← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ما حصلَ له يوم القيامة من الندم المفرِط عليها مع العقوبة اقتضى (١) زوال أثرها وتبديلها حسناتٍ، فإنَّ النَّدم لم يكن في وقت ينفعه، فلمَّا عوقب عليها وزال أثرُها بدَّلها اللَّه له حسناتٍ، فزوالُ أثرها بالتوبة النصوح أعظمُ من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زواله بالعقوبة حسناتٍ، فلأن تُبَدَّل بعد زوالها بالتوبة حسناتٍ أولى وأحرى. وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة، لأنَّ التوبة فعل اختياري أتى به العبدُ طوعًا ومحبَّة للَّه وفرَقًا منه. وأمَّا العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره (٢)، بل بفعل اللَّه، ولا ريب أن تأثيرَ الأفعال الاختيارية التي يحبها اللَّه ويرضاها في محو أثر الذنوب (٣) أعظمُ من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره. ولنرجع الآن إلى المقصود، وهو الكلام على (٤) ما ذكره أبو العبّاس ابن العريف في علل المقامات. فقد ذكرنا كلامَه في علَّة مقام الإرادة والكلامَ عليه، وذكرنا كلامه في مقام الزهد وقوله إنَّه من مقامات العامَّة (٥)، وذكرنا أنَّ الكلامَ على ذلك من وجوه، هذا آخرُ الوجه الثاني منها (٦). الوجه الثالث أن يقال: قوله: "الزهد تعظيم للدنيا، واحتباس عن

стр. 632

انتقادها (١) " إلى آخر الفصل، إن أراد به أنَّ زهده دليلٌ على (٢) تعظيمه للدنيا (٣) وأنَّ لها في قلبه من القدرِ والمنزلة ما يُكرِه لأجله نفسَه على تركها، أو مستلزم (٤) لذلك؛ فالزهدُ (٥) لا يدلُّ على هذا التعظيم، ولا يستلزمه، وإن كان من عوارض غلبات الطباع (٦) التي تُذَمّ مساكنتُها وانحجابُ القلب بها. بل زهده فيها دليلٌ على خروج عظمتها (٧) من قلبه، وقلَّة (٨) مبالاته بها، وترك الاهتبال بشأنها؛ فكيفَ يكون هذا نقصًا بوجه؟ بلى (٩)، النقص في الزهد يكون من أحد وجوه ثلاثة (١٠): إمَّا (١١) أن يزهد فيما ينفعه منها، ويكون قوَّةً له على سيره، ومعونةً له على سفره، فهذا نقص. فإن حقيقة الزهد هي أن تزهد فيما لا ينفعك. والورع أن تتجنَّب (١٢) ما قد يضرّك. فهذا الفرق بين الأمرين. الثاني: أن يكون زهده مشوبًا إمَّا بنوع عجز أو ملالة وسآمة

стр. 633

وتأذّيه بها وباهلها، وتعَبِ قلبِه بشغله بها، ونحو هذا من المزهّدات فيها. كما قيل لبعضهم: ما الذي أوجبَ زهدَك في الدنيا؟ قال: قلَّةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخِسَّةُ شركائها (١). فهذا زهد ناقص، فلو صفَتْ للزاهد من تلك العوارض لم يزهد فيها؛ بخلاف من كان زهده فيها لامتلاءِ قلبه من الآخرة، ورغبته في اللَّه وقربه؛ فهذا لا نقص في زهده، ولا علَّة من جهة كونه زهدًا. الثالث: أن يشهد زهدَه ويلحظه، ولا يفنى عنه بما زهِد لأجله؟ فهذا نقص أيضًا. فالزهدُ كلّه أن تزهد في رؤية زهدك، وتغيب (٢) برؤية الفضل ومطالعة المنَّة، وأن لا تقف عنده فتنقطع (٣). بل أعرِضْ عنه جادًّا في سيرك، غيرَ ملتفتٍ إليه، مستصغرًا لحاله بالنسبة إلى مطلوبك (٤). مع أنَّ هذه العلَّة مطردة في جميع المقامات على ما فيها، كما سيُنبّه (٥) عليه إن شاء اللَّه. فإنَّ ربطَ هذا الشأن بالنصوص النبويّة والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهمِّ الأمور، فلا يحسن بالنَّاصح لنفسه أن يقنع فيه بمجرّد تقليد أهله، فما أكثرَ غلطهم فيه، وتحكيمَهم فيه (٦) مجرَّدَ الذوق، وجَعْلَ حكمَ ذلك الذوقِ كلّيًّا عامًّا!

стр. 634

فهذه ونحوها (١) من مثارات الغلط. الوجه الرَّابع: أنَّ الزهد على أربعة أقسام: أحدها: فرض على كل مسلم، وهو الزهد في الحرام. وهذا متى أخلَّ به انعقد سبب العقاب، فلا بدَّ من وجود مسبَّبه، ما لم ينعقد سبب آخر يضادّه. الثاني: زهد مستحبّ، وهو على درجات في الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات والتفنّن (٢) في الشهوات المباحة. الثالث: زهد الدَّاخلين في هذا الشأن، وهم المشمّرون في السير إلى اللَّه. وهو نوعان: أحدهما: الزهد في الدنيا جملةً، وليس المراد تخليتها (٣) من اليد ولا إخراجها وقعوده صِفْرًا منها، وإنَّما المراد إخراجها من قلبه بالكلّية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تُساكِن قلبَه وإن كانت في يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك، وهي في قلبك؛ وإنَّما الزهد أن تتركها من قلبك، وهي في يدك. وهذا كحال الخلفاء الرَّاشدين، وعمر بن العزيز الذي يضرب بزهده المثل، مع أنَّ خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيّد ولد آدم ﷺ حين فُتِحَ عليه (٤) من الدنيا ما فُتِحَ، ولا يزيده ذلك إلا

стр. 635

زهدًا فيها. ومن هذا الأثر المشهور، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا: "ليس الزهدُ في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، ولكنّ الزهدَ في الدنيا أن تكون بما في يد اللَّه أوثقَ منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصِبْتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنَّها بقيتْ لك" (١). والذي يصحّح هذا الزهد ثلاثةُ أشياء: أحدها: علم العبد أَّنها ظلٌّ زائل، وخيالٌ زائر، وأنَّها كما قال تعالى فيها: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد/ ٢٠] (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس/ ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ

стр. 636

بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف/ ٤٥]. وسمَّاها سبحانه "متاع الغرور" (١)، ونهى عن الاغترار بها، وأخبرنا عن سوءِ عاقبة المغترّين بها (٢)، وحذَّرنا مثل مصارعهم، وذمّ من رضي بها واطمأنَّ إليها. وقال النبيّ ﷺ : "ما لي وللدنيا! إنَّما أنا كراكبٍ قال في ظلّ شجرةٍ ثمَّ راحَ وتَرَكَها" (٣). وفي المسند عنه ﷺ حديث معناه: أنَّ اللَّه جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلًا للدنيا، فإنَّه وإن قزَحه (٤) وملَحه فلينظر إلى ماذا يصير! (٥) فما اغترَّ بها ولا سكن إليها إلا ذو همَّة دنيّة، وعقل حقير، وقدر خسيس!

стр. 637

الثاني: علمُه أنَّ وراءها دارًا أعظمَ منها قدرًا وأجلّ خطرًا، وهي دار البقاء؛ وأنَّ نسبتها إليها كما قال النبى ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُدخِل (١) أحدُكم إصبعَه في اليمّ، فلينظر بمَ ترجع؟ " (٢). فالزاهد فيها بمنزلة رجل في يده درهم زغَل قيل له: اطرحه ولك (٣) عوضه مائة ألف دينار مثلًا، فألقاه من يده رجاءَ ذلك العوض، فالزاهد فيها لكمال رغبته فيما هو أعظم منها زَهِد فيها (٤). الثالث: معرفته أنَّ زهدَه فيها لا يمنعه شيئًا كُتِبَ له منها، وأنَّ حرصه عليها لا يجلُب له ما لم يُقضَ له منها. فمتى تيقّن ذلك، وصار له (٥) علم اليقين، هان عليه الزهد فيها. فإنّه متى تيقَّن ذلك، وثلَج له صدرُه، وعلم أنَّ مضمونه منها (٦) سيأتيه، بقي حرصه وتعبه وكدّه ضائعًا؛ والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك. فهذه الأمور الثلاثة تُسهّل على العبد الزهدَ فيها، وتُثبّت قدمَه في مقامه. واللَّه الموفّق لمن يشاء. النوع الثاني (٧): الزهد في نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشقّها،

стр. 638

وأكثر الزاهدين إنَّما وصلوا إليه ولم يلِجوه (١)، فإنَّ الزاهد يسهِّل عليه الزهدَ في الحرام سوءُ (٢) مغبّته وقبحُ ثمرته، وحمايةً لدينه، وصيانةً لإيمانه، وإيثارًا للّذة والنعيم على العذاب، وأنفةً من مشاركة الفساق والفجرة، وحميّةٌ من أن يستأسرَ (٣) لعدوّه. ويسهِّل عليه الزهدَ في المكروهاتِ وفضولِ المباحات علمُه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم. ويسهّل عليه زهدَه في الدنيا معرفتُه بما وراءها وما يطلبه من العوض التامّ والمطلب الأعلى. وأمَّا الزهد في النفس فهو ذبحها بغير سكَين، وهو نوعان: أحدهما وسيلة وبداية. وهو أن تميتَها، فلا تُبقيَ لها عندك من القدر شيئًا (٤)، فلا تغضب لها، ولا ترضى لها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها. قد سبَّلتَ (٥) عِرضَها ليوم فقرها وفاقتها، فهي أهوَنُ عليك من أن تنتصر لها، أو تنتقم لها، أو تجيبَها إذا دعتك، أو تكرمَها إذا عصتك، أو تغضبَ لها إذا ذُمَّتْ، بل هي عندك أنجسُ (٦) ممَّا قيلَ فيها، أو ترفّهها

стр. 639

عمَّا فيه حظّك وفلاحك وإن كان صعبًا عليها. وهذا وإن كان ذبحًا لها وإماتةً عن طباعها وأخلاقها، فهو عينُ حياتها وصحّتها، ولا حياة لها بدون هذا البتّة. وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرِف منها على منازل المقرّبين، وينحدر منها إلى وادي البقاء، ويشرب من عين الحياة، وتخلص (١) روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات، وتتعلَّق بربِّها ومعبودها ومولاها الحق. فيا قرَّةَ عينها به! ويا نعيمها وسرورها بقربه! ويا بهجتها بالخلاص من عدوّها، ومصيرها إلى وليّها ومولاها (٢) ومالك أمرها ومتولِّي مصالحها! وهذا الزهد هو أوَّل نَقْدةٍ من مَهر الحبّ، فيا مفلسُ تأَخَّرْ! والنوع الثاني: غاية وكمال. وهو أن تبذلها (٣) للمحبوب جملةً بحيث لا تستبقي منها شيئًا، بل تزهد فيها زهدَ المحبّ في قدر خسيس من ماله، قد تعلَّقت رغبةُ محبوبه به، فهل يجد (٤) من قلبه رغبةً في إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه؟ فهكذا زهد المحبّ الصادق في نفسه، قد خرج عنها، وسلَّمها لربّه، فهو يبذلها له دائمًا يتعرّض (٥) منه لقبولها.

стр. 640

وجميع مراتب الزهد المتقدّمة مبادٍ (١) ووسائل لهذه المرتبة، ولكن لا يصحّ إلا بتلك المراتب. فمن رامَ الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها فمتعنٍّ (٢) متمنٍّ، كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلَّم، كما (٣) قال بعض السلف: "إنَّما حُرموا الوصول بتضييع الأصول" (٤)، فمَن ضيَّع الأصولَ مُنِعَ (٥) الوصول. وإذا عُرِفَ هذا فكيف يُدَّعى أنَّ الزهد من منازل العوامّ وأنَّه نقص في طريق الخاصَّة؟ وهل الكمال إلا في الزهد، وما النقص إلا في نقصانه؟ واللَّه الموفق للصواب.

стр. 641

فصل المثال الثالث (١): التوكّل . قال أبو العبّاس: "هو للعوامّ أيضًا؛ لأنَّه كِلتُكَ أمرَك (٢) إلى مولاك، والتجاؤكَ إلى علمه ومعرفته (٣) لتدبير أمرك وكفاية همّك. وهذا في طريق الخواصّ عمًى عن الكفاية (٤)، ورجوعٌ إلى الأسباب؛ لأنَّك رفضتَ الأسبابَ، ووقفتَ مع التوكّل، فصارَ بدلًا عن تلك الأسباب؛ فكأنَّك (٥) معلَّق بما رفضتَه من حيث معتقدك الانفصال. وحقيقة التوكّل عند القوم: التوكّلُ في تخليص القلب من علّة التوكّل، وهو أن يعلم أنَّ اللَّه تعالى لم يترك أمرًا مهملًا، بل فرغ من الأشياء وقدرها. وإن اختلف

стр. 642

منها شيء في المعقول (١)، أو تشوّش في المحسوس، أو اضطرب في المعهود، فهو المدبّر له، وشأنه سَوقُ المقادير إلى المواقيت. والمتوكّل من أراح نفسه من كدِّ (٢) النظر في مطالعة السبب، سكونًا إلى ما سبق من القسمة، مع استواء الحالين عنده، وهو أن يعلم أنَّ الطلبَ لا يجمع، والتوكّل لا يمنع. ومتى طالع بتوكّله عرَضًا (٣) كان توكّلُه مدخولًا، وقصدُه معلولًا. فإذا خلص من رقّ هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكّله سوى خالص حقِّ اللَّه، كفاه اللَّه تعالى كلَّ مهمٍّ". ثمَّ ذكر حكايةَ عن موسى ﷺ أنَّه في رعايته نام عن غنمه، فاستيقظ، فوجد الذئب واضعًا عصاه على عاتقه يرعاها، فعجب من ذلك، فأوحى اللَّه إليه: "يا موسى، كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد" (٤). فيقال: الكلام على هذا من وجوه: أحدها: أنَّ جعلَه التوكّلَ من منازل العوامّ باطلٌ كما تقدّم، بل الخاصّة أحوَج إليه من العامَّة، وتوكّل الخواصّ أعظم من توكّل العوامّ.

стр. 643

والتوكّلُ مصاحبٌ للصادق من أوّل قدم يضعه في الطريق إلى نهايته، وكلَّما ازداد قربُه وقوِي سيرُه ازداد توكّله. فالتوكّل مَركَبُ السائر الذي لا يتأتّى له السيرُ إلا به، ومتى نزل عنه انقطع لوقته. وهو من لوازم الايمان ومقتضياته. قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة/ ١٢٣]. فجعل التوكّل شرطًا في الإيمان، فدلَّ على انتفاءِ الإيمان عند انتفاء التوكّل. وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس/ ٨٤] فجعل دليل صحّة الإسلام التوكّل. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران/ ١٢٢] فذكرُ اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليلٌ على استدعاءِ الإيمان للتوكّل، وأنَّ قوَّة التوكّل وضعفه بحسب قوَّة الإيمان وضعفه. فكلَّما (١) قوي إيمان العبد كان توكّله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكّل، وإذا كان التوكّل ضعيفًا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بدّ. واللَّه تعالى يجمع بين التوكّل والعبادة، وبين التوكّل والإيمان، وبين التوكّل والتقوى (٢)، وبين التوكّل والإسلام، وبين التوكّل والهداية. فأمَّا التوكّل والعبادة، فقد جمع سبحانه بينهما في سبعة مواضع من كتابه:

стр. 644

أحدها: في سورة أمّ القرآن فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥]. الثاني: قوله حكايةً عن نبيّه (١) شعيب أنَّه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود/ ٨٨]. الثالث: قوله حكاية عن أوليائه وعباده المؤمنين أنَّهم قالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة/ ٤]. الرابع: قوله تعالى لنبيّه محمّد ﷺ : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل/ ٨ - ٩]. الخامس: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ (٢) [هود/ ١٢٣]. السادس: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج/ ٧٨]. السابع: قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ [الرعد/ ٣٠]. فهذه السبعُ مواضع (٣) جمعت الأصلين: التوكّل وهو الوسيلة،

стр. 645

والإنابة وهي الغاية، فإنَّ العبد لا بدَّ له من غايةِ مطلوبة، ووسيلةٍ (١) مُوصِلة إلى تلك الغاية. فأشرفُ غاياته التي لا غاية له أجلّ منها عبادةُ ربِّه والإنابة إليه، وأعظمُ وسائله التي لا وسيلة له غيرها البتّة التوكّلُ على اللَّه والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة. فهذه أشرف الغايات، وتلك أشرف الوسائل. وأمَّا الجمع بين الإيمان والتوكّل، ففي مثل قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك/ ٢٩]. ونظيره قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة/ ٢٣] وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران/ ١٢٢]. وأمَّا الجمع بين التوكّل والإسلام، ففي قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس/ ٨٤]. وأمَّا الجمعُ بين التقوى والتوكّل، ففي مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ [الأحزاب/ ١ - ٣]، وقوله تعالىِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق/ ٢ - ٣]. وأمَّا الجمع بين التوكّل والهداية، ففي قول (٢) الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا

стр. 646

سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم/ ١٢]. وقال لنبيّه ﷺ : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ [النمل/ ٧٩]، فأمر سبحانه رسولَه (١) بالتوكّل عليه، وعقَّب هذا الأمر بما هو موجبٌ للتوكّل، مصحّحٌ له، مستدعٍ لثبوته وتحقّقه، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾. فإنّ كون العبد على الحقِّ يقتضي تحقيق مقام التوكّل على اللَّه، والاكتفاء به، والإيواء (٢) إلى ركنه الشديد. فإنَّ اللَّه هو الحقّ، وهو وليّ الحق وناصره ومؤيّده، وكافي من قام به؛ فما لصاحب الحقّ أن لا يتوكّل عليه؟ وكيف (٣) يخاف وهو على الحقّ؛ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم/ ١٢]، فعجبوا من تركهم التوكّلَ على اللَّه وقد هداهم، وأخبروا أنَّ ذلك لا يكون أبدًا. وهذا دليل على أنَّ الهداية والتوكّل متلازمان. فصاحبُ الحقِّ -لعلمه بالحقّ ولِثِقته بأنَّ اللَّه وليّ الحق وناصرُه- مضطرٌّ إلى توكله على اللَّه، لا يجد بدّا من توكله. فإنَّ التوكّل يجمع أصلين: علم القلب وعمله. أمَّا علمه، فيقينه بكفايةِ وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأنَّ غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأمَّا عمله، فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بتصرّفه له فوق رضاه بتصرّفه هو لنفسه. فبهذين الأصلين يتحقّق التوكّل، وهما جِماعه، وإن كان التوكّل أدخلَ (٤) في عمل القلب من

стр. 647

علمه، كما قال الإمام أحمد: "التوكّل عمل القلب" (١)؛ ولكن لا بدَّ ف يه من العلم، وهو إمَّا شرط فيه، وإمَّا جزءٌ من ماهيّته. والمقصود أنَّ القلب متى كان على الحقِّ كان أعظمَ لطمأنينته، ووثوقه بأنَّ اللَّه وليّه وناصره، وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكّل على ربِّه؟ وإذا كان على الباطل علمًا وعملًا أو أحدهما لم يكن مطمئنًّا واثقًا بربِّه، فإنَّه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده؛ فإنَّ اللَّه سبحانه لا يتولّى الباطل ولا ينصره، ولا يُنسب إليه بوجه، فهو منقطع النسبة (٢) إليه بالكليّة. فإنَّه سبحانه هو الحق (٣)، وقوله الحقّ، ودينه الحقّ، ووعده حقّ، ولقاؤه حقّ، وفعله كلّه حقّ. ليس في أفعاله شيء باطل، بل أفعاله بريئة من الباطل، كما أقواله سبحانه كذلك (٤). فلمَّا كان الباطل لا يتعلّق به سبحانه، بل هو مقطوع عنه (٥) البتّة، كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلّق باللَّه (٦)، وكان منقطعًا عن ربّه، لم يكن اللَّه وليّه ولا ناصره ولا وكيله. فتدبّر هذا السرّ العظيم في اقتران التوكّل والكفاية بالحقّ والهدى،

стр. 648

وارتباط أحدهما بالآخر، ولو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السَّرِيّة (١) لكانت حقيقةً أن تودَع في خزانة القلب؛ لشدَّة الحاجة إليها. واللَّه المستعان وعليه التكلان. فظهر أنَّ التوكّل أصلٌ لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأنَّ منزلته منها منزلة الجسد من الرأس. فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكّل. واللَّه أعلم. الوجه الثاني: أنَّ قوله في التوكّل: "إنَّه في طريق الخواص عمًى عن الكفاية، ورجوع إلى الأسباب. . " إلى آخر كلامه، مضمونه أنَّ التوكّل لا يتمّ إلا برفض الأسباب، والإعراض عنها جملةً؛ والتوكّل من أقوى الأسباب وأعظمها في حصول المطلوب، فكأنَّه قد رفض سببًا، وتعلق بسبب، وقد ناقض في أمره. ولهذا قال: "فصار بدلًا عن تلك الأسباب، فكأنَّك (٢) تعلَّقت بما رفضتَه". فهذه هي النكتة التي لأجلها صار التوكّل عنده من منازل العوامّ. وهذه هي عين (٣) مسألة الجمع بين التوكّل والسبب، بل هذه مسألة تعليل نفس التوكّل. فيقال: قولك: "إنَّه عمًى عن الكفاية" ليس كذلك، بل هو نظرٌ إلى نفس الكفاية وملاحظةٌ لها. ولا ريب أنَّ الكفاية من اللَّه لا تُنال إلا بأسبابها من عبوديّته، وسببُها المقتضي لها هو التوكّل، كما قال اللَّه

стр. 649

تعالي: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق/ ٣]. أي: كافيه. فجعل التوكّل سببًا للكفاية، فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر الأسباب بمسبباتها، فكيف يقال: "إنَّ التوكّل عمًى عن الكفاية"؟ وهل التوكّل إلا محض العبودية التي جزاؤها الكفاية، وهي لا تحصل بدونه؟ بلى (١)، العلَّة هاهنا شهود حصولها بفعلك وتوكّلك، غيرَ ناظر إلى مسبِّب الأسباب الذي أجرى عليك هذا السببَ ليوصلك به إلى الكفاية. فأولُ الأمر وآخرُه منه، فهو المنعم بالسبب والمسبَّب جميعًا؛ ولكن لا يُوجب نظرُ العبد إلى المسبِّب المنعِم بالسبب (٢) قطعَ نظره عن السبب والقَيامِ به، بل الواجبُ القيامُ بالأمرين معًا. الوجه الثالث: أنَّ قوله: "إنَّه رجوع إلى الأسباب" إن أراد به (٣) أنَّه رجوع إلى سبب ينقص العبودية ويُضعِف التوكّل، فليس كذلك؛ وظاهر أنَّ الأمر ليس كذلك. وإن أراد به أنَّه رجوع إلى سبب نصبَه اللَّه مقتضيًا للكفاية منه، ورتَّب عليه جزاءً لا يحصل بدونه، فهذا حقّ؛ ولكنَّ القيام بهذا السبب محض الكمال، ونفس العبودية. وهو كجعل الإسلام والإيمان والإحسان أسبابًا مقتضيةً للفلاح والسعادة، بل كجعل سائر أعمال القلوب والجوارح أسبابًا مقتضيةً لما رُتِّب عليها من الجزاءِ، وهل الكمال إلا القيام بهذه الأسباب؟ فالأسباب التي تكون مباشرتُها نقصًا هي الأسباب التي تُضعِف التوكّل، وأمَّا أن يكون التوكّل نفسُه ناقصًا لكون التحقّق به تحقّقًا بالسبب، فقلبٌ للحقائق!

стр. 650

الوجه الرَّابع: أنَّ قوله: "لأنَّك رفضتَ الأسباب ووقفتَ مع التوكّل" إن أراد به رفض الأسباب جملةً، فهذا كما أنَّه ممتنع عقلًا وحسًّا، فهو محرَّم شرعًا ودينًا، فإنَّ رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين. وإن أراد به. رفضَ الوقوف معها والوثوقِ بها، وأنَّه يقوم بها قيامَ ناظرٍ إلى مسبِّبها (١)، فهذا حقّ؛ ولكنّ النقص لا يكون في السبب ولا في القيام به، وإنَّما يكون في الإعراض عن المسبِّب تعالى، كما تقدّم. فمنعُ الأسباب أن تكون أسبابًا قدحٌ في العقل والشرع. وإثباتُها والوقوفُ معها وقطعُ النظر عن مسبِّبها قدحٌ في التوحيد والتوكّل. والقيامُ بها، وتنزيلُها منازلَها، والنظرُ إلى مسبِّبها، وتعلُّق القيام به = جمعٌ بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر؛ وهو الكمال، واللَّه أعلم. الوجه الخامس: قوله: "فصار التوكّل بدلًا عن تلك الأسباب". هذا حقّ، فإنَّ التوكّل من أعظم الأسباب، ولكنَّه بدل عنها؛ كما تكون الطاعة بدلًا عن المعصية، والتوحيد بدلًا عن الشرك. فهو بدل واجب، مأمور به، مطلوب من العبد. والمذموم أن يجعل العبدُ الأسبابَ بدلًا عن التوكّل، لا أن يجعل التوكّلَ بدلًا عن الأسباب. الوجه السادس: قوله: "فكأنَّك تعلَّقَت (٢) بما رفضتَه من حيث معتقدك الانفصال" ليس كذلك، فإنَّ المرِفوض هو التعلّق بغير اللَّه والالتفات إلى سواه (٣)، فهذا هو الذي رفَضه. وأمَّا الذي تعلّق به فهو

стр. 651

التوكّل على اللَّه، واللجأ إليه، والتفويض إليه، والاستعانة به. فقد رفَضَ المخلوقَ، وتعلَّق بالخالق، فكيف يقال: إنَّه تعلَّق بما رفضه؟ الوجه السابع: أنَّ قوله: "من حيث معتقدك الانفصال" يشير به إلى أنَّ التوكّلَ نوعُ تفرِقةٍ وانفصالٍ يشهد فيه مع اللَّه غيرَه، وهذا منافٍ للفناء في التوحيد، وأن لا يشهد مع اللَّه غيرَه أصلًا. وهذا قطب رحى السير الذي يشير إليه القوم، والعلَم الذي يشمّرون إليه، ولأجله يجعلون كلّ ما دونه من المقامات معلولًا. ولا بدَّ من فصل القول فيه بعون اللَّه وتأييده، فإنَّه نهايةُ إقدامهم وغايةُ مرماهم. فنقول وباللَّه التوفيق: [أقسام الفناء عند السالكين] الفناء الذي يشار إليه على ألسنة السالكين ثلاثة أقسام: فناءٌ عن وجود السِّوى، وفناءٌ عن شهود السِّوى، وفناءٌ عن عبادة السِّوى وإرادته؛ وليس هنا قسم رابع (١). فأمَّا القسم الأوَّل: فهو فناءُ القائلين بوحدة الوجود. وهو (٢) فناءٌ باطل في نفسه، مستلزِم جحدَ الصانع وإنكارَ ربوبيّتِه وخلقِه وشرعِه، وهو غاية الإلحاد والزندقة. وهذا هو الذي يشير (٣) إليه علماءُ الاتحادية، ويسمّونه "التحقيق". وغاية أحدهم فيه أن لا يشهد ربًّا وعبدًا، وخالقًا ومخلوقًا، وآمرًا ومأمورًا، وطاعةً ومعصيةً؛ بل الأمرُ كلّه واحد! فيكون السالك عندهم في بدايته يشهد طاعةً ومعصيةً، ثمَّ يرتفع

стр. 652

عن هذا الفرق الكثيف (١) عندهم (٢) إلى أن يشهد الأفعال كلَّها طاعةً للَّه لا معصية فيها، وهو شهود الحكم والقدر، فيشهدها طاعةً لموافقتها الحكمَ والمشيئةَ. وهذا ناقص عندهم أيضًا إذ هو متضمن للفرق. ثمَّ يرتفع عندهم عن هذا الشهود إلى أن لا يشهد لا طاعةً ولا معصيةً، إذ الطاعة والمعصية إنَّما تكون من غيرٍ لغيرٍ، وما ثَمَّ غيرٌ. فإذا تحقَّق بشهود ذلك، وفني فيه، فقد فني عن وجود السوى. فهذا هو غاية التحقيق عندهم، ومن لم يصل إليه فهو محجوب (٣)! ومن أشعارهم في هذا قول قائلهم: وما أنت غيرُ الكون، بل أنتَ عينُه ... ويَفهَم هذا السرَّ من هو ذائقُ (٤) وقولُ الآخر: ما الأمرُ إلا نسقٌ واحدٌ ... ما فيه مِن مَدحٍ ولا ذمِّ وإنَّما العادةُ قد خصَّصَتْ ... والطبعُ والشارعُ بالحُكمِ (٥) وقولُ الآخر:

стр. 653

وما الموجُ إلا البحرُ لا شيء غيرُه ... وإنْ فرَّقَتْه كثرةُ المتعدّدِ (١) والقسم الثاني من أقسام الفناء هو الذي يشير إليه المتأخّرون من أرباب السلوك، وهو الفناءُ عن شهود السوى، مع تفريقهم بين الربّ والعبد وبين الطاعة والمعصية، وجعلِهم وجودَ الخالق غيرَ وجودِ المخلوق. ثمَّ هم مختلفون في هذا الفناء على قولين: أحدهما: أنَّه الغاية المطلوبة من السلوك، وما دونه بالنسبة إليه ناقص، ومن هنا يجعلون المقامات والمنازل معلولة. والقول الثاني: أنَّه من لوازم الطريق لا بدّ منه للسالك، ولكنَّ البقاءَ أكمل منه. وهؤلاء يجعلونه ناقصًا ولكن لا بدَّ منه، وهذه طريقة كثير من المتقدّمين. وهؤلاء يقولون: إنَّ الكمال شهود العبودية مع شهود المعبود، فلا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا بمعبوده عن عبادته؛ ولكن لقوَّة الوارد وضعف المحلّ وغلبة استيلاء الوارد على القلب حتَّى يملكه من جميع جهاته، يقع الفناء. والتحقيق أنَّ هذا الفناءَ ليس بغاية، ولا هو من لوازم الطريق، بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض السالكين دون جميعهم. وسببه أمورٌ ثلاثة: أحدها: قصده وإرادته والعمل عليه، فإنَّه إذا علم أنَّه (٢) الغاية المطلوبة شمَّر سائرًا إليه عاملًا عليه، فإذا أشرف عليه وقف معه، ونزل بِواديه، وطلَب مساكنتَه، فهؤلاء إنَّما يحصل لهم الفناءُ لأنَّ سيرَهم كان

стр. 654

على (١) طلب حظّهم ومرادهم من اللَّه، وهو الفناء؛ لم يكن سيرهم على تحصيل مراد اللَّه منهم، وهو القيامُ بعبوديته والتحقّقُ بها. والسائر على طلب تحصيل مراد اللَّه منه لا يكاد الفناءُ يحلّ بساحته ولا يعتريه. والسبب الثاني: قوَّة الوارد، بحيث يغمره، ويستولي عليه، فلا يبقى فيه متَّسَعٌ لغيره أصلًا. السبب الثالث: ضعف المحلّ عن احتمال ما يَرِدُ عليه. فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناء. ولمَّا رأى الصادق (٢) في طريقه السالكُ إلى ربِّه أنَّ أكثر أصحاب الفرق محجوبون عن هذا المقام، مشتَّتون في أودية الفرق؛ وشهدوا نقصهم، ورأوا ما هم فيه من الفناءِ أكملَ = ظنُّوا أنَّه لا كمال وراء ذلك، وأنَّه الغاية المطلوبة؛ فمن هنا جعلوه غاية. ولكن أكمل من ذلك وأعلى وأجلّ هو القسم الثالث، وهو الفناءُ عن عبادةِ السوى، وإرادتِه، ومحبّتِه (٣)، وخشيتِه، ورجائِه، والتوكّلِ عليهِ، والسكون إليه. فيفنى بعبادة ربِّه ومحبته وخشيته ورجائه، وبالتوكّل (٤) عليه. وبالسكون إليه، عن عبادة غيره وعن محبّته ورجائه والتوكّل عليه، مع شهود الغير ومعاينته. فهذا أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته، مع عدم شهوده له وغَيبته عنه. فإنَّه إذا (٥) شهد الغيرَ في مرتبته

стр. 655

أوجبَ شهودُه له زيادةً في محبّة معبوده وتعظيمًا له وهروبًا إليه وضنًّا (١) به، فإنَّ نظر المحبّ إلى مُناوئ محبوبه ومُضادّه (٢) يوجب زيادَة حبّه له. وفي هذا المعنى قال القائل: وإذا نظرتُ إلى أميري زادني ... حُبًّا له نظري إلى الأُمراء (٣) وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "اللهم لك أسلمتُ وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ" (٤). وفي سجوده: "اللهمّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ" (٥) وكذلك في ركوعه: "اللهمّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ" (٦). فهذا دعاءُ من قد جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده، ولم يغب بأحدهما عن الآخر. وهل هذا إلّا كمال العبوديّة: أن يشهد ما يأتي به من العبودية موجِّهًا لها إلى المعبود الحق، مُحْضِرًا لها بين يديه، متقرّبًا بها إليه. فأمّا الغَيبة عنها بالكلّية، بحيث تبقى الحركات كأنّها طبيعية غير واقعة بالإرادة، فهذا وإن كان أكملَ من حال الغائب بشهود عبوديّته عن معبوده، فحال الجامع بين شهود العبودية والمعبود أكملُ منهما. وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر أنّ تعليلَه التوكّلَ بما ذكر تعليلٌ باطلٌ.

стр. 656

الوجه الثامن: أن التوكّل على اللَّه نوعان: أحدهما: توكّلٌ عليه في تحصيل حظّ العبد من الرزق والعافية وغيرها (١). والثاني: توكّلٌ عليه في حصول (٢) مرضاته سبحانه. فأمّا النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادةً -لأنّها محض حظّ العبد (٣) - فالتوكّل على اللَّه في حصوله عبادة، فهو منشأٌ لمصلحة دينه ودنياه. والنوع (٤) الثاني فغايته عبادة، وهو في نفسه عبادة؛ فلا علَّة فيه بوجه، فإنَّه استعانة باللَّه على ما يرضيه. فصاحبه متحقِّق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، فتركُه تركٌ لشطر الإيمان، والعلَّة إنَّما هي في ضعف هذا التوكّل. فهبْ أنَّ التوكّل في حصول الحظّ معلول، أفيلزم (٥) من هذا أن يكون التوكّل في حصول مراد الرب تعالى ومرضاته معلولًا؟ الوجه التاسع: قوله: "وحقيقةُ التوكّل عند القوم: التوكّلُ في تخليص القلب (٦) من علّة التوكّل". فيقال: إذا كان هذا التوكّل عندك ليس بمعلول، ولا هو عمًى عن الكفاية، ولا رجوع إلى الأسباب بعد رفضها؛ بطل تعليلك التوكّل (٧) بما علَّلْته به. وإن كانت هذه العلّة بعينها موجودةً في هذا التوكّل بطل أن يكون علَّةً، فلزم بطلان (٨) كونه معلولًا

стр. 657

على التقديرين. وظهر أنَّ العلَّة في التوكّل لا تخرج عن أحد شيئين: إمَّا أن يكون متعلَّقه حظًّا من حظوظك، وإمَّا وقوفك معه وركونك إليه فقط. فإذا خلص التوكّل من هذا وهذا فلا علَّةَ تلحقه، ولا نقيصةَ تدركه. الوجه العاشر: أنَّ علَّة التوكّل عنده هي ترك التوكّل كما فسَّره، فكيف يتوكّل في ترك التوكّل؟ وهل هذا إلا جمعٌ بين متضادّين؟ الوجه الحادي عشر: قوله: "وهو أن تعلم (١) أنَّ اللَّه ﵎ لم يترك أمرًا مهملًا، بل فرغ من الأشياء وقدرها. وإن اختلف منها شيء في المعقول (٢)، أو تشوّش في المحسوس، أو اضطرب في المعهود؛ فهو المدبِّر له، وشأنُه سَوقُ المقادير إلى المواقيت. والمتوكّل من أراح نفسه من كدِّ النظر في مطالعة السبب، سكونًا إلى ما سبق من القسمة، مع استواءِ الحالين عنده" إلى آخر كلامه. فيقال: هو سبحانه فرغ من الأشياء وقدرها بأسبابها المفضية إليها (٣)، فكما أنَّ المسبَّبات من قدره الذي فرغ منه، فأسبابها أيضًا من قدره الذي فرغ منه؛ فتقديره المقادير بأسبابها لا ينافي القيامَ بتلك الأسباب، بل يتوقّف حصولُها عليها. وقد سئل النبيّ ﷺ فقيل له: أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، هل تَرُدُّ مِن قدرِ اللَّه شيئًا؟ فقال: "هي من قدر اللَّه" (٤). وسئل ﷺ : أَعُلِمَ أَهلُ الجنَّة والنَّار؟ فقال:

стр. 658

"نعم". قالوا: ففيمَ العمل؟ قال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له" (١). فأمرهم بالأعمال، وأخبرهم أنَّ اللَّه يسَّر كلَّ عبدٍ لما خُلِقَ له، فجعل عملَه سببًا لنيل ما خُلِقَ له من الثواب والعقاب؛ فلا بدَّ من إثبات السبَب والمسبّب جميعًا. الوجه الثاني عشر: قوله: "المتوكّل من أراح نفسه من كدِّ النظر في مطالعة السبب، سكونًا إلى ما سبق من القسمة، مع استواءِ الحالين عنده". فهذا الكلام إن أُخِذَ على إطلاقه فهو باطل قطعًا، فإنَّ السكون إلى ما سبق من القسمة وترك السبب في أعمال البِرّ عينُ العجز وتعطيلٌ للأمر (٢) والشرع؛ ولا يجوز شرعًا ولا عقلًا التسوية بين الحالين. وأمَّا السكون إلى ما سبق من القسمة في أسباب المعيشة فهو حقٌّ، ولكنّ الكمال أن يكون ساكنًا إلى ما سبق مع قيامه بالسبب (٣)، وهذه حال الكُمَّل (٤) من الصحابة ومَن بعدهم. فالكمال هو تنزيل الأسباب منازلَها علمًا وعملًا، لا الإعراضُ عنها ومحوُها، ولا الانتهاءُ إليها والوقوفُ عندها.

стр. 659

الوجه الثالث عشر: قوله: "مع استواءِ الحالين عنده، وهو أن يعلم أنَّ الطلب لا يجمع، والتوكّل لا يمنع" يشير به إلى استواءِ الحالين في مباشرة السبب وتركِه نظرًا إلى ما سبق. وهذا ليس بمأمور ولا مقدور (١)، فإنَّه لا تستوي الحالتان شرعًا ولا قدرًا، وكيف يستوي ما لم يسوِّه اللَّهُ شرعًا ولا قدرًا؟ (٢) الوجه الرَّابع عشر: قوله: "الطلب لا يجمع، والتوكّل لا يمنع". فقد تبيّن (٣) أنَّ التوكّل لا ينافي الطلب، بل حقيقةُ التوكّل وكمالُه: مقارنتُه للطلب ومصاحبتُه للسبب. وأمَّا توكُّلٌ مجرَّدٌ عن الطلب والسبب، فعجزٌ وأمانيّ! فتوكّل الحرَّاث إنَّما هو بعد شقِّ الأرض وبذرها، وحينئذٍ يصح منه التوكّل في طلوع الزرع. وأمَّا توكّلُه من غير حرث ولا بذر، فعجز وبطالة. الوجه الخامس عشر: قوله: "ومتى طالع بتوكّله عرضًا كان توكّله مدخولًا وقصدُه معلولًا. فإذا خلص من رقّ هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكّله سوى خالص حقِّ اللَّه، كفاه اللَّه كلَّ مهمّ" (٤). فيقال: التوكّل يكون في أحد شيئين: إمَّا في حصول حظّ العبدِ ورزقه ونصره وعافيته، وإمَّا في حصول مراد ربِّه منه، وكلاهما عبادة مأمور بها، والثاني أكمل من الأوَّل بحسب المتوكَّل فيه. ولكن توكّله في الأوَّل لا يكون معلولًا من حيث هو توكّل، وإنَّما تكون علَّته أنه صرف توكّلَه إلى ما

стр. 660

غيرُه (١) أولى بالتوكّل منه. وهذا إنَّما يكون نقصًا إذا أضعَفَ توكّلَه في الأمر ومرادِ اللَّه منه. وأمَّا إن لم يُضعِفْه بل أعطى كلَّ مقام حقَّه من التوكّل، فهذا محضُ العبوديّة. واللَّه أعلم.

стр. 661

فصل المثال الرَّابع (١): الصبر . قال أبو العباس: "وهو من منازل العوامّ أيضًا؛ لأنَّ الصبر حبسُ النفسِ على المكروه، وعقلُ اللسان عن شكوى (٢)، ومكابدةُ الغصص في تحمّله، وانتظارُ الفرج عند عاقبته. وهذا في طريق الخاصَّة تجلّد ومناوأة (٣) وجرأة ومنازعة. فإنَّ حاصلَه يرجع إلى كتمان الشكوى في تحمل الأذى بالبلوى. والحقيقةُ (٤): الخروجُ عن الشكوى بالتلذّذ بالبلوى، والاستبشارُ باختيار المولى. وقيل: إنَّه على ثلاث مقامات مرتّبة بعضُها فوق بعض: فالأوَّل: التصبّر. وهو تحمُّل مشقَّةٍ، وتجرُّع غصّةٍ في الثبات (٥) على ما يجري من الحكم. وهذا هو التصبّر للَّه، وهو صبر العوامّ. والثاني: الصبر، وهو نوعُ سهولةٍ تُخفِّف على (٦) المبتلى بعضَ الثقل، وتسهّل عليه صعوبةَ المراد. وهو الصبر للَّه (٧)، وهو صبر

стр. 662

المريدين. والثالث: الاصطبار. وهو التلذّذ بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى. وهذا هو الصبر على اللَّه، وهو صبر العارفين" (١). والكلام على هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: الصبر نصف الدين، فإنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصف شكرٌ. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ [سبأ/ ١٩] وقال النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا يقضي اللَّه للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له: إن أصابته سرَّاءُ شكرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبرَ، فكان خيرًا له. وليس ذِلك إلا للمؤمن " (٢) ف منازل الإيمان كلُّها بين الصبر والشكر . والذي يوضِّح هذا: الوجه الثاني: وهو أنَّ العبد لا يخلو قطُّ (٣) من أن يكون في نعمة أو بليّة. فإن كان في نعمة ففرضُها الشكر والصبر. أمَّا الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيلُ بمزيدها. وأمَّا الصبر فعن مباشرة الأسباب التي تسلُبها، وعلى القيام بالأسباب التي تحفظُها؛ فهو أحوجُ إلى الصبرِ فيها من حاجة المبتلى. ومن هنا يعلم سرّ مسألة الغنيّ الشاكر والفقير الصابر (٤) وأنَّ كلًّا

стр. 663

منهما محتاج إلى الشكر والصبر، وأنَّه قد يكون صبرُ الغنيّ أكملَ من صبر الفقير، كما قد يكون شكر الفقير أكمل من شكر الغنيّ. فليس التفضيل بينهما بالغنى ولا بالفقر، وإنَّما هو بالأعمال (١). فأفضلهما أعظمُهما شكرًا وصبرًا، فإن فضل أحدُهما في ذلك فضل صاحبُه. فالشكر مستلزم للصبر لا يتمّ إلا به. والصبر مستلزم للشكر لا يتمّ إلا به. فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر، ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر. وإن كان في بليّة ففرضها الصبر والشكر أيضًا. أمَّا الصبر فظاهر، وأمَّا الشكر فللقيام بحقّ اللَّه عليه في تلك البليّة. فإنَّ للَّه على العبد عبوديّةً في البلاء، كما له عليه عبوديةٌ في النعماءِ، وعليه أن يقوم بعبوديته في هذا وهذا، فعُلِمَ أنَّه لا انفكاك له عن الصبر ما دام سائرًا إلى اللَّه. الوجه الثالث: أنَّ الصبر ثلاثة أقسام: إمَّا صبرٌ عن المعصية فلا يرتكبها، وإمَّا صبرٌ على الطاعة حتَّى يؤدّيها، وإمَّا صبرٌ على البليّة فلا يشكو ربَّه فيها. وإذا (٢) كان العبد لابدَّ له من واحد من هذه الثلاث (٣)، فالصبر لازم له أبدًا، لا خروجَ له عنه البتة. الوجه الرَّابع: أنَّ اللَّه تعالى ذكر الصبر في كتابه في نحو تسعين موضعًا (٤)، فمرَّةً أمر به، ومرَّةً أثنى على أهله، ومرَّةً أمر نبيَّه أن

стр. 664

يبشّرهم (١)، ومرَّةً جعله شرطًا في حصول النصر والكفاية، ومرَّةً أخبر أنَّه مع أهله. وأثنى به على صفوته من العالمين، وهم أنبياؤه ورسله، فقال عن نبيّه أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص/ ٤٤]، وقال تعالى لخاتم أنبيائه ورسله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف/ ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل/ ١٢٧]، وقال يوسف الصدّيق وقد قال له إخوته: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف/ ٩٠]. وهذا يدلُّ على أنَّ الصبر من أجلّ مقامات الإيمان، وأنَّ أخصَّ النَّاس باللَّه وأولاهم به أشدُّهم قيامًا وتحقّقًا به، وأنَّ الخاصَّة أحوج إليه من العامّة. الوجه الخامس: أنَّ الصبر سبب في حصول كلّ كمال ممكن (٢)، فأكملُ الخلقِ أصبرُهم، ولم يتخلف عن أحد كمالُه الممكن إلا من ضعف صبره. فإنَّ كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم تكن (٣) له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص. فإذا انضمَّ الثبات إلى العزيمة أثمرَ كلَّ مقامٍ شريفٍ وحالٍ كاملٍ، ولهذا في دعاء النبيّ ﷺ الذي رواه الإمام أحمد وابن حبَّان في صحيحه: "اللهمّ إنِّي أسألك الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرشد" (٤). ومعلوم

стр. 665

أنَّ شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فلو علِم العبدُ الكنزَ الذي تحت هذه الأحرف الثلاثة -أعني اسم "الصبر"- لما تخلَّف عنه. قال النبي ﷺ : "ما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر" (١). وقال عمر بن الخطّاب ﵁: "خيرُ عيشٍ (٢) أدركناه بالصبر" (٣). وفي مثل هذا قال القائل: نزِّهْ فؤادَكَ عن سوانا وَالْقَنا ... فجنابُنا حِلٌّ لِكلِّ منزِّهِ والصبرُ طِلَّسْمٌ لكنزِ وصالنا ... مَن حَلَّ ذا الطِّلَّسْمَ فاز بكنزِه (٤) فالصبر طلَّسم على كنز السعادة، مَن حلّه ظفِر بالكنز.

стр. 666

الوجه السادس: قوله: "الصبرُ حبس النفس على مكروه، وعقل (١) اللسان عن الشكوى، ومكابدة الغصص في تحمّله، وانتظار الفرج عند عاقبته". فيقال: هذا أحد أقسام الصبر، وهو الصبرُ على البلاءِ. وأمَّا الصبر على الطاعة فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه، وقد لا يعرض فيه، بل يتحلَّى بها ويأتي بها محبَّةً ورضًى، ومع هذا فالصبر واقع عليها، فإنَّه حبسِ النفس على مداومتها والقيام بها. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف/ ٢٨]. وأمَّا الصبر عن المعصية فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه، وقد لا يعرض فيه، لتمكّن (٢) الصابر من قهر داعيها وغلبته. وإذا كان ما ذكر من الأمور الأربعة إنَّما يعرض في الصبر على البلية، فقوله: "إنَّه في طريق الخاصّة تجلّد ومناوأة وجرأة ومنازعة" ليس كذلك، وإنَّما فيه التجلّد، فأين المناوأة والجرأة والمنازعة؟ وأمَّا لوازم الطبيعة من وجود ألم البلوى فلا تنقلب ولا تُعدَم، فلا يصحّ أن يقال: إنَّ وجود التألم والتجلد عليه وحبس النفس عن التسخّط واللسان عن الشكوى جرأة ومنازعة، بل هو محض العبوديّة والاستكانة وامتثال الأمر، وهو من عبودية اللَّه سبحانه المفروضة على عبده في البلاء، فالقيام بها عين كمال العبد. ولوازمُ الطبيعة لا بدَّ منها، ومن رامَ أن لا يجد البرد والحرّ (٣) والجوع والعطش والألم عند تمام أسبابها وعللها

стр. 667

فقد رام الممتنع. وهل ترتَّب (١) الأجر إلّا على وجود تلك الآلام والمشاق، والصبر عليها؟ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أشدّ النَّاس بلاءً الأنبياءُ، ثمَّ الأمثل فالأمثل" (٢). وقيل له في مرضه: إنَّك لَتُوعَكُ وَعْكًا شديدًا، قال: "أجلْ، إن لي أجرَ رجلين منكم" (٣) يعني في وعكه ﷺ ، ولا ريب أنَّ ذلك الوعك كان مؤلمًا (٤) له ﷺ . وأيضًا فإنَّه (٥) في مرض موته قال: "وارأساه! " (٦) وهذا إنَّما هو من وجود ألم الصداع. وكان يقول في غمرات الموت: "اللَّهم أعنِّي على سكرات الموت". ويدخل يده في قدح الماء (٧)، ويمسح بها وجهه من كرب الموت (٨)، وهذا كلّه لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته ﷺ . وهل كان ذلك إلا محض العبوديّة وعين الكمال؟ وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا في ترك الصبر، وفي

стр. 668

التسخّط والشكوى؟ الوجه السابع: قوله: "فإنَّ حاصله (١) يرجع إلى كتمان الشكوى في تحمّل (٢) الأذى بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى". فيقال: الذي يمكن الخروج عنه هو الشكوى، وأمّا أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجدَه، أو يتلذَّذ بها (٣)، فهذا غير ممكن، ولا هو في الطبيعة. وإنَّما الممكن أن يشاهد العبدُ في تضاعيف البلاءِ لطفَ صنع اللَّه به، وحسنَ اختياره له، وبرَّه به في حمله عنه فيخفّ عنه (٤) مؤنة حمَله؛ وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنعِ اللَّه به وبرِّه وحسنِ اختياره عن شهود حمله، فتحصل (٥) له لذَّة بما شهده من ذلك. وفوق هذا مرتبة أرفعُ منه، وهي أن يشهد أنَّ هذا مراد محبوبه، وأنَّه بمرأى منه ومستمع (٦)، وأنَّه هديته إلى عبده، وخلعته التي خلعها عليه، ليرفُلَ له في أذيال التذلّل والمسكنة والتضزع لعزّته وجلاله؛ فيعلم العبد أن حقيقة المحبّة هي موافقة المحبوب في محابّه، فيحبّ ما يحبّه محبوبُه. فيحبّ العبد تلك الحال من حيث موافقة المحبوب (٧)، وإن

стр. 669

كرهها من حيث الطبع البشري، فإنّ هذه الكراهة لا تنافي محبّتَه لها؛ كما يكره طبعُه الدواءَ الكريه، وهو يحبّه من وجه آخر. وهذا لا ينكر في المحبّة المتعلّقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها، كما قال القائل في ذلك: أهوى هواه وبُعدي عنه يعجِبه ... فالبعدُ قد صار لي في حُبِّه أرَبا (١) وقال آخر (٢): أريدُ وصاله ويُريد هَجري ... فأتركُ ما أُريد لما يُريدُ (٣) وقال آخر (٤): وأهَنْتِني فأهنتُ نفسي جاهدًا ... ما مَن يَهونُ عليكِ ممّن أُكرِمُ (٥) وإنّه لَتبلغ المحبّة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه. فإذا شهد مراد محبوبه أحبّه وإن كان كريهًا إليه. فهذا لا ينكَر ولكن (٦) لا ينافي التألّمَ بمراد المحبوب المنافي للمحبّ وصبره عليه، بل يجتمع في حقّه الأمران.

стр. 670

وتقوى هذه المحبّة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة. فكلّما قوي علمُه بذلك، وقويت محنته لمن ذكره بابتلائه، ازداد تلذّذُه بها، مع الكراهية الطبيعية التي هي من لوازم الخلقة؛ ولا سيّما إذا علم المحبُّ الذي أحُّط الأشياءِ إليه أن يجري ذكرُه على بال محبوبه أنَّ محبوبَه قد ذكره بنوع من الامتحان، فإنّه يفرح بذكره له، وإن ساءَه ما ذكره به، كما قال القائل: لئن ساءَني أن نلتني بمساءَة ... لقد سرني أني خطرتُ ببالكا (١) الوجه الثامن: قوله: "وهو على ثلاث مقامات مرتّبة بعضُها فوق بعض. فالأول: التصبر" إلى قوله: "وهو صبر العوام". فيقال: لا ريب أنّ التصبّرَ مُوذِن بتكلف وتحمل (٢) على كره، ولكن هذا لا بدّ منه في الصبر، وهو سببُه الذي يُنال به. فالتصبّر من العبد، والصبر ثمرته التي يفرغها اللَّه عليه (٣) إذا تعاطاه وتكففه، كما قال النبي ﷺ : "ومَن يتصبِّر يُصبِّرْه اللَّه" (٤). فمنزلة التصبّر من الصبر منزلة التعلّم والتفهم من العلم والفهم، فلابدّ منه في حصول الصبر.
следующие страницы →