالا: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: قالت أم سلمة: يا رسول اللَّه لا تزال نفسك في كل عام وَجِعَةً من تلك الشاة المسمومة التي أكلتها، قال: "ما أصابني من (٩) شَيءٍ منها إلا وهو

стр. 256

مكتوبٌ على، وآدم في طينته" (١). وفي صحيح مسلم (٢) من حديث ابن عباس في خطبة النبيّ ﷺ : "الحمدُ للَّه نحمدُهُ ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله". وفي صحيحه (٣) أيضًا عن زيد بن أرقم: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها". وفي صحيحه (٤) أيضًا عن علي عن النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاقِ، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرِفْ عنِّي سيِّىَءَ الأخلاق، لا يصرفُ عنِّي سيِّئَها إلا أنت". وفي الترمذي والمسند من حديث عمران بن حصين أن النبيّ ﷺ علَّم أباه هذا الدعاء: "اللَّهمَّ ألْهِمْني رُشدي، وقنِي شرَّ نفسي" (٥).

стр. 257

وروى سفيان الثوري عن خالد الحذَّاء، عن عبد اللَّه بن الحارث قال: قام عمر بن الخطاب بالجابية (١) خطيبًا فقال في خطبته: "من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له" وعنده الجاثَليقُ (٢) يسمع ما يقول، قال: فنفَضَ ثوبَه كهيئة المنكِر، فقال عمر: ما يقول؟ (٣) قالوا: يا أمير المؤمنين، يزعمُ أنَّ اللَّه لا يضل أحدًا، قال: "كذبتَ يا عدوَّ اللَّه، بل اللَّه خلقك وهو أضلَّكَ، وهو يُدخِلُك النَّارَ إن شاء اللَّه. أما واللَّه، لولا وَلْثُ عهدٍ (٤) لك لضربتُ عنقك، إنَّ اللَّه خلقَ الخلقَ فخلَق أهل الجنَّة وما هم عاملون، وخلَقَ أهل النارِ وما هم عاملون، قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه" (٥). وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال: "خلق اللَّه الخلقَ فكانوا في قبضته، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنَّة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النَّار ولا أبالي، فذهَبتْ إلى يوم القيامة" (٦). وقال ابن عمر: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيتَ الزنى بقدَر اللَّه؟ فقال: نعم. قال: فإنَّ اللَّه قدَّره على ثمَّ يعذبني؟ قال: "نعم يا ابن اللَّخْناءِ، أما واللَّه لو كان عندي إنسان أمرتُ أن يجَأ

стр. 258

أنفَك" (١). وذكر عن علي ﵁ أنَّه ذُكِرَ عنده القدرُ يومًا، فأدخلَ إصبعيه السبابة والوسطى في فيه، فرقَم بهما باطنَ يده، فقال: أشهد أنَّ هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب (٢). وذكر عنه أيضًا أنَّه قال: "إنَّ أحدكم لن يخلُص الإيمانُ إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غيرَ ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنَّ (٣) ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويُقِرَّ بالقدَر كله" (٤). وذكر البخاري (٥) عن ابن مسعود أنَّه قال في خطبته: "الشقي من شَقِيَ في بطن أمه، والسعيد من وُعِظَ بغيره". وقال ابن مسعود: "لأنْ أعضَّ على جمرٍ (٦) أو أقبضَ (٧) عليها حتى تبرُدَ في يدي أحبُّ إليَّ من أن أقول لشيءِ قضاه اللَّه: ليته لم يكن" (٨).

стр. 259

وقال: "لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم أنَّه ميت، وأنَّه مبعوث من بعد الموت" (١). وقال الأعمش، عن خيثمة (٢)، عن ابن مسعود: "إنَّ العبدَ لَيهُمُّ بالأمرِ من التجارة والإمارة، حتى يتيسَّر له نظرُ اللَّه إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنِّي إن يسرتُه له أدخلته النار. قال: فيصرفه اللَّهُ عنه. قال: فيقول: من أين دُهيتُ؟ أو نحو هذا، وما هو إلا فضلُ اللَّه " (٣). وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنَّ عبد الرحمن بن عوف مرض مرضًا شديدًا، أغمي عليه فأفاق (٤) فقال: أُغمي علي؟ قالوا: نعم، قال: إنَّه أتاني رجلان غليظان، فأخذا بيدي، فقالا: انطلِقْ نحاكِمْك إلى العزيز الأمين. فانطلقا بي، فتلقَّاهما رجل، فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكِمُه إلى العزيز الأمين. فقال: دعاه فإنَّ هذا ممن سبقت له السعادةُ وهو في بطن أمه (٥). وقال ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أشهد لَسمِعتُ ابن

стр. 260

عباس يقول: "العجز والكَيْس بقدر" (١). وقال مجاهد: قيل لابن عباس: إنَّ ناسًا يقولون في القدر. قال: "يكذِّبون بالكتاب، لئن أخذتُ بشَعرِ أحدِهم لأنضُوَنَّه (٢). إنَّ اللَّه كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، فخلَقَ القلِمَ، فكتَب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنَّما يجري النَّاسُ على أمرِ قد فُرِغ منه" (٣). وقال ابن عباس أيضًا: "القدَرُ نظامُ التوحيد، فمن وحَّد اللَّه ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاءِ نقضًا (٤) للتوحيد، ومن وحَّد اللَّه وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها" (٥). وقال عطاء بن أبي رباح: كنتُ عند ابن عباس، فجاءَه رجل، فقال: "يا ابن عباس (٦)، أرأيت من صدَّني عن الهدى، وأوردني دارَ الضلالة والردى (٧)، ألا تراهُ قد ظلمني؟ فقال: "إن كان الهدى شيئًا كان لك عنده فمنَعَكَه فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلم

стр. 261

يظلمك (١). قُمْ، لا تجالسْني (٢) " (٣). وقال عكرمة عن ابن عباس: "كان الهدهد يدلُّ سليمان على الماء". فقلتُ له: وكيف ذاك والهدهدُ (٤) يُنصَب له الفخُّ عليه التراب؟ فقال: "أَعضك اللَّهُ بِهَن أبيك، إذا جاء القضاءُ ذهبَ البصرُ" (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا (٦) إسماعيل، أنبأنا أبو هارون (٧) الغنوي، حدثنا (٨) أبو سليمان (٩) الأزدي، عن أبي يحيى مولى بني عفراء (١٠) قال: أتيتُ ابن عباس، ومعي رجلان من الذين يذكرون القدر، أو ينكرونه، فقلتُ: يا ابن عباس، ما تقول في القدر؟ فإنَّ هؤلاء يسألونك عن القدر، إن زنَى وإن سرق (١١) وإن شرب، قال (١٢): فحسَرَ قميصَه حتى أخرج منكبيه وقال: "يا أبا يحيى (١٣) لعلَّك من الذين ينكرون

стр. 262

القدر (١) ويكذِّبون به. واللَّه لو أعلم أنَّك منهم أو (٢) هذين معك لجاهدكم. إن زنَى فبقدَر، وإن سرقَ فبقدَر، وإن شرِب الخمرَ فبقدَر" (٣). وصحَّ عن ابن عمر أنَّ يحيى بن يعمر قال له: إنَّ ناسًا يقولون: لا قدر، وإنَّ الأمر أُنُف (٤). فقال: "إذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أنَّ ابن عمر منهم بريء (٥)، وأنَّهم بُرَآءُ منه" (٦). وقد تقدم قول أبيّ بن كعب، وحذيفة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: "لو أنفقت مثلَ أحُد (٧) ذهبًا في سبيل اللَّه ما قُبلَ منك حتَّى تؤمنَ بالقدر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ (٨) ما أخطاك لم يكن ليصيبك، وإن متَّ على غير ذلك دخلت النار" (٩). وتقدَّم قول عبادة بن الصامت: "لن تؤمن حتَّى تؤمنَ بالقدرِ خيرِه وشرِّه، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك" (١٠).

стр. 263

وقال قتادة، عن أبي السوَّار، عن الحسن بن علي قال: "قُضي القضاءُ، وجفَّ القلم، وأمور تُقْضى (١) في كتابٍ قد خَلا" (٢). وقال عمرو بن العاص: "انتهى عجبي إلى ثلاث: المرءُ يفِرُّ من القدَر وهو لاقيه. ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبُها، ويكون في عينه مثلُ الجذع فلا يعيبها. ويكون في دابته الضِّغْنُ (٣) فيقوِّمها جهدَه، ويكون في نفسَه الضِّغْن فلا يقوِّمها" (٤). وقال أبو الدرداء: "ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب" (٥). وقال الحجَّاج الأزدي: سألنا سلمانَ ما الإيمان بالقدر؟ فقال: "أن تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ ما أخطاكَ لم يكن ليصيبك" (٦). وقال سلمان أيضًا: "إنَّ اللَّه لمَّا خلقَ آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو

стр. 264

ذارئٌ (١) إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال (٢) والشقوة (٣) والسعادة. فمِن علَمِ السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومِن علَمِ الشقاوة فعلُ الشر (٤) ومجالس الشر" (٥). وقال جابر بن عبد اللَّه: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كلِّه خيره وشرّه (٦)، ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبَه" (٧). وقال هشام (٨) عن أبيه عن عائشة: "إنَّ العبدَ ليعمل الزمانَ بعمل أهل الجنَّة، وإنَّهُ عند اللَّه لمكتوبٌ من أهل النَّار" (٩). والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، وإنَّما أشرنا إلى بعضها إشارة. فصل فالجوابُ (١٠) أنَّ ههنا مقامَين: مقامَ إيمان وهدى ونجاة، ومقامَ ضلال وردى وهلاك، زلَّت فيه أقدام، فهوَتْ بأصحابها إلى دار الشقاء.

стр. 265

فأمَّا مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأنَّه (١) ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه (٢) الناس. وهذه الآثار التي ذكرت (٣) كلها تُحقِّق هذا المقام، وتبيِّن أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن باللَّه ولم يعرفه، وهذا في كل كتابِ أنزله اللَّه على كلِّ رسولٍ أرسله (٤). وأمَّا المقام الثاني -وهو مقام الضلال والردى والهلاك- فهو الاحتجاجُ به على اللَّه (٥)، وحملُ العبدِ ذنبَه على ربه، وتنزيهُ نفسه الجاهلة الظالمة الأمَّارة بالسوء، وجعلُ أرحمِ الراحمين وأعدلِ العادلين وأحكمِ الحاكمين وأغنى الأغنياء أضرَّ على العباد من إبليس؛ كما صرَّح به بعضهم، واحتجَّ عليه بما خصَمه فيه من لا تدحَض حجَّتُه ولا تطاق مغالبتُه، حتَّى يقول قائلُ هؤلاء: ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له ... إيَّاكَ إيَّاكَ أن تبتلَّ بالماءِ (٦)

стр. 266

ويقول قائلهم: دعَاني وسدّ البابَ دوني فهل إلى ... دخولي سبيلٌ؟ بيِّنوا لِيَ قِصَّتي (١) ويقول الآخر: وضعوا اللحمَ لِلبُزا ... ةِ على ذِروتَي عَدَنْ ثُمَّ لاموا البُزاة إذ ... خلَعوا عنهم الرَّسَنْ لو أرادوا صِيانتي ... سَتروا وَجْهَك الحسَنْ (٢) وقال بعضهم -وقد ذكر له مَن (٣) يخاف من إفساده- فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهِنّ غيره! وصعد رجل يومًا على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجُر بجاريته، فنزل، وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدَعانا حتى فعلنا ذلك. فقال: لَعِلمُك بالقضاء والقدر أحبُّ إليَّ من كلِّ

стр. 267

شيء، أنت حرٌّ لوجه اللَّه (١). ورأى آخر رجلًا (٢) يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرَب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول: القضاءُ والقدر. فقال: يا عدوّةَ اللَّه أتزني وتعتذري (٣) بمثل هذا؟ فقالت: أوَّهْ تركتَ السنّة، وأخذت بمذهب ابن عبَّاد (٤)! فتنبَّهَ ورمى السوط (٥) من يده، واعتذر إليها، وقال: لولاكِ لَضلَلْتُ! ورأى آخر رجلًا آخر يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاءُ اللَّه وقدره. فقال: الخِيرة فيما قضى اللَّه! فلُقِّب بـ "الخيرة فيما قضى اللَّه"، وكان إذا دعي به غضب! وقيل لبعض هؤلاء: أليس اللَّه (٦) يقول: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر/ ٧] فقال: دعنا من هذا، رضيَه وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيرُه!

стр. 268

ولقد بالغَ بعضهم في ذلك حتى قال: القدرُ عذر لجميع العصاة، وإنَّما مثلنا في ذلك كما قيل: إذا مرِضنا أتيناكم نعودُكُمُ ... وتُذنبون فنأتيكم فنعتذرُ (١) وبلغ بعضَ هؤلاء أنَّ عليًّا مرَّ بقتلى النهروان فقال: "بؤسًا لكم، لقد ضرَّكم من غرَّكم". فقيل: من غرَّهم؟ فقال: "الشيطان، والنَّفس الأمَّارة بالسوء، والأماني". فقال هذا القائل: كان علي قدريًّا، وإلا فاللَّهُ غرَّهم، وفعل بهم ما فعل، وأوردَهم تلك الموارد. واجتمع جماعة من هؤلاء يومًا، فتذاكروا القدر، فجرى ذكرُ الهدهد وقولِهِ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل/ ٢٤] (٢)، فقال: كان الهدهد قدريًّا، أضاف العملَ إليهم والتزيينَ إلى الشيطان، وجميعُ ذلك فعلُ اللَّه (٣). وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/ ٧٥]: أيمنعه، ثمَّ يسأله ما منعَه؟ فقال (٤): نعم، قضَى عليه في السرِّ ما منعه منه (٥) في العلانية، ولعَنه عليه! قال له: فما معنى قوله:

стр. 269

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ [النساء/ ٣٩] (١) إذا كان هو الذي منعهم؟ قال: استهزاءً بهم! قال: فما معنى قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء/ ١٤٧] قال: قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جَنَوه، بل ابتدأهم بالكفر ثمَّ عذبهم عليه، وليس للآية معنى! وقال بعض هؤلاء -وقد عوتب على ارتكابه معاصي اللَّه فقال-: إن كنتُ عاصيًا لأمره فأنا مطيع لإرادته (٢). وجرى عند بعض هؤلاء ذكرُ إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعةُ يلعنونه ويذمّونه، فقال: إلى متى هذا (٣) اللّوم؟ ولو خُلِّيَ لَسَجَدَ، ولكن مُنِعَ. وأخذ يقيم عذره، فقال له (٤) بعض الحاضرين: تبَّا لك سائر اليوم، أتذبُّ عن الشيطان، وتلوم الرحمن؟ وجاءَ جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء، فلم يجدوه، فلمَّا رجع قال: كنتُ أصلح بين قوم. فقيل له: وأصلحتَ بينهم؟ قال: أصلحتُ، إن لم يُفسِد اللَّه. فقيل له: بؤسًا لك، أتُحسِن الثناء على نفسك، وتسيء الثناء على ربِّك؟ (٥) ومُرَّ بلصٍّ مقطوع اليد على بعض هؤلاء فقال: مسكين، مظلوم، أجبرَه على السرقة، ثمَّ قطع يده عليها!

стр. 270

وقيل لبعضهم: أترى اللَّهَ كلَّف عبادَه ما لا يطيقون، ثمَّ يعذبهم عليه؟ قال: واللَّهِ قد فعل ذلك، ولكن لا نجسر أن نتكلم! (١) وأراد رجل من هؤلاء السفر، فودَّع أهلَه وبكى. فقيل له (٢): استودِعْهم اللَّه، واستحفظهم إيَّاه. فقال: ما أخاف عليهم غيرَه! وقال بعض هؤلاء: زَنيةٌ أزنيها (٣) أحبُّ إليَّ من عبادة الملائكة. قيل؟ ولم؟ قال: لعلمي بأنَّ اللَّه قضاها عليَّ وقدَّرها، ولم يقضها إلا والخِيرةُ لي فيها. وقال بعضُ هؤلاء: العارف لا ينكر منكرًا، لاستبصاره بسرِّ اللَّهِ في القدر (٤). ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدًا، فأوَّلُ ما بدأ به من المزارات (٥) زيارة المواخير المشتملة على البغايا والخمور، فجعل يقول: كيف أنتم في قدر اللَّه؟ كيف أنتم في قدر اللَّه؟ (٦) وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عاتبتُ بعضَ شيوخ هؤلاءِ فقال لي: المحبة نارٌ تُحرِق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكونُ

стр. 271

كله مراد، فأيِّ شيءٍ أُبغِضُ منه؟ قال: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغضَ بعضَ من في الكون وعاداهم ولعنهم، فأحببتَهم أنت وواليتهم، أكنتَ وليًّا للمحبوب أو عدوًا له؟ قال: فكأنَّما أُلْقِمَ حجَرًا (١). وقرأ قارئ بحضرة بعض هؤلاء: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص/ ٧٥] فقال: هو واللَّهِ منعه! ولو قال إبليس ذلك كان (٢) صادقًا، وقد أخطأ إبليس الحجَّة، ولو كنتُ حاضرًا لقلتُ (٣): أنتَ منعته! وسمع بعض هؤلاء قارئًا يقرأ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت/ ١٧] فقال: ليس من هذا شيء، بل أضلَّهم وأعماهم. قالوا: فما معنى الآية؟ قال: مَخْرَقةٌ يُمَخْرِقُ بها (٤). فيقال: اللَّه أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء اللَّه حقًّا الذين ما قدروا اللَّه حقَّ قدره، ولا عرفوه حقَّ معرفته، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمه، ولا نزِّهوه عمَّا يليق به، وبغِّضوه إلى عباده وبغِّضوهم إليه سبحانه، وأساؤوا الثناءَ عليه جهدَهم وطاقتهم. وهؤلاء خصماءُ اللَّه حقًّا الذين جاءَ فيهم الحديثُ: "يُقال يومَ القيامة: أين خصماء اللَّه؟ فيؤمرُ بهم إلى النَّارِ" (٥).

стр. 272

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته: (١) ويُدعَى خصومُ اللَّه يومَ معادِهم ... إلى النَّارِ طُرًّا فرقةُ القدريةِ سواءٌ نفَوه أو سعَوا لِيخاصِمُوا ... به اللَّهَ أو مارَوا به للشريعةِ (٢) وسمعته يقول: القدرية المذمومون في السنة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة (٣): نفاته، وهم القدرية المجوسية. والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام/ ١٤٨] وهم القدرية المشركية (٤). والمخاصمون به للربِّ، وهم أعداءُ اللَّه وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس، وهو أوَّل من احتجَّ على اللَّه بالقدر فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف/ ١٦] ولم يعترف بالذنب وَيُبؤْ به، كما اعترف به آدم. فمن أقرَّ بالذنب، وباءَ به، ونزِّه ربَّه، فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم (٥). ومن برَّأ نفسَه واحتجَّ على ربِّه بالقدر فقد أشبَه إبليس (٦). ولا ريبَ أنَّ هؤلاء القدريِّة الإبليسية والمشركية (٧) شرٌّ من القدريَّة

стр. 273

النفاة، لأنَّ النفاة إنَّما نفوه تنزيهًا للرب تعالى وتعظيمًا له أن يقدّر الذنب ثمَّ يلوم عليه ويعاقب، ونزهوه أن يعاقِبَ العبد على ما لا صُنعَ للعبد فيه البتة، بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه وحوَله (١) ونحو ذلك. كما يحكى عن بعض الجبرية أنَّه حضرَ مجلسَ بعض الولاة فأتيَ بطرَّار (٢) أحوَل، فقال له الوالي: ما ترى فيه؟ فقال: اضربه خمسة عشر سوطًا (٣). فقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر: بل ينبغي أن يُضْرَب ثلاثين سوطًا: خمسة عشر لِطرِّه، ومثلها لِحَوَله. فقال الجبري: كيف يُضْرَب على الحَوَل، ولا صنع له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطرّ، ولا صنع له فيه عندك، فبُهِتَ الجبري. وأمَّا القدرية الإبليسية والمشركية فكثيرٌ منهم منسلخ من (٤) الشرع، عدوٌّ للَّه ورسله، لا يُقِرّ بأمرٍ ولا نهي. وتلك وراثة عن شيوخه (٥) الذين قال اللَّه فيهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام/ ١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى

стр. 274

الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل/ ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف/ ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا في ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ [يس/ ٤٧]. فهذه أربعة مواضع في القرآن بيّن سبحانه فيها أنَّ الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل. وقد افترق النَّاسُ في الكلام على هذه الآيات أربعَ (١) فرق: الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجَّة حجة صحيحة، وأنَّ للمحتجِّ بها الحجَّةَ على اللَّه. ثمَّ افترق هؤلاء فرقتين: فرقةً كذَّبتْ بالأمرِ والوعد والوعيد، وزعمت أنَّ الأمرَ والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلمًا، واللَّه لا يظلم من خلقه أحدًا. وفرقةً صدَّقت بالأمر والنَّهي والوعد والوعيد، وقالت: ليس ذلك بظلم، واللَّه يتصرَّف في ملكه كما (٢) يشاء، ويعذِّب (٣) العبدَ على ما لا صنع له فيه، بل يعذِّبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده، إذ

стр. 275

العبد لا فعلَ له، والملكُ ملكُه، ولا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون. فإنَّ هؤلاء الكفَّار إنَّما قالوا هذه المقالة التي حكاها اللَّه عنهم استهزاءً منهم، ولو قالوها اعتقادًا للقضاء والقدر وإسنادًا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم يُنكَر ذلك (١) عليهم! ومضمون قول هذه الفرقة أنَّ هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء، فيكون للمشركين على اللَّه الحجة. وكفى بهذا القول فسادًا وبطلانًا. الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجَّةً لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة، إذ لو صحَّت المشيئة العامة، وكان اللَّه قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان، لكانوا قد قالوا الحقَّ، وكان اللَّه يصدِّقهم عليه، ولم ينكر عليهم. فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب، ونفى عنهم العلم، دلَّ على أنَّ هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنَّهم كاذبون فيه. إذ لو كان علمًا لكانوا صادقين في الإخبار به، ولم يقل لهم: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/ ١٤٨]. وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجَّةً لها على التكذيب بالقضاءِ والقدر، وزعمت بها أنَّه (٢) يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاءُ ما لا يكون، وأنَّه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة، بل (٣) ولا على أفعال الحيوانات، وأنَّه لا يقدر أن يُضلَّ أحدًا ولا يهديه، ولا يوفقه (٤) أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر،

стр. 276

ولا يُلهِمه رُشْدَه، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي جعل المصلي مصلّيًا، والبر برًّا، والفاجر فاجرًا، والمؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك. فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيَّزت إلى القدر، وحاربت الشرع. والثانية تحيَّزت إلى الشرع، وكذَّبت بالقدر. والطائفتان ضالَّتان، وإحداهما أضلّ من الأُخرى. الفرقة (١) الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرَّت بالأمر والنَّهي، ونزَّلوا كلَّ واحدٍ منزلته. فالقضاءُ والقدرُ يؤمَن به ولا يُحْتَجّ به، والأمر والنهي يُمتثل ويُطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادةِ أن لا إله إلا اللَّه، والقيامُ بالأمر والنهي موجَبُ شهادةِ أن محمدًا رسول اللَّه. وقالوا: من لم يُقِرَّ بالقضاء والقدر ويَقُمْ (٢) بالأمر والنهي فقد كذَّب بالشهادتين، وإن نطق بهما بلسانه. ثمَّ افترقوا في وجه هذه الآيات فرقَتين: فرقة قالت: إنَّما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك. فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلًا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه (٣)، فإنَّ الحكيم إذا كان قادرًا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفَعه ومنَع من وقوعه.

стр. 277

وإذا (١) لم يمنع من وقوعه لزم إمَّا عدم قدرته وإمَّا عدم حكمته، وكلاهما ممتنع في حقِّ اللَّه، فعُلِم محبتُه لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به! وقد وافق هؤلاء من قال: إنَّ اللَّه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها، ولكن خالفهم في أنَّه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف قولهم، وخالفهم في الشطر الآخر. وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأنَّ مشيئة اللَّه تعالى العامة وقضاءَه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءَه وقدَّره. وهؤلاء المشركون لما استدلُّوا بمشيئته على محبته ورضاه كذَّبهم، وأنكر عليهم، وأخبر أنَّه لا علم لهم بذلك وأنَّهم خارصون مفترون، فإنَّ محبة اللَّه تعالى للشيء ورضاه به إنَّما يُعلَم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرَّد خلقِه له (٢). فإنَّه خلق إبليسَ وجنودَه، وهم أعداؤه، وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم، وهم خَلْقُه. فهكذا في الأفعال خلَق خيرَها وشرَّها، وهو يُحبُّ خيرَها ويأمر به ويثيب عليه، ويبغض شرَّها وينهى عنه ويعاقب عليه، وكلاهما خلقُه. وللَّه تعالى الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كلٌّ صادرٌ عن حكمته وعلمه، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته. وقالت الفرقة الثانية: إنَّما أنكر عليهم معارضةَ الشرع بالقدر، ودفعَ الأمر بالمشيئة. فلما قامت عليهم حجةُ اللَّه، ولزمهم أمرُه ونهيُه دفعوه

стр. 278

بقضائه وقدره، فجعلوا القضاءَ والقدر إبطالًا لدعوة الرسل ودفعًا لما جاؤوا به. وشاركهم في ذلك إخوانهم وورثتهم (١) الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم، وخالفوهم في النصف الآخر، وهو إقرارهم بالأمر والنهي. فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام، وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم إمَّا في جميع تركتهم، وإمَّا في كثير منها، وإمَّا في جزءٍ منها. وهدى اللَّه بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء اللَّه وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنَّه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّه مقلِّب القلوب ومصرّفها كيف أراد. وأنَّه هو الذي جعل المؤمن مؤمنًا، والمصلي مصلِّيًا، والمتقي متقيًا. وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار. وأنَّه ألهمَ كلَّ نفس فجورها وتقواها، وأنَّه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. وأنَّه هو الذي وفَّق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه، ولو شاءَ لخذلَهم فعصَوه؛ وأنَّهُ حال بين الكفار وقلوبهم، فإنَّه يحول بين المرءِ وقلبه، فكفروا به، ولو شاءَ لوفَّقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنَّه من يهده (٢) اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأنَّهُ لو شاءَ لآمن من في الأرضِ كلهم جميعًا إيمانًا يُثابون عليه، ويقبل منهم، ويرضى به عنهم. وأنَّه لو شاء ما اقتتلوا، ولكنَّ اللَّه يفعل ما يريد: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ

стр. 279

فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام/ ١١٢]. والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب (١) جاء بها نبيهم، وأخبربها عن ربه: الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. الثانية: كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض. الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته، كما لا خروج له عن علمه. الرابعة: خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنَّه لا خالق إلا اللَّه، واللَّه خالق كل شيء، فالخالق عندهم واحد، وما سواه فمخلوق، ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق. ويؤمنون مع ذلك بحكمته، وأنَّه حكيم في كل ما فعَله وخلَقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامَّة هي التي اقتضت صدورَ ذلك وخلقَه، وأنَّ حكمته حكمةُ حقٍّ عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارةً عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرّون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك. وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلَّق محبته وحمدِه، ولأجلها خلَق فسوَّى، وقدَّر فهدى، وأماتَ فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضلَّ وهدى، ومنع وأعطى. وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثباتُ الفعل مع نفيها إثباتٌ للوسائل ونفيٌ للغايات وهو محال، إذ نفيُ الغاية مستلزِم

стр. 280

لنفي الوسيلة، فنفيُ الوسيلة -وهي الفعل- لازم لنفي الغاية وهي الحكمة. ونفيُ قيام الفعل والحكمة به نفيٌ لهما في الحقيقة، إذ فعلٌ لا يقوم بفاعله وحكمةٌ لا تقوم بالحكيم شيء لا يُعقل. وذلك يستلزم إنكارَ ربوبيته وإلهيته. وهذا لازمٌ لمن نفى ذلك، لا محيدَ (١) له عنه وإن أبى التزامَه. وأمَّا من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة، بل قوله حقٌّ، ولازم الحق حق كائنًا ما كان. والمقصود: أنَّ ورثة الرسل وخلفاءهم -لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاءِ والقدر والحِكَمِ والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمرِ والنهي، وصدَّقوا بالوعد والوعيد. فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثباتُ القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمانُ بالوعد (٢) والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب. فصدَّقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما -كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر (٣) فكانوا (٤) أسعدَ النَّاس بالحقِّ (٥) وأقربَهم عصبةً في هذا الميراث النبوي. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل

стр. 281

العظيم. واعلم أنَّ الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواصّ الخلق ولبّ العالم. وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسمّيات وجحدِ حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإنَّ القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني (١)، ويجعل قضاءَه وقدرَه هو نفسَ أمره ونهيه، ويفسر (٢) مشيئة اللَّه لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر. وكذلك الحكمة، فإنَّ الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد (٣) حقيقتها، فإنَّهم يجعلونها مطابقةَ علمه تعالى لمعلومه، وإرادته لمراده. فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقةً، ويثبتون حكمةً زائدةً على ذلك، لكنَّهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقًا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته. فهؤلاء كلهم أقرُّوا بلفظ الحكمة، وجحدوا معناها وحقيقتها. وكذلك الأمرُ والشرع، فإنَّ من أنكر كلام اللَّه وقال: إنَّ اللَّه لم يتكلَّم ولا يتكلَّم، ولا قال ولا يقول، ولا يحبُّ شيئًا ولا يبغض شيئًا؛ وجميعُ الكائنات محبوبةٌ له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحِبّ، ولا يحَبّ (٤)، ولا يرضى، ولا يغضب؛ ولا فرق في نفس الأمر بين

стр. 282

الصدق والكذب، والبرّ والفجور (١)، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين (٢) السجود له. ولم يكلف أحدًا ما يقدر عليه، بل كلُّ تكاليفه (٣) تكليفُ ما لا يطاق، ولا قدرة للمكلَّف عليه البتة. ويجوز أن يعذِّب رجالًا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساءً إذ لم يكونوا رجالًا، وسودًا حيث لم يكونوا بيضًا، وعكسه (٤). ويجوزُ أن يُظهر المعجزةَ على أيدي الكذَّابين، ويُرسل رسولًا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. ولا ريبَ (٥) أنَّ هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحالُ بعضَ المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقولِ بموجبها. والمقصود: أنَّه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقةَ الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتُهم. والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: "القدر قدرة اللَّه" (٦). واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد

стр. 283

غايةَ الاستحسان، وقال: إنَّه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر (١). ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذَّبت بالعلم السابق ونفَتْه، وهم غلاتهم الذين كفِّرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورةً للَّه تعالى، وصرَّحت بأنَّ اللَّه لا يقدر عليها. فأنكر هؤلاء كمالَ قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمالَ علمه. وقابلتهم الجبرية، فحافظت (٢) على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة. ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين (٣) من هذه الثلاث (٤) كثيرًا كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل/ ٦]، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر/ ١]. وقال: ﴿حمَ﴾ [غافر/ ١ - ٢]. وقال في حم فصلت (٥) بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت/ ١٢]. وذكر نظير هذا في الأنعام، فقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ

стр. 284

الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام/ ٩٦] (١). فارتباطُ الخلق بقدرته التامَّة يقتضي أن لا يخرج موجودٌ عن قدرته، وارتباطُه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطُه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط (٢) أمره بعلمه وحكمته وعزَّته، فهو عليمٌ بخلقه وأمره، حكيمٌ في خلقه (٣) وأمره، عزيزٌ في خلقه وأمره (٤). ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة (٥) من صفاته العلى. والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. والحكمة هي سنة الرسول ﷺ ، وهي تتضمن العلم بالحق، والعمل به، والخبر عنه، والأمر به؛ فكل (٦) هذا يسمَّى "حكمة". وفي الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن" (٧). وفي

стр. 285

الحديث: "إنَّ من الشعر حكمة" (١). فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده. وهو (٢) محمود على جميع ما في الكون من خيرٍ وشر حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقُه وأمرُه. فمصدرُ ذلك كله عن الحكمة، فإنكارُ الحكمة إنكارٌ لحمده في الحقيقة (٣). فصل وإنَّما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كلِّ ما خلقه اللَّه وأمرَ به، وبيان أنَّه كلّه خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنَّه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأنَّ جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبيّ (٤) ﷺ في دعاءِ الاستفتاح: "لبَّيك وسعديك، الخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليك" (٥). فهذا النفي يقتضي امتناعَ إضافةِ الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضافُ إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله. فإنَّ ذاته تعالى منزَّهة عن كلِّ شرٍّ، وصفاته كذلك، إذ كلّها صفات كمال ونعوتُ جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب،
следующие страницы →