← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بمجامعه، ويجعله عاكفًا على ربِّه -الذي لا إلهَ له غيره (١)، ولا ربَّ له سواه- عكوفَ المحبّ الصادق على محبوبه، الذي لا غنى له عنه، ولا بُدَّ له منه، ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا. واحتجّوا أيضًا بأنَّ العبدَ قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، لأنَّ الذنبَ يُحدِث له من الخوف والخشية، والانكسار والتذلّل للَّه، والتضرّع بين يديه، والبكاءِ على خطيئته، والندم عليها، والأسف والإشفاق (٢)، ما هو من أفضل أحوال العبدِ وأنفعها له في دنياه وآخرته. ولم تكن هذه الأمور لتحصل بدون أسبابها، إذ حصول الملزوم بدون لازمه محال. واللَّه تعالى يحبّ من عبده كسرتَه، وتضرّعه، وذلّه بين يديه، واستعطافه، وسؤاله أن يعفو عنه، ويغفر له، ويتجاوز عن جرمه وخطيئته. فإذا قضى عليه بالذنب فترتَّبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاءُ خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن. ولهذا قال بعض السلف: "لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى (٣) بالذنب أكرمَ الخلق عليه" (٤). وقيل: إنَّ في بعض الآثار يقول اللَّه تعالى لداود: "يا داود كنتَ تدخل عليَّ دخولَ الملوكِ على الملوكِ، واليوم تدخل عليَّ دخولَ العبيد على الملوك" (٥). قالوا: وقد قال غير واحدٍ من السلف: كان داود بعد التوبة

стр. 597

خيرًا منه قبل الخطيئة (١). قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ [ص/ ٢٥]، فزاده على المغفرة أمرين (٢): "الزلفى"، وهي درجة القرب منه. وقد قال فيها سلف الأُمَّة وأئمّتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم. ومن أراد معرفتَها فعليه بتفاسير السلف. والثاني: "حسن المآب"، وهو حسن المنقلب وطيب المأوى عند اللَّه. قالوا: ومن تأمَّلَ زيادة القرب التي أعطيها داود بعد المغفرة علم صحَّة ما قلنا، وأنَّ العبدَ بعد التوبة يعود خيرًا ممَّا كان. قالوا: وأيضًا فإنَّ للعبودية لوازم وأحكامًا وأسرارًا وكمالاتٍ لا تحصل إلا بها. ومن جملتها تكميل مقام الذلّ للعزيز الرحيم، فإنَّ اللَّه سبحانه يحبّ من (٣) عبده أن يكمل مقام الذلّ له، وهذا هو (٤) حقيقة العبودية. واشتقاقها (٥) يدل على ذلك، فإنَّ العرب تقول: "طريق معبَّد" أي: مذلَّل بوطءِ الأقدام. والذل أنواع: أكملها (٦) ذلّ المحبّ لمحبوبه. الثاني: ذلّ المملوك لمالكه. الثالث: ذلّ (٧) الجاني بين يدي المنعم عليه، المحسن إليه،

стр. 598

المالك له. الرابع: ذلّ العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدي القادر عليها، التي هي في يده وبأمره. وتحت هذا قسمان: أحدهما: ذلّه (١) في أن يجلب له ما ينفعه. والثاني: ذلّه (٢) في أن يدفع عنه ما يضرّه على الدوام. ويدخل في هذا ذلّ المصائب كالفقر والمرض وأنواع البلاء والمحن. فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفَّاها العبد حقَّها، وشهدها كما ينبغي، وعرفَ ما يراد به منه، وقام بين يدي ربّه مستصحبًا لها شاهدًا لذلِّه من كل وجه ولعز (٣) ربِّه وعظمته وجلاله، كانت قليلُ أعماله قائمةً (٤) مقام الكثير من أعمال غيره. قالوا: وهذه أسرارٌ لا تدرَك بمجرّد الكلام، فمن لا نصيب له منها فلا يضرّه أن يخلّي المطيَّ وحاديها، ويعطي القوسَ باريها. فللكثافة أقوامٌ لها خُلِقوا ... وللمحبَّةِ أكبادٌ وأجفانُ قالوا: وأيضًا فقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "لَلَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه من أحدكم أضلَّ راحلتَه" (٥). قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله، فإنَّ صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهي مركبه الذي يقطع به مسافة سفره، فلو عَدِمَه لانقطع في طريقه، فكيف إذا عدم مع

стр. 599

مركبه طعامَه وشرابَه! ثمَّ إنَّه عدِمَها في أرض دَوِّيَّةٍ لا أنيس بها ولا معين، ولا من يأوي له ويرحمه ويحمله، ثمَّ إنَّها مَهلَكة لا ماءَ بها ولا طعام. فلمَّا أيسَ من الحياةِ بفقدها، وجلس ينتظر الموت، إذا هو براحلته قد أشرفت عليه، ودنت منه، فأيّ فرحةٍ تعدل فرحةَ هذا؟ ولو كان في الوجود فرحٌ أعظم من هذا لمثَّل به النبي ﷺ . ومع هذا ففرَحُ اللَّه بتوبة عبده إذا تابَ إليه أعظمُ من فرحِ هذا براحلته. [قاعدة نافعة في إثبات الصفات] (١) وتحت هذا سرٌّ عظيمٌ يختصّ اللَّه بفهمه من يشاء، فإن كنتَ ممن غلظ حجابه، وكثفت نفسه وطباعه، فعليكَ بوادي الحمقى (٢)، وهو وادي المحرّفين الكلمَ (٣) عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه. فهو وادٍ قد سلكه خلق، وتفرَّقوا في شِعابه وطرُقه ومتاهاته، ولم تستقرّ لهم فيه قدم، ولا لجؤوا منه إلى ركنٍ وثيق، بل هم فيه (٤) كحاطب الليل وحاطم السيل (٥). وإن نجَّاك اللَّه من هذا الوادي، فتأمَّل هذه الألفاظ النبويّة المعصومة التي مقصودُ المتكلّمِ بها غايةُ البيان، مع مصدرها عن كمال العلم باللَّه

стр. 600

وكمال النصيحة للأمة. ومع هذه المقامات الثلاث -أعني كمالَ بيان المتكلم وفصاحته وحسن تعبيره عن المعاني، وكمالَ معرفته وعلمه بما يعبّر عنه، وكمالَ نصحه وإرادته لهداية الخلائق- يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيءٍ، وهو لا يريد منهم ما يدلّ عليه خطابه، بل يريد منه (١) أمرًا بعيدًا عن ذلك الخطاب، إنَّما يدلُّ عليه كدلالة الألغاز والأحاجي مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى باحسن (٢) عبارة وأوجزها. فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكالِ المزيل للإجمال، ويوقع الأمَّة في أودية التأويلات وشعَاب الاحتمالات (٣) والتجويزات؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيم! وهل قدَرَ الرسول حقَّ قدره أو مرسلَه حقَّ قدره مَن نسَب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه، وعلمه ومعرفته، ونصحه وشفقته = يحيل عليه (٤) أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرّفون للكلم عن مواضعه المتأوّلون له على (٥) غير تأويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجي. والحمد للَّه ربِّ العالمين. فإنْ قلتَ: فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فيُسلَك (٦) فيه، أو من طريق يستقيم عليه السالك؟ قلتُ: نعم، بحمد اللَّه. الطريق واضحة المنار، بيّنة الأعلام، مضيئة للسالكين. وأوَّلها أن تحذف

стр. 601

خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفاتِ ربِّ العالمين. فإنَّ هذه العقدة هي أصل بلاءِ النَّاس، فمَن حلَّها فما بعدها أيسرُ منها، ومن هلك بها فما بعدها أشدُّ منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات الربِّ ونعوت جلاله إلا لِسَبْقِ نظرِه الضعيف إليها واحتجابه (١) بها عن أصل الصفة وتجرّدها عن خصائص المحدَث؟ فإنَّ الصفَة يلزمها لوازمُ باختلاف محلّها، فيظنّ القاصر (٢) إذا رأى ذلك اللازم (٣) في المحلّ المحدَث أنَّه لازم لتلك الصفة مطلقًا، فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرّد في ظنّه عن ذلك اللازم. وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرحَ والمحبَّة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض، وردَّها كلَّها إلى الإرادة. فإنَّه فهم فرَحًا مستلزمًا لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه، وكذلك فهم غضبًا هو غليان دم القلب طلبًا للانتقام، وكذلك فهم محبّةً ورضًى وكراهةً ورحمةً مقرونةً بخصائص المخلوقين؛ فإنَّ ذلك هو السابق إلى فهمه، وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه ولم يُحِطْ علمُه بغيره. ولمَّا كان ذلك (٤) هو السابق إلى فهمه لم يجد بدًّا من نفيه عن الخالق تعالى، والصفة لم تتجرَّد في عقله عن هذا اللازم، فلم يجد (٥) بدًّا من نفيها.

стр. 602

ثمَّ لأصحاب هذه الطريق مسلكان: أحدهما: مسلك التناقض البيّن. وهو إثبات كثير من الصفات، ولا يلتفِت فيها إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجرَّدةً عن خصائص المخلوق، كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها. فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذورَ الذي فرَّ منه، فكيف لم يستلزمه إثباتُ ما أثبته؟ وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورًا فكيف يستلزمه إثباتُ ما نفاهُ؟ وهل في التناقض أعجب من هذا؟ والمسلك الثاني: مسلك النفي العامّ والتعطيل المحض، هربًا من التناقض، والتزامًا لأعظم الباطل وأمحل المحال (١). فإذن الحقّ المحض في الإثبات المحض الذي أثبته اللَّه تعالى لنفسه في كلامه وعلى لسان رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريفٍ ولا تبديل. ومنشأ غلط المحرّفين إنَّما هو ظنّهم أنَّ ما يلزم الصفة في المحلّ المعيَّن يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن اللَّه تعالى، فيضطرّون في نفيه إلى نفي الصفة! ولا ريبَ أنَّ الأمور ثلاثة: أمرٌ يلزم الصفة لذاتها من حيث هي، فهذا لا يجب بل لا يجوز نفيُه، كما يلزم العلمَ والسمعَ والبصرَ من تعلّقها بمعلوم ومسموع ومبصَر، فلا يجوز نفي هذه التعلّقات عن هذه

стр. 603

الصفات، إذ لا تحقُّق لها بدونها. وكذلك الإرادة مثلًا تستلزم العلمَ لذاتها، فلا يجوز نفي لازمها عنها. وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفي لوازمها (١). وكذلك كونُ المرئيّ مرئيًّا حقيقةً له لوازم لا ينفكّ عنها، ولا سبيل إلى نفي تلك اللوازم إلا بنفي الرؤية. وكذلك الفعل الاختياري له لوازم لا بدّ فيه منها، فمن نفى لوازمه لزمه (٢) نفي الفعل (٣) ولا بدَّ. ومن هنا كان أهل الكلام أكثر النَّاس تناقضًا واضطرابًا، فإنَّهم ينفون الشيء ويثبتون ملزومه، ويُثبتون الشيء وينفون لازمه. فتتناقض أقوالهم وأدلّتهم، ويقع السالك خلفهم في الحيرة والشكّ. ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشكّ والحيرة، حاشا من هو في خُفارة بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات، وقطع تلك الشبهات، وحكَّم الفطرةَ والشرعةَ والعقلَ المؤيّد بنور الوحي عليها، فنقَدها نقدَ الصيارف، فنفى زغَلَها، وعلم أنَّ الصحيح منها إمَّا أن يكون قد تولَّت (٤) النصوص بيانَه، وإمَّا أن يكون فيها غُنْيةٌ عنه بما هو خير منه وأقرب طريقًا وأسهل تناولًا. ولا يستفيد (٥) المؤمنُ البصيرُ بما جاءَ به الرسول ﷺ ، العارفُ (٦) به؛ من المتكلمين سوى مناقضة بعضِهم بعضًا ومعارضته، وإبداءِ

стр. 604

بعضِهم عَوارَ بعض، ومحاربةِ بعضهم بعضًا؛ فيتولَّى (١) بعضُهم محاربةَ بعض، ويسلَمُ ما جاءَ به الرسول. فإذا رأى المؤمنُ العالمُ الناصحُ للَّه ولرسوله أحدَهم قد تعدَّى إلى ما جاءَ به الرسول يناقضه ويعارضه ويضادّه (٢)، فليعلمْ أنَّهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدًا، ولا يقع ردّهم إلا على آراء أمثالهم وأشباههم. وأمَّا ما جاءَ به الرسول ﷺ فمحفوظ محروس مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه. فإن وجدتَ شيئًا من ذلك في كلامهم فبَدارِ بَدارِ إلى إبداءِ فضائحهم، وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم، وتبيينِ كذبهم على العقل والوحي، فإنَّهم لا يردّون شيئًا ممَّا جاءَ به الرسول إلا بزخرف من القول يغترّ به ضعيفُ العقل والإيمان، فاكشفه، ولا تهَبْه (٣)، تجده ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور/ ٣٩]. ولولا أنَّ كلَّ مسائل القوم وشُبَههم التي خالفوا فيها النصوص بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقرّ به عيون أهل الإيمان السائرين إلى اللَّه على طريق الرسول ﷺ وأصحابه. وإن وفَّق اللَّهُ سبحانه جرَّدنا لذلك كتابًا مفردًا (٤). وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس اللَّه روحه، ونوَّر ضريحه- (٥) هذا المقصد (٦) في عامّة كتبه، لا سيما كتابه الذي وسمه

стр. 605

بـ "بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح" (١)، فمزَّق فيه شملَهم كلَّ ممزَّقٍ، وكشف فيه (٢) أسرارهم، وهتك أستارهم، فجزاه اللَّه عن الإسلام وأهله أفضلَ الجزاءِ (٣). واعلم (٤) أنَّه لا تَرِدُ شبهة صحيحة قط (٥) على ما جاء به الرسول، بل الشبهة التي يوردها أهل البدع والضلال على أهل السنَّة لا تخلو من أحد (٦) قسمين: إمَّا أن يكون القول الذي أوردَت عليه ليس من أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطًا، وهذا لا يكون متّفقًا عليه بين أهل السنة أبدًا، بل يكون قد قاله بعضهم وغلِطَ فيه، فإنَّ العصمة إنَّما هي لمجموع الأمة لا لطائفة معيَّنة منها. وإمَّا أن يكون القول الذي أُوردتْ عليه قولًا صحيخا لكن لا ترد تلك الشبهة عليه، وحينئذٍ فلا بدَّ لها (٧) من أحد أمرين: إمَّا أن تكون لازمة، وإمَّا ألَّا تكون لازمة. فإنْ كانت لازمة لما جاءَ به (٨) الرسول فهي حقّ لا شبهة، إذ لازم

стр. 606

الحقّ حق، ولا ينبغي الفرار منها كما يفعل الضعفاء من المنتسبين إلى السنَّة، بل كلُّ ما لزم من الحق فهو حقٌّ يتعيّن القول به، كائنًا ما كان، وهل تسلّط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنَّة (١) إلا بهذه الطريق؟ ألزموهم بلوازمَ تلزم الحقَّ فلم يلتزموها، ودفعوها، وأثبتوا ملزوماتها، فتسلَّطوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه. فلو أثبتوا لوازمَ الحق، ولم يفرُّوا منها، لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلًا. وإنْ لم تكن لازمةً لهم فإلزامهم إيَّاها باطل. وعلى التقديرين (٢) فلا طريق لهم إلى ردِّ أقوالهم. وحينئذٍ فلهم جوابان: مركَّب مجمَل، ومفرَد مفصَّل. أمَّا الأوَّل فيقولون (٣) لهم: هذه اللوازم التي تُلزِمونا (٤) بها إمَّا أن تكون لازمةً في نفس الأمر، وإمَّا أن لا تكون لازمةً. فإن كانت لازمةً فهي حقّ (٥)، إذ قد ثبت أنَّ ما جاءَ به الرسول هو (٦) الحقُّ الصريح، ولازمُ الحق حقٌّ. وإنْ لم تكن لازمةً فهي مندفعة، ولا يجوز إلزامها ولا التزامها (٧). وأمَّا الجوابُ المفصَّل فيفردون كلَّ إلزام بجواب، ولا يردّونه مطلقًا، ولا يقبلونه مطلقًا (٨)، بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام

стр. 607

ومعانيه، فإن كان لفظها موافقًا لما جاءَ به الرسول، يتضمّن إثبات ما أثبته أو نفي (١) ما نفاه، فلا يكون المعنى إلا حقًّا، فيقبلون ذلك الإلزام، وإن كان مخالفًا لما جاءَ به الرسول، متضمّنًا لنفى ما أثبته أو إثبات ما نفاه، كان باطلًا لفظًا ومعنًى، فيقابلونه بالردِّ. وإنْ كان لفظًا مجملًا محتملًا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقًا، ولم يردّوه مطلقًا (٢)،. حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به. فإنْ أراد معنًى صحيحًا مطابقًا لما جاءَ به الرسول قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل (٣) إطلاقًا. وإنْ أراد معنًى باطلًا ردّوه ولم يطلقوا نفيَ اللفظ المحتمل أيضًا. فهذه قاعدتهم التي بها يعتصمون وعليها يعوّلون. وبسط هذه الكلمات يستدعي أسفارًا لا سِفرًا واحدًا، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها ولا بغيرها. فلنقتصر عليها، ولنعد إلى المقصود، فنقول وباللَّه التوفيق: فرَحُ الربِّ تعالى هذا الفرحَ العظيمَ بتوبة عبده إذا تاب إليه هو من ملزومات محئته ولوازمها، أعني كونَه محِبًّا لعبادته المؤمنين، محبوبًا لهم. وإنَّما خلق خلقه لعبادته المتضمّنة لكمال محبَّته والخضوع له، ولهذا خلق الجنَّة والنَّار، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب. وهذا هو الحق الذي خلق به السماوات والأرضِ، وأنزل به الكتاب. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

стр. 608

[الحجر/ ٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (١) إلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس/ ٥] وقوله: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران/ ١ - ٣]. فهذا أمرُه وتنزيلُه مصدره الحقّ، والأوَّل خلقه وتكوينه مصدره الحقّ أيضًا. فبالحقِّ كان الخلق والأمر، وعنه صدر الخلق والأمر. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦]، فأخبر سبحانه أنَّ الغاية المطلوبة من خلقه هي عبادته التي أصلها كمال محبّته. وهو سبحانه كما أنَّه يحب أن يُعبَد، يحبّ أن يُحمَد، ويُثنَى عليه، ويذكَر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من اللَّه، ومن أجل ذلك أثنَى على نفسه" (٢). وفي المسند من حديث الأسود بن سريع أنه قال: يا رسولَ اللَّه، إنّي حمدتُ ربّي بمحامد. فقال: "إنّ ربّك يحبّ الحمد" (٣). فهو

стр. 609

يحبّ نفسه، ومن أجل ذلك يثني على نفسه، ويحمد نفسه، ويقدّس نفسه، ويحبّ من يحبّه ويحمده ويثني عليه. بل كلّما كانت محبّةُ عبدِه له أقوى كانت محبّة اللَّه له أكمل وأتمّ. فلا أحدَ أحبُّ إليه ممن يحبّه، ويحمده، ويثني عليه. ومن أجل ذلك كان الشركُ أبغضَ الأشياءِ إليه لأنّه ينقص هذه المحبّة، ويجعلها بينه وبين من أشرك به. ولهذا لا يغفر اللَّه أن يُشرَك به؛ لأنَّ الشرك يتضمّن نقصان هذه المحبّة، والتسوية فيها بينه وبين غيره. ولا ريب أنّ هذا من أعظم ذنوب المحبّ عند محبوبه التي ينقص (١) بها من عينه، وتنحطّ (٢) بها مرتبتُه عنده إذا كان من المخلوقين، فكيف يحتمل ربّ العالمين أن يُشرَك بينه وبين غيره في المحبّة، والمخلوق لا يحتمل ذلك، ولا يرضى به، ولا يغفر هذا الذنب لمحبّه أبدًا. وعساه أن يتجاوز لمحبّه عن غيره من الهفوات (٣) والزلّات في حقّه، ومتى علم بأنّه يحِبّ غيره كما يحبُّه لم يغتفر (٤) له هذا الذنب ولم يقرِّبْه إليه. هذا مقتضى الطبيعة والفطرة. أفلا يستحيي العبد أن يسوّي بين إلهه ومعبوده وبين غيره في هذه العبوديّة والمحبّة؟ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥]. فأخبر سبحانه أنّ من أحبّ شيئًا دون اللَّه كما يحبّ اللَّهَ، فقد اتّخذه ندًّا. وهذا معنى قول المشركين

стр. 610

في النَّار (١) لمعبوديهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء/ ٩٧ - ٩٨]. فهذه تسوية في المحبَّة والتألُّه (٢)، لا في الذات والأفعال والصفات. والمقصود أنَّه سبحانه يحبّ نفسَه أعظمَ محبَّة، ويحبُّ من يحبّه. وخلق خلقه لذلك، وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك، وأعدَّ الثواب والعقاب لأجل ذلك. وهذا هو محض الحقِّ الذي به قامت السماوات والأرضِ، وكان الخلق والأمر. فإذا قامَ به العبدُ فقد جاء منه الأمر (٣) الذي خُلِقَ له، فرضيَ عنه صانعه وبارئه وأحبَّه، إذ كان كما يحب ويرضى. فإذا صدف عن ذلك، وأعرض عنه، وأبق عن مالكه وسيّده؛ أبغضه ومقته، لأنَّه خرج عمَّا خُلِقَ له، وصار إلى ضدِّ الحال التي هُيِّئ لها (٤)، فاستوجب منه غضبه بدلًا من رضاه، وعقوبته بدلًا من رحمته. فكأنَّه استدعى من ربِّه (٥) أن يعامله من نفسه بخلاف ما يحبّ، فإنَّه سبحانه عفوٌّ يحبُّ العفو، محسنٌ يحبّ الإحسان، جوادٌ يحبُّ الجود، سبقت رحمتُه غضبَه. فإذا أبقَ منه العبدُ، وخامرَ عليه (٦) ذاهبًا إلى عدوِّه، فقد

стр. 611

استدعى منه أن يجعل غضبَه غالبًا على رحمته، وعقوبَته على إحسانه؛ وهو سبحانه يحبُّ من نفسه الإحسان والبر والإنعام، فقد استدعى من ربِّه فعلَ ما غيرُه أحبُّ إليه منه. وهو بمنزلة عبد السَّوءِ (١) الذي يحمل أستاذَه من المخلوقين المحسنَ إليه، الذي طبيعتُه الإحسان والكرم، على خلاف مقتضى طبيعته وسجيّته. فأستاذه يحب بطبعه (٢) الإحسان، وهو بإساءته ولؤمه يُكلِّفه ضدَّ طباعه، ويحمله على خلاف سجيته. فإذا راجع هذا العبدُ ما يحبُّ سيّدُه، ورجع إليه، وأقبل عليه، وأعرض (٣) عن عدوِّه، فقد صار إلى الحالِ التي تقتضي محبَّة سيّده له وإنعامه عليه وإحسانَه إليه، فيفرح به -ولا بُدَّ- أعظمَ فرح، وهذا الفرحُ هو دليلٌ على (٤) غاية الكمال والغنى والمجد. فليتدبّر اللبيبُ وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجدْ في طيِّه من المعارف الإلهية ما لا تتّسع له إلا القلوب المهيّأة لهذا الشأن المخلوقةُ له. وهذا فرحُ محسن برّ لطيف جواد غني حميد، لا فرَحُ محتاجٍ إلى حصول ما يفرح به (٥)، مستكمل (٦) به، مستفيد (٧) له من غيره. فهو عين

стр. 612

الكمالِ، لازم للكمال، ملزوم له. وألطف من هذا الوجهِ أنَّ اللَّه سبحانه خلق عباده المؤمنين، وخلق كلَّ شيءٍ لأجلهم، كما قال تعالى (١) لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران/ ٣٣]، وقال تعالى لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه/ ٤١]. واتّخذ منهم الخليلين، والخلَّة أعلى درجات المحبة، وقد جاءَ في بعض الآثار: يقول تعالى (٢): "ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقتُ كلَّ شيءٍ لك، فبحقِّي عليك لا تشتغل بما خلقتُه لك عمَّا خلقتُك له" (٣). وفي أثر آخر يقول تعالى: "ابنَ آدم، خلقتُك لنفسي، فلا تلعبْ، وتكفَّلتُ برزقك، فلا تتعَبْ. ابنَ آدمَ اطلبني تجدْني، فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيءٍ، وإنْ فُتُّكَ فاتك كل شيءٍ، وأنا أحبّ إليك من كلِّ شيءٍ" (٤). فاللَّه سبحانه خلق عبادَه له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقدٌ لم يعقده مع خَلْقٍ غيرهم -فيما أخبر به على لسان رسوله ﷺ ليسلِّموا إليه النفوسَ التي خلقها له. وهذا الشِّرَى دليلٌ على أنَّها محبوبةٌ له

стр. 613

مصطفاةٌ عنده، مرضيّةٌ لديه. وقدرُ السلعة يُعْرَفُ بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها. هذا إذا جُهِلَ قدرُها في نفسها، فإذا عُرِفَ قدرُ السلعة، وعُرِفَ مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها، عُلِمَ شأنُها ومرتبتُها في الوجود. فالسلعة أنت، واللَّه المشتري، والثمنُ جنَّتُه والنظرُ إلى وجهه وسماعُ كلامه في دار الأمن والسلام. واللَّه سبحانه لا يصطفي لنفسه إلا أعزَ الأشياءِ وأشرفها وأعظمها قيمةً. وإذا كان قد اختار العبدَ لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارًا في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدَمه يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته؛ ثمَّ إنَّ العبد أبق عن سيِّده ومالكه ذاهبًا عنه (١)، معرضًا عن رضاه؛ ثمَّ لم يكفه ذلك حتى خامر عليه (٢)، وصالح عدوّه، ووالاه من دونه، وصارَ من جنده، مؤثرًا لمرضاته على مرضاة وليّه ومالكه = فقد باعَ نفسه -التي اشتراها منه إلهه ومالكه، وجعلَ ثمنها جنَّته والنظرَ إلى وجهه- من عدوِّه وأبغضِ خلقه إليه، واستبدل غضبَه برضاه، ولعنتَه برحمته ومحبّته. فأيّ مقت خلَّى هذا المخدوعُ عن نفسه لم يتعرّض له من ربِّه؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف/ ٥٠]. فتأمَّل ما تحت هذه المعاتبة وما في طيِّ هذا الخطاب من سوءِ حالِ (٣) هذا العبد، وما تعرّض له من المقتِ والخزي والهوان؛ ومن

стр. 614

استعطافِ ربِّه واستعتابه ودعائه إيَّاه إلى العود إلى وليِّه ومولاه الحقّ الذي هو أولى به. فإذا عادَ إليه وتابَ إليه فهو بمثابة من أسرَ له العدوُّ محبوبًا له (١)، واستولوا عليه، وحالوا بينه وبينه، فهرب منهم ذلك المحبوب، وجاءَ إلى محبّه اختيارًا وطوعًا حتَّى توسّد عتبةَ بابه، فخرج المحِبّ من بيته، فوجد محبوبه متوسّدًا عتبة بابه واضعًا خدَّه وذقنَه عليها، فكيف يكون فرحه به؟ وللَّه المثل الأعلى. ويكفي في هذا المثلُ الذي ضربه رسوله لمن (٢) فتح اللَّه عينَ قلبه، فأبصرَ ما في طيّه وما في ضمنه، وعلم أنَّه ليس كلام مجازفة (٣) ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلامُ معصومٍ في منطقه وعلمه وقصده وعمله. كلُّ كلمةٍ منه في موضعها ومنزلتهًا ومقزها، لا يتعدّى بها عنه، ولا يقصّر بها. والذي يزيد هذا المعنى تقريرًا أنّ محبّة الرّب لعبده سبقَتْ محبّةَ العبد له سبحانه، فإنّه لولا محبّةُ اللَّه له لما جعَل محبّتَه في قلبه. فلمّا أحبّه ألهمه (٤) حبَّه، وآثره به؛ فلمّا أحبّه العبدُ جازاه على تلك المحبّة محبّةً أعظمَ منها. فإنّه مَن تقرّب إليه شبرًا تقرّب إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليه ذراعًا تقرّب إليه باعًا، ومن أتاه مشيًا أتاه هرولةً (٥). وهذا دليل على أنّ محبّة اللَّه لعبده الذي يحبّه فوق محبّة العبد له. فإذا (٦) تعرّض هذا

стр. 615

المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فرّ من محبّه وآثر غيرَه عليه. فإذا عاوده، وأقبل إليه، وتخلّى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبُّه أعظمَ فرح وأكملَه؟ والشاهد أقوى شاهد بهذا والفطرة (١) والعقل، فلو لم يخبِر الصادقُ المصدوقُ بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت الشرعة المنزلة إلى الفطرة المكفلة (٢) إلى العقل الصحيح (٣) المنوّر، فذلك الذي لا غاية (٤) بعده. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. فصل ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذّة التي تحصل له؛ والجزاءُ من جنس العمل. فلمّا تاب إلى اللَّه، ففرح اللَّه بتوبته، أعقبه فرحًا عظيمًا. وههنا دقيقة قلّ من يتفطّن لها إلّا فقيه في هذا الشأن. وهي أنّ كلّ تائب لا بدّ له في أوّل توبته من عَصرة وضَغطة في قلبه، من همّ أو غمّ أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلّا تألّم (٥) بفراق (٦) محبوبه، فينضغط لذلك وينعصر قلبه، ويضيق صدره؛ فأكثرُ الخلق رجعوا من التوبة ونُكِسوا

стр. 616

على رؤوسهم لأجل هذه المحنة (١). والعارف الموفّق يعلم أنّ الفرحة والسرور واللذّة الحاصلة (٢) عقيبَ التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلّما كانت (٣) أقوى وأشدّ كانت الفرحة واللذّة أكمل وأتمّ. ولذلك أسباب عديدة: منها: أنّ هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميّتا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك. وأيضًا: فإنّ الشيطان لصّ الإيمان، واللصّ إنّما يقصد المكان المعمور، وأمّا المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده. فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دلّ على أنّ في قلبه من الخير ما يشتدّ حرص الشيطان على نزعه منه. وأيضًا: فإنّ قوة المعارض والمضاذ تدلّ على قوة معارضه وضدّه (٤)، ومثل هذا إمّا أنّ يكون رأسًا في الخير أو رأسًا في الشرّ. فإنّ النفوس الأبيّة القويّة إن كانت خيّرةً رأستْ في الخير (٥)، وإن كانت شِرِّيرةً رأست في الشرّ. وأيضًا: فإنّ بحسب مدافعته (٦) لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادةَ انشراحه وطمأنينته.

стр. 617

وأيضًا: فإنّه كلّما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه. هذه سنّة اللَّه في الخلق. فانظر إلى الجنّة وعِظَمها، وإلى الموانع والقواطع التي حالت دونها حتّى أوجبَتْ أن ذهب من كلِّ ألف رجلٍ واحدٌ إليها. وانظر إلى محبّة اللَّه، والانقطاع إليه، والإنابة إليه (١)، والتبتّل إليه وحده، والأنس به، واتخاذه وليًّا ووكيلًا وكافيًا وحسيبًا؛ هل يكتسب العبد شيئًا أشرف منه؟ وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتّى قد تعلّق كل قوم بما تعلّقوا (٢) به دونه. والطالبون له منهم الواقف مع عمله (٣)، والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقِه وجمعيّته وحظِّه من ربّه؛ والمطلوبُ منهم وراء ذلك كلّه. والمقصود أنَّ هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجلِّ الأمور وأعظمها نُصِبَتْ عليه المعارضاتُ والمحن، ليتميّز الصادق من الكاذب، وتقع الفتنة، ويحصل الابتلاءُ، ويتميّز من يصلح ممَّن لا يصلح (٤). قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت/ ١ - ٣] وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك/ ٢]. ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلًا أفضَتْ به إلى رياضِ الأُنس وجنَّات الانشراح؛ وإنْ لم يصبر لها انقلب على وجهه. واللَّه الموفّق، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه.

стр. 618

والمقصود أنَّ هذا الفرح من اللَّه بتوبة عبده -مع أنَّه لم يأتِ نظيرُه في غيرها من الطاعات- دليلٌ على عِظَمِ قدرِ التوبة وفضلها عند اللَّه، وأنَّ التعبّد له بها من أشرف التعبّدات. وهذا يدلّ على أنَّ صاحبها يعود أكملَ ممَّا كان قبلها. فهذا بعض ما احتُجَّ به لهذا القول. وأمَّا الطائفة التي قالت: لا يعودُ إلى مثل ما كان، بل لا بدَّ أن ينقص عن حاله (١)، فاحتجّوا بأنّ الجناية تُوجب الوحشةَ وزوالَ المحبّة ونقصَ العبوديّه بلا ريب، فليس العَبد الموفر أوقاتَه على طاعة سيّده كالعبد المفرّط في حقوقه، وهذا ممّا لا يمكن جحده ومكابرته. فإذا تاب إلى ربّه ورجع إليه أثرت توبتُه تركَ مؤاخذته بالذنب والعفوَ عنه، وأمّا مقام القرب والمحبّة، فهيهات أن يعود! قالوا: ولأنّ هذا في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السيرُ إلى اللَّه. فلو كان واقفًا في موضعه لفاته التقدّمُ، فكيف وهو في زمن المعصية (٢) كان سيرُه إلى وراءَ وراءَ؟ فإذا تاب واستقبل سيره، فإنَّه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافةٍ حتّى يصل إلى الموضع الذي تأخّر منه. قالوا: ونحن لا ننكر أنّه قد يأتي بطاعات وأعمال تبلّغه إلى منزلته، وإنّما أنكرنا أن يكون بمجرّد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته (٣). وهذا ممّا لا يكون، فإنّه بالتوبة قد وجّه وجهَه إلى الطريق، فلا يصل إلى

стр. 619

مكانه الذي رجع منه إلّا بسيرٍ مستأنَفٍ يُوصله إليه. ونحن لا ننكر أنّ العبد بعد التوبة يعمل أعمالًا عظيمةً لم يكن ليعملَها قبل الذنب تُوجب له التقدّم. قالوا: وأيضًا فلو رجع إلى حاله التي كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالًا منه، فكيف يكون هذا؟ وأين سيرُ (١) صاحب الطاعة في زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقي رجلان: أحدُهما سَائرٌ نحوَ المشرق، والآخرُ نحوَ المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر، والآخرُ مجدٌ على سيره، فإنّه لا يزال سابقَه ما لم يعرض له فتور أو توانٍ؟ هذا مما لَا يمكن جحده ودفعه. قالوا: وأيضًا فمرضُ القلب بالذنوب على مثال مرضِ الجسم بالأسقام، والتوبة بمنزلة شرب الدواءِ. والمريض إذا شرب الدواءَ وصحّ، فإنه لا تعود (٢) إليه قوّتُه قبل المرض؛ وإن عادت فبعدَ حين. قالوا: وأيضًا فهذا في زمن معالجة التوبة ملبوك (٣) في نفسه، مشغول بمداواتها ومعالجتها؛ وفي زمن الذنب مشغول بشهوتها. والسالم من ذلك مشغول بربّه، قد قرُبَ منه في سيره. فكيف يلحقه هذا؟ فهذا ونحوه مما احتجّت به هذه الطائفة لقولها.

стр. 620

وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيميّة، فسمعتُه يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجزدة. فإمّا سألتُه، وإمّا سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أنّ من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود أكمل مما كان (١)، ومنهم من يعود أنقص (٢) ممّا كان. فإن كان بعد التوبة خيرًا ممّا كان قبل الخطيئة، وأشدّ حذرًا، وأعظم تشميرًا، وأعظم ذلًّا وخشيةً وإنابةً، عاد إلى أرفع ممّا كان. وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور، ولم يعُدْ بعد التوبة إليها، عاد إلى أنقصَ ممّا كان عليه. وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه ﵁ (٣). [مسألة أخرى] قلتُ: وههنا مسألةٌ، هذا الموضعُ أخصُّ المواضعِ ببيانها. وهي أنّ التائب إذا تاب إلى اللَّه توبةً نصوحًا، فهل تمُحى تلك السيئات، ويذهب لا له ولا عليه، أوإذا مُحِيتْ أُثبِت له مكان كلّ سيّئةٍ حسنةٌ؟ (٤) هذا مما اختلف الناس فيه من المفسّرين وغيرهم قديمًا وحديثًا. فقال الزجّاج: "ليس يُجعَل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة" (٥).

стр. 621

قال ابن عطية: "يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة. فيكون ذلك سببًا لرحمة اللَّه إئاهم. قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن" وردّ على من قال: هو في يوم القيامة. قال: "وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذرّ يقتضي أنّ اللَّه سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحّدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري. وهذا تأويل سعيد بن المسيّب في هذه الآية". قال ابن عطية: "وهو معنى كرم العفو" (١). هذا آخر كلامه. قلت: سيأتي إن شاءَ اللَّه ذكرُ الحديث بلفظه، والكلام عليه. قال المهدوي: "وروي معنى هذا القول عن سلمان الفارسي وسعيد ابن جبير وغيرهما". وقال الثعلبي: "قال ابن عبّاس وابن جريج والضحّاك وابن زيد: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان/ ٧٠]: يبدّلهم اللَّه بقبائح (٢) أعمالهم في الشرك محاسنَ الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم (٣) بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتلَ المشركين، وبالزنى عفّةً وإحصانًا. وقال الآخرون (٤): يعني يبذل اللَّه سيّئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسناتٍ يوم القيامة" (٥).

стр. 622

و أصل القولين أنّ هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال إنه في الدنيا قال (١): هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهي حسنات؛ وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجّوا بأنّ السيّئة لا تنقلب حسنةً، بل غايتها أن تُمْحى وتُكَفَّر ويذهب أثرها. فأما أن تنقلب حسنةً فلا، فإنّها لم تكن طاعة، وإنّما كانت بغيضة (٢) مكروهة للربّ، فكيف تنقلب محبوبة له (٣) مرضيّة؟ قالوا: وأيضًا فالذي دلّ عليه القرآن إنّما هو تكفير السيّئات ومغفرة الذنوب، كقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران/ ١٩٣]، وقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى/ ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر/ ٥٣]. والقرآن مملوءٌ من ذلك. وفي الصحيح من حديث قتادة، عن صفوان بن مُحرِز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعتَ رسولَ اللَّه ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعتُه يقول: "يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربّه حتّى يضعَ عليه كنَفَه، فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ (٤) فيقول: ربِّ أعرِفُ (٥). قال: فإنّي قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطَى صحيفةَ حسناتِه. وأمّا الكفّار والمنافقون فيُنادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاءِ الذين كذبوا على اللَّه " (٦). فهذا الحديث المتفَق عليه الذي

стр. 623

يتضمّن (١) العنايةَ بهذا العبد إنّما فيه سترُ ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتُها له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيُتك بكلّ سيّئة منها حسنة؛ فدل على أن غاية السيّئات مغفرتُها وتجاوزُ اللَّه عنها. وقد قال تعالى في حقّ الصادقين: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر/ ٣٥]. فهؤلاءِ خيار الخلق، وقد أخبر (٢) أنّه يكفر عنهم سيئاتِ أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما عملوا (٣)، وأحسن ما عملوا إنّما هو الحسنات لا السيّئات؛ فدلّ على أن الجزاء بالحسنى إنّما يكون على الحسنات وحدها. وأمّا السيّئات فحسبُها أن تلغى (٤) ويبطلَ أثرها. قالوا: وأيضًا فلو انقلبت السيّئات أنفسها حسناتِ في حق التائب لكان أحسن حالًا من الذي لم يرتكب منها شيئًا، وأكثرَ حسناتِ منه، لأنّه إذا (٥) شاركه في حسناته التي فعلها، وامتاز عنه بتلك السيّئات، ثمّ انقلبت له حسناتٍ، ترجَّحَ عليه. وكيف (٦) يكون صاحبُ السيّئات أرجحَ ممّن لا سيّئة له؟ قالوا: وأيضًا فكما أنّ العبد إذا فعل حسناتٍ، ثمّ أتى بما يُحبِطها،

стр. 624

فإنّها لا تنقلب سيّئاتِ يعاقَبُ عليها، بل يبطل أثرُها، ويكون لا له ولا عليه، وتكون عقوبتُه عدمَ ترتُّب ثوابِه عليها؛ فهكذا من فعل سيّئاتٍ ثمّ تاب منها، فإنّها لا تنقلب حسنات. فإن قلتم: وهكذا التائبُ يكون ثوابه عدمَ ترتُّب العقوبة على سيّئاته، لم نُنازِعْكم في هذا. وليس هذا معنى الحسنة، فإنّ الحسنة تقتضي ثوابًا وجوديًّا. واحتجّت الطائفة الأخرى التي قالت: هو تبديل السيّئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيّئة. وهذا إنّما يكون في السيّئة المحقّقة، وهي التي قد فُعِلتْ ووقَعتْ؛ فإذا بُدِّلت حسنةً كان معناه أنّها مُحِيت وأُثبتَ مكانها حسنةٌ. قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان/ ٧٠]، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها، ونكَّر الحسناتِ ولم يُضفها إليهم لأنَّها من غير صنعهم وكسبهم، بل هي مجرَّد فضل اللَّه وكرمه. قالوا: وأيضًا فالتبديل في الآية إنَّما هو فعل اللَّه، لا فعلهم؛ فإنَّه أخبر أنَّه هو يُبدِّل سيّئاتِهم حسناتٍ. ولو كان المراد ما ذكرتم لأضافَ التبديل إليهم، فإنَّهم هم الذين بدَّلوا (١) سيّئاتهم حسنات. والأعمال إنَّما تضاف إلى فاعلها وكاسبها، كما قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة/ ٥٩]. وأمَّا ما كان من غيِر الفاعل فإنَّه يجعله من تبديله هو، كما قال تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ/ ١٦]. فلمَّا أخبر سبحانه أنَّه هو الذي يبدِّل سيئاتهم حسنات، دلَّ على أنَّه شيء فعله

стр. 625

هو سبحانه بسيّئاتهم، لا أنَّهم فعلوه من تلقاءِ أنفسهم، وإن كان سببُه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح. قالوا: ويدلّ عليه ما رواه مسلم في صحيحه (١) من حديث الأعمش، عن المعرور بن سُويد، عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنِّي لأعلم آخرَ أهلِ الجنَّة دخولًا الجنَّة، وآخِرَ أهل النَّارِ خروجًا منها: رجلٌ يُؤتَى به يومَ القيامة فيقال: اعرضُوا عليه صغارَ ذنوبه، وارفعوا عنه كبارَها. فتُعرَضُ عليه صغارُ ذنوبه فيقال: عملتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا، وعملتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم. لا يستطيع أن يُنكر، وهو مشفِق من كبار ذنوبه أن تُعرَضَ عليه. فيقال له: فإنَّ لك مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً. فيقول: ربِّ، قد عملتُ أشياءَ لا أراها ههنا" فلقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ضحِكَ حتَّى بدَتْ نواجذُه. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤتى بالرجل يومَ القيامة، فيقال: اعرِضوا عليه صغارَ ذنوبه. قال: فتُعرَض عليه، ويُخَبَّأ عنه كبارُها. فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ وهو مُقِرٌّ لا ينكر، وهو مشفِق من الكبار. فيقال: أعطُوه مكانَ كلِّ سيئةٍ عمِلَها حسنةً. قال: فيقول: إنَّ لي ذنوبًا ما أراها". فلقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ضحك حتَّى بدت نواجذُه (٢). قالوا: وأيضًا فروى أبو حفص المستملي، عن محمد بن عبد العزيز

стр. 626

ابن أبي رِزْمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعي، عن أبي العنبَس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيَتَمَنَّينَّ أقوامٌ أنَّهم أكثروا من السيّئات". قيل: مَن هم؟ قال: "الذين بدّل اللَّهُ (١) سيّئاتِهم حسناتٍ" (٢). قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنَّهم إنَّما سُمُّوا "أبدالًا" لأنهم بدَّلوا أعمالهم السيّئة بالأعمال الحسنة، فبدَّل اللَّهُ سيّئاتِهم التي عملوها حسناتٍ. قالوا: وأيضًا فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدَّلوا هم أعمالهم السيئة بالحسنة، بدَّلها اللَّهُ من (٣) صُحُفِ الحَفَظة حسناتٍ جزاءً وفاقًا. قالت الطائفة الأولى: كيف يمكنكم الاحتجاجُ بحديث أبي ذرّ على صحّة قولكم، وهو صريح في أنَّ هذا الذي قد بُدِّلت سيّئاته حسنات قد عُذِّبَ عليها في النَّار حتَّى كان آخرَ أهلها خروجًا منها؟ فهذا قد عوقب على سيّئاته، فزال أثرُها بالعقوبة، فبُدِّل مكانَ كلّ سيّئة منها حسنةً. وهذا حكمُ غير (٤) ما نحن فيه، فإنَّ الكلام في التائب من السيّئات، لا فيمن مات مصرًّا عليها غيرَ تائب منها (٥)، فأين أحدهما من الآخر؟

стр. 627

وأمَّا (١) حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادًا ومتنًا، إلا أنَّه مختصر. وأمَّا حديث أبي هريرة فلا يثبت مثلُه. ومن أبو العنبس ومن أبوه حتّى يُقبَل منهما تفرّدُهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصحّ مثل هذا الحديث عن رسول اللَّه ﷺ مع شدَّة حرصه على التنفير من السيّئات، وتقبيح أهلها، وذفهم وعيبهم، والإخبار بأنَّها تنقص الحسنات وتضادّها؟ فكيف يصحّ عنه (٢) ﷺ أنَّه يقول: "ليتمنينَّ أقوام أنَّهم أكثروا منها"؟ ثمَّ كيف يتمنَّى المرءُ إكثاره منها، مع سوء عاقبتها، وسوءِ مغبّتها؟ وإنَّما يُتمنَّى الإكثارُ من الطاعات. وفي الترمذيّ مرفوعًا: "لَيتمنينَّ أقوامٌ يومَ القيامة أنَّ جلودَهم كانت تُقرَض بالمقاريض، لِما يَرون من ثواب أهل البلاءِ" (٣). فهذا فيه تمنّي البلاءِ يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله (٤). وأمَّا تمنِّي الحسناتِ، فهذا لا ريب فيه؛ وأمَّا تمنِّي السيئات، فكيف يتمنَّى العبدُ أنَّه كان (٥) أكثرَ من السيّئات؟ هذا ما لا يكون أبدًا. وإنَّما يتمنَّى المسيء أن لو لم يكن أساءَ، وأمَّا تمنّيه أنَّه

стр. 628

ازداد من إساءته، فكلَّا! قالوا: وأمَّا ما ذكرتم من أنَّ التبديل هو إثبات الحسنة مكان السيّئه، فحقٌّ، وكذلك نقول إنَّ الحسنة المفعولة صارت في مكان السيّئة التي لولا الحسنة لحلَّت محلّها. قالوا: وأمَّا احتجاجكم بإضافةِ السيّئاتِ إليهم، وذلك يقتضي أن تكون هي السيّئات الواقعة؛ وتنكير الحسنات، وهو يقتضي أن تكون حسناتٍ من فضل اللَّه = فهو حقٌّ بلا ريب، ولكن من أين يُنفَى (١) أن يكون فضلُ اللَّه بها مقارنًا لكسبهم إيَّاها بفضله؟ قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ التبديل مضاف إلى اللَّه لا إليهم، وذلك يقتضي أنَّه هو الذي بدَّلها سبحانه من الصحف، لا أنَّهم هم الذين بدَّلوا الأعمال بأضدادها؛ فهذا (٢) لا دليلَ لكم فيه (٣)، فإنَّ اللَّه تعالى خالق أفعال العباد، فهو المبدّل للسيّئات حسناتٍ خلقًا وتكوينًا، وهم المبدّلون لها فعلًا وكسبًا. قالوا: وأمَّا احتجاجكم بأنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فكما بدّلوا سيّئات أعمالهم بمحاسنهم (٤)، بدَّلها اللَّهُ كذلك في صحف الأعمال؛ فهذا حقّ، وبه نقول، وأنَّه بُدِّلت السيّئات التي كانت مهيّأة معدَّة (٥) أن تحلّ في الصحف بحسناتٍ حلَّت موضعها.

стр. 629

فهذا منتهى إقدام الطائفتين، ومحطّ نظر الفريقين. وإليك أيّها المنصف الحكمَ بينهما، فقد أدلى كلّ منهما بحجّته، وقام ببيّنته (١)، والحقُ لا يعدوهما ولا يتجاوزهما (٢). فأرشدَ اللَّهُ من أعانَ (٣) على هدًى، فنال به درجةَ الدَّاعين إلى اللَّه القائمين ببيان حججه ودينه؛ أو عذَرَ طالبًا منفردًا في طريق مطلبه، قد انقطع رجاؤه من رفيق في الطريق، فغايةُ أمنيّته أن يُخلَّى بينه وبين سيره، وأن لا يُقطع عليه طريقُه. فمن رُفع له مثل هذا العَلَم، ولم يشمّر إليه، فقد رضي بالدون، وحصل على صفقة المغبون. ومن شمَّر إليه، ورامَ أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدّى له ممانع، فقد منَّى نفسه المحال! وإن صبر على لأوائها وشدّتها، فهو -واللَّه- الفوز المبين والحظّ الجزيل. وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب. فالصواب (٤) -إن شاء اللَّه- في هذه المسألة أن يقال: لا ريب أنَّ الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنَّما هي أمرٌ وجوديّ يقتضي ثوابًا، ولهذا كان تارك المنهيّات إنَّما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهي، وذلك الكفّ والحبس أمرٌ وجوديّ هو (٥) متعلَّق الثواب. وأمَّا من لم يخطر بباله الذنبُ أصلًا، ولم يحدّث به نفسَه، فهذا كيف يثاب على تركه؟ ولو أثيب مثلُ هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابًا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما

стр. 630

لا يحصى، فإنَّ الترك مستصحَب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كلّه؟ هذا ممَّا لا يُتوهَّم. وإذا كانت الحسنة لا بدّ أن تكون أمرًا وجوديًّا، فالتائب من الذنوب التي قد عملها (١) قد قارن كلَّ ذنب منها ندمًا عليه، وكفَّ نفسِه عنه، وعزمَه (٢) على تركِ معاودته، وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثرَ الذنب، وخلَفَه هذا الندم والعزمُ، وهو حسنة، فقد بُدِّلت (٣) تلك السيّئةُ حسنةً. وهذا معنى قول بعض المفسِّرين: "يجعل مكان السيّئة التوبة، والحسنة مع التوبة" (٤). فإذا كانت كلُّ سيّئةٍ من سيّئاته قد تاب منها، فتوبته منها حسنة حلَّت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أنَّ السيّئة نفسها تنقلب حسنة. ولهذا (٥) قال بعض المفسّرين في هذه الآية: "يعطيهم بالندم على كلّ سيّئة أساؤوها حسنة". وعلى هذا فقد زالَ بحمد اللَّه الإشكالُ، واتَّضح الصوابُ، وظهر أنَّ كلَّ واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجَب العلم والحجّة. وأمَّا حديث أبي ذرّ -وإن كان التبديل فيه في حقّ المصرّ الذي عُذِّب على سيئاته- فهو يدلّ بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيّئاته. فإنَّ الذنوب التي عُذِّب عليها المصرُّ لمَّا زال أثرُها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، فأعطاه اللَّه مكان كلّ سيئة منها حسنةً، لأنَّ

стр. 631

ما حصلَ له يوم القيامة من الندم المفرِط عليها مع العقوبة اقتضى (١) زوال أثرها وتبديلها حسناتٍ، فإنَّ النَّدم لم يكن في وقت ينفعه، فلمَّا عوقب عليها وزال أثرُها بدَّلها اللَّه له حسناتٍ، فزوالُ أثرها بالتوبة النصوح أعظمُ من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زواله بالعقوبة حسناتٍ، فلأن تُبَدَّل بعد زوالها بالتوبة حسناتٍ أولى وأحرى. وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة، لأنَّ التوبة فعل اختياري أتى به العبدُ طوعًا ومحبَّة للَّه وفرَقًا منه. وأمَّا العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره (٢)، بل بفعل اللَّه، ولا ريب أن تأثيرَ الأفعال الاختيارية التي يحبها اللَّه ويرضاها في محو أثر الذنوب (٣) أعظمُ من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره. ولنرجع الآن إلى المقصود، وهو الكلام على (٤) ما ذكره أبو العبّاس ابن العريف في علل المقامات. فقد ذكرنا كلامَه في علَّة مقام الإرادة والكلامَ عليه، وذكرنا كلامه في مقام الزهد وقوله إنَّه من مقامات العامَّة (٥)، وذكرنا أنَّ الكلامَ على ذلك من وجوه، هذا آخرُ الوجه الثاني منها (٦). الوجه الثالث أن يقال: قوله: "الزهد تعظيم للدنيا، واحتباس عن

стр. 632

انتقادها (١) " إلى آخر الفصل، إن أراد به أنَّ زهده دليلٌ على (٢) تعظيمه للدنيا (٣) وأنَّ لها في قلبه من القدرِ والمنزلة ما يُكرِه لأجله نفسَه على تركها، أو مستلزم (٤) لذلك؛ فالزهدُ (٥) لا يدلُّ على هذا التعظيم، ولا يستلزمه، وإن كان من عوارض غلبات الطباع (٦) التي تُذَمّ مساكنتُها وانحجابُ القلب بها. بل زهده فيها دليلٌ على خروج عظمتها (٧) من قلبه، وقلَّة (٨) مبالاته بها، وترك الاهتبال بشأنها؛ فكيفَ يكون هذا نقصًا بوجه؟ بلى (٩)، النقص في الزهد يكون من أحد وجوه ثلاثة (١٠): إمَّا (١١) أن يزهد فيما ينفعه منها، ويكون قوَّةً له على سيره، ومعونةً له على سفره، فهذا نقص. فإن حقيقة الزهد هي أن تزهد فيما لا ينفعك. والورع أن تتجنَّب (١٢) ما قد يضرّك. فهذا الفرق بين الأمرين. الثاني: أن يكون زهده مشوبًا إمَّا بنوع عجز أو ملالة وسآمة

стр. 633

وتأذّيه بها وباهلها، وتعَبِ قلبِه بشغله بها، ونحو هذا من المزهّدات فيها. كما قيل لبعضهم: ما الذي أوجبَ زهدَك في الدنيا؟ قال: قلَّةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخِسَّةُ شركائها (١). فهذا زهد ناقص، فلو صفَتْ للزاهد من تلك العوارض لم يزهد فيها؛ بخلاف من كان زهده فيها لامتلاءِ قلبه من الآخرة، ورغبته في اللَّه وقربه؛ فهذا لا نقص في زهده، ولا علَّة من جهة كونه زهدًا. الثالث: أن يشهد زهدَه ويلحظه، ولا يفنى عنه بما زهِد لأجله؟ فهذا نقص أيضًا. فالزهدُ كلّه أن تزهد في رؤية زهدك، وتغيب (٢) برؤية الفضل ومطالعة المنَّة، وأن لا تقف عنده فتنقطع (٣). بل أعرِضْ عنه جادًّا في سيرك، غيرَ ملتفتٍ إليه، مستصغرًا لحاله بالنسبة إلى مطلوبك (٤). مع أنَّ هذه العلَّة مطردة في جميع المقامات على ما فيها، كما سيُنبّه (٥) عليه إن شاء اللَّه. فإنَّ ربطَ هذا الشأن بالنصوص النبويّة والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهمِّ الأمور، فلا يحسن بالنَّاصح لنفسه أن يقنع فيه بمجرّد تقليد أهله، فما أكثرَ غلطهم فيه، وتحكيمَهم فيه (٦) مجرَّدَ الذوق، وجَعْلَ حكمَ ذلك الذوقِ كلّيًّا عامًّا!

стр. 634

فهذه ونحوها (١) من مثارات الغلط. الوجه الرَّابع: أنَّ الزهد على أربعة أقسام: أحدها: فرض على كل مسلم، وهو الزهد في الحرام. وهذا متى أخلَّ به انعقد سبب العقاب، فلا بدَّ من وجود مسبَّبه، ما لم ينعقد سبب آخر يضادّه. الثاني: زهد مستحبّ، وهو على درجات في الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات والتفنّن (٢) في الشهوات المباحة. الثالث: زهد الدَّاخلين في هذا الشأن، وهم المشمّرون في السير إلى اللَّه. وهو نوعان: أحدهما: الزهد في الدنيا جملةً، وليس المراد تخليتها (٣) من اليد ولا إخراجها وقعوده صِفْرًا منها، وإنَّما المراد إخراجها من قلبه بالكلّية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تُساكِن قلبَه وإن كانت في يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك، وهي في قلبك؛ وإنَّما الزهد أن تتركها من قلبك، وهي في يدك. وهذا كحال الخلفاء الرَّاشدين، وعمر بن العزيز الذي يضرب بزهده المثل، مع أنَّ خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيّد ولد آدم ﷺ حين فُتِحَ عليه (٤) من الدنيا ما فُتِحَ، ولا يزيده ذلك إلا

стр. 635

زهدًا فيها. ومن هذا الأثر المشهور، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا: "ليس الزهدُ في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، ولكنّ الزهدَ في الدنيا أن تكون بما في يد اللَّه أوثقَ منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصِبْتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنَّها بقيتْ لك" (١). والذي يصحّح هذا الزهد ثلاثةُ أشياء: أحدها: علم العبد أَّنها ظلٌّ زائل، وخيالٌ زائر، وأنَّها كما قال تعالى فيها: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد/ ٢٠] (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس/ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ
следующие страницы →