← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال تعالى عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء/ ٩٠]. فالرغَب: الرجاءُ والرغبة، والرهب: الخوف والخشية. وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل/ ٥٠]. وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "إنِّي أعلمُكم باللَّه وأشدُّكم له خشيةً" (١). وفي لفظ آخر: "إنِّي أخوَفُكم للَّه وأعلمُكم بما أتَّقِي" (٢). وكان ﷺ يصلِّي ولصدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاءِ (٣). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر/ ٢٨] فكلَّما كان العبد باللَّه أعلَم كان له أخوفَ. قال ابن مسعود: "كفى بخشية اللَّه علمًا" (٤). ونقصان الخوف من اللَّه إنَّما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم للَّه. ومن عرف اللَّه اشتدَّ حياؤه منه وخوفه له وحبّه له، وكلَّما ازداد معرفةً ازداد حياءً وخوفًا وحبًّا. فالخوف من أجلّ منازل الطريق، وخوفُ الخاصّة أعظم من خوف

стр. 702

العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم ألصق (١)، ولهم ألزم. فإنَّ العبد إمَّا أن يكون مستقيمًا، أو مائلًا عن الاستقامة. فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على مَيله، ولا يصحّ الإيمان إلا بهذا الخوف. وهو ينشأ من ثلاثة أمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها. والثاني: تصديق الوعيد وأنَّ اللَّه رتَّب على المعصية عقوبَتها. والثالث: أنَّه لا يعلم لعلّه يُمنَع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكبَ الذنبَ. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه. فإنَّ الحامل على الذنب إمَّا أن يكون عدم علمه بقبحه، وإمَّا عدم علمه بسوءِ عاقبته، وإمَّا أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتّكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان. فإذا علم قبحَ الذنب، وعلم سوءَ مغبّته، وخاف أن لا يُفتح له بابُ التوبة بل يُمنعها ويحال بينه وبينها = اشتدَّ خوفُه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشدّ. وبالجملة، فمن استقرَّ في قلبه ذكرُ الدار الآخرة وجزائها، وذكرُ المعصية والتوعّد عليها، وعدمُ الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح = هاج من (٢) قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتَّى ينجو. وأمَّا إن كان مستقيمًا مع اللَّه، فخوفه يكون مع جرَيان الأنفاس، لِعلمه بانَّ اللَّه مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من

стр. 703

أصابع الرحمن ، فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاءَ أن يُزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبيّ ﷺ (١). وكانت أكثر يمينه ﷺ : "لا ومقلِّب القلوب، لا ومقلِّب القلوب" (٢). وقال بعض السلف: "القلبُ أشدّ تقلُّبًا من القِدْر إذا استجمعتْ غلَيانًا" (٣). وقال بعضهم: "مثل القلب في سرعة تقلّبه كريشةٍ مُلقاةٍ بأرض فلاة تقلبها الرياحُ ظهرًا لبطن" (٤). ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال/ ٢٤]. فأيّ قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحقّ بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له في كلِّ حال، وإن توارى عنه بغلبة حالةٍ أخرى عليه. فالخوف حشو قلبه، لكن توارى عنه بغلبة (٥) غيره، فوجود الشيء غير العلم به. فالخوف الأوَّل ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة اللَّه وعزَّته وجلاله، وأنَّه الفعَّال لما يريد، وأنَّه المحرّك للقلب، المصرِّف له، المقلب له كيف يشاء، لا إله إلا هو. الوجه الثاني: قوله: "ليس في منازل الخواصّ خوف" قد تبيّن

стр. 704

فساده، وأنَّ الخاصَّة أشدّ خوفًا للَّه (١) من العامَّة. الوجه الثالث: قوله: "الغافلُ (٢) يعبد ربَّه على وحشةٍ من نظره ونفرةٍ من الأنس به عند ذكره ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ الآية [الشورى/ ٢٢] ". فهذا إنَّما هو وحشة ونَفار، وهو غير الخوف، فإنَّ الوحشة إنَّما تنشأ من عدم الخوف. وأمَّا الخوف فإنَّه يوجب هروبًا إلى اللَّه، وجمعيّةً عليه، وسكونًا إليه؛ فهي مخافة مقرونة بحلاوة وطمأنينة وسكينة ومحبَّة، بخلاف خوف المسيء الهارب من اللَّه، فإنَّه خوف مقرون بوحشة ونفرة. فخوفُ الهارب إليه سبحانه محشوٌّ بالحلاوة والسكينة والأنس، لا وحشة معه، وإنَّما يجد الوحشة من نفسه. فله نظران: نظرٌ إلى نفسه وجنايته، فيُوجب له وحشةً؛ ونظر إلى ربِّه وقدرته عليه وعزّه وجلاله، فيوجب له خوفًا مقرونًا بأنس وحلاوة وطمأنينة. الوجه الرابع (٣): أنَّ استشهاده بقوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى/ ٢٢] ليس استشهادًا صحيحًا، فإنَّ هذا وصفٌ لحالهم في الآخرة عند معاينة العذاب أو عند الموت. فهذا إشفاقٌ مقرونٌ بالاستيحاش؛ لأنَّه قد علم أنَّه سائر إليه، كمن قُدِّم إلى العقوبة، ورأى أسبابها، فهو مشفق منها إذا رآها، لعلمه بأنَّه صائر إليها.

стр. 705

فليست الآية من الخوف المأمور به في شيءٍ. الوجه الخامس: أنَّ الخوف يتعلَّق بالأفعال، وأمَّا الحبّ فإنَّه يتعلَّق بالذات والصفات. ولهذا يزول الخوف في الجنَّة، وأمَّا الحبّ فيزداد. ولمَّا كان الحبّ يتعلق بالذات كان من أسمائه سبحانه: "الودود". قال البخاري في صحيحه: "الحبيب" (١). وأمَّا الخوف فإنَّ متعلّقه أفعال الربّ سبحانه، ولا يخرج عن كون سببه جناية العبد، وإن كانت جنايتُه من قدر اللَّه. ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: "لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخافنَّ عبد إلا ذنبه" (٢). فمتعلَّق الخوف ذنبُ العبد وعاقبته، وهي مفعولات للربّ، فليس الخوف عائدًا إلى نفس الذات. والفرق بينه وبين الحبّ أنَّ الحبَّ سببه الكمال، وذاته تعالى لها الكمال المطلق، وهو متعلّق الحبّ التام. وأمَّا الخوف فسببه توقّع المكروه، وهذا إنَّما يكون في الأفعال والمفعولات. وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنَّه سبحانه يُخاف لا لعلَّة ولا لسبب، بل كما يُخاف السيلُ الذي لا يدري العبد من أين يأتيه. وهذا بناءٌ من هؤلاءِ على نفي محبّته سبحانه وحكمته، وأنَّه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التي تُرجح مِثْلًا على مِثْلٍ بلا مرجِّح،

стр. 706

ولا يراعى فيها حكمة ولا مصلحة. وهؤلاء عندهم الخوف يتعلَّق بنفس الذات من غير نظر إلى فعل العبد وأنَّه سبب المخافة، إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة، بل إرادة محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب. وعند هؤلاء فالخوف (١) لازم للعبد في كلِّ حال، أحسنَ أم أساءَ، وليس لأفعالهم (٢) تأثير في الخوف. وهذا من قلَّة نصيبهم من المعرفة باللَّه وكماله وحكمته. وأين هذا من قول أمير المؤمنين عليّ: "لا يرجونّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبَه"؟ فجعل الرجاءَ متعلِّقًا بالربِّ ، لأنَّ رحمته من لوازم ذاته، وهي سبقت غضبَه. وأمَّا الخوف فمتعلق بالذنب، فهو سبب المخافة، حتَّى لو قُدِّرَ عدمُ الذنب بالكليّة لم تكن مخافة. [مسألة] فإن قيل: فما وجه خوفِ الملائكة، وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة. وشدَّة خوف النبيّ ﷺ ، مع علمه بأنَّ اللَّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وأنَّه أقرب الخلق إلى اللَّه وسيلة (٣)؟ قبل: عن هذا أربعة أجوبة (٤): الجواب الأوَّل: أنَّ هذا الخوف على حسب القرب من اللَّه والمنزلة عنده. وكلَّما كان العبد أقرب إلى اللَّه كان خوفه منه أشدّ؛ لأنَّه يطالَب

стр. 707

بما لا يطالَب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره. ونظير هذا في الشاهد (١) أنَّ الماثلَ بين يدي أحد الملوك المشاهِدَ له أشدُّ خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنَّه يطالَب من حقوق الخدمة وآدابها (٢) بما لا يطالَب به غيرُه، فهو أحقّ بالخوف من البعيد. ومَن تصوَّر هذا حقّ تصوُّره فَهِمَ قولَه ﷺ : "إنِّي أعلمكم باللَّه وأشدكم له خشية" (٣)، وفهمَ قولَه ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى لو عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم كانت رحمتُه لهم خيرًا من أعمالهم" (٤). وليس المراد أنَّه (٥) لو عذبهم لتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه غير ظالم، كما يظنّه كثير من النَّاس؛ فإنَّ هذا لا يتضمَّن (٦) مدحًا، والحديث إنَّما سيق للمدح وبيان عِظَم حقّ اللَّه على عباده، وأنَّه لو عذَّبهم لعذّبهم بحقّه عليهم، ولم يكن تعذيبه ظلمًا لهم (٧) بغير استحقاق، فإنَّ حقَّه سبحانه عليهم أضعافُ أضعافِ ما أتوا. ولهذا قال

стр. 708

بعده: "ولو رحمهم كانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم" يعني أنَّ رحمته لهم ليست ثمنًا لأعمالهم، ولا تبلغ أعمالهم رحمته، فرحمته لهم ليست (١) على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقلّ باقتضاءِ الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقّها عليهم لم يقوموا بها. فلو عذَّبهم -والحالة هذه- لكان تعذيبًا لحقّه، وهو غيرُ ظالم لهم فيه، ولا سيّما فإنَّ أعمالهم لا توازي القليل من نِعَمه عليهم، فتبقى نِعمُه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذَّبهم على ترك شكرهم وأداءِ حقّه الذي ينبغي له سبحانه، عذّبهم بحقّه (٢) ولم يكن ظالمًا لهم. فإن قيل: فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له سبحانه مقدورًا لهم، فكيف يحسن العذاب عليه؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ المقدور للعبد لا يأتي به كلّه، بل لا بدَّ من فتور وإعراض وغفلة وتوانٍ، وأيضًا ففي نفس قيامه بالعبودية لا يوفّيها حقَّها الواجبَ لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامَّة للَّه فيها، بحيث يبذل مقدوره كلّه في تحسينها وتكميلها ظاهرًا وباطنًا، فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل. ولهذا لمّا (٣) سأل الصدّيقُ النبيَّ ﷺ دعاءً يدعو به في صلاته، قال (٤)

стр. 709

له: "قل اللهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم" (١). فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكِّدًا له بـ "إنَّ" المقتضيةِ ثبوتَ الخبر وتحقّقه، ثمَّ أكدَّه بالمصدر النافي للتجوُّز والاستعارة، ثمَّ وصفه بالكثرة المتقضية لتعدّده وتكثّره. ثم قال: "فاغفر لي مغفرةً من عندك" أي: لا ينالها عملي ولا سعيي، بل عملي يقصر عنها، وإنَّما هي من فضلك وإحسانك، لا بكسبي ولا باستغفاري وتوبتي. ثمَّ قال: "وارحمني" أي: ليس معوّلي إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتَني وإلا فالهلاك لازم لي. فليتدبّر اللبيب هذا الدعاءَ وما فيه من المعارف والعبودية، وفي ضمنه: إنَّك (٢) لو عذَّبتني لعدلتَ فيَّ ولم تظلمني، وإنِّي لا أنجو إلا بمغفرتك ورحمتك (٣). ومن هذا قوله ﷺ : "لن يُنجيَ أحدًا منكم عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمّدني اللَّهُ برحمةِ منه وفضل" (٤). فإذا كان عملُ العبد لا يستقلّ بالنجاة، فلو لم يُنجه اللَّه لم يكن (٥) قد بخسه شيئًا من حقّه ولا ظَلَمه، فإنَّه ليس معه مَا يقتضي نجاتَه، وعملُه ليس وافيًا بشكر القليل من نِعَمه، فهل يكون ظالمًا له لو

стр. 710

عذَّبه؟ وهل تكون رحمتُه له جزاءً لعمله، ويكون العمل ثمنًا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياء والمراقبة، والمحبّة والخشوع وحضور القلب بين يدي اللَّه في العمل كله (١)؟ ومَن علِمَ هذا عَلِمَ السرَّ في كون أعمال الطاعات تُختَم بالاستغفار، ففي صحيح مسلم عن ثوبان قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلَّم من صلاته استغفر ثلاثًا. وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٢). قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات/ ١٧ - ١٨]. فأخبر عن استغفارهم عقيبَ صلاة الليل. قال الحسن: "مدّوا الصلاة إلى السحرِ، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون اللَّه" (٣). وأمر تعالى عبادَه بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحجّ فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة/ ١٩٩]. وشرع (٤) ﷺ للمتوضئ أن يختم وضوءَه بالتوحيد والاستغفار فيقول: "أشهدُ أنْ لا إِلهَ إلا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرسولُه. اللَّهم

стр. 711

اجْعَلْنِي من التَّوابِين واجْعَلْنِي من المُتَطَهِّرين" (١). فهذا ونحوه ممَّا يبيّن حقيقة الأمر، وأنَّ كل أحد محتاج إلى مغفرة اللَّه ورحمته، وأنَّه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلًا. الجواب الثاني: أنَّه لو فرض أنَّ العبد يأتي بمقدوره (٢) كلّه من الطاعة ظاهرًا وباطنًا، فالذي ينبغي لربّه تعالى فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحقّ ما يترتب عليه من الجزاءِ. والذي أتى به لا يقابل أقلَّ النعم، فإذا حرم جزاءَ العمل الذي ينبغي للربِّ من عبده كان ذلك تعذيبًا له، ولم يكن الربّ تعالى ظالمًا له في هذا الحرمان. ولو كان عاجزًا عن أسبابه فإنَّه لم يمنعه حقًّا يستحقّه عليه فيكون ظالمًا بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرّد صدقة منه وفضل تصدَّق بها عليه، لا ينالها عملُه، بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معاوضة عليه. واللَّه أعلم. الجواب الثالث (٣) عن السؤال الأوَّل: أنَّ العبد إذا علم أنَّ اللَّه سبحانه هو مقلِّب القلوب، وأنَّه يحول بين المرءِ وقلبِه، وأنَّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنَّه يهدي من يشاء، ويضلّ من

стр. 712

يشاء، ويرفع من يشاء، ويخفض من يشاء؛ فما يؤمنه أن يقلب اللَّه قلبه، ويحول بينه وبينه، ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى اللَّه سبحانه على عباده المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران/ ٨]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يُزيغ قلوبَهم. وكان من دعاء النبيّ ﷺ : "اللهم مصرّف القلوب، صرّفْ قلوبَنا على طاعتك" (١). و"مثبّتَ القلوب، ثبِّتْ قلوبَنا على دينك" (٢). وفي الترمذي (٣) عنه مسلم أنَّه كان يدعو: "أعوذ بعزَتك أن تُضِلَّني، أنت الحيّ الذي لا يموت (٤) ". وكان من دعائه ﷺ : "اللّهُمَّ إِنِّي أَعوذُ برضاكَ من سَخطِك، وأعوذُ بمعافاتِكَ من عقوبتك، وأعوذُ بِكَ مِنكَ" (٥). فاستعاذ ﷺ بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ به منه باعتبارين. وكان استعاذته به (٦) منه جمعًا لما فصَّله في الجملتين قبله، فإنَّ الاستعاذة به سبحانه منه ترجع إلى معنى لكلام قبلها، مع تضمّنها فائدةً شريفةً وهي كمال التوحيد وأنَّ الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنَّما هو فعل اللَّه ومشيئته وقدره، فهو وحده

стр. 713

المنفرد بالحكم، فإذا أراد بعبده سوءًا لم يُعِذْه منه إلا هو. فهو الذي يريد به ما يسوؤه، وهو الذي يريد دفعه عنه. فصارَ سبحانه مستعاذًا به منه باعتبار الإرادتين. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام/ ١٧] فهو الذي يمسن بالضرّ، وهو الذي يكشفه، لا إله إلا هو. فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأ منه إليه، كما أنَّ الاستعاذة منه به (١)، فإنَّه لا ربَّ غيره، ولا مدبِّر للعبد سواه، فهو الذي يحرِّكه ويقلْبه ويصرِّفه كيف يشاء. الجواب الرابع: أنَّ اللَّه سبحانه هو الذي يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب، ويجعل فيه التوبة والإنابة والإقبال والمحبَّة والتفويض وأضدادها. والعبدُ في كلِّ لحظةٍ مفتقرٌ إلى هداية يجعلها اللَّه في قلبه، وحركاتٍ يحرِّكه بها (٢) في طاعته. وهذا إلى اللَّه سبحانه، فهو خَلَقه (٣) وقدَّره. وكان من دعاءِ النبيّ ﷺ : "اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنتَ خيرُ من زكَّاها، أنتَ وليُّها ومولاها" (٤). وعلَّم حصين بن المنذر (٥) أن

стр. 714

يقول: "اللّهمَّ أَلهِمْني رشدي، وقِني شرَّ نفسي" (١). وعامَّة أدعيته ﷺ متضمِّنة لطلب توفيق ربّه وتزكيته له واستعماله في محابِّه. فمَن هُداه وصلاحُه وأسبابُ نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرِّف فيه بما يشاء، ليس له (٢) من أمره شيء، مَن أحقّ بالخوف منه؛ وهَبْ أنَّه قد خلق له في الحال الهداية، فهل هو على يقينٍ وعلمٍ (٣) أنَّ اللَّه سبحانه يخلقها له في المستقبل ويُلهِمه رُشدَه أبدًا؟ فعلم أنَّ خوف المقرَّبين عند ربِّهم أعظمُ من خوف غيرهم، واللَّه المستعان. ومن ههنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان، كما قال بعض السلف: "أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر" (٤). وكان عمر ابن الخطاب ﵁ يقول لحذيفة: "نشدُتك اللَّهَ هل سمَّاني لك رسولُ اللَّه ﷺ ؟ " يعني في المنافقين، فيقول: "لا، ولا أزكِّي بعدك أحدًا" (٥) يعني: لا أفتح عليَّ هذا الباب في سؤال الناس لي، وليس مراده أنَّه لم يخلُصْ من النفاق غيرُك. الوجه السادس: "وأمَّا الخواصّ فإنَّهم جعلوا الوعيد منه وعدًا، والعذابَ فيه عَذْبًا؛ لأنَّهم شاهدوا المبتليَ والمعذِّب، فاستعذبوا ما

стр. 715

وجدوا في جنب ما شاهدوا. . ." إلى آخر كلامه. فيقال: هذا الكلام ونحوه من رعونات النفس، ومن الشطحات التي يجب إنكارها. فمن الذي جعل وعبد اللَّه وعدًا، وعقابه ثوابًا، وعَذابه عَذْبًا؟ وهل هذا إلا إنكار لوعيده وعذابه في الحقيقة؟ وأيّ عذاب أشدّ من عذابه، نعوذ باللَّه منه؟ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج/ ٢]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر/ ٢٥ - ٢٦]. وهذا أظهر في كلِّ ملَّة من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه. وإنَّما ينسب هذا المذهب للملاحدة (١) من القائلين بوحدة الوجود، كما قال قائلهم: ولم يبق إلا صادقُ الوعد وحدَه ... فما لوعيد الحقّ عينٌ تُعاينُ وإن دخلوا دارَ الشقاءِ فإنَّهم ... على لذَّةٍ فيها نعيمٌ مُباينُ نعيمُ جِنان الخلد والأمر واحد ... وبينهما عند التجلِّي تبايُنُ (٢) يسمَّى عذابًا من عُذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر، والقشر صائنُ (٣) فهذا القائل خطّ على تلك النقطة التي نقطها أبو العبَّاس، ولعلَّ الكلامين من مشكاة واحدة. وهذا مباين للمعلوم بالاضطرار من دين الرسل، وما أخبرت به عن اللَّه، وأخبر به على لسان

стр. 716

رُسُله (١). فإن قيل: ليس مراده ما ذكرتم وفهمتم من كلامه، وإنَّما مراده أنَّه سبحانه إذا ابتلى عبده في الدنيا فهو لكمال محبّته له يتلذَّذ بتلك البلوى ويعدّها نعمةً، وليس مراده عذاب الآخرة (٢). قيل: قوله عن الخواصّ: "أنَّهم جعلوا الوعيد منه وعدًا" ينفي ما ذكرتم من التأويل، فإنَّ ابتلاءَ الدنيا غيرُ الوعيد. وأيضا فإنَّه في مقام الخوف ونفيه عن الخاصَّة محتجًّا عليه بأنَّهم يرون العذاب عذبًا والوعيد وعدًا، فما لهم وللخوف؟ هذا مقصوده من سياق كلامه واحتجاجه عليه بهذا الهذيان الذي يسخر (٣) منه العقلاء. بل نحن لا ننكر أنَّ العبد إذا تمكَّن حبّ اللَّه في قلبه حتَّى ملك جميعَ أجزائه فإنَّه يتلذَّذ بالبلوى أحيانًا. وليس ذلك دائمًا ولا أكثريًّا، ولكنَّه يعرض عند (٤) هيجان الحبّ وغلبة الشوق، فيقهر شهود الألم، ثمَّ يراجع طبيعته فيذوق الألم. ولكن أين هذا مِن جعلِ الوعيد وعدًا، والعذاب عَذبًا؟ وإن أُحسِن الظنُّ بصاحب هذا الكلام ظُنَّ به أنَّه ورد عليه وارد من الحبّ يُخيِّل في نفسه أنَّ محبوبه إذا تواعده (٥) كان ذلك منه وعدًا، وإن عذَّبه كان عذابُه عنده عذبًا، لموافقته مراد محبوبه. وهذا خيالٌ فاسد

стр. 717

وتقدير في النفس، وإلا فالحقيقة الخارجية تكذِّب هذا الخيال الباطل. بل لو صُبَّ عليه أدنى شيء من عذابه لصاح واستغاث وطلب العفو والعافية. وحكمة اللَّه سبحانه تقتضي تعجيز هذه النفوس الجاهلة الرعِنة الحمِقة (١) بأدنى شيء يكون من الألم والوجع، حتَّى يتبين لها دعاويها الكاذبة، وشطحها الباطل. وهذا سيّد المحبّين وسيّد ولد آدم، استعاذتُه باللَّه (٢) من عذابه وبلائه، وسؤالُه عافيتَه ومعافاتَه معلومةٌ في أدعيته وتضرّعه إلى ربه وابتهاله إليه في ذلك، وهي أكثر وأشهر من أن تذكر ههنا. أفما (٣) في سيّد المحبّين أسوة وقدوة؛ ولكن قد ابتلي كثير من أهل الإرادة بالشطح، كما ابتلي كثيرٌ من أهل الكلام بالشكّ. والمعافى مَن عافاه اللَّه من هذا وهذا، فنسأل اللَّه عافيتَه ومعافاتَه. الوجه السابع: قوله: "إنَّ عذاب الكافرين إنَّما كان شديدًا لأنَّهم لا يشاهدون المعذِّب لهم، والمؤمنون يشاهدونه فلم يكن عذابهم شديدًا" ليس كذلك، فإنَّ عذاب الكافرين شديد في نفسه لِغلَظِ جُرمهم وهو الكفر، وهو دائم لا انقطاع له. وأمَّا المؤمنون الذين يعذَّبون بذنوبهم فعذابهم أضعف من عذاب الكافرين؛ لأنَّ عذابهم على الذنوب وهي دون الكفر، وهو منقطع. والآية لم يُرَدْ بها إثباتُ عذاب المؤمنين دون عذاب (٤) الكافرين، وإنَّما سيقت لبيان عذاب الكافرين حسبُ،

стр. 718

فمفهومها نفي العذاب عن المؤمنين، لا إثبات عذاب غير شديد. واللَّه أعلم. الوجه الثامن: قوله: "وللخواصّ الهيبة، وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف. والخوف يزول بالأمن وينتهي به خوف الشخص على نفسه من العقاب، فإذا أمن العقابَ زال الخوف. والهيبة لا تزول أبدًا لأنَّها مستَحقَّة للربّ بوصف التعظيم والإجلال، وذلك الوصف مستحق على الدوام، وهذه المعارضة والهيبة (١) تُعارض المكاشِفَ أوقات المناجاة، وتصونُ (٢) المشاهِد أحيانَ المشاهدة وتعصم (٣) المعاين (٤) بصدمة العزَّة، ومنه (٥) قال قائلهم: أشتاقه، فإذا بدا ... أطرقتُ مِن إجلالِه لا خِيفَةً، بل هيبةً ... وصيانةً لجماله وأصُدُّ عنه تجلُّدًا ... وأرومُ طيفَ خَيالِه" (٦) فيقال: من العجائب أنَّ المعنى الذي أمر اللَّهُ به في كتابه،

стр. 719

وأثنى به على خاصَّة عباده وأقربهم إليه -وهم أنبياؤه ورسلُه وملائكتُه- يُجعل ناقصًا من منازل العوامّ، ويُعمَد إلى معنًى لم يذكره اللَّه ولا رسوله، ولا عُلِّق به المدحُ (١) والثناءُ في موضع واحد، فيُجعَل هو الكمال، وهو للخواصّ من العباد! فأين في القرآن والسنَّة ذكرُ الهيبة والأمرُ بها ووصفُ خاصَّته بها؟ ونحن لا ننكر أنَّ الهيبة من لوازم الإيمان وموجباته، ولكنَّ المنكَر أن يكون الوصفُ الذي وصف به أنبياءَه وملائكته ناقصًا، والوصف الذي لم يذكره هو الكامل التامّ! وهذا المعنى المعبَّر عنه بالهيبة حقٌّ، ولكن لم تجئ العبارة عنه في القرآن والسنَّة بلفظ "الهيبة"، وإنَّما جاءت بلفظ "الإجلال" كقول النبيّ ﷺ : "إن من إجلال اللَّه إجلالَ ذي الشيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والإمام العادل" (٢). فالإجلال هو التعظيم، وكذلك الهيبة. يوضح هذا: الوجه التاسع: وهو أنَّ الهيبة والإجلال يجوز تعلُّقها (٣) بالمخلوق، كما قال النبيّ ﷺ : "إنَّ من إجلال اللَّه إجلالَ ذي الشيبة المسلم" الحديث. وقال ابن عباس عن عمر: "هِبْتُه وكان مَهيبًا" (٤). وأمَّا الخشية

стр. 720

والمخافة فلا تصلح إلا للَّه وحده. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة/ ٤٤]. وقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) [آل عمران/ ١٧٥]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة/ ١٨]. فالخوف عبودية القلب فلا يصلح إلا للَّه وحده (٢)، كالذلّ والمحبّة والإنابة والتوكّل والرجاء وغيرها من عبودية القلب. فكيف تُجعل (٣) المهابةُ المشتركةُ أفضلَ منه وأعلى؟ وتأمَّل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (٤) [النور/ ٥٢] كيف جعل الطاعة له (٥) ولرسوله، والخشية والتقوى له وحده. وقال: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (٦) [الفتح/ ٩] كيف جعل التعزير والتوقير (٧) للرسول وحده. و"التوقير" هو

стр. 721

التعظيم الصادر عن الهيبة والإجلال. هذا (١) حقيقته، فَعُلِمَ أنَّ الخوف من أجلّ مقامات الخواص، وأنَّهم إليه أحوج، وبه أقوم من غيرهم. الوجه العاشر: قوله: "الخوف يزول بالأمن، والهيبة لا تزول أبدًا" إلى آخره. فيقال: هذا حق، فإنَّ الخوف إنَّما يكون قبل دخول الجنَّة، فإذا دخلوها زال عنهم الخوف الذي كان يصحبهم في الدنيا وفي عرصات القيامة، وبُدِّلوا به أمنًا؛ لأنَّهم قد أمنوا العذاب، فزايلهم الخوفُ منه. ولكن لا يدلّ هذا على أنَّه كان مقامًا ناقصًا في الدنيا، كما أنَّ الجهاد من أشرف المقامات، وقد زالَ عنهم في الآخرة. وكذلك الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق، وقد زال في الآخرة، وصار الأمر شهادة. وكذلك الصلاة والحجّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النفس للَّه، وهي من أشرف الأعمال، وكلّها تزول في الجنَّة. وهذا لا يدل على نقصانها، فإنَّ الجنة ليست دار سعي وعمل، إنَّما هي دار نعيم وثواب. الوجه الحادي عشر: أنَّ الخوف إنَّما زال في الجنَّة لأنَّ تعلّقه إنَّما هو بالأفعال لا بالذَّات -كما تقدّم- وقد آمنهم ما كانوا يخافون منه. فقد أمنوا أن يفعلوا (٢) ما يخافون منه، وأن يفعل بهم ربُّهم ما يُخيفهم. ولكن كان الخوف في الدنيا أنفع شيء (٣) لهم، فيه وصلوا إلى الأمن التامّ. فإنَّ اللَّه سبحانه لا يجمع على عبده مخافتَين ولا أمنَين (٤)، فمن خافه في

стр. 722

الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن آمنه في الدنيا ولم يُخِفْه أخافه في الآخرة. وناهيك شرفًا وفضلًا بمقامٍ ثمرتُه الأمنُ الدائمُ المطلَق. الوجه الثاني عشر: أنَّ الإجلال والمهابة والتعظيم إنَّما لم تزُلْ لأنَّها متعلِّقة بنفس الذات، وهي موجودة في دار النعيم. وأمَّا الخوف فإنَّه إنَّما زال لأنَّه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر. والوسيلة تزول عند حصول الغاية، ولكنَّ زوالَ الوسيلة عند حصول الغاية لا يدلّ على أنَّها ناقصة. وإذا كانت تلك الغايةُ لا كمال للعبد بدونها، فالوسيلة إليها كذلك. الوجه الثالث عشر: قوله: "وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون المشاهد أحيان المشاهدة، وتعصم المعاين (١) بصدمة العزَّة". فيقال: لا ريب أنَّ الحبّ والأنس المجرَّد عن الإجلال والتعظيم (٢) يبسط النفس، ويحملها على بعض الدعاوى والرعونات والأماني الباطلة، وإساءَة الأدب، والجناية على حقّ المحبَّة. فإذا قارن المحبَّةَ مهابةُ المحبوب، وإجلالُه وتعظيمُه، وشهودُ عزِّ جلاله وعظيمِ سلطانه = انكسرت نفسُه له، وذلَّت لعظمته، واستكانت لعزَّته، وتصاغرت لجلاله، وصَفَتْ من رعونات النفس وحماقاتها، ودعاويها الباطلة، وأمانيها الكاذبة. ولهذا في الحديث: "يقول اللَّه : أين المتحابُّون بجلالي؟

стр. 723

اليوم أظِلُّهم في ظلِّي يومَ لا ظلِّ إلا ظلِّي" (١). فقال: "أين المتحابُّون بجلالي"، فهو حبّ بجلاله سبحانه وتعظيمه ومهابته، ليس حبًّا لمجرَّد جماله، فإنَّه سبحانه الجليل الجميل. والحبّ الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحبّ النافع الموجِب لكونهم في ظلّ عرشه يوم القيامة. فشهود الجلال وحده يُوجِبُ خوفًا وخشية وانكسارًا، وشهودُ الجمال وحده يُوجِب حبًّا بانبسَاط وإدلال ورعونة. وشهود الوصفين معًا يوجب حبًّا مقرونًا (٢) بتعظيم وإجلال ومهابة، وهذا هو غاية كمال العبد. واللَّه أعلم. وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة في هذا المقام في غاية القبح، فإنَّ هذا المحِبِّ نَفَى (٣) خوفَه من محبوبه، وأخبر أنَّه يصدّ عن محبوبه (٤) ويُعرض عنه إظهارًا للتجلّد إمَّا على محبوبه (٥)، وذلك قبيح في حكم المحبّة، فإنَّ التذلّل للمحبوب وتملّقه واستعطافه والانكسار له أولى بالمحبّ من تجلّده وتعزّزه، كما قيل: اخْضَعْ وذِلَّ لمن تُحِبُّ فليس في ... شَرعِ الهوى أنفٌ يُشالُ ويُعقدُ (٦)

стр. 724

ثمّ أخبر أنه يروم طيفَ خياله، فهو طالب لحظِّه من محبوبه، لا لمراد محبوبه منه. فهذا محِبّ لنفسه، وقد جعل طيفَ محبوبه وسيلةً إلى حصول مراده، فأحبّه حبَّ الوسائل، بخلاف من قد أحبّ محبوبَه لذات المحبوب، ففني عن مراده هو منه بمراد محبوبه، فصار مرادُه مرادَ محبوبه، فحصل الاتحاد في المراد، لا في الإرادة، ولا في المريد. هذا إن كان صدّ (١) عنه تجلّدًا عليه. وإن كان تجلُّدًا على الرقيب خوفًا منه فهو ضعيف المحبّة، لأنَّ فيه بقيَّةً ليست مع محبوبه بل مع رقيبه، فهلًا ملأ الحبُّ قلبَه، فلم يبق فيه بقيَّة يلاحظ بها الرقيب والعاذل (٢)؟ كما قيل: لا كانَ مَن لِسواكَ فيه بقيّةٌ ... يجِدُ السبيلَ بها إليه العُذَّلُ (٣) وبالجملة فهذه أبيات ناقصة المعنى لا يصلح الاستشهاد (٤) بها في هذا المقام (٥). واللَّه أعلم.

стр. 725

فصل [في المحبّة] والمقصود الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطأ وصواب؛ ولمّا كان أبو العبّاس بن العريف ﵀ قد تعرَّض لذلك في كتابه "محاسن المجالس"، ذكرنا كلامه فيه، وما له وما عليه. ثمَّ ذكر بعد هذا فصلًا في المحبّة، وفصلًا في الشوق، فنذكر كلامه في ذلك وما يفتح اللَّه به، تتميمًا للفائدة، ورجاءً للمنفعة، وأن يمنَّ اللَّه العزيز الوهَّاب بفضله ورحمته، فيرقّي عبدَه (١) من العلم إلى الحال، ومن الوصف إلى الاتصاف. إنَّه قريب مجيب. قال أبو العباس: "وأمَّا المحبّة فقد كثرت إشارة (٢) أهل التحقيق في العبارة عنها، وكلٌّ (٣) نطقَ بحسب ذوقه، وانفسح بمقدار شوقه" (٤). قلتُ: الشيء إذا كان من (٥) الأمور الوجدانيّة الذوقيّة التي إنَّما تعلم بآثارها وعلاماتها، وكان ممَّا يقع فيه التفاوت بالشدَّة والضعف، وكان له لوازم وآثار وعلامات متعددة = اختلفت العباراتُ عنه بحسب اختلاف هذه الأشياء. وهذا شأن المحبّة، فإنَّها ليست بحقيقةٍ معايَنةٍ (٦) تُرى

стр. 726

بالأبصار، فيشترك الواصفون لها في الصفة. وهي في نفسها متفاوتة أعظمَ تفاوت، ما (١) بين العلاقة التي هي تعلّق القلب بالمحبوب، والخُلّة التي هي أعلى مراتب الحبّ؛ وبينهما درجات متفاوتة تفاوتًا لا ينحصر. ولها آثار تُوجِبها، وعلاماتٌ تدل عليها، فكلٌّ أدرك بعض آثارها أو (٢) بعض علاماتَها، فعبّر بحسب ما أدركه. وهي وراءَ ذلك كلّه: ليس اسمها كمسمَّاها، ولا لفظها مبينٌ لمعناها. وكذلك اسم المصيبة والبليّة والشدَّة والألم إنَّما تدلّ أسماؤها عليها نوعَ دلالةٍ لا تكشف حقيقتها، ولا تُعلم حقيقتُها إلا بذوقها ووجودها. وفرق بين الذوق والوجود، وبين التصوّر والعلم. فالحدود والرسوم التي قيلت في المحبّة صحيحة غيرُ وافية بحقيقتها، بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات. فصل [حدّ للمحبَّة والكلام عليه] قال: "وهي -على الإجمال قبل أن ننتهي إلى التفصيل- وجودُ تعظيمٍ في القلب يمنع الانقيادَ لغير محبوبه" (٣). فيقال: التعظيم (٤) المانع من الانقياد لغير المحبوب هو أثر من آثار

стр. 727

المحبّة وموجَب من موجَباتها، لا أنَّه نفس المحبّة، فإنَّ المحبّة إذا كانت صادقة أوجبَتْ للمحِبّ تعظيمًا لمحبوبه يمنعه من انقياده إلى غيره. وليس مجرَّد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره، بل التعظيم المقارن للحبّ هو الذي يمنع من الانقياد إلى غير المحبوب. فإنّ التعظيم إذا كان مجرَّدًا عن الحبّ لم يمنع انقياد القلب إلى غير المعظّم. وكذلك إذا كان الحبّ خاليًا عن التعظيم لم يمنع المحِبَّ أن ينقاد إلى غير محبوبه. فإذا اقترن الحبّ بالتعظيم، وامتلأ القلب بهما، امتنع انقياده إلى غير المحبوب. و المحبّة المشتركة ثلاثة أنواع: أحدها: محبّة طبيعية مشتركة، كمحبّة الجائع للطعام، والظمآن للماءِ، وغير ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم. والنوع الثاني: محبّةُ رحمةٍ وإشفاقٍ، كمحبّة الوالد لولده الطفل، ونحوها. وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم. والنوع الثالث: محبّة أنسٍ وإلفٍ، وهي محبّة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم (١) بعضًا، وكمحبّة الإخوة بعضهم بعضًا. فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبّة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبَّة اللَّه. ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ

стр. 728

يحبّ الحلواءَ والعسل (١)، وكان أحبّ الشراب إليه الحلو البارد (٢)، وكان أحبّ اللحم إليه الذراع (٣). وكان يحبّ نساءَه، وكانت عائشة ﵂ أحبَّهنَّ إليه (٤). وكان يحبّ أصحابه، وأحبُّهم إليه الصدِّيق (٥) ﵁. وأمَّا المحبَّة الخاصَّة التي لا تصلح إلا للَّه وحده، ومتى أحبّ العبدُ بها غيرَه كان شركًا لا يغفره اللَّه، فهي محبّة العبودية المستلزمة للذلّ والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره. فهذه المحبّة لا يجوز تعلقها بغير اللَّه أصلًا، وهي التي سوّى المشركون بين آلهتهم وبين اللَّه فيها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥]. وأصحّ القولين أنَّ المعنى: يحبّونهم كما يحبّون اللَّه، فيسوّون (٦) بين اللَّه وبين أندادهم

стр. 729

في الحبّ. ثمَّ نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥]، فإنَّ الذين آمنوا أخلصوا حبّهم للَّه لم يشركوا به معه غيره، وأمَّا المشركون فلم يخلصوه للَّه. والمقصود من الخلق والأمر إنَّما هو هذه المحبّة، وهي أوَّل دعوة الرسل. وآخرُ كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنَّة اعترافُه وإقرارُه بهذه المحبّة، وإفرادُ الربّ تعالى بها. فهو أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا (١) إلى اللَّه. وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسبابٌ لتحصيلها وتكميلها وتحصينها (٢) من الشوائب والعلل. فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام. ولأجلها أنزل اللَّه الكتاب والحديد: فالكتاب هادٍ إليها، ودالّ عليها، ومفصِّل لها. والحديد لمن خرج عنها، وأشرك فيها مع اللَّه غيره. ولأجلها خلقت الجنة والنار: فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها للَّه وحده، فأخلصهم لها؛ والنار دار من أشرك فيها مع اللَّه غيره، وسوَّى بينه وبين اللَّه فيها، كما أخبر تعالى عن أهلها أنَّهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء/ ٩٧ - ٩٨]. وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات بحيث اعتقدوا أنَّها مساوية للَّه في أفعاله وصفاته، وإنَّما كانت تسويةً منهم بين اللَّه وبينها في المحبّة والعبودية فقط (٣)، مع إقرارهم بالفرق بين اللَّه وبينها، فتصحيح

стр. 730

هذه المسألة (١) هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا اللَّه. فحقيقٌ بمن (٢) نصح نفسه وأحبّ سعادتها ونجاتها أن يتيقّظ لهذه المسألة علمًا وعملًا وحالًا، وتكون أهمّ الأشياء عنده، وأجلّ علومه وأعماله؛ فإنَّ الشأن كلّه فيها، والمدار عليها، والسؤال يوم القيامة عنها. قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر/ ٩٢ - ٩٣]. قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا اللَّه" (٣). وهذا حقّ، فإنَّ السؤال كلّه عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحدٌ قطُّ إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ (٤) فالسؤال عمَّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤالُ عمَّاذا أجابوا المرسلين سؤالٌ عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كلّه إليها. وأمرٌ هذا شأنه حقيقٌ بأن تُثنى (٥) عليه الخناصر، ويُعَضَّ عليه بالنواجذ، ويُقبضَ فيه على الجمر. ولا يؤخذ بأطراف الأنامل،

стр. 731

ولا يُطلب على فضلة؛ بل يُجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنَّما يطلب على الفضلة. واللَّه الموفق لا إله غيره، ولا ربّ سواه. فصل [حدّ آخر للمحبة] قال: "وقيل: المحبة إيثار المحبوب على غيره" (١). وهذا الحدُّ أيضًا من جنس ما قبله، فإنَّ إيثار المحبوب على غيره موجَب المحبة ومقتضاها (٢)، فإذا استقرَّت المحبَّة في القلب استدعت من المحبّ إيثارَ محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها (٣). فإذا آثر غير المحبوب عليه لم يكن محبَّا له، وإن زعم أنَّه محبّ، فإنَّما هو محبّ لنفسه ولحظّه ممن يحبه، فإذا رأى حظًّا آخرَ هو أحبُّ إليه من حظّه الذي يريده من محبوبه آثرَ ذلك الحظَّ المحبوبَ إليه. فهذا موضع يغلط فيه الناسُ كثيرًا، إذ أكثرهم إنَّما هو محبٌّ (٤) لحظِّه ومراده، فإذا علم أنَّه عند غيره أحبَّ ذلك الغيرَ حبَّ الوسائل لا حبًّا له لذاته. ويظهر هذا عند حالتين: إحداهما: أن (٥) يرى حظًا له آخرَ عند غيره، فيؤثر ذلك الحط، ويترك محبوبه. الثانية: أنَّه إذا نال ذلك

стр. 732

الحظَّ من محبوبه فترت محبّتُه، وسكن قلبُه، وترحّل قاطنُ المحبّة من قلبه؛ كما قيل: "من ودَّك لأمرٍ ولَّى (١) عند انقضائه". فهذه محبّة مشوبة بالعلل. بل المحبّه الخالصة أن تحبّ المحبوبَ لكماله، وأنَّه أهل أن يُحَبَّ كمحبّته (٢) لذاته وصفاته. وإنَّ الذي توجبه (٣) هذه المحبة فناءُ العبد عن إرادته بمراد (٤) محبوبه، فيكون عاملًا على مراد محبوبه منه، لا على مراده هو من محبوبه (٥). فهذه هي المحبّة الخالصة من درن العلل وشوائب النفس، وهي التي تستلزم (٦) إيثار المحبوب على غيره ولا بدّ. وكلَّما كان سلطان هذه (٧) المحبّة أقوى كان هذا الإيثار أتمّ (٨). وفي مثل هذا قيل: تعصي الإلهَ وأنت تزعم حبَّه ... هذا محال في القياس شنيعُ (٩) لو كان حبّك صادقًا لأطعتَه ... إنَّ المحبّ لمن يحبّ مطيعُ (١٠)

стр. 733

وههنا دقيقة ينبغي التفطّن لها، وهي أنَّ إيثار المحبوب نوعان: إيثار معاوضة ومتاجرة، وإيثار حبّ وإرادة. فالأوَّل يؤثر محبوبَه على غيره طلبًا لحظّه منه. فهو (١) يبذل ما يؤثره به (٢) ليعاوضه بخير منه. والثاني يؤثره إجابةً لداعي محبته. فإنَّ المحبة الصادقة تدعوه دائمًا إلى إيثار محبوبه، فإيثارُه هو أجلّ حظوظه. فحظّه في نفس الإيثار، لا في العوض المطلوب بالإيثار. وهذا لا يفهمه إلا النفس اللطيفة الوادعة (٣) المشرقة. وأمَّا النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعُشّها فَلْتَدْرُجْ (٤)! فصل (٥) والدين كلّه والمعاملة في الإيثار، فإنَّه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، حتى قيل (٦): إنَّ من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر، إذ لو لم يكن محتاجًا إليه لكان بذله سخاءً وكرمًا. وهذا إنَّما يصح في إيثار المخلوق، واللَّه سبحانه يؤثر عبدَه على غيره، من غير احتياج منه سبحانه، فإنَّه الغني الحميد. وفي الدعاء المرفوع: "اللّهم زِدْنَا ولا تنقصْنا، وأعْطِنا ولا تحرِمْنا،

стр. 734

وأكرِمْنا ولا تُهِنَّا، وآثِرْنا ولا تُؤثر علينا، وأرضِنا وارضَ عنَّا" (١). وقيل: من آثر اللَّه على غيره آثره اللَّه على غيره. و الفرق بين الإيثار والأثرة أنَّ "الإيثار" تخصيص الغير بما تريده لنفسك. و"الأثرة" اختصاصك به على الغير. وفي الحديث: "بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في عُسْرنا ويُسْرنا، ومَنشَطنا ومَكْرَهِنا، وأثَرةٍ علينا" (٢). إذا (٣) عرف هذا، فالإيثار إمَّا أن يتعلَّق بالخلق، وإمَّا أن يتعلّق بالخالق. فإن (٤) تعلّق بالخلق، فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضِم لك دينًا، ولا يسدّ عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا. فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثارُ نفسك عليهم أولى، فإن الرجلَ مَن لا يؤثر بنصيبه من اللَّه أحدًا كائنًا من كان. وهذا في غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه. فإنَّ الإيثار المحمود الذي أثنى اللَّه على فاعله الإيثار بالدنيا، لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب. قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ

стр. 735

بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر/ ٩]. فأخبر تعالى أنَّ إيثارهم إنَّما هو بالشيء الذي إذا وُقِي الرجلُ الشحَّ به كان من المفلحين. وهذا إنَّما هو فضول الدنيا (١)، لا الأوقات المصروفة في الطاعات؛ فإنَّ الفلاح كلّ الفلاح في الشحّ بها، فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عريانا (٢) مفلسًا؛ فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله. وممَّا يدلُّ على هذا أنَّه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البرّ، والتنافس فيها، والمبادرة إليها؛ وهذا ضدّ الإيثار بها. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران/ ١٣٣] وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة/ ١٤٨] وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين/ ٢٦]. وقال النبيّ ﷺ : "لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصفّ الأوَّل لكانت قُرْعةً" (٣). والقرعة إنَّما تكون عند التزاحم والتنافس، لا عند الإيثار. فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًّا للإيثار، بل محلًّا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاء: "لا يستحبّ الإيثار بالقربات".

стр. 736

والسرّ فيه -واللَّه أعلم- أنَّ الإيثار إنَّما يكون بالشيء الذي يضيق عن الاشتراك فيه، فلا يسع المؤثِر والمؤثَر، بل لا يسع إلا أحدَهما. وأمَّا أعمال البرّ والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلّفة في الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم، ووَسِعَتْهم كلَّهم. وإن قُدِّر التزاحمُ في عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع، بحيث إذا فعله واحد فات على غيره؛ فإنَّ في العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله، كما ثبت عن النبيّ ﷺ في غير حديث. فإذا قُدِّرَ فوتُ مباشرته له، فلا يفوت عليه عزمُه ونيَّتُه لفعله. وأيضًا فإنَّه إذا فات عليه كان في غيره من الطاعات والقربات عوضٌ (١) منه: إمَّا مساوٍ له، وإمَّا أزيد (٢)، وإمَّا دونه. فمتى أتى بالعوض، وعلِم اللَّه من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت، أعطاه (٣) ثوابَه وثوابَ ما تعوّض به عنه؛ فجمع له الأمرين. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. وأيضًا فإنَّ المقصود رغبة العبد في التقرّب إلى اللَّه، وابتغاء الوسيلة إليه، والمنافسة في محابّه؛ والإيثار بهذا التقرّب يدل على رغبته عنه وتركه له، وعدم المنافسة فيه. وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه، إذا كان أخوه محتاجًا إليه، فإذا اختصّ به أحدهما فات الآخر، فندب اللَّه سبحانه عبده إذا وجد من نفسه قوَّةً وصبرًا على

стр. 737

الإيثار به، ما لم يخرِمْ عليه دينًا، أو يجلبْ له مفسدةً، أو يقطعْ عليه طريقًا عزم على سلوكه إلى ربّه، أو (١) يشوّشْ (٢) عليه قلبه بحيث يجعله متعلِّقًا بالخلق؛ فمفسدة الإيثار هنا (٣) أرجح من مصلحته. فإذا ترجَّحت مصلحة الإيثار، بحيث تتضمَّن إنقاذَ نفسٍ (٤) من هلكة أو عطب أو شدَّة ضرورة -وليس بالمؤثَر (٥) نظيرها- تعيَّن عليه الإيثار. فإن كان به (٦) نظيرها لم يتعيَّن عليه الإيثار، ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاءِ والإحسان؛ فإنَّه من آثر حياةَ غيره على حياته وضرورتَه على ضرورته، فقد استولى على أمد الكرم والسخاء، وحاز قصباته (٧)، وضرب فيه بأوفر الحظّ. وفي هذا الموضع مسائل فقهية (٨) ليس هذا موضع ذكرها. فإن قيل: فما الذي يُسهّل على النفس هذا الإيثار، فإنَّ النفس مجبولة على الأثَرة، لا على الإيثار؟ قيل: يسهّله أمور: أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإنَّ من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها: الإيثار. وقد جبل اللَّه القلوبَ على تعظيم صاحبه ومحبّته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل

стр. 738

لخلق اللَّه. والأخلاق ثلاثة: خلق الإيثار، وهو خلق الفضل. وخلق القسمة والتسوية (١)، وهو خلق العدل. وخلق الاستئثار والاستبداد، وهو خلق الظلم. فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب. وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلّط عليه، ولكنها لاتنقاد إليه انقيادَها لمن يؤثرها. وصاحب الاستئثار، النفوسُ إلى أذاه والتسلّط عليه أسرعُ من السيل في حَدوره (٢). وهل أزال الممالك وقلَعَها إلا الاستئثار؟ فإنَّ النفوس لا صبر لها عليه. ولهذا أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر، وإن استأثروا عليهم (٣)؛ لما في طاعة المستأثر من المشقّة والكره (٤). الثاني: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشحّ وكراهته له. الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها اللَّه للمسلمين بعضهم على بعض، فهو يرعاها حقّ رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنَّه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حدّه، فإنَّ ذلك عسِر جدًّا، بل لا بدّ من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم. فهو لخوفه من تضييع الحقِّ والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضرّه، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود عليه من إيثاره

стр. 739

أفضل مما بذله. ومن جرَّب هذا عرَفه، ومن لم يجرّبه فَلْيستقرِ أحوال العالم. والموفَّق من وفَّقه اللَّه. فصل والإيثار المتعلِّق بالخالق أجل من هذا وأفضل، وهو إيثار رضاه على رضى غيره، وإيثار حبّه على حبّ غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذلّ له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملّق على بذل ذلك لغيره. وكذلك إيثار الطلب منه (١) والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلّق ذلك بغيره. فالأوَّل آثر بعضَ العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر اللَّهَ على غيره. ونفسُه من أعظم الأغيار، فآثر اللَّه عليها، فترك محبوبَها لمحبوب اللَّه. وعلامة صحّة (٢) هذا الإيثار شيئان: أحدهما: فعلُ ما يحبّه (٣) اللَّه إذا كانت النفسُ تكرهه وتهرب منه. والثاني (٤): ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبّه وتهواه. فبهذين الأمرين يصحّ مقام الإيثار. ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع. فالمحنة فيه عظيمة، والمؤنة فيه شديدة، والنفس عنه ضعيفة، ولا يتمّ

стр. 740

صلاح (١) العبد وسعادته إلا به، وإنَّه ليسيرٌ على من يسّره اللَّه عليه. فحقيق بالعبد أن يتسنّم (٢) إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمّر إليه وإن عظمت فيه المحنة (٣)، ويحتمل (٤) فيه خطرًا يسيرًا لملك عظيم وفوز كبير؛ فإنَّ ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، واليسير (٥) منه يُرقّي العبد ويسيِّره ما لا (٦) يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء (٧). ولا تتحقَّق المحبَّة إلا بهذا الإيثار. والذي يسهّله على العبد أمور: أحدها: أن تكون طبيعته ليّنة منقادة سلسة، ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويّا، فإنَّ هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته. فبهذه الأمور (٨) الثلاثة ينهض إلى هذا المقام، ويسهل عليه دركه. والنقص والتخلّف في النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدةً غير سريعة الإدراك، بل بطيئة. فلا يكاد يرى (٩) حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رآها (١٠) اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات
следующие страницы →