شرَدَت في كل مذهب.
وحُفِظَ مِن خُطَبِ الحجّاج: "اقدعوا هذه النفوس؛ فإنها طُلَعَةٌ إلى كلّ سوء، فرحم اللَّه امرأ جعل لنفسه خطامًا وزمامًا؛ فقادها بخطامها إلى طاعة اللَّه، وصرفها بزمامها عن معصية اللَّه، فإن الصبر عن محارم اللَّه أيسرُ من الصبر على عذابه" (١).
قلت: والنفس فيها قوّتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عما يضره.
ومن الناس من يكون صبره (٢) على فعل ما يُنتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره، فيصبر على مشقة الطاعة، ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نُهِيَ عنه.
ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات.
ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على هذا.
وأفضل الناس أصبرُهم على النوعين؛ فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام، ولا يصبر عن نظرة محرمة.
стр. 72
وكثير من الناس يصبر عن النظر، وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعفُ شيء عن هذا وأعجزُه.
وأكثرهم لا صبر له على واحد من النّوعين، وأقلهم أصبرهم في الموضعين.
وقيل: "الصبر: ثباتُ باعثِ العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطّبع (١) " (٢).
ومعنى هذا: أن الطبع يتقاضى ما يُحبّ، وباعث العقل والدين يمنع منه، والحرب قائمة بينهما وهي سجال، ومعركة هذا الحرب قلب العبد. والصبر: الشجاعة والثبات (٣).
стр. 73
الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه
لما كان الصبر المحمود (١) هو: الصبر الئفساني الاختياريّ عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه (٢):
فإنه إن كان صبرًا عن شهوة الفرج المحرمة سُمي عفة، وضدها الفجور والزنى والعُهر.
وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يَحِلُّ منه سُمي شَرَفَ نفْس وشِبَع نفْس، وسُمي ضده شَرَهًا ودناءة ووضاعةَ نفْس.
وإن كان عن إظهار ما لا يَحسن إظهاره من الكلام سُمي كتمانَ سرّ، وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشًا أو سبًّا أو كذبًا أو قذفًا.
وإن كان عن فضول العيش سُمي زهدًا، وضده حرصًا.
стр. 74
وإن كان على قدرٍ يكفي من الدنيا سُمي قناعة، ويُضادُّها الحرص أيضًا.
وإن كان عن إجابة داعي الغضب سُمي حلمًا، وضده تسرُّعًا.
وإن كان عن إجابة داعي العَجَلة سُمي وقارًا وثباتًا، وضده طيشًا وخفّة.
وإن كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سُمي شجاعة، وضده جُبْنًا وخَوَرًا.
وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سُمي عفوًا وصَفْحًا، وضده انتقامًا وعقوبة.
وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سُمي جودًا (١)، وضده بخلًا.
وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سُمّي صَوْمًا.
وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كَيْسًا.
وإن كان عن إجابة داعي إلقاء الكَلّ (٢) على الناس وعدم حمل كَلّهم سمي مروءة.
فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلَّقه، والاسم الجامع
стр. 75
لذلك كله: الصبر.
وهذا يدلُّك على ارتباط مقامات الدين كلِّها (١) بالصبر من أولها إلى آخرها.
وكذا يُسَمَّى عدلًا إذا تعلّق بالتسوية بين المتماثلين وضده الظلم.
وسُمّي سماحة إذا تعلّق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار، وعلى هذا منازل جميع الدين.
стр. 76
الباب الرابع في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة (١)
الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره، فإن حبس نفسه ومنعها عن إجابة داعي ما لا يحسن؛ إن كان خُلُقا ومَلَكَة سمي صبرًا. وإن كان بتكلُّف وتمرُّن وتجرُّع لمرارته سمي تصبُّرًا، كما يدل عليه هذا البناء لغة، فإنه موضوع للتكلُّف؛ كالتحلُّم، والتشجُّع، والتكرُّم، والتحمُّل ونحوها.
وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له؛ كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ومن يَتَصَبّر يُصَبّره اللَّه" (٢).
وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير العَفَافُ له سجية، وكذلك سائر الأخلاق.
وهي مسألة اختلف الناس فيها هل يمكن اكتساب الأخلاق أم لا يمكن اكتسابها؟
فقالت طائفة: الخُلق كالخَلْقِ الظاهر لا يمكن اكتساب (٣) واحد منهما والتخلُّق لا يصير خُلُقًا أبدًا؛ كما قال الشاعر:
стр. 77
يُراد من القلب نسيانُكم … وتأبى الطباعُ على النّاقِل (١)
وقال الآخر:
يا أيُّها المتحلّي غيرَ شِيمَته … إن التخلُّقَ يأتي دونه الخُلُق (٢)
وقال الآخر:
فَضَحَ التطبُّعُ شيمةَ المطبوع (٣)
قالوا: وقد فرغ اللَّهُ سبحانه من الخَلْق، والخُلُق، والرزق، والأجل.
وقالت طائفة أخرى: بل يمكن اكتساب الخُلُق كما يُكتسَب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة. والوجود شاهد بذلك.
قالوا: والمُزاولات تُعطي الملَكات.
стр. 78
ومعنى هذا: أن من زاول شيئًا واعتاده وتمرن عليه صار ملَكةً له وسجية وطبيعة.
قالوا: والعوائدُ تنقل الطّبائع؛ فلا يزال العبد يتكلف التصبُّر حتى يصير الصبر له سجية، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقًا بمنزلة الطبائع.
قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم والتهيؤ للكمال (١)، فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل، غير أن هذا الانتقالَ قد يكون ضعيفًا فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث، وقد يكون قويًّا ولكن لم ينتقل الطبع انتقالًا تامًّا (٢)، فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد، وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبُه طبعًا ثانيَا، فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذي انتقل عنه.
وأما الاصْطبار فهو أبلغ من التصبُّر؛ فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب، فالتصبر مبدأ الاصطبار، كما أن التكسب مقدمة الاكتساب، فلا يزال التصبُّر يتكرر حتى يصير اصطبارًا.
وأما المُصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر؛ فإنها مفاعلة تستدعي وقوعَها بين اثنين كالمُشاتمة والمُضاربة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في التصبُّر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على التصبُّر والمصابرة، فقد
стр. 79
يصبر (١) العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبُّد بالتقوى، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك (٢) كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يُخاف هجوم العدوّ منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته.
стр. 80
الباب الخامس في أقسامه (١) باعتبار محله (٢)
الصبر ضربان: ضرب بدني، وضرب نفساني، وكلٌّ منهما نوعان: اختياري، واضطراري، فهذه أربعة أقسام:
الأول: البدنى الاختياريّ، كتعاطي الأعمال الشاقّة على البدن اختيارًا وإرادة.
الثاني: البدنيّ الاضطراريّ، كالصّبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد والحرّ وغير ذلك.
الثالث: النّفسانيّ الاختياريّ، كصبر النَّفْس عن فعل ما لا يَحسُنُ فعلُه شرعًا ولا عقلًا.
الرابع: النّفسانيّ الاضطراريّ، كصبر النّفس عن محبوبها قهرًا إذا حِيل بينها وبينه.
فإذا عرفت هذه الأقسام فهي مختصة بنوع الإنسان دون البَهائم، وتشاركه البهائم (٣) في نوعين منها وهما: صَبْر البدن والنَّفس الاضطراريين، وقد يكون بعضُها أقوى صبزا من الإنسان، وإنما تميّز الإنسان عنها بالنّوعين الاختياريين.
стр. 81
وكثير من الناس تكون قوة صبره في النوع الذي شاركه فيه البهائم لا في النوع الذي يختصُّ بالإنسان، فيُعد صابرًا وليس من الصابرين.
فإن قيل فهل يشارك الجنُّ الإنسَ في هذا الصبر؟.
قيل: نعم هذا من لوازم التكليف، وهو مَطيّةُ (١) الأمر والنّهي، والجن مكلفون بالصبر على الأوامر، والصبر عن المناهي، كما كُلّفنا نحن بذلك.
فإن قيل: فهل هم مكلَّفون على الوجه الذي كُلّفنا نحن به أم على وجه آخر؟
قيل: ما كان من لوازم النفوس: كالحب والبغض والإيمان والتصديق والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه، وما كان من لوازم الأبدان: كغسل الجنابة وغسل الأعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك، فلا يجب مساواتهم لنا (٢) في كيفيته، وإن تعلَّق ذلك بهم على وجه يناسب خلقهم وهيئاتهم.
فإن قيل: فهل تشاركنا الملائكة في شيء من أقسام الصبر؟
قيل: الملائكة لم يُبتلوا بهوى يُحارب عقولهم ومعارفهم، بل العبادة والطاعة لهم كالنَّفَس لنا، فلا يُتصور في حقِّهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والهوى (٣)، وإن كان لهم صبر يليق بهم، وهو ثباتُهم وإقامتُهم على ما
стр. 82
خُلِقوا له من غير منازعةِ هوى أو شهوة أو طبع.
فالإنسان منا إذا غَلب صبرُه باعثَ الهوى والشهوة التحق بالملائكة، وإن غلب باعثُ الهوى والشهوة صبرَه التحق بالشياطين، وإن غلب باعثُ طبعه من الأكل والشرب والجماع صبرَه التحق بالبهائم.
قال قتادة: "خلق اللَّه سبحانه الملائكة عقولًا بلا شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان وجعل له عقلًا وشهوة، فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه فهو كالبهائم" (١).
ولما خُلق الإنسانُ في ابتداء أمره ناقصًا لم تُخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، فصبره في هذه الحال بمنزلة صبر البهائم، وليس له قبل تمييزه قوة صبر الاختيار.
فإذا ظهرت فيه شهوة (٢) اللّعب استعد لقوة الصبر الاختياري على ضعفها فيه.
فإذا تعلقت به شهوةُ النكاح ظهرت فيه قوةُ الصبر.
فإذا تحرك سلطانُ العقل وقوي، أُعِين بجيش الصبر، ولكن هذا السلطانَ وجندَه لا يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده؛ فإن إشراق
стр. 83
نور الهداية يلوحُ عليه عند أول سنّ التمييز وينمو على التدريج إلى سنّ البلوغ، كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهورُه، ولكنها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارِّها، بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها، فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة وأشرق عليه نورُها رأى في ضوئها تفاصيلَ مصالح الدارين ومفاسدهما فتَلَمَّح العواقب، ولبس لأمة الحرب (١)، وأخذ أنواع الأسلحة، ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى، والمنصورُ من نصره اللَّه، والمخذول من خذله اللَّه، ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزلَ في إحدى المنزلتين، ويصيرَ إلى ما خُلِق له من الدارين.
стр. 84
الباب السادس في بيان أقسامه بحسب اختلافِ قُوّتِه وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه
باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال (١):
أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيُردّ جيشُ الهوى مفلولًا، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرُّتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم الذين قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، وهم الذين يقول لهم الملائكةُ عند الموت: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١]، وهم الذين نالوا معية اللَّه مع الصابرين، وهم الذين جاهدوا في اللَّه حق جهاده، فخصهم بهدايته دون من عداهم.
الحالة الثانية: أن يكون القَهْرُ (٢) والغلبةُ لداعي الهوى فتَسْقُطُ منازعةُ باعث (٣) الدين بالكلية، فيستسلم البائس للشيطان وجندِه فيقودونه حيث شاءوا، وله معهم حالتان:
إحداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال الفاجر (٤) الضعيف.
стр. 85
الثانية: أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع، كما قال القائل:
وكنتُ امرأً من جندِ إبليسَ فارتقى … بي الحالُ حتى صارَ إبليسُ من جندي (١)
فيصير إبليس وجنودُه من أعوانه وأتباعه، وهؤلاء هم الذين غَلبت عليهم شقوتُهم، فاشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر.
وهذه الحالة بين جَهد البلاء (٢) ودرك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء.
وجندُ أصحابها: المكر، والخداع، والأماني الباطلة، والغرور، والتسويف بالعمل، وطولُ الأمل، وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي ﷺ : "العاجز من أتبع نفسَه هواها، وتمنى على اللَّه الأماني" (٣).
стр. 86
وأصحاب هذه الحال أنواع شتى:
فمنهم: المحارب للَّه ورسوله، الساعي في إبطال ما جاء به الرسول، يُضلُّ عن سبيل اللَّه، ويبغيها بجُهده عوجًا وتحريفًا؛ ليصدَّ الناس عنها.
ومنهم: المعرضُ عما جاء به الرسول، المُنهمك على شهواته ودنياه فقط (١).
ومنهم: المنافقُ ذو الوجهين، الذي يأكل بالكفر والإسلام.
ومنهم: الماجنُ المتلاعب الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب.
ومنهم: من إذا وُعظ قال: واشوقاه إلى التوبة، ولكنها قد تعذرت عليّ فلا مطمع لي فيها.
ومنهم: من يقول: ليس اللَّهُ محتاجًا إلى صلاتي وصيامي، وأنا لا أنجو بعملي، واللَّه غفور رحيم.
ومنهم من يقول: تركُ المعاصي استهانة بعفو اللَّه ومغفرته.
فَكثِّر ما استطعتَ مِنَ الخَطايا … إذا كانَ القدومُ على كريمِ (٢)
стр. 87
ومنهم: من يقول: ماذا تَقَعُ طاعتي في جنب ما قد عمِلت، وما ينفع الغريق خلاصُ إصبعه وباقي بدنه غريق.
ومنهم: من يقول: سوف أتوبُ، وإذا جاء الموت ونزل بساحتي تبتُ وقُبِلت توبتي.
إلى غير ذلك من أصناف المُغترّين الذين قد صارت عقولُهم في أيدي شهواتهم، فلا يستعمل أحدُهم عقله إلا في دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته. فعقلُه مع الشيطان كالأسير في يد كافرٍ يستعملُه في رعاية الخنازير، وعصر الخمر، وحمل الصليب؛ وهو بقهره عقلَه وتسليمِه إلى أعدائه عند اللَّه بمنزلة رجل قَهَرَ مسلمًا، وباعه للكفار، وسلَّمه إليهم، وجعله أسيرًا عندهم.
стр. 88
فصل
وها هنا نكتة بديعة يجب التفطُّن لها، وينبغي إخلاءُ القلب لتأمُّلِها، وهي: أن هذا المغرور لما أذلَّ سلطان اللَّه الذي أعزه به وشرَّفه ورفع به قدره، وسلَّمه إلى أبغض (١) أعدائه إليه، وجعلَه أسيرًا له تحت قهره وتصرّفه وسلطانه، سلَّط اللَّه عليه من كان حقُّه هو أن يتسلَّط عليه، فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه، يسخِّره حيث شاء ويسخر منه، ويسخر منه جنده وحزبه.
فكما أذل سلطان اللَّه وسلمه إلى عدوه أذله اللَّه وسلط عليه عدوّه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذلَّه ويقهره، فصار بمنزلة من سلَّم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب، وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه، فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلِّط عليه عقوبة له، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
فإن قيل: فقد أَثبت له على أوليائه هنا سلطانًا، فكيف نفاه في قوله تعالى حاكيًا عنه مقرًّا لقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠، ٢١].
стр. 89
قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه من وجهين:
أحدهما: أن السلطان الثابت هو سلطان التمكُّن منهم وتلاعُبه بهم وسَوقُه إياهم كيف أراد بتمكينهم إياه من ذلك بطاعته وموالاته، والسلطان الذي نفاه سلطان الحجة فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أن دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان.
الثاني: أن اللَّه لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء ألبتة، ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته، ودُخولهم في جملة جنده وحزبه، فلم يَتَسَلْطن (١) عليهم بقوَّته فإن كيده ضعيف، وإنما تسلطن (٢) عليهم بإرادتهم واختيارهم.
والمقصود: أن من قصد أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته فسلَّمهم إلى عدوه كان من عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه.
стр. 90
فصل
الحالة الثالثة (١): أن تكون الحرب سجالًا ودولًا بين الجندين، فتارة له وتارة عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقلُّ، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاثة سواء بسواء؛ فمن الناس من يَدخُل الجنة ولا يدخُل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة.
وهذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس في الصحة والمرض، فمن الناس من تقاوم قوَّتُه داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة، ومنهم من يقهر داؤُه قوَّتَه ويكون السلطان للداء، ومنهم مَن الحرب بين دائه وقوتِه نوبًا، فهو متردد بين الصحة والمرض.
стр. 91
فصل
ومن الناس من يصبر بجَهد ومشقة، ومنهم من يصبر بأدنى حمْلٍ على النفس.
ومثال الأول: كرجل صارع رجلًا شديدًا فلا يقهره إلا بتعب ومشقة.
والثاني: كمن صارع رجلًا ضعيفًا فإنه يصرعُه بغير مشقة.
فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، ومن صرَع جند الشيطان صرَع الشيطان.
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "لقي رجلٌ من الإنس رجلًا من الجن، فصارعه الإنسيّ (١)، فصرَعه الإنسي، فقال: ما لي أراك ضئيلًا؟ فقال: إني من بينهم لضليع". فقالوا: هو عمر بن الخطاب ﵁؟ فقال: "من ترونه غير عمر"؟ (٢).
стр. 92
وقال بعض الصحابة: "إن المؤمن يُنضي (١) شيطانَه كما يُنضي أحدُكم بعيره في السّفر" (٢).
وذكر ابن أبي الدنيا عن بعض السلف: "أن شيطانًا لقي شيطانًا فقال: ما لي أراك شخّيتًا (٣) فقال: إني مع رجل إن أكل ذكر اسم اللَّه فلا آكل معه، وإن شرب ذكر اسم اللَّه فلا أشرب معه، وإن دخل بيته ذكر اسم اللَّه فأبيتُ خارج الدار. فقال: لكني مع رجل إن أكل لم يسم اللَّه فآكل أنا وهو جميعًا، وإن شرب لم يسم اللَّه فأشرب معه، وإن دخل دارَه لم يسم اللَّه فأدخل معه، وإن جامع امرأته لم يسم اللَّه فأجامعها معه" (٤).
فمن اعتاد الصبر هابه عدوُّه، ومن عزّ عليه الصبر طمع فيه عدوُّه، وأوشك أن ينال منه غرضه.
стр. 93
الباب السابع في ذِكْرِ أقسامه باعتبار متعلَّقه
الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام (١):
صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها.
وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها.
وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.
وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في: "فتوح الغيب": "لا بد للعبد من أمر يفعله، ونهيٍ يجتنبه، وقدَرٍ يصبر عليه" (٢).
وهذا الكلام يتعلق بطرفين: طرف من جهة الرب تعالى، وطرف من جهة العبد.
فأما الذي من جهة الرب، فهو: أن اللَّه تعالى له على عبده حكمان: حكم شرعي ديني، وحكم كوني قدري؛ فالشرعي متعلق بأمره، والكوني متعلق بخلقه، وهو سبحانه له الخلق والأمر.
وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب، فإنّ المطلوب إنْ
стр. 94
كان محبوبًا له فالمطلوب فعله إما وجوبًا وإما استحبابًا، ولا يتم ذلك إلا بالصبر، وإن كان مبغوضًا له فالمطلوب تركه إما تحريمًا وإما كراهة، وذلك أيضًا موقوف على الصبر. فهذا حكمه الديني الشرعي.
وأما حكمه الكوني القدري فهو ما يقضيه ويقدِّره على (١) العبد من المصائب التي لا صنع له فيها، ففرضه الصبر عليها.
وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء (٢)، وهما وجهان في مذهب أحمد، أصحهما أنه مستحب (٣).
فرجعَ الدين كلُّه إلى هذه القواعد الثلاثة: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.
وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفك عن هذه الثلاثة ما دام مكلّفًا، ولا تسقط عنه هذه الثلاثة حتى يسقط عنه التكليف، فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر، لا تستوي إلا عليه، كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها.
فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر، والشيخ دائمًا يحوم حول هذه الأمور الثلاثة، كقوله: "يا بني افعل
стр. 95
المأمور، واجتنب المحظور، واصبر على المقدور".
وهذه الثلاثة هي التي وصّى بها لقمان لابنه في قولهه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] فأمرُه بالمعروف يتناول فعلَه في نفسه وأمرَ غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر، أما من حيث إطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه. وأما من حيث اللزوم الشرعي فإن الآمر الناهيَ لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي.
وذكر هذه الأصول سبحانه في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢] فجمع لهم مقامات الإِسلام والإيمان في هذه الأوصاف:
فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه، وبينهم وبين خلقه.
ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنه لا يقع منهم نقضه.
ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر اللَّه به أن يوصل، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنُه وحق اللَّه وحَقُّ خلقه، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له، والقيام بطاعته والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه، والتوبة إليه (١) والاستكانة له، والخضوع
стр. 96
والذل له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها، والإقرار بالخطيئة والاستغفار منها. فهذه هي الوصلة بين العبد والرب، وقد أمر اللَّه بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل.
وأمر أن يوصل ما بيننا وبين رسوله بالإيمان به، وتصديقه وتحكيمه في كل شيء، والرضا بحكمه والتسليم له، وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين؛ فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله.
وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فإنه أَمَرَ ببر الوالدين وصلة الأرحام، وذلك مما أمر به أن يوصل.
وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الأرقّاء بأن نطعمهم مما نأكل، ونكسوهم مما نلبس، ولا نكلفهم فوق طاقتهم.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين عموم الناس بأن نأتي إليهم ما نحب أن يأتوه إلينا.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمَهم ونستحي منهم كما يستحيي الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه.
стр. 97
فهذا كله مما أمر به أن يوصل.
ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة، وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب فقال: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١]. ولا يمكن أحدًا قط أن يصل ما أمر اللَّه بوصله إلا بخشيته، ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوُصَل.
ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد، هو آخية ذلك وقاعدته ومداره الذي يدور عليه وهو الصبر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢] فلم يكتفِ منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصًا لوجهه.
ثم ذكر لهم ما يعينُهم على الصبر وهو الصلاة، فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]. وهما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرًّا وعلانية، فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة، وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم.
ثم ذكر حالهم إذا جُهل عليهم وأوذوا أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة، فيحسنون إلى من يسيء إليهم، فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (١) [الرعد: ٢٢].
وقد فُسِّر هذا الدرء بأنهم يدفعون الذنب بالحسنة بعده، كما قال
стр. 98
تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وقال النبي ﷺ : "أتبعِ السَّيئةَ الحسنةَ تمحُها" (١).
والتحقيق: أن الآية تعم النوعين.
والمقصود: أن هذه الآيات تناولت مقامات الإِسلام والإيمان كلّها، واشملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاث (٢) في قوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فكل موضع قُرنَ فيها التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة، فإن حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور.
стр. 99
الباب الثامن في انقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به
وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومباح (١).
فالصبر الواجب ثلاثة أنواع:
أحدها: الصبر عن المحرمات.
والثاني: الصبر على أداء الواجبات.
والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرهما.
وأما الصبر المندوب، فهو: الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله.
وأما الصبر المحظور فأنواع:
أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت، وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت.
قال طاووس وبعده الإِمام أحمد (٢): من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار (٣).
стр. 100
فإن قيل: فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال؟
قيل: اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح؟ على قولين هما لأصحاب أحمد (١). وظاهر نصه أن الصبر عن المسألة جائز، فإنه قيل له: إذا خاف إن لم يسأل أن يموت؟ فقال: لا يموت، يأتيه اللَّه برزق (٢)، أو كما قال.
فأحمد منع وقوع المسألة، ومتى علم اللَّه ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض له رزقًا.
وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعيّ: يجب عليه المسألة، وإن لم يسأل كان عاصيًا؛ لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف (٣).
стр. 101
فصل
ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حيّة أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.
وقد سُئِل النبي ﷺ عن هذه المسألة، فقال: "كُنْ كخير ابنَي آدم" (١)، وفي لفظ: "كُن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل" (٢)،
стр. 102
وفي لفظ آخر: "دعه يبوءُ بإثمه وإِثمك" (١)، وفي لفظ آخر: "فإن بَهَرَك شعاعُ السّيف فَضَع يَدَك على وَجْهِك" (٢).
وقد حكى اللَّه سبحانه استسلام خير بني آدم وصبره وأثنى عليه بذلك، وهذا بخلاف قتل الكافر، فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه؛ لأنّه من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين.
وأما قتال اللصوص، فهل يجب فيه الدفع أو يجوز الاستسلام؟
فإن كان عن (٣) معصوم غيره وجب، وأما عن نفسه فظاهر نصّه أنه لا يجب الدفع (٤)، وأوجبه بعضُهم (٥).
стр. 103
ولا يجوز الصبر عمّن قصده أو حُرمتَه بالفاحشة.
فصل
وأما الصبر المكروه: فله أمثلة:
أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنُه.
الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به.
الثالث: صبره على فعل المكروه.
والرابع: صبره عن فعل المستحب.
فصل
وأما الصبر المباح، فهو: الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيّرَ بين فعله وتركه والصبر عليه.
وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه، والصبر عن المباح وعليه مباح، واللَّه أعلم.
стр. 104
الباب التاسع في بيان تفاوت درجات الصبر
الصبر كما تقدم (١) نوعان: اختياري، واضطراري (٢).
والاختياري أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتَّى ممن لا يتأتَّى منه الصبر اختيارًا (٣)، ولذلك كان صبر يوسف الصديق ﷺ عن مطاوعته امرأةَ العزيز، وصبرُه على ما ناله من ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجُبِّ وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.
ومن الصبر الثاني: إنشاء اللَّه سبحانه له ما أنشأه من العزّ والرفعة والملك والتمكين في الأرض (٤).
وكذلك صبر الخليل والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم صلى اللَّه عليهم أجمعين، كان صبرًا على الدعوة إلى اللَّه ومجاهدة أعداء اللَّه، ولهذا سماهم اللَّه تعالى "أولو العزم" وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
стр. 105
وأولو العزم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ (١) الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]. وفي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧] كذلك قال ابن عباس وغيرُه من السلف (٢).
ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولي العزم فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم: ٤٨].
وهنا سؤال وهو أن يُقال: ما العامل في الظرف؟ وهو قوله: ﴿إِذْ﴾، ولا يمكن أن يكون الفعل المنهي عنه، إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه، وقد أثنى اللَّه سبحانه عليه في هذا النداء وأخبر أنه نجاه به، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].
وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ : أنه قال: "دعوةُ أخي ذي النّون إذ دعا بها في بطن الحوت، ما دعا بها مكروبٌ إلا فَرّجَ اللَّهُ عنه: لا إله إلا أنتَ سبحانك إني كنتُ من الظالمين" (٣).
стр. 106
فلا يمكن أن يُنهى عن التشبه به في هذه الدعوة، وهي النداء الذي نادى به ربه، وإنما نهي عن التشبه به في السبب الذي أفضى به إلى هذه المناداة، وهو مغاضبته التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم.
والمكظوم والكظيم والكاظم: الذي قد امتلأ غَيْظًا أو غَضَبًا أو هَمًّا وحزَنًا، وكظم عليه فلم يُخرجه.
فإن قيل: وعلى ذلك، فما العامل في الظرف؟
قيل: ما في صاحب الحوت من معنى الفعل.
فإن قيل: فالسؤال بعد قائم، فإنه إذا قيّدَ المنهي عنه بقيد أو زمن كان داخلًا في حيّز النهي، فإذا كان المعنى: لا تكن مثل مَنْ صحب الحوت في هذه الحال وهذا الوقت كان نهيًا عن تلك الحالة.
قيل: لما كان نداؤه مُسَبّبًا (١) عن كونه صاحب الحوت، فنهي أن يتشبّه به في الحال التي أفضت به إلى صُحْبَة الحوت والنداء، وهي ضعف العزيمة والصبر لحكمه تعالى. ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبًا فالتقمه الحوت فنادى، بل طوى القصة واختصرها، وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر، واكتفى بغايتها وما انتهت إليه.
فإن قيل: فما منعك من تعليق (٢) الظرف بنفس الفعل المنهي عنه
стр. 107
أي: لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظًا وهمًّا وغمًّا، بل يكون نداؤك نداءَ راضٍ بما قضي عليه، قد تلقَّاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر، لا نداء كظيم؟.
قيل: هذا المعنى وإن كان صحيحًا، فلم يقع النهي عن التشبه به في مجرده، وإنما نهي عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مُغاضبًا حتى سُجنَ في بطن الحوت، ويدل عليه قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] ثم قَال ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أي في ضَعف صبره لحكم ربه، فإن الحالة التي نهي عنها هي ضد الحالة التي أمر بها.
فإن قيل: فما منعك أن تَصير إلى أنه أُمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي يقدّره عليه، ولا يكن كصاحب الحوت حيثُ لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه، فلم يصبر على احتماله والسكون تحته؟
قيل: منع من ذلك أن اللَّه سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من الضرّ، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] فكيف يَنهى عن التشبه به فيما يُثني عليه ويمدحه به؟!
وكذلك أثنى على أيوب بقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وعلى يعقوب بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وعلى موسى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤]، وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله
стр. 108
بقوله: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" الحديث (١).
فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجميل بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر، واللَّه سبحانه يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يُرِد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه.
وقيل لبعضهم: كيف تشكو إليه ما لا يخفى عليه؟ فقال:
قالو أتشكو إليه ما لا يخفى عليه
فقلتُ ربّيَ يرضى ذلّ العبيد لديه (٢)
والمقصود: أنه سبحانه أمر رسوله ﷺ أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا وهذا أكمل الصبر؛ ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردّوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم الحاكم اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
فإن قيل: فأيُّ أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور، أم
стр. 109
الصبر عن المحظور، أم الصبر على المقدور؟.
قيل: الصبر المتعلق بالتكليف -وهو: الأمر والنهي- أفضل من الصبر على مجرد القدر؛ فإن هذا الصبر يأتي به البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا بد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارًا أو اضطرارًا، وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل، وأعظمهم اتباعًا أصبرهم في ذلك.
وكل صبر في محله وموضعه أفضل؛ فالصبر عن الحرام في محله أفضل، والصبر على الطاعة في محلها أفضل.
فإن قيل: فأي الصبرين أحب إلى اللَّه: صبر من يصبر على أوامره، أم صبر من يصبر عن محارمه؟
قيل: هذا موضع تنازع فيه الناس (١):
فقالت طائفة: الصبر عن المخالفات أفضل؛ لأنه أشق وأصعب، فإن أعمال البِرّ يفعلها البَرّ والفاجر، ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون (٢).
قالوا: وإن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس،
стр. 110
وهو أشق شيء وأفضله.
قالوا: وإنّ ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من تُرِكَ لأجله أحب إليه من نفسه وهواه، بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك.
قالوا: وأيضًا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر؛ كما قال الإِمام أحمد: "الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى" (١)، فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر.
قالوا: وليس العجب ممن يصبر على الأوامر؛ فإن أكثرها محبوبات للنفوس لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر، وهذه محابٌ النفوس الفاضلة التركية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محابٌ النفوس، فيترك المحبوبَ العاجلَ في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى، والنفس موكلة بحب العاجل، فصبرها عنه مخالف لطبعها.
قالوا: وإنّ المناهي لها أربعة دواعٍ تدعو إليها: نفس الإنسان، وشيطانه، وهواه، ودنياه، فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة حق الجهاد، وذلك أشق شيء على النفس وأمَرُّه.
قالوا: فالمناهي من باب حِميَة النفوس عن مشتهياتها ولذاتها، والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقِّه.