← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

على الرب تعالى ولا إسخاط له، فهو كمجرّد البكاء. فصل فأما قول النبي ﷺ : "إن الميت يُعذَّب بالنياحة عليه"، فقد ثبت عنه من رواية عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه، والمغيرة بن شعبة، وروى نحوه عمرانُ بن حصين، وأبو موسى ﵃ (١). فاختلفت طرق الناس في ذلك: فقالت فرقة: يتصرف اللَّه في خلقه بما شاء، وأفعال اللَّه لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب إليه؛ لأن اللَّه خالق الجميع، واللَّه تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل. وقالت فرقة: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول اللَّه ﷺ ، وقد أنكرتها عائشة أم المؤمنين، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧]. ولما بلغها رواية عمر وابنه قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبَين ولا متهمَين، ولكن السمع يُخطئ. وقالت: إنما مر النبي ﷺ على قبر يهودي، فقال: "إن صاحب هذا القبر يعذب، وأهله يبكون عليه" (٢).

стр. 247

وفي رواية متفق عليها عنها: إنما قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه". وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). وقالت فرقة أخرى منهم المزني (٢) وغيره: أن ذلك محمول على من أوصى به إذ كانت عاداتهم ذلك، وهو كثير في أشعارهم؛ كقول طرفة: إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه … وَشُقِّي عليَّ الجيْبَ يا ابنةَ مَعْبَد (٣) وقول لبيد: فقوما فقولا بالذي قد عَلِمتُما … ولا تخمِشا وجهًا ولا تَحلِقا شَعر وقولا: هو المرء الذي لا صديقه … أضاع، ولا خان الأمين ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر (٤) وقالت طائفة: هو محمول على من سنتُه وسنة قومه ذلك، إذا لم ينههم عنه؛ لأن ترك نهيه دليل على رضاه به، وهذا قول ابن المبارك وغيره (٥). قال أبو البركات ابن تيمية (٦): وهو أصح الأقوال كلها، لأنه متى

стр. 248

غلب على ظنه فعلهم له ولم يوصهم بتركه فقد رضي به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه. فأما إذا أوصاهم بتركه فخالفوه فاللَّه أكرم من أن يعذّبه بذلك، وقد حصل بذلك العمل بالآية مع إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد. وإنكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه، فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد جدًّا خصوصًا في حق خمسة من أكابر الصحابة. وقوله في اليهودي لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر. ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: "إن اللَّه يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (١) فإذا لم تمتنع (٢) زيادة الكافر عذابًا بفعل غيره، مع كونه مخالفًا لظاهر الآية لم يمتنع (٣) ذلك في حق المسلم؛ لأن اللَّه سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، واللَّه أعلم. فصل ولا تحتاج هذه الأحاديث إلى شيء من هذه التكلُّفات، وليس فيها بحمد اللَّه إشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونَوحِهم، وإنما قال: إنه يعذب

стр. 249

بذلك، ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه. والعذاب هو: الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وقد قال النبي ﷺ : "السَّفَرُ قطعة من العذاب" (١)، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى إن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك، كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم، تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث، وباللَّه التوفيق (٢).

стр. 250

الباب التاسع عشر في أن الصبر نصف الإيمان وأن الإيمان (١) نصفان: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ قال غير واحد من السلف: "الصبر نصف الإيمان" (٢). وقال عبد اللَّه بن مسعود: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر" (٣). ولهذا جمع اللَّه سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥، الشورى: ٣٣، سبأ: ١٩، لقمان: ٣١]، في سورة إبراهيم، وفي سورة حم عسق، وفي سورة سبأ، وفي سورة لقمان. وقد ذُكر لهذا التنصيف اعتبارات: أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة اللَّه وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين: فعل المأمور، وترك المحظور.

стр. 251

الاعتبار الثاني: أن الإيمان مبني على ركنين: يقين، وصبر. وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (١) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. فباليقين يَعلم حقيقةَ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وبالصبر ينفِّذ ما أُمر به ويكفُّ نفسه عما نُهي عنه، ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي أنه من عند اللَّه وبالثواب والعقاب إلا باليقين، ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن فعل المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر، بفعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه. الاعتبار الثالث: أن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح. وبيان ذلك: أن من عرف بقلبه، ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. فهؤلاء حصل لهم قول القلب وهو: المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين. وكذلك من قال بلسانه وليس في قلبه، لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان

стр. 252

من المنافقين. وكذلك لو عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا، حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، فيحب اللَّه ورسوله، ويوالي أولياء اللَّه ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه للَّه وحده، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته، والتزام شريعته ظاهرًا وباطنًا. وإذا فعل ذلك لم يكفِ في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به. فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل، ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي، وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر، فصار الإيمان نصفين: أحدهما الصبر، والثاني ما تولد عنه من العلم والعمل. الاعتبار الرابع: أن النفس لها قوَّتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، وهي دائمًا تتردد بين أحكام هاتين القوّتين، فتُقْدِم على ما تحبه، وتحجم عما تكرهه، والدين كله إقدام وإحجام، إقدام على طاعة (١) اللَّه ، وإحجام عن معاصي اللَّه، وكل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر. الاعتبار الخامس: أن الدين كله رغبة ورهبة، فالمؤمن هو الراغب الراهب. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وفي الدعاء عند النوم، الذي رواه البخاري في "صحيحه": "اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك،

стр. 253

وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك" (١). فلا تجد المؤمن أبدًا إلا راغبًا راهبًا، والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فرهبته تحمله على الصبر، ورغبته تقوده إلى الشكر. الاعتبار السادس: أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة، أو يضره في الدنيا والآخرة، أو ينفعه في إحدى الدارين ويضره في الأخرى، وأشرف الأقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها، وهو حقيقة الإيمان، ففعل ما ينفعه هو الشكر، وترك ما يضره هو الصبر. الاعتبار السابع: أن العبد لا ينفك من أمرٍ يفعله، ونهي يجتنبه، وقدرٍ يجري عليه، وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر، ففِعل المأمور هو الشكر، وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر. الاعتبار الثامن: أن العبد فيه داعيان: داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها، وداعٍ يدعوه إلى اللَّه والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم، فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر، وإجابة داعي اللَّه والدار الآخرة هو الشكر. الاعتبار التاسع: أن الدين مداره على أصلين: العزمُ والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي ﷺ : "اللهم إني أسألُك الثبات في الأمر، والعزيمة

стр. 254

على (١) الرشد" (٢). وأصل الشكر صحة العزيمة، وأصل الصبر قوة الثبات، فمتى أُيّد العبد بعزيمة وثبات، فقد أُيد بالمعونة والتوفيق. الاعتبار العاشر: أن الدين مبني على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. ولما كان المطلوب من العبد هو العملُ بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس، وكان هذا هو حقيقة الشكر، لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه، فكان الصبر نصف الإيمان، واللَّه أعلم (٣).

стр. 255

الباب العشرون في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر حكى أبو الفرج ابن الجوزي في ذلك ثلاثة أقوال (١): أحدها: أن الصبر أفضل. والثاني: أن الشكر أفضل. والثالث: أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت" (٢). ونحن نذكر ما احتجَّت به كل فرقة، وما لها وما عليها في احتجاجها، بعون اللَّه وتوفيقه. قال الصابرون: قد أثنى اللَّه سبحانه على الصبر وأهله، ومدحه، وأمر به، وعلق عليه خير الدنيا والآخرة، وقد ذكره في كتابه في نحو تسعين موضعًا، وقد تقدم في (٣) النصوص والأحاديث ما فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر. ويكفي في فضله قوله ﷺ : "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" (٤)، فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على

стр. 256

الشكر، فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبّهه به، ورتبة المشبَّه به أعلى من رتبة المشبَّه، وهذا كقوله: "مدمن الخمر كعابد وثن" (١)، ونظائر ذلك. قالوا: وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة (٢) في الشكر، وجدنا نصوص الصبر أضعافها، ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الأعمال كانت الأحاديث فيهما أكثر من الأحاديث في سائر الأبواب، فلا تجد الأحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد. قالوا: وأيضًا فالصبر يدخل في كل باب، بل في كل مسألة من مسائل الدين، ولهذا كان من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قالوا: وأيضًا فاللَّه سبحانه علق على الشكر الزيادة، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب، فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وأيضًا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقال: ﴿وَسَنَجْزِي

стр. 257

الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقيد جزاء الصابرين بالإحسان، فقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. قالوا: وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول اللَّه تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به" (١). وفي لفظ: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، قال اللَّه: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (٢)، وما ذلك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها، كما في الحديث نفسه: "يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي" (٣)، ولهذا قال النبي ﷺ لمن سأله عن أفضل الأعمال: "عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له" (٤). ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى، وكان هذا حقيقة الصوم -فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع- فُسِّرَ الصبر في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ٤٥] إنه: الصوم (٥)، وسمِّي شهر رمضان: شهر الصبر (٦).

стр. 258

وقال بعض السلف: "الصوم نصف الصبر" (١)، وذلك لأن الصبرَ حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب، فالنفس تشتهي الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لتقربها من المؤلم، والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب، ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين. وقد أشار إلى ذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح، وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب، فإن أحد سابّه أو شاتمه فليقل: إني صائم" (٢). فأرشد ﷺ إلى تعديل قوى الشهوة والغضب، وأن الصائم ينبغي له أن يحتمي من إفسادهما لصومه، فهذه تفسد صومه، وهذه تحبط أجره، كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (٣). قالوا: ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ

стр. 259

الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١١١]، فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ولا شيء يعدل معيته لعبده، كما قال بعض العارفين: "ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة لأنهم نالوا معية اللَّه" (١). وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصابر لحكمه، وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد منها خير من الدنيا وما عليها وهي: صلوات اللَّه تعالى عليهم، ورحمته لهم، وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم. وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه، وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولي العزم من الرسل، وقد تقدم ذكر ذلك (٢). قالوا: وقد دلَّ الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها ما أمكن أفضل من الاستكثار منها، والزهد فيها حال الصابر، والاستكثار منها حال الشاكر. قالوا: وقد سُئل المسيح صلوات اللَّه وسلامه عليه عن رجلين مرّا بكنز فتخطاه أحدهما، ولم يلتفت إليه، وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة اللَّه أيهما أفضل؟ فقال: الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند اللَّه (٣).

стр. 260

قالوا: ويدل على صحة هذا أن النبي ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها، وقال: "بل أجوع يومًا، وأشبع يومًا" (١). ولو أخذها لأنفقها كلها في مرضاة اللَّه وطاعته، فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها. قالوا: وقد عُلم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور: علوم يعرفها، وأعمال يعمل بها، وأحوال تُرتب له على علومه وأعماله. وأفضل العلم والعمل والحال العلم باللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعمل بمرضاته، وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء، فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة. وأجل المقاصد معرفة اللَّه ومحبته، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا أجلّ سعادة الدنيا والآخرة، وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها. وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة، وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملًا، للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها، وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك. وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة، مرادة لأجلها، وتفاوت العلوم في فضلها بحسب قرب إفضائها إلى هذه المعرفة وبُعدِه، فكل

стр. 261

علم كان أقرب إفضاءً إلى العلم باللَّه وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه. وكذلك حال القلب، فكل حال كان أدنى (١) إلى المقصود الذي خُلق له فهو أشرف مما دونه. وكذلك الأعمال، فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره. ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال أو أفضلها؛ لقرب إفضائها إلى هذا المقصود. وهكذا يجب أن يكون، فإن كلما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها، فالعمل المُعِدُّ للقلب المهيّئ له لمعرفة اللَّه وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك. وإذا اشتركت عدة أعمال في هذا الإفضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المقصود، ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة للَّه، واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيًّا عنها، وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها. فههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أنه قد يكون العمل المعيّن أفضل في حق شخص، وغيره أفضل منه في حق غيره، فالغني الذي له مال كثير، ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه، فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة. والشجاع الشديد البأس الذي يهاب العدو سطوته، وقوفُه (٢) في الصف ساعةً وجهادُه أعداءَ اللَّه أفضلُ له من الحج والصوم والصدقة

стр. 262

والتطوع. والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطتُه للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح. ووليُّ الأمر (١) الذي قد نصبه اللَّه للحكم بين عباده، جلوسه ساعة للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإقامة الحدود، ونصر المحق، وقمع المبطل = أفضل من عبادة سنين من غيره. ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته. وتأمل تولية النبي ﷺ لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر، بل قال: "إني أراك ضعيفًا، وإني لأحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولينَّ مال يتيم" (٢)، وأمر غيره بالصيام، وقال: "عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له" (٣)، وأمر آخر بأن لا يغضب (٤)، وأمر آخر بأن لا يزال لسانه رطبًا من ذكر اللَّه (٥). ومتى أراد اللَّه بالعبد كمالًا وفّقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له

стр. 263

قابل له قد هُيِّئَ له، فإذا استفرغ وسعه فيه بَرز على غيره، وفاق الناس فيه وصار كما قيل: ما زال يَسبق حتى قال حاسدُه … له طريق إلى العلياءِ مختصرُ (١) وهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلًا، إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به، وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه، فالشحُّ المطاع مثلًا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها. وكذا داء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن، واستفراغ الوسع والذكر والزهد، وإنما يزيله إخراجه من القلب بضده. ولو قيل: أيّما أفضل: الخبز أو الماء؟ لكان الجواب: إن هذا في موضعه أفضل، وهذا في موضعه أفضل. وإذا عرفتَ هذه القاعدة (٢) فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال، وهو زوال البخل والشحِّ بسبب خروج الدنيا منه، فيتهيأ لمعرفة اللَّه ومحبته، فهو دواء للداء الذي في القلب يمنعه من المقصود. وأما الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء، وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود. ثم أوردوا على أنفسهم سؤالًا، فقالوا: فإن قيل: فقد حث الشرع على الأعمال؟

стр. 264

وانفصلوا عنه بأن قالوا: الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدلّ على أن الدواء يراد لعينه، ولا أنه أفضل من الشفاء الحاصل به، ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب، ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا، فوقع الحث على العمل لمقصود وهو شفاء القلب، فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل، كالحجّام يستخرج منك الدم المهلك. قالوا: وإذا عُرف هذا عُرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة، وحال الشاكر حال المتداوي بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم. فصل قال الشاكرون: لقد تعديتم طوركم، وفضلتم مقامًا غيره أفضل منه، وقدمتم الوسيلة على الغاية، والمطلوبَ لغيره على المطلوب لنفسه، والعمل الكامل على الأكمل، والفاضل على الأفضل، ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفّيتموه مرتبته. وقد قَرَنَ تعالى ذكره الذي هو المراد من الخلق بشكره، وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر، والصبر خادم لهما، ووسيلة إليهما، وعون عليهما، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقرن سبحانه الشكر بالإيمان، وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروه وآمنوا به فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] أي: قد وفيتم ما خلقتم له، وهو الشكر والإيمان، فما أصنع بعذابكم بعد هذا؟!

стр. 265

وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. وقسّم الناسَ إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله، قال تعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]، وقال نبيُّه سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر، فهو ضده. وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]. والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان، فلم ينقلبوا على أعقابهم. وعلّق سبحانه المزيد بالشكر (١)، والمزيد منه لا نهاية له، كما لا نهاية لشكره. وقد وقف سبحانه كثيرًا من الجزاء على المشيئة، كقوله: ﴿فَسَوْفَ

стр. 266

يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله في الإجابة: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، [وقوله في الرزق: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾] (١) [آل عمران: ٣٧]، والتوبة: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] وفي المغفرة: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]. وأطلق جزاء الشكر إطلاقًا حيث ذُكر، كقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ولما عَرف عدو اللَّه إبليس قَدْر مقام الشكر وأنه أجلُّ المقامات وأعلاها، جعل غايته أن يسعى في قطع الناس (٢) عنه، فقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٧]. وقد وصف اللَّه سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين. فقال: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين إن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠]، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُم﴾ [ص: ٢٤]؛ فقال عمر: صدقت (٣).

стр. 267

وقد أثنى اللَّه سبحانه على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر، فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣]. وفي تخصيص نوح ههنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته، إشارة إلى الاقتداء به، فإنه أبوهم الثاني، فإن اللَّه تعالى لم يجعل بعد الغرق للخلق نسلًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر للَّه فإنه كان عبدًا شكورًا. وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته؛ فقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وأول وصية وَصَّى بها الإنسانَ بعد ما عقل عنه الشكر له ولوالديه بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]. وأخبر أن رضاه في شكره، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم ﷺ بشكر أنعمه؛ فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].

стр. 268

فأخبر عنه سبحانه بأنه أمّة، أي: قدوة يؤتمُّ به في الخير، وأنه قانتٌ له، والقانت: هو المطيع المقيم على طاعته، والحنيف: هو المقبل على اللَّه المعرض عما سواه، ثم ختم له هذه الصفات بأنه شاكرٌ لأنعمه، فجعل الشكر غاية خليله. وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره، بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. فهذا غاية الخلق، وأما غاية الأمر، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ تعليلًا لقضائه لهم بالنصر، ولأمره لهم بالتقوى، ولهما معًا، وهو الظاهر، فالشكر غاية الخلق والأمر، وقد صرَّح سبحانه بأنه غاية أمره وإرساله الرسول في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢]. قالوا: فالشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر، فهو خادم الشكر. وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١).

стр. 269

وثبت في "المسند" (١) و"الترمذي" أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "واللَّه إني لأحبك، فلا تنسَ أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل (٣)، حدثنا أبو معاوية وجعفر بن عون عن هشام بن عروة (٤) قال: كان من دعاء النبي ﷺ : "اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٥). قال: وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس:

стр. 270

أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أربع من أعطيهن أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها ولا في ماله" (١). وذكر أيضًا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما أنعم اللَّه على عبد نعمة فعلم أنها من عند اللَّه إلا كتب اللَّه له شكرها، وما علم اللَّه من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره، وإن الرجل ليشتري الثوب بالدينار فيلبسُه فيحمد اللَّه فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له" (٢). وقد ثبت في "صحيح مسلم" عنه ﷺ أنه قال: "إن اللَّه ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" (٣). فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال

стр. 271

تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] فى مقابلة شكره بالحمد. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد اللَّه بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يرزق اللَّه عبدًا الشكر فيحرمه الزيادة؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] " (١). وقال الحسن البصري: "إن اللَّه ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يُشكر عليها قلَبَها (٢) عذابًا" (٣). ولهذا كانوا يسمون الشكر "الحافظ"؛ فإنه الذي يحفظ النعم الموجودة، و"الجالب"؛ فإنه يجلب النعم المفقودة. وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لرجل من همدان: "النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، [وهما مقرونان في قَرَن، فلن ينقطع المزيد] (٤) من اللَّه حتى ينقطع الشكر من العبد" (٥).

стр. 272

وقال عمر بن عبد العزيز: "قيِّدوا نعم اللَّه بشكر اللَّه" (١). وكان يقال: "الشكر قيد النعم" (٢). وقال مطرّف بن عبد اللَّه: "لئن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أُبتلى فأصبر" (٣). وقال الحسن: "أكثروا ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر" (٤). وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يُحدِّث بنعمه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. واللَّه تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته (٥)، فإن ذلك شكر لها بلسان الحال. وقال علي بن الجعد: سمعت سفيان الثوري يقول: إن داود ﵊ قال: "الحمد للَّه حمدًا كما ينبغي لكرم وجه ربي وعزِّ جلاله، فأوحى اللَّه إليه: يا داود أتعبت الملائكة" (٦).

стр. 273

وقال شعبة: حدثنا الفضل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خزّ (١) لم نره عليه قبل ولا بعد، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أنعم اللَّه على عبد نعمة، أحبَّ أن يرى أثر نعمته على عبده" (٢). وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخِيلة ولا سرف، فإن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٣). وذكر شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وأنا قَشِفُ الهيئة (٤) فقال: "هل لك من مال؟ " قلت: نعم، قال: "من أيّ المال؟ " قلت: من كل المال، قد آتاني اللَّه من الإبل والخيل والرقيق والغنم. قال: "فإذا آتاك مالًا فَلْيُرَ عليك" (٥).

стр. 274

وفي بعض المراسيل: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه" (١). وروى عبد اللَّه بن يزيد المقرئ عن أبي معمر عن بكر بن عبد اللَّه، رفعه: "من أعطي خيرًا فرُئِيَ عليه، سُمّي حبيبَ اللَّه محدّثًا بنعمة اللَّه، ومن أعطي خيرًا فلم يُرَ عليه سُمّي بغيضَ اللَّه معاديًا لنعمة اللَّه" (٢). وقال فضيل بن عياض: كان يُقال: من عرف نعمة اللَّه بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول اللَّه : ﴿لَئِنْ (٣) شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال: "مِنْ شُكْرِ النعمة أن يُحدّث بها" (٤). وقال: قال اللَّه تعالى: "يا ابن آدم، إذا كنتَ تتقلّب في نعمتي، وأنت تتقلّب في معصيتي، فاحذرني لا أصرعك بين معاصي، يا ابن آدم اتّقِني ونَم حيث شئت" (٥). وقال الشعبي: "الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان،

стр. 275

واليقين الإيمان كلّه" (١). وقال أبو قلابة: "لا تضركم دنيا إذا شكرتموها" (٢). وقال الحسن: "إذا أنعم اللَّه على قوم سألهم الشكر، فإذا شكروه كان قادرًا على أن يزيدهم، وإذا كفروه كان قادرًا على أن يقلب (٣) نعمته عليهم عذابًا" (٤). وقد ذم اللَّه سبحانه الكنودَ، وهو: الذي لا يشكر نعمَه. قال الحسن: " ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦] يعدد المصائب وينسى النعم" (٥). وقد أخبر النبي ﷺ أن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب، قال: "لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهر، ثم رَأَتْ منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٦).

стр. 276

فإذا كان هذا (١) بترك شكر نعمة الزوج وهي في الحقيقة من اللَّه، فكيف بمن ترك شكر نعمة اللَّه؟! كما قيل: أيها الظالم في فعله … والظلمُ مردودٌ على من ظَلَمْ إلى متى أنت وحتى متى … تشكو المصيباتِ وتنسى النِّعَمْ (٢) وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبد الرحمن السلمي (٣) عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ "التحدُّث بالنعم شكرٌ، وتركها كفرٌ، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه، والجماعة بركة والفرقة عذاب" (٤). وقال مطرّف بن عبد اللَّه: "نَظَرتُ في العافية والشكر، فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة، ولأنْ أُعافى فأشكُرَ أحبُّ إليّ من أن (٥) أُبتلى فأصبِرَ" (٦). وأتى بكرُ بن عبد اللَّه المزني حمّالًا عليه حمله وهو يقول: الحمد للَّه

стр. 277

أستغفر اللَّه. قال: فانتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له: أما تحسن غير ذا؟ قال: بلى، أُحسن خيرًا كثيرًا، أقرأ كتاب اللَّه، غير أن العبد بين نعمة وذنب، فأحمد اللَّه على نعمائه السابغة، وأستغفره لذنوبي. فقلت: الحمّال أفقه من بكر (١). وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا. فقال لقد [قرأتها على الجن] (٢) ليلة الجن فكانوا أحسن ردًّا منكم، كنت كلّما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" (٣). وقال مِسعر: "لما قيل لآل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] لم يأتِ على القوم ساعة إلا وفيهم مصلٍّ" (٤). وقال عون بن عبد اللَّه: "قال بعض الفقهاء: إني رَوَّأْتُ (٥) في أمري فلم أرَ خيرًا إلا شرٌّ معه، إلا المعافاة والشكر، فربّ شاكر في بلاء وربّ معافى غير شاكر، فإذا سألتموا (٦) اللَّه، فسلوهما

стр. 278

جميعًا" (١). وقال أبو أمامة: لبس عمر بن الخطاب قميصًا، فلما بلغ تَرقُوَتَه قال: الحمد للَّه الذي كساني ما أُواري به عورتي، وأتجمّل به في حياتي. ثم مدّ يده فنظر إلى كلِّ شيء يزيد على بدنه فقطعه ثم أنشأ يُحدّث، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من لبس ثوبًا أحسبه قال جديدًا، فقال: حين يبلغ ترقوته، أو قال: قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك، ثم عمد إلى ثوبه الخَلق فكساه مسكينًا لم يزل في جوار اللَّه، وفي ذمة اللَّه، وفي كنف اللَّه حيًّا وميتًا حيًّا وميتًا حيًّا وميتًا، ما بقي من ذلك الثوب سلك" (٢). وقال عون بن عبد اللَّه: "لبس رجل قميصًا جديدًا فحمد اللَّه فغُفر له، فقال رجل: لا أرجع حتى أشتري قميصًا فألبسه وأحمد اللَّه" (٣). وقال شريح: ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان للَّه عليه فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لا بد كائنة

стр. 279

فقد كانت (١). وقال عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز: ما قلّب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمةٍ أنعم اللَّه بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرًا، وأن أكفرها بعد معرفتها، وأن أنساها ولا أثني بها" (٢). وقال روح بن القاسم: "تنسّك رجل فقال: لا آكل الخبيص (٣) لا أقوم بشكره. فقال الحسن: هذا أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟ " (٤). وفي بعض الآثار الإلهية: "يقول اللَّه تعالى : ابن آدم، خيري إليك نازل وشرك إليّ صاعد، أَتَحبب إليك بالنعم، وتتبغّض إليّ بالمعاصي، ولا يزال مَلَك كريم قد عرج (٥) إليّ منك بعمل قبيح" (٦).

стр. 280

قال ابن أبي الدنيا: وحدثني أبو على قال: كنت أسمع جارًا لي يقول في الليل: "يا إلهي خيرك عليّ نازل وشرّي إليك صاعد، وكم من ملك كريم قد صعد إليك مني بعمل قبيح، أنت مع غناك عني تتحبّب إليّ بالنعم، وأنا مع فقري إليك وفاقتي أتمقّت إليك بالمعاصي، وأنت في ذلك تجبُرني وتستُرني وترزُقني" (١). وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ يقول: "أصبحنا مُغرَقين في النعم عاجزين عن الشكر، يتحبّب إلينا ربنا وهو غنيٌّ عنا، ونتمقّت إليه ونحن إليه محتاجون" (٢). وقال عبد اللَّه بن ثعلبة: "إلهي من كرمك أنك كأنك تُطاع ولا تُعصى، ومن حلمك أنك تُعصى وكأنك لا تَرى، وأي زمن لا يعصيك فيه سكان أرضك وأنت عليهم بالخير عوّاد" (٣). وقال معاوية بن قرّة "من لبس ثوبًا جديدًا فقال: بسم اللَّه والحمد للَّه غفر له" (٤). وقال أنس بن مالك: "ما من عبد توكل بعبادة اللَّه إلا غرّم اللَّه السموات والأرض، يعني رِزقَه، فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفعوه إليه فإن العبد قَبِلَه أوجب عليه الشكر، وإن أباه وجد الغنيُّ

стр. 281

الحميد عبادًا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له" (١). وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبي تميمة: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحت بين نعمتين، ولا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها اللَّه فلا يستطيع (٢) أن يعيّرني بها أحد، ومودة قذفها اللَّه لي في قلوب العباد لا يبلغها عملي" (٣). وقال ابن أبي الدنيا عن سعيد (٤) المقبري عن أبيه عن عبد اللَّه بن سلام أن موسى ﵇ قال: "يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري" (٥). وروى سهيل بن أبي (٦) صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ فانطلقنا معه، فلما طَعِمَ وغسل يده قال: "الحمد للَّه الذي يُطعِم ولا يُطعَم، منّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلّ بلاء حسن أبلانا، الحمد للَّه غير مُودعّ ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مُستغنًى عنه، الحمد للَّه الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسى من العُري، وهدى من الضلالة، وبصّر من العمى،

стр. 282

وفضّل على كثير من خلقه تفضيلًا، الحمد للَّه رب العالمين" (١). وفي "مسند الحسن بن الصباح" من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أنعم اللَّه على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول: ما شاء اللَّه، لا قوّة إلا باللَّه، فيرى فيه آفة دون الموت" (٢). ويُذكر عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها فرأى كسرة ملقاة فمسحها، فقال: "يا عائشة، أحسني جوار نعم اللَّه، فإنها قلَّ ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم"، ذكره ابن أبي الدنيا (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال: قرأت في مسألة داود أنه قال: "يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: يا داود، أليس تعلم أن الذي بك من النعم منّي؟ قال: بلى

стр. 283

يا رب. قال: فإني أرضى بذلك منك شكرًا" (١). وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان من دعاء داود: "سبحان مستخرج الشكر بالعطاء، ومستخرج الدعاء بالبلاء" (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد اللَّه بن الحارث قال: "أوحى اللَّه إلى داود: أحِبَّني وأحِبَّ عبادي وحبّبني إلى عبادي، قال: يا رب هذا أحبُّك وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟! قال: تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن" (٣). فجلَّ جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جدُّه وتقدست أسماؤه وجلّ ثناؤه ولا إله غيره. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا عمران قال: سمعت وهبًا

стр. 284

يقول: "وجدت في كتاب آل داود: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السماوات والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماوات، وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء، ثم أكِلُه إلى نفسه، كفى بي لعبدي مالًا إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني، واستجبت له قبل أن يدعوني، وإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه" (١). وقال أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت قال: "كان داود ﷺ قد جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فيها، قال: فعمّهم ﵎ في هذه الآية: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣] " (٢). قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة (٣): "قال داود: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرًا لك مني؟ فأوحى اللَّه إليه: نعم، الضفدع. وأنزل اللَّه عليه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. قال:

стр. 285

يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم عليّ ثم ترزقني على النعمة الشكر، ثم تزيدني نعمة بعد نعمة، فالنعم منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ قال: الآن عرفتني يا داود" (١). قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال: قال نبي اللَّه داود: "إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين (٢) يسبّحانك الليل والنهار والدهر كله ما قضيت حق نعمة واحدة" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد: قال موسى: "يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ " قال: "فأتاه الوحي: يا موسى، الآن شكرتني" (٤). وقال بكر بن عبد اللَّه: "ما قال عبد قط الحمد للَّه، إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد للَّه، فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد للَّه، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعم اللَّه" (٥).
следующие страницы →