← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يكون لها على عباد اللَّه حقوقٌ يجب مراعاتها، أو لها عليهم فضلٌ يستحق أن يكرموه (١) لأجله. فيرى أنَّ من سلَّم عليه أو لقيه (٢) بوجه منبسط قد أحسن إليه، وبذل له ما لا يستحقه، فاستراح في نفسه، واستراح الناس من تعتّبه (٣) وشكايته. فما أطيبَ عيشَه! وما أنعمَ بالَه! وما أقرَّ عينه! وأين هذا ممَّن لا يزال عاتبًا على الخلق، شاكيًا ترك قيامهم بحقِّه، ساخطًا عليهم، وهم عليه أسخط؟ فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقولَ العالمين (٤). التاسع والعشرون: أنَّه يُوجِب له الإمساكَ عن عيوب الناس والفكرِ فيها، فإنَّه في شغلٍ بعيبه ونفسه. و"طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب النَّاس" (٥)، وويلٌ لمن نسيَ عيبَه وتفرَّغ لعيوب النَّاس! فالأوَّل علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة (٦). الثلاثون: أنَّه يُوجِب له الإحسان إلى الناس، والاستغفار لإخوانه المؤمنين الخطائين (٧) فيصيرُ هِجِّيراه: "ربِّ اغفر لي ولوالديّ وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات". فإنَّه يشهد أن إخوته

стр. 457

الخطَّائين (١) مصابون (٢) بمثل ما أصيبَ به، محتاجون (٣) إلى مثل ما هو محتاج إليه. فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يجب (٤) أن يستغفر هو لأخيه المسلم. وقد قال بعض السلف: إنَّ اللَّه لمَّا عتَب على الملائكة في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة/ ٣٠] وامتحن منهم (٥) هاروتَ وماروتَ جعلت الملائكةُ بعد ذلك تستغفر لبني آدم ويدعون اللَّه لهم (٦). الحادي والثلاثون: أنَّه يوجب له سعةَ بطانِه (٧) وحلمه ومغفرته لمن أساءَ إليه. فإنَّه إذا شهد نفسه مع ربِّه سبحانه مسيئًا خاطئًا مذنبًا -مع فرط إحسانه إليه وبرّه به (٨)، وشدَّة حاجته إلى ربِّه- فكيف يطمع أن يستقيم له

стр. 458

الخلقُ، ويعاملوه (١) بمحض الإحسان، وهو لم يعامل ربَّه بتلك المعاملة؟ وكيف يطمع أن يطيعه مملوكُه وولدُه وزوجتُه في كلِّ ما يريد، وهو مع ربِّه ليس كذلك؟ وهذا يُوجِبُ له (٢) أنْ يغفرَ لهمِ، ويسامحهم، ويعفو عنهم، ويغضي عن الاستقصاءِ (٣) في طلب حقه قِبَلهم (٤).

стр. 459

قاعدة [في الإنابة ودرجاتها] كثيرًا ما يتكرَّر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر/ ٥٤]، وقوله حكايةً عن شعيب أنَّه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود/ ٨٨]، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد/ ٢٧]، وقوله عن نبيِّه داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص/ ٢٤]. فالإنابة (١): الرجوع إلى اللَّه، وانصراف دواعي القلب وجواذبه (٢) إليه. وهي تتضمَّن المحبَّة والخشية (٣)، فإنَّ المنيب محب لمن أناب إليه، خاضع له، خاشعٌ ذليلٌ (٤). والناسُ في إناباتهم (٥) على درجات متفاوتة: فمنهم المنيب إلى اللَّه بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي. وهذه الإنابة مصدرها: مطالعة الوعيد، والحامل عليها: العلم، والخشية، والحذر. ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات، فهو ساعٍ فيها بجهده، وقد حُبِّبَ إليه فعلُ الطاعات وأنواع القربات. وهذه الإنابة

стр. 460

مصدرها الرجاءُ، ومطالعةُ الوعد والثواب، ومحبَّة الكرامة من اللَّه. وهؤلاء أبسط نفوسًا من أهل القسم الأوَّل، وأشرح صدورًا، وجانبُ الرجاءِ ومطالعةِ الرحمة والمنَّة أغلبُ عليهم؛ وإلا فكلُّ واحدٍ من الفريقين منيبٌ بالأمرين جميعًا، ولكن خوفُ هؤلاء اندرج في رجائهم، فأنابوا بالعبادات. ورجاءُ الأوَّلين اندرجَ تحت خوفهم، فكانت إنابتهم بترك المخالفات. ومنهم المنيب إلى اللَّه بالتضرع، والدعاء، والافتقار إليه، والرغبة، وسؤال الحاجات كلها منه. ومصدر هذه الإنابة: شهودُ الفضل، والمنَّة، والغنى، والكرم، والقدرة؛ فأنزلوا به حوائجهم، وعلَّقوا به آمالهم. فإنابتهم إليه من هذه الجهة، مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكنَّ إنابتهم الخاصَّة إنَّما من هذه الجهة (١). وأمَّا الأعمال فلم يُرزَقوا فيها الإنابةَ الخاصَّة. ومنهم (٢) المنيب إليه عند الشدائد والضراء (٣) فقط إنابةَ اضطرار، لا إنابةَ اختيار، كحال الذين قال اللَّه فيهم (٤): ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء/ ٦٧]، وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت/ ٦٥]. وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتةً عن اللَّه سبحانه، معرضةً عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها

стр. 461

بذاتها (١) إلى معبودها وإلهها الحق، فهي ملتفتة إلى غيره. ولها إليه إنابةٌ ما بحسب إيمانها به، ومعرفتها له. فأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه بشدة (٢) المحبة الخالصة المفنية (٣) لهم عمَّا سوى محبوبهم ومعبودهم. وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منهم شيءٌ عن الإنابة، فإنَّ الأعضاء كلها رعيتها، وملكها تبع للروح، فلمَّا أنابت الروح بذاتها إليه، إنابةَ محبٍّ صادقِ المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حبٌّ ساكن لمحبوبه، أنابت جميعُ القوى والجوارح. فأناب القلبُ أيضًا بالمحبة والتضرع والذل والانكسار، وأناب العقلُ بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكميه إيَّاها دون غيرها، فلم يبقَ فيه منازعة شبهة معترضة دونها. وأنابت النفسُ بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة. وانقادت للأمر (٤) خاضعةً له، راغبةً (٥) فيه، مؤثرِةً إيَّاه على غيره، فلم يبقَ فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر. وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضًا إلى مولاها الحق (٦)، ورضًى بقضائه، وتسليمًا لحكمه. وقد قيل: إنَّ تدبيرَ العبد لنفسه هو

стр. 462

آخر الصفات المذمومة في النفس. وأنابَ الجسدُ بالأعمالِ (١) والقيام بها فرضِها (٢) وسننها على أكمل الوجوه. وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصَّة (٣). فلم يبقَ من هذا العبد المنيب عرقٌ ولا مفصلٌ إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كلُّ محبَّةٍ سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عَذْبَةً (٤) في مبادئها، فإنَّها عذاب في عواقبها. فإنابةُ العبد -ولو ساعةً من عمره- هذه الإنابة الخالصة أنفعُ له، وأعظمُ ثمرةً من إنابة سنين كثيرة من غيره. فأين إنابة هذا من إنابة من قبله؟ وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. بل هذا (٥) روحه منيبة أبدًا، وإن توارى عنه شهودُ إنابتها باشتغالٍ، فهي كامنة فيها كمونَ النَّارِ في الزِّناد (٦). وأمَّا أصحابُ الإنابات المتقدمة، فإن أناب أحدهم ساعةً بالدعاءِ والذكر والابتهال، فلنفسه وروحه وقلبه (٧) وعقله التفاتٌ عمَّن قد أنابَ إليه. فهو ينيب ببعضه ساعةً، ثمَّ يتركُ ذلك مقبلًا على دواعي نفسه وطبعه. واللَّه الموفق المعين، لا ربَّ غيره، ولا إله سواه.

стр. 463

قاعدة في ذكر طريق قريب موصِل (١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان: أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر كل الحذر (٢) من إهمالها والاسترسال معها. فإنَّ أصلَ الفساد كله من قِبلها يجيء؛ لأنَّها هي بذر الشيطان والنفس في أرض القلبِ، فإذا تمكن بذرُها تعاهدها الشيطان بسقيه مرَّةً بعد أخرى حتَّى تصير إرادات، ثُمَّ يسقيها حتَّى تصير (٣) عزائم، ثُمَّ لا يزال بها حتى تثمر الأعمال. ولا ريبَ أنَّ دفعَ الخواطر أيسرُ من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبدُ نفسه عاجزًا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرِّط إذ (٤) لم يدفعها وهي خاطر ضعيف؛ كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطَبٍ يابسٍ، فلمَّا تمكنت منه عجزَ عن إطفائها (٥). فإن قلتَ: فما الطريقُ إلى حفظ الخواطر؟ قلتُ: أسباب عدَّة:

стр. 464

أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى، ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك. الثاني: حياؤك منه. الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلقه (١) لمعرفته ومحبته. الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر. الخامس: إيثارك له أن يساكن (٢) قلبك غير محبته. السادس: خشيتك أن تتولَّد تلك الخواطر، ويستعر شرارُها، فتأكلَ ما في القلب من الإيمان ومحبة اللَّهِ، وتذهب (٣) به جملةً (٤)، وأنتَ لا تشعر. السابع: أن تعلم أنَّ تلك الخواطر بمنزلة الحَبِّ الذي يُلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أنَّ كلَّ خاطر منها فهو حبَّة في فخ منصوب لصيدك، وأنت لا تشعر. الثامن: أن تعلمَ أنَّ تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلًا، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلبٍ إلا وغلبَ أحدُهما صاحبَه، وأخرجه، واستوطن مكانه.

стр. 465

فما الظن بقلب غلبت خواطرُ النفس والشيطان فيه خواطرَ الإيمان والمحبة والمعرفة (١) فأخرجتها، واستوطنت مكانها؟ لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك، وأحسَّ بمصابه. التاسع: أن يُعلم (٢) أنَّ تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلبُ في غمراته غرق فيه، وتاه في ظلماته، فيطلب الخلاص منه، فلا يجد إليه سبيلًا. فقلبٌ تملكه الخواطر بعيدٌ من الفلاح، معذَّبٌ، مشغولٌ بما لا يفيد. العاشر: أنَّ تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأماني الجاهلين، فلا تثمر لصاحبها إلا الندامةَ والخزيَ. وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوسَ، وعزلته عن سلطانه (٣)، وأفسدت عليه رعيته، وألقته في الأسر الطويل. كما أنَّ هذا معلومٌ في الخواطرِ النفسانية، فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية، هي أصل الخير كلِّه. فإنَّ أرض القلب متى (٤) بُذِرَ فيها خواطرُ الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاءِ الثوابِ، وسُقِيَت مرَّةً بعد مرَّةٍ، وتعاهدها صاحبُها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها، أثمرت له كلَّ فعل جميل، وملأت قلبَه من الخيرات، واستعملت جوارحَه في الطاعات واستقرَّ بها الملك في سلطانه،

стр. 466

واستقامت له رعيته. ولهذا لما تحقَّقت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر، وكان (١) ذلك هو سيرَها وعملها (٢). وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبًا ولا سنَّة، الثاني: أن لا يجعلَ مجرَّد حفظِها هو المقصود. بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطرَ الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر، ويعمره بأضدادها. وإلا فمتى عمل على تفريغه منهما معًا كان خاسرًا، فلا بدَّ من التفطن لهذا. ومن هنا غلِطَ أقوامٌ من أرباب السلوك، وعملوا على إلقاءِ الخواطرِ وإزالتها جملةً، فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات، فظنّوها تحقيقًا وفتحًا رحمانيًّا، وهم فيها غالطون، وإنَّما هي خيالات وفتوحات شيطانية (٣). والميزان هو الكتاب الناطق، والفطرة السليمة، والعقل المؤيد بنور النبوة، واللَّه المستعان. فصل (٤) الثاني (٥): صدق التأهب للقاءِ اللَّه . وهذا (٦) من أنفع ما للعبدِ وأبلغِه في حصول استقامته. فإنَّ من استعدَّ للقاءِ اللَّه انقطعَ قلبه عن

стр. 467

الدنيا (١) ومطالبها، وخمدت من نفسه نيرانُ الشهوات، وأخبتَ قلبُه إلى ربِّه تعالى (٢)، وعكفت همته على اللَّه وعلى محبته وإيثار مرضاته. واستحدث (٣) همَّةً أخرى وعلومًا أخر، وولد ولادةً أخرى تكون نسبةُ قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمِّه، فيولد قلبُه ولادةً حقيقية، كما ولد جسمه حقيقة. وكما كان بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار، فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة، فخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدارِ. وهذا معنى ما يذكر عن المسيح ﷺ أنَّه قال: "يا بني إسرائيل، إنَّكم لن تلجوا ملكوتَ السماء حتَّى تولدوا مرَّتين" (٤). ولمَّا كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها -فضلًا عن أن يصدقوا بها- فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير أم (٥) كيف يولد القلب، لم يكن لهم إليها همَّة ولا عزيمة، إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدّقه؟ ولكن إذا كُشِفَ حجاب الغفلة عن القلب صدَّق بذلك وعلم أنَّه لم يولد قلبُه بعد. والمقصود أنَّ صدق التأهّب للقاءِ اللَّهِ هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة، والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى اللَّه ومنازل

стр. 468

السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاءِ والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمالِ القلوب والجوارح. فمفتاحُ ذلك كلِّه صدقُ التأهب والاستعداد للقاءِ اللَّهِ، والمفتاح بيد الفتَّاحِ العليم، لا إلهَ غيره، ولا ربَّ سواه.

стр. 469

قاعدة شريفة [الطريق إلى اللَّه واحد] الناس قسمان: عِلْية، وسِفْلة، فالعلية من عرف الطريق إلى ربِّه، وسلكها قاصدًا للوصول (١) إليه، وهذا هو الكريم على ربِّه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربِّه، ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال اللَّه تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج/ ١٨]. والطريق إلى اللَّه في الحقيقة واحد لا تعدُّدَ فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلًا لمن سلكه إليه (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام/ ١٥٣]. فوحَّد سبيلَه لأنَّه في نفسه واحد لا تعدُّدَ فيه، وجمع السُّبُل المخالفة لأنَّها كثيرة متعدِّدة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه (٣) خطَّ خطًّا، ثُمَّ قال: "هذا سبيل اللَّه". ثُمَّ خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره، ثُمَّ قال: "هذه سُبُل، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه"، ثُمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام/ ١٥٣] (٤). ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى

стр. 470

الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة/ ٢٥٧]. فوحَّد النورَ الذي هو سبيلُه، وجمع الظلمات التي هي سُبُل الشيطان (١). ومن فهم هذا فَهِمَ السرَّ في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام/ ١]، مع أنَّ فيه سرًّا ألطفَ من هذا، يعرفه من عرف (٢) منبع النور كلّه (٣)، ومن أين فاضَ، وعمَّاذا حصل، وأنَّ أصلَه كله واحد. وأمَّا الظلمات فهي متعددة بتعدُّدِ الحُجُب المقتضية لها، وهي كثيرةٌ جدًّا، لكلِّ حجاب ظلمة خاصَّة. ولا ترجع الظلماتُ إلى النورِ الهادي ﷻ أصلًا، لا وصفًا ولا ذاتًا، ولا اسمًا ولا فعلًا، وإنَّما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعلُ الظلمات، ومفعولاتُه (٤) متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنَّه يرجع إلى اسمه وصفته ﷻ ، تعالى أن يكون كمثله شيءٌ، فهو (٥) نور السماواتِ والأرضِ. قال ابن مسعود: "ليس عندَ ربِّكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرضِ من نور وجهه". ذكره الدارمي عنه (٦). وفي صحيح مسلم (٧) عن أبي ذرٍّ، قلتُ: يا رسول اللَّه هل رأيت ربَّك؟ قال: "نورٌ، أنَّى أراهُ! ".

стр. 471

والمقصودُ أنَّ الطريقَ إلى اللَّه واحد، فإنَّه هو (١) الحقُّ المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأمَّا الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل (٢)، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل. فالباطل متعدِّد، وطرقه متعددة. وأمَّا ما يقع في كلام بعض العلماءِ أنَّ الطرق (٣) إلى اللَّهِ متعددة متنوعة، جعلها اللَّه كذلك لتنوع الاستعدادت واختلافها، رحمةً منه وفضلًا فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وإيضاحه أنَّ الطريقَ (٤) واحدة جامعة لكلِّ ما يرضي اللَّه. وما يرضيه سبحانه متعدِّدٌ متنوعٌ، فجميعُ ما يُرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، فكلُّها (٥) طرُق مرضاته. فهذه هي (٦) التي جعلها اللَّه سبحانه برحمته (٧) وحكمته كثيرةً متنوعةً جدًّا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم. ولو جعلها نوعًا واحدًا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوَّة الاستعدادت وضعفها لم يسلكها إلا واحدٌ بعد واحدٍ. ولكن لمَّا اختلفت الاستعدادت تنوعت الطرق ليسلك كلّ امرئٍ إلى ربِّه طريقًا يقتضيها استعدادُه وقوتُه وقبولُه.

стр. 472

ومن هنا يُعلَم تنوُّعُ الشرائع واختلافُها مع رجوعها كلِّها إلى دينٍ واحد، بل تنوعُ الشريعة الواحدة (١)، مع وحدة المعبود ودينه. ومنه الحديث المشهور: "الأنبياءُ أولادُ عَلَّات، دينُهم واحد" (٢). فأولادُ العلَّات أن يكون الأبُ واحدًا والأُمَّهاتُ متعدِّدة، فشبَّه دينَ الأنبياءِ بالأب الواحد، وشرائعهم بالأُمَّهاتِ المتعددة. فإنَّها وإن تعددت فمرجعها كلها (٣) إلى أب واحد. وإذا عُلِمَ هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي تعبَّد بسلوكه (٤) إلى اللَّه طريق العلم والتعليم، وقد وفَّرَ عليه زمانَه مبتغيًا به وجه اللَّه. فلا يزال كذلك عاكفًا على طريق العلم والتعليم حتَّى يصل من تلك (٥) الطريق إلى اللَّهِ، ويفتح له فيها الفتح الخاص، أو يموت في طريق طلبه، فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء/ ١٠٠]. وقد حكي عن جماعة كثيرة ممَّن أدركه الأجل، وهو حريص طالب للقرآن، أنَّه رُئي بعد موته، وأخبرَ أنَّه في تكميل مطلوبه وأنَّه يتعلَّم في البرزخ؛ فإنَّ العبد يموت على ما عاش عليه. ومن الناس من يكون سيّد عمله الذكر، وقد جعله زادَه لمعاده،

стр. 473

ورأسَ ماله لمآله، فمتى فتَر عنه أو قصّر فيه (١) رأى أنَّه قد غُبِن وخَسِر. ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصّر في وِرْده (٢) منها، أو مضى عليه وقت، وهو غير مشغولٍ بها أو مستعدٍّ لها، أظلم عليه وقتُه، وضاق صدُره. ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدّي، كقضاءِ الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات (٣)، وأنواع الصدقات، قد فتح له في هذا، وسلك منه طريقًا إلى ربّه. ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن، فهي (٤) الغالب على أوقاته، وهي أعظم أوراده. ومنهم من يكون طريقه الصوم فهو متى أفطر تغيّر عليه قلبُه، وساءَت حاله (٥). ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد فُتِح (٦) له فيه، ونفذ منه إلى ربّه. ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحجّ والاعتمار.

стр. 474

ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق، وتجريد الهمّة، ودوام المراقبة، ومراعاة الخواطر، وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة. ومنهم الجامع الفَذّ (١)، السالك إلى اللَّه في كلِّ واد، الواصل إليه من كلّ طريق. فهو قد جعل (٢) وظائفَ عبوديته قِبلةَ قلبه ونصبَ عينه، يؤمّها أين كانت، ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كلّ فريق بسهم. فأين كانت العبوديةُ وجدتَه هناك: إن كان علمٌ وجدتَه مع أهله، أو جهاد وجدتَه في صفّ المجاهدين، أو صلاة وجدتَه في القانتين، أو ذكر وجدتَه في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدتَه في زمرة المحسنين، أو مراقبة ومحبّة (٣) وإنابة إلى اللَّه وجدتَه في زمرة المحبّين المنيبين. يدين بدين العبوديّة أنَّى استقلَّتْ ركائبُها، ويتوجّه إليها حيث استقرّت مضاربُها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفّذ أوامرَ ربّي حيث كانت، وأين (٤) كانت، جالبةً ما جلبَتْ، مقتضيةً ما اقتضتْ، جمعتني أو فرّقتني؛ ليس لي مراد إلَّا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبًا له فيها، عاكفًا عليه بالروح والقلب والبدن والسرّ. قد سلّمتُ إليه المبيعَ منتظرًا منه تسليمَ الثمن. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة/ ١١١]. فهذا هو العبد السالك إلى ربّه، النافذ إليه حقيقة. ومعنى النفوذ إليه

стр. 475

أن يتّصل به قلبه ويعلق (١) به تعلّقَ المحبِّ التامِّ المحبّة لمحبوبه (٢)، فيسلو به عن جميع المطالب سواه، فلا يبقى في قلبه إلَّا اللَّه (٣) وأمره وطلب التقرّب إليه. فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربُّه، فقرَّبه، واصطفاه، وأخذ بقلبه إليه، وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه، وتولّى تربيته أحسن وأبلغ مما يربّي الوالدُ الشفيقُ ولدَه. فإنَّه سبحانه القيّوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميّته بمن أحبّه، وتولاه، وآثره على ما (٤) سواه؛ ورضي به من الناس حبيبًا وربًّا، ووكيلًا وناصرًا ومعينًا وهاديًا؟ فلو كشف الغطاءَ عن ألطافه به (٥) وبرّه وصنعه له، من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم، لذاب قلبُه حبًّا (٦) له وشوقًا إليه، وتقطّع (٧) شكرًا له. ولكن حجب القلوبَ عن مشاهدة ذلك إخلادُها إلى عالم الشهوات والتعلّق بالأسباب، فصُدّت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العلم. وإلّا فأيّ قلب يذوق حلاوةَ معرفة اللَّه ومحبّته، ثمَّ يركن إلى غيره، ويسكن إلى سواه (٨)؟ هذا ما لا يكون أبدًا. ومن ذاق شيئًا من ذلك، وعرف طريقًا (٩) موصلةً إلى اللَّه، ثمّ تركها،

стр. 476

وأقبل على إراداته (١) وراحاته وشهواته ولذّاته، وقع في آبار (٢) المعاطب، وأودع قلبَه سجونَ المضايق، وعُذِّب في حياته عذابًا لم يعذَّبْه (٣) أحدٌ من العالمين. فحياته عجز وغمّ وحزن، وموته كمد (٤) وحسرة، ومعاده أسف وندامة. قد فرط عليه أمرُه، وشُتِّت عليه شملُه، وأحضِرتْ (٥) نفسُه الغمومَ والأحزان. فلا لذّة الجاهلين، ولا راحة العارفين (٦). يستغيث فلا يُغاث، ويشتكي فلا يُشكَى. قد (٧) ترحّلت أفراحُه وسروره مدبرةً، وأقبلت آلامُه وأحزانُه وحسراته مقبلةً (٨). قد (٩) أبدل بأُنسه وحشةً، وبعزّه ذلًّا، وبغناه فقرًا، وبجمعيته تشتّتًا (١٠). وأبعدوه فلم يظفَرْ بقربهِمُ ... وأبدلوه مكانَ الأنسِ إيحاشا (١١) ذلك بأنّه عرف طريقه إلى اللَّه، ثمّ تركها ناكبًا عنها مكِبًّا (١٢) على

стр. 477

وجهه، فأبصر ثمّ عمي، وعرف ثمّ أنكر، وأقبل ثمّ أدبر، ودُعي فما أجاب، وفُتِح له فولّى ظهرَه الباب! قد ترك طريق مولاه، وأقبل بكلّيّته على هواه. فلو نال بعض حظوظه، وتلذّذ براحاته وشهواته (١)، فهو مقيّد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد، وميادين الأُنس، ورياض المحبّة، وموائد القرب. قد انحطّ بسبب إعراضه عن إلهه الحقّ إلى أسفل سافلين، وحصل في عداد الهالكين. فنارُ الحجاب تطّلِع كلّ وقت على فؤاده، وإعراضُ الكون عنه -إذ أعرض ربّه (٢) - حائلٌ بينه وبين مراده. قبرٌ (٣) يمشي على وجه الأرض، فروحُه (٤) في وحشةٍ في جسمه (٥)، وقلبُه في مَلالٍ (٦) من حياته. يتمنّى الموت ويشتهيه، ولو كان فيه ما فيه؛ حتّى إذا جاءَه الموت على تلك الحال -والعياذ باللَّه- فلا تسأل عمّا يحِلّ به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحقّ (٧)، وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه، وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيّته.

стр. 478

فلو توهّم العبد المسكين هذه الحالَ، وصوّرَتْها له نفسُه، وأرته إيّاها على حقيقتها، لتقطع واللَّهِ قلبُه، ولم يلتذَّ بطعام ولا شراب؛ ولخرج إلى الصُّعُدات (١) يجأَر إلى اللَّه، ويستغيث به، ويستعتبه (٢) في زمن الاستعتاب. هذا مع أنَّه إذا آثر شهواته ولذّاته الفانية التي هي كخيال طَيف أو مُزنة صَيف نُغِّصت عليه لذّتُها أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها أقدرَ ما كان عليها! وتلك سنّة اللَّه في خلقه، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس/ ٢٤]. وهذا هو غِبّ إعراضه وإيثاره شهوتَه (٣) على مرضاة ربّه، فيعوّق (٤) القدرُ عليه أسبابَ مراده، فيخسر الأمرين جميعًا. فيكون معذَّبًا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يُقسَم له، وإن قُسِم له منه شيء فحشوه الخوفُ والحزن (٥) والنكد والألم. فهمٌّ لا ينقطع، وحسرة لا تنقضي، وحرص لا ينفد، وذلّ لا ينتهي، وطمع لا يُقلِع!

стр. 479

هذا في هذه الدار، وأمَّا في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك! قد حيل بينه وبين ما يشتهي، وفاته ما كان يتمنّاه من قُرب ربه وكرامته ونيل ثوابه، وأحضِرَ جميعَ غمومه وأحزانه. وأمَّا في دار الجزاءِ فسجن أمثاله من المبعودين (١) المطرودين. فواغوثاه ثمّ واغوثاه بغياث المستغيثين وأرحم الراحمين! فمن أعرض عن اللَّه بالكلّية أعرض اللَّهُ عنه بالكلّية. ومن (٢) أعرض اللَّه عنه لزمه الشقاءُ والبؤس والبخس في أحواله وأعماله، وقارنه (٣) سوءُ الحال وفسادُه في دينه ومآله. فإنّ الربّ تعالى إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس، وأظلمت أرجاؤها، وانكسفت أنوارها، وظهر (٤) عليها وحشة الإعراض، وصارت مأوى للشياطين، وهدفًا للشرور، ومصبًّا للبلاءِ. فالمحروم كلّ المحروم من عرف طريقًا إليه، ثمَّ أعرضَ عنها؛ أو وجد بارقةً من حبه ثمَّ سُلِبَها، لم ينفذ إلى ربِّه منها، خصوصًا إذا مالَ بتلك الإرادة إلى شيءٍ من اللذات، أو انصرفَ (٥) بجملته إلى تحصيل الأعراض (٦) والشهوات، عاكفًا على ذلك ليله ونهاره وغدوه ورواحه، هابطًا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى.

стр. 480

قد مضت عليه برهةٌ من أوقاته، وكان همه اللَّه، وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كلِّ ما سواه، على ذلك يصبح ويمسي، ويظل ويضحي، وكان اللَّه في تلك الحال وليَّه (١)، لأنَّه وليُّ من تولاه، وحبيب من أحبَّه ووالاه. فأصبحَ في سجن الهوى ثاويًا، وفي أسر العدو مقيمًا، وفي بئر المعصية ساقطًا، وفي أودية الحيرة والتفرقة هائمًا، معرضًا عن المطالب العالية إلى الأغراض (٢) الخسيسة الفانية. كان قلبه يجول (٣) حول العرش، فأصبحَ محبوسًا في أسفلِ الحُشِّ. فأصبحَ كالبازي المنتَّفِ ريشُه ... يرى حسراتٍ كلَّما طارَ طائرُ وقد كان دهرًا في الرياضِ منعَّمًا ... على كلِّ ما يهوى من الصيدِ قادرُ إلى أن أصابته من الدهرِ نَكبةٌ ... إذا هو مقصوصُ الجناحين حاسِرُ (٤) فيا من ذاقَ شيئًا من معرفة ربِّه ومحبته، ثُمَّ أعرضَ عنها، واستبدل بغيرها منها، يا عجبًا له بأي شيءٍ (٥) تعوَّضَ! وكيف قرَّ قرارُه، فما طلبَ الرجوعَ إلى أحبّته (٦) وما تعرَّض! وكيف اتخذَ سوى أحبّته (٧) سكنًا،

стр. 481

وجعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله موطنًا! أم كيف طاوعه قلبه على الاصطبار، ووافقه على مساكنة الأغيار! فيا معرضًا عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم، ويا بائعًا سعادته العظمى بالعذاب الأليم. ويا مُسْخِطًا مَن حياتُه وراحتُه وفوزُه في رضاه، وطالبًا رضى مَن سعادتُه في إرضاءِ سواه. إنَّما هي لذَّةٌ فانية، وشهوة منقضية، تذهب لذَّاتها، وتبقى تبعاتها. فرحُ ساعةٍ لا شهر، وغمُّ سنة بل دهر. طعامٌ لذيذ مسموم، أوَّلهُ لذَّة وآخره هلاك. فالعامل عليها والساعي في تحصيلها كدودة القزّ، يسدُّ على نفسه (١) المذاهب، بما نسجَ عليها من المعاطب. فيندم حين لا تنفع الندامة، ويستقيل حين لا تُقبَل الاستقالة. فطوبى لمن أقبل على اللَّه بكليته، وعكف عليه بإرادته ومحبته، فإنَّ اللَّه يُقبِل عليه بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته. وإنَّ اللَّه سبحانه إذا أقبلَ على عبدٍ (٢) استنارت جهاتُه، وأشرقت ساحتُها (٣)، وتنورت ظلماتُها (٤)، وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال، وتوجَّه إليه أهلُ الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة لأنَّهم تبع لمولاهم. فإذا أحب عبدًا أحبوه، وإذا والى وليًّا والَوه. "إذا أحبَّ اللَّه العبد نادى: يا جبريلُ إنِّي أحبُّ فلانًا فأحِبَّه، فينادي جبريل في السماء: إنَّ اللَّهَ يحب فلانًا فأحِبُّوه. فيحبه أهلُ السَّماءِ ثُمَّ يحبه أهلُ الأرضِ، فيوضع له القبول

стр. 482

بينهم" (١)، ويجعل اللَّه قلوب أوليائه تفِدُ إليه بالود والمحبَّة والرحمة. وناهيك بمن يتوجَّه إليه مالك الملك ذو الجلالِ والإكرام بمحبته، ويقبل عليه بأنواع كرامته، ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرضِ بالتبجيل والتكريم. وذلك فضلُ اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

стр. 483

قاعدة (١) [السير إلى اللَّهِ لا يتمّ إلا بقوتين: علمية وعملية] السائر إلى اللَّه والدار الآخرة، بل كلُّ سائرٍ إلى مقصد، لا يتم سيرُه ولا يصلُ إلى مقصوده إلا بقوَّتين: قوَّة علمية، وقوَّة عملية (٢). فبالقوَّة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك، فيقصدها سائرًا فيها، ويجتنب أسبابَ الهلاكَ، ومواضعَ العطب، وطرقَ المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. فقوَّتُه العلمية كنورٍ عظيم بيده، يمشي به (٣) في ليلة مظلمة (٤) شديدة الظلمة. فهو يبصرُ بذلك النورِ ما يقع الماشي في الظلمة في مثله من الوِهاد والمتالف، ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره. ويبصر بذلك النور أيضًا أعلامَ الطريقَ وأدلتها المنصوبة عليها، فلا يضل عنها. فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق، ومعاطبها (٥). وبالقوَّة العملية يسير حقيقةً، بل السيرُ هو حقيقة القوَّة العملية، فإنَّ السيرَ هو عمل المسافر (٦). وكذلك السائر إلى ربِّه إذا أبصرَ الطريق وأعلامَها، وأبصرَ المعاثر (٧) والوهاد والطرق الناكبة عنها، فقد حصل له شطر السعادة والفلاح. وبقيَ عليه الشطر الآخر، وهو أن يضع عصاه

стр. 484

على عاتقه، ويشمِّر مسافرًا في الطريق، قاطعًا منازلها منزلةً بعد منزلةٍ. فكلَّما قطع مرحلةً استعدَّ لقطع الأُخرى، واستشعر القرب من المنزل، فهان (١) عليه مشقَّةُ السفر. وكلَّما شكت (٢) نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحل وعَدَها قُربَ التلاقي وبردَ العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطًا وفرحًا وهمَّة. فهو يقول: يا نفس أبشري، فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول، فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرتِ وواصلتِ السُّرى (٣) وصلتِ حميدةً مسرورةً جذِلةً، وتلقَّتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات. وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعةٍ، فإنَّ الدنيا كلها كساعة من ساعاتِ الآخرة، وعمرك درجة من درج تلك الساعة، فاللَّه اللَّه لا تنقطعي في المفازة، فهو واللَّه الهلاك والعطب لو كنت تعلمين! فإن استصعبتْ عليه (٤) فليذكِّرها ما أمامها من أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاءِ. فإنْ رجعت فإلى أعدائها رجوعُها، وإن تقدَّمت فإلى أحبابها مصيرُها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها، فإنَّهم وراءَها في الطلب. فلا بدَّ (٥) لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت.

стр. 485

وليجعلْ (١) حديث الأحبة حاديَها وسائقَها، ونورَ معرفتهم وإرشادهم هاديَها ودليلَها، وصدقَ ودادهم وحبهم غذاءَها وشرابَها ودواءَها. ولا يوحشنَّه (٢) انفرادُه في طريق سفره، ولا يغترَّ بكثرة المنقطعين، فألمُ انقطاعه وبعاده واصلٌ إليه دونهم، وحظُّه من القرب والكرامة مختصٌّ به دونهم، فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟ وليعلمْ أنَّ هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج إليه المتلقون (٣) يهنئونه بالسلام والوصول إليهم. فيا قرَّةَ عينه إذ ذاك، ويا فرحته إذ يقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس/ ٢٦ - ٢٧]. ولا يستوحشْ ممَّا يجده من كثافة الطبع، ودرَن (٤) النفس، وبطءِ سيرها. فكلَّما أدمن السير وواظبَ عليه غدوًّا ورواحًا وسحرًا قرُبَ من المنزل (٥)، وتلطفت تلك الكثافة، وذابت تلك الخبائث والأدران، وظهرت (٦) عليه همَّة المسافرين وسيماهم، فتبدَّلت وحشتُه أُنسًا، وكثافتُه لطافة، ودرنُه طهارة.

стр. 486

فصل (١) فمن النَّاسِ من تكون (٢) له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوَّة أغلبَ القوَّتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوَّة العملية. يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقَّاها. فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجُهَّال في التخلف، وفارقهم في العلم. وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه اللَّه، فلا قوَّة إلا باللَّه (٣). ومن النَّاسِ من تكون له القوة العلمية الإراديّة، وتكون أغلبَ القوتين عليه. وتقتضي هذه القوة السير والسلوك (٤)، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والجِدّ والتشمير في العمل. ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات في الأعمال والأحوال (٥) والمقامات، كما كان الأوَّل ضعيف العقل عند ورود الشهوات. فداءُ هذا من جهله، وداءُ الأوَّل من فساد إرادته وضعف عقله. وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق والوجد والعادة. يُرَى (٦) أحدهم أعمى عن

стр. 487

مطلوبه، لا يدري من يعبد، ولا بماذا يعبده. فتارةً يعبده بذوقه ووجده، وتارةً يعبده بعادة (١) قومه وأصحابه من لبس معين، أو كشف رأس، أو حلق لحية ونحوها. وتارةً يعبده بالأوضاع التي وضعها بعضُ المتحَذْلقين وليس لها (٢) أصل في الدِّين. وتارةً يعبده بما تحبه نفسُه وتهواه كائنًا ما كان. وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا ربُّ العباد (٣). فهؤلاءِ كلُّهم عُمْيٌ عن ربِّهم وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسلَه، وأنزل به كتبَه، ولا يقبل من أحدٍ دينًا سواه؛ كما أنَّهم لا يعرفون صفاتِ ربِّهم التي تعرَّف بها إلى عباده على ألسنة رسله، ودعاهم إلى معرفته ومحبته (٤) من طريقها، فلا معرفة (٥) بالرب ولا عبادة له. فمن (٦) كانت له هاتان القوتان استقام له سيرُه إلى اللَّه تعالى، ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول اللَّه وقوَّته. فإنَّ القواطع كثيرة، شأنها شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد. ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورةً بالسالكين. ولو شاء اللَّه لأزالها وذهب بها، ولكن اللَّه يفعل ما يريد. والوقت هو (٧) -كما قيل- سيفٌ، فإن قطعتَه وإلا قطعك. فإذا كان

стр. 488

السير ضعيفًا، والهمَّة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا (١)، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرةً شديدة = فإنَّه جهد البلاءِ، ودرك الشقاء، وسوء القضاء (٢)، وشماتة الأعداء؛ إلا أن يتدارك (٣) اللَّه برحمةٍ منه من حيث لا يحتسب: يأخذ (٤) بيده، ويخلصه من أيدي القواطع. واللَّه ولي التوفيق.

стр. 489

قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم] العبدُ من حين استقرَّت قدمه في هذه الدار فهو مسافر إلى ربِّه، ومدَّة سفره هي عمره الذي كتب له. فالعمر هو مدَّة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربِّه تعالى، ثُمَّ قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره، فكلُّ يوم وليلة مرحلةٌ من المراحل، فلا يزالُ يطويها مرحلةً بعد مرحلةٍ حتَّى ينتهي السفر. فالكيّس الفطِن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه. ولا يطول عليه الأمد، فيقسو قلبه، ويمتد أمله، ويحضره (١) التسويفُ والوعد والتأخير والمطل؛ بل يعدّ عمرَه تلك المرحة الواحدة، فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته. فإنَّه إذا تيقن قِصَرَها وسرعة انقضائها هان عليه العمل، وطوَّعت (٢) له نفسه الانقياد إلى التزود؛ فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك. فلا يزالُ هذا دأبه حتَّى يطوي مراحل عمره كلَّها، فيحمد سعيَه (٣)، ويبتهج بما أعدَّه ليوم فاقته وحاجته. فإذا طلع صبح الآخرة، وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذٍ يحمد سُراه، وينجلي (٤) عنه كَراه. فما أحسنَ ما يستقبل يومَه، وقد لاحَ صباحُه، واستبانَ فلاحُه!

стр. 490

ثمّ النَّاس في قطع هذه المراحل قسمان: فقسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلَّما قطعوا مرحلةً منها (١) قربوا من تلك الدَّار، وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته. فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداته، ومعاداة رسله وأوليائه ودينه، والسعي في إطفاء نوره، وإبطال دعوته -دعوة الحق (٢) - وإقامة دعوة غيرها. فهؤلاءِ جعلت أيَّامهم مراحل (٣) يسافرون فيها (٤) إلى الدار التي خلقوا لها، واستعملوا بعملها (٥)، فهم مصحوبون فيها بالشياطين الموكلة بهم حتى يسوقونهم (٦) إلى منازلهم سوقًا، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم/ ٨٣] أي تزعجهم إلى المعاصي والكفرِ إزعاجًا، وتسوقهم سوقًا. القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها (٧) إلى اللَّه وإلى دار السلام. وهم ثلاثة أقسام: ظالمٌ لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن اللَّه. وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعى إلى اللَّه، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفسِ السير وسرعته وبطئه.

стр. 491

فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذٍ منه ما يبلّغه المنزل، لا في قدره ولا في صفته؛ بل مفرِّط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده. ومع ذلك فهو متزوِّد ما يتأذَّى به في طريقه، ويجد غِبَّ أذاه إذا وصلَ المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضارّ. والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلّغه، ولم يشدَّ (١) مع ذلك أحمالَ التجارة الرَّابحة، ولم يتزود ما يضره. فهو سالم غانم، لكن فاتته المتاجر الرَّابحة، وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همُّه في تحصيل الأرباح، وشدِّ أحمال التجارات، لعلمه بمقدار الربح الحاصل. فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا ممَّا بيده، ولا يتجر فيه (٢)، فيجدُ ربحَه يوم يغتبط التجار بأرباح تجارتهم. فهو كرجل قد علم أنَّ أمامه بلدةً يكسب الدرهم (٣) فيها عشرةً إلى سبعمائه وأكثر، وعنده حاصل، وله خبرة بطريق ذلك البلد، وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيعُ ثيابه وكلّ ما يملك حتَّى يهيئ به تجارةً إلى ذلك البلد لفعل. فهكذا (٤) حال السابق بالخيرات بإذن ربِّه (٥) يرى خسرانًا بيَّنًا أن يمرَّ عليه وقتٌ في غير متجر. فنذكر بعون اللَّه وفضله (٦) نبذةً من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد

стр. 492

من أي التجار هو: فأمَّا الظالم لنفسه فإنَّه إذا استقبل مرحلةَ يومه وليلته استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه، فحرَّكت جوارحَه طالبةً لها ساعيةً فيها (١). فإذا زاحمتها (٢) حقوق ربِّه فتارةً وتارةً: فمرَّةً يأخذ بالرخصة، ومرَّةً بالعزيمة، ومرَّةً يقدم على الذنب وتركِ الحقِّ تهاونًا ووعدًا بالتوبة. فهذا حالُ الظالم لنفسه، مع حفظ التوحيد، والإيمان باللَّه ورسوله واليوم الآخر، والتصديق بالثواب والعقاب. فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران، وهو للأغلب (٣) منهما. فإذا وردَ القيامةَ مُيِّزَ ربحُه من خسرانه، وحُصِّل ربحُه وحده، وخسرانُه وحده، وكان الحكم للرَّاجح منهما. وحكم اللَّه من وراءِ ذلك، لا يعدم عباده (٤) منه (٥) فضلَه وعدلَه. فصل (٦) وأمَّا المقتصدون: فأدوا وظيفةَ تلك المرحلة، ولم يزيدوا عليها، ولم ينقصوا (٧) منها. فلا حصلوا على أرباح التجار، ولا بخسوا الحقَّ الذي عليهم.

стр. 493

فإذا استقبلَ أحدهم مرحلةَ يومه استقبلها بالطهور التامّ والصلاة التامّة في وقتها، بأركانها وواجباتها وشرائطها؛ ثُمَّ ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذنَ اللَّه له (١) فيها مشتغلًا بها، قائمًا بأعبائها (٢)، مؤديًا واجبَ الربِّ فيها، غير متفرِّغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكارِ والتوجه. فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأوَّل، فهو كذلك سائر يومه. فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم، يأخذ (٣) مضجعه حتَّى ينشقّ الفجر، فيقوم إلى عَدَّانه (٤) ووظيفته. فإذا جاء الصوم الواجب قام بحقِّه، وكذلك الزكاة الواجبة، والحج الواجب. وكذلك المعاملة مع الخلق، يقوم فيها بالقسط، لا يظلمهم، ولا يترك حقَّه لهم. فصل (٥) وأمَّا السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقرَّبون. وهؤلاءِ

стр. 494

الأصناف الثلاثة هم أهل اليمين، وهم المقتصدون، والأبرار، والمقرَّبون. وأمَّا الظالم لنفسه فليسَ من أصحاب اليمين عند الإطلاق، وإن كان مآله إلى أصحاب اليمين، كما أنَّه لا يسمَّى مؤمنًا عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ الحق منه. وقد اختُلِف في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر/ ٣٣] الآية، هل ذلك راجعٌ إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات؛ أو يختص بالقسمَين الأخيرين، وهما: المقتصد، والسابق، دون الظالم = على قولين: فذهبت طائفة إلى أنَّ الأصناف الثلاثة كلهم في الجنَّة، وهذا يروى عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين. قال أبو إسحاق السَّبيعي: "أمَّا الذي سمعتُ مذ ستون (١) سنة فكلهم ناجٍ" (٢). قال أبو داود الطيالسي (٣): حدثنا الصَّلْت بن دينار، حدثنا عُقبة بن صُهبان الهُنائي قال: سألتُ عائشة عن قول اللَّه تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر/ ٣٢] فقالت لي: "يا بني، كلُّ هؤلاء في الجنَّة، فأمَّا السابق بالخيرات، فمن مضى على عهد رسول اللَّه ﷺ ، يشهد له رسولُ اللَّه ﷺ بالحياة (٤) والرزق. وأمَّا

стр. 495

المقتصد، فمن تبع أثره من أصحابه حتَّى لحق به. وأمَّا الظالم لنفسه، فمثلي ومثلك". قال: فجعلت نفسها معنا (١). وقال ابن مسعود: "هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنَّة بغير حساب، وثلث يحاسَبون حسابًا يسيرًا، ثُمَّ يدخلون الجنَّة، وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول اللَّه: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنَّهم لم يشركوا، فيقول : أدخلوهم في سعة رحمتي" (٢). وقال كعب: "تحاكَّتْ (٣) مناكبهم وربِّ الكعبة، وتفاضلوا بأعمالهم". وقال الحسن: "السابق من رجحت حسناته (٤)، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفَّت موازينه" (٥). واحتجت هذه الفرقة بأنَّه سبحانه سمّى الكلَّ "مصطفين"، وأخبر أنَّه
следующие страницы →