← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والسرّ فيه -واللَّه أعلم- أنَّ الإيثار إنَّما يكون بالشيء الذي يضيق عن الاشتراك فيه، فلا يسع المؤثِر والمؤثَر، بل لا يسع إلا أحدَهما. وأمَّا أعمال البرّ والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلّفة في الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم، ووَسِعَتْهم كلَّهم. وإن قُدِّر التزاحمُ في عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع، بحيث إذا فعله واحد فات على غيره؛ فإنَّ في العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله، كما ثبت عن النبيّ ﷺ في غير حديث. فإذا قُدِّرَ فوتُ مباشرته له، فلا يفوت عليه عزمُه ونيَّتُه لفعله. وأيضًا فإنَّه إذا فات عليه كان في غيره من الطاعات والقربات عوضٌ (١) منه: إمَّا مساوٍ له، وإمَّا أزيد (٢)، وإمَّا دونه. فمتى أتى بالعوض، وعلِم اللَّه من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت، أعطاه (٣) ثوابَه وثوابَ ما تعوّض به عنه؛ فجمع له الأمرين. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. وأيضًا فإنَّ المقصود رغبة العبد في التقرّب إلى اللَّه، وابتغاء الوسيلة إليه، والمنافسة في محابّه؛ والإيثار بهذا التقرّب يدل على رغبته عنه وتركه له، وعدم المنافسة فيه. وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه، إذا كان أخوه محتاجًا إليه، فإذا اختصّ به أحدهما فات الآخر، فندب اللَّه سبحانه عبده إذا وجد من نفسه قوَّةً وصبرًا على

стр. 737

الإيثار به، ما لم يخرِمْ عليه دينًا، أو يجلبْ له مفسدةً، أو يقطعْ عليه طريقًا عزم على سلوكه إلى ربّه، أو (١) يشوّشْ (٢) عليه قلبه بحيث يجعله متعلِّقًا بالخلق؛ فمفسدة الإيثار هنا (٣) أرجح من مصلحته. فإذا ترجَّحت مصلحة الإيثار، بحيث تتضمَّن إنقاذَ نفسٍ (٤) من هلكة أو عطب أو شدَّة ضرورة -وليس بالمؤثَر (٥) نظيرها- تعيَّن عليه الإيثار. فإن كان به (٦) نظيرها لم يتعيَّن عليه الإيثار، ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاءِ والإحسان؛ فإنَّه من آثر حياةَ غيره على حياته وضرورتَه على ضرورته، فقد استولى على أمد الكرم والسخاء، وحاز قصباته (٧)، وضرب فيه بأوفر الحظّ. وفي هذا الموضع مسائل فقهية (٨) ليس هذا موضع ذكرها. فإن قيل: فما الذي يُسهّل على النفس هذا الإيثار، فإنَّ النفس مجبولة على الأثَرة، لا على الإيثار؟ قيل: يسهّله أمور: أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإنَّ من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها: الإيثار. وقد جبل اللَّه القلوبَ على تعظيم صاحبه ومحبّته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل

стр. 738

لخلق اللَّه. والأخلاق ثلاثة: خلق الإيثار، وهو خلق الفضل. وخلق القسمة والتسوية (١)، وهو خلق العدل. وخلق الاستئثار والاستبداد، وهو خلق الظلم. فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب. وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلّط عليه، ولكنها لاتنقاد إليه انقيادَها لمن يؤثرها. وصاحب الاستئثار، النفوسُ إلى أذاه والتسلّط عليه أسرعُ من السيل في حَدوره (٢). وهل أزال الممالك وقلَعَها إلا الاستئثار؟ فإنَّ النفوس لا صبر لها عليه. ولهذا أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر، وإن استأثروا عليهم (٣)؛ لما في طاعة المستأثر من المشقّة والكره (٤). الثاني: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشحّ وكراهته له. الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها اللَّه للمسلمين بعضهم على بعض، فهو يرعاها حقّ رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنَّه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حدّه، فإنَّ ذلك عسِر جدًّا، بل لا بدّ من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم. فهو لخوفه من تضييع الحقِّ والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضرّه، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود عليه من إيثاره

стр. 739

أفضل مما بذله. ومن جرَّب هذا عرَفه، ومن لم يجرّبه فَلْيستقرِ أحوال العالم. والموفَّق من وفَّقه اللَّه. فصل والإيثار المتعلِّق بالخالق أجل من هذا وأفضل، وهو إيثار رضاه على رضى غيره، وإيثار حبّه على حبّ غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذلّ له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملّق على بذل ذلك لغيره. وكذلك إيثار الطلب منه (١) والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلّق ذلك بغيره. فالأوَّل آثر بعضَ العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر اللَّهَ على غيره. ونفسُه من أعظم الأغيار، فآثر اللَّه عليها، فترك محبوبَها لمحبوب اللَّه. وعلامة صحّة (٢) هذا الإيثار شيئان: أحدهما: فعلُ ما يحبّه (٣) اللَّه إذا كانت النفسُ تكرهه وتهرب منه. والثاني (٤): ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبّه وتهواه. فبهذين الأمرين يصحّ مقام الإيثار. ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع. فالمحنة فيه عظيمة، والمؤنة فيه شديدة، والنفس عنه ضعيفة، ولا يتمّ

стр. 740

صلاح (١) العبد وسعادته إلا به، وإنَّه ليسيرٌ على من يسّره اللَّه عليه. فحقيق بالعبد أن يتسنّم (٢) إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمّر إليه وإن عظمت فيه المحنة (٣)، ويحتمل (٤) فيه خطرًا يسيرًا لملك عظيم وفوز كبير؛ فإنَّ ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، واليسير (٥) منه يُرقّي العبد ويسيِّره ما لا (٦) يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء (٧). ولا تتحقَّق المحبَّة إلا بهذا الإيثار. والذي يسهّله على العبد أمور: أحدها: أن تكون طبيعته ليّنة منقادة سلسة، ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويّا، فإنَّ هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته. فبهذه الأمور (٨) الثلاثة ينهض إلى هذا المقام، ويسهل عليه دركه. والنقص والتخلّف في النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدةً غير سريعة الإدراك، بل بطيئة. فلا يكاد يرى (٩) حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رآها (١٠) اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات

стр. 741

والاحتمالات، فلا يتخلّص له رؤيتها وعيانها. الثاني: أن تكون القريحة وفَّادة درَّاكة، لكن النفس ضعيفة مهينة، إذا أبصرت الحقّ والرشد ضعفت عن إيثاره. فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض، كلَّما ساقه خطوة وقف خطوة؛ أو كسَوق الطفل الصغير الذي قد (١) تعلَّقت نفسه بشهواته ومألوفاته، فهو يسوقه إلى رشده، وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرهًا. فإذا رُزِق العبد قريحةً وفَّادةً، وطبيعةً منقادةً: إذا زجرها انزجرت، وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين؛ وأُيِّدَ (٢) مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ، أقبلت إليه وفود السعادة من كلِّ جانب. ولمَّا كانت هذه القرائح والطبائع ثابتةً للصحابة ﵃، وكمَّلها اللَّه لهم بنور الإسلام وقوَّة اليقين ومباشرة الإيمان. لقلوبهم، كانوا أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين. وكان مَن بعدهم لو أنفق مثل جبل أحد ذهبًا (٣) ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه (٤). ومن تصوَّر هذا الموضع حقّ تصوره علِمَ من أين يلزمه النقص والتأخّر، ومن أين يتقدم ويترقّى في درجات السعادة. وباللَّه التوفيق (٥).

стр. 742

فصل [حدّ آخر للمحبة] قال (١): "وقيل: المحبّة موافقة المحبوب فيما ساءَ وسرّ، ونفع وضرّ، كما قيل: وأهنتِني فأهنتُ نفسي صاغرًا ... ما مَن يهون عليكِ ممَّن أُكرِمُ (٢) " فيقال: وهذا الحدّ أيضًا من جنس ما قبله، فإنَّ موافقة المحبوب من موجَبات المحبة وثمراتها، وليست نفس المحبّة؛ بل المحبَّة تستدعي الموافقة، وكلَّما كانت المحبة أقوى كانت الموافقة أتمّ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران/ ٣١]. قال الحسن: قال قوم على عهد النبيّ ﷺ : إنَّا نحبّ ربنا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣). وقال الجنيد: ادَّعى قوم محبة اللَّه، فأنزل اللَّه آية المحبة وهي قوله (٤): ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. يعني أنَّ متابعة الرسول هي موافقة حبيبكم، فإنَّه المبلّغ عنه ما يحبه وما يكرهه، فمتابعته موافقة اللَّه في فعل ما يحبّ وترك ما يكره (٥).

стр. 743

قال (١) مالك ﵀ في هذه الآية: "من أحبَّ طاعةَ اللَّه أحبَّه اللَّهُ وحبّبه إلى خلقه". وإنَّما كانت موافقة المحبوب دليلًا على محبّته لأنَّ من أحبَّ حبيبًا فلا بدَّ أن يحبّ ما يحبّه ويبغض ما يبغضه، وإلا لم يكن محبًّا له محبة صادقة. بل إن تخلّف ذلك عنه لم يكن محبًّا له، بل يكون محبًّا لمراده منه، أحبَّه محبوبُه أم كرهه، ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد، فلو حصل له حظّه من غيره لترحّل عن حبّه (٢). فهذه المحبة المدخولة الفاسدة. وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعي حبّ ما يحبّه المحبوب وبغض ما يبغضه، فلا بدّ أن يوافقه فيه. ولكن ههنا مسألة يغلط فيها كثير من المدّعين للحبّ (٣). وهي أنَّ موافقة المحبوب في مراده ليس المعنيُّ بها مرادَه الخَلقي الكوني، فإنَّ كلَّ الكون مراده، وكلَّ ما يفعله الخلائق فهو موجَب مشيئته وإرادته الكونية. فلو كانت موافقته في هذا المراد هي محبته لم يكن له عدوّ أصلًا، وكانت الشياطين والكفَّار والمشركون عبَّاد الأوثان والشمس والقمر أولياءَه وأحبابه، تعالى (٤) عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإنَّما يظنّ ذلك من يظنّه من أعدائه الجاحدين لإلهيته (٥) ودينه،

стр. 744

الذين يسوّون بين أوليائه وأعدائه. قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (١) [ص/ ٢٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية/ ٢١]. وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم/ ٣٥ - ٣٦]. فأنكر سبحانه على من سوَّى بين المسلمين والمجرمين (٢) وبين المطيعين والمفسدين مع أنَّ الكلَّ تحت المراد الكوني والمشيئة العامَّة. وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس اللَّه روحه (٣) - يقول: قال لي بعض شيوخ هؤلاء: المحبَّة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون كلّه مراده، فأيّ شيء أُبغِضُ منه؟ قال: فقلت له: فإذا كان المحبوب قد أبغضَ بعضَ ما في الكون، فأبغضَ قومًا ولعنَهم ومقَتَهم (٤) وعاداهم؛ فأحببتَهم أنتَ وواليتَهم، تكون مواليًا للمحبوب موافقًا له، أو مخالفًا له معاديًا له؛ قال: فكأنَّما أُلقِمَ حَجرًا (٥). ويبلغ الجهل والكفر ببعض هؤلاء إلى حدّ بحيث إذا فعل محظورًا يزعم أنَّه مطيع للَّه فيه (٦)، ويقول: أنا مطيع لإرادته، وينشد في ذلك:

стр. 745

أصبحتُ منفعلًا لما تختاره ... منِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ! (١) ويقول أحدهم: إبليس وإن عصى الأمر، لكنَّه أطاع الإرادة! يعني أنَّ فعله طاعة للَّه من حيث موافقة إرادته. وهذا انسلاخ من ربقة العقل والدين، وخروج عن الشرائع كلّها؛ فإنَّ الطاعة إنَّما هي موافقة الأمر الديني الذي يحبّه اللَّه ويرضاه. وأمَّا دخوله تحت القدر الكوني الذي يبغضه ويسخطه ويكفّر فاعلَه ويعاقبه، فهي المعصية والكفر ومعاداته ومعاداة دينه. ولا ريب أنَّ المسرفين على أنفسهم، المنهمكين في الذنوب والمعاصي، المعترفين بأنَّهم عصاة مذنبون = أقربُ إلى اللَّه من هؤلاء العارفين المنسلخين عن دين الأنبياء كلّهم، الذين لا عقل لهم ولا دين! فنسأل اللَّه أن يثبِّت قلوبنا على دينه. أمَّا البيت الذي استشهد به فهو من أبياب لأبي الشِّيص (٢) يقول (٣) فيها: وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي ... متأخَّرٌ عنه ولا متقدَّمُ وأهنتِني فأهنتُ نفسي جاهدًا ... ما مَن يهون عليك ممن يُكرَمُ (٤) أشبهتِ أعدائي فصِرتُ أحبُّهم ... إذ كان حظِّي منك حظِّي منهمُ أجدُ الملامَةَ في هواكِ لذيذةً ... حُبًّا لذكركِ فَلْيَلُمْني اللُّوَّمُ

стр. 746

وقد ناقض فيها في دعواه مناقضةً بيِّنةً، فإنَّه أخبرَ أنَّ هواه قد صار وقفًا عليها، لا يزول عنها ولا يتحوَّل بتقدّم ولا تأخّر؛ ثمَّ أخبرَ أنَّه قد بلغ به حبُّها وهواها إلى أن صار مرادُها من نفسه عينَ (١) مراده هو. فلمَّا أرادت إهانته بالصدّ والهجران والبعد سعى هو في إهانة نفسه بجهده موافَقةً لها في إرادتها، فصارت إهانتُه لنفسه مرادةً محبوبةً له من حيث هي مرادةٌ محبوبةٌ لها. وزعم أنَّه لو أكرم نفسَه لكان مخالفًا لمحبوبته مكرِمًا (٢) لمن أهانته. ثمَّ نقض هذا الغرض من حيث شبَّهها بأعدائه الذين هم أبغض شيءٍ إليه. ووجه هذا التشبيه أنَّه لم يحصل منها من حطه ومراده على شيء، بل الذي يحصل له منها مثلُ ما يحصل له من أعدائه من إهانتهم له وأذاه، فصار حطه منها ومن أعدائه واحدًا، فصارت شبيهةً بهم، فأين هذا من الموافقة التامَّة (٣) لها في مرادها، بحيث يهين (٤) نفسه لمحبتها في إهانته؟ ثمَّ أخبر أنَّ له منها حظًّا مرادًا، وأنَّ ذلك الحظّ الذي يريده لم يحصل له، وإنَّما حصل له منه نظير ما يحصل له من أعدائه. وهذه شكاية في الحقيقة وإخبار عن محبّة معلولة (٥) بالحظّ، وشكاية للحبيب بتفويته عليه. ثمَّ إنَّه أخبر عن جناية أخرى، وهي أنَّه شرَّكَ بينها وبين أعدائه في حبّه

стр. 747

لها، فصار حبُّه منقسمًا: بعضُه لها (١)، وبعضُه لأعدائه لشبههم إياها. ثُمَّ إنَّ في الشعر جنايةً أخرى عليها، وهو أنَّه شبَّهها بمن جبلت القلوب على بغضه، وهو العدوّ. واللائق تشبيه الحبيب بما هو أحبّ الأشياء إلى النفس كالسمع والبصر والحياة والروح والعافية، كما هو عادة الشعراء والناس في نظمهم ونثرهم، كما هو معروف بينهم، وهو جادة كلامهم. ثمَّ أخبر بمحبته لأعدائه لشبههم بها، فتضمَّن كلامُه معاداة من يحبه، ومحبة من يعاديه. فإنَّها إذا أشبهت أعداءَه لزم أن يحصل لها نصيب من معاداته، وإذا أشبهها أعداؤه لزم أن يحصل لهم نصيب من محبته، كما صرَّح به في جانبهم، وترك التصريح به (٢) في جانبها، وهو مفهوم من كلامه. ثُمَّ أخبر أنه يلتذّ بملامة اللوَّام في هواها لما يتضمَّن من ذكراها. وهذا يدلُّ على قوة محبتها وسماع ذكرها. وهذا غرض صحيح، مع أنَّه مدخول أيضًا، فإنَّ محبوبته قد تكره ذلك لما يتضمَّن من فضيحتها به وجعلِها مضغةً للماضغين، فيكون محبًا لنفس ما تكرهه. وهذه محبة فاسدة معلولة، ناقضة لدعواه موافقتَها في محابّها.

стр. 748

فصل [حدّ آخر] قال (١): "وقيل: المحبة: القيام بين يديه وأنت قاعد، ومفارقةُ المضجع وأنت راقد، والسكوت وأنت ناطق، ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطن". فيقال: وهذا أيضًا أثر من آثار المحبة، وموجَب من موجباتها، وحكم من أحكامها. وهو صحيح، فإنَّ المحبة تُوجِبُ سفرَ القلب نحو المحبوب دائمًا. والمحِبُّ في وطنه قاطن (٢)، وتوجب مثولَه وقيامَه بين يدي محبوبه وهو قاعد، وتجافيَه عن مضجعه ومَفارقتَه إيَّاه وهو فيه راقد، وفراغَه لمحبوبه بكلّه (٣) وهو مشغول في الظاهر (٤) بغيره. كما قال بعضهم: وأُدِيمُ نحوَ محدِّثي لِيرَى ... أن قد عقلتُ وعندكم عقلي (٥) وقال بعض المريدين لشيخه: أيسجد القلب بين يدي اللَّه؟ فقال: نعم، سجدةً لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة! (٦) فهذه سجدة متّصلة بقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وحركته وسكونه. وكذلك يكون جسده في

стр. 749

مضجعه، وقلبُه قد قطع المراحل مسافرًا إلى حبيبه. فإذا أخذ مضجعه اجتمع عليه حبُّه وشوقه، فيهزه المضجعُ إلى سَكَنِه. كما قال اللَّه تعالى في حقِّ المحبين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة/ ١٦]. فلمَّا تجافت قلوبهم (١) عن المضاجع جافت الجُنوبَ عنها واستخدمتها، وأمرتها فأطاعتها. وقال القائل: نهاري نهارُ الناس، حتَّى إذا بدا ... ليَ الليلُ هزَّتْني إليكِ المضاجعُ (٢) ويحكى أنَّ بعض الصالحين اجتاز بمسجد، فرأى الشيطانَ واقفًا ببابه لا يستطيع دخوله. فنظر فهذا فيه رجل نائم، وآخر قائم يصلي. فقال له: أيمنعك هذا المصلي من دخوله؟ فقال: كلا، إنَّما يمنعني ذلك الأسد الرابض, ولولا مكانه لدخلتُ! وبالجملة فقلبُ المحبّ دائمًا في سفر لا ينقضي نحو محبوبه، كلَّما قطع مرحلة (٣) ومنزلة تبدَّتْ له أخرى، كما قيل: إذَا قطعنَ عَلَمًا يدا عَلَمْ (٤) فهو مسافر بين أهله (٥)، وظاعن وهو في داره، وغريب

стр. 750

وهو (١) بين إخوانه وعشيرته؛ يرى كلَّ أحد عنده، ولا يرى نفسَه عند أحد. فقوةُ تعلّق المحبّ بمحبوبه تُوجِب له أن لا يستقرّ قلبه دون الوصول إليه، وكلّما هدأت حركاته وقلّت شواغله اجتمعت عليه شؤون قلبه، وقوي (٢) سيره إلى محبوبه. ومحك هذه (٣) الحال يظهر في مواطن أربعة: أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغّ حواسه (٤) وجوارحه من الشواغل، واجتماع قلبه على ما يحبه. فإنَّه لا ينام إلا على ذكر من يحبّه وشغل قلبه به. الموطن الثاني: عند انتباهه من النوم. فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه. فإنَّه إذا استيقظ ورُدَّتْ إليه روحُه رُدَّ معها إليه ذكرُ محبوبه الذي كان قد غاب عنه في النوم، ولكن كان قد خالط روحه وقلبه، فلمَّا ردّت إليه الروح أسرَعَ من الطرف رُدَّ إليه ذكرُ محبوبه متصلًا بها، مصاحبًا لها، فورد عليه قبل كلّ وارد، وهجم عليه قبل كلّ طارق. فإذا وردَتْ عليه الشواغل والقواطع وردَتْ على محلّ ممتلئ بمحبّة ما يحبه، فوردت على ساحته من ظاهرها. فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما في قلبه من الحبّ، فإنه قد لزمه كملازمة الغريم (٥) لغريمه لذلك يسمَّى "غرامًا"، وهو الحبّ اللازم الذي لا يفارق فسمع بمحبوبه، وأبصر به،

стр. 751

وبطَش به، ومشى به. فصار محبوبه في وجوده في محلّ سمعه الذي يسمَع به، وبصرِه الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. هذا مثل محبوبه في وجوده، وهو غير متّحد به، بل هو قائم بذاته مباين له. وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب، أو قليل العلم، ضعيف العقل، يجد محبوبَه قد استولى على قلبه وذكره، فيظن أنه هو نفس ذاته الخارجة قد اتّحدتْ به أو (١) حلَّت فيه. فينشأ من قسوة الأوَّل وكثافته وغِلَظ حجابه (٢)، ومن قلَّة علم الثاني ومعرفته وضعف تمييزه ضلالُ الحلول والاتحاد، وضلالُ الإنكار والتعطيل والحرمان. ويخرج (٣) من بين فَرْثِ هذا ودمِ هذا لبنُ الفطرة الأولى خالصًا سائغًا للشاربين. الموطن الثالث: عند دخوله في الصلاة. فإنَّها محكّ الأحوال وميزان الإيمان, بها يوزن إيمان الرجل، ويتحفق حاله ومقامه ومقدار قربه من اللَّه ونصيبه منه، فإنَّها محلّ المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربِّه. فلا شيء أقرّ لعين المحبّ ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها إن (٤) كان محبًّا، فإنه لا شيء آثر عند المحبّ ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه، ومناجاته له، ومثوله بين يديه، وقد أقبل بقلبه على محبوبه، وقد أقبل (٥) محبوبه عليه. وكان قبل ذلك معذَّبًا بمقاساة

стр. 752

الأغيار ومواصلة الخلق والاشتغال بهم، فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى اللَّه إليه، وأوى عنده، واطمأنَّ بذكره، وقرَّت عينُه بالمثول بين يديه ومناجاته. فلا شيء أهم إليه (١) من الصلاة، كأنَّه في سجن وضيق وغمّ حتَّى تحضر الصلاة، فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح، كما قال النبي ﷺ لبلال: "يا بلال، أرِحْنا بالصلاة" (٢) ولم يقل: أَرِحْنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون. وقال بعض السلف: ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل في همّ وغمّ حتى تحضر الصلاة، فيزول همّه وغمّه (٣)، أو كما قال. فالصلاة قرَّة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذَّة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون همّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطَّال همّها حتَّى يقضيها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنقَّارين شأن! يشكون إلى اللَّه سوءَ صنيعهم بهم (٤) إذا ائتمّوا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويلَ إمامه. فسبحانه من فاضَلَ بين النفوس، وفاوتَ بينها هذا التفاوت العظيم! وبالجملة فمن كانت (٥) قرَّة عينه في الصلاة فلا شيء أحبّ إليه وأنعم (٦) عنده منها، وبودّه (٧) أن لو قطع عمرَه بها غيرَ مشتغل بغيرها،

стр. 753

وإنَّما يسلّي نفسه إذا فارقها بأنّه سيعود إليها عن قرب. فهو دائمًا يثوب إليها, ولا يقضي منها وطرًا. فلا يزنُ العبد إيمانه ومحبّته للَّه بمثل ميزان الصلاة، فإنّها الميزان العادل، الذي وزنه غير عائل. الموطن الرابع: عند الشدائد والأهوال. فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلّا أحبّ الأشياءِ إليه، ولا يهرب إلّا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبّونهم (١) عند الحرب واللقاء، وهو كثير في أشعارهم، كما قال (٢): ذكرتُكِ والخطّيُّ يخطِر بيننا ... وقد نهِلَتْ منَّا المثقَّفةُ السُّمْرُ (٣) وقال غيره: ولقد ذكرتُكِ والرماحُ كأنَّها ... أشطانُ بئرٍ في لَبان الأدهَمِ (٤)

стр. 754

وقد جاء في بعض الآثار (١): "يقول ﵎: إنَّ عبدي كل عبدي الذي يذكرُني وهو ملاقٍ قِرنَه" (٢). والسرّ في هذا -واللَّه أعلم- أنْ عند معاينة الشدائد (٣) والأهوال يشتدّ خوف القلب من ذوات أحبّ الأشياء إليه، وهي حياته التي لم يكن يؤثرها إلا لقربه من محبوبه، فهو إنَّما يحبّ حياته لتنغمه بمحبوبه، فإذا خاف فوتها بدر إلى قلبه ذكرُ المحبوب الذي يفوت بفوات حياته. ولهذا -واللَّه أعلم- كثيرًا ما يعرض للعبد عند موته لهَجُه بما يحبّه وكثرةُ ذكره له، وربما خرجت روحه، وهو يلهج به.

стр. 755

وقد (١) ذكر ابن أبي الدنيا في "كتاب المحتضرين" (٢) عن زُفَر ﵀ (٣) أنَّه جعل يقول عند موته: "لها ثلاثة أخماس الصداق، لها ربع الصداق، لها كذا. . . " حتَّى (٤) مات؛ لامتلاءِ قلبه ﵀ من محبّة (٥) الفقه والعلم. وأيضًا فإنه عند الموت تنقطع شواغله، وتتعطَّل (٦) حواسّه، فيظهر ما في القلب، ويقوى سلطانه، فيبدر ما فيه من غير حاجب ولا مدافع. وكثيرًا ما سُمِعَ من بعض المحتضرين عند الموت: "شاه مات" (٧). وسُمِعَ من آخر بيتُ شعر لم يزل يغنِّي به، حتَّى مات، وكان مغنِّيًا. وأخبرني رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت -وكان تاجرًا يبيع القماش- قال فجعل يقول: "هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص تساوي كذا وكذا. . . " حتى مات. والحكايات (٨) في هذا كثيرة جدًا. فمن كان مشغولًا باللَّه وبذكره ومحبته في حال (٩) حياته وجد ذلك

стр. 756

أحوجَ ما هو إليه عند خروج روحه إلى اللَّه. ومن كان مشغولًا بغيره في حال حياته وصحّته فيعسر (١) عليه اشتغاله باللَّه وحضوره معه عند الموت، ما لم تدركه عناية من ربّه. ولأجل هذا كان جديرًا بالعاقل أن يُلزِم قلبَه ولسانه ذكرَ اللَّه حيثما كان، لأجل تلك اللحظة التي إن فاتته (٢) شقي شقاوة الأبد. فنسأل اللَّه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. فصل [حدود أخرى للمحبَّة] وقد قيل في المحبة حدود كثيرة غير ما ذكره أبو العبّاس. فقيل: "المحبة ميل القلب إلى محبوبه". وهذا الحدّ لا يعطي تصوّر حقيقة المحبة، فإنَّ المحبة أعرف عند القلب من الميل. وأيضًا فإنَّ الميل لا يدلّ على حقيقة المحبة، فإنَّها أخصّ من مجرَّد ميل القلب، إذ قد يميل قلب العبد إلى الشيء ولا يكون محبًّا له لمعرفته بمضرته له؛ فإن سمّي هذا الميل (٣) محبة فهو اختلاف عبارة. وقيل: "المحبة علم المحبّ بجمال المحبوب ومحاسنه". وهذا حدّ قاصر، فإن العلم بجماله ومحاسنه هو السبب الداعي إلى محبته، فعبر عن المحبة بسببها. وقيل: المحبة تعلّق القلب بالمحبوب.

стр. 757

وقيل: انصباب القلب إلى المحبوب. وقيل: سكون القلب إليه. وقيل: اشتغال القلب بالمحبوب بحيث لا يتفرغ قلبه لغيره. وقيل: المحبة بذل المجهود في معرفة محبوبك، وبذل المجهود في مرضاته. وقيل: هيجان القلب عند ذكر المحبوب. وقيل: شجرة تنبت في القلب تسقَى بماء المراقبة، وإيثار رضي المحبوب. وقيل: المحبة حفظ الحدود، فليس بصادق من ادَّعى محبة اللَّه ولم يحفظ حدوده (١). وقيل: المحبة إرادة لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبرّ (٢). وقيل: فطام الجوارح عن استعمالها في غير مرضاة المحبوب. وقيل: المحبة هي السخاء بالنفس للمحبوب. وقيل: المحبة أن لا يزال على قلبك (٣) رقيب من المحبوب لا يمكنك من الانصراف عنه أبدًا. وأنشد في ذلك:

стр. 758

أبتْ غلَباتُ الشوق إلا تقرُّبا ... إليك، ويأبى العذلُ إلا تجنُّبا وما كان صدِّي عنك صدَّ ملالةٍ (١) ... ولا ذلك الإعراض إلا تقرُّبا وما كان ذاك العذلُ إلا نصيحةً ... ولا ذلك الإغضاءُ إلا تهيُّبا عليَّ رقيبٌ منك حلَّ بمهجتي ... إذا رُمتُ تسهيلًا على تصعَّبا (٢) وقيل: المحبة سقوط كلّ محبة من القلب سوى محبة حبيبك (٣). وقيل: المحبة صدق المجاهدة في أوامر اللَّه، وتجريد المتابعة لسنة رسول اللَّه ﷺ . وقيل: المحبة أن لا تفتُر من ذكره، ولا تملّ من حقّه (٤)، ولا تأنس بغيره. وقال أبو يزيد: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك (٥). وقيل: المحبة أن يميتك حبيبُك، وتحيا به. وقال أبو عبد اللَّه القرشي: المحبة أن تهبَ كلَّك لمن أحببتَ، فلا يبقى لك منك شيءٌ (٦).

стр. 759

وقيل: أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب (١). وقيل: المحبة نسيان حظّك من محبوبك، وفقرك بكلّك إليه. وقال النصراباذي (٢): المحبة مجانبة السلوّ على كلِّ حال (٣). وقال الحارث بن أسد (٤): المحبَّة ميلك إلى المحبوب بكلّيتك، ثُمَّ إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثمَّ موافقتك له سرَّا وجهرًا، ثُمَّ علمك بتقصيرك في حبّه. وقيل: المحبة سكر لا يصحو إلا بمشاهدة المحبوب (٥). وقيل: المحبة إقامتك بالباب على الدوام (٦). وقيل: "الحبّ (٧) حرفان: حاءٌ وباءٌ. فالحاءُ: الخروج عن الروح وبذلها للمحبوب. والباءُ: الخروج عن البدن وصرفه في طاعة المحبوب (٨).

стр. 760

وقال أبو عمرو الزُّجَاجي (١): سألت الجنيد عن المحبة فقال: تريد الإشارة؟ قلت: لا. قال (٢): تريد الدعوى؟ قلت: لا. قال: فأيشٍ تريد؟ قلت: عينَ المحبة. فقال: "أن تحبّ ما يحب اللَّه في عباده، وتكره ما يكره (٣) اللَّه في عباده". وقيل: المحبة معيَّة القلب والروح مع المحبوب معيَّةً لا تفارقه، فإنَّ المرءَ مع من أحبّ. وقد قيل فيها (٤) حدود أكثر من هذا، وكلّ هذا تعنّ. ولا توصف المحبة ولا تحدّ بحدّ أوضح من المحبة، ولا أقرب إلى الفهم من لفظها. وأمَّا ذكر الحدود والتعريفات، فإنَّما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم، فإذا زال الإشكال وعُدِمَ الاستعجام فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات (٥)، كما قال بعض العارفين (٦): إنَّ كلَّ لفظ يعبر به عن الشيء فلا بدَّ أن يكون ألطفَ وأرقَّ منه. والمحبَّة ألطف وأرقّ من كلِّ ما يعبّر به عنها.

стр. 761

فصل قال أبو العبّاس (١): "وقال قوم: ليس للمحبَّة صيغة يعبّر بها عن حقيقتها. فإنَّ الغيرة من أوصاف المحبة، والغيرة تأبى إلا التستّر والاختفاء (٢). وكلُّ من بسط لسانه بالعبارة (٣) عنها والكشف عن سرّها، فليس له منها ذوق، وإنَّما حرَّكه وجدانُ الرائحة، ولو ذاقَ منها (٤) شيئًا لغاب عن الشرح والوصف. فالمحبة (٥) لا تظهر على المحبّ بلفظه، وإنَّما تظهر عليه بشمائله ونحوله (٦). ولا يفهم حقيقتها من المحبّ سوى المحبوب، لموضع امتزاج (٧) الأسرار من القلوب، كما قيل: تُشير فأدري ما تقول بطرفها ... وأُطرِقُ طرفي عند ذاك فتعلَمُ تكلَّمُ منَّا في الوجوه عيونُنا ... فنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ (٨) "

стр. 762

قلتُ: كلّ معنى فله صيغة يعبّر به (١) عنه، ولا سيما إذا كان (٢) من المعاني المعروفة للخاصّ والعامّ. ولكن العبارة قد تكون كاشفةً للمعنى مطابقةً له، كلفظ الدراهم والخبر والماء واللبن ونحوها، وهي أكثر الألفاظ. وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ويعبّر عنه، وهو أجلّ من أن يدلّ لفظه على كمال ماهيته. وهذا كأسماءِ الربِّ تعالى وأسماءِ كتابه. وكذلك اسم الحبّ، فإنَّه لا يكشف اسمه مسماه، بل مسمَّاه فوق لفظه، وكذلك اسم الشوق والعشق والموت والبلاء ونحوها. وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير، واللفظ أجل منه وأعظم. وهذا كلفظ "الجوهر الفرد" الذي هو عبارة عن أقلّ شيءٍ وأصغره وأدقّه وأحقره، فليس معناه على قدر لفظه. وإذا عرف هذا فقولهم: "ليس للمحبة صيغة يعبّر بها عن حقيقتها" المراد به أنَّ لفظها لا يُفهِم حقيقةَ معناها، ومعناها فوق ما يفهم من لفظها. وقوله: "الغيرة من أوصاف المحبة، وهي تأبى إلَّا التستر والاختفاء". هذا كلام في حكم المحبة ومقتضاها, لا في حقيقتها ومعناها. والمحبّون متباينون في هذا الحكم، فمنهم من يجعل الغيرة من لوازمِ المحبّة وعلامة ثبوتها وتمكّنها، ويجعل نداءَ المرءِ عليها وبسط لسانه بالإخبار بها دليلًا على أنَّه دعي فيها، وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها، وحقيقتها تأبى إلا التستّر والكتمان. وهذه طريقة الملامتية (٣)، كما قيل:

стр. 763

لا تُنكري جحدي هواك، فإنَّما ... ذاك الجحودُ عليه سِتْرٌ مسبَلُ ولهذا قيل: "المحبة: كتمان (١) الإرادة، وإظهار الموافقة". وهذه الطائفة رأت أنَّ كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة: أحدها: أنَّ الحبّ كلَّما كان مكتومًا كان أشدَّ وأعظم سريانًا وسكونًا في أجزاء القلب كلها، كما قيل: "الحبّ أقتَلُه أكتَمُه". فإذا أفشاه المحبّ، وأظهره، وباح به، ونادى عليه؛ ضعف أثره، وصار عرضةً للزوال. الثاني: أنَّ الحبَّ كنز من الكنوز، بل هو أعظم الكنوز المودعة في سرّ العبد وقلبه، فلا طريق للصوص إليه. فإذا باح به ونادى عليه فقد دلَّ قطَّاع الطريق واللصوص على موضع كنزه، وعرَّضهم (٢) لسلبه منه. فإنَّ النفوس غيَّارة مغيرة، تغار على المحبوب أن يشاركها في حبه أحد، فإذا غارت عليه أغارت على القلوب التي فيها حبُّه، فانتزعته منه. وهذه الآفة قد ابتلي بها كثير من السالكين الذين هم في الحقيقة قطَاع الطريق على السالكين إلى اللَّه. وسولت لهم أنفسهم أنَّ هذه غيرةٌ منهم على محبوبهم أن يحبّه (٣) مثل هذه النفوس المتلوثة بالدنيا، وغرَّتهم أنفسُهم ومنَّتْهم أنَّهم يغارون على اللَّه، ويحولون بين تلك النفوس وبين محبّته (٤)، فغاروا، وأغاروا، ونهبوا، واستلبوا.

стр. 764

وهذه الطريقة عند المحبين المخلصين أولياءِ اللَّه الداعين إلى اللَّه عداوةٌ للَّه في الحقيقة، ومعاونةٌ للشيطان، وقعود على طريق اللَّه المستقيم الذي خلق عباده لأجله وأمرهم به. فالحذرُ من هؤلاء القطَّاع اللصوص (١) حمَلَ أهلَ المحبة على المبالغة في كتمانها، وإظهار التخلي منها بأسباب يُلامون عليها ظاهرًا، وقلوبهم معمورة بالمحبة مأهولة بها. وهذا الذي ظنّوه غيرةً هو من تلبيس الشيطان، وخدعه لهم، ومكره بهم. وإنَّما هو حسدٌ حمَلَهم على أن تعدوه (٢) وصالوا به وسموه غيرة. وإنَّما غيرة المحب ين للَّه أن يغار أحدهم لمحارم اللَّه إذا انتهكت، فيغار للَّه لا على اللَّه، كما قال النبي ﷺ : "إنَّ اللَّه يغارُ، وإنَّ المؤمن يغارُ. وغيرةُ اللَّه أن يأتي العبدُ ما حرَّم عليه" (٣). فغيرة المحبّ هي الموافقة لغيرة محبوبه، وهي أن يغار مما يغار منه المحبوب. وأمَّا (٤) إذا كان المحبوب يحب من يحبّه (٥)، وهذا يغار ممن يحبه (٦)، فهو في الحقيقة ساعٍ في خلاف مراد محبوبه وفي إعدام ما يحبّه محبوبُه. فأين هذا من الغيرة المحبوبة للَّه؟ وإنَّما هذه غيرة من أخيه المسلم كيف خصَّه اللَّه بعطائه، وألبسَه ثوبَ نعمائه، فهي غيرة منه لا غيرة على اللَّه؛ فإنَّ اللَّه لا يُغار عليه

стр. 765

بل يُغار له. وسنفرد إن شاء اللَّه للغيرة فصلًا نذكر فيه أقسامها وحقيقتها (١). الثالث: أنَّ المحبة التامَّة تستدعي شغلَ القلب بالمحبوب وعدمَ تفرّغه للشرح والوصف، فلو صدقت محبته لاستغرق فيها عن شرح حاله ووصفه. فهذه طريقة هؤلاء. ومنهم من يجعل تهتكه وبَوحه بها وإعلانه (٢) لها من تمامها وقوتها، ومن علامات قهرها له وأنَّها غلبت على سرّه حتى لم يُطِق صبرُه كتمانها، كما قال النوري (٣): "المحبّه هتكُ الأستار، وكشف الأسرار" (٤). فهذا حال (٥) النوري وأضرابه. وعند هؤلاء التكتُّم ضعفٌ في المحبة وخوَرٌ (٦) فيها، وحقيقتها أن يُخلِّيها ومقتضاها من ظهور آثارها على الجوارح والبدن، فإن أثَّرت حركةً لم يسكِّنها، وإن أثَّرت دمعةً لم يمسكها (٧)، وإن أثَّرت تنفّسًا لم

стр. 766

يكظمه، وإن أثَّرت بذلا وإيثارًا لم يمسكه. وكمال المحبة عندهم أن تنادي عليه أعضاؤه وألفاظه وألحاظه وحركاته وسكناته بالحبّ نداءً لا يملك إنكاره. وقال علي بن عبيد: كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد: سكرتُ من كثرة ما شربتُ من كأس محبته. فكتب إليه أبو يزيد: "غيرك شرب بحورَ السماوات والأرض وما (١) رويَ بعدُ، ولسانه خارج وهو يقول: هل من مزيد" (٢). فلم ير هذان العارفان التكتّم بها وإخفاءَها وجحدها وهما هما! وكان الأستاذ أبو علي الدقَّاق (٣) ينشد كثيرًا: لي سَكْرتان ولِلنُّدمان واحدةٌ ... شيءٌ خُصِصتُ به من بينهم وحدي (٤) وجاءَ رجلٌ (٥) إلى عبد اللَّه بن منازل (٦) فقال: رأيتُ في المنام كأنَّك تموت إلى سنة، فقال عبد اللَّه: لقد أجَّلتني إلى أجل بعيد، أعيش

стр. 767

إلى سنة! لقد كان لي أنس ببيت سمعتُه من أبي علي (١): يا من شكا شوقه من طول فرقته ... اصبِرْ لعلَّك تلقى من تحبُّ غدا (٢) وقال الشبلي: "المحبّ إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك" (٣). والتحقيق: أنَّ هذا هو حال المتمكِّن في حبُّه، الذي: تزول الجبالُ الراسياتُ، وقلبُه ... على الودّ لا يُلوي ولا يتغيَّرُ (٤) والأوَّل حال المزيد المبتدئ الذي قد علِقت نارُ المحبة في قلبه، ولم يتمكّن اشتعالها، فهو يخاف عليها عواصفَ الرياح أن تطفئها، فهو يخبئها ويكتمها ويسترها من الرياح جهدَه، فإذا اشتعلت وتمكن وقودها في القلب لم تزدها كثرةُ الرياح إلا وقودًا واشتعالًا. فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم في قوَّة المحبة وضعفها. والمقصود أنَّ من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرّها وأحكامها لن يؤمَن أن يكون من أهل العلم بالمحبة لا من المتّصفين بها حالًا، فكم بين العلم بالشيء والاتّصاف به ذوقًا وحالًا! فعلم المحبة شيء، ووجودها في القلب شيء. وكثير من المحبين الذين

стр. 768

امتلأت (١) قلوبهم محبةً لو سئل عن حدّها وأحكامها وحقيقتها لم يُطِق أن يعبر عنها, ولا يتهيّأ له أن يصفها ويصف أحكامها، وأكثر المتكلِّمين فيها إنَّما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال. وهذا -واللَّه أعلم- هو معنى قول بعض المشايخ (٢): "أعظمُ الناس حجابًا عن اللَّه أكثرُهم إليه إشارة"، فإنه إنَّما حظّه منه الإشارة إليه لا عكوف (٣) القلب عليه، كالفقير الذي دأبه وصف الأغنياء وأموالهم، ووصف الدنيا وممالكها، وهو خِلْو من ذلك. ولا ريب أنَّ وجودَ الحبّ في القلب وتركَ الكلام فيه (٤) علمًا خير من كثرة الكلام في هذه المسألة وخلوّ القلب منها. وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالًا وذوقًا، وفاضت على لسانه إرشادًا وتعليمًا ونصيحةً للأمة. فهذا حال الكُمَّل (٥) من الناس. واللَّه المسؤول من فضله وكرمه. قوله: "المحبة لا تظهر على المحبّ بلفظه، وإنَّما تظهر عليه بشمائله ونحوله". هذا حقّ، فإنَّ دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها، بل الدلالة عليها في الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك بلسانه: إنِّي أحبك، ولا شاهد عليه من حاله، وبين من هو ساكت لا يتكلَّم، وأنت ترى شواهد أحواله

стр. 769

كلها ناطقة بحبه لك. قال جعفر (١): قال الجنيد: دفع السريّ إليَّ رقعةً وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصَّة وكذا وكذا. فهذا فيها: ولمَّا ادعيتُ الحبَّ قالت كذبتَني ... فما لي أرى الأعضاءَ منكَ كواسيا فما الحب حتَّى يلصَق القلبُ بالحشا ... وتذبُلَ حتَّى لا تجيبَ المناديا وتنحَلَ حتى لا يُبقّي لك الهوى ... سوى مقلةٍ تبكي بها وتُناجيا (٢) وبالجملة، فشاهد المحبة (٣) الذي لا يكذب هو شاهد الحال، وأمَّا شاهد المقال فصادق وكاذب. قوله: "ولا يفهم حقيقتها من المحبّ سوى المحبوب، لموضع امتزاج (٤) الأسرار من القلوب" يعني أنَّ حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحبّ إلا محبوبه. وذلك لشدَّة الاتصال الذي بينه وبين محبوبه في الباطن، فروحه أقرب شيء إليه، وأمَّا (٥) الغير وإن علم أنه محبّ بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا يدرك (٦) تلك اللطيفة والحقيقة

стр. 770

التي يدركها المحبوبُ من محبّه، لموضع اتصال سرّه به (١)، وقرب ما بين الروحين، ولا سيَّما إذا كانت المحبة من الطرفين، فهناك العجب والمناجاة والملاطفة والإشارة والعتاب والشكوى، وهما ساكتان (٢) لا يدري جليسهما بعجيب شأنهما (٣). فصل قال: "وأمَّا محبَّة العوام فهي محبة تنبُت من مطالعة المنَّة، وتثبتُ باتباع السنَّة، وتنمو على الإجابة للغاية (٤). وهي محبة تقطع الوسواس، وتُلذّذ الخدمة، وتسلِّي عن المصائب. وهي في طريق العوامّ عمدة الإيمان" (٥). فيقال: لا ريب أنَّ المحبة درجات متفاوتة، بعضها أكمل من بعض، وكلّ درجة خاصَّة بالنسبة إلى ما تحتها، عامَّة بالنسبة إلى ما فوقها، فليس انقسامها إلى خاصّ وعامّ انقسامًا حقيقيًّا متميّزًا (٦) بفصل يميّز أحدَ النوعين عن الآخر. وإنَّما تنقسم باعتبار الباعث عليها وسببها، وتنقسم بذلك إلى قسمين:

стр. 771

أحد[هما] (١): محبة تنشأ من الإحسان, ومطالعة الآلاء والنعم، فإنَّ القلوب جُبلت على حبّ من أحسن إليها. وبغض من أساء إليها, ولا أحد أعظم إحسانًا من اللَّه سبحانه، فإنَّ إحسانه على عبده في كلِّ نفَس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلًا عن أنواعه أو عن أفراده. ويكفي أنَّ من بعض أنواعه نعمةَ النفَس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنَّه يتنفَّس في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفَس، وكلّ نفَس نعمة منه سبحانه. فإذا كان أدنى نعمة عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون (٢) ألف نعمة، فما الظنّ بما فوق ذلك وأعظم منه؟ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم/ ٣٤، النحل/ ١٨]. هذا إلى ما يصرف عنه من المضرّات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلّها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها أصلًا، واللَّه سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء/ ٤٢]. وسواء كان المعنى: مَن يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءًا، ويكون "يكلؤكم" مضمَّنًا معنى "يجيركم وينجيكم من بأسه"؛ أو كانت "من" للبدلية (٣) أي: من يكلؤكم بدل الرحمن سبحانه، أي: هو الذي يكلؤكم وحده، لا كالئ لكم غيره.

стр. 772

ونظير "مِن" هذه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف/ ٦٠] على أحد القولين، أي: عوضكم وبدلكم. واستشُهِد (١) على ذلك يقول الشاعر: جاريةٌ لم تأكلِ المرفَّقا ... ولم تذُقْ من البقول الفُسْتُقا (٢) أي: لم تأكل الفستق بدل البقول (٣). وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعِم عليهم بكلاءَتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التامّ عنهم وفقرهم التامّ إليه، فإنه سبحانه غَنيّ عن خلقه من كلّ وجه، وهم فقراءُ محتاجون إليه من كلّ وجه. وفي بعض الآثار يقول تعالى: "أنا الجواد، ومَن أعظم منّي جودًا وكرمًا؟ أبيت أكلأ عبادي في مضاجعهم وهم يبارزوني (٤) بالعظائم" (٥). وفي الترمذي (٦) أنّ النبيّ ﷺ لمّا رأى السحاب قال: "هذه روايا

стр. 773

الأرض يسوقها اللَّه إلى قوم لا يذكرونه، ولا يعبدونه" (١). وفي الصحيحين عنه ﷺ أنّه قال: "لا أحد أصبَر على أذى يسمعه من اللَّه، إنّهم ليجعلون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم" (٢). وفي بعض الآثار: "يقول تعالى: ابنَ آدم، خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد. كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غنيّ عنك! وكم تتبغّض إليّ بالمعاصي، وأنت فقير إليّ! ولا يزال الملَك الكريم يعرج إليّ منك بعمل قبيح" (٣). ولو لم يكن من تحبّبه إلى عباده وإحسانه إليهم وبرّه بهم إلّا أنّه سبحانه خلق لهم ما في السماوات والأرض وما في الدنيا والآخرة، ثمّ أقلهم وكرّمهم، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم شرائعه، وأذِن لهم في مناجاته كلّ وقت أرادوا. وكتب لهم بكلّ حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضِعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيّئة واحدةً، فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنةً. وإذا بلغت ذنوبُ أحدهم عَنان السماء ثمّ استغفره غَفَر له. ولو لقيه بقُراب الأرض خطايا، ثمّ لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئًا، لأتاه بقُرابها مغفرة (٤).

стр. 774

وشرع لهم التوبة الهادمة للذنوب، فوفّقهم لفعلها، ثمّ قبِلها منهم. وشرع لهم الحجّ الذي يهدم ما قبله، فوفّقهم لفعله، وكفّر عنهم سيئاتهم به. وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات، هو الذي أمدّهم (١) بها، وخلقها لهم، وأعطاهم إيّاها، ورتّب عليها جزاءَها. فمنه السبب، ومنه الجزاءُ، ومنه التوفيق، ومنه العطاءُ أولًا وآخرًا. وهم محلّ إحسانه فقط، ليس منهم شيء، إنّما الفضل كلّه والنعمة كلّها والإحسان كلّه منه أولًا وآخرًا. أعطى عبده ماله، وقال: تقرَّبْ بهذا إليّ أقبلْه منك. فالعبد له، والمال له، والثواب منه، فهو المعطي أولًا وآخرًا. فكيف لا يحَبّ من هذا شأنه؟ وكيف لا يستحيي العبد (٢) أن يصرف شيئًا من محبته إلى غيره؟ ومن أولى بالحمد والثناءِ والمحبة منه سبحانه؟ ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟ فسبحانه وبحمده، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. ويفرح سبحانه بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفّر عنه ذنوبه، ويُوجِب له محبّته بالتوبة. وهو الذي ألهمه إيّاها، ووفّقه لها، وأعانه عليها. وملأ سبحانه سماواته من ملائكته، واستعملهم في الاستغفار لأهل الأرض. واستعمل حمَلةَ العرش منهم في الدعاءِ لعباده المؤمنين، والاستغفار لذنوبهم ووقايتهم عذابَ الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جنّاته. فانظر إلى هذه العناية،

стр. 775

وهذا الإحسان, وهذا التحنّن والعطف (١) والتحبّب إلى العباد، واللطف التامّ بهم! ومع هذا كلّه بعد أن أرسل (٢) إليهم رسُله، وأنزل عليهم كتُبه، وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه؛ ينزل كلّ ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم (٣)، ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله، فيدعو مسيئَهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه، وفقيرهم إلى أن يسأله غناه، وذا حاجتهم يسأله (٤) قضاءها كلّ ليلة. ويدعوهم سبحانه إلى التوبة، وقد حاربوه، وعذَّبوا أولياءه، وأحرقوهم بالنار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج/ ١٠]. قال بعض السلف: انظروا إلى كرمه، كيف عذبوا أولياءَه، وحرَّقوهم بالنار؛ ثُمَّ هو يدعوهم إلى التوبة! فهذا الباب يدخل منه كلّ أحد إلى محبته سبحانه، فإنَّ نعمه (٥) على عباده مشهودة لهم، يتقلَّبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات. وقد روي في بعض الأحاديث مرفوعًا: "أحبوا اللَّه لما يغذوكم به من نعمه، وأحِبّوني بحبّ اللَّه" (٦). فهذه محبة تنَشأ من مطالعة المنن والإحسان
следующие страницы →