← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

السليل (١) قال: "كان داود النبي ﷺ يدخل المسجد فينظر أغمص (٢) حلقة من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين" (٣)، هذا مع ما آتاه اللَّه من الملك والغنى والبسطة زيادة على النبوة. قال أبو الحسين: روى أبو برزة الأسلمي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفًا حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء في الدنيا" (٤). (٥) قلت: هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وجابر بن عبد اللَّه، ويُروى عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك (٦).

стр. 387

ولا يدل ذلك على علو درجتهم إذا دخلوا الجنة قبل الأغنياء، بل إنما يدل على السبق لعدم ما يحاسبون عليه، ولا ريب أن وليّ الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغني الشاكر، ولا يلزم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم (١). وأما تمني الأغنياء أنهم كانوا فقراء، فإن صحت هذه اللفظة (٢) لم تدل على انحطاط درجتهم، كما يتمنى القاضي العادل في بعض المواطن يوم القيامة أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرة لما يرى من شدة الأمر؛ فمنزلة الفقر والخمول منزلة السلامة، ومنزلة الغنى والولاية منزلة الغنيمة أو العطب. قال أبو الحسين: وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قام في أصحابه فقال: "أي الناس خير؟ " فقال بعضهم: غني يعطي حق نفسه وماله، فقال النبي ﷺ : "نِعْمَ الرجل هذا وليس به، ولكن خير الناس

стр. 388

مؤمن فقير يعطي على جهد" (١). (٢) قلت: لم يذكر لهذا الحديث إسنادًا فينظر فيه، وحديث لا يعلم حاله لا يُحتج به، ولو صح لم يكن فيه دليل؛ لأنه تضمن تفضيل فقير يتصدق من جهده فمعه صبر الصابرين وغنى الشاكرين، فقد جمع بين موجبي التفضيل وسببيه، ولا ريب أن هذا أفضل الأقسام الثلاثة، ودرهمه الواحد يسبق مائة ألف درهم من غيره، كما قال رسول اللَّه ﷺ : "سبق درهم ممائة ألف درهم" قالوا: يا رسول اللَّه وكيف يسبق درهم مائة ألف؟ قال: "رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها". رواه النسائي من حديث صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة (٣). وذكر البيهقي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن على قال: جاء ثلاثة نفر إلى النبي ﷺ فقال أحدهم: كانت لي مائة أوقية فتصدقت منها بعشر [أواق، وقال الآخر: كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة] (٤) دنانير، وقال الآخر: كانت لي عشرة دنانير فتصدقت منها

стр. 389

بدينار، فقال: "كلكم في الأجر سواء، كلكم قد تصدّق بعشر ماله" (١). وقال أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا ابن أبي العوام حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رجل لعثمان بن عفان ذهبتم يا أصحاب الأموال بالخير تتصدقون وتعتقون وتحجون وتنفقون، فقال عثمان: "وإنكم لتغبطوننا؟ قال: إنا لنغبطكم، قال: فواللَّه لدرهم ينفقه أحد من جهد خير من عشرة آلاف درهم غيض من فيض" (٢). وفي "سنن أبي داود" من حديث الليث عن أبي الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول اللَّه أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد المقل، وابدأ بمن تعول" (٣). وفي "المسند" و"صحيح ابن حبان" من حديث أبي ذر قال قلت: يا رسول اللَّه أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل" (٤). وفي "سنن النسائي" من حديث على الأزدي (٥) عن عبيد بن عمير

стр. 390

عن عبد اللَّه بن حُبشي أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة" قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القيام" قيل: فأي الصدقة أفضل (١)؟ قال: "جهد من مقل" قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "من هجر ما حوم اللَّه عليه" قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من أهريق دمه وعقر جواده" (٢). وهذه الأحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ببعض ماله الذي لا يتبين أثر نقصانه عليه وإن كان كثيرًا؟ لأن الأعمال عند اللَّه تتفاضل بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها، بل بقوة الداعي وصدق الفاعل وإخلاصه وإيثار اللَّه على نفسه. فأين صدقة من آثر اللَّه على نفسه برغيف هو قوته إلى صدقة من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضًا من فيض؟! فرغيف هذا ودرهمه في الميزان أثقل من مائة ألف هذا، واللَّه المستعان. فصل واحتجوا بما رواه ابن عدي من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم توفني فقيرًا، ولا توفني غنيًّا" (٣).

стр. 391

وهذا الحديث لا يصح، فإن خالد بن يزيد هذا هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي، أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه، قال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن معين: واه. ونسبه يحيى إلى الكذب، وقد تقدم الكلام فيه (١). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة (٢)، فقال: قد تنازع كثير من المتأخرين في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل، فرجّح هذا طائفة من العلماء والعباد، ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد، وحُكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان. وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصِّنفين على الآخر. وقد قالت طائفة ثالثة: ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى، فأيهما كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل، فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة. قال: وهذا أصحّ الأقوال؛ لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تُفضِّل بالإيمان والتقوى، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر

стр. 392

الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا ﷺ ، وحال أبي بكر وعمر ﵄. ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع، كما في الحديث الذي رواه البغويُّ وغيره عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبّر عبادي، إني خبير بصير" (١). وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء" (٢). وفي الحديث الآخر لما علّم الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا، فذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: " ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [لحديد: ٢١] " (٣).

стр. 393

فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفّة الحساب عليهم، والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقراء كانت درجته في الجنة فوقه، وإن تأخر في الدخول. كما أن السبعين ألفًا الذين (١) يدخلون الجنة بغير حساب -ومنهم عكاشة بن محصن (٢) - قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات، لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب. وهذا في الفقراء المذكورين (٣) في الكتاب والسنة وهو ضدّ الغنى الذي يبيح أخذ الزكاة أو الذي لا يوجب الزكاة. ثم قد صار في اصطلاح كثير من الناس: الفقر عبارة عن الزهد والعبادة والأخلاق. ويسمون من اتصف بذلك فقيرًا وإن كان ذا مال، [ومن لم يتصف بذلك قالوا: ليس بفقير وإن لم يكن له مال،] (٤) وقد يسمى هذا المعنى تصوفًا. ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفي، ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل، ومنهم من يجعل مسمى الصوفي أفضل. والتحقيق في هذا الباب: أنه لا ينظر إلى الألفاظ المحدثة بل

стр. 394

يُنظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والمعاني، واللَّه قد جعل وصف أوليائه الإيمان والتقوى، فمن كان نصيبه من ذلك أعظم، كان أفضل، ولا اعتبار بما سوى ذلك، واللَّه أعلم.

стр. 395

الباب الثالث والعشرون في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار قالت الفقراء: لم يذكر اللَّه سبحانه الغنى والمال في القرآن إلا على أحد وجوه: الأول: على وجه الذم، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦، ٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية، ونظائر ذلك كثير. الوجه الثانى: أن يذكره على وجه الابتلاء والامتحان، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]. وقال تعالى مخبرًا عن ابتلائه بالغنى كما ابتلى بالفقر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ

стр. 396

إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾ [الفجر: ١٥] الآية، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. الوجه الثالث: إخباره أن الأموال والأولاد لا تقرّب إليه شيئا، وإنما يقرّب إليه الإيمان والعمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]. الوجه الرابع: إخباره أن الدنيا والغنى والمال إنما جعلها متعة لمن لا نصيب له في الآخرة، وأن الآخرة جعلها للمتقين، فقال تعالى: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ بقوله لعمر: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة"، وسيأتي الحديث (١). الوجه الخامس: أنه لم يذكر المترفين وأصحاب الثروة إلا بالذم كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ [الواقعة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [الأنبياء: ١٣]. الوجه السادس: أنه سبحانه ذم محب المال، فقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ

стр. 397

التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠]، فذمهم بحب المال وعيّرهم به. الوجه السابع: أنه سبحانه ذم متمنّي الدنيا والغنى والسعة فيها، ورأوا ذلك عطاء عظيمًا، ومدح من أنكر عليهم وخالفهم، فقال تعالى عن أغنى أهل زمانه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠]. فأخبروا أن ما عند اللَّه خير لمن آمن وعمل صالحًا، ولا يلقّى هذه الوصية وهي الكلمة التي تكلم بها الذين أوتوا العلم أو المثوبة والجنة التي دل عليها قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، أو السيرة والطريقة التي دل عليها قوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وعلى كل حال لا يلقّى ذلك إلا الصابرون على الفقر وعن الدنيا وشهواتها وما أُترف فيه الأغنياء، وقد شهد اللَّه سبحانه لهم بأنهم من أهل العلم دون الذين تمنوا الدنيا وزينتها. الوجه الثامن: أنه سبحانه أنكر على من ظنّ أن التفضيل يكون بالمال الذي يحتاج إليه لإقامة الملك، فكيف بما هو زيادة وفضلة؟! فقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١) [البقرة: ٢٤٧]، فرد اللَّه سبحانه قولهم، وأخبر أن الفضل [ليس بالمال كما

стр. 398

توهّموه، وأن الفضل] (١) بالعلم لا بالمال. وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]، ففضله ورحمته العلم والإيمان والقرآن، والذي يجمعونه هو المال وأسبابه. ومثله قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]. الوجه التاسع: أنه (٢) سبحانه أخبر أن التكاثر في جمع المال وغيره ألهى الناس وشغلهم عن الآخرة والاستعداد لها، وتوعّدهم على ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ١ - ٥]. فأخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن اللَّه والدار الآخرة حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر، ولم يفيقوا من رقدة من ألهاه التكاثر، وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت إيذانًا بأنهم غير مستوطنين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعيّن سبحانه المتكاثر (٣) بل ترك ذكره إما لأنّ المذموم هو نفس

стр. 399

التكاثر بالشيء لا المتكاثر به، كما يُقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب به ويلهو به. وإما إرادة الإطلاق (١)، وهو كل ما يكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو إماء أو بناء أو غراس أو علم لا يبتغي به وجه اللَّه أو عمل لا يقربه إلى اللَّه، فكل هذا من التكاثر الملهي عن اللَّه والدار الآخرة. وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن الشخير أنه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ قال: "يقول ابن آدم مالي مالي (٢). وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت" (٣). ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدًا مؤكدًا إذا عاين تكاثره هباء منثورًا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعًا وغرورًا، فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له، وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله، وبدا له من اللَّه ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن اللَّه والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذّب بتكاثره في دنياه، ثم عذّب به في البرزخ، ثم يعذّب به يوم القيامة فكان أشقى الخلق بتكاثره، إذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة، فلم يفزْ من تكاثره إلا بأن صار من الأقليق، ولم يحظَ من علوه في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرًا ما أقلّه؟! ورزءًا ما أجلّه؟! وغناء جالبًا لكل فقر،

стр. 400

وخيرًا توصّل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤]، وعملت بطاعة اللَّه قبل وفاتي ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] تلك كلمة يقولها فلا يعوّل عليها، ورجعة يسألها فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولًا: ﴿رَبِّ﴾ استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره إلى بين يدي ربه ﵎ فقال: ﴿ارْجِعُونِ﴾ ثم ذكر سبَب سؤال الرجعة وهو: أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوله وأسبابه، فيقال له: ﴿كَلَّا﴾، لا سبيل لك إلى الرّجعى وقد عُمّرتَ ما يتذكر فيه من تذكّر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة؛ ليتدارك ما فاته، أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرّط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها، وأن سجيّته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب، وأنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وأنه لو رُدّ لعاد لما نهي عنه، وأنه من الكاذبين، فحكمة أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وجدّه يأبى إجابته إلى ما سأل؛ فإنه لا فائدة في ذلك، ولو ردّ لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]. وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية، وما وردوا. فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا (١)، ومعناها أجل

стр. 401

وأعظم مما فسروها به، ولم يتفطنوا لوجه الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ ولا للأمر الذي بدا لهم وكانوا يخفونه، وظنوا أن الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئمًا مع قوله: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ قدروا مضافًا محذوفًا وهو جزاء ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فدخل عليهم أمر آخر لا جواب لهم عنه وهو: أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه ويَدْعون إليه ويحاربون عليه. ولما علموا أن هذا وارد عليهم، قالوا: إن القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، فلما وُقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه. قال الواحدي: وعلى هذا أهل التفسير (١). ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا؛ فإن السياق والإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ والإخبار عنهم بأنهم لو ردّوا لعادوا مشركين لا يلتئم بهذا الذي ذكروه فتأمله (٢). وقالت طائفة منهم الزجاج: بل بدا للأتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء من أمر البعث (٣). وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير، وفيه من التكلف ما ليس بخافٍ.

стр. 402

وأجود من هذا ما فهمه المبرّد من الآية قال: كأن كفرهم لم يكن باديًا لهم إذ خفيت عليهم مضرّته (١). ومعنى كلامه: أنهم لما خفيت عليهم عاقبته ووباله فكأنه كان خفيًّا عنهم لم تظهر لهم حقيقته، فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره. قال: وهذا كما تقول في من كنت حدثته في أمر قبل: ظهر لك الآن ما كنتُ قلتُ لك؟! وقد كان ظاهرًا له قبل هذا. ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي (٢) كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون إليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه لخفاء عاقبته عنهم، ولا يُقال لمن أظهر الظلم والفساد وقتل النفوس والسعي في الأرض بالفساد أنه أخفى ذلك لجهله بسوء عاقبته وخفائها عليه. فمعنى الآية -واللَّه أعلم بما أراد من كلامه-: أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنّوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون باللَّه وآياته ولا يكذبون رسله، فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنه ليس في طبائعهم وسجاياهم الإيمان، بل سجيّتهم الكفر والشرك والتكذيب، وأنهم لو ردّوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله، وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا. فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبيّن لك معنى الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾،

стр. 403

وتبيّن معنى الذي بدا لهم والذي كانوا يخفونه. والحامل لهم على قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾، فالقوم كانوا يعلمون في الدنيا أنهم على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلّغوهم عن اللَّه، وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه. فلم يكن الحامل لهم على تمنّي الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه، فظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على الباطل وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه، فلو ردّوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب، فإنهم لم يتمنوا الأيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل، وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله. وهذا كمن كان يُخفي محبة (١) شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد في عدوله عنه، فقيل له: إن اطلع عليك قيّمه (٢) عاقبك. وهو يعلم ذلك ويكابر، ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب، فلما أخذه وليّه ليعاقبه على ذلك، وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة، وأنه لا يجتمع به بعد ذلك، وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسّته وأنهكته، فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته بخطئه وصواب من نهاه عنه ولو ردّ لعاد لما نُهي عنه.

стр. 404

وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى وهو نفي قولهم: أنا لو رُددنا لآمنا وصدقنا، لأنه ظهر لنا الآن أن (١) ما قالت الرسل هو الحق، أي: ليس كذلك بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه، فلم يظهر لكم شيء لم تكونوا عالمين به لِتُعذَروا، بل ظهر لكم ما كان معلومًا لكم وكنتم تواصون بإخفائه وكتمانه واللَّه أعلم. ولا تستطل هذا الفصل المعترض في أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع، وباللَّه التوفيق. فلنرجع إلى تمام الكلام فيها وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥] جوابه محذوف دلّ عليه ما تقدم، أي: لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل بصاحبه إلى حدّ الضروريات التي لا يُشك ولا يمارى في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه وترتب أثره عليه، فإن مجرّد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه، فإذا صار له علم يقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد، فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء، وفي هذا المعنى قال حسان في أهل بدر: سِرْنا وساروا إلى بَدْرٍ لِحَينهم (٢) … لو يعلمونَ يقين العِلْمِ ما ساروا (٣)

стр. 405

وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٣، ٤]، قيل: هو تأكيد لحصول العلم كقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ: ٤، ٥]. وقيل: ليس بتأكيد بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر. هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس (١). ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه: أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط ﴿ثُمَّ﴾ بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين زمانًا وخَطَرًا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علمًا هو فوق العلم الأول. الرابع: أن عليّ بن أبي طالب وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كُريب حدثنا حكام بن سلم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال بن عمرو عن زرّ عن

стр. 406

على قال: "ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] " (١). قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٤] في القبور. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٦، ٧] فهذه الرؤية الثانية غير الأولى وليست تأكيدًا لفظيًّا للرؤية الأولى، والفرق بين الرؤية الأولى والثانية من وجهين: إطلاق الأولى وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكّد بواو القسم ولام التوكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم، فكل أحد يُسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا هل ناله من حلّه ووجهِه أم لا؟ فإذا تخلص من هذا السؤال سئل عسْه سؤالًا آخر: هل شكر اللَّه تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه (٢)، والثاني عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر

стр. 407

[عن ابن مسعود] (١) عن النبي ﷺ قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ " (٢). وفيه أيضًا عن أبي برزة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه". قال: هذا حديث صحيح (٣). وفيه أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة -يعني العبد من النعيم- أن يُقال له: ألم نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوِيك من الماء البارد؟! " (٤). وفيه أيضًا من حديث الزبير بن العوام قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ (٥) يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] قال الزبير: يا رسول اللَّه فأي النعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان، التمر والماء؟ قال: "أما إنه

стр. 408

سيكون". قال: هذا حديث حسن (١). وعن أبي هريرة نحوه وقال: "فإنما هما الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا، قال: إن ذلك سيكون" (٢). وقوله: "إن ذلك سيكون" إما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال أي أن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرًا وماء فإنه من النعيم. ويدل عليه قوله ﷺ في الحديث الصحيح -وقد أكلوا معه رطبًا ولحمًا وشربوا من الماء البارد-: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة" (٣). فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "يُجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بَذَج (٤)، فيوقف بين يدي اللَّه، فيقول اللَّه: أعطيتك وخوّلتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمّرته فتركته أكثر ما كان فارجعني آتك به (٥) فإذا عبد لم يقدم خيرًا، فيمضى به إلى النار" (٦).

стр. 409

وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول اللَّه له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع (١)، فكنتَ تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني". قال: هذا حديث صحيح (٢). وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسؤولون عن النعيم، وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل (٣)، واختار الواحدي ذلك، واحتج بحديث أبي بكر لما نزلت هذه الآية: قال يا رسول اللَّه: "أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيّهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذَنَّب (٤) وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما ذلك للكافر"، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١)﴾ [سبأ: ١٧] (٥). قال الواحدي: والظاهر يشهد لهذا القول؛ لأن السورة كلها خطاب

стр. 410

للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضًا يشهد لهذا وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم توبيخًا لهم، هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن قال: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار (١). قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر القرآن وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة: "يقول ابن آدم: مالي مالي (٢)، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت. . . " الحديث وهو في صحيح مسلم (٣). وقائل ذلك قد يكون مسلمًا وقد يكون كافرًا. ويدل عليه الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة للنبي ﷺ وفهمهم العموم حتى قالوا له: "وأيّ نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان" (٤).

стр. 411

فلو كان الخطاب مختصًّا بالكفار لبيّن لهم ذلك وقال: ما لكم ولها إنما هي للكفار. فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم، والذي أُنزل عليه القرآن أقرّهم على فهم العموم. وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح. والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول اللَّه، قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قُومًا" فقاما معه فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: مرحبًا وأهلًا. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "وأين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد للَّه، ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، وأخذ المُدية (١)، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إياك والحلوب"، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لَتُسْألُنّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" (٢).

стр. 412

فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب وأنه غير مختص بالكفار. وأيضًا، فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيرًا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر (١). وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول اللَّه ﷺ ، فهو متناول لمن بعدهم، وهذا معلوم بضرورة الدين وإن نازع فيه من لا يُعتد بقوله من المتأخرين، فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين. فقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف، وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا اللَّه. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار؛ لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصّوه بهم (٢). وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان كقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ

стр. 413

عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦]. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]. ونظائره كثيرة. فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع والعمل الصالح، وإنما اللَّه سبحانه هو الذي يكمله بذلك ويعطيه إياه وليس له ذلك من نفسه، بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علمٍ وعدلٍ وخيرٍ فيه فمن ربه لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعة العبد وسجيّته التي هي له من نفسه، ولا خروجَ له عن ذلك إلا بتزكية اللَّه له وجعله مريدًا للآخرة مُوثرًا لها على التكاثر بالدنيا، فإن أعطاه ذلك وإلا فهو مُلتَهٍ بالتكاثر في الدنيا ولا بدّ. وأما احتجاجه بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيُقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة، وهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلًا له في الدنيا. وليس في قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [التكاثر: ٣] ما يقتضي دخول النار فضلًا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها، فإن أهل الموقف يرونها ويشاهدونها عيانًا، وقد أقسم الرب ﵎ أنه لا بد أن يَرِدَها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فليس في جملة من جمل هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. وأما ما ذُكر (١) عن الحسن أنه لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار،

стр. 414

فباطل قطعًا، إما عليه وإما منه، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده، وباللَّه التوفيق. ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها وما تضمنته من تحذير التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق، يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار ولا يليق ذلك بها، ويكفي في رد ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها، واللَّه أعلم. وتأمل ما في هذا العتاب الموجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها إلى أن رأى (١) القبور ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثرُ قلبَه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتبين لك أن العموم مقصود. وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثرٍ به معيّن؛ ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها. وأيضًا فإن التكاثر تفاعل وهو طلب كلّ من المتكاثرين أن يكثر صاحبه، فيكون أكثر منه فيما يكاثره به، والحامل له على ذلك توهمه أن العزة للمكاثر كما قيل: ولست بالأكثرِ منهم حَصًى … وإنما العِزّة للكاثر (٢) فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة

стр. 415

حاصلة لجماعة من الصحابة ولم تضرهم إذ لم يتكاثروا بها. وكل مَن كاثر إنسانًا في دنياه أو جاهه أو غير ذلك، شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة، فالنفوس الشريفة العلويّة ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو وتصير مفلحة، فلا تحب أن يَكْثُرَها غيرها في ذلك، وينافسه في هذه المكاثرة ويسابقه إليها، فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم، فهذا تكاثر مُلْهٍ عن اللَّه والدار الآخرة، وهو صائر إلى غاية القلّة، فعاقبة هذا التكاثر قلٌّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر باللَّه ولقائه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى، فصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل قولًا منه وأحسن عملًا وأغزر علمًا. وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها، كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذمومًا ولا قادحًا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات، وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج في تواصلهم بين يدي رسول اللَّه ﷺ ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره، وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر فلما تبيّن له مدى سبقه قال: "واللَّه لا أسابقك إلى شيء أبدًا" (١).

стр. 416

فصل وتأمل حسن موقع ﴿كَلَّا﴾ في هذا الموضع فإنها تضمّنت ردعًا لهم وزجرًا عن التكاثر ونفيًا وإبطالًا لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعِزتِهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيًا ونفيًا، وأخبرهم سبحانه أنه لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علمًا بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيما صرفوها. فلله ما أعظمها من سورة، وأجلّها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرًا، وأشدها ترغيبًا في الآخرة وتزهيدًا في الدنيا، على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها، فتبارك من تكلم بها حقًّا، وبلّغها رسوله عنه وَحْيًا. فصل وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حيّ زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار، فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟! فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. فهاهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار.

стр. 417

فصل فلنرجع إلى تمام المناظرة. قالوا: فاللَّه تعالى حمى أولياءه عن الدنيا، وصانهم عنها، ورغب بهم عنها تكريمًا لهم، وتطهيرًا عن أدناسها، ورفعة عن دناءتها؛ وذمّها (١) لهم، وأخبرهم بهوانها عليه وسقوط قدرها عنده، وأعلمهم أن بسطها فتنة، وأنه سبب الطغيان والفساد في الأرض، وإلهاء التكاثر بها عن طلب الدار الآخرة، وأنها متاع الغرور، وذم محبيها ومؤثريها. وأخبر أن من أرادها وأراد زينتها وحرثها فليس له في الآخرة من نصيب (٢). وأخبر أن بسطها فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة، وأن إمداد أهلها بها ليس مسارعة لهم في الخيرات، وأنها لا تقرب إليه ولا تزلف لديه (٣)، وأنه لولا تتابع الناس في الكفر لأعطى الكفار منها فوق مناهم، ووسعها عليهم أعظم التوسعة بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها من فضة، وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم في الآخرة (٤)، ونهى رسوله عن مد عينيه إليها وإلى ما متع

стр. 418

به أهلها (١)، وذم من أذهب طيباته فيها واستمتع بها (٢). وقال لنبيه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر: ٣] وفي هذا تعزية (٣) لما منعه أولياءه من التمتع بالدنيا وكثرة الأكل فيها، وتأديبًا لمن بسط له فيها ألا يطغى فيها ولا يعطي نفسه شهواتها ولا يتمتع بها. وذم سبحانه محبيها المفتخرين بها المتكاثرين بها الظانين أن الفضل والكرامة في سعتها وبسطها، فأكذبهم اللَّه سبحانه، وأخبر أنه ليس كما قالوه ولا توهّموه، ومثّلها لعباده بالأمثلة التي تدعو كل لبيب عاقل إلى الزهد فيها وعدم الوثوق بها والركون إليها، فأحضر صورتها وحقيقتها في قلوبهم بما ضربه له مثلًا، كماء أنزله (٤) من السماء فخالط نبات الأرض، فلما أخذت به الأرض زخرفها وتزيّنت به بأنواع النبات أتاها أمره فجعل تلك الزينة يبسًا هشيمًا تذروه الرياح كأن لم يكن قط منه شيء (٥).

стр. 419

وأخبر سبحانه عن فنائها وسرعة انقضائها وأنه إذا عاين العبد الآخرة فكأنه لبث فيها ساعة من نهار أو يومًا أو بعض يوم، ونهى أن يغتروا بها (١). وأخبرهم أنها لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر ومتاع غرور وطريق ومعبر إلى الآخرة، وأنها عرض عاجل لا بقاء لها (٢). ولم يذكر مريدها بخير قط، بل حيث ذكره ذمه، وأخبر أن مريدها مخالف لربه تعالى في إرادته، فاللَّه يريد شيئًا ومريد الدنيا يريد خلافه، فهو مخالف لربه بنفس إرادته، وكفى بهذا بعدًا عنه سبحانه. وأخبر سبحانه عن أهل النار أنهم إنما دخلوها بسبب غرور الدنيا وأمانيها لهم (٣).

стр. 420

قالوا: وهذا كله تزهيد لهم منه سبحانه فيها، وترغيب في التقلّل منها ما أمكن. قالوا: وقد عرضها سبحانه وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق إليه وأكرمهم عليه عبده ورسوله، فلم يُردها ولم يخترها، ولو آثرها وأرادها لكان أشكر الخلق بما أخذه منها، ولأنفقه كله في مرضاة اللَّه وسبيله قطعًا، بل اختار التقلّل منها وصبر على شدة العيش فيها. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد -يعني ابن عباد- حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دخلت امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل عليّ رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما هذا"؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: "ردّيه" فلم أردّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: "يا عائشة رُدّيه، واللَّه لو شئتُ لأجرى اللَّه معي جبال الذهب والفضة" (١). وعرض عليه مفاتيح كنوز الدنيا، فقال: "بل أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (٢). وسأل ربه أن يجعل رزقه ورزق أهله قوتًا كما في "الصحيحين" من

стр. 421

حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (١). وفيهما عنه قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي اللَّه وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا" (٢). وفي "صحيح البخاري" عن أنس: "ما أعلم رسول اللَّه ﷺ رأى رغيفًا مرقّقًا ولا شاة سميطًا حتى لحق بربه" (٣). وفي "صحيحه" أيضًا عنه قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير" (٤). وفي "الصحيحين" عن عائشة: "ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض" (٥). وفي "صحيح مسلم" عن عمر: "لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلًا يملأ بطنه" (٦). وفي "المسند" و"الترمذي" عن ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ

стр. 422

يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وفي الترمذي من حديث أبي أمامة: "ما كان يفضل عن أهل بيت رسول اللَّه ﷺ خبز الشعير" (٢). وفي "المسند" عن عائشة: "والذي بعث محمدًا بالحق ما رأى مُنخلًا، ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللَّه إلى أن قُبض" قال عروة فقلت: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف -أي: ننفخه- فيطير ما طار، ونعجن الباقي (٣). وفي "صحيح البخاري" عن أنس قال: لقد رهن رسول اللَّه ﷺ درعه بشعير، ولقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات" (٤). وفي "مسند الحارث بن أبي أسامة (٥) " أن فاطمة جاءت بكسرة خبز

стр. 423

إلى النبي ﷺ ، فقال: "ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ " قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: "أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام" (١). وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال: "لما حفر النبي ﷺ الخندق، أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجرًا من الجوع" (٢). وقد أسرف أبو حاتم بن حبان في "تقاسيمه" في رد هذا الحديث، وبالغ في إنكاره، وقال: المصطفى أكرم على ربه من ذلك (٣). وهذا من وهمه، وليس في هذا ما ينقص مرتبته عند ربه، بل ذلك

стр. 424

رفعة له وزيادة في كرامته، وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم. وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الأحاديث في معيشة النبي ﷺ ، وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه؟! فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه أنه مَلِك طالبُ مُلكٍ ودنيا، لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم، ولقد توفاه اللَّه وإن درعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله (١)، وقد فتح اللَّه عليه بلاد العرب وجُبيَت إليه الأموال، ومات ولم يترك درهمًا واحدًا ولا دينارًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة. قال الإمام أحمد حدثنا حسين حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن عروة: أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول اللَّه ﷺ نار. قالت: يا خالة فعلى أيّ شيء كنتم تعيشون؟ قالت: "على الأسودين: التمر والماء" (٢). وقد تقدم حديث أبي هريرة في قصة أبي الهيثم بن التّيهان، وإنه خرج رسول اللَّه ﷺ -من بيته فرأى أبا بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما؟ " قالا: الجوع، قال: "أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما" (٣). وذكر أحمد من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة فدعت لي

стр. 425

بطعام وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت، قال: قُلت لم؟ قالت (١): "أذكر الحال التي فارق عليها رسول اللَّه ﷺ الدنيا، واللَّه ما شبع في يوم مرتين من خبز البرّ حتى قبض" (٢). وفيه عنها: "ما شبع رسول اللَّه ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض" (٣). والحديثان صحيحان. وفيه: "ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق باللَّه" (٤). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة: "ما شبع رسول اللَّه ﷺ وأهله ثلاثًا تباعًا من خبز البرّ حتى فارق الدنيا" (٥). وفي الترمذي عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" (٦). وفيه عن أنس عنه ﷺ : "لقد أخفت في اللَّه وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في اللَّه وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما
следующие страницы →