← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (١). وفيهما عنه قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي اللَّه وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا" (٢). وفي "صحيح البخاري" عن أنس: "ما أعلم رسول اللَّه ﷺ رأى رغيفًا مرقّقًا ولا شاة سميطًا حتى لحق بربه" (٣). وفي "صحيحه" أيضًا عنه قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير" (٤). وفي "الصحيحين" عن عائشة: "ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض" (٥). وفي "صحيح مسلم" عن عمر: "لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلًا يملأ بطنه" (٦). وفي "المسند" و"الترمذي" عن ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ

стр. 422

يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وفي الترمذي من حديث أبي أمامة: "ما كان يفضل عن أهل بيت رسول اللَّه ﷺ خبز الشعير" (٢). وفي "المسند" عن عائشة: "والذي بعث محمدًا بالحق ما رأى مُنخلًا، ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللَّه إلى أن قُبض" قال عروة فقلت: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف -أي: ننفخه- فيطير ما طار، ونعجن الباقي (٣). وفي "صحيح البخاري" عن أنس قال: لقد رهن رسول اللَّه ﷺ درعه بشعير، ولقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات" (٤). وفي "مسند الحارث بن أبي أسامة (٥) " أن فاطمة جاءت بكسرة خبز

стр. 423

إلى النبي ﷺ ، فقال: "ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ " قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: "أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام" (١). وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال: "لما حفر النبي ﷺ الخندق، أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجرًا من الجوع" (٢). وقد أسرف أبو حاتم بن حبان في "تقاسيمه" في رد هذا الحديث، وبالغ في إنكاره، وقال: المصطفى أكرم على ربه من ذلك (٣). وهذا من وهمه، وليس في هذا ما ينقص مرتبته عند ربه، بل ذلك

стр. 424

رفعة له وزيادة في كرامته، وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم. وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الأحاديث في معيشة النبي ﷺ ، وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه؟! فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه أنه مَلِك طالبُ مُلكٍ ودنيا، لكان عيشه عيش الملوك وسيرته سيرتهم، ولقد توفاه اللَّه وإن درعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله (١)، وقد فتح اللَّه عليه بلاد العرب وجُبيَت إليه الأموال، ومات ولم يترك درهمًا واحدًا ولا دينارًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة. قال الإمام أحمد حدثنا حسين حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن عروة: أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول اللَّه ﷺ نار. قالت: يا خالة فعلى أيّ شيء كنتم تعيشون؟ قالت: "على الأسودين: التمر والماء" (٢). وقد تقدم حديث أبي هريرة في قصة أبي الهيثم بن التّيهان، وإنه خرج رسول اللَّه ﷺ -من بيته فرأى أبا بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما؟ " قالا: الجوع، قال: "أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما" (٣). وذكر أحمد من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة فدعت لي

стр. 425

بطعام وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت، قال: قُلت لم؟ قالت (١): "أذكر الحال التي فارق عليها رسول اللَّه ﷺ الدنيا، واللَّه ما شبع في يوم مرتين من خبز البرّ حتى قبض" (٢). وفيه عنها: "ما شبع رسول اللَّه ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض" (٣). والحديثان صحيحان. وفيه: "ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق باللَّه" (٤). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة: "ما شبع رسول اللَّه ﷺ وأهله ثلاثًا تباعًا من خبز البرّ حتى فارق الدنيا" (٥). وفي الترمذي عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير" (٦). وفيه عن أنس عنه ﷺ : "لقد أخفت في اللَّه وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في اللَّه وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما

стр. 426

لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" (١). والحديثان صحيحان. وفيه أيضًا عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا حجرًا حجرًا، فرفع رسول اللَّه ﷺ عن حجرين" (٢). وفيه أيضًا عن علقمة عن عبد اللَّه قال: نام رسول اللَّه ﷺ على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه لو اتخذنا لك وطاء (٣) فقال: "ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" حسن صحيح (٤). وفيه عن علي بن أبي طالب قال: خرجت في يوم شات من بيت رسول اللَّه ﷺ ، وقد أخذت إهابًا معطونًا (٥)، فجوّبت وسطه (٦) وأدخلته في عنقي فشددت به وسطي، فحزمته بخوص النخل، وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول اللَّه ﷺ طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئًا فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له، فاطلعت عليه من ثلمة من الحائط، فقال: مالك يا أعرابي؟ هل لك في

стр. 427

كلّ دلو بتمرة؟ قلت: نعم، فافتح الباب حتى أدخل. ففتح ودخلت فأعطاني دلوه، فكلما نزعتُ دلوًا أعطاني تمرة، حتى امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت: حسبي. فأكلتها، ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت المسجد (١) فوجدت رسول اللَّه ﷺ فيه (٢). وقال سعد بن أبي وقاص: "لقد رأيتنا نغزو مع رسول اللَّه ما لنا طعام إلا الحُبْلَة وهذا السَّمُر" (٣). والحُبْلَة: ثمر العضاه ذات الشوك. وهو حديث صحيح. وكان ﷺ (٤) يصلي من الليل أحيانًا وعليه كساء صوف بعضه عليه وبعضه على عائشة. قال الحسن: أثمان ستة دراهم أو سبعة (٥). وقال أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا زائدة حدثنا عطاء عن أبيه، عن

стр. 428

على قال: "جهز رسول اللَّه ﷺ -فاطمة في خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف" (١). والخميل: الكساء الذي له خُمُل. قال: وحدثنا بهز بن أسد حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد قال: قال أبو بردة دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارًا غليظًا مما يصنع باليمن وكساء من هذه التي تدعونها الملبّدة، فقالت: "قُبض رسول اللَّه ﷺ في هذين الثوبين" (٢). قالوا: ولو كان الغنى مع الشكر أفضل من الفقر مع الصبر لاختاره رسول اللَّه ﷺ إذ عرضت عليه الدنيا، ولأمره ربه أن يسأله إياه، كما أمره أن يسأله زيادة العلم، ولم يكن رسول اللَّه ﷺ ليختار إلا ما اختاره اللَّه له، ولم يكن ليختار اللَّه له إلا الأفضل إذ كان أفضل خلقه وأكملهم. قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ أن خير الرزق ما كان بقدر كفاية العبد، فلا يعوزه ما يضره ولا يفضل عنه ما يطغيه ويلهيه. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن مهدي حدثنا همام (٣) عن قتادة عن

стр. 429

خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما طلعت شمس قط إلا بُعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلمّوا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا" (١). قال أحمد: وحدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعد بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي" (٢). وتأمل جمعه في هذا الحديث بين رزق القلب والبدن: رزق الدنيا والآخرة، وإخباره أن خير الرّزقين ما لم يتجاوز الحد فيكفي من الذكر إخفاؤه، فإذا زاد على الإخفاء خيف على صاحبه الرياء والتكثر به على الغافلين، وكذلك رزق البدن إذا زاد على الكفاية خيف عليه الطغيان والتكاثر.

стр. 430

قالوا: وقد غبط رسول اللَّه ﷺ المتقلل من الدنيا بما لم يغبط به الغني. قال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا علي بن صالح عن أبي المهلب عن عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ (١)، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه، وكان غامضًا في الناس (٢) لا يُشار إليه بالأصابع، فعجلت منيته، وقلّ تراثه، وقلّت بواكيه" قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي ما تراثه؟ قال: ميراثه (٣). قالوا: وحمية اللَّه تعالى لعبده المؤمن عن الدنيا إنما هو من محبته له وكرامته عليه. قال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه ﵎ يحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مرضاكم الطعام والشراب تخافون عليهم" (٤).

стр. 431

قالوا: وقلّ أن يقع إعطاء الدنيا وتوسعتها إلا استدراجًا من اللَّه لا إكرامًا ومحبة لمن أعطاه. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين (١) بن سعد عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج ثم تلا قولَه تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤] " (٢). قالوا: وَلِهَوان الدنيا على اللَّه منعها أكثر أوليائه وأحبائه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم فسأله دينارًا لم يعطه إياه، ولو سأله فلسًا لم يعطه إياه، ولو سأل اللَّه الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطها إياه، وما يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على اللَّه لأبرّه" (٣).

стр. 432

وهذا يدل على أنه إنما يمنعه إياها لهوانها عليه، لا لهوانه هو عليه، ولهذا يعطيه أفضل منها وأجل، فإن اللَّه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. قالوا: وقد أخبرهم النبي ﷺ أن أقربهم منه يوم القيامة مجلسًا ذوو التقفل من الدنيا الذين لم يستكثروا منها. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن عمرو قال سمعت عراك بن مالك يقول: قال أبو ذر: إني لأقربكم مجلسًا من رسول اللَّه ﷺ يوم القيامة، وذلك أني سمعته يقول: "إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها"، وإنه واللَّه ما منكم من أحد إلا وقد تشبّث منها بشيء غيري (١). قالوا: وقد غبط النبي ﷺ من كان عيشه كَفافًا وأخبر بفلاحه. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد حدثنا حيوة قال: أخبرني أبو هانئ أن أبا علي الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول إنه

стр. 433

سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كَفافًا وقنع" (١). وذكر أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنّعه اللَّه بما آتاه" (٢). قالوا: ولو لم يكن في التقلّل إلا خفة الحساب لكفى به فضلًا على الغنى. قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: حدثنا بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا بشر بن الحارث حدثنا عيسى بن يونس عن هشام عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا يحاسب بهن العبد: ظل خُصّ (٣) يستظل به، وكسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يواري عورته" (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ليث عن أبي عثمان قال: لما افتتح المسلمون جُوخا (٥) دخلوا يمشون فيها وأكداس

стр. 434

الطعام فيها أمثال الجبال، ورجل يمشي إلى جنب سلمان فقال: "يا أبا عبد اللَّه ألا ترى إلى ما فتح اللَّه علينا، ألا ترى إلى ما أعطانا اللَّه"، فقال سلمان: "وما يعجبك مما ترى؟ إلى جنب كل حبّة مما ترى حساب! " (١). قالوا: وقد شهد النبي ﷺ لأصحابه (٢) أنهم يوم فقرهم وفاقتهم خير منهم يوم غناهم وبسط الدنيا عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال نبي اللَّه ﷺ : "يا أهل الصفة كيف أنتم؟ " قالوا: نحن بخير قال: "أنتم اليوم خير أم يوم تغدو على أحدكم جفنة، وتروح أخرى، ويغدو في حلة، ويروح في أخرى (٣)، وتسترون بيوتكم بمثل أستار الكعبة؟ " قالوا: يا رسول اللَّه نحن يومئذ خير يعطينا ربنا ﵎ فنشكر. قال: "بل أنتم اليوم خير" (٤).

стр. 435

فهذا صريح في أنهم في وقت صبرهم على فقرهم خير منهم في وقت غناهم مع الشكر. وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود عن طلحة البصري قال: قدمت المدينة ولم يكن لي بها معرفة، فكان يجري علينا مدٌّ من تمر بين اثنين، فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ (١) صلاة، فهتف به هاتف من خلفه فقال: يا رسول اللَّه ﷺ قد أحرق بطوننا التمر وتخرقت عنا الخُنُف (٢). فخطب فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: "واللَّه لو أجد لكم اللحم والخبز (٣) لأطعمتكموه، وليأتين عليكم زمان تغدو على أحدكم الجفان وتراح، ولَتلْبَسُن (٤) مثل أستار الكعبة" قالوا: يا رسول اللَّه ﷺ نحن اليوم خير منا أو يومئذ؟ قال: "أنتم اليوم خير منكم يومئذ، أنتم اليوم خير منكم يومئذ؛ يضرب بعضكم رقاب بعض" (٥) قال أحمد: وحدثنا عبد الوهاب

стр. 436

عن سعيد عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبي اللَّه ﷺ دخل على أهل الصفة فذكر نحوه (١). قالوا ولو لم يكن في الغنى والمال إلا أنه فتنة، وقلّ من يسلم من إصابتها له وتأثيرها في دينه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. وفي الترمذي من حديث كعب بن عياض قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتى المال". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢). قالوا: والمال والغنى يدعوان (٣) إلى النار، والفقر يدعو إلى الجنة. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أنبأنا أبو الأشهب حدثنا سعيد بن أيمن مولى كعب بن سور قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يحدّث أصحابه إذ جاء رجل من الفقراء فجلس إلى جنب رجل من الأغنياء فكأنه قبض من ثيابه عنه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخشيت يا فلان أن يغدو غناك عليه أو أن يغدو فقره عليك؟ " قال: يا رسول اللَّه! وشرٌّ الغنى؟ قال: "نعم إن غناك يدعوك إلى النار، وإن فقره يدعوه إلى الجنة" قال: فما ينجيني منه؟ قال: "تواسيه" قال: إذن أفعل، فقال الآخر: لا إرب لي فيه، قال: "فاستغفر وادع لأخيك" (٤).

стр. 437

قالوا: وحق الغنى أعظم من أن يقوم العبد بشكره. وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث عثمان بن عفان: أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْف (١) الخبز والماء". قال: هذا حديث حسن صحيح (٢). وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى" (٣). وفي "صحيحه" أيضًا من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: بينما نحن في سفر مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يضرب يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له". قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في فضل (٤). قالوا: فهذا موضع النظر في تفضيل الغني الشاكر الذي يبذلُ الفضلَ كلّه، وأما غنيٌّ يتمتع بأنواع الفضل ويشكر بالواجب وبعض المستحب

стр. 438

فكيف يفضل على فقير صابر راضٍ عن اللَّه في فقره؟! قالوا: وقد أقسم رسول اللَّه ﷺ لأصحابه وهم أئمة الشاكرين، أنه لا يخاف عليهم الفقر، وإنما يخاف عليهم الغنى، ففي "الصحيحين" من حديث عمرو بن عوف وكان شهد بدرًا أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول اللَّه ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ . فلما صلى رسول اللَّه ﷺ انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول اللَّه ﷺ حين رآهم، ثم قال: "أظنكم (١) سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين" فقالوا: أجل يا رسول اللَّه ﷺ . قال: "فأبشروا وأمّلوا ما يسركم فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بسُطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم" (٢). وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا هشام عن الحسن قال: قيل لأبي ثعلبة الخشني: أين دنياكم التي كنتم تعدّون يا أصحاب محمد؟ قال: "ليبشر الآخر بدنيا قد أظلّت تأكل -واللَّه الذي لا إله إلا هو- الإيمان، كما تأكل النار الحطب الجزل" (٣).

стр. 439

وقال أحمد: حدثنا يزيد حدثنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: "واللَّه ما أحد من الناس بسط اللَّه له دنيا فلم يخف أن يكون قد مَكَر به فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه، [وما أمسكها اللَّه عن عبد فلم يظن أنه قد خِيْر له فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه] (١) " (٢). قالوا: وقد مر على النبي ﷺ فقير وغني فقال عن الفقير: "هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا" (٣). فروى البخاري في "صحيحه" عن سهل بن سعد قال: مرّ رجل على رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما تقولون في مثل هذا؟ " قالوا: حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع يشفّع، وإن قال أن يسمع، قال: ثم سكت، فمرّ رجل من فقراء المسلمين فقال: "ما تقولون في هذا؟ " قالوا: حريٌّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع، فقال رسول ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" (٤). وقد بشّر رسول اللَّه ﷺ [الفقراء الصابرين] (٥) بما لم يبشّر به الأغنياء.

стр. 440

ففي الترمذي من حديث فضالة بن عبيد أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا صلّى بالناس يخرّ رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين. فإذا صلّى رسول اللَّه ﷺ انصرف إليهم وقال: "لو تعلمون ما لكم عند اللَّه لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة". قال فضالة: وأنا يومئذ مع رسول اللَّه ﷺ (١). وبشّرهم بسبقهم إلى الجنة، وقد اختلفت الروايات في مدة هذا السبق. ففي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو: أنه جاءه ثلاثة نفر فقالوا: يا أبا محمد واللَّه ما نقدر على شيء: لا نفقة ولا دابة ولا متاع، فقال لهم: ما شئتم، إن شئتم رفعتم إلينا فأعطيناكم ما يسرّكم (٢)، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفًا". قالوا: نصبر، لا نسأل شيئًا (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤).

стр. 441

وفي الترمذي أيضًا من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فقراء المهاجرين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة" (١). وهو حديث حسن. وفيه أيضًا من حديث جابر بن عبد اللَّه عن النبى ﷺ قال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا" (٢). وهو حديث حسن. وهذا موافق لحديث عبد اللَّه بن عمرو، ولحديث أنس الذي في الترمذي أيضًا: "إن المساكين يدخلون قبل الأغنياء بأربعين خريفًا" (٣). فهؤلاء ثلاثة: جابر وأنس وعبد اللَّه بن عمرو وقد اتفقوا على الأربعين. وهذا أبو هريرة وأبو سعيد قد اتفقا على التقدير بخمسمائة سنة. ولا تعارض بين هذه الأحاديث إذ السبق والتأخير درجات بحسب الفقر والغنى، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمسمائة، ولا يتقيد السبق بهذا المقدار بل يزيد عليه وينقص. وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن أول الأمة دخولًا الجنة أبو بكر الصديق" (٤).

стр. 442

ومعلوم أن المدة التي بينه وبين إخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول، وأنها أطول مدة بين دخوله وبين دخول آخر من يدخل الجنة. وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، تقول الملائكة: ربنا نحن ملائكتك وخزنتك وسكان سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا، فيقول: عبادي لا يشركون بي شيئًا يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء، فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا دويد (٢) عن سلم بن بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأُدخل الفقير الجنة وحُبس الغني ما شاء اللَّه أن يُحبس ثم أُدخل الجنة، فلقيه الفقير فيقول: أي أخي ما حبسك؟ واللَّه لقد احتبست حتى خفتُ عليك. فيقول: أي أخي، إني حُبست بعدك محبسًا فظيعًا كريهًا ما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض (٣)

стр. 443

لصدرت عنه رواء" (١). وقال الطبراني في "معجمه": حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي وعلي بن سعيد الرازي حدثنا علي بن بهرام العطار حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" (٢) فقال رجل: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "إن تغدّيت رجعت على عشاء، وإذا تعشيت يبيت معك غداء؟ " قال: نعم. قال: "لست منهم"، فقام رجل فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "هل سمعت ما قلنا لهذا؟ " قال: نعم، ولستُ كذلك. قال: "هل تجد ثوبًا سترًا (٣) سوى ما عليك؟ " قال: نعم. قال: "فلست منهم"، فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "هل سمعت ما قلنا لهذين قبلك؟ " قال: نعم. قال: "هل تجد قرضًا كلما

стр. 444

شئت أن تستقرض؟ " قال: نعم. قال: "فلستَ منهم". فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ فقال: "هل سمعت ما قلت لهؤلاء؟ " قال: نعم. قال: "تقدر أن تكتسب؟ " قال: نعم، قال: "فلست منهم" قال: فقام خامس فقال: أنا منهم يا رسول اللَّه؟ فقال: "هل سمعت ما قلت لهؤلاء؟ " قال: نعم. قال: "هل تمسي عن ربك راضيًا وتصبح كذلك؟ " قال: نعم. قال: "فأنت منهم" فقال النبي ﷺ : "إن سادة المؤمنين في الجنة من إذا تغدّى لم يجد عشاء، وإذا تعشّى لم يبت عنده غداء، وإن استقرض لم يجد قرضًا، وليس له فضل كسوة إلا ما يواري به ما لا يجد منه بدًّا، ولا يقدر على أن يكتسب ما يعيشه، ويمسي عن اللَّه راضيًا ويصبح راضيًا ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. قال الطبراني: هذا حديث غريب من حديث سفيان الثوري عن محمد بن زيد، يقال: هو العبدي تفرّد به عبد الملك (١). قلت: محمد بن زيد هو العبدي، وثقه قوم، وضعفه آخرون. قال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له الترمذي وابن ماجه (٢). وفي هذه الطبقة محمد بن زيد الشامي يروي عن أبي سلمة بن

стр. 445

عبد الرحمن وهو متروك (١)، ونخاف أن يكون هذا هو، والثوري لم ينسبه، وإنما يقال: هو العبدي، فاللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن عامر العقيلي عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال. وأما أول ثلاثة يدخلون النار: فأمير متسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق اللَّه في ماله، وفقير فخور" (٢). وروى الترمذي منه ذكر الثلاثة الذين يدخلون الجنة فقط (٣). قالوا: ويكفي في فضل الفقير أن عامّة أهل الجنة الفقراء، وعامة أهل النار الأغنياء. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن السائب بن مالك عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اطّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت

стр. 446

على أهل النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (١). وفي صحيح البخاري عن أبي رجاء قال: جاء عمران بن حصين إلى امرأته من عند رسول اللَّه ﷺ فقالت: حدثنا ما سمعت من النبي ﷺ ، فقال: إنه ليس من حديث. فلم تدعه، أو قال: فأغضبته، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "نظرت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، ونظرت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (٢). وفي "الصحيحين" من حديث أسامة بن زيد: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" (٣). وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ اطلع في النار فرأى أكثر أهلها النساء، واطلع في الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء" (٤). قالوا: ويكفي في فضل الفقر أن كل أحد يتمناه يوم القيامة من الأغنياء. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن نمير حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن نفيع عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما

стр. 447

من أحد يوم القيامة غني ولا فقير إلا ودّ أن ما كان أوتي في الدنيا أو من الدنيا قوتًا" (١). قال البخاري: يتكلمون في نفيع (٢). وهذا ألين ما قيل فيه. قالوا: وقد صرح رسول اللَّه ﷺ بتفضيل الفقراء في غير حديث، فمنها: ما تقدم من حديث سهل بن سعد (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه في المسجد"، قال: فنظرت فإذا رجل جالس عليه حُلّة (٤) له، قال: فقلت: هذا، فقال: "يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد" قال: فنظرت فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق قال: قلت: هذا. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لهذا أفضل عند اللَّه يوم القيامة من قراب الأرض من هذا". قال: وحدثنا وكيع ووافقه زائدة حدثنا الأعمش عن سليمان بن مسهر (٥) عن خرشة بن الحر عن أبي ذر فذكره، وقال: "لهذا خير عند اللَّه

стр. 448

يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا". قال الإمام أحمد: وحدثنا أبو معاوية ووافقه يعلى قالا: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذر فذكره بنحوه (١). قالوا: والذي يفصل بيننا في المسألة ويشفي العليل: أن الفقر يوفر أجر صاحبه ومنزلته عند اللَّه، والغني ولو شكر، فإن ما ناله في الدنيا بغناه يُحسب عليه من ثوابه يوم القيامة، وإن تناوله بأحلّ وجه، فقليل الفضل في الدنيا نقص من كثير الآخرة. وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من غازية تغزو في سبيل اللَّه فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" (٢). وفي "الصحيحين" عن خبّاب بن الأرتّ قال: "هاجرنا مع رسول اللَّه ﷺ نلتمس وجه اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه، فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد (٣) وترك نمرة، فكنّا إذا

стр. 449

غطّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" (١). وفي "الصحيحين" عن قيس بن أبي (٢) حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيّات. فقال: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا" وذكر الحديث (٣). وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما يصيب عبد (٤) من الدنيا شيئًا إلا انتقص من درجاته عند اللَّه وإن كان عليه كريمًا" (٥). وفي "صحيح البخاري" عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: أتي عبد الرحمن بطعام، وكان صائمًا. فقال: "قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة؛ إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه

стр. 450

بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد له كفن إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام" (١). قال أبو سعيد ابن الأعرابي (٢): وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون غيرهما، لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وكرهوا ما فتح اللَّه عليهم من الدنيا، وأشفقوا منه، وعلموا أن ما اختاره اللَّه لنبيه كان أفضل، وأن ما أخّروا له كان أنقص، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو عبيدة، وعمار بن ياسر، وسلمان، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم نذكرهم للاختصار. فأما أبو بكر فحدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن زبان (٣) الطائي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثني أسلم (٤) عن مرة عن زيد بن أرقم قال: كنا مع أبي بكر الصديق ﵁ فدعا بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه ما

стр. 451

أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا ولم أرَ معه أحدًا، فقلت: يا رسول اللَّه ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثّلت لي، فقلت لها (١): إليك عني، ثم رجعت فقالت: إنك إن أفلتّ مني فلن يفلت مني مَنْ بعدك" (٢). وذكر ليث بن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه: أن أبا بكر قال في مرضه الذي مات فيه: "إني وليت أمركم ولست بخيركم، وكلكم وَرِمَ أنفه (٣) من ذلك أن يكون هذا الأمر له، وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت، ولما تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير وستور الديباج، وحتى يألم أحدُكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان (٤)، ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون بهم يمينًا وشمالًا، ما هذا الطريق؟ أخطأت إنما هو البحر أو الفجر. واللَّه لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدٍّ، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا" (٥).

стр. 452

وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال: كنت جالسًا مع أبي بكر فرأى طائرًا فقال: "طوبى لك يا طائر تأكل من هذه الشجر، ثم تبعر، ثم لا تكون شيئًا، وليس عليك حساب، وددت أني مكانك" فقلت له: أتقول هذا وأنت صديق رسول اللَّه ﷺ ؟! (١). وأما عمر فإنه لما اُتي بكنوز كسرى بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فواللَّه إن هذا ليوم شكر ويوم سرور ويوم فرح، فقال عمر: "إن هذا لم يعطه قوم (٢) إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء" (٣). ودخل عليه أبو سنان الدؤلي وعنده نفر من المهاجرين، فأرسل عمر إلى سَفَط (٤) أتي به من قلعة بالعراق، وكان فيه خاتم، فأخذه

стр. 453

بعض ولده فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه ثم بكى، فقال له مَن عنده: لم تبكي وقد فتح اللَّه لك وأظهرك وأقر عينك؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى اللَّه بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" وأنا مشفق من ذلك (١). قال أبو سعيد: وجدت في كتاب بخط يدي عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن؟ أن عمر بن الخطاب أُتي بفروة كسرى بين يديه، وفي القوم سراقة بن مالك، فألقى إليه سواريْ كسرى، فجعلهما في يديه فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال: الحمد للَّه، سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج، ثم قال: "اللهم قد علمت أن رسولك قد كان يحب أن يصيب مالًا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك، فزويت ذلك عنه نظرًا منك له وخيارًا، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكرًا منك بعمر، ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] (٢).

стр. 454

والمقصود: أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجر الآخرة، وتضييق من سعتها. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن أبي صُعير عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي ﷺ على الشهداء الذين قُتلوا يومئذ فقال: "إني شهيد على هؤلاء فزمِّلوهم بدمائهم" (١). قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن يقول: قال النبي ﷺ : "هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وإنكم تأكلون من أجوركم، وإني لا أدري ما تحدثون بعدي" (٢). وقال ابن المبارك: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ بأصحابه إلى بقيع الغرقد فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون ما نجّاكم اللَّه مما هو كائن بعدكم". ثم أقبل على أصحابه فقال: "هؤلاء خير منكم" فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا، أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيرًا منا؟ فقال: "إن هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وخرجوا وأنا شهيد عليهم، وإنكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون بعدي". قال: فلما سمعها القوم واللَّه عقلوها

стр. 455

وانتفعوا بها فقالوا: وإنا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم، وإنه لمنتقص به من أجورنا، فأكلوا طيبًا، وأنفقوا قصدًا، وقدّموا فضلًا (١). وقال عبد اللَّه بن أحمد: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما أعطي رجل من الدنيا إلا نقص من درجته، وإنه من أهل الجنة" (٢). قالوا: وقد صرح سادات الأغنياء بأنهم ابتلوا بالضرّاء فصبروا، وابتلوا بالسرّاء فلم يصبروا، قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وغيره (٣). وكان هذا مصداقًا لما رواه مصعب بن سعد (٤) عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لأنا من فتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء، إنكم ابتليتم في فتنة الضرّاء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خَضِرة" (٥).

стр. 456

قالوا: وهاهنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل: إحداهما: أن الأقلِّين هم الأكثرون يوم القيامة. والثانية: أن الأكثرين هم الأقلون. أما الأولى: فقد تقدم الدليل عليها بما فيه كفاية. وأما الثانية: ففي "الصحيحين" من حديث أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداك. قال: "يا أبا ذر! تعالَ". فمشيت معه ساعة فقال: "إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" وذكر الحديث (١). قالوا: ولو كان الغنى أفضل من الفقر لما حضّ اللَّه رسوله على الزهد في الدنيا والإعراض عنها، وذم الحرص عليها والرغبة فيها، بل كان ينبغي أن يحضّ عليها وعلى اكتسابها والاستكثار منها، كما حض على اكتساب الفضائل التي بها كمال العبد من العلم والعمل، فلما حضّ على الزهد فيها والتقلّل دلّ على أن الزاهدين فيها المتقلّلين منها أفضل الطائفتين. وقد أخبر أنها لو ساوت عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء (٢). وأنها أهون على اللَّه من السخلة الميتة على

стр. 457

أهلها (١). وأن مثلها في الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه في البحر (٢). وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم (٣). وأنها سجن المؤمن وجنة الكافر (٤). وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعُدّ نفسه من أهل القبور، وإذا أصبح فلا ينتظر المساء وإذا أمسى فلا ينتظر الصباح (٥). ونهى عن اتخاذ ما يرغِّب فيها، ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم، ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم إقالة العثرة بالانتقاش (٦). وأخبر أنها خضرة حلوة، أي: تأخذ بالعيون بخضرتها وبالقلوب بحلاوتها، وأمر باتقائها والحذر منها، كما يُتقى النساء ويُحذر منهن (٧).

стр. 458

وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين، كإفساد الذئبين الضاريين إذا أُرسلا في زريبة غنم أو أشد إفسادًا (١). وأخبر أنه في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها (٢). وهذه في الحقيقة حال سكّان الدنيا كلهم، ولكن هو ﷺ شهد هذه الحال وعمي عنها بنو الدنيا. ومرّ بهم وهم يعالجون خُصًّا لهم قد وهى فقال: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (٣). وأمر بستر على بابه فنزع، وقال: "إنه يذكرني الدنيا" (٤). وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق في سوى بيتٍ يسكنه، وثوب يواري عورته، وقوت يقيم صلبه (٥). وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى

стр. 459

عمله (١). وأخبر أن للمتخوّض فيما شاءت نفسه من مال اللَّه [بغير حق] (٢) النار يوم القيامة (٣). وأقسم أنه لا يخاف الفقر على أصحابه، وإنما يخاف عليهم الدنيا، وتنافسهم فيها، وإلهاءها لهم (٤). وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى (٥). وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يُقمن صلبه، فإن لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه، وثلثه لشرابه، وثلثه لنفسه (٦).

стр. 460

وفي هذا الحديث الإرشاد إلى صحة القلب والبدن والدين والدنيا. وأخبر أن غنى العبد فيها غنى نفسه لا كثرة عرضه (١). وسأل اللَّه أن يجعل رزقه فيها قوتًا (٢). وغبط من كان رزقه فيها كفافًا بعد أن هدي للإسلام (٣). وأخبر أن من كانت الدنيا همّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يأته منها إلا ما كتب له (٤). وعرض عليه ربه تعالى أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، فقال: "لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرّعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (٥).
следующие страницы →