← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١ - اتخذتُ النسخة الأولى أصلًا وذلك لقدم نسخها من ناحية، ولأن ناسخها إمام معروف. ٢ - جعلت النسخ الثلاث الأخرى نسخًا مساندة للنسخة الأصل، وذلك لقرب عهد نسخها. ٣ - لم أعتنِ ببيان الفروق والأخطاء بين النسخ الثلاث المساندة ما لم تخالف الأصل، وذلك لأن هذه النسخ الثلاث على ما يبدو ترجع إلى أصل واحد لاتفاقها في كثير من المواضع، خاصة مواضع الكلمات المشكلة. ٤ - أثبت كثيرًا من القراءات للكلمات المحتملة في الحاشية، مع كتابة ما ورد في النسخة الأصل في المتن، ما لم يثبت خطؤها، فإني أصحح الكلمة في المتن وأشير إلى ما وقع في الأصل في الحاشية. ٥ - عزوت الآيات القرآنية بذكر اسم السورة ورقم الآية، مع وضعها داخل النص المحقق بين معقوفتين. ٦ - خرّجت الأحاديث والآثار الواردة في المتن تخريجًا مختصرًا، إن كان في الصحيحين أو أحدهما، أو السنن الأربعة فإني أكتفي بتخريجه منها إلا إذا كان هناك فائدة من تخريجه من غيرها. وما لم يكن في أحد الكتب الستة فإني أقوم بتخريجه من الكتب المشهورة والأمات المعروفة تجنبًا للإطالة إذا وجدته فيها، وإلا فإني أخرجه من أي كتاب أو جزء حديثي وجدته. ٧ - بينت درجة الحديث صحة وضعفًا من خلال ما ذكره أهل العلم المختصّون بذلك.

стр. 37

٨ - نسبت الأبيات الشعرية إلى قائليها وخرجتها من الكتب المعتبرة قدر الإمكان. ٩ - وثقت النصوص التي نقلها المؤلف من كتب من سبقه ما وجدت إلى ذلك سبيلًا. ١٠ - ترجمت للأعلام غير المشهورين الواردين في الكتاب على وجه الاختصار. ١١ - بيان بعض الكلمات الغريبة وتوضيحها. وفي الختام أتوجه بالشكر لمكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض على إتاحة الفرصة لتصوير نسختي (ن، ب)، كما أشكر المشايخ الفضلاء الذين راجعوا الكتاب على ملاحظاتهم القيمة التي كمّلت العمل وسدّدته. وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 38

نماذج من النسخ الخطية

стр. 39

ورقة العنوان من نسخة تركيا (الأصل)

стр. 40

الورقة الأخيرة نسخة تركيا (الأصل)

стр. 41

الورقة الأولى نسخة دار الكتب المصرية (م)

стр. 42

الورقة الأخيرة نسخة الورقة الأولى نسخة دار الكتب المصرية (م)

стр. 43

ورقة العنوان من نسخة مكتبة الملك فهد (ن)

стр. 44

الورقة الأولى نسخة مكتبة الملك فهد (ن)

стр. 45

الورقة الأخيرة من نسخة مكتبة الملك فهد (ن)

стр. 46

ورقة العنوان من نسخة بريدة (ب)

стр. 47

الورقة الأولى من نسخة بريدة (ب)

стр. 48

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وأعن الحمدُ للَّه الصَّبورِ الشَّكورِ العليّ الكبير السميع البصير العليم القدير، الذي شملت قدرتُه كلَّ مقدور، وجَرت مشيئتُه في خلقه بتصاريفِ الأمور، وأَسمعت دعوتُه لليوم الموعود أصحابَ القبورِ، قَدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ وآجالَهم، وكتب آثارَهم وأعمالهم، وَقسَّم بينهم معايشَهم وأموالَهم، وخَلَق (١) الموتَ والحياةَ لِيَبلُوَهم أيُّهم أحسنُ عملًا وهوَ العزيزُ الغفورُ، القاهرُ القادرُ، فكلُّ عسيرٍ عليه يَسير، والمولى النَّاصِرُ، فَنِعمَ المولى ونعمَ النَّصيرُ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ١ - ٤]. وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، إله جلَّ عن الشَّبيه والنظير، وتعالى عن الشَّريكِ والظَّهيرِ، وتقدَّسَ عن تعطيل الملحدين، كما تنزّه عن شَبَهِ المخلوقين، فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير (١١)﴾ (٢) [الشورى: ١١].

стр. 49

وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وخيرتُه من بريَّته، وصفوتُه من خَليقته، وأمينُه على وَحْيِه، وسفيرُه بينه وبين عباده، أعرفُ الخَلقِ بِه وأقومُهم بخشيته، وأنصحُهم لأمّته، وأصبَرُهم لِحُكمِه، وأَشكرهم لِنِعَمِه، وأقربُهم إليه وسيلَةً، وأعلاهُم عنده منزلةً، وأعظمُهم عنده جاهًا، وأوسعُهم عنده شفاعةً، بعثهُ إلى الجَنَّةِ داعيًا، وللإيمانِ مُناديًا، وفي مرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، فَبَلَّغ رسالاتِ ربِّه، وصدّعَ بأمره، وتحمَّل في مرضاته ما لمِ يتحمَّلْه بشرٌ سواه، وقام للَّه بالصَّبرِ والشُّكر أحَقَّ القيام حتى بَلَغ رضاه، فَثَبَت في مَقامِ الصَّبرِ حتى لم يلحقْه أحدٌ من الصّابرين، وَتَرقى في دَرَجةِ الشُّكر حتى علا فوقَ جَميعِ الشاكرين. فَحَمدَه اللَّهُ وملائكتُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين، ولذلك خُصَّ بلواءِ الحَمدِ دون جميع العالمين، فآدمُ تحتَ لوائِه ومن دونه من الأنبياءِ والمرسلين، وجعلَ الحمْدَ فاتحَةَ كتابِه الذي أنزلَه عليه (١) وآخرَ دعوى أهلِ ثوابِه الذين هداهم على يديه. وسمّى أمَّته الحَمّادين (٢) قبل أن يُخرجَهم إلى الوجودِ، لحمدِهم له على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والشِّدَّةِ والرّخاءِ، وجعلَهم أَسبق الأممِ إلى دارِ الثَّوابِ والجزاءِ. فأقربُ الخلقِ إلى لوائه أكثرُهم حمدًا للَّه وذكرًا، كما أن أعلاهم

стр. 50

منزلةً أعظمهم صبرًا وشُكرًا، فصلّى اللَّهُ وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين عليه كما وَحَّدَ اللَّه، وَعَرَّفَ به، ودعا إليه، وَسلَّم تَسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن اللَّه سبحانه جعل الصبر جوادًا لا يكبو (١)، وصارما لا ينبو (٢)، وجندًا غالبًا لا يهزم، وحصنًا حصينًا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان (٣). رَضِيْعَيْ لِبَانٍ ثديَ أُمٍّ تقاسما … بأسحمَ (٤) داجٍ عَوضُ لا نتفرق (٥) فالنصر (٦) مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال، بلا عدة ولا عدد، ومحله من (٧) الظفر كمحل الرأس من الجسد. ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم كتابه أنه يوَفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]؛ فذهب

стр. 51

الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة. وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطةً بالصبر واليقين، فقال تعالى -وبقوله اهتدى المهتدون-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. وأخبر أن الصبر خير لأهله خبرًا مؤكدًا باليمين، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط، فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وأخبر عن نبيه يوسف الصديق ﵇، أن صبره وتقواه وصَّلاه إلى محل العز والتمكين، فقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠]. وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك عنه المؤمنون، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وأخبر عن محبته لأهله، وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين (١)، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. ولقد بشر الصابرين بثلاثٍ، كلّ منها خير مما عليه أهل الدنيا

стр. 52

يتحاسدون، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. ووصّى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. وجعل الفوز بالجنة والنجاةَ من النار لا يحظى به إلا الصابرون، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١١١]. وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراضَ عن الدنيا وزينتها لا يلقَّاها إلا أولو الصبر المؤمنون، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص: ٨٠]. وأخبر أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، فقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤]. وأن هذه الخصلة لا يُلقّاها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥]. وأخبر سبحانه خبرًا مؤكدًا بالقسم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢ - ٣]. وقسّم خلقه قسمين: أصحابَ ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص

стр. 53

بالميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة، وخص بالانتفاع بآياته أهلَ الصبر والشكر تمييزًا لهم بهذا الحظ الموفور، فقال في أربع آيات من كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، [لقمان: ٣١]، [سبأ: ١٩]، [الشورى: ٣٣]. وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسَّرَه عليه يسير، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ [هود: ١١]. وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أهلها لا تبور، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]. وأمر رسوله بالصبر لحكمه، وأخبر أن صبره إنما هو به، وبذلك جميع المصائب تهون، فقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨]. فالصبر آخيّة المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها (١)، وساقُ إيمانه

стр. 54

التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمانٌ قليلٌ في غاية الضعف، وصاحبه ممن ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج/ ١١] (١)، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخير عيشٍ أدركه السعداءُ بصبرهم، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

стр. 55

فصل (١) ولما كان الإيمان نصفين: نصفَ صبر ونصفَ شكر، كان حقيقًا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها، أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين، ولا يعدِل عن هذين الطريقين [القاصدين] (٢) وأن يجعل سيره إلى اللَّه بين هذين الطريقين (٣)؛ ليجعله يوم لقائه مع خير الفريقين. فلذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة إليهما، وبيان توقف سعادة الدنيا والآخرة عليهما، فجاء كتابًا جامعًا حاويًا نافعًا، فيه من الفوائد ما هو حقيق أن يُعضّ عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر، ممتعًا لقارئه، مُرِيحًا للناظر فيه، مسلّيًا للحزين، منهضًا للمقصرين، محرّضًا للمشمرين. مشتملًا على نكت حِسانٍ من تفسير القرآن، وعلى أحاديثَ نبويةٍ معزوةٍ إلى مظانها، وآثار سلفية منسوبة إلى قائلها، ومسائلَ فقهية حسان مقررة بالدليل، ودقائق سلوكية على سواء السبيل (٤)، وذكرِ أقسام الصبر

стр. 56

ووجوهه والشكرِ وأنواعه، وفَصْلِ النزاع في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وذكرِ حقيقة الدنيا وما مثَّلها اللَّه ورسولُه والسلف الصالح به، والكلامِ على سِرّ هذه الأمثال ومطابقتها لحقيقة الحال، وذكرِ ما يُذمُّ من الدنيا ويُحمَدُ وما يقرّبُ منها إلى اللَّه ويُبْعِد وكيف يَشقى بها من يشقى، ويسعدُ بها من يسعد، وغير ذلك من الفوائد التي لا يكاد يُظفر بها في كتاب سواه. وذلك محض منةِ اللَّه على عبده، وعطية من بعض عطاياه، فهو كتاب يصلح للملوك والأمراء، والأغنياء والفقراء، والصوفية والفقهاء، يُنهِض القاعدَ إلى المسير، ويؤنس السائر في الطريق، وينبِّه السالك على المقصود. ومع هذا فهو جهد المقل وقدرة المفلس، حذر فيه من الداء وإن كان من أهله، ووصف فيه الدواء وإن قصَّر عن (١) تناوله لظلمه وجهله، وهو يرجو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يغفر له غِشَّهُ لنفسه بنصيحته لعباده المؤمنين. فما كان في الكتاب من صوابِ فمن اللَّه وحده؛ فهو المحمود المستعان، وما كان فيه من خطأ فمن مصنفه ومن الشيطان، واللَّهُ بريء منه ورسولُه. وهذه بضاعة مؤلفه المزجاة تساق إليك، وسلعته تعرض عليك، فلقارئه غُنمه، وعلى مؤلفه غرمه (٢).

стр. 57

وقد جعلته ستةً وعشرين بابًا وخاتمة: الباب الأول: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها. الباب الثاني: في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه. الباب الثالث: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلَّقه. الباب الرابع: في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة. الباب الخامس: في أقسام الصبر باعتبار محله. الباب السادس: في أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه. الباب السابع: في بيان أقسامه باعتبار متعلَّقه. الباب الثامن: في انقسامه باعتبار تعلّق الأحكام الخمسة به. الباب التاسع: في بيان تفاوت درجات الصبر. الباب العاشر: في انقسام الصبرِ إلى محمود ومذموم. الباب الحادي عشر: في الفرقِ بين صبر الكرام وصبر اللئام. الباب الثاني عشر: في الأسبابِ التي تعينُ على الصبر. الباب الثالث عشر: في بيان أنّ الإنسان لا يَستغني عن الصبر في حال من الأحوال.

стр. 58

الباب الرابع عشر: في بيان أشقّ الصبر على النفوس. الباب الخامس عشر: في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز. الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوصِ السنة. الباب السابع عشر: في ذكر الآثار الواردة عن الصحابة في فضيلة الصبر. الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تَتَعلق بالمصيبة من البكاء، والندب، وشق الثياب، ودعوى الجاهلية، ونحوها. الباب التاسع عشر: في أنّ الصبرَ نصف الإيمان، وأنّ الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر. الباب الحادي والعشرون: في الحكم بين الفريقين، والفصل بين الطائفتين. الباب الثاني والعشرون: في اختلاف الناس في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ وما هو الصوابُ في ذلك؟ الباب الثالث والعشرون: في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار. الباب الرابع والعشرون: في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار.

стр. 59

الباب الخامس والعشرون: في بَيانِ الأمور المضادة للصبر، والمنافية له، والقادحة فيه. الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبرِ والشكرِ في صفات الرب ﷻ وتسميته بالصبور والشكور. وسَمَّيتُهُ: "عُدَّةَ الصابرين وذَخِيرةَ الشاكرين"، واللَّه سبحانه المسؤول أن يجعله خالصًا لوجهه مُدنيًا من رضاه، وأن ينفع به مؤلفَهُ وكاتبه وقارئه، إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 60

البابُ الأول في معنى الصبر لغة، واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها أصل هذه الكلمة هو: المنع والحبس. فالصبر: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التَّشكّي والتسَخُّط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما. ويقال: صَبَرَ يَصْبرُ صَبْرًا، وصَبَرَ نفسَه؛ قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال عنترة: فَصَبَرتُ عارفةً لذلكَ حُرَّةً … تَرسو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطلَّعُ (١) يَقُول: حَبَسْتُ نَفْسًا عارفةً، وهي نفس حرٍّ يأنف لا نفسُ عبد لا أنَفَةَ له. وقوله: ترسو، أي: تثبت وتسكن، إذا خفّت نفس الجبان واضطربت. ويُقال: صَبَرتُ فلانًا، إذا حَبَسته، وصبَّرتُه -بالتشديد- إذا حمَلته على الصبر. وفي حديث الذي أَمسك رجلًا وقتَلَه آخر: "يُقْتَلُ القاتلُ، ويُصْبَرُ

стр. 61

الصابرُ" (١)؛ أي: يُحبَس للموت كما حَبَس من أمسكه للموت. وصَبَرت الرجُلَ إذا قتلته صبرًا، أي: أمسكته للقتل. وصَبَرْتُه أيضًا وأصبرته إذا حبسته للحلف، ومنه الحديثُ الصحيحُ: "من حلف على يمينِ صبرٍ لتقْتَطعَ بها مال امرئٍ مسلمٍ لقيَ اللَّهَ وهو عنه معرض" (٢). ومنه الحديث الذي في القَسَامَة: "ولا تُصْبِرْ يَمينَه حيث تُصْبَرُ الأيمان" (٣). والمصبورة: اليمين المحلوف عليها.

стр. 62

وفي الحديث: "نهى عن المصبورة" (١)؛ وهي: الشاةُ، والدجاجةُ، ونحوهما تُصْبَر للموت فتُربط ثم تُرمى حتى تموت. وفعل هذا الباب: صَبَرتُ أصبِرُ بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، [وأما صَبَرتُ أصبُر بالضم في المستقبل] (٢) فهو بمعنى: الكفالة، والصبير: الكفيل، كأنه حبس نفسه للغرم، ومنه قولهم: اصبُرني: أَعطني كَفيلًا. وقيل: أصلُ الكلمةِ من الشدة والقوة، ومنه: الصَّبِر للدواء المعروف؛ لشِدة مَرارته وكراهته. قال الأصمعي: إذا لقيَ الرجل الشدة بكمالها، قيل: لقيها بأصبارها. ومنه الصُّبُر بضم الصاد: الأرضُ ذاتُ الحَصْباء، لشدتها

стр. 63

وصلابتها. ومنه سميت الحَرَّة أمّ صبَّار. ومنه قولهم: وقع القوم في أمّ صَبُّور -بتشديد الباء- أي: في أمرٍ شديد. ومنه صَبَارَّة الشتاء -بتخفيف الباء وتشديد الراء- لشدّة برده. وقيل: هو مأخوذٌ من الجمع والضم؛ فالصَّابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجَزَع، ومنه: صبْرَة الطعام، وصُبَارَةُ الحجارة. والتحقيق: أن في الصبر المعاني الثلاثة: المنعَ والشدةَ والضمَّ. ويُقال: صبَر إذا أتى بالصبر، وتصبَّر إذا تكلَّفه واستدعاه، واصطبر إذا اكتسبه وتعلمه، وصابر إذا واقف (١) خصمَه في مقام الصبر، وصبَّر نفسَه وغيرَه -بالتشديد- إذا حَملها على الصبر. واسم الفاعل: صَابِر وصبّار وصبُور ومصابر ومصطبر؛ فمصابر من صابر، ومصطبر من اصطبر، وصابِر مِن صَبَر، وأما صبّار وصبُور فهو من أوزان المبالغة من الثلاثي كضرّابٍ وضروبٍ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 64

الباب الثاني في حقيقة الصّبرِ وكلام النّاسِ فيه قد تقدم بيان معناه لغة. وأما حقيقتهُ فهو: خُلُق فاضل من أخلاق النفس، تمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قُوى (١) النفس التي بها صَلاح شأنِها، وقوام أمرها. وسُئل عنه الجنيد بن محمد (٢)؛ فقال هو: "تجرُّع المرارة من غير تعبُّس" (٣). وقال ذو النون (٤): "هو: التباعدُ عن المخالفاتِ والسّكون عند تجرّع غُصص البلية، وإظهار الغِنى مع حلولِ الفقرِ بساحاتِ المعيشَة (٥) " (٦)

стр. 65

وقيل: "الصبرُ: هو الوقوف مع البلاء بحُسن الأدب" (١). وقيل: "هو: الفَناء في البلوى بلا ظهور شكوى" (٢). وقال أبو عثمان (٣): "الصبَّار: هو الذي عوّد نفسَه الهجوم على المكاره" (٤). وقيل: "الصبر: المُقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية" (٥). ومعنى هذا: أن للَّه على العبد عبوديّة في عافيته وفي بلائه، فعليه أن يحسن صحبةَ العافية بالشكر، وصحبةَ البلاء بالصبر. وقال عمرو بن عثمان المكي (٦): "الصبر: هو الثبات مع اللَّه،

стр. 66

وتلقي بلائِه بالرحب والدعة" (١). ومعنى هذا: أنه يتلقى البلاء بصدر واسع، لا يتلقاه (٢) بالضيق والتسخّط والشكوى. وقال الخوّاص (٣): "الصّبر: الثبات على أحكام الكتاب والسنة" (٤) وقال رُوَيم (٥): " الصّبر: ترك الشكوى" (٦). فسّره بلازمه. وقال غيره: "الصّبر: هو الاستعانة باللَّه" (٧).

стр. 67

وقال أبو علي (١): "الصّبر كاسمه" (٢). قال علي بن أبي طالب ﵁: "الصّبر مطية لا تكبو" (٣). وقال أبو محمد الجُرَيري (٤): "الصبر أن لا تُفرّق بين حَالِ النّعمةِ والمحنةِ مع سكون الخاطر فيهما" (٥). قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور، فقد ركَّب اللَّه الطّباع على التفريق بين الحالتين، وإنما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد. وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، كما قال النبي ﷺ في الدعاء المشهور: "إن لم يكن بك غَضَبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتَك

стр. 68

أوسعُ لي" (١)، ولا يناقض هذا قولَه ﷺ : "وما أُعطِي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصّبرِ" (٢)؛ فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له منه. وقال أبو علي الدّقاق: "حد الصبر ألا تعترض على التقدير. فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. قال اللَّه تعالى في قصة أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] " (٣). قلت: فسر اللفظة بلازمها.

стр. 69

وأما قوله: "على غير وجه الشكوى"؛ فالشكوى نوعان: أحدهما: الشكوى إلى اللَّه، فهذا لا ينافي الصبر؛ كما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣]. وقال أيوب ﵇: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] مع وصف اللَّه له بالصّبر. وقول سيّد الصابرين صلوات اللَّه وسلامه عليه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلّة حيلتي. . . " الحديث (١). وقول موسى ﷺ : "اللهم لك الحمد، وإليك المُشْتكى، وأنت المُسْتعان، وبك المُسْتغاث، وعليك التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك" (٢). والنوع الثاني: شكوى المُبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذا لا

стр. 70

يُجامع الصبر بل يُضادّه، ويُبطله. فالفرق بين شكواه والشكوى إليه. وسنعود لهذه المسألة في باب: "اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما" إن شاء اللَّه (١). وقيل: "الصبر: شجاعة النفس". ومن هاهنا أخذ القائل قوله: "الشجاعة صبرُ ساعة" (٢). وقيل: "الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب". والصبر والجَزَعُ ضدان، ولهذا يُقابَل أحدُهما بالآخر، قال تعالى عن أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١]. والجزع قرين العجز وشقيقه، والصبر قرين الكَيْس ومادته؛ فلو سُئل الجزع: من أبوك؟ لقال: العجز. ولو سُئل الكَيس من أبوك؟ لقال: الصبر. والنفس مطيةُ العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخِطام والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام

стр. 71

شرَدَت في كل مذهب. وحُفِظَ مِن خُطَبِ الحجّاج: "اقدعوا هذه النفوس؛ فإنها طُلَعَةٌ إلى كلّ سوء، فرحم اللَّه امرأ جعل لنفسه خطامًا وزمامًا؛ فقادها بخطامها إلى طاعة اللَّه، وصرفها بزمامها عن معصية اللَّه، فإن الصبر عن محارم اللَّه أيسرُ من الصبر على عذابه" (١). قلت: والنفس فيها قوّتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عما يضره. ومن الناس من يكون صبره (٢) على فعل ما يُنتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره، فيصبر على مشقة الطاعة، ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نُهِيَ عنه. ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات. ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على هذا. وأفضل الناس أصبرُهم على النوعين؛ فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام، ولا يصبر عن نظرة محرمة.

стр. 72

وكثير من الناس يصبر عن النظر، وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعفُ شيء عن هذا وأعجزُه. وأكثرهم لا صبر له على واحد من النّوعين، وأقلهم أصبرهم في الموضعين. وقيل: "الصبر: ثباتُ باعثِ العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطّبع (١) " (٢). ومعنى هذا: أن الطبع يتقاضى ما يُحبّ، وباعث العقل والدين يمنع منه، والحرب قائمة بينهما وهي سجال، ومعركة هذا الحرب قلب العبد. والصبر: الشجاعة والثبات (٣).

стр. 73

الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه لما كان الصبر المحمود (١) هو: الصبر الئفساني الاختياريّ عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه (٢): فإنه إن كان صبرًا عن شهوة الفرج المحرمة سُمي عفة، وضدها الفجور والزنى والعُهر. وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يَحِلُّ منه سُمي شَرَفَ نفْس وشِبَع نفْس، وسُمي ضده شَرَهًا ودناءة ووضاعةَ نفْس. وإن كان عن إظهار ما لا يَحسن إظهاره من الكلام سُمي كتمانَ سرّ، وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشًا أو سبًّا أو كذبًا أو قذفًا. وإن كان عن فضول العيش سُمي زهدًا، وضده حرصًا.

стр. 74

وإن كان على قدرٍ يكفي من الدنيا سُمي قناعة، ويُضادُّها الحرص أيضًا. وإن كان عن إجابة داعي الغضب سُمي حلمًا، وضده تسرُّعًا. وإن كان عن إجابة داعي العَجَلة سُمي وقارًا وثباتًا، وضده طيشًا وخفّة. وإن كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سُمي شجاعة، وضده جُبْنًا وخَوَرًا. وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سُمي عفوًا وصَفْحًا، وضده انتقامًا وعقوبة. وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سُمي جودًا (١)، وضده بخلًا. وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سُمّي صَوْمًا. وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كَيْسًا. وإن كان عن إجابة داعي إلقاء الكَلّ (٢) على الناس وعدم حمل كَلّهم سمي مروءة. فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلَّقه، والاسم الجامع

стр. 75

لذلك كله: الصبر. وهذا يدلُّك على ارتباط مقامات الدين كلِّها (١) بالصبر من أولها إلى آخرها. وكذا يُسَمَّى عدلًا إذا تعلّق بالتسوية بين المتماثلين وضده الظلم. وسُمّي سماحة إذا تعلّق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار، وعلى هذا منازل جميع الدين.
следующие страницы →