← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

شر (١)، فإذن ليس لهما أعتبار آخر بحسبه يكونان شرين. وأمَّا عدم الفضائل المستغنى عنها -مثل عدم العلم بالفلسفة- فظاهر أنَّ ذلك ليس بشر. وأمَّا الأمور الوجودية فإنَّها ليست شرورًا بالذات بل بالعرض، من حيث إنَّها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة، ويدل عليه أنَّا لا نجد شيئًا من الأفعال التي يُقال لها شرّ إلا وهو كمال (٢) بالنسبة إلى الفاعل، وأمَّا شريته فبالقياس إلى شيء آخر. فالظلم مثلًا يصدر عن قوَّة طلَّابة (٣) للغلبة وهي القوة الغضبية، والغلبة هي كمالها وفائدة خلقتها. فهذا الفعل بالقياس إليها خير، لأنَّها إن ضعفت عنه فهو بالقياس إليها شر، وإنَّما كان شرًّا للمظلوم لفوات المال وغيره عنه. والنَّفس الناطقة (٤) كمالها الاستيلاء على هذه القوَّة، فعند قهر (٥) القوة الغضبية يفوت النفسَ ذلك الاستيلاء، فلا جرم (٦) كان شرًّا لها. وكذلك النَّار إذا أحرقت فإنَّ الإحراق كمالها، ولكنَّه (٧) شر بالنسبة إلى من زالت سلامته بسببها. وكذلك القتل وهو استعمال الآلة القطَّاعة في قطع رقبة إنسان، فإنَّ كون الإنسان قويًّا على استعمال الآلة ليس شرًّا له بل خير (٨)، وكذلك كون الآلة قطَّاعةً هو خير لها، وكذلك

стр. 422

كون الرقبة قابلة للانقطاع، كل ذلك خيرات، ولكنَّ القتل شرٌّ من حيث إنَّه متضمن لزوال الحياة. فثبت بما ذكرنا أنَّ الأمور الوجودية ليست شرورًا (١) بالذَّات بل بالعرض (٢). المقدمة الثانية (٣): أنَّ الأشياء إمَّا أن تكون مادية، أو لا تكون. فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوَّة، فلا يكون فيها شر أصلًا. وإن كانت مادية كانت في معرض الشر، وعروض الشر لها إمَّا أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها. أمَّا الأوَّل فهو (٤) أن تكون المادة التي يتكون منه إنسان أو فرس (٥) يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة. فرداءة مزاج ذلك الشخص ورداءة خلقه ليس لأنَّ الفاعل حرَمَ بل لأنَّ المنفعل (٦) لم يقبل. وأمَّا الثاني وهو أن يعرض الشر للشيء بطروء (٧) طارئ عليه بعد تكونه، فذلك (٨) الطارئ إما شيء يمنع المكمل من الإكمال مثل تراكم

стр. 423

السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذا صارَ مانعًا من تأثير الشمس في النبات، وإمَّا شيء مفسد مضاد (١) مثل البرد الذي يصل الى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو. وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بيّنَّا أنَّ الشرَّ بالحقيقة إمَّا عدم ضروريات الشيء، وإمَّا عدم منافعه. فنقول: الموجود إمَّا أن يكون خيرًا من كل الوجوه، أو شرًّا من كل الوجوه، أو خيرًا من وجه وشرًّا من وجه. وهذا على ثلاثة أقسام (٢): فإنَّه إمَّا أن يكون خيره غالبًا على شرِّه، أو يكون شرُّه غالبًا على خيره، أو يتساويا (٣) خيره وشره، فهذه أقسامٌ خمسة. أمَّا الذي يكون خيرًا من كلِّ الوجوه فهو موجود، وأمَّا الذي (٤) يكون كذلك لذاته فهو اللَّه ﵎. وأمَّا الذي يكون (٥) لغيره فهو العقول والأفلاك، لأنَّ هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها. وأمَّا (٦) الذي كله شر أو الغالب فيه أوالمساوي فهو غير موجود، لأنَّ كلامنا في الشر (٧) بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم

стр. 424

الكمال الزائد. وإذا عنينا بالشر ذلك (١) فلا شكَّ أنَّ ذلك مغلوب والخير غالب. لأنَّ الأمراض وإن كثرت إلا أنَّ الصحة أكثر منها، والحرق (٢) والغرق والخسف وإن كانت قد تكثر إلا أنَّ السلامة أكثر منها. فأمَّا الذي يكون خيره غالبًا (٣) على شرِّه، فالأولى فيه أن يكون موجودًا لوجهين: الأوَّل: أنَّه إن لم يوجد فلا بدَّ وأن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر غالب، فإذن في عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر، ويكون (٤) وجود هذا القسم أولى. مثاله: النار في وجودها منافع كثيرة، وأيضًا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات، ولكنَّا إذا قابلنا منافعها (٥) بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها، ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح، فكانت (٦) مفاسد عدمها أكثر من مصالحه (٧)، فلا جرم وجب إيجادها وخلقها. الثاني -وهو الذي يكون خيره ممزوجًا بالشر- ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، ولا شك أنَّها معلولات العلل العالية (٨)، فلو لم يوجد

стр. 425

هذا القسم لكان يلزم من عدمها (١) عدم عللها الموجبة لها، وهي خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة، وذلك شر محض، فإذن لا بدَّ من وجود هذا القسم. فإن قيل (٢): فَلِمَ لم يخلق الخالق هذه الأشياء عريَّة عن (٣) كلِّ الشرور؟ فنقول: لأنَّه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأوَّل، وذلك مما قد فرغ منه. وبقيَ في العقل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبًا على شرِّه. وقد بينَّا أنَّ الأولى بهذا القسم أن يكون موجودًا". قال: "وهذا الجواب لا يعجبني لأنَّ لقائل أن يقول: إنَّ جميع هذه الخيرات والشرور إنَّما توجد باختيار اللَّه تعالى وإرادته، مثلًا الاحتراق (٤) الحاصل عقيب النار ليس موجَبًا عن (٥) النار، بل اللَّه تعالى اختار خلقه عقيب مماسَّة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيبَ مماسة النار (٦) باختيار اللَّه وإرادته فكان (٧) يمكنه أن يختار خلقَ الإحراق عندما يكون خيرًا ولا يختار خلقه عندما يكون شرًّا. ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلًا بالذات، لا بالقصد

стр. 426

والاختيار. ويرجع حاصل (١) الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث". قلتُ: لمَّا لم يكن عند الرَّازي إلا مذهبُ الفلاسفة المشائين القائلين بالموجِب بالذات، أومذهب القدرية المعتزلة (٢) القائلين بوجوب رعاية الصلاح أو الأصلح، أو مذهبُ الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحِكَم؛ وكان الحقُّ عنده مترددًا بين هذه المذاهب الثلاثة، فتارةً يرجح مذهبَ المتكلمين، وتارةً مذهب المشائين، وتارةً يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة، وتارةً يتردد بين (٣) الطائفتين؛ وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنَّه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريقِ الجبرية -وهي غير مرضية (٤) عنده، وإن كان في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع في مباحثه إليها- أو طريقِ (٥) المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهي متناقضة غير مطردة = لم يجد بدًّا من تحيزه إلى أعداءِ الملَّة القائلين بأنَّ اللَّه لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به، ومعلومٌ أنَّ هذه المذاهب بأسرها باطلة متناقضة، وإن كان بعضها أبطل من بعض. وإنَّما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام تسليمُه لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي قادت إلى التزام بعض أنواع الباطل.

стр. 427

ولو أعطى الدليل حقَّه، وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة الأخرى، وتحيز إلى ما جاءت به الرسل، على علم وبصيرةٍ، وتقريرٍ (١) لما جاؤوا به بجميع طرق الحق، لخلص (٢) من تلك المطالبات مع إقراره بأنَّ ربَّ العالمين فعَّال لما يريد، يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته (٣)، وأنَّ له المشيئة النَّافذة والحكمة البالغة، وأنَّ تقدير تجريد النَّار عمَّا خُلِقَت عليه من الإحراق، والماءِ عمَّا خلق عليه، والرياح والنفوس البشرية عمَّا هُيِّئت له وخلقت عليه = منافٍ (٤) للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب سبحانه؛ وأنَّ هذا تقدير لِعَالمٍ آخر غير هذا العالم، وتعطيلٌ للأسباب التي نَصَبَهَا (٥) اللَّه مقتضياتٍ لمسبَّباتها، وأنَّ تلك الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه بخلقه (٦) وأمره. فتقديرُ تعطيلها تعطيلٌ للخلق والأمر، وهو أشدُّ منافاةً للحكمة وإبطالًا لها؛ واقتضاءُ هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلُها عنها (٧) قدحٌ في الحكمة، وتفويتٌ لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه. ولكن الرب سبحانه قد يخرق العائدة (٨)، ويعطِّلها عن مقتضياتها

стр. 428

أحيانًا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطَّل النار التي أُلقيَ فيها إبراهيم وجعلها عليه بردًا وسلامًا عن الإحراق لما في ذلك من المصالح (١) العظيمة. وكذلك تعطيلُ الماءِ عن إغراق موسى وقومه وعمَّا خُلِقَ عليه من الإسالة والتقاءِ أجزائه بعضها ببعض = هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التَّامة التي ظهرت في الوجود، وترتَّب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب. وهكذا -سبحانه- سائر أفعاله (٢)، مع أنَّه شهد (٣) عبادُه بذلك أنَّه هم (٤) مسبِّب الأسباب، وأنَّ الأسباب خَلقُه وملكه (٥)، وأنَّه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأنَّ جعلها (٦) كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودعَ فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنَّه إن شاءَ أن يسلبها إيَّاها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين (٧) وزنادقة الأطباءِ إنَّه ليس في الإمكان (٨) تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون:

стр. 429

لا تعطيل في الطبيعة. وليست الطبيعة عندهم مربوبةً مقهورةً تحت قهر قاهر وتسخير مسخِّر يصرِّفها كيف يشاءُ، بل هي المتصرفة المدبِّرة. ولا كما يقول من نقص (١) علمُه ومعرفتُه بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقَه وأمرَه وثوابَه وعقابَه؛ فجحد ذلك كلَّه، وردَّ الأمرَ إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباطَ الأسباب بمسبباتها، والقوى بمحالّها. ثمَّ المحذورُ اللازمُ من إنكارِ الفاعل المختار الفعَّال (٢) لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإنَّ القائل بذلك يجعل هذه الشرورَ بأسرها لازمةً له لزومَ الظلِّ (٣) لحامله والحرارةِ للنار، لا يمكنه (٤) دفعُها ولا تخليص الخيرات منها (٥). فهم فرُّوا من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته واختياره، ثمَّ ألزموه إيَّاه، وأضافوه إليه إضافةً لا يمكن إزالتها، مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه وعلمه بتفاصيل أحوال عباده؛ وفي ذلك تعطيل ربوبيته للعالمين. ففرُّوا من محذور بالتزام عدَّةِ محاذير، واستجاروا من الرَّمْضاءِ بالنَّارِ! (٦) وهذا كما نزَّهه الجهمية عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته

стр. 430

فرارًا (١) من التحيز والجهة، ثمَّ جعلوه سبحانه في كلِّ مكان مخالطًا للقاذورات والأماكن المكروهات وكلِّ مكان يأنف العاقلُ من مجاورته. ففرُّوا من تخصصه بالعلو، فعمَّموا به كلَّ مكان! ولمَّا علمت الفرعونيةُ بطلانَ هذا المذهبِ فرُّوا إلى شرٍّ منه، فأخلَوا داخل العالم وخارجه منه البتة، وقالوا: ليس فوق العرشِ ربٌّ يُعبَد، ولا إلهٌ يُصلَّى له ويُسجَد، ولا تُرفَع إليه الأيدي، ولا يصعَد إليه الكلِم الطيِّب والعمل الصالح، ولا عُرِجَ بمحمد ﷺ إليه بل عرج به إلى عَدَمٍ صِرْف، ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل سافلين (٢). ومن المعلوم أنَّه ليس موجودًا في أسفل سافلين، فإذا لم يكن موجودًا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل لوجوده. فلمَّا رأت الحلولية وإخوانهم من الاتحادية أشباه النصارى ما في ذلك من الإحالةِ قالوا: بل هو هذا الوجود الساري في الوجودات (٣)، الظاهرُ فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسبها (٤). فهو في الماءِ ماءٌ، وفي الخمر خمر، وفي النار نار، وهو حقيقة كل شيء وماهيته. فنزَّهوه عن استوائه على عرشه، وجعلوه وجودَ كلِّ موجود خسيس أو شريف، صغير أو كبير، طيِّب أو غيره، تعالى اللَّه عمَّا يقول أعداؤه علوًّا كبيرًا.

стр. 431

وكذلك القائلون بقدم العالم نزَّهوه عن قيام الإرادات والأفعالِ المتجدِّدة به، ثمَّ جعلوا جميعَ الحوادث لازمةً له لا ينفك عنها. ونزَّهوه عن إرادته (١) لخلق العالم وأن يكون صدوره عن مشيئته وإرادته، وجعلوه لازمًا لذاته كالمضطرِّ إلى صدوره عنه. وكذلك المعتزلة الجهمية نزَّهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا في تشبيه (٢)، ثمّ شبَّهوه بخلقه في أفعاله، وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم، مع تشبيهه بها (٣) في سلبِ صفات كماله بالجمادات والناقصات. فإنَّ (٤) من فرَّ من إثبات السمعَ والبصرِ والكلام والحياة له (٥) لئلا يشبهه، فقد شبَّهه بالأحجارِ التي لَا تسمع ولا تبصر ولا تتكلَّم. ومن عطَّله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيه يزعمه (٦)، فقد شبَّهه بأصحاب الخرَس والآفات الممتنع منهم الكلام (٧). ومن نزّهه عن نزوله كلَّ ليلة إلى سماءِ الدنيا، ودنوّه عشيةَ عرفة من أهل الموقف، ومجيئه يوم القيامة للقضاءِ بين عباده، فرارًا من تشبيهه بالأجسام، فقد شبّهه بالجماد الذي لا يتصرّف ولا يفعل ولا يجيء

стр. 432

ولا يأتي ولا ينزل. ومن نزّهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو لداع إلى الفعل، حذرًا من تشبيهه بالفاعلين لذلك، فقد شبّهه بأهل السفه والعبث الذين لا يقصدون بأفعالهم غايةً محمودةً ولا غرضًا مطلوبًا محبوبًا. ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرّفه فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاءَ منهم بفضله أو منعه لمن شاءَ، حذرًا من الظلم بزعمه، فقد وصفه بأقبح الظلم والجور حيث يخلّد في أطباق النيران من استنفد عمره كلّه في طاعته، إذا فعل قبل الموت كبيرة واحدة، فإنّها تُحْبِط جميع تلك الطاعات، وتجعلها هباءً منثورًا، ويخلّد في جهنّم مع الكفار ما لم يتب منها، إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة. فهذا وأمثالُه فرّوا منه (١)، وهدى (٢) اللَّه الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 433

قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلّف عنه من أحد (١) جهتين: إمّا أن تكون طبيعته يابسةً قاسيةً غيرَ ليّنة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالُها وفلاحُها (٢). وإمّا أن تكون ليّنة منقادة سلسة القياد، لكنّها غير ثابتة على ذلك، بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلّب. فمتى رُزق العبدُ انقيادًا للحقّ وثباتًا عليه فَلْيُبْشِرْ، فقد يُسِّر لِكلّ خير (٣)، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.

стр. 434

قاعدة إذا ابتلى اللَّه عبدَه بشيء من أنواع البلايا (١) والمحن فإنْ ردّه ذلك الابتلاءُ والامتحان (٢) إلى ربّه، وجمعه عليه، وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. والشدّة بَتْراءُ لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع، وقد عُوِّض منها أجل عوض وأفضلَه، وهو رجوعُه إلى اللَّه بعد أن كان شاردًا عنه، وإقبالُه عليه بعد أن كان نائيًا عنه، وانطراحُه على بابه وقد كان عنه معرضًا (٣)، وللوقوف على أبواب غيره متعرّضًا. وكانت البلية في حقّ هذا عين النعمة، وإن ساءَته، وجمرهها طبعه، ونفرت منها نفسه. فربّما كان مكروهُ النفوسِ إلى ... محبوبِها سببًا ما مثله سببُ (٤) وقوله تعالى في ذلك هو الشفاءُ والعصمة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة/ ٢١٦]. وإن لم يردَّه ذلك البلاءُ إليه، بل شرّد قلبَه عنه، وردّه إلى الخلق، وأنساه ذكرَ ربِّه، والضراعةَ إليه، والتذلّلَ بين يديه، والتوبةَ والرجوع

стр. 435

إليه؛ فهو علامة شقاوته وإرادة الشرّ به. فهذا إذا أقلع عنه البلاءُ ردّه إلى حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه؛ فجاءَت طبيعتُه عند القدرة بأنواع الأشَر والبطَر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسرّاء، كما أعرض عن ذكره والتضرّع إليه في الضرّاءِ. فبليةُ هذا وبالٌ عليه وعقوبة ونقص في حقّه، وبليةُ الأوّل تطهير له ورحمة وتكميل. وباللَّه التوفيق (١).

стр. 436

قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب (١) الناس (٢) في البلوى التي تجري عليهم أحكامُها بإراداتهم (٣) وشهواتهم متفاوتون -بحسب شهودهم لأسبابها وغايتها- أعظم تفاوت. وجماع ذلك ثمانية مشاهد (٤):

стр. 437

أحدها (١): شهود السبب الموصل إليها، والغاية المطلوبة منها فقط. وهو شهود الحيوانات، إذ لا تشهد إلّا طريق قضاء (٢) وطَرها، وبرد النفس بعد تناولها. وهذا الضرب من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم في ذلك فرق إلّا تدقيق (٣) الحيلة في الوصول إليها، وربّما زاد غيره من الحيوانات عليه في تناولها ولذّته بها (٤). المشهد الثاني (٥): من يشهد مع ذلك مجرّدَ الحكم القدري وجريانه عليه، ولا يتجاوز (٦) شهوده ذلك. وربما رأى أنّ الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقَّه، ولا يتمّ له ذلك إلّا بالفناءِ عن شهود فعله هو جملة، فيشهد الفاعلَ فيه غيرَه والمحرّكَ له (٧) سواه، فلا ينسب إلى نفسه فعلًا، ولا يرى لها إساءَة، ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد. وربّما زاد على ذلك أنّه يشهد نفسه مطيعًا من وجه، وإن كان عاصيًا من وجه آخر، فيقول: "أنا مطيع للإرادة (٨) والمشيئة، وإن كنت عاصيًا للأمر" (٩). فإن (١٠) كان ممَّن يرى الأمر تلبيسًا وضبطًا لِلرَّعاع عن الخبطِ

стр. 438

والجريانِ (١) مع حكم الطبيعة الحيوانية فقط (٢)، رأى نفسه مطيعًا لا عاصيًا، كما قال قائلهم في هذا المعنى: أصبحتُ منفعلًا لما يختاره ... منّي ففعلي كلُّه طاعاتُ (٣) وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاءِ وخير منهم. وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي شهده (٤) المشركون عبّاد الأصنام، ووقفوا عنده، كما قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف/ ٢٠]. وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥) [الأنعام/ ١٤٨]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ (٦) [يس/ ٤٧] فهذا مشهد من أشرك باللَّه وردّ أمِرَه، وهو مشهد إبليس الذي انتهي إليه إذ يقول لربه: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ [الحجر/ ٣٩] (٧). المشهد الثالث: مشهد الفعل الكسبيّ القائم بالعبد فقط (٨)،

стр. 439

ولا يشهد إلّا صدورَه عنه وقيامه به، ولا يشهد مع ذلك مشيئةَ الربّ له، ولا جريانَ حكمه القدريّ به، ولا عزّةَ الربّ تعالى في قضائه ونفوذ أمره. بل قد فني بشهود معصيته وذنبه (١) وقبح ما اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق، إمّا لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين، فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله، مع أنّه مؤمن بقضاءِ الربّ وقدره، وأنّ العبد أقلّ قدرًا (٢) من أن يُحدِث في نفسه ما لم يسبق به مشيئةُ بارئه وخالقه. وإمّا لإنكاره القضاءَ والقدر جملةَ، وتنزيهه للرب تعالى أن يُقدِّر على العبد شيئًا ثمّ يلومه عليه. فأما الأول وإن (٣) كان مشهده صحيحًا نافعًا له موجِبًا له أن لا يزال لائمًا لنفسه، مُزريًا عليها (٤)، ناسبًا للذنب والعيب إليها، معترفًا بأنّه يستحقّ العقوبة والنكال، وأنّ اللَّه تعالى إن عاقبه فهو العادل فيه وأنّه هو الظالم لنفسه، وهذا كلّه حقّ لا ريب فيه؛ لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه غيرُ مُعانٍ عليها، بل هو معها كالمقهور المخذول، فإنّه لم يشهد عزّةَ الربّ تعالى في قضائه ونفوذ أمره الكوني ومشيئته، وأنّه لو شاءَ لعصمه وحفظه، وأنّه لا معصوم إلّا من عصمه، ولا محفوظ إلّا من حفظه، وأنّه هو محلّ لجريان أقضيته وأقداره، مسوق إليها في سلسلة إرادته وشهوته، وأنَّ تلك السلسلة طرفها بيد غيره، فهو القادرُ على سَوقه بها (٥) إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه.

стр. 440

فهو لغَيبته عن هذا المشهد، وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه، لا يعطي التوحيدَ حقَّه، ولا الاستعانة (١) بربِّه والاستغاثة به واللجأ (٢) إليه والافتقار والتضرع والابتهال حقَّه، بحيث يشهد سرَّ قوله ﷺ : "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" (٣). فإنَّه سبحانه ربُّ كل شيء وخالقُ كل شيء، فالمستعاذُ (٤) منه واقع بخلقه ومشيئته، ولو شاء لم يكن، فالفرار منه إليه، والاستعاذة منه به، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وأمَّا الثاني -وهو منكر القضاء والقدر- فمخذول، محجوب عن شهود التوحيد، مصدود عن شهود الحكمة الإلهية، موكول إلى نفسه، ممنوع عن شهود عزَّة الرب تعالى في قضائه وكمال مشيئته ونفوذ (٥) حكمه، وعن شهود عجزه هو وفقره، وأنَّه لا توفيق له إلا باللَّه، وأنَّه إن لم يُعِنْه اللَّه فهو مخذول، وإن لم يوفقه ويخلقْ له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع. فحجابه عن اللَّه غليظ، فإنَّه "لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريقَ إلى اللَّه أقرب من دوام الافتقار إليه" (٦).

стр. 441

المشهد الرَّابع: مشهد التوحيد والأمر (١)، فيشهد انفرادَ الرب تعالى بالخلق، ونفوذَ مشيئته، وتعلقَ الموجودات (٢) بأسرها بها (٣)، وجريانَ حكمه على الخليقة، وانتهاءها إلى ما سبق (٤) في علمه، وجرى به قلمه. ويشهد مع ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وارتباطَ الجزاء بالأعمال واقتضاءها له، ارتباطَ المسبَّبات بأسبابها، التي جُعِلَت أسبابًا مقتضيةَ له (٥) شرعًا وقدرًا وحكمة. فشهودُه توحيدَ الرب تعالى وانفرادَه بالخلقِ ونفوذَ مشيئته وجريانَ قضائه وقدره يفتحُ له بابَ الاستعانة به (٦) ودوام الالتجاء إليه والافتقار إليه. وذلك يُدنيه من عتبة العبودية، ويطرحه بالباب فقيرًا عاجزًا مسكينًا، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. وشهودُه أمرَه تعالى ونهيَه وثوابَه وعقابَه يُوجبُ له الجِدَّ (٧) والتشمير، وبذلَ الوسع، والقيامَ بالأمر، والرجوع علَى نفسه باللّوم والاعتراف بالتقصير. فيكون سيرُه بينَ شهودِ العزَّةِ والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنَّة العظيمة، وبينَ شهودِ التقصير والإساءةِ منه وتطلّب عيوبِ

стр. 442

نفسه وأعمالها. فهذا هو العبدُ الموفق المعان، الملطوف به، المصنوع له، الذي أقيم في مقام (١) العبودية، وضُمِنَ له التوفيق. وهذا هو مشهد الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم، فهو مشهد أبيهم آدم، إذ يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣]. ومشهد أوَّل الرسل نوح، إذ يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود/ ٤٧]. ومشهد إمام الحنفاءِ وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، إذ يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء/ ٧٨ - ٨٢]. وقال في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم/ ٣٥] فعلِمَ ﷺ أنَّ الذي يحول بين العبدِ وبين الشرك وعبادة الأصنام هو اللَّه لا ربَّ غيره، فسأله أن يجنِّبَه وبنيه عبادةَ الأصنام. وهذا هو مشهد موسى إذ يقول في خطابه لربِّه: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف/ ١٥٥] أي إنْ ذلك إلا امتحانُك واختبارُك، كما يقال: فتنت الذهب إذا امتحنته واختبرته، وليس من

стр. 443

الفتنة التي هي الفعل السيء (١) كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج/ ١٠]، وكما في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة/ ١٩٣]، فإنَّ تلك فتنة المخلوق. وموسى (٢) أعلم باللَّه تعالى أن يضيف إليه هذه الفتنة. وإنَّما هي كالفتنة في قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه/٤٠] أي ابتليناك، واختبرناك، وصرَّفناك في الأحوال التي قصَّها اللَّه سبحانه علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابَه (٣). والمقصود أنَّ موسى ﷺ شهد توحيدَ الرب وانفرادَه بالخلق والحكم، وفعلَ السفهاء ومباشرتَهم الشرك، فتضرع إليه بعزَّته وسلطانه وأضافَ الذنب إلى فاعله وجانيه. ومن هذا قوله ﷺ : ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ قال تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص/ ١٦]. وهذا مشهد ذي النون، إذ يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء/ ٨٧] فوحَّد ربَّه تعالى، ونزَّهه عن كلِّ عيبٍ، وأضافَ الظلم إلى نفسه. وهذا مشهد صاحب سيِّد الاستغفار، حين (٤) يقول في دعائه: "اللَّهم أنت ربِّي لا إلهَ إلا أنتَ، خَلَقْتَني وأنا عبدُكَ، وأنا على عَهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بِكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك

стр. 444

عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي، إنَّه لا يغفرُ الذنوب إلا أنتَ" (١). فأقرَّ بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلقِ وعموم المشيئة ونفوذها، وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له، والاعتراف بالعبودية المتضمن للافتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه. ثمَّ قال: "وأنا على عهدك ووعدك"، فتضمن ذلك التزام شرعه وأمره ودينه -وهو العهد الذي عهِدَه إلى عباده- وتصديقَ وعده، وهو جزاؤه وثوابه (٢). فتضمن التزام الأمر، والتصديق بالموعود، وهو الإيمان والاحتساب. ثمَّ لمَّا علم أنَّ العبدَ لا يوفي هذا المقام حقَّه الذي يصلح له تعالى علَّق ذلك باستطاعته وقدرته التي لا يتعدَّاها، فقال: "ما استطعتُ" أي ملتزم (٣) ذلك بحسب استطاعتي وقدرتي. ثمَّ شهد المشهدين المذكورين، وهما مشهد القدرة والعزَّة (٤). ومشهد التقصير من نفسه، فقال: "أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ"، فهذه الكلمة تضمنت المشهدين معًا. ثمَّ أضافَ النعم كلها إلى وليِّها وأهلها والمبتدئ بها، والذنبَ إلى نفسه وعمله، فقال: أبوءُ لك بنعمتك على، وأبوءُ بذنبي". فأنتَ

стр. 445

المحمود المشكور (١) الذي له الثناءُ كلُّه، والإحسان كلّه، ومنه النعم كلّها. فلك الحمد كلّه، ولك الثناء كله، ولك الفضل كله، وأنا المذنب المسيء، المعترف بذنبه، المقِرُّ بخطائه (٢)، كما قال بعض العارفين (٣): "العارفُ يسير بين مشاهدة المنَّة من اللَّه، ومطالعة عيب النفس والعمل". فشهودُ المنَّة تُوجبُ (٤) له المحبة لربِّه سبحانه وحمدَه والثناء عليه، ومطالعةُ عيب النفس والعمل يوجب استغفارَه ودوامَ توبته وتضرعه واستكانته لربِّه سبحانه. ثمَّ لمَّا قامَ هذا بقلب الداعي وتوسل إليه بهذه الوسائل قال: "فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت" (٥). فصل (٦) ثمَّ أصحاب هذا المشهد فيه قسمان: أحدهما (٧): من يشهد تسلّط (٨) عدوه عليه، وقياده (٩) إيَّاه بسلسلة

стр. 446

الهوى، وكبحَه إيَّاه بلجام الشهوة. فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ضرب عنقه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربِّه وناصره ووليه، عالم بأنَّ نجاته في يديه، وأنَّ ناصية عدوه بيده (١)، وأنَّه لو شاءَ طرده عنه وخلّصه من يديه. فكلَّما قاده عدوه وكبحه بلجامه أكثر الالتفاتَ إلى وليِّه وناصره، والتضرع إليه، والتذلل بين يديه. وكلَّما زاد (٢) اغترابُه وبعدُه عن بابه تذكر عطفَه وبره وإحسانه وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته، فانجذبت دواعي قلبه هاربةً إليه، متراميةً (٣) على بابه، منطرحةً على فنائه؛ كعبد قد شُدَّتْ يداه إلى عنقه، وقُدِّمَ لتضرب عنقُه، وقد استسلمٍ للقتل، فنظرَ إلى سيِّده أمامه، وتذكر عطفه ورأفته به، ووجدَ فُرجةً، فوثب إليه منها. فهَبْه (٤) طرَحَ نفسه بين يديه، ومدّ له عنقَه، وقال: أنا عبدك ومسكينك، وهذه ناصيتي بين يديك، ولا خلاص لي من هذا العدوّ إلّا بك، وإني مغلوب فانتصر. فهذا مشهد عظيم المنفعة جليل الفائدة تحته من أسرار العبودية ما لا يناله الوصف. وفوقه مشهد أجلُّ منه وأعظم وأخصّ (٥)، تجفو (٦) عنه العبارة، وإن

стр. 447

أشارت (١) إليه بعضَ الإشارة. وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل يعبر (٢) منه إليه، وذلك مثَلُ عبدٍ أخذه سيّده بيده، وقدّمه ليضرب عنقَه بيده، فهو قد أحكم ربطَه، وشدّ عينيه، وقد أيقن العبد أنَّه في قبضته، وأنّه هو قاتله لا غيره. وقد علم مع ذلك برَّه به ولطفه، ورحمته ورأفته، وجوده وكرمه؛ فهو يناشده بأوصافه، ويدخل عليه به، قد ذهب عن وهمه وشهوده كلُّ سبب (٣)، وانقطع (٤) تعلّقه بشيء سواه، فهو معرِض عن عدوه الذي كان سببَ غضب سيّده عليه، قد محا شهودَه من قلبه، فهو مقصورُ النظر إلى سيّده وكونه في قبضته، ناظرٌ إلى ما يصنعه به (٥)، منتظرٌ منه ما يقتضيه عطفه وبرّه وكرمه. ومثَلُ الأوّل مثلُ عبدٍ أمسكه عدوّه وهو يخنقه للموت، وذلك العبد يشهد خنقَ (٦) عدوّه له، ويستغيث بسيّده، وسيّدُه يغيثه ويرحمه. ولكنّ ما يحصل للثاني في مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول، وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبُه، فهو يخنقه خنقةً، وهو لا يشهد إلَّا خنقه له، فهو يقول: اخنُقْ خنقَك، فأنت تعلم أنّ قلبي يحبّك!

стр. 448

وفي هذا المثلِ إشارةٌ وكفاية، ومن غلُظَ حجابُه وكثفت طباعُه لا ينفعه التصريحُ، فضلًا عن ضرب الأمثالِ. واللَّه المستعان، وعليه التكلان، ولا قوَّة إلا باللَّهِ. فهذه ستَّة مشاهد. المشهد السابع: مشهد الحكمة، وهو أن يشهد حكمةَ اللَّه في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئة (١) أسبابه له، وأنَّه لو شاءَ لعصمه وحالَ بينه وبينه، ولكنَّه خلَّى بينه وبينه لحِكَم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا اللَّه (٢): أحدها: أنَّه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب، ثمَّ إذا كان ممَّن سبقت له العنايةُ قضى له بالتوبة. الثاني: تعريف العبد عزَّةَ الرب تعالى (٣) في قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمه. الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنَّه إن لم يحفظه ويصنه

стр. 449

فهو هالك ولا بد، والشياطين قد مدَّت أيديها إليه تمزّقه كلَّ ممزَّق. الرابع: استجلابه من العبد استغاثته (١) به، واستعاذته (٢) به من عدوّه وشرّ نفسه، ودعاءه، والتضرع إليه، والابتهال بين يديه. الخامس: إرادته من عبده تكميلَ مقام الذل والانكسار، فإنَّه متى شهد صلاحه واستقامته شمَخ بأنفه، وظنَّ أنَّه. . . وأنَّه. . .! فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسُه وذلَّت، وتيقن (٣) أنَّه. . . وأنَّه. . .! السادس: تعريفه بحقيقة نفسه، وأنَّها الظالمة (٤) الجاهلة، وأنَّ كلَّ ما فيها من علم أو عدلٍ (٥) أو خير فمن اللَّه، منَّ به عليه، لا من نفسه. السابع: تعريفه عبدَه سعةَ حلمه تعالى وكرمَه في ستره عليه، فإنَّه لو شاءَ لعاجله على الذنب، ولهتكه بين عباده، فلم يصفُ له معهم عيش. الثامن: تعريفه أنَّه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته. التاسع: تعريفه كرمَه في قبول توبته، ومغفرتَه له على ظلمه وإساءته. العاشر: إقامة الحجة على عبده، وأنَّه (٦) له عليه الحجة البالغة، فإن عذَّبه فبعدله، وببعض حقه عليه، بل اليسير منه.

стр. 450

الحادي عشر: أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلَّاتهم معه بما يُحِب أن يعامله اللَّهُ به، فإنَّ الجزاءَ من جنس العمل؛ فيعتمد (١) في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه اللَّه بذنوبه. الثاني عشر: أن يقيم معاذير الخلائق، وتتسع رحمتُه لهم، مع إقامة أمر اللَّه فيهم (٢). فيقيم أمر اللَّه فيهم (٣) رحمةً لهم، لا قسوةً وفظاظةً عليهم. الثالث عشر: أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه، فتتبدَّل برقَّة (٤) ورأفة ورحمة. الرابع عشر: أن يُعرّيه من رداءِ (٥) العُجْب بعمله، كما قال النبيّ ﷺ : "لو لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عليكم ما هو أشدُّ منه: العُجْبَ" (٦)، أو كما قال. الخامس عشر: أن يعرِّيه من لباس الإدلال الذي يصلح (٧) للملوك، ويُلبِسه لباسَ الذل الذي لا يليق بالعبد سواه.

стр. 451

السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاءِ والإشفاق والندم. السابع عشر: أن يُعرّفه (١) مقدار نعمة معافاته (٢)، وفضله في توفيقه وعصمته؛ فإنَّ من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار نعمة (٣) العافية. الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكرَه لربِّه إذا تابَ إليه ورجعَ إليه، فإنَّ اللَّه يحبه ويُوجب له بهذه التوبة مزيدَ محبَّة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة، وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر، لكنَّ هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا بالتوبة. التاسع عشر: أنَّه إذا شهد إساءَته وظلمَه، استكثر (٤) القليلَ من نعمة ربِّه (٥)، لِعلمه بأنَّ الواصلَ إليه منها كثيرٌ على مسيء مثله؛ واستقل (٦) الكثيرَ من عمله، لعلمه بأنَّ الذي يصلح له أن يغسل به نجاسَتَه وَوضَرَ ذنوبه (٧) أضعافُ أضعافِ ما يفعله، فهو دائمًا مستقل لعمله كائنًا ما كان. ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه إلا هذا وحده لكان كافيًا.

стр. 452

العشرون: أنَّه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدوّ ومكايده، ويُعرِّفه من أين يدخل عليه، وبماذا يحذر منه، كالطبيب الذي ذاقَ المرضَ والدواءَ. الحادي والعشرون: أنَّ مثلَ هذا ينتفع به المرضى، لمعرفته بأمراضهم ودوائها (١). الثاني والعشرون (٢): أنَّه يرفع عنه حجابَ الدعوى، ويفتح له طريقَ الفاقة، فإنَّه لا حجابَ أغلَظ من الدعوى، ولا طريق أقرب من العبودية (٣)، فإنَّ دوام الفقر إلى اللَّه مع التخليط خير من الصفاءِ مع العجب (٤). الثالث والعشرون: أن يكون (٥) في القلب أمراض مُزْمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءَها، فيمُنُّ عليه اللطيفُ الخبيرُ، ويقضي عليه بذنب ظاهر، فيجد ألم مرضه، فيحتمي، ويشرب الدواء النافع، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها. ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فَلِغلظِ (٦) حجابه، كما قيل:

стр. 453

لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبُه ... وربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ (١) الرابع والعشرون: أن (٢) يذيقه ألم الحجاب والبعد (٣) بارتكاب الذنب، ليكمل له نعمته (٤) وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه، وجمَعه عليه (٥)، وأقامه في طاعته، فيكون التذاذه بذلك (٦) -بعد أن صدر منه ما صدر- بمنزلة التذاذ الظمآن (٧) بالماءِ العذب الزلال، والشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه. وإنَّ لطفَ الربِّ تعالى وبرَّه وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا، فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربِّه ومحبته! الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا، فإنَّه إذا واقع (٨) الذنبَ، سُلِبَ حلاوةَ الطاعة والقرب، ووقع في الوحشة. فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذَّة تلك المعاملة، فحنَّت، وأنَّت، وتضرَّعت، واستغاثت (٩) بربِّها، ليردَّها إلى

стр. 454

ما عوَّدها من بره ولطفه. وإن ركبتْ غيَّها (١)، واستمرَّ إعراضها، ولم تحِنَّ إلى معهدها (٢) الأوَّل ومألفها، ولم تحسّ بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها = علم أنَّها لا تصلح للَّه. وقد جاءَ هذا بعينه في أثر إلهي لا أحفظه. السادس والعشرون: أنَّ الحكمة الإلهية اقتضت تركيبَ الشهوة والغضب في الإنسان، وفي ذلك حِكَمٌ (٣) عظيمة لصانعه ﵎. ولا ريبَ أنَّهما داعيان إلى أثريهما وموجَبيهما (٤)، فلا بُدَّ من ترتب أثر داعي (٥) الشهوة والغضب في الإنسان (٦)، أو بعضها، ولو لم تُخلق (٧) فيه هذه الدواعي لم يكن إنسانًا بل ملكًا. فالذنبُ من موجَبات البشرية، كما أنَّ النسيان من موجَباتها، كما قال النبي ﷺ : "كلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخطَّائين التوابون" (٨)، ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك (٩). السابع والعشرون: أن يُنسيه رؤيةَ طاعته، ويشغله برؤية ذنبه، فلا

стр. 455

يزال نصب عينيه. فإنَّ اللَّه إذا أراد بعبدٍ خيرًا سلب رؤيةَ أعماله الحسنة من قلبه، والإخبارَ بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه، فلا يزالُ نصب عينيه حتَّى يدخله (١) الجنَّة. فإنَّ ما يُقبل (٢) من الأعمال رُفِع من القلبِ رؤيتُه، ومن اللسان ذكرُه. وقال بعض السلف: إنَّ العبدَ ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنَّة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال (٣): يعمل الخطيئة، فلا تزالُ نصب عينيه: إذا ذكرها ندم، واستقال، وتضرَّع إلى اللَّهِ، وبادرَ إلى محوها، وانكسر، وذلَّ لربِّه، وزال عنه عُجبه وكِبْره. ويعملُ الحسنة فلا تزال نصب عينيه: يراها، ويمنّ بها، ويعتدُّ بها، ويتكبر بها (٤)، حتَّى تدخله (٥) النار (٦). الثامن والعشرون: أنَّ شهودَ ذنبه وخطيئته يُوجِب له أن لا يرى له على أحد فضلًا، ولا له على أحدٍ حقًّا؟ فإنَّه يشهد عيبَ نفسه وخطأها وذنوبها فلا يظن (٧) أنَّه خير من مسلم يؤمن باللَّه واليوم الآخر. وإذا شهد ذلك من نفسه لم ير لها على النَّاس حقوقًا من الإكرام يتقاضاهم إيَّاها، ويذمهم على ترك القيام بها، فإنَّها عنده. أخسّ قدرًا وأقل قيمةً من أن

стр. 456

يكون لها على عباد اللَّه حقوقٌ يجب مراعاتها، أو لها عليهم فضلٌ يستحق أن يكرموه (١) لأجله. فيرى أنَّ من سلَّم عليه أو لقيه (٢) بوجه منبسط قد أحسن إليه، وبذل له ما لا يستحقه، فاستراح في نفسه، واستراح الناس من تعتّبه (٣) وشكايته. فما أطيبَ عيشَه! وما أنعمَ بالَه! وما أقرَّ عينه! وأين هذا ممَّن لا يزال عاتبًا على الخلق، شاكيًا ترك قيامهم بحقِّه، ساخطًا عليهم، وهم عليه أسخط؟ فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقولَ العالمين (٤). التاسع والعشرون: أنَّه يُوجِب له الإمساكَ عن عيوب الناس والفكرِ فيها، فإنَّه في شغلٍ بعيبه ونفسه. و"طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب النَّاس" (٥)، وويلٌ لمن نسيَ عيبَه وتفرَّغ لعيوب النَّاس! فالأوَّل علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة (٦). الثلاثون: أنَّه يُوجِب له الإحسان إلى الناس، والاستغفار لإخوانه المؤمنين الخطائين (٧) فيصيرُ هِجِّيراه: "ربِّ اغفر لي ولوالديّ وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات". فإنَّه يشهد أن إخوته

стр. 457

الخطَّائين (١) مصابون (٢) بمثل ما أصيبَ به، محتاجون (٣) إلى مثل ما هو محتاج إليه. فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يجب (٤) أن يستغفر هو لأخيه المسلم. وقد قال بعض السلف: إنَّ اللَّه لمَّا عتَب على الملائكة في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة/ ٣٠] وامتحن منهم (٥) هاروتَ وماروتَ جعلت الملائكةُ بعد ذلك تستغفر لبني آدم ويدعون اللَّه لهم (٦). الحادي والثلاثون: أنَّه يوجب له سعةَ بطانِه (٧) وحلمه ومغفرته لمن أساءَ إليه. فإنَّه إذا شهد نفسه مع ربِّه سبحانه مسيئًا خاطئًا مذنبًا -مع فرط إحسانه إليه وبرّه به (٨)، وشدَّة حاجته إلى ربِّه- فكيف يطمع أن يستقيم له

стр. 458

الخلقُ، ويعاملوه (١) بمحض الإحسان، وهو لم يعامل ربَّه بتلك المعاملة؟ وكيف يطمع أن يطيعه مملوكُه وولدُه وزوجتُه في كلِّ ما يريد، وهو مع ربِّه ليس كذلك؟ وهذا يُوجِبُ له (٢) أنْ يغفرَ لهمِ، ويسامحهم، ويعفو عنهم، ويغضي عن الاستقصاءِ (٣) في طلب حقه قِبَلهم (٤).

стр. 459

قاعدة [في الإنابة ودرجاتها] كثيرًا ما يتكرَّر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر/ ٥٤]، وقوله حكايةً عن شعيب أنَّه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود/ ٨٨]، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد/ ٢٧]، وقوله عن نبيِّه داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص/ ٢٤]. فالإنابة (١): الرجوع إلى اللَّه، وانصراف دواعي القلب وجواذبه (٢) إليه. وهي تتضمَّن المحبَّة والخشية (٣)، فإنَّ المنيب محب لمن أناب إليه، خاضع له، خاشعٌ ذليلٌ (٤). والناسُ في إناباتهم (٥) على درجات متفاوتة: فمنهم المنيب إلى اللَّه بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي. وهذه الإنابة مصدرها: مطالعة الوعيد، والحامل عليها: العلم، والخشية، والحذر. ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات، فهو ساعٍ فيها بجهده، وقد حُبِّبَ إليه فعلُ الطاعات وأنواع القربات. وهذه الإنابة

стр. 460

مصدرها الرجاءُ، ومطالعةُ الوعد والثواب، ومحبَّة الكرامة من اللَّه. وهؤلاء أبسط نفوسًا من أهل القسم الأوَّل، وأشرح صدورًا، وجانبُ الرجاءِ ومطالعةِ الرحمة والمنَّة أغلبُ عليهم؛ وإلا فكلُّ واحدٍ من الفريقين منيبٌ بالأمرين جميعًا، ولكن خوفُ هؤلاء اندرج في رجائهم، فأنابوا بالعبادات. ورجاءُ الأوَّلين اندرجَ تحت خوفهم، فكانت إنابتهم بترك المخالفات. ومنهم المنيب إلى اللَّه بالتضرع، والدعاء، والافتقار إليه، والرغبة، وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة: شهودُ الفضل، والمنَّة، والغنى، والكرم، والقدرة؛ فأنزلوا به حوائجهم، وعلَّقوا به آمالهم. فإنابتهم إليه من هذه الجهة، مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكنَّ إنابتهم الخاصَّة إنَّما من هذه الجهة (١). وأمَّا الأعمال فلم يُرزَقوا فيها الإنابةَ الخاصَّة. ومنهم (٢) المنيب إليه عند الشدائد والضراء (٣) فقط إنابةَ اضطرار، لا إنابةَ اختيار، كحال الذين قال اللَّه فيهم (٤): ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء/ ٦٧]، وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت/ ٦٥]. وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتةً عن اللَّه سبحانه، معرضةً عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها
следующие страницы →