← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده اللَّه بها عزًّا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح اللَّه له باب فقر" وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه، فإنه قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم فيه للَّه حقًّا، قال: فهذا أفضل المنازل عند اللَّه، وعبد رزقه اللَّه علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان، قال: فأجرهما سواء، وعبد رزقه اللَّه مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل عند اللَّه، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بفعل فلان. قال: فهو بنيّته ووزرهما سواء" (١). فلما فضل الغنيّ بفعله ألحق الفقير الصادق به بنيّته، فالغني هنالك إنما نقص بتخلفه عن العمل، والفقير إنما نقص بسوء نيته، فلم ينفع الغنيّ غناه مع التخلف، ولا ضرّ الفقير فقره مع حسن النيّة، ولا نفعه فقره مع سوء نيّته. قالوا: ففي هذا بيان كاف شاف في المسألة، حاكم بين الفريقين، وباللَّه التوفيق.

стр. 527

الباب الرابع والعشرون في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار قالت الأغنياء: لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل الأدلّة ورجلها، ونحن نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها، ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار، وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوي اليسار، ونحن نحاكم إلى ما حاكمتمونا إليه، ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه، ونضع أدلّتنا وأدلّتكم في ميزان الشرع والعقل الذي لا يعول، فحينئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول. ولكن أخرجوا من بيننا من تشبّه بالفقراء الصادقين الصابرين، ولبس لباسهم على قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحّهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر، من كل مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرّط في أمر معاده، قد جعل زيّ الفقر صناعة (١)، أو فقيرِ جائحة (٢)، فقرُه اضطرار لا اختيار، فزهده زهد إفلاس لا زهد رغبة في اللَّه والدار الآخرة، أو فقيرٍ (٣) يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه في فقره، بل إن أُعطي رضي وإن منع سخط، شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها، وهو أفقر الناس [منها، فهو أرغب شيء] (٤)

стр. 528

فيها، وهي أزهد شيء فيه. وأخرجوا من بيننا ذا الثروة الجموع المنوع المتكاثر بماله المستأثر به، الذي قد عضّ عليه بناجذه، وثنى عليه خنصره، يفرح بزيادته ويأسى على نقصانه، فقلبه به مشغوف، وهو على تحصيله ملهوف، إن عرض سوق الإنفاق والبذل أعطى قليلًا وأكدى، وإن دعي إلى الإيثار أمعن في الهرب جدًّا. وأخلصونا وإخواننا من سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا إلى اللَّه والدار الآخرة بإيمانهم وأحوالهم، ونافسوا في القرب منه بأعمالهم وأموالهم، فقلوبهم عاكفة عليه، وهمتهم المسابقة إليه، ينظر غنيُّهم إلى فقيرهم، فإذا رآه قد سبقه إلى عمل صالح شمّر إلى اللحاق به، وينظر فقيرهم إلى غنيهم فإذا رآه قد فاته بإنفاق في طاعة اللَّه أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك أو أكثر منه، فهؤلاء إخواننا الذين تكلم الناس في التفضيل بينهم وأيهم أعلى درجة، وأما أولئك فإنما ينظر أيهم تحت الآخر في العذاب وأسفل منه، واللَّه المستعان. إذا عرف هذا، فقد مدح اللَّه سبحانه في كتابه أعمالًا، وأثنى على أصحابها، ولا تحصل إلا بالغنى، كالزكاة والإنفاق في وجوه البر، والجهاد في سبيل اللَّه بالمال، وتجهيز الغزاة، وإعانة المحاويج، وفكّ الرقاب، والإطعام في زمن المسغبة. وأين يقع صبر الفقير من فرحة الملهوف المضطر المشرف على الهلاك إذا أعانه الغني ونصره على فقره ومخمصته؟ وأين يقع صبره من نفع الغني بماله في نصرة دين اللَّه وإعلاء كلماته

стр. 529

وكسر أعدائه؟ وأين صبر أبي ذر على الفقر إلى شكر الصديق ربّه وشرائه المعذبين في اللَّه وإعتاقهم، وإنفاقه على نصرة الإسلام حتى قال رسول اللَّه ﷺ : "ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر" (١)؟ وأين يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان تلك النفقات العظيمة التي قال له رسول اللَّه ﷺ في بعضها: "ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم " (٢)، ثم قال: "غفر اللَّه لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما أخفيت، وما أبديت" أو كما قال (٣). وإذا تأملتم القرآن، وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء فيه على الفقراء الصابرين.

стр. 530

وقد شهد رسول اللَّه ﷺ بأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وفسر اليد العليا بالمعطية، والسفلى بالسائلة (١). وقد عدّد اللَّه سبحانه على رسوله من نعمه أن أغناه بعد فقره (٢)، وكان غناه هو الحالة التي نقله إليها، وفقره الحالة التي نقله منها، وهو سبحانه كان ينقله من الشيء إلى ما هو خير منه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]: إن المراد به الحالتان، أي: كل حالة لك خير مما قبلها، ولهذا عقّبه بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، فهذا يدخل فيه عطاؤه في الدنيا والآخرة. قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]. قالوا: والأغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصّابرين، لتقويتهم إياهم بالصدقة عليهم، والإحسان إليهم، وإعانتهم على طاعتهم، فلهم نصيب وافر من أجور الفقراء، زيادة إلى نصيبهم من أجر الإنفاق وطاعاتهم التي تخصهم، كما في "صحيح ابن خزيمة" من رواية سلمان الفارسي عن النبي ﷺ وذكر شهر رمضان، فقال: "من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن

стр. 531

ينقص من أجره شيء" (١). فقد حاز الغني الشاكر أجر صيامه هو، ومثل أجر الفقير الذي فطّره. قالوا: ولو لم يكن للغنيّ الشاكر إلا فضل الصدقة التي لما تفاخرت الأعمال كان الفخر لها عليهن، كما ذكر النضر بن شميل عن قرة عن سعيد بن المسيب أنه حدث عن عمر بن الخطاب قال: "ذُكر أن الأعمال الصالحة تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم" (٢). قالوا: والصدقة وقاية بين العبد وبين النار، والمخلص المسرّ بها مستظلٌّ يوم القيامة في ظلّ العرش. وقد روى عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب (٣) عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الصدقة لتطفئ على أهلها حرّ القبور، وإنما يستظلّ المؤمن يوم القيامة في ظلّ صدقته" (٤).

стр. 532

وقال يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة يرفعه: "كل امرئ في ظلّ صدقته حتى يقضى بين الناس". قال يزيد: وكان أبو الخير لا يأتي عليه يوم إلا تصدّق فيه، ولو بكعكة أو بصلة (١). وفي حديث معاذ عن النبي ﷺ : "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" (٢). وروى البيهقي من حديث أبي يوسف القاضي عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه: "باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة" (٣).

стр. 533

وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا تصدّق الرجل بصدقة من كسب طيّب، ولا يقبل اللَّه إلا طيّبًا، أخذها اللَّه بيمينه، فيربّيها لأحدكم كما يربي فلوّه أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل العظيم" (١). وفي لفظ للبيهقي في هذا الحديث: "حتى إن التمرة أو اللقمة لتكون مثل أحد" (٢). وقال محمد بن المنكدر: "من موجبات المغفرة إطعام المسلم السّغبان" (٣). وقد روي مرفوعًا من غير وجه (٤).

стр. 534

وإذا كان اللَّه سبحانه قد غفر لمن سقى كلبًا على شدة ظمئه (١) فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسا العراة من المسلمين؟! وقد قال رسول اللَّه: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" (٢)، فجعل الكلم الطيّب عوضًا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها. قالوا: وأين لذّة الصدقة والإحسان، وتفريحهما القلب، وتقويتهما إياه، وما يلقي اللَّه سبحانه للمتصدّقين من المحبة والتعظيم في قلوب عباده والدعاء لهم والثناء عليهم، وإدخال المسرات عليهم، من أجر الصبر على الفقر؟! ونعم إن له لأجرًا عظيمًا، لكن الأجر درجات عند اللَّه. قالوا: وأيضًا، فالصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى، وأحب عباده من اتصف بذلك كما قال النبي: "الخلق عيال اللَّه، فأحبهم إليه أنفعهم لعباده" (٣).

стр. 535

قالوا: وقد ذكر اللَّه سبحانه أصناف السعداء؛ فبدأ بالمتصدقين أولهم، فقال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٨، ١٩] فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات. قالوا: وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا اللَّه، فمنها: أنها تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن الظالم. قال إبراهيم النخعي: "كانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل الظلوم" (١). وتطفئ الخطيئة، وتحفظ المال، وتجلب الرزق، وتفرح القلب، وتوجب الثقة باللَّه وحسن الظن به -كما أن البخل سوء الظن باللَّه- وترغم الشيطان وتزكى النفس وتنميها، وتُحبّبُ العبد إلى اللَّه وإلى خلقه، وتَستُر عليه كل عيب -كما أن البخل يغطي عليه كل حسنة-

стр. 536

وتزيد في العمر، وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفعُ عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلًّا يوم القيامة، وتشفع له عند اللَّه، وتهونُ عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه، وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك. قالوا: ولو لم يكن في النفع والإحسان إلا أنه صفة اللَّه سبحانه، وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها (١)، فيُحبّ العليم والجواد والحييّ والسّتّير، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم، فصفته الغنى والجود، ويحب الغنيّ الجواد. قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل، فمن كسا مؤمنًا كساه اللَّه من حلل الجنة، ومن أشبع جائعًا أشبعه اللَّه من ثمار الجنة، ومن سقى ظمآنًا سقاه اللَّه من شراب الجنة، ومن أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه (٢).

стр. 537

ومن يسّر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (١). قالوا: ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر، ولكن أين تقع من هذه الفضائل؟ وقد جعل اللَّه لكل شيء قدرًا. قالوا: وقد جعل رسول اللَّه ﷺ الطاعمَ (٢) الشاكرَ بمنزلة الصائم الصابر (٣)، ومعلوم أنه إذا تعدّى شكره إلى الإحسان إلى الغير ازداد درجة أخرى؛ فإن الشكر يتضاعف إلى ما لا نهاية له، بخلاف الصبر فإن له حدًّا يقف عنده. وهذا دليل مستقلٌّ في المسألة. يوضحه: أن الشكر أفضل من الرضى الذي هو أعلى من الصبر، فإذا كان الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أفضل من الصابر، كان أفضل من الصابر بدرجتين. قالوا: وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه

стр. 538

اللَّه (١) القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار" (٢)، فجعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به. قالوا: وقد صرّح في حديث أبي كبشة الأنماري (٣): أن (٤) صاحب المال إذا عمل في ماله بعلمه، واتقى فيه ربه، ووصل به رحمه، وأخرج منه حق اللَّه فهو بأعلى المنازل عند اللَّه -وهذا صريح في تفضيله- وجعل الفقير الصادق إذا نوى أن يعمل بعمله، وقال ذلك بلسانه، ثانيًا له، وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء، فإن كلًّا منهما نوى خيرًا وعمل ما يقدر عليه، فالغني نواه ونفذه بعمله، والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه، فاستويا في الأجر من هذه الجهة. ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فإن الأجر على العمل والنيّة له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول، ومن نوى الحجّ ولم يكن له مال يحجّ به وإن أثيب على ذلك، فإن ثواب من (٥) باشر أعمال الحجّ مع النية، له مزيّة عليه. وإذا أردت فهم هذا، فتأمل قول النبي ﷺ : "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا (٦) من قلبه بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (٧).

стр. 539

ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل اللَّه من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد. فهاهنا أمران: أجر وقرب، فإن استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًّا، وهو فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. وقد قال ﷺ : "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه" (١)، فاستويا في دخول النار، ولا يلزم استواؤهما في الدرجة ومقدار العذاب، فأعطِ ألفاظ الرسول ﷺ حقّها، ونزّلها منازلها، يتبيّن لك المراد. يوضّح هذا: أن فقراء المهاجرين شكوا إلى رسول اللَّه ﷺ وقالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ولهم فضول أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون

стр. 540

ويتصدقون، قال: "أفلا أعلّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبّحون، وتكبّرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللَّه ﷺ : " ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١] " (١). فلو كانوا يلحقونهم في مقدار الأجر بمجرد النية، لقال لهم: انووا أن تفعلوا (٢) مثل فعلهم فتنالوا مثل أجرهم، فلما أعاضهم عما فاتهم من ثواب الصدقة والعتق والحجّ والاعتمار، بتحصيل نظيره بالذكر، عُلم أن الأغنياء قد فضلوهم بالإنفاق، فلما شاركوهم في الذكر بقيت مزية الإنفاق، فشكوا إلى رسول اللَّه ﷺ أن الامتياز لم يزل، وأنهم قد ساوونا في الذكر كما ساوونا في الصلاة والصوم، فأخبرهم أن ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، فلو كان لهم سبيل إلى مساواتهم من كل وجه بالنية والقول لدلّهم عليه. قالت الفقراء: هذا الحديث حجة لنا إذا فُهم على الحقيقة، وذلك أن معناه: أنهم وإن كانوا قد ساووكم في الإيمان والإسلام والصلاة والصيام، ثم فضلوكم بالإنفاق ففي التكبير والتسبيح والتهليل ما يلحقكم بدرجتهم، وقد ساويتموهم أيضًا بحسن النية، إذ لو أمكنكم لأنفقتم مثلهم.

стр. 541

وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "إن أخذتم به سبقتم من قبلكم، ولم يلحقكم من بعدكم" (١)، وهذا يدل على أن الأغنياء لا يلحقونهم، وإن قالوا مثل قولهم. وقوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" معناه: أن فضل اللَّه ليس مقصورًا عليكم دونهم، فكما آتاكم اللَّه فضله بالذكر، كذلك يؤتيهم (٢) إياه إذا عملوا مثلكم وليس في هذا دليل أنهم أفضل منكم، وإنما معناه أن فضل اللَّه يؤتيه الذي ساووكم بذكره يتناولهم مثلكم أيضا، فأنتم فهمتم من الفضل التخصيص فوضعتموه في غير موضعه، وإنما معناه العموم والشمول، وأن فضله عام شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم، فأين في الحديث التفضيل لكم علينا؟! قالوا: فيحتمل قوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". ثلاثة أمور: أحدها: سبقهم لكم بالإنفاق. والثاني: مساواتكم بهم في فضيلة الذكر فلم تختصّوا به دونهم. والثالث: سبقكم لهم إلى الجنة بنصف يوم. وهذا وإن كان لا ذكر له في هذه الرواية فهو مذكور في بعض طرقه. قال البزار في "مسنده": حدثنا الوليد بن عمرو حدثنا محمد بن الزبرقان حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال:

стр. 542

اشتكى فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ ما فضل به أغنياؤهم، فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا صدّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا، وصاموا صيامنا، ولهم أموال يتصدقون منها، ويصِلون منها الرحم، وينفقونها في سبيل اللَّه، ونحن مساكين لا نقدر على ذلك، فقال: "ألا أخبركم بشيء إذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم، قولوا: اللَّه أكبر في دبر كل صلاة إحدى عشرة مرة، والحمد للَّه مثل ذلك، ولا إله إلا اللَّه مثل ذلك، وسبحان اللَّه مثل ذلك، تدركون مثل فضلهم"، ففعلوا، فذكروا ذلك للأغنياء ففعلوا مثل ذلك، فرجع الفقراء إلى رسول اللَّه ﷺ فذكروا ذلك، فقالوا: هؤلاء إخواننا فعلوا مثل ما نقول، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، يا معشر الفقراء ألا أبشركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، خمسمائة عام". وتلا موسى بن عبيدة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧] (١). قالوا: فهذا خبر واحد، وكلام متصل، ذَكَرَهُ بشارة لهم عند ما ذكروا مساواة الأغنياء لهم في القول المذكور، فأشبه أن يرجع الفضل إلى سبق الفقراء للأغنياء، وأنهم بهذه البشارة مخصوصون، فكان السبق لهم دون غيرهم، وإن تساووا في القول، وساووهم في الإنفاق في النية، كما في حديث أبي كبشة المتقدم (٢)، وخلصت لهم مزية الفقر. قالت الأغنياء: قد بالغتم في صرف الحديث عن مقصوده إلى

стр. 543

جهتكم، وهو صريح في تفضيل (١) هذا الجانب لمن أنصف، فإن قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ خرج جوابًا للفقراء عن قولهم: إن أهل الدثور قد ساووهم في الذكر كما ساووهم في الصلاة والصوم والإيمان وبقيت مزية الإنفاق، لم يحصل لنا ما نلحقهم فيها، وما علمتناه من الذكر قد لحقونا فيه، فقال لهم حينئذ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا صريح جدًّا في مقصوده، فلما انكسر القوم بتحقق السبق بالإنفاق الذي عجزوا عنه، خبرهم بالبشارة بالسبق إلى دخول الجنة بنصف يوم، وأن هذا السبق في مقابلة ما فاتكم من فضيلة الغنى والإنفاق، ولكن لا يلزم من ذلك رفعتهم عليهم في المنزلة والدرجة، فهؤلاء السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، مِنَ الموقوفين للحساب من هو أفضل من أكثرهم وأعلى منه درجة. قالوا: وقد سمّى اللَّه سبحانه المال خيرًا في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]. وأخبر رسول اللَّه ﷺ : "أن الخير لا يأتي إلا بالخير" كما تقدم (٢)، وإنما يأتي بالشر معصية اللَّه في الخير لا نفسه. وأعلم اللَّه سبحانه أنه جعل المال قوامًا للأنفس، وأمر بحفظها، ونهى أن يؤتوا السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم (٣)، ومدحه النبي ﷺ

стр. 544

بقوله: "نعم المال الصالح مع الرجل الصالح" (١). وقال سعيد بن المسيب: "لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصِل به رحمَه، ويعطي منه حقّه" (٢). وقال أبو إسحاق السبيعي: "كانوا يرون السعة عونًا على الدين" (٣). وقال محمد بن المنكدر: "نعم العون على التقوى الغنى" (٤). وقال سفيان الثوري: "المال في زماننا هذا سلاح المؤمن" (٥). وقال يوسف بن أسباط: "ما كان المال في زمان منذ خلقت

стр. 545

الدنيا (١) أنفع منه في هذا الزمان، والخير كالخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر" (٢). قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه المال سببًا لحفظ البدن، وحفظه سببًا لحفظ النفس التي هي محل معرفة اللَّه والإيمان به وتصديق رسله ومحبته والإنابة إليه، فهو سبب عمارة الدنيا والآخرة، وإنما يُذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف في غير حقّه، واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن اللَّه والدار الآخرة، فيذمّ منه ما يَتوسل به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد المحمودة، فالذمّ للجاعل لا للمجعول. كما قال النبي ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم" (٣)، فذمّ عبدهما دونهما. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال: "كان رجل ممن مضى جمع مالًا فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله، فقال: انعمي سنين. فأتاه ملك الموت، فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه، فقال: ادعوا لي صاحب الدار، فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلًا، ثم عاد فقرع باب الدار وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمع سيدهم قعد فزعًا،

стр. 546

وقال: لينوا له الكلام. قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك اللَّه فيك. قال: لا، فدخل عليه، فقال: قم فأوصِ ما كنت موصيًا، فإني قابض نفسك قبل أن أخرج. قال: فصرخ أهله وبكوا، ثم قال: افتحوا الصناديق وافتحوا أوعية المال. ففتحوها جميعها فأقبل على المال يلعنه ويسبّه، ويقول: لُعنت من مال، أنت الذي نسيتني ربي وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي. فتكلم المال فقال: لا تسبّني، ألم تكن وضيعًا في أعين الناس فرفعتك؟ (١) وكنت تحضر سدد الملوك (٢) ويحضر عباد اللَّه الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتُنكح، ويخطب عباد اللَّه الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى، ولو أنفقتني في سبيل اللَّه لم أتعاصَ عليك؟! وأنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلقٌ ببرّ ومنطلق بإثم (٣) " (٤). وفي أثر آخر يقول اللَّه ﵎: "أموالنا رجعت إلينا، سعد بها من سعد، وشقي بها من شقي" (٥). قالوا: ومن فوائد المال: أنه قوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق الحجّ والجهاد، وبه حصل الإنفاق الواجب والمستحب، وبه حصلت قربات العتق والوقف وبناء المساجد والقناطر وغيرها، وبه

стр. 547

يتوصل إلى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافل العبادة، وعليه قام سوق المروءة، وبه ظهرت صفة الجود والسّخاء، وبه وقيت الأعراض، وبه اكتسبت الإخوان والأصدقاء، وبه توصل الأبرار إلى الدرجات العلا ومرافقة الذين أنعم اللَّه عليهم، فهو مرقاة يصعد فيها إلى أعلى غرف الجنة، ويهبط منها إلى أسفل سافلين، وهو مقيم مجد الماجد، كما كان بعض السلف يقول: "اللهم لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال" (١). وكان بعضهم يقول: "اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى" (٢). وهو من أسباب رضي اللَّه عن العبد، كما يكون من أسباب سخطه عليه، وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم اللَّه به: الأبرص، والأقرع، والأعمى، نال به الأعمى رضى ربه، ونالا به سخطه (٣). والجهاد ذروة سنام العمل، وتارة يكون بالنفس، وتارة يكون بالمال،

стр. 548

وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع، وبأي شيء فضّل عثمان على على، وعلى أكثر جهادًا بنفسه وأسبق إسلامًا من عثمان؟! وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر، وتأثيرهم في الدين أعظم من تأثير أهل الصفّة. وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن إضاعته (١)، وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء، وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه اللَّه إلا ازداد بها درجة ورفعة (٢). وقد استعاذ رسول اللَّه ﷺ من الفقر وقرنه بالكفر، [فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" (٣)] (٤)، فإن الخير نوعان: خير الآخرة والكفر يضاده، وخَيرُ الدنيا والفقر يضاده، فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة. واللَّه سبحانه جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء، وأخذها وظيفة

стр. 549

الفقراء، وفرق بين اليدين شرعًا وقدرًا، وجعل يد المعطي أعلى من يد الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرّمها على أطيب خلقه وعلى آله؛ صيانة لهم وتشريفًا ورفعًا لأقدارهم (١). ونحن لا ننكر أن رسول اللَّه ﷺ كان فقيرًا ثم أغناه اللَّه، وفتح عليه وخوّله ووسّع عليه، وكان يدّخر لأهله قوت سنة (٢)، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يُعطي عطاء من لا يخاف الفقر (٣)، ومات عن فدك والنضير وأموال خصّه اللَّه بها (٤)، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]. فنزّهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغّ أخذ الصدقة، وعوّضه عما نزّهه عنه (٥) بأشرف المال وأحلّه وأفضله، وهو ما أخذه بظلّ رمحه وقائم

стр. 550

سيفه من أعداء اللَّه (١) الذين كان مال (٢) اللَّه بأيديهم ظلمًا وعدوانًا، فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته، [وهو بأيدي الكفار والفجار ظلمًا وعدوانًا، فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته] (٣) فاء إليهم ما خلق لهم، ولكن لم يكن غنى رسول اللَّه ﷺ وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم؛ فإن غناهم بالشيء، وغناه ﷺ عن الشيء، وهو الغِنَى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم، وهو ﷺ إنما يتصرف في ملكه بالأمر تصرّف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيّده. وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكًا للنبي ﷺ ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد (٤). والتحقيق: أن ملكه له كان نوعًا آخر من الملك، وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال ﷺ : "واللَّه لا أُعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت" (٥). وذلك من كمال مرتبة عبوديته، [ولأجل ذلك لم يورّث؛ فإنه عبد

стр. 551

محض من كل وجه لربه ، والعبد] (١) لا مال له فيُورث عنه فجمع اللَّه له سبحانه بين أعلى أنواع الغنى وأشرف أنواع الفقر، فكمّل له مراتب الكمال، فليست إحدى الطائفتين بأحق به من الأخرى، فكان في فقره أصبر خلق اللَّه وأشكرهم له، وكذلك كان في غناه. واللَّه تعالى جعله قدوة للأغنياء والفقراء، وأي غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض (٢)، وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهبًا (٣)، وخيّر بين أن يكون ملكًا نبيّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا (٤)، ومع هذا فجُبيت إليه أموال جزيرة العرب واليمن، فأنفقها كلّها ولم يستأثر منها بشيء، بل تحمّل عيال المسلمين

стр. 552

ودَينهم، فقال: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإليّ وعليّ" (١). فرفع اللَّه سبحانه قدره أن يكون من جملة الفقراء الذين تحلّ لهم الصدقة، كما نزهه أن يكون من جملة الأغنياء الذين غناهم بالأموال الموروثة، بل أغناه به عن سواه، وأغنى قلبه كل الغنى، ووسّع عليه غاية السعة، فأنفق غاية الإنفاق، وأعطى أجل العطايا، وما استأثر بالمال، ولا اتخذ منه عقارًا ولا أرضًا ولا ترك شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة ولا دينارًا ولا درهمًا. فإذا احتجّ الغني الشاكر بحاله ﷺ لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يفعل فعله، كما أن الفقير الصابر إذا احتج بحاله لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يصبر صبره ويترك الدنيا اختيارًا لا اضطرارًا، فرسول اللَّه ﷺ وفى كل مرتبة من مرتبتي الفقر والغنى حقَّها وعبوديتها، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه أغنى به الفقراء فما نالت أمّته الغنى إلا به، وأغنى الناس من صار به غيره غنيًّا. قال عليّ بن رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص جالس معه، فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة اللَّه وكرامته، لعلم أن ابن أخيه سيّد قد جاء بخير. فقال

стр. 553

عبد اللَّه بن عمرو: ويومئذ كان سيدًا كريمًا قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٦ - ٨] فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيمًا من أبويه، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القفة (١). يقول: إن العرب كلها كانت مقلّة حتى فتح اللَّه عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، ثم توفاه اللَّه قبل أن يتلبّس منها بشيء، ومضى وتركها، وحذر منها ومن فتنتها قال: فذلك معنى قوله: ﴿عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾. وأما قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ (٢) رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها لأمته وهو يُحذر منها، وتعرض عليه فيأباها، وإنما هو ما يعطيه من الثواب، وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر، ودخول الناس في الإسلام، وظهور الدين إذ كان ذلك محبته ورضاه صلوات اللَّه وسلامه عليه. وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن علي بن عبد اللَّه بن عباس [عن أبيه] (٣) عن النبي ﷺ قال: "رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرًا كفرًا، فسرّني ذلك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ١ - ٥] " قال: "أُعطي

стр. 554

ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له" (١). قالوا: وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقفل منها، فالزهد فيها لا ينافي الغنى، بل زهد الغنيّ أكمل من زهد الفقير، فإن الغنى زَهِد عن قدرة، والفقير عن عجز، وبينهما بون بعيد، ولهذا قال بعض السلف وقد سمّى له جماعة من الزهاد، فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي جاءت الدنيا إلى تحت قدميه فزهد فيها (٢). وقد كان رسول اللَّه ﷺ في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال، وهو أزهد الناس في الدنيا. وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "الزهادة ليست في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي اللَّه، وأن تكون في ثواب المصيبة -إذا أنت أُصبت بها- أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك" (٣).

стр. 555

وسُئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا (١)؟. قال: نعم، بشرط أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت (٢). وقال بعض السلف: الزاهد من لا يغلب الحلالُ شكرَه، ولا الحرام صبره (٣). وهذا من أحسن الحدود، فإن الزهد حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لم يتصف بهما، فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام، فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب الحلال شكره والحرام صبره، فكان شكره وصبره مغلوبين، فإن هذا ليس بزاهد. وسمعت شيخ الإسلام يقول: الزهد تركك ما لا ينفعك، والورع تركك ما قد يضرّك (٤). فالزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد منها، ويقابله الشحّ

стр. 556

والحرص، وهو ثلاثة أقسام: زهد في الحرام، وزهد في الشبهات والمكروه، وزهد في الفضلات. فالأول: فرض. والثالث: فضل. والثاني: متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة، فإن قويت التحق بالأول وإلا فبالثالث. وقد يكون الثالث واجبًا بمعنى: أنه لا بدّ منه، وذلك لمن شمّر إلى اللَّه والدار الآخرة، فزهده في الفضلة يكون ضرورة، فإن إرادة الدنيا قادحة في إرادة اللَّه والدار الآخرة. ولا يصح للعبد مقام الإرادة حتى يفرد طلبه ومطلوبه، فلا يتقسّم المطلوب ولا الطلب. أما توحيد المطلوب: فأن لا يتعلّق طلبه وإرادته بغير اللَّه، وما يقرّب إليه ويدني منه. وأما توحيد الطلب: فأن يستأصل الطلب والإرادة نوازع الشهوات وجواذب الهوى، وتسكن الإرادة في أقطار النفس فتملأها، فلا يدع فيها فضلًا لغير الانجذاب إلى جناب الحق ﷻ ، فتمحض الإرادة له، ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة، فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ما هو بصدده وقطع مواد طمعه التي هي من أفسد شيء للقلب، بل أصل المعاصي والفساد والفجور كله من الطمع. فالزهد يقطع موادّه، ويفرغ البال، ويجلي القلب، ويستحث الجوارح، ويذهب الوحشة التي بين العبد وبين ربه، ويجلب الأنس به،

стр. 557

ويقوي الرغبة في ثوابه إن ضعف عن الرغبة في قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته. فالزاهد أروح الناس بدنًا وقلبًا، فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قوة له في إرادة اللَّه والدار الآخرة -بحيث فرغّ قلبه للَّه، وجعل حرصه على التقرّب إليه، وشحّه على وقته أن يضيع منه شيء في غير ما هو أرضى للَّه وأحب إليه- كان من أنعم الناس عيشًا، وأقرّهم عينًا، وأطيبهم نفسًا، وأفرحهم قلبًا، فإن الرغبة في الدنيا تشتّت القلب وتبدّد الشمل، وتطيل الهم والغمّ والحزن، فهي عذاب حاضر يؤدي إلى عذاب منتظر أشد منه، وتفوّت على العبد من النعم أضعاف ما يروم تحصيله بالرغبة في الدنيا. قال الإمام أحمد: حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد يعني ابن مسلم عن إبراهيم يعني ابن ميسرة عن طاوس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، وإن الرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن" (١). وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين: أحدهما: الرغبة في الدنيا والحرص عليها. الثاني: التقصير في أعمال البر والطاعة. قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني بيان بن الحكم حدثنا محمد بن حاتم عن بشر بن الحارث قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن ليث عن الحكم (٢)

стр. 558

قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قصّر العبد في العمل، ابتلاه اللَّه بالهمّ" (١). وكما أن الرغبة في الدنيا أصل المعاصي الظاهرة، فهي أصل معاصي القلب؟ من السخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر، وهذا كله من امتلاء القلب بها لا من كونها في اليد، وامتلاء القلب بها ينافي الشكر، ورأس الشكر تفريغ القلب منها، وباللَّه التوفيق. وامتداد المال كامتداد العمر والجاه، فخير الناس من طال عمره وحسن عمله (٢)، فهكذا من امتدّ ماله وكثر خيره، فنعم المرء وماله وجاهه: إما أن يرفعه درجات، وإما أن يضعه درجات. وسرّ المسألة: أن طريق الفقر والتقلل طريق سلامة مع الصبر، وطريق الغنى والسعة في الغالب طريق عطب، فإن اتقى اللَّه في ماله ووصل منه رحِمَه، وأخرج منه حقّ اللَّه، وليس مقصورًا على الزكاة بل من حقّه إشباع الجائع، وكسوة العاري، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج والمضطر، فطريقه طريق غنيمة وهي فوق السلامة. فَمَثلُ صاحب الفقر كمثل مريض قد حُبس بمرضه عن أغراضه، فهو يثاب على حسن صبره على حبسه، وأما الغني فخطره عظيم في كسبه

стр. 559

وجمعه وصرفه، فإذا سلم كسبه وحسن، وأخذه من وجهه وصرفه في حقّه، كان أنفع له. فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس، والغنيّ المنفق في وجوه الخير كالمفتي والمعلم والمجاهد؛ ولهذا جعله النبي ﷺ قرين الذي آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، فهو أحد المحسودين الذين لا ثالث لهما (١)، والجهلة يغبطون المنقطع المتخلي المقصور النفع على نفسه، ويجعلونه أولى بالحسد من الغنى المنفق والعالم المعلم. فإن قيل: فأيهما أفضل: من يختار الغنى للتصدق والإنفاق في وجوه البرّ، أم من يختار الفقر والتقفل ليبعد من الفتنة ويسلم من الآفة، ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا؟ أم من لا يختار لا هذا ولا هذا بل يختار ما يختار اللَّه له فلا يُعنى باختياره واحدًا من الأمرين؟ قيل: هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح: فمنهم من اختار المال للجهاد به والإنفاق، وصرفه في وجوه البرّ، كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابة، وكان قيس ابن سعد يقول: "اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى" (٢). ومنهم من اختار الفقر والتقلّل كأبي ذرّ وجماعة من الصحابة معه،

стр. 560

وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا، وخشوا الفتنة بها، وأولئك نظروا إلى مصالح الإنفاق وثمراته العاجلة والآجلة. والفرقة الثالثة لم تختر شيئًا، بل كان اختيارها ما اختاره اللَّه لها. وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لإقامة دين اللَّه وعبادته: فطائفة اختارته وتمنّته. وطائفة أحبت الموت ولقاء اللَّه، والراحة من الدنيا، وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا هذا، بل اختارت ما اختاره اللَّه لها، وكان اختيارهم معلقًا بما يريده اللَّه دون مراد معين منهم، وهي حال الصديق ﵁ فإنهم قالوا له في مرض موته: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: "قد رآني"، قالوا: فما قال لك؟ قال: "قال: إني فعال لما أريد" (١). والأولى: حال موسى صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه، ففقأ عينه (٢)، ولم يكن ذلك حبًّا منه للدنيا والعيش فيها، ولكن لينفّذ أوامر ربّه، ويقيم دينه، ويجاهد أعداءه، فكأنه قال لملك الموت: أنت عبد مأمور، وأنا عبد مأمور، وأنا في تنفيذ أوامر ربّي وإقامة دينه، فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها، اختار ما اختار اللَّه له.

стр. 561

وأما نبيُّنا صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإن ربّه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق باللَّه، فعلم أن ربه ﵎ يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء اللَّه، ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك، فكان اختياره تابعًا لاختيار ربّه، كما أنه لما خيّره ربه بين أن (١) يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا (٢) وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا، اختار ما اختاره اللَّه له، فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار اللَّه له. ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الشروط (٣)، ووفّى هذا المقام حقّه. ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصّديق، فلم يكن له اختيار في سوى ما اختار اللَّه له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيًا بها مختارًا لها شاهدًا اختيار ربه لها، وهذا غاية العبودية، فشكر اللَّه له ذلك، وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به، وقالوا: هنيئًا لك يا رسول اللَّه (٤)، وحُقَّ له أن يُهَنّأ بأعظم ما هنّئ به بشر صلوات اللَّه وسلامه عليه.

стр. 562

فصل ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل فقد أحل اللَّه سبحانه رسوله في أعلاها، وخصه بذروة سنامها، فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة -التي تفرقت تلك الخصال وتقاسمتها- على فضلها على غيرها، أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضًا. فإذا احتجّ به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتجّ به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك. وإذا احتجّ به الزهاد والمتخلّون عن الدنيا على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين اللَّه، وتنفيذ أمره. وإذا احتج به الفقير الصابر، احتج به الغنى الشاكر. وإذا احتج به العبّاد على فضل نوافل العبادة وترجيحها، احتجّ به العارفون على فضل المعرفة. وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم. وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخُلُق الحسن والمزح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب. وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب، احتج به أصحاب المداراة والحياء والتكرم أن يبادروا (١)

стр. 563

الرجل بما يكرهه في وجهه. وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود، احتج به الميسرون والمسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها. وإذا احتج به من [صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه، احتج به من] (١) راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه، فإنه بعث بصلاح الدنيا والدين. وإذا احتجّ به (٢) من لم يعلّق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها، احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها. وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع، احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع. وإذا احتج به من أخذ بالعفو والصّفح والاحتمال، احتج به من انتقم في موضع الانتقام. وإذا احتج به من أعطى للَّه ووالى للَّه، احتج به من منع للَّه وعادى للَّه. وإذا احتج به من لم يدّخر شيئًا لغد، احتج به من يدّخرُ لأهله قوت سنة. وإذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والأدم كخبز الشعير والخلّ، احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشواء والحلواء والفاكهة والبطيخ ونحوه.

стр. 564

وإن احتج به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم (١). وإن احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطيب. وإن احتج به من لان جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أدبهن وآلمهن وطلّقهن وهجرهن وخيّرهن. وإن احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر واستأجر، وباع واشترى، واستسلف، وأدان، ورهن. وإن احتج به من يجنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به مباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء، ومن يقبّل امرأته وهو صائم. وإن احتج به من رحم أهل المعاصي بالعذر (٢)، احتج به من أقام عليهم حدود اللَّه، فقطع السارق، ورجم الزاني، وجلد الشارب. وإن احتج به أرباب الحكم بالظاهر، احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة، فإنه حبس في تهمة، وعاقب في تهمة، وأخبر عن (٣) نبي اللَّه سليمان ﵇ أنه حكم بالولد للمرأة بالقرينة

стр. 565

الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به (١)، فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلانه بالقرينة. وترجم أبو عبد الرحمن (٢) على هذا الحديث ترجمتين: إحداهما: قال: التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أَفْعَل ليستبين به الحق (٣). ثم قال: الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به (٤). وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده: فقال على للمرأة التي حملت (٥) كتاب حاطب: "لتلقين (٦) الكتاب أو لأجرّدنك" (٧). وحد عمر بن الخطاب في الزنى بالحبل (٨)، وفي الخمر
следующие страницы →