← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وكان بعض السلف يقول لأصحابه: "انطلقوا حتى أريكم الدنيا. فيذهب بهم إلى مزبلة، فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم" (١). فصل المثال الثالث لها ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة، وما يعقبهم من الحسرات. مثَلُ أهلها في غفلتهم مَثَلُ قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاّح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم الإبطاء وخوّفهم مرور السفينة، فتفرّقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده.

стр. 492

وتوقف بعضهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها (١) العجيبة، ويسمع نغمات طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدّثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها، فرجع فلم يصادف إلا مكانًا ضيقًا فجلس فيه. وأكبّ بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة فحمل منها حِمْلَه، فلما جاء لم يجد في السفينة إلا مكانًا ضيّقًا، وزاده ما حَمَلَه ضيقًا، فصار محموله ثقلًا عليه ووبالًا، ولم يقدر على نبذه، بل لم يجد من حمله بدًّا ولم يجد له في السفينة موضعًا، فحمله على عنقه وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار وتغيّرت رائحتها وآذاه نتنها. وتولّج بعضهم في تلك الغياض (٢) ونسي السفينة وأبعد في نزهته، حتى إن الملّاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشمّ تلك الأنوار، وتارة يُعجب من حسن الأشجار، وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه، غير منفك من شوك يتشبّث بثيابه ويدخل في قدميه، أو غصن يجرح بدنه، أو عوسج (٣) يخرق ثيابه ويهتك عورته، أو صوت هائل يفزعه. ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبقَ فيها موضع فمات على الساحل، ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيّات، ومنهم

стр. 493

من تاه فهام على وجهه حتى هلك. فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم، وما أقبح بالعاقل أن تغرّه أحجار ونبات يصير هشيمًا قد شغل باله وعوّقه عن نجاته ولم يصحبه. فصل المثال الرابع لاغترار الناس بالدنيا وضعف إيمانهم بالآخرة. قال ابن أبي الدنيا: أنبأنا إسحاق بن إسماعيل أنبأنا روح بن عبادة حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: بلغني أن رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه: "إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا، كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء (١)، حتى إذا لم (٢) يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي، أنفدوا الزّاد وحَسَروا الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حَمُولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء علامَ أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتكم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر، ما تجعلون لي؟ قالوا: لا نعصيك شيئًا. قال: عهودكم ومواثيقكم باللَّه، قال: فأعطوه عهودهم ومواثيقهم باللَّه لا يعصونه شيئًا، قال: فأوردهم ماء ورياضًا

стр. 494

خضراء، قال: فمكث فيهم ما شاء اللَّه، ثم قال: يا هؤلاء الرحيل. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم. قال: فقال جُلُّ القوم وهم أكثرهم: واللَّه ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا؟! قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم باللَّه لا تعصونه شيئًا، وقد صدقكم في أول حديثه، فواللَّه ليصدقنكم في آخره، قال: فراح فيمن اتبعه، وتخلف بقيتهم، فبَدَرهم عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل" (١). فصل المثال الخامس للدنيا وأهلها. ما مثلها به النبي ﷺ كظل شجرة، والمرء مسافر فيها إلى اللَّه، فاستظلّ في ظلّ تلك الشجرة في يوم صائف ثم راح وتركها (٢). فتأمل حسن هذا المثل ومطابقته للواقع سواء، فإنها في خضرتها كالشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئًا فشيئًا كالظلّ، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها دارًا ولا يتخذها قرارًا، بل يستظلّ بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق.

стр. 495

فصل المثال السادس: تمثيله لها ﷺ بمدخل إصبعه في اليمّ (١)، فالذي يرجع به إصبعه من البحر، هو مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة. وهذا أيضًا من أحسن الأمثال؛ فإن الدنيا منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي، والآخرة أبدية لا انقطاع لها، ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور، بل لو فرض أن السماوات والأرض مملوءتان خردلًا، وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة فني الخردل، والآخرة لا تفنى، فنسبة الدنيا إلى الآخرة في التمثيل كنسبة خردلة واحدة إلى ذلك الخردل. ولهذا لو أن البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام اللَّه، لنفدت الأبحر والأقلام ولم تنفد كلمات اللَّه؛ لأنها لا بداية لها ولا نهاية، والأبحر والأقلام متناهية (٢). قال الإمام أحمد وغيره: "لم يزل اللَّه متكلمًا إذا شاء" (٣). وكماله المقدس مقتض لكلامه، وكماله من لوازم ذاته فلا يكون إلا كاملًا، والمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وهو سبحانه لا يلحقه كلال ولا تعب ولا سآمة من الكلام، وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته، فكلماته هي التي وُجد بها خلقه وأمره، وذلك حقيقة ملكه وربوبيته

стр. 496

وإلهيته، وهو لا يكون إلا ملِكًا ربًّا لا إله إلا هو. والمقصود: أن الدنيا نفس من أنفاس الآخرة، وساعة (١) ساعاتها. فصل المثال السابع: ما مثّلها به ﷺ في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري قال: قام رسول اللَّه ﷺ فخطب الناس فقال: "لا واللَّه ما أخشى عليكم إلا ما يُخرج اللَّه لكم من زهرة الدنيا" فقال رجل: يا رسول اللَّه أَوَ يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "كيف قلت؟ " قال: يا رسول اللَّه أو يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول اللَّه ﷺ "إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما يُنبتُ الربيع ما يقتل حبطًا أو يلمّ، إلا اكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت (٢) وبالت، ثم اجترّت (٣) فعادت فأكلت، فمن أخذ مالًا بحقه يُبارك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع" (٤). فأخبر ﷺ أنه إنما يخاف عليهم الدنيا، وسمّاها زهرة تشبيهًا لها

стр. 497

بالزهر في طيب رائحته وحسن منظره وقلة مقامه، وأن وراءه ثمر خير (١) منه وأبقى. وقوله: "إن مما ينبت (٢) الربيع ما يقتل حبطًا أو يلمّ" هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والشّرَهِ (٣) فيها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع، فتأكل منه بأعينها، فربما هلكت حبطًا. و"الحَبَط" انتفاخ بطن الدّابة من الامتلاء أو من المرض، يُقال: حبط الرجل والدابة تحبط حبطًا إذا أصابه ذلك. ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك في سفر فمات حبطًا؛ فنسب إليه الحَبَطي؛ كما يقال: السلمي. فكذلك الشّرِه في المال يقتله شرهه وحرصه، فإن لم يقتله قارب أن يقتله، وهو قوله: "أو يلم". وكثير من أرباب الأموال إنما قتلتهم (٤) أموالهم، فإنهم شرهوا في جمعها، واحتاج إليها غيرُهم فلم يصلوا إليها إلا بقتلهم، أو ما يقاربه من إذلالهم وقهرهم. وقوله: "إلا آكلة الخضر" هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته، مثّله بالشاة الآكلة من الخضر بمقدار حاجتها، أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها، وفي لفظ آخر: "امتدت خاصرتاها"، وإنما تمتد من امتلائها

стр. 498

من الطعام، وثّنى الخاصرتين؛ لأنهما جانبا البطن. وفي قوله: "استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت" ثلاث فوائد: إحداها: أنها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبلة الشمس لتستمرئ بذلك ما أكلته. الثانية: أنها أعرضت عما يضرّها من الشّره في المرعى، وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها إنضاج ما أكلته وإخراجه. الثالثة: أنها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى في بطنها (١)، فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها، فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت هذه الشاة. وأول الحديث مثلٌ للشّرهِ في جمع الدنيا (٢) الحريص على تحصيلها، فمثاله: مثال الدّابة التي حملها شره الأكل على أن قتلها حبطًا أو ألمّ بقتلها، فإن الشّرِه الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك، فإن الربيع ينبت أنواع البقول والعشب، فتستكثر منه الدّابة حتى ينتفخ بطنها لما جازت (٣) حدّ الاحتمال؛ فتنشقّ أمعاؤها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلّها ويحبسها أو يصرفها في غير حقّها. وآخر الحديث مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذي تنتفع الدابة بأكله، ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله، بل أكلت

стр. 499

بقدر حاجتها، وهكذا هذا أخذ ما يحتاج إليه ثم أقبل على ما ينفعه. وضرب بول الدابة وثلطها مثلًا لإخراجه المال في حقه، حيث يكون حبسه وإمساكه مضرًّا له فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر الحاجة منه، ونجا من وبال إمساكه بإخراجه، كما نجت الدابة من الهلاك بالبول والثلط. وفي هذا الحديث إشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل بكثرته، والإعراض عنه وتركه بالكلية، فتهلك جوعًا. وتضمن الخبر أيضًا إرشاد المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوّته وصحته في بدنه وقلبه، وهو الإخراج منه وإنفاقه، ولا يحبسه فيضرّه حبسه، وباللَّه التوفيق. فصل المثال الثامن: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن العاص: "الدنيا خضرة حلوة، فمن اتقى اللَّه فيها وأصلح، وإلا فهو كالآكل ولا يشبع، وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين: أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب" (١). فنبّه بخضرتها على استحسان العيون لها، وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها، وبتلك الخضرة والحلاوة زيّنت لأهلها، وحُبّبت إليهم، لا

стр. 500

سيّما وهم مخلوقون منها وفيها، كما قيل: ونحن بنو الدنيا ومنها نباتُنا … وما أنت منه فهو شيء محبّب (١) وجعل الناس فيها قسمين: أحدهما: مصلح متقي، فهذا تقواه وإصلاحه لا يدعانه ينهمك عليها، ويشره فيها، ويأخذها من غير حلّها، ويضعها في غير حقّها. فإن لم يتقِ ويصلح صرف نهمته وقواه وحرصه إلى تحصيلها، فكان كالذي يأكل ولا يشبع. وهذا من أحسن الأمثلة، فإن المقصود من الأكل حفظ الصحة والقوّة وذلك تابع لقدر الحاجة، وليس المقصود منه ذاته ونفسه، فمن جعله نهمته فوّتَ مقصوده ولم يشبع. ولهذا قال الإمام أحمد: "الدنيا قليلها يجزي، وكثيرها لا يجزي" (٢). وأخبر عن تفاوت الناس في المنزلتين: أعني منزلة التقوى والإصلاح، ومنزلة الأكل والشره، وأن بين الرجلين في ذلك كما بين الكوكبين الغارب في الأفق والطالع منه، وبين ذلك منازل متفاوتة. فصل المثال التاسع: ما تقدم من حديث المستورد بن شداد قال: كنت

стр. 501

مع الركب الذين وقفوا مع رسول اللَّه ﷺ على السخلة الميتة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها؟ " فقالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول اللَّه، قال: "فالدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). فلم يقتصر ﷺ على تمثيلها بالسخلة الميتة بل جعلها أهون على اللَّه منها. وفي "مسند الإمام أحمد" في هذا الحديث: "فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها" (٢)؛ فأكّد ذلك بالقسم الصادق، فإذا كان مثلها عند اللَّه أهون وأحقر من سخلة ميتة على أهلها، فمحبها وعاشقها أهون على اللَّه من تلك السخلة. وكونها سخلة أهون عليهم من كونها شاة كبيرة؛ لأن تلك ربما انتفعوا بصوفها أو دبغوا جلدها، وأما ولد شاة صغير ميت ففي غاية الهوان، فاللَّه المستعان. فصل المثال العاشر: مثلها مثل البحر الذي لا بدّ للخلق كلهم من ركوبه، ليقطعوه إلى الساحل الذي فيه دورهم وأوطانهم ومستقرّهم، ولا يمكن قطعه إلا في سفينة النجاة، فأرسل اللَّه رسله تعرّف الأمم اتخاذ سفن النجاة، وتأمرهم بعملها وركوبها، وهي: طاعته، وطاعة رسله، وعبادته وحده، وإخلاص العمل له، والتشمير للآخرة وإرادتها والسعي لها سعيها، فنهض الموفقون وركبوا السفينة ورغبوا عن خوض البحر لما

стр. 502

علموا أنه لا يقطع خوضًا ولا سباحة. وأما الحمقى فاستصعبوا عمل السفينة وآلاتها والركوب فيها، وقالوا: نخوض البحر فإذا عجزنا قطعناه سباحة. وهم أكثر أهل الدنيا فخاضوه، فلما عجزوا عن الخوض أخذوا في السباحة حتى أدركهم الغرق، ونجا أصحاب السفينة كما نجوا مع نوح وغرق أهل الأرض. فتأمل هذا المثل، وحال أهل الدنيا يتبين لك مطابقته للواقع، وقد ضُرب هذا المثل للدنيا والَاخرة والقدر والأمر؛ فإن القدر بحر، والأمر فيه سفينة لا ينجو إلا من ركبها. فصل المثال الحادي عشر: مثالها مثل إناء مملوء عسلًا رأته الذباب، فأقبلت نحوه، فبعضها قعد على حافة الإناء، وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار، وبعضها حمله الشره على أن رمى بنفسه في لجة الإناء ووسطه فلم يدعه انغماسه فيه أن يتهنأ به إلا قليلًا حتى هلك في وسطه. فصل المثال الثاني عشر: مثال حَبٍّ قد نثر على وجه الأرض، وجعلت كل حبة في فخ، وجعل حوالي ذلك الحب حبٌّ ليس في فخاخ، فجاءت الطير، فمنها من قنع بالجوانب [ولم يرم نفسه في وسط الحبّ] (١) فأخذ حاجته ومضى، ومنها من حمله الشره على اقتحام معظم الحبّ ووسطه،

стр. 503

فما استتم اللقاط إلا وهو يصيح من أخذة الفخ له. فصل المثال الثالث عشر: رجلٌ أوقد نارًا عظيمة فجعلت الفراش والجنادب (١) يرون ضوءها فيقصدونها ويتهافتون فيها، ومن له علم بحالها جعل يستضيء ويستدفئ بها من بعيد. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المثل بعينه في الحديث الذي (٢) رواه مالك بن إسماعيل عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني ممسك بحجزكم عن النار، وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، ويوشك أن أرسل بحجزكم" (٣). وفي لفظ آخر: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعلت الجنادب والفراش يتقاحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبوني وتتقاحمون فيها" (٤).

стр. 504

وهذا المثال منطبق على أهل الدنيا المنهمكين فيها، فالرسل تدعوهم إلى الآخرة، وهم يتقاحمون في الدنيا تقاحم الفراش. فصل المثال الرابع عشر: مثل قوم خرجوا في سفر بأموالهم وأهلهم، فمرّوا بواد معشب كثير المياه والفواكه، فنزلوا به وضربوا خيامهم وبنوا هنالك الدّور والقصور، فمرّ بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته، فقال: إني رأيت بعينيّ هاتين الجيش خلف هذا الوادي وهم قاصدوكم، فاتبعوني أسلك بكم في غير (١) طريق العدو تنجوا منه، فأطاعته طائفة قليلة، فصاح فيهم: يا قوم النجاء النجاء، أُتيتم أُتيتم، وصاح السامعون له بأهليهم وأولادهم وعشائرهم فقالوا: كيف نرحل من هذا الوادي وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا وقد استوطناه؟ فقال لهم الناصح: لينجُ كل واحد منكم بنفسه وبما خفّ عليه من متاعه، وإلا فهو مأخوذ وماله مجتاح. فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرفاهية والدعة، وقال كل أحمق: لي أسوة بالقاعدين فهم أكثر مني مالًا وأهلًا فما أصابهم أصابني معهم، ونهض الأقلون مع الناصح ففازوا بالنجاة، وصبّح الجيش أهل الوادي فقتلهم واجتاح أموالهم. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المثل بعينه في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ : "إنما مثلي ومثل

стр. 505

ما بعثني اللَّه به، كرجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش فاهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئتُ به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئتُ به من الحق" (١). فصل المثال الخامس عشر رجل هيّأ دارًا وزيّنها، ووضع فيها من جميع الآلات، ودعا الناس إليها، فكلّما دخل داخل أجلسه على فراش وطيء، وقدّم إليه طبقًا من ذهب عليه لحم، ووضع بين يديه أواني مفتخرة فيها من كل ما يحتاج إليه، وأخدمه عبيده ومماليكه. فعرف العاقل أن ذلك كله متاع صاحب الدار وملكه وعبيده، فاستمتع بتلك الآلات والضيافة مدّة مقامه في الدار، ولم يعلق قلبه بها (٢)، ولا حدّث نفسه بتملكها، بل اعتمد مع صاحب الدار ما يعتمده الضيف فيجلس حيث أجلسه، ويأكل ما قدمه له، ولا يسأل عما وراء ذلك، اكتفاء منه بعلم صاحب الدار وكرمه، وما يفعله مع ضيوفه، فدخل الدار كريمًا، وتمتعّ فيها كريمًا، وفارقها كريمًا، وربُّ الدار غيرُ ذامٍّ له. وأما الأحمق، فحدّث نفسه بسكنى الدار، وحوز تلك الآلات إلى ملكه، وتصرفه فيها بحسب شهوته وإرادته، فتخيّر المجلس لنفسه،

стр. 506

وجعل ينقل تلك الآلات إلى مكامن في الدار يخبؤها فيها، وكلما قدم إليه ربها شيئًا أو آلة حدّث نفسه بملكه واختصاصه به عن سائر الأضياف، ورب الدار يشاهد ما يصنع، وكرمه يمنعه من إخراجه من داره، حتى إذا ظن أنه قد استبدّ بتلك الآلات وملك الدار وتصرّف فيها وفي آلاتها تَصَرُّف المالك الحقيقي، واستوطنها واتخذها دارًا له، أرسل إليه مالكُها عبيدَه فاخرجوه منها إخراجًا عنيفًا، وسلبوه كل ما هو فيه، ولم يصحبه من تلك الآلات شيء، وحصل على مقت رب الدار له وافتضاحه عنده وبين مماليكه وحشمه. فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل، فإنه مطابق للحقيقة، واللَّه المستعان. قال عبد اللَّه بن مسعود: "كل أحد في هذه الدنيا ضيف، وماله عارية، فالضيف مرتحل، والعارية مؤدّاة" (١). وفي "الصحيحين" عن أنس بن مالك قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابني حتى أكون أنا أحدثه، فجاء (فقرّبت إليه) (٢) عشاء، فأكل وشرب. قال: ثم تصنّعت له أحسن ما كانت تصنّع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة: أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألَهم أن يمنعوه؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، فقال: تركتيني حتى تلطّخت ثم أخبرتيني بابني!! فانطلق حتى

стр. 507

أتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بارك اللَّه لكما في غابر ليلتكما" وذكر الحديث (١). فصل المثال السادس عشر: قوم سلكوا مفازة، فاصابهم العطش، فانتهوا إلى البحر وماؤه أمرّ شيء وأملحه، فلشدّة عطشهم لم يجدوا طعم مرارته وملوحته، فشربوا منه فلم يرووا، وجعلوا كلما ازدادوا شربًا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت أعناقهم وماتوا عطشًا. وعلم عقلاؤهم أنه مُرٌّ مالح، وأنه كلما ازداد الشارب منه زاد ظمؤه، فتباعدوا مسافة حتى وجدوا أرضًا حلوة، فحفروا فيها قليبًا، فنبع لهم ماء عذب فرات، فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة البحر: هلمّوا إلى الماء الفرات. وكان منهم المستهزئ، ومنهم المعرض الراضي بما هو فيه، وكان المجيب واحدًا بعد واحد. وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح، فقال: "مثل طالب الدنيا كمثل شارب البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله" (٢). فصل المثال السابع عشر: مثل الإنسان فيها ومثل ماله وعمله وعشيرته، مثل رجل له ثلاثة (٣) إخوة، فقُضي له سفر بعيد طويل لا بدّ له منه، فدعا

стр. 508

إخوته الثلاثة، وقال: قد حضر ما ترون من هذا السفر، وأحوج ما كنت إليكم الآن. فقال أحدهم: أنا كنت أخاك إلى هذه الحال، ومن الآن فلستُ لك بأخ ولا صاحب، وما عندي غير هذا. فقال له: لم تغنِ عنّي شيئًا. فقال للآخر: ما عندك؟ فقال: كنت أخاك وصاحبك إلى الآن، وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك وتركب راحلتك، ومن هناك لستُ لك بصاحب. فقال له: أنا محتاج إلى مرافقتك في مسيري. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك. فقال: لم تغنِ عني شيئًا. فقال للثالث: ما عندك أنت؟ فقال: كنت صاحبك في صحّتك ومرضك، وأنا صاحبك الآن، وصاحبك إذا ركبت، وصاحبك في مسيرك، فإن سرت سرت معك، وإن نزلت نزلت معك، وإذا وصلتَ إلى بلدك كنتُ صاحبك فيها لا أفارقك أبدًا. فقال: إن كنتَ لأهون الأصحاب علي، وكنتُ أوثر عليك صاحبيك، فليتني عرفت حقك، وآثرتك عليهما. فالأول: ماله. والثاني: أقاربه وعشيرته. والثالث: عمله. وقد روي في هذا المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت، رواه أبو جعفر العقيلي في كتاب "الضعفاء" من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعًا (١)، وهو مثل صحيح

стр. 509

في نفسه مطابق للواقع. فصل المثال الثامن عشر، وهو من أحسن الأمثلة: ملكٌ بنى دارًا لم يرَ الراؤون ولم يسمع السامعون أحسن منها ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذّ النفوس، ونصب إليها طريقًا، وبعث داعيًا يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زُيّنت بأنواع الزينة، وأُلبست أنواع الحليّ والحلل، وممرُّ الناسِ كلهم عليها، وجعل لها أعوانًا وخدمًا، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادًا للمارّين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غضّ طرفه عنك، ولم يشتغل بك عنّي، وابتغى منك زادًا يوصله إلى؛ فاخدميه وزوّديه، ولا تعوّقيه عن سفره إليّ، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره. ومن مدّ إليكِ عينيه، ورضي بك وآثرك عليّ، وطلب وصالك، فسوميه سوء العذاب، وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، وما نال منك فاخدعيه به قليلًا ثم استرديه منه واسلبيه إياه كلّه، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك

стр. 510

وتعظيمك وإكرامك، فقابليه بأمثاله قلًى وإهانة وهجرًا حتى تتقطَّع نفسُه عليكِ حسرات. فتأمل هذا المثل، وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة، واللَّه المستعان. وهذا المثل مأخوذ من الأثر المرويّ عن اللَّه : "يا دنيا اخدمي من خدمني، واستخدمي من خدمك" (١). فصل المثال التاسع عشر: ملك اختط مدينة في أصح المواضع وأحسنها هواء، وأكثرَ مياهَها (٢) وشقَّ أنهارَها وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها، فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة، وأخذوا منازلهم، وتبوأوا مساكنهم، وبقي مع أصحاب الحسرات. ونصب لهم ميدان السباق، وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظلٌّ مديد وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من أنواع الفواكه وعليها الطيور العجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها، فعن قليل تُجْتثّ من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع ثمرها، وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك؛ فأُكُلها دائم، وظلها مديد، ونعيمها سرمد، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن

стр. 511

سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فسمع الناس بها فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا في طريقهم بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحرٍّ وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها، واستظلوا بظلّها، وذاقوا حلاوة ثمرها، وسمعوا نغمات أطيارها، فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، وتضمّروا مراكبكم للسباق، فتهيأوا للركوب وكونوا على أهبة، فإذا صاح النفير ابتدرتم حلبة السباق. فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظلّ الظليل، والماء السلسبيل، والفاكهة النضيجة، والدعة والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحرّ والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي تتقطع فيها الأعناق؟! وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة (١) إلى الأجل البعيد؟! ونترك ما نراه لما لا نراه، وذرّة منقودة في اليد أولى من درّة موعودة بعد غد، خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به (٢)، ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب (٣) في بلد بعيد لا ندري متى نصل إليه؟! ونهض من كل ألف واحد فقالوا: واللَّه ما مقامنا في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها، وانقطاع ثمرها، وموت طيورها، وترك المسابقة

стр. 512

إلى الظلّ الظليل الذي [لا يزول، والعيش الهنيء الذي] (١) لا ينقطع إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحرّ والبرد؟! وهل هذا إلا أسفه السفه؟! السباق السباق والبدار البدار. حكم المنيّة في البرية جاري … ما هذه الدنيا بدار قرارِ قضوا مآربكم سراعًا إنّما … أعمارُكم سَفَرٌ من الأَسفارِ وتراكضوا خَيْلَ السّباقِ وبادروا … أن تُسْتَرَدَّ فإنَّهن عَواري ودعوا الإقامة تحت ظلٍّ زائلٍ … أنتم على سَفرٍ بهذي الدّارِ من يرجُ طِيبَ العَيْشِ فيها إنما … يبني الرّجاءَ على شَفيرٍ هارِ والعَيْشُ كُلُّ العَيْشِ بعد فِراقِها … في دارِ أَهْلِ السَّبْقِ أكْرَمِ دارِ (٢) فاقتحموا حلبة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، ساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم.

стр. 513

فواللَّه ما كان إلا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطعت ثمارها، ويبست فروعها، وانقطع شربها، فقلعها قيمها من أصلها، فأصبح أهلها في حرّ السموم يتقلّبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسّرون، ثم أحرقها قيّمها فصارت هي وما حولها نارًا تلظى، وأحاطت بمن تحتها فلم يستطع أحد الخروج منها، فقالوا: ما فعل الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللّذات، فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم، وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل: هذا جزاء المتخلفين، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]. فصل المثال العشرون: ما مثلّها به النبي ﷺ من الثوب الذي شُق، وبقي معلّقًا بخيط في آخره، فما بقاء ذلك الخيط (١)؟. قال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر حدثنا وهب بن بيان (٢) حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل هذه الدنيا مثل ثوب شقّ من أوله إلى آخره، فبقي معلّقًا بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع" (٣).

стр. 514

وإن أردت لهذا المثل زيادة إيضاح، فانظر إلى ما رواه أحمد في "مسنده" من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ العصر نهارًا، ثم قام فخطبنا، فلم يترك شيئًا من قيام الساعة إلا أَخبر به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قال: وجعل الناس يلتفتون إلى الشمس هل بقي منها شيء؟ فقال: "ألا إنه لم يبقَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" (١). وروى حفص بن غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ والشمس على أطراف السعف، فقال: "ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" (٢). [وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن سعد حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا موسى بن خلف عن قتادة عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ خطب عند مغربان الشمس فقال: "ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" (٣)] (٤).

стр. 515

فالدنيا كلها كيوم واحد، بُعث رسول اللَّه ﷺ في آخره قبل غروب شمسه بيسير. وقال جابر وأبو هريرة عنه: "بُعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى" (١). وكان بعض السلف يقول: تصبّروا فإنما هي أيام قلائل، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يُدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، وإنه قد نُعيت إليكم أنفسكم، والموت حبس لا بد منه، واللَّه بالمرصاد، وإنما تخرج هذه النفوس على آخر سورة الواقعة (٢). فصل المثال الحادي والعشرون: مثال الدنيا كحوض كبير مُلئ ماء،

стр. 516

وجعل موردًا للأنام والأنعام، فجعل الحوض ينقص على كثرة (١) الوارد حتى لم يبقَ منه إلا وَشَلٌ (٢) كدر في أسفله، قد بالت فيه الذواب، وخاضته الناس والأنعام، كما روى مسلم في "صحيحه" عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم، فقال في خطبته: "إن الدنيا قد آذنت بصُرم (٣)، وولّت حذّاء (٤)، ولم يبقَ منها إلا صبابة (٥) كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم" (٦). وقال عبد اللَّه بن مسعود: "إن اللَّه تعالى جعل الدنيا كلها قليلًا، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقي منها كالثَّغَب شرِبَ صفوه، وبقي كدره" (٧). الثغب: الغدير.

стр. 517

فصل المثال الثاني والعشرون: قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان، فكثرت فيها الأحداث والآفات، وطرقتها المحن، وأغارت عليها عساكر الجور والفساد، فبنى ملكهم مدينة في محل لا يطرقها آفة ولا عاهة، وعزم على تخريب المدينة الأولى، فأرسل إلى سكانها، فنودي فيهم بالرحيل بعد ثلاث، ولا يتخلف منهم أحد، وأمرهم أن ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما في تلك المدينة وأنفعه وأجفه من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة، وما خفّ حمله من المتاع، وعظم قدره، وصلح للملوك، وأرسل إليهم الأدلّاء وآلات (١) النقلة، ونهج لهم الطريق، ونصب لهم الأعلام، وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم في إثر بعض، فانقسموا فرقًا. فالأقلون علموا قصر مدّة مقامهم في تلك المدينة، وتيقنوا أنهم إن لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها وحمله إلى مدينة الملك، وإلا فاتهم ذلك فلم يقدروا عليه، فرأوا غبنًا أن يقطعوا تلك المدة في جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل، فسألوا عن خير ما في المدينة وأنفسه وأحبه إلى الملك وأنفعه في مدينته، فلما عرفوه لم يلتفتوا إلى ما دونه، ورأوا أن أحدهم إذا وافى بجوهرة عظيمة كانت أحب إلى الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوهما، فكان همّهم في تحصيل ما هو أحب إلى الملك وأنفس عنده ولو قلّ في رأي العين. وأقبلت فرقة أخرى على تعبئة الأحمال المحملة وتنافسوا في كثرتها، وهم على مراتب، فمن بين مَن أحماله أثمان، وبين من أحماله

стр. 518

دون ذلك على قدر هممهم وما يليق بهم، لكن هممهم مصروفة إلى تعبئة الأحمال والانتقال من المدينة. وأقبلت فرقة أخرى على عمارة القصور في تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذاتها ونزهها، وحاربوا العازمين على النقلة، وقالوا: لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئًا، فإن شاركتمونا في عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها، وإلا لم نمكنكم من النقلة، ولا من شيء من المتاع، فوقدت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين، وعمدوا إلى أموالهم وأهليهم، وما نقموا منهم إلا سيرهم إلى دار الملك وإجابة داعيه، والرغبة عن تلك الدار التي أمرهم بتركها. وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة والدعة، وقالوا: لا نتعب أنفسنا في عمارتها، ولا ننتقل منها، ولا نعارض من أراد النقلة، ولا نحاربهم، ولا نعاديهم. وكان للملك فيها قصر فيه حرم له وقد أحاط عليه سورًا، وأقام عليه حرسًا، ومنع أهل المدينة من قربانه، وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه بابًا يدخلون منه، فعمدوا إلى جدرانه فنقبوه ووصلوا إلى حريمه فأفسدوهم، ونالوا منه ما أسخط الملك وأغضبه وشقّ عليه، ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم (١) إلى إفساد حريمه والنيل منهم، فبينما هم على تلك الحال، وإذا بالنفير قد صاح فيهم كلهم فلم يُمكن أحدًا منهم التخلف، فحملوا على تلك الحال وأحضروا بين يدي الملك، فاستعرضهم واحدًا بعد واحد، وعرضت بضائعهم وما قدموا به

стр. 519

من تلك المدينة عليه، فقبل منها ما يصلح له مثله، وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته، وأنزلهم منازلهم من قربه، ورد منها ما لا يصلح له وضرب به وجوه أصحابه، وقابل من نقب حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون، فسألوا الرجعة إلى المدينة ليعمروا قصره، ويحفظوا حريمه، ويقدموا عليه من البضائع بمثل ما قدم به التجار، فقال: هيهات قد خربت المدينة خرابًا لا تعمر بعده أبدًا وليس بعدها إلا هذه المدينة التي لا تخرب أبدًا. فصل وقد مثّلت الدنيا بمنام، والعيش فيها بالحلم، والموت باليقظة. ومثّلت بمزرعة، والعمل فيها البذر، والحصاد يوم المعاد. ومُثّلت بدار لها بابان: باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه. ومُثّلت: بحيّة ناعمة الملمس، حسنة اللون، وضربتها الموت. ومُثّلت: بطعام مسموم، لذيذ الطعم، طيّب الرائحة، من تناول منه قدر حاجته كان فيه شفاؤه، ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه. ومُثّلت: بالطعام في المعدة، إذا أخذت الأعضاء منه حاجتها فحبسه قاتل أو مؤذ ولا راحة لصاحبه إلا في خروجه، كما أشار إليه النبي ﷺ في آكلة الخضر وقد تقدّم (١). ومُثّلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على عينين فتنت بهما الناس

стр. 520

وهي تدعو الناس إلى منزلها، فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم في الحفر، وقد سلّطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديمًا وحديثًا، والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلّت بهم الآفات، وهم يتنافسون في مصارعهم، ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم: ٤٥]. ويكفي في تمثيلها ما مثّلها اللَّه في كتابه فهو المثل المنطبق عليها. قالوا: وإذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار منها والرغبة فيها. قالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها، والرغبة في اللَّه والدار الآخرة أبدًا، ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد إلا وطردت إحداهما الأخرى، واستبدت بالمسكن، ولا تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه عند رجل واحد أبدًا (١). قالوا: ويكفي أن رسول اللَّه ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوزها، ولو أخذها لكان أشكر خلق اللَّه بها، ولم تنقصه مما له عند اللَّه شيئًا، فاختار جوع يوم وشبع يوم (٢). ومات ودرعه مرهونة على طعام لأهله، كما تقدم ذكره (٣).

стр. 521

قالوا: وقد انقسم الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أربعة أقسام: قسم: لم يريدوا الدنيا ولم تُرِدْهُم، كالصديق ومن سلك سبيله. وقسم: أرادتهم الدنيا ولم يريدوها، كعمر بن الخطاب، ومن سلك سبيله (١). وقسم: أرادوا الدنيا وأرادتهم الدنيا، كخلفاء بني أمية ومن سلك سبيلهم، حاشا عمر بن عبد العزيز فإنها أرادته ولم يردها. وقسم: أرادوها وهي لم تردهم، كمن أفقر اللَّه منها يده، وأسكنها في قلبه، وامتحنه بحبها. ولا يخفى أن خير الأقسام القسم الأول، والثاني إنما فُضّل لأنه لم يردها، فالتحق بالأول. قالوا: وقد سأل رجل رسول اللَّه ﷺ أن يدلّه على عمل إذا فعله أحثه اللَّه وأحبّه الناس، فقال له: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس" (٢) فلو كان الغنى أفضل لدلّه عليه.

стр. 522

قالوا: وقد شرع اللَّه سبحانه قتال الكفار، وشرع الكفّ عن الرهبان (١)؛ لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها، فمضت السنة بأن لا يُقاتلون ولا تُضرب عليهم جزية، هذا وهُمْ أعداؤه وأعداء رسله ودينه، فعُلم أن الزهد فيها عند اللَّه بمكان. قالوا: ولذلك استقرت حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من عقوبة الفاقد، فهذا الزاني المحصن عقوبته الرجم، وعقوبة من لم يحصن الجلد والتغريب (٢)، وهكذا يكون ثواب الفاقد أعظم من

стр. 523

ثواب الواجد. قالوا: وكيف يستوي عند اللَّه ذلّة الفقر، وكسرته، وخضوعه، وتجرع مرارته، وتحمُّل أعبائه ومشاقّه؟ وعزّة الغنى، ولذّته، وصولته، والتمتعّ بلذّاته، ومباشرة حلاواته؟ فبعين اللَّه ما يتحمّل الفقراء من مرارات فقرهم وصبرهم ورضائهم به عن ربهم ﵎. وأين أجر (١) مشقة المجاهدين إلى أجر عبادة القاعدين في الأمن، والدّعة، والراحة؟! قالوا: وكيف يستوي أمران: أحدهما: حفّت به الجنة، والثاني: حفّت به النار (٢)؟ فإن أصل الشهوات من قبل المال، وأصل المكاره من قبل الفقر. قالوا: والفقير لا ينفك في خصاصة من مضض الفقر والجوع والعُرْي والحاجة وآلام الفقر، وكلّ واحد منها يكفر ما يقاومه من السيئات، وذلك زيادة على أجره بأعمال البرّ. فقد شارك الأغنياء في أعمال البرّ، وامتاز عنهم بما يكفر سيئاته، وما امتازوا به عليه من الإنفاق والصدقة والنفع المتعدي فله سبيل إلى لحاقهم فيه، ونيله مثل أجورهم، وهو أن يعلم اللَّه من نيّته أنه لو أوتي مثل

стр. 524

ما أوتوه لفعل كما يفعلون، فيقول: لو أن لي مالًا لعملت بأعمالهم فهو بنيته وأجرهما سواء، كما أخبر به الصادق المصدوق فى الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري (١). قالوا: والفقير في الدنيا بمنزلة المسجون، إذ هو ممنوع عن الوصول إلى شهواتها وملاذّها، والغني متخلّص من هذا السجن، وقد قال النبي ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" (٢)، فالغني إن لم يسجن نفسه عن دواعي الغنى وطغيانه وأرسلها في ميادين شهواتها كانت الدنيا جنّة له، فإنما ينال الفضل بتشبّهه بالفقير الذي هو في سجن فقره. قالوا: وقد ذمّ اللَّه ورسوله من عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وإنه لحريٌّ أن يكون عوضًا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولا بدّ كما تقدّم بيانه (٣)، بخلاف من استكمل طيباته في الآخرة لما منع منها في الدنيا، وأتي رسول اللَّه ﷺ بسويق لوز، فأبى أن يشربه، وقال: "هذا شراب المترفين" (٤). قالوا: وقد سُئل الحسن البصري فقيل له: رجلان أحدهما تارك

стр. 525

للدنيا، والآخر يكتسبها ويتصدق بها فقال: "التارك لها أحب إليّ" (١). قالوا: وقد سُئل المسيح قبله عن هذه المسألة عن رجلين مرّ أحدهما بلبنة ذهب، فتخطاها ولم يلتفت إليها ومرّ بها الآخر، فأخذها وتصدّق بها، فقال: "الذي لم يلتفت إليها أفضل" (٢). ويدل على هذا أن رسول اللَّه ﷺ مرّ بها، فلم يلتفت إليها، ولو أخذها لأنفقها في سبيل اللَّه. قالوا: والفقير الفقيه في فقره يمكنه (٣) لحاق الغنيّ في جميع ما ناله بغناه بنيته وقوله، فيساويه في أجره، ويتميز عنه بعدم الحساب على المال، فساواه في ثوابه، وتخلص من حسابه، كما تميز عنه بسبقه إلى الجنة بخمسمائة عام، وتميز عنه بثواب صبره على ألم الفقر وخصاصته. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن نمير حدثنا عبادة بن مسلم حدثني يونس بن خباب عن أبي البختري الطائي عن أبي كبشة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي (٤) أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من

стр. 526

صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده اللَّه بها عزًّا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح اللَّه له باب فقر" وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه، فإنه قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم فيه للَّه حقًّا، قال: فهذا أفضل المنازل عند اللَّه، وعبد رزقه اللَّه علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان، قال: فأجرهما سواء، وعبد رزقه اللَّه مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل عند اللَّه، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بفعل فلان. قال: فهو بنيّته ووزرهما سواء" (١). فلما فضل الغنيّ بفعله ألحق الفقير الصادق به بنيّته، فالغني هنالك إنما نقص بتخلفه عن العمل، والفقير إنما نقص بسوء نيته، فلم ينفع الغنيّ غناه مع التخلف، ولا ضرّ الفقير فقره مع حسن النيّة، ولا نفعه فقره مع سوء نيّته. قالوا: ففي هذا بيان كاف شاف في المسألة، حاكم بين الفريقين، وباللَّه التوفيق.

стр. 527

الباب الرابع والعشرون في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار قالت الأغنياء: لقد أجلبتم علينا أيها الفقراء بخيل الأدلّة ورجلها، ونحن نعلم أن عندكم مثلها وأكثر من مثلها، ولكن توسطتم بين التطويل والاختصار، وظننتم أنها حكمت لكم بالفضل دون ذوي اليسار، ونحن نحاكم إلى ما حاكمتمونا إليه، ونعرض بضاعتنا على من عرضتم بضاعتكم عليه، ونضع أدلّتنا وأدلّتكم في ميزان الشرع والعقل الذي لا يعول، فحينئذ يتبين لنا ولكم الفاضل من المفضول. ولكن أخرجوا من بيننا من تشبّه بالفقراء الصادقين الصابرين، ولبس لباسهم على قلب أحرص الناس على الدنيا وأشحّهم عليها وأبعدهم من الفقر والصبر، من كل مظهر للفقر مبطن للحرص غافل عن ربه متبع لهواه مفرّط في أمر معاده، قد جعل زيّ الفقر صناعة (١)، أو فقيرِ جائحة (٢)، فقرُه اضطرار لا اختيار، فزهده زهد إفلاس لا زهد رغبة في اللَّه والدار الآخرة، أو فقيرٍ (٣) يشكو ربه بلسان قاله وحاله غير راض عن ربه في فقره، بل إن أُعطي رضي وإن منع سخط، شديد اللهف على الدنيا والحسرة عليها، وهو أفقر الناس [منها، فهو أرغب شيء] (٤)

стр. 528

فيها، وهي أزهد شيء فيه. وأخرجوا من بيننا ذا الثروة الجموع المنوع المتكاثر بماله المستأثر به، الذي قد عضّ عليه بناجذه، وثنى عليه خنصره، يفرح بزيادته ويأسى على نقصانه، فقلبه به مشغوف، وهو على تحصيله ملهوف، إن عرض سوق الإنفاق والبذل أعطى قليلًا وأكدى، وإن دعي إلى الإيثار أمعن في الهرب جدًّا. وأخلصونا وإخواننا من سباق الطائفتين وسادات الفريقين الذين تسابقوا إلى اللَّه والدار الآخرة بإيمانهم وأحوالهم، ونافسوا في القرب منه بأعمالهم وأموالهم، فقلوبهم عاكفة عليه، وهمتهم المسابقة إليه، ينظر غنيُّهم إلى فقيرهم، فإذا رآه قد سبقه إلى عمل صالح شمّر إلى اللحاق به، وينظر فقيرهم إلى غنيهم فإذا رآه قد فاته بإنفاق في طاعة اللَّه أنفق هو من أعماله وأقواله وصبره وزهده نظير ذلك أو أكثر منه، فهؤلاء إخواننا الذين تكلم الناس في التفضيل بينهم وأيهم أعلى درجة، وأما أولئك فإنما ينظر أيهم تحت الآخر في العذاب وأسفل منه، واللَّه المستعان. إذا عرف هذا، فقد مدح اللَّه سبحانه في كتابه أعمالًا، وأثنى على أصحابها، ولا تحصل إلا بالغنى، كالزكاة والإنفاق في وجوه البر، والجهاد في سبيل اللَّه بالمال، وتجهيز الغزاة، وإعانة المحاويج، وفكّ الرقاب، والإطعام في زمن المسغبة. وأين يقع صبر الفقير من فرحة الملهوف المضطر المشرف على الهلاك إذا أعانه الغني ونصره على فقره ومخمصته؟ وأين يقع صبره من نفع الغني بماله في نصرة دين اللَّه وإعلاء كلماته

стр. 529

وكسر أعدائه؟ وأين صبر أبي ذر على الفقر إلى شكر الصديق ربّه وشرائه المعذبين في اللَّه وإعتاقهم، وإنفاقه على نصرة الإسلام حتى قال رسول اللَّه ﷺ : "ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر" (١)؟ وأين يقع صبر أهل الصفة من إنفاق عثمان تلك النفقات العظيمة التي قال له رسول اللَّه ﷺ في بعضها: "ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم " (٢)، ثم قال: "غفر اللَّه لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما أخفيت، وما أبديت" أو كما قال (٣). وإذا تأملتم القرآن، وجدتم الثناء فيه على المنفقين أضعاف الثناء فيه على الفقراء الصابرين.

стр. 530

وقد شهد رسول اللَّه ﷺ بأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وفسر اليد العليا بالمعطية، والسفلى بالسائلة (١). وقد عدّد اللَّه سبحانه على رسوله من نعمه أن أغناه بعد فقره (٢)، وكان غناه هو الحالة التي نقله إليها، وفقره الحالة التي نقله منها، وهو سبحانه كان ينقله من الشيء إلى ما هو خير منه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]: إن المراد به الحالتان، أي: كل حالة لك خير مما قبلها، ولهذا عقّبه بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، فهذا يدخل فيه عطاؤه في الدنيا والآخرة. قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]. قالوا: والأغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصّابرين، لتقويتهم إياهم بالصدقة عليهم، والإحسان إليهم، وإعانتهم على طاعتهم، فلهم نصيب وافر من أجور الفقراء، زيادة إلى نصيبهم من أجر الإنفاق وطاعاتهم التي تخصهم، كما في "صحيح ابن خزيمة" من رواية سلمان الفارسي عن النبي ﷺ وذكر شهر رمضان، فقال: "من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن
следующие страницы →