← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الحميد عبادًا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له" (١). وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبي تميمة: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحت بين نعمتين، ولا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها اللَّه فلا يستطيع (٢) أن يعيّرني بها أحد، ومودة قذفها اللَّه لي في قلوب العباد لا يبلغها عملي" (٣). وقال ابن أبي الدنيا عن سعيد (٤) المقبري عن أبيه عن عبد اللَّه بن سلام أن موسى ﵇ قال: "يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري" (٥). وروى سهيل بن أبي (٦) صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ فانطلقنا معه، فلما طَعِمَ وغسل يده قال: "الحمد للَّه الذي يُطعِم ولا يُطعَم، منّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلّ بلاء حسن أبلانا، الحمد للَّه غير مُودعّ ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مُستغنًى عنه، الحمد للَّه الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسى من العُري، وهدى من الضلالة، وبصّر من العمى،

стр. 282

وفضّل على كثير من خلقه تفضيلًا، الحمد للَّه رب العالمين" (١). وفي "مسند الحسن بن الصباح" من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أنعم اللَّه على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول: ما شاء اللَّه، لا قوّة إلا باللَّه، فيرى فيه آفة دون الموت" (٢). ويُذكر عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها فرأى كسرة ملقاة فمسحها، فقال: "يا عائشة، أحسني جوار نعم اللَّه، فإنها قلَّ ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم"، ذكره ابن أبي الدنيا (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال: قرأت في مسألة داود أنه قال: "يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: يا داود، أليس تعلم أن الذي بك من النعم منّي؟ قال: بلى

стр. 283

يا رب. قال: فإني أرضى بذلك منك شكرًا" (١). وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان من دعاء داود: "سبحان مستخرج الشكر بالعطاء، ومستخرج الدعاء بالبلاء" (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد اللَّه بن الحارث قال: "أوحى اللَّه إلى داود: أحِبَّني وأحِبَّ عبادي وحبّبني إلى عبادي، قال: يا رب هذا أحبُّك وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟! قال: تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن" (٣). فجلَّ جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جدُّه وتقدست أسماؤه وجلّ ثناؤه ولا إله غيره. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا عمران قال: سمعت وهبًا

стр. 284

يقول: "وجدت في كتاب آل داود: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السماوات والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماوات، وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء، ثم أكِلُه إلى نفسه، كفى بي لعبدي مالًا إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني، واستجبت له قبل أن يدعوني، وإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه" (١). وقال أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت قال: "كان داود ﷺ قد جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فيها، قال: فعمّهم ﵎ في هذه الآية: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣] " (٢). قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة (٣): "قال داود: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرًا لك مني؟ فأوحى اللَّه إليه: نعم، الضفدع. وأنزل اللَّه عليه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. قال:

стр. 285

يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم عليّ ثم ترزقني على النعمة الشكر، ثم تزيدني نعمة بعد نعمة، فالنعم منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ قال: الآن عرفتني يا داود" (١). قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال: قال نبي اللَّه داود: "إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين (٢) يسبّحانك الليل والنهار والدهر كله ما قضيت حق نعمة واحدة" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد: قال موسى: "يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ " قال: "فأتاه الوحي: يا موسى، الآن شكرتني" (٤). وقال بكر بن عبد اللَّه: "ما قال عبد قط الحمد للَّه، إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد للَّه، فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد للَّه، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعم اللَّه" (٥).

стр. 286

وقال الحسن: سمع نبي اللَّه رجلا يقول: الحمد اللَّه بالإسلام، فقال: "إنك لتحمد اللَّه على نعمة عظيمة" (١). وقال خالد بن معدان: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: "ما قال عبد كلمة أحب إلى اللَّه وأبلغ في الشكر عنده أن يقول: الحمد للَّه الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام" (٢). وقال سليمان التيمي: "إن اللَّه سبحانه أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرتهم" (٣). وكان الحسن يقول إذا ابتدأ حديثه: "الحمد للَّه اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا، وهديتنا، وعلمتنا، وأنقذتنا، وفرّجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبتّ عدوّنا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سرٍّ أو علانية أو خاصة أو عامة أو حيٍّ أو ميّت أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، وإذا رضيت" (٤).

стр. 287

وقال الحسن: قال موسى: "يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه؟ خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له. فقال: يا موسى علم أن ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكر ما صنعت إليه" (١). وقال سعد بن مسعود الثقفي (٢): "إنما سُمّي نوح عبدًا شكورًا، لأنه لم يلبس جديدًا ولم يأكل طعامًا إلا حمد اللَّه" (٣). وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال: "يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها" (٤). وقال مخلد بن الحسين (٥): "كان يقال: الشكر ترك المعاصي" (٦).

стр. 288

وقال أبو حازم (١): "كل نعمة لا تقرّب من اللَّه فهي بلية" (٢). وقال أبو سليمان (٣): "ذكر النعم يورث الحب للَّه" (٤). وقال حماد بن زيد: حدثنا ليث عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيت عبد اللَّه بن سلام فقال لي: ألا تدخل بيتًا دخله النبي ﷺ وتصلي في بيت صلى فيه النبي ﷺ ، ونطعمك سويقًا وتمرًا؟ ثم قال لي: "إن اللَّه إذا جمع الناس غدًا ذكّرهم ما أنعم عليهم، فيقول العبد: بآية ماذا؟ فيقول: آية ذلك أنك كنت في كربة كذا وكذا فدعوتني فكشفتها، وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتني فصحبتك. قال: يذكّره حتى يذكر، يقول: آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطّاب فزوجتك ورددتهم" (٥). "يقف عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه. فبكى ثم بكى ثم قال: إني

стр. 289

لأرجو أن لا يقعد اللَّه عبدًا بين يديه فيعذبه" (١). وروى ليث بن أبي سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات، فيقول اللَّه لنعمة من نعمه: خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنة من حسناته إلا ذهبت بها" (٢). وقال بكر بن عبد اللَّه المزني: "ينزل بالعبد الأمر فيدعو اللَّه فيصرف عنه، فيأتيه الشيطان فيضعف شكره، يقول: إن الأمر كان أيسر مما تذهب إليه. قال: أَوَلا يقول العبد: كان الأمر أشد مما أذهب إليه، ولكن اللَّه صرفه عني؟! " (٣). وذكر ابن أبي الدنيا عن صدقة بن يسار قال: بينا داود في محرابه إذ مرت به ذرّة فنظر إليها وفكر في خلقها وعجِب منها وقال: "ما يعبأ اللَّه بهذه؟ قال: فأنطقها اللَّه فقالت: يا داود، أتُعَجبك نفسك؟ فوالذي نفسي بيده لأنا على ما آتاني اللَّه من فضله أشكَر منك على ما آتاك اللَّه من فضله" (٤) وقال أيوب: "إن من نعمة اللَّه على العبد أن يكون مأمونًا على ما جاء

стр. 290

به النبي ﷺ " (١). وقال سفيان الثوري: "كان يقال: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة" (٢). وقال زاذان (٣): "مما يحب اللَّه على ذي النعمة بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية" (٤). قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الوراق لنفسه (٥): إذا كان شكري نعمةَ اللَّه نعمةً … عليّ له في مثلها يجب الشّكرُ فكيف وقوع الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتّصل العمرُ إذا مسّ بالسّرّاء عمّ سرورها … وإن مسّ بالضّرّاء أعقبها الأجرُ

стр. 291

وما منهما إلا له فيه منّة … تضيق بها الأوهام والبرّ والبحرُ وقد روى الدراورديّ عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ يعني قال اللَّه : "إن المؤمن عندي بمنزلة كلّ خير، يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" (١). ومرّ محمد بن المنكدر بشابٍّ يغامز (٢) امرأة، فقال: "يا فتى ما هذا جزاء نعم اللَّه عليك " (٣). وقال حماد بن سلمة عن ثابت قال: قال أبو العالية: "إني لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين: نعمة يحمد اللَّه عليها، وذنب يستغفر منه" (٤). وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن -حين وُلّي القضاء بالرفة-: "أما بعد، فلتكن التقوى من بالك على كل حال، وخفِ اللَّه من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها، فإن في النعمة حجة وفيها تبعة؛ فأما الحجة بها فالمعصية بها، وأما التبعة فيها فقلّة الشكر عليها، فعفا اللَّه عنك كلما ضيعت من شكر أو ركبت من

стр. 292

ذنب أو قصرت من حق" (١). ومرّ الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة (٢)، فجعل يحمد اللَّه ويبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء، فذلك الذي أبكاني" (٣). وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إذا أحب أحدكم أن يعلم قدر نعمة اللَّه عليه، فلينظر إلى من هو تحته ولا ينظر إلى من هو فوقه". قال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرني يحيى بن عبيد اللَّه قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة، فذكره (٤). وقال ابن المبارك: حدثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: "من لم يعرف قدر نعمة اللَّه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قلّ علمه (٥)، وحضر عذابه" (٦).

стр. 293

قال ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ سلّم على رجل فرد عليه¬ السلام فقال عمر للرجل: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد إليك اللَّه. قال: "هذا أردت منك" (١). قال ابن المبارك: وأخبرنا مسعر عن علقمة بن مرثد عن ابن عمر قال: "لعلنا نلتقي في اليوم مرارًا يسأل بعضنا عن بعض، ولم نُرد بذلك إلا ليحمد اللَّه " (٢). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] قال: "لا إله إلا اللَّه" (٣). وقال ابن عينية: "ما أنعم اللَّه على العباد نعمة أفضل من أَنْ عرّفهم لا

стр. 294

إله إلا اللَّه. قال: وإن لا إله إلا اللَّه لهم في الآخرة كالماء في الدنيا" (١). وقال بعض السلف في خطبته في يوم عيد: "أصبحتم زُهرًا وأصبح الناس غُبرًا، أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون، وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون، وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون، وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون، فبكى وأبكاهم" (٢). وقال عبد اللَّه بن قرط الأزدي -وكان من الصحابة- على المنبر في يوم أضحى ورأى على الناس ألوان الثياب: "يا لها من نعمة ما أسبغها، ومن كرامة ما أظهرها، ما زال عن قومٍ شيٌ أشد من نعمةٍ لا يستطيعون ردّها، وإنما تثبت النعم بشكر المنعَم عليه للمنعِم" (٣). وقال سلمان الفارسي: "إن رجلًا بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد اللَّه ويثني عليه، [حتى لم يكن له فراش إلا بارية (٤)، قال: فجعل يحمد اللَّه ويثني عليه] (٥)، وبُسط لآخر من الدنيا فقال

стр. 295

لصاحب البارية: أنت على ما تحمد اللَّه؟ قال: أحمده على ما لو أعطيت به ما لو أعطي الخلق لم أعطهم إياه به. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك" (١). وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: "أيسرّك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. فذكّره نعم اللَّه عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف وأنت تشكو الحاجة؟! " (٢). وكان أبو الدرداء يقول: "الصحة الملك" (٣). وقال جعفر بن محمد: "فَقَدَ أبي بغلة له فقال: لئن ردّها اللَّه عليّ لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أُتي بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها وضمّ ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال: الحمد للَّه! لم يزد عليها، فقيل له في ذلك، فقال: وهل تركت أو أبقيت شيئًا؟! جعلت الحمد كله للَّه" (٤).

стр. 296

وروى ابن أبي الدنيا من حديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: بعث رسول اللَّه ﷺ بعثًا من الأنصار وقال: "إن سلّمهم اللَّه وغنمهم، فإن للَّه عليّ في ذلك شكرًا". قال: فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا، فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول: إن سلّمهم اللَّه وغنّمهم فإنّ على في ذلك للَّه شكرًا، قال: "قد فعلت، اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنّ فضلًا" (١). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال محمد بن المنكدر لأبي حازم: "يا أبا حازم، ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بالخير، ما أعرفهم وما صنعت إليهم خيرًا قط" فقال له أبو حازم: "لا تظن أن ذلك من قِبَلِك، ولكن انظر إلى الذي ذلك من قِبَله فاشكره. وقرأ عبد الرحمن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦] " (٢). وقال علي بن الجعد: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون: حدثني من أصدّقه أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقول في دعائه: "أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضى، والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسور (٣)

стр. 297

الأمور كلها لا معسورها يا كريم" (١). وقال الحسن: "ما أنعم اللَّه على عبده نعمة، فقال: الحمد للَّه، إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ" (٢). قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال: "هذا خطأ، لا يكون فعل العبد أفضل من فعل اللَّه" (٣). ثم قال: وقال بعض أهل العلم: إنما تفسير هذا: أن الرجل إذا أنعم اللَّه عليه نعمة وهو ممن يحب أن يحمده، عرّفه ما صنع به، فيشكر اللَّه كما ينبغي له أن يشكره، فكان الحمد له أفضل (٤). قلت: لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة؛ فإن قوله: "الحمد للَّه"، نعمة من اللَّه، والنعمة التي حمد اللَّه عليها أيضًا نعمة من اللَّه، وبعض النعم أجلّ من بعض، فنعمة الشكر أجلّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها واللَّه أعلم. وهذا لا يستلزم أن يكون قول (٥) العبد أفضل من فعل اللَّه (٦)، وإن

стр. 298

دلّ على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول اللَّه، وفعل العبد هو مفعول اللَّه، ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض. وقال بعض أهل العلم: "لَنِعَم اللَّه علينا فيما زوى عنّا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها، وذلك أن اللَّه لم يرضَ لنبيه الدنيا، فأنْ أكون فيما رضي اللَّه لنبيه وأحبّ له أحبّ إليّ [أن أكون] (١) فيما كره له وسخطه" (٢). قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن بعض العلماء أنه قال: "ينبغي للعالم أن يحمد اللَّه على ما زوى عنه من شهوات الدنيا، كما يحمده على ما أعطاه. وأين يقع ما أعطاه والحساب يأتي عليه، إلى ما عافاه ولم يبتلِه به، فيشغل قلبه، ويتعب جوارحه؟ فيشكر اللَّه على سكون قلبه وجمع همّه" (٣). وحدِّثت (٤) عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان ابن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم، فجعل سفيان يقول: "أنعم اللَّه علينا في كذا، أنعم اللَّه في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا" (٥). وحدثنا (٦) عبد اللَّه بن داود عن سفيان في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ

стр. 299

مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال: "يسبغهم (١) النعم ويمنعهم الشكر" (٢). وقال غير سفيان: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمة (٣). وسُئل ثابت البناني عن الاستدراج، فقال: "ذلك مكر اللَّه بالعباد المضيّعين" (٤). وقال يونس في تفسيرها: "إن العبد إذا كانت له عند اللَّه منزلة، فحفظها وأبقى عليها ثم شكر اللَّه بما أعطاه، أعطاه أشرف منها. وإذا هو ضيّع الشكر استدرجه اللَّه، وكان تضييعه الشكر استدراجًا" (٥). وقال أبو حازم: "نعمة اللَّه فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها أقوامًا فهلكوا" (٦).

стр. 300

وكل نعمة لا تقرّب من اللَّه فهي بليّة، وإذا رأيت اللَّه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه، فاحذره (١). وذكر أبو صالح كاتب الليث عن هِقْل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال (٢) في موعظته: "أيها الناس، تقوّوا (٣) بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار اللَّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دارٍ الثواءُ فيها قليل، وأنتم فيها مُرْجَون خلائف من بعد القرون التي استقبلوا من الدنيا آنفها وزهرتها (٤)، فهم كانوا أطول منكم أعمارًا، وأمدّ أجسامًا، وأعظم آثارًا، فقطعوا الجبال وجابوا (٥) الصخور، ونقّبوا في البلاد مؤيدين ببطشٍ شديد وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخْوَت منازلهم، وأَنْست ذكرَهم، فما تحسّ منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا، كانوا يلهون آمنين لبيات قوم

стр. 301

غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة اللَّه، فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى. وأصبحتيم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوه وذهب رخاؤه، فلم يبقَ منه إلا حمأة شرّ، وصُبابة (١) كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غِيَر، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة (٢) خَلَف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل، وغرّه طول الأجل، وتبلّغ بالأماني، نسأل اللَّه أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشراه، فمَهَّد لنفسه" (٣). وكان يُقال: "الشكر ترك المعصية" (٤). وقال ابن المبارك: قال سفيان: "ليس بفقيه من لم يعدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة" (٥). وكان مروان بن الحكم إذا ذُكر الإسلام قال: "بنعمة ربي وصلت إليه، لا بما قدمت يدي ولا بإرادتي، إني كنت خاطئًا" (٦).

стр. 302

وقال: وكم من مدخل لو متُّ فيه … لكنتُ به نكالًا في العشيره وُقيتُ السوءَ والمكروهَ فيه … ورحتُ بنعمة منه كبيره وكم من نعمة للَّه (١) تمسي … وتصبح في العيان وفي السريره (٢) ودعي عثمان بن عفان إلى قوم على ريبة، فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرًا للَّه أن لا يكون جرى على يديه خزي مسلم (٣). وقال يزيد بن هارون: أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحًا ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد للَّه الذي أذاقني لذته، وأبقى منفعته في جسدي، وأذهب عني أذاه"؛ فسمّي عبدًا شكورًا (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني العباس بن جعفر حدثنا شاذ بن فياض عن الحارث بن شبل قال: حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي ﷺ : "أنه لم يقم عن خلاء قط إلا قاله" (٥).

стр. 303

وقال رجل لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًّا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًّا دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا للَّه هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. قال: فما شكر الرِّجلين؟ قال: إن علمت شيئًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر للَّه، وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحرّ والبرد والثلج والمطر (١). وذكر عبد اللَّه بن المبارك: أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خُلْقان (٢) جالس على التراب، قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسرّكم، إنه جاء من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن اللَّه نصر نبيه ﷺ وأهلك عدوّه، وأُسِرَ فلان وفلان

стр. 304

وقُتلَ فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر كثير الأراك -كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي رجل من بني ضمرة-، فقال له جعفر: ما بالك على التراب، ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أَنزل اللَّه ﵎ على عيسى ﷺ : إن حقًّا على عباد اللَّه أن يُحدثوا للَّه تواضعًا عند ما أحدث لهم من نعمة، فلما أحدث لي نصر نبيه أُحدث للَّه هذا التواضع (١). وقال حبيب بن عبيد: "ما ابتلى اللَّه عبدًا ببلاء إلا كان للَّه عليه فيه نعمة ألا يكون أشد منه" (٢). وقال عبد الملك بن أبجر (٣): "ما من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره، أو بلية لينظر كيف صبره" (٤). وقال سفيان الثوري: "لقد أنعم اللَّه على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها" (٥). و"كان رسول اللَّه ﷺ إذا جاءه أمر يسرّه خرّ للَّه ساجدًا شكرًا (٦)

стр. 305

للَّه " (١). ذكره أحمد (٢). وقال عبد الرحمن بن عوف: خرج علينا النبي ﷺ ، فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخرّ ساجدًا فأطال السجود، فقلت: يا رسول اللَّه سجدت سجدة خشيتُ أن يكون اللَّه قد قبض نفسك فيها، فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني أن اللَّه يقول لك: من صلّى عليك صليت عليه، ومن سلّم عليك سلّمت عليه، فسجدت للَّه شكرًا". ذكره أحمد (٣). وعن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع النبي ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عَزْور (٤) نزل ثم رفع يديه ودعا اللَّه ساعة ثم خرّ ساجدًا، فمكث طويلًا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خرّ ساجدًا، فعله ثلاثًا وقال: "إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر؛ فخررت ساجدًا لربي". رواه أبو داود (٥).

стр. 306

وذكر محمد بن إسحاق في كتاب "الفتوح" قال: "لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أيمان باللَّه الذي لا إله إلا هو: لقد رأيته قتيلًا، فحلف له، فخرّ رسول اللَّه ﷺ ساجدًا" (١). وذكر سعيد بن منصور: أن أبا بكر الصديق ﵁ سجد حين جاءه قتل مسيلمة (٢). وذكر أحمد: أن عليًّا ﵁ سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّة في الخوارج (٣). وسجد كعب بن مالك في عهد النبى ﷺ لما بشِّر بتوبة اللَّه عليه (٤)، والقصة في "الصحيحين" (٥). فإن قيل: فنعم اللَّه دائمًا مستمرة على العبد فما الذي اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة، وقد تكون المستدامة

стр. 307

أعظم؟ قيل: الجواب من وجوه: أحدها: أن النعمة المتجددة تذكّر بالمستدامة، والإنسان موكّل بالأدنى. الثاني: أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة، وكان أسهلها على الإنسان وأحبها إلى اللَّه السجود شكرًا له. الثالث: أن المتجددة لها وقع في النفوس، والقلوب بها أعلَق، ولهذا يُهنّأ بها، ويعزى بفقدها. الرابع: أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرًا ما يجز ذلك إلى الأشر والبطر، والسجود ذلٌّ للَّه وعبودية وخضوع، فإذا تلقّى به نعمته كسر سَوْرة (١) فرح النفس وانبساطها، فكان جديرًا بدوام تلك النعمة، وإذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه اللَّه والأشر والبطر -كما يفعله الجهال عند ما يحدث اللَّه لهم من النعم- كانت سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، وانقلبت نقمة، وعادت استدراجًا. وقد تقدم أثر النجاشيّ: "فإن اللَّه إذا أحدث لعبده نعمة أحب أن يحدث له تواضعًا" (٢). وقال العلاء بن المغيرة: بشرت الحسن (٣) بموت الحجاج، وهو

стр. 308

مختفٍ، فخرّ للَّه ساجدًا (١). فصل ومن دقيق نعم اللَّه على العبد التي لا يكاد يُفطن لها: أنه يغلق عليه بابه، فيرسل اللَّه إليه بمن يطرق عليه الباب يسأله شيئًا من القوت؛ ليعرّفه نعمته عليه (٢). وقال سلام بن أبي مطيع: دخلت على مريض أعوده فإذا هو يئنُّ، فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم. قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه: اذكر المطروحين في الطريق، اذكر من لا مأوى له ولا له من يخدمه (٣). وقال عبد اللَّه بن أبي نوح: قال لي رجل على بعض السواحل: كم عاملته -تبارك اسمه- بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرة. قال: فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا واللَّه، ولكنه أحسن إليّ وأعانني. قال: فهل سألته شيئا فأعطاكه؟ قلت: وهل منعني شيئًا سألته؟! ما سألته شيئًا قط إلا أعطاني، ولا استغثت به إلا أغاثني. قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت أقدر له على مكافأةٍ ولا جزاءٍ. قال:

стр. 309

فربك أحقّ وأحرى أن تُدئب نفسك له في أداء شكره، وهو المحسن قديمًا وحديثًا إليك، واللَّهِ لشُكرُه أيسرُ من مكافأة عباده، إنه ﵎ رضي من العباد بالحمد شكرًا (١). وقال سفيان الثوري: "ما كان اللَّه لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة، ويحق على المنعم أن يتمّ النعمة على من أنعم عليه" (٢). وقال ابن أبي الحواري: قلت لأبي معاوية: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد، نسأل اللَّه أن لا يسلبناه. قال: يحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه، واللَّه أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها، ويستعمل بعمل إلا قبله (٣). وقال ابن أبي الحواري: قالت لي امرأة: أنا في شيء (٤) قد شغل قلبي. قلت: وما هو؟ قالت: أريد أن أعرف نعم اللَّه عليّ في طرفة عين، أو أعرف تقصيري عن شكر النعمة عليّ في طرفة عين. فقلت: تريدين ما لا تهتدي إليه عقولنا (٥).

стр. 310

وقال ابن زيد: "إنه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد اللَّه ، فيقضى لأهل ذلك المجلس حوائجهم كلهم" (١). قال: وفي بعض الكتب التي أنزل اللَّه أنه قال: "سُرّوا عبدي المؤمن، فكان لا يأتيه شيء يحبه إلا قال: "الحمد للَّه الحمد للَّه ما شاء اللَّه ". قال: روّعوا عبدي المؤمن، فكان لا يطلع عليه طليعة من طلائع المكروه إلا قال: "الحمد للَّه الحمد للَّه". فقال اللَّه ﵎: إن عبدي يحمدني حين روَّعته كما يحمدني حين سررته، أَدخلوا عبدي دار عزتي، كما يحمدني على كل حالاته" (٢). وقال وهب: "عبدَ اللَّه عابد خمسين عامًا، فأوحى اللَّه إليه إني قد غفرت لك. قال: أي ربّ، وما تغفر لي ولم أذنب. فأذن اللَّه لعِرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلّ، ثم سكن فنام، فأتاه ملك فشكا إليه، فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟ فقال الملك: إن ربك يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا أن داود قال: "يا رب أخبرني ما أدنى نعمك عليّ؟ فأوحى اللَّه إليه: يا داود تنفس، فتنفس، قال: هذا أدنى نعمي عليك" (٤).

стр. 311

فصل وبهذا يتبين معنى الحديث الذي رواه أبو داود من حديث زيد بن ثابت وابن عباس: "إن اللَّه لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" (١). والحديث الذي في الصحيح: "لن ينجي أحد منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمّدني اللَّه برحمة منه وفضل" (٢)؛ فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم اللَّه عليه. وأما قول بعض الفقهاء: إن من حلف أن يحمد اللَّه أفضل أنواع الحمد كان برّ يمينه في أن يقول: الحمد حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده (٣). فهذا ليس بحديث عن رسول اللَّه ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، وإنما هو إسرائيلي عن آدم (٤)، وأصح منه: "الحمد للَّه غير مكفِيٍّ ولا

стр. 312

مودعّ ولا مستغنى عنه ربنا" (١). ولا يمكن حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم اللَّه، فضلًا عن موافاته جميع نعمه، ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئًا للمزيد. ولكن يُحمل هذا على وجه يصح، وهو: أن الذي يستحقه اللَّه من الحمد حمدًا يكون موافيًا لنعمه ومكافئًا لمزيده، وإن لم يقدر العبد أن يأتي به، كما إذا قال: "الحمد للَّه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر، وعدد أنفاس الخلائق، وعدد ما خلق اللَّه وما هو خالق"، فهذا إخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد.

стр. 313

فصل وقال أبو المليح: قال موسى: "يا رب ما أفضل الشكر؟ قال: أن تشكرني على كل حال" (١). وقال بكر بن عبد اللَّه: قلت لأخ لي: أوصني. فقال: ما أدري ما أقول، غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار، فإن العبد بين نعمة وذنب، ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر، ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار، فأوسعني علمًا ما شئت (٢). وقال عبد العزيز بن أبي رواد: رأيت (٣) في يد محمد بن واسع (٤) قرحة، فكأنه رأى ما شق عليّ منها، فقال لي: "تدري ماذا للَّه عليّ في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتي، ولا طرف لساني، ولا على طرف ذكري؟ فهانت عليّ قرحته (٥). وروى الجريريّ عن أبي الورد عن اللجلاج (٦) عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه ﷺ أتى على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك تمام

стр. 314

النعمة. فقال: "ابن آدم هل تدري ما تمام النعمة؟ " قال: يا رسول اللَّه دعوةٌ دعوت بها (١) أرجو بها الخير، فقال: "إن من تمام النعمة فوزًا من النار ودخول الجنة" (٢). وقال تميم (٣) بن سلمة: "حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم اللَّه على أول طعامه وحمده على آخره، لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام" (٤).

стр. 315

فصل ويدل على فضل الشكر على الصبر، أن اللَّه سبحانه يُحِبّ أن يُسألَ العافية، وما سُئل شيئًا أحبَّ إليه من العافية، كما في "المسند" عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قام أبو بكر على المنبر ثم قال: "سلوا اللَّه العافية، فإنه لم يُعْطَ عبا بعد اليقين خيرًا من العافية" (١). وفي حديث آخر: "إن الناس لم يعطَوا في هذه الدنيا شيئًا أفضل من العفو والعافية، فسلوهما اللَّه " (٢). وقال لعمه العباس: "يا عمّ أكثرِ الدعاءَ بالعافية" (٣).

стр. 316

وفي "الترمذي" عنه: قلت: يا رسول اللَّه، علّمني شيئًا أسأله اللَّه. قال: "سل اللَّه العافية"، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: علّمني شيئًا أسأله اللَّه، فقال لي: "يا عباس، يا عمَّ رسول اللَّه، سلِ اللَّه العافية في الدنيا وفي الآخرة" (١). وقال في دعائه يوم الطائف: "إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسعُ لي" (٢). فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" (٣). وفي حديث آخر: "سلوا اللَّه العفو والعافية والمعافاة" (٤). وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها. وكان عبد الأعلى التيمي (٥) يقول: "أكثروا من سؤال اللَّه العافية، فإن

стр. 317

المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلَون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم، ولو كان البلاء يجرّ إلى خير ما كنا من رجال البلاء. إنه رُبّ بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة، فما يأمن من أطال (١) المقام على معصية اللَّه أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة، ثم يقول عند ذلك: الحمد للَّه الذي إن نعدّ نعمه لا نحصيها، وإن ندأب له عملًا لا نجزيها، وإن نعمّر فيها لا نبليها" (٢). ومرّ رسول اللَّه ﷺ برجل يسأل اللَّه الصبر، فقال: "لقد سألت البلاء، فاسأل العافية" (٣). وفي "صحيح مسلم" أنه ﷺ عاد رجلًا قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "هل كنت تدعو اللَّه بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "سبحان اللَّه، لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" فدعا اللَّه له فشفاه (٤).

стр. 318

وفي "الترمذي" من حديث أبي هريرة قال: دعاء حفظته من رسول اللَّه ﷺ لا أدعه: "اللهم اجعلني أعظِّمُ شكرَك، وأُكثِرُ ذكرَك، وأتّبعُ نصيحتك، وأحفَظُ وصيّتك" (١). وقال شيبان: كان الحسن إذا جلس مجلسًا يقول: "لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال، بَسطت رزقنا، وأظهرتَ أمنَنا، وأحسنتَ معافاتَنا، ومن كلّ ما سألناك أعطيتنا، فلك الحمد كثيرًا كما تنعم كثيرًا، أعطيتَ خيرًا كثيرًا، وصرفتَ شرًّا كثيرًا، فلوجهك الجليل الباقي الدائم الحمد" (٢). وكان بعض السلف يقول: "اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة، في دين أو دنيا، جرت علينا فيما مضى أو هي جارية علينا فيما بقي، فإنها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد بذلك علينا، ولك المنّ، ولك الفضل، ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك لا إله إلا أنت" (٣). وقال مجاهد: كان ابن عمر إذا كان في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى: "سمع سامع بحمد اللَّه ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثًا، اللهم صاحبنا فأفضل علينا، عائذ باللَّه من النار ولا حول ولا قوة إلا باللَّه،

стр. 319

ثلاثًا" (١). وذكر الإمام أحمد: "أن اللَّه سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران: يا موسى كن يقظان مرتادًا لنفسك أخدانًا، وكلُّ خدن لا يواتيك على مسرتي فلا تصحبه؛ فإنه عدو لك، وهو يُقسي قلبك، وأكثِرْ ذكري حتى تستوجب الشكر، وتستكمل المزيد" (٢). وقال الحسن: "خلق اللَّه آدم حين خلقه، فأخرج أهل الجنّة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى، فدبّوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصم والمبتلى، فقال آدم: يا رب ألا سوّيت بين ولدي؟ قال: يا آدم إني أردت أن أُشكر" (٣). وفي "السنن" عنه ﷺ : "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، إلا أدى شكر ذلك اليوم (٤) " (٥).

стр. 320

ويُذكر عن النبي ﷺ : "من ابتُلي فصبر، وأُعطي فشكر، وظُلم فغفر، وظَلم فاستغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" (١). ويُذكر عنه ﷺ أنه أوصى رجلًا بثلاث، فقال: "أكثِرْ ذكرَ الموت يَشغلْك عما سواه، وعليك بالدعاء فإنك لا تدري متى يستجاب لك، وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة" (٢). ويذكر عنه ﷺ أنه كان إذا أكل قال: "الحمد للَّه الذي أطعمني وسقاني وهداني، وكلّ بلاء حسن أبلاني، الحمد للَّه الرزّاق ذي القوة المتين، اللهم لا تنزع منا صالحًا أعطيتنا ولا صالحًا رزقتنا، واجعلنا لك من الشاكرين" (٣).
следующие страницы →