← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتمتاز هذه النُّسخة بكونها مصحَّحةً مقابلةً، حيث أثبت ناسخها هذه التَّصحيحات والمقابلات على هامش الصَّفحة، بقوله: «بلغ»، أو «بلغ مقابلةً». وفي آخرها بخطِّ الناسخ ذكرُ تملُّكها: «هذا الكتاب ممَّا يسَّره الله ومنَّ به على عبده الفقير إليه، محمَّد بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمَّد آل سعود، رحمهم الله تعالى وعفى عنهم». ولم يذكر ناسخها أو مُتَمَلِّكُها سنة كتابتها، ولكن بمعرفة تاريخ وفاة متملِّكها وهو الأمير محمد بن فيصل بن تركي = يظهر أنَّها كتبت بين أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر الهجريين، فقد توفِّي هذا الأمير سنة ١٣١١ هـ (١). _________ (١) قال عثمان بن بشر في عنوان المجد (٢/ ١٢٨) في الثناء على هذا الأمير وذلك في سياق كلامه عن والده الأمير فيصل بن تركي: «وكان ابنه محمد في الغاية من الديانة والعفاف، والصيانة والأمانة والكفاف، على صغر سنِّه، لا يحاذيه من مثله في فنِّه … ». وقال قبل ذلك عنه وعن إخوته: «حفظوا القرآن على صدورهم، دأبوا في تحصيل التعلّم في آصالهم وبكورهم، ولهم معرفة في العلوم الشرعية، والآثار السلفية، وجمعوا كتبًا كثيرةً، بالشراء والاستكتاب، من كتب الحديث والتفسير وكتب الأصحاب».

стр. 37

وقد حصلنا على صورة منها على (CD) من مكتبة الملك فهد الوطنيَّة، فجزاهم الله خيرًا وسددَّهم لعمل الخير دومًا. وقد رمزتُ لهذه النسخة بـ «س». ٣ - النُّسخة الهنديَّة ــ ديوبند [فقه ٧٠]، وهي بخطٍّ فارسيٍّ جميلٍ واضحٍ، وتقع في ١٥١ ورقة. وتمتاز هذه النُّسخة بكونها مصحَّحةً مقروءة على بعض أهل العلم، حيث أُثْبِتَت هذه التَّصحيحات والشروحات على هامش الصَّفحة، ونقل الناسخ في موضعٍ منها كلام الشيخ عبد القادر بن أحمد (١)، وقال داعيًا له: «حفظه الله». وأما تاريخ نسخها فلم يذكره ناسخها، ولكن بمعرفة تاريخ وفاة الشيخ عبد القادر بن أحمد، وقد توفِّي سنة ١٢٠٧ هـ فيكون تاريخها في القرن الثالث عشر الهجري، في حياة الشيخ المذكور حيث دعا ناسخها للشيخ له بما يدل على أنها نسخت في حياته. وقد رمزتُ لهذه النسخة بـ «هـ». _________ (١) تنظر (ص ٥٨) من هذا الكتاب، وستأتي ترجمته هناك.

стр. 38

٤ - المطبوعة الهنديَّة، وهي مطبوعة سنة ١٢٩٦ هـ، بدهلي، وكتب في أسفل واجهتها: باهتمام الحافظ عزالدين، في المطبع المرتضوي، الواقع في الدهلي، وهي نحو ٧٦ صفحة. وفي آخرها: «الحمدلله الذي وفَّق لإتمام كتاب الصَّلاة، للشَّيخ محمَّد بن أبي بكر، المعروف بابن القيِّم [كذا!] الجوزيَّة، رضي الله عنَّا وعنه، على ما نسَخَه عبد الرحمن بن عمر بن سعيد بن السَّعد الحضرمي، واهتمَّ بطبعه راغب الخير ومشيعه، الوكيل إلهي بخش، أقامه الله على الحقِّ بأمر إمام الهُدى أبي محمَّد الشَّيخ السَّلفي عبد الله الغزنوي، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنَّة الفردوس منزله ومأواه، وتولَّى طبعه ابنه محمَّد، جعله الله راضيًا مرضيًّا، وأدخله في عباده وجنَّته، وصلَّى الله على محمَّد وآله، فأجاب داعي الله قبيل إتمامه، ويسَّر الله إتمامه بفضله ومنِّه، يوم العشرين من ذي الحِجَّة، سنة ست وتسعين بعد الألف ومائتين، ربَّنا اجعلنا مقيمين [كذا] الصَّلاة، ومن ذُرِّيَّتنا، ربَّنا وتقبَّل دعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين». وقد رمزتُ لهذه المطبوعة بـ «ط». * طبعات الكتاب: طُبِع الكتاب طبعات عديدة، منها: - طبعة هندية، وسبق الحديث عنها قريبًا.

стр. 39

- وطبعة هندية أخرى ضمن «مجموعة مباركة» في دهلي ١٨٩٥ م. - وطبعة قديمة في مصر سنة ١٣٢٣ هـ، في ٢٢٤ صفحة، على نفقة شرف موسى، وأحمد ناجي جمالي، ومحمد أمين الخانجي، باسم «الصلاة وأحكام تاركها، صلاة رسول الله ﷺ من حين التكبير الى التَّسليم»، وقد طبعت مضمومة مع كتاب الصَّلاة للإمام أحمد. - وطبع ضمن «مجموعة الحديث النجدية»، بالقاهرة، ١٣٢٢ هـ. - وطُبِع في مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة، عام ١٣٤٧. - وطُبِع أيضًا باسم «الصَّلاة وأحكام تاركها»، بتعليق وتخريج عبد الله المنشاوي، في مكتبة الإيمان في المنصورة بمصر، في (١٤٤) صفحة. - وطُبِع بتحقيق تيسير زعيتر، بالمكتب الإسلامي ببيروت، عام ١٩٨٥ م. - وطُبِع أيضًا باسم «الصلاة وحكم تاركها»، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، بدار الجفَّان والجابي، ط ٢، ١٤١٩ هـ، في ٢٥١ صفحة، وذكر أنَّه لم يعتمد على نسخة مخطوطة بل على المطبوعات السابق ذكرها. - وطبعات أخرى غيرها.

стр. 40

* منهجي في تحقيق الكتاب: ١ - قمتُ بمقابلة النُّسخ، واخترت منها الأنسب للمعنى والسِّياق، وأثبتُّ ما خالفها في الهامش، وأهملت ما لا داعي لإثباته، ممَّا قد يكون تصرُّفًا من النُّسَّاخ، كترك الصَّلاة أوالترضِّي أوالتَّسبيح أوإثباتهما، وصوَّبت بعض الأخطاء الناشئة عن التحريف. ٢ - قمتُ بخدمة نصوص الكتاب علميًّا؛ فخرَّجت آياته، وأحاديثه، وآثاره، ووثَّقتُ نصوصه. ٣ - علَّقتُ على ما رأيت ضرورة التَّعليق عليه من ترجمةٍ موجزةٍ لعلم من الأعلام، أو توضيح كلمةٍ غريبةٍ، أوتنبيهٍ إلى أمر ذي بال. ٤ - قدَّمتُ بمقدِّمة تمهيديَّة للتَّعريف بالكتاب، ومنهج المصنِّف فيه، وموارده، وصنعتُ فهارس متنوعِّة للكتاب، وفصَّلتها بما يقرِّب وصول القارئ لمحتوى الكتاب. وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين وكتب: عدنان بن صفاخان البُخاري الجمعة ١٣ من شهر جمادى الآخرة عام ١٤٣٠ هـ

стр. 41

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربِّ يسِّر، وعليك التَّيسير، وسهِّل كلَّ عسيرٍ، آمين (١). الحمد لله ربِّ العالمين، ما يقول السَّادة (٢) العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم (٣) الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا؛ هل يجب قتله أم لا؟ وإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر؛ فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين أم يُقتل حدًّا مع الحكم بإسلامه؟ وهل تحبط الأعمال وتبطُل بترك الصَّلاة، أم لا؟ وهل تُقْبَل صلاة النَّهار باللَّيل، وصلاة اللَّيل بالنَّهار، أم لا؟ وهل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده، وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟ وإذا صحَّت فهل يأثم بترك الجماعة، أم لا؟ وهل يُشترط حضور المسجد، أم يجوز فعلها في البيت؟ وما حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يُتمَّ ركوعها وسجودها؟ وما كان مقدار صلاة رسول الله ﷺ ؟ وما حقيقة التَّخفيف

стр. 42

الذي نَبَّه عليه (١) بقوله ﷺ : "صلِّ بِهِم صلاة أَخَفِّهِم"؟ (٢) (٣) وما معنى قوله لمعاذ: "أفتَّان أنت؟ " (٤). والمسؤولُ سِياق صلاته ﷺ من حين كان يكبِّر (٥)، إلى أنْ يفرغ منها، سياقًا مختصرًا (٦)، كأنَّ السَّائل يشاهدُه (٧).

стр. 43

فأرشد الله مَن دَلَّ على سواء السَّبيل، وجمع بين بيان (١) الحُكم والدَّليل. وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أنْ يتعلَّمُوا حتى أخذ الميثاق على أهل العلم أنْ يُعلِّمُوا ويبيِّنُوا. أجاب الشيخ الإمام العلَّامة، بقيَّة السَّلف، ناصر السُّنَّة، وقامع البدعة، الشيخ شمس الدِّين، محمد بن أبي بكر الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية، ﵁ وأرضاه، وجعل جنَّة الخلد متقلَّبَه ومثواه (٢) (٣): الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. لا يختلف المسلمون أنَّ ترك الصَّلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذُّنُوب، وأكبر الكبائر. وأنَّ إثمه (٤) عند الله أعظم من إثم قتل النَّفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر. وأنَّه متعرِّضٌ لعقوبة الله وسخطه وخِزْيه في الدُّنيا والآخرة.

стр. 44

ثم اختلفوا في قتله، وفي كيفيَّة قتله، وفي كُفْره. فأفتى سفيان بن سعيد الثوري، وأبوعمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وحمَّاد بن زيد، ووكيع بن الجرَّاح، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأصحابهم =بأنَّه يُقْتل (١). ثم اختلفوا في كيفيَّة قتله. فقال جمهورهم: يُقتل بالسَّيف ضربًا في عنقه (٢). وقال بعض الشَّافعية (٣): يُضْرب بالخَشَب إلى أنْ يصلِّي أو يموت. وقال ابن سُرَيْج (٤): يُنْخَس بالسَّيف حتى يموت؛ لأنَّه أبلغ في زجره، وأرجى لرجوعه (٥).

стр. 45

والجمهور يحتجُّون بقوله ﷺ : "إنَّ الله كَتَب الإحسان على كُلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة" (١). وضَرْب العُنُق بالسَّيْف أحسن القتلات، وأسرعها إزهاقًا للنَّفس. وقد سنَّ الله سبحانه في قتل الكفَّار المرتدِّين ضَرْب الأعناق، دون النَّخْس بالسَّيف. وإنَّما شُرِع في حقِّ الزَّاني المُحْصَن القتل بالحجارة؛ ليصل الألم إلى جميع بَدَنه، حيث وصلت إليه اللَّذَّة بالحرام. ولأنَّ تلك القتلة أشنع القتلات، والدَّاعي إلى الزِّنا داعٍ قويٌّ في الطِّباع؛ فجُعِلَت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوَّة الدَّاعي. ولأنَّ في هذه العقوبة تذكيرًا بعقوبة الله لقوم لوْطٍ (٢)، بالرَّجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة. فصْلٌ وقال ابن شهاب الزُّهري (٣)، وسعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز (٤)، وأبو حنيفة، وداود بن علي، والمزني: يُحْبَس حتى

стр. 46

يموت، أو يتوب، ولا يُقتل (١). واحْتُجَّ لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "أُمِرتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءهم وأموالهم، إلَّا بحقها" رواه البخاري ومسلم (٢). وعن ابن مسعود قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يحلُّ دمُ امريءٍ مسلمٍ، يشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِينه، المفارق للجماعة" أخرجاه في "الصَّحيحين" (٣). قالوا: ولأنَّها من الشَّرائع العمليَّة؛ فلا يقتل بتركها، كالصِّيام، والزَّكاة، والحجِّ. قال الموجبون لقتله: قد قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة/٥]. فأَمَرَ بقتلهم

стр. 47

حتى يتوبوا من شِرْكهم، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة. ومن قال: لا يقتل تارك الصلاة، يقول: متى تاب من شِرْكِه سقط عنه القتل، وإنْ لم يُقِم الصلاة ولا آتى الزكاة. وهذا خلاف ظاهر القرآن. وفي "الصَّحيحين" (١)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: بعث عليُّ بن أبي طالب ـ وهو باليمن ـ إلى النَّبيِّ ﷺ بذُهَيْبَةٍ (٢)، فقسمها بين أربعةٍ، فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله! فقال: "ويلك! ألستُ أحق أهل الأرض أنْ يتَّقي الله؟ ". ثم ولَّى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألَا أضربُ عنقه؟ فقال: "لا، لعلَّه أن يكون يصلِّي". فقال خالدٌ: فكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي لم أؤمر أنْ أنقِّب عن قلوب النَّاس، ولا أشقَّ بطونهم". فجعل النَّبِيُّ ﷺ المانع من قتله كونه يصلِّي؛ فدلَّ على أنَّ مَن لم يصلِّ يُقتل. ولهذا قال في الحديث الآخر: "نُهِيتُ عن

стр. 48

قتل المصلِّين" (١). ويدلُّ على أنَّ غير المصلِّين لم ينْهَه الله عن قتلهم. وروى الإمام أحمد والشافعي في "مسندَيْهِما" (٢)، من حديث

стр. 49

عبيد الله بن عديِّ (١) بن الخِيار، أنَّ رجلًا من الأنصار حدَّثه: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ ، وهو في مجلس فسارَّه؛ يستأذنه في قتل رجلٍ من المنافقين، فجَهَر رسول الله، فقال: "ألَيس يشهد أنْ لا إله إلَّا الله؟ " قال الأنصاريُّ: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال (٢): "ألَيس يشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟ " قال: بلى ولا شهادة له. قال: "ألَيس يصلِّي الصَّلاة (٣)؟ " قال: بلَى، ولا صلاة له. قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم". فدلَّ على أنَّه لم ينْهَ عن قتل مَن لم يُصَلِّ. وفي "صحيح مسلمٍ" (٤)، عن أمِّ سلمة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون؛ فمَن أنكر فقد بَرِيء، ومن كَرِه فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتابع". فقالوا: يا رسول الله، أَلَا نقاتلهم (٥)؟ فقال: "لا، ما صلَّوا".

стр. 50

وفي "الصَّحيحين" (١)، من حديث عبد الله بن عمر ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله". فوجْهُ الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنَّه أمر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة (٢). الثَّاني: قوله: "إلَّا بحقِّها" (٣)، والصَّلاة من أعظم حقِّها. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْت أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله". رواه الإمام أحمد (٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٥).

стр. 51

فأخبر ﷺ (١) أنَّه أُمِر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة، وأنَّ دماءهم وأموالهم إنَّما تحرم بعد الشَّهادتين، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة؛ فدماؤُهم وأموالُهم قبل ذلك غير محرَّمة؛ بل هي مباحة. وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: لمَّا توفِّي رسول الله ﷺ ارتدَّت (٢) العرب، فقال عمرُ: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكرٍ (٣): إنَّما قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة". رواه النسائي (٤)، وهو حديثٌ صحيحٌ. وتقييد هذه الأحاديث يبيِّن مقتضى الحديث المطلق الذي احتجُّوا به على ترك القتل، مع أنَّه حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه لم يُثْبِت العِصْمة للدَّم والمال إلَّا بحقِّ الإسلام، والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق. وأمَّا حديث ابن مسعود، وهو: "لا يحلُّ دم امريءٍ مسلمٍ إلَّا

стр. 52

بإحدى ثلاثٍ" (١) فهو حُجَّة لنا في المسألة؛ فإنَّه جعل منهم التَّارك لِدِينه، والصلاة ركن الدِّين الأعظم، ولا سيِّما إنْ قلنا بأنَّه كافر، فقد تَرَك الدِّينَ بالكليَّة، وإنْ لم نكفِّره (٢) فقد تَرَك عمود الدِّين. قال الإمام أحمد: وقد جاء في الحديث (٣): "لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة". وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق: "إنَّ مِنْ أهمِّ أموركم عندي الصَّلاة؛ فمَنْ حفظها حفظ ديْنَه، ومن ضيَّعَها فهو لِما سواها أضْيع، ولاحظَّ في الإسلام لمن تَرَك الصَّلاة" (٤). قال أحمد: فكُلُّ (٥) مستخِفٍّ بالصَّلاة مستهينٍ بها (٦)؛ فهو مستخفٌّ

стр. 53

بالإسلام، مستهينٌ به (١). وإنَّما حظُّهم من الإسلام على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصَّلاة. فاعْرف نفسك يا عبد الله، واحْذر أنْ تَلْقَى الله ولا قدر (٢) للإسلام عندك؛ فإنَّ قَدْر الإسلام في قلبك كقَدْر الصَّلاة في قلبك. وقد جاء الحديث عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الصَّلاة عمود الإسلام" (٣) (٤). أَلَسْتَ تعلمُ أنَّ الفُسْطاط (٥) إذا سقط عموده سقط الفُسْطاط،

стр. 54

ولم يُنْتَفع بالطُّنُب (١) ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفُسْطاط انْتُفِع (٢) بالطُّنُب والأوتاد، وكذلك الصلاة من الإسلام. وجاء الحديث: "إنَّ أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة مِن عمله صلاته؛ فإنْ تُقبِّلَت منه صلاتُه تُقُبِّل منه سائرُ عمله، وإنْ رُدَّت عليه صلاته رُدَّ عليه سائرُ عمله" (٣). فصلاتُنا آخر دينِنا، وهي أول ما نُسْأل عنه غدًا من أعمالنا يوم القيامة. فليس بعد ذهاب الصلاة إسلامٌ ولا دينٌ، إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام. هذا كلُّه كلام أحمد (٤). والصَّلاة أول فُروض الإسلام، وهي آخر ما يُفْقَد من الدِّين، فهي

стр. 55

أول الإسلام وآخره (١)، وكُلُّ شيءٍ ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه. قال الإمام أحمد: كُلُّ شيءٍ يذهب آخره فقد ذهب جميعُه. فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينُه (٢). والمقصودُ أنَّ حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "لا يحلُّ دمُ امرءٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثَّيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِيْنه" (٣) = من أقوى الحجج في قتل تارك الصلاة. فصْلٌ واختلف القائلون بقتله في مسائل: أحدها: أنَّه هل يُسْتَتاب أم لا؟ فالمشهور أنَّه يُسْتَتاب، فإنْ تاب تُرِك، وإلَّا قُتِل. هذا قول الشَّافعي (٤)، وأحمد (٥)، وأحد القولين في مذهب مالك (٦).

стр. 56

وقال أبو بكر الطُّرْطُوشي (١) في "تعليقِهِ" (٢): مذهب مالكٍ: أنَّه يُقَال له: صلِّ ما دام الوقت باقيًا، فإنْ فعل تُرِك، وإنْ امتنع حتى خرج الوقت قُتِل (٣). وهل يُسْتتاب أم لا؟ قال بعض أصحابنا: يُسْتَتاب؛ فإنْ تاب وإلَّا قُتِل. وقال بعضهم (٤): لا يُسْتَتاب؛ لأنَّ هذا حدٌّ من الحُدُود يُقام عليه، فلا تُسْقِطه التَّوبة (٥)، كالزَّاني والسَّارق.

стр. 57

وهذا القول يلزم من قال إنَّه يُقْتل حدًّا؛ فإنَّه إذا كان حدُّه على ترك الصلاة القتل، كان كمَنْ حَدُّهُ القتل (١) على الزِّنا والمحاربة، والحدود تجب (٢) بأسبابها المتقدِّمة، ولا تُسقطها التَّوبة بعد الرَّفع إلى الإمام. وأمَّا مَن قال: يُقْتل لكفره فلا يلزمه هذا؛ لأنَّه جعله كالمرتدِّ؛ فإذا أسْلم سقط عنه القتل. قال الطُّرْطُوْشي: وهكذا حكم الطَّهارة، والغُسل من الجنابة، والصيام عندنا؛ فإذا قال: لا أتوضَّأُ، أو: لا أغتسل من الجنابة، أو: لا أصوم= قُتِل، ولم يُسْتَتب؛ سواء قال: هي فرضٌ عليَّ، أو جحد فرضها. قلتُ: هذا الذي حكاه الطُّرْطُوْشي عن بعض أصحابهم (٣): أنَّه يُقْتَل من غير استتابة هو روايةٌ عن مالك (٤). وفي استتابة المرتدِّ روايتان عن أحمد (٥)، وقولان للشافعيِّ (٦).

стр. 58

ومن فرَّق بين المرتدِّ وبين تارك الصَّلاة في الاستتابة؛ فاستتاب المرتدَّ دون تارك الصلاة، كإحْدى الرِّوايتين عن مالك يقول (١): الظَّاهر أنَّ المسلم لا يترك دينه إلَّا لشُبْهةٍ عَرَضَت له، تمنعه البقاء عليه؛ فيُسْتَتاب رجاء زوالها. والتَّارك للصَّلاة مع إقراره بوجوبها عليه لا مانع له، فلا يُمهل (٢). قال المستتيبون له: هذا قُتِل لترك واجبٍ شُرِعت له الاستتابة، فكانت واجبةً، كقتل الرِّدَّة. قالوا: بل الاستتابة ههنا (٣) أولى؛ لأنَّ احتمال رجوعه أقرب؛ لأنَّ التزامه للإسلام يحمله على التوبة، ممَّا يخلِّصه من العقوبة في الدنيا والآخرة (٤). وهذا القول هو الصَّحيح؛ لأنَّ أسوأ أحواله أن يكون كالمرتدِّ. وقد اتَّفق الصَّحابة على قبول توبة المرتدِّين ومانعي الزَّكاة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال/٣٨]. وهذا يعمُّ المرتدَّ وغيره.

стр. 59

والفرق بين قتل هذا حَدًّا (١) وقتل الزَّاني والمحارب: أنَّ قتل تارك الصلاة إنَّما هو على إصْرَاره (٢) على التَّرْك في المستقبل، وعلى التَّرْك في (٣) الماضي. بخلاف المقتول في الحدِّ؛ فإنَّ سبب قتله الجناية المتقدِّمة على الحدِّ؛ لأنَّه لم يبق له سبيل إلى تداركها (٤)، وهذا له سبيل إلى الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها عند الأئمة الأربعة وغيرهم. ومن يقول من أصحاب أحمد: لا سبيل له إلى الاستدراك ـ كما هو قول طائفةٍ من السَّلف ـ يقول: القتل ههنا على تركٍ، فيزول التَّرك بالفعل، وأمَّا الزِّنا والمحاربة (٥) فالقتل فيهما على فِعلٍ، والفعل الذي مضى لا يزول بالتَّرك. فصْلٌ المسْألة الثَّانية: أنَّه لا يقتل حتى يُدْعَى إلى فعلها، فيمتنع. فالدُّعاء إليها شرطٌ في قتله؛ فإنَّه قد يتركها لعذرٍ، أو ما ظنَّه عذرًا،

стр. 60

والكسل (١) لا يستمرُّ؛ ولذلك أذن النَّبيُّ ﷺ في الصلاة نافلةً خلف الأمراء الذين يؤخِّرُون الصلاة حتى يخرج الوقت، ولم يأمر بقتالهم، ولم يأذن في قتلهم؛ لأنَّهم لم يصرُّوا على التَّرك. فإذا دُعِي فامتنع ـ لا من عذرٍ ـ حتى يخرج الوقت تحقَّق تركه وإصراره. فصْلٌ المسْألة الثَّالثة: بماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟ هذا فيه خلافٌ بين الناس. فقال سفيان الثوري، ومالك (٢)، وأحمد ـ في إحدى الرِّوايات (٣) ـ: يقتل بترك صلاةٍ واحدةٍ. وهو ظاهر مذهب الشَّافعي (٤)، وأحمد (٥). وحُجَّة هذا القول: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على قتل تارك الصَّلاة. وقد روى معاذ بن جبل ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ تَرَك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد بَرِئت منه ذِمَّةُ الله". رواه الإمام أحمد

стр. 61

في "مسنده" (١). وعن أبي الدَّرداء ﵁ قال: "أوصاني أبوالقاسم ﷺ أنْ لا أترك الصَّلاة (٢) متعمِّدًا، فمَنْ تركها (٣) متعمِّدًا فقد بَرِئَت منه الذِّمَّة" (٤). رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" (٥).

стр. 62

ولأنَّه إذا دُعِي إلى فعلها في وقتها فقال: لا أصلِّي، ولا عذر له فقد ظهر إصْراره؛ فتعيَّن إيجاب قتله وإهْدار دمه. واعتبار التِّكرار ثلاثًا ليس عليه دليلٌ؛ من نصٍّ، ولا إجماعٍ، ولا قول صاحب، وليس أولى من اثنتين! وقال أبوإسحاق (١) ـ من أصحاب أحمد ـ: إنْ كانت الصلاة المتروكة تُجْمَع إلى ما بعدها كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء (٢) لم يُقْتَل حتى يخرج وقت الثانية؛ لأنَّ وقتَها وقت الأولى (٣) في حال الجمع، فأوْرَث شبهةً ههنا. وإن كانت لا تُجْمع إلى ما بَعدها كالفجر (٤)، والعصر، وعشاء الآخرة قُتِل بتركها وحدها؛ إذ لا شُبْهة ههنا في التَّأخير (٥). وهذا القول حكاه إسحاق (٦) عن عبد الله بن المبارك، أو عن وكيع

стр. 63

ابن الجراح. الشَّكُّ من إسحاق في تعيينه (١). قال أبو البركات ابن تيمية: والتَّسوية أصحُّ، وإلحاق التارك ههنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصحُّ، كما لم يصحَّ إلحاقه بهم في أصل التَّرك. قلتُ: وقول أبي إسحاق أقوى وأفْقَهُ؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ هذا الوقت للصَّلاتين في الجملة؛ فأورث ذلك شبهةً في إسقاط القتل (٢). ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ منع مِنْ (٣) قتال الأمراء المؤخِّرين الصَّلاةَ عن وقتها. وإنَّما كانوا يؤخِّرون الظهر إلى وقت العصر، وقد يؤخِّرون العصر إلى آخر وقتها. ولمَّا قيل له: ألَا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا" (٤). فدلَّ على أنَّ ما فعلوه صلاة يعصِمون بها دماءَهم.

стр. 64

فصْلٌ وعلى هذا فمتى دُعِي إلى الصَّلاة في وقتها، فقال: لا أُصَلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتله، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية. نصَّ عليه الإمام أحمد (١). وقال القاضي وأصحابه، كأبي الخطَّاب وابن عقيل: لا يُقْتَل حتى يتضايق وقت التي بعدها (٢). قال الشيخ أبو البركات: من دُعِي إلى صلاةٍ في وقتها، فقال: لا أصلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتلُه، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية، نصَّ عليه. قال: وإنَّما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره ـ يعني: أبا الخطَّاب ـ لأنَّ القتل بتركها دون الأولى؛ لأنَّه لمَّا دُعِي إليها كانت فائتةً، والفوائت لا يقتل تاركها. ولفظ أبي الخطَّاب الذي أشار إليه: فإن أخَّر (٣) الصَّلاة حتى خرج وقتها جاحدًا لوجوبها كَفَر، ووجب قتله. فإنْ أخَّرها (٤) تهاونًا ـ لا جُحودًا لوجوبها ـ دُعِيَ إلى فِعلها، فإنْ لم

стр. 65

يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتلُه (١). فالتي أخَّرها تهاونًا هي التي أخَّرها حتى خرج وقتها، فدُعِي إليها بعد خروج وقتها؛ فإذا امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها (٢) كان قتله بتأخير الصلاة التي دُعِي إليها حتى تضايق وقتها. هذا تقرير ما ذكره الشيخ. قال: وقال بعض أصحابنا: يُقْتل لترك الأولى، ولترك قضاء كُلِّ فائتةٍ إذا أمكنه من غير عذرٍ؛ لأنَّ القضاء عندنا على الفور (٣). فعلى هذا لا يعتبر تضايق وقت الثَّانية. قال: والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ قضاء الفوائت موسَّعٌ على التَّراخي عند الشافعي وجماعة من العلماء، والقتل لا يجب لمختلفٍ (٤) في إباحته وحظره. وعن أحمد روايةٌ أخرى (٥)، أنَّه إنَّما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلواتٍ،

стр. 66

وتضايق وقت الرَّابعة. وهذا اختيار الإصْطَخْرِي (١) من الشَّافعية (٢). ووجه هذا القول: أنَّ الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة، والإنسان قد يترك الصلاة والصَّلاتين لكسلٍ، أوضجَرٍ، أوشغلٍ يزول قريبًا ولا يدوم؛ فلا يُسَمَّى بذلك تاركًا للصلاة. فإذا تكرَّر (٣) التَّرك مع الدُّعاء إلى الفعل عُلِم أنَّه إصرارٌ. وعن أحمد روايةٌ ثالثةٌ: أنَّه يجب قتله بترك صلاتين (٤). ولهذه الرِّواية مأخذان: أحدهما: أنَّ التَّرك الموجب للقتل هو التَّرك المتكرِّر، لا مطلق التَّرك، حتى يطلق عليه أنَّه تارك الصلاة، وأقل ما يثبت به الترك المتكرِّر مرَّتان (٥). المأخذ الثَّاني: أنَّ من الصَّلاة ما تُجْمَع إحداهنَّ إلى الأخرى، فلا

стр. 67

يتحقَّق تركها إلَّا بخروج وقت الثانية، فجعل ترك الصَّلاتين موجبًا للقتل. وأبوإسحاق وافق هذه الرِّواية في المجموعتين، ووافق رواية القتل بالواحدة في غير المجموعتين (١). فصْلٌ وحُكْم ترك الوضوء، والغسل من الجنابة، واستقبال القبلة (٢)، وستر العورة حُكْم تارك الصَّلاة. وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصَّلاة، وكذلك ترك الركوع والسجود. وإنْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، فقال ابن عقيل (٣): حكمُه حكمُ تارك الصلاة، ولا بأس أنْ نقول بوجوب قتله (٤). وقال الشيخ أبو البركات: عليه الإعادة، ولا يقتل من أجل ذلك بحالٍ (٥). فوجه قول ابن عقيل: أنَّه تاركٌ للصلاة عند نفسه وفي عقيدته، فصار

стр. 68

كتارك الركن (١) والشَّرط المجمع عليه. ووجه قول أبي البركات: أنَّه لا يُبَاح الدَّم بترك المختلف في وجوبه، وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه. وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول؛ فإنَّ تارك ذلك عازمٌ وجازمٌ على الإتيان بصلاةٍ باطلةٍ، فهو كما (٢) لو ترك مُجْمَعًا عليه. وللمسألة غورٌ بعيدٌ يتعلَّق بأصول الإيمان، وأنَّه من أعمال القلوب واعتقادها. فصْلٌ في حكم تارك الجمعة روى مسلمٌ في "صحيحه" (٣) من حديث ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلَّفُون عن الجمعة: "لقد همَمْت أنْ آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثم أحرِّق على رجالٍ يتخلَّفون عن الجمعة بيوتهم". وعن أبي هريرة (٤) وابن عمر أنَّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد مِنبره: "لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات، أوليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين"، رواه مسلم في "صحيحه" (٥).

стр. 69

وفي "السُّنن" كلِّها (١)، من حديث أبي الجَعْد الضَّمْري (٢) ـ وله صحبةٌ ـ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ ترك ثلاث جُمَعٍ تهاونًا طبع الله على قلبه". ورواه الإمام أحمد من حديث جابرٍ (٣). وأخطأ على الشَّافعي من نسب إليه القول بأنَّ صلاة الجمعة فرضٌ على الكفاية، إذا قام بها قومٌ سقطت عن الباقين؛ فلم يقل الشَّافعي هذا قطُّ، وإنَّما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد: إنَّها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة (٤). بل هذا نصٌّ من الشَّافعي أنَّ صلاة العيد واجبةٌ على الأعيان.

стр. 70

وهذا هو الصَّحيح في الدَّليل؛ فإنَّ صلاة العيد من أعظم (١) شعائر الإسلام الظَّاهرة، ولم يكن يتخلَّف عنها أحدٌ من أصحاب (٢) رسول الله ﷺ ، ولا تركها رسول الله ﷺ مرَّةً واحدةً. ولو كانت سُنَّةً لتَرَكها ولو مرَّةً واحدةً (٣)، كما تَرَك قيام رمضان؛ بيانًا لعدم وجوبه، وترك الوضوء لكلِّ صلاةٍ؛ بيانًا لعدم وجوبه، وغير ذلك. وأيضًا فإنَّه أمر بالعيد كما أمر بالجمعة، فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/٢] (٤). وأَمَر النَّبيُّ ﷺ الصَّحابة أنْ يغدوا إلى مصلَّاهم لصلاة العيد بعد أنْ فات وقتها (٥)، وثَبَت الشَّهر بعد الزَّوال (٦).

стр. 71

وأمر النَّبيُّ ﷺ العواتق وذوات الخدور والحُيَّض (١) أنْ يخرجْن إلى العيد، وتعتزل الحُيَّض المصلَّى (٢) (٣)، ولم يأمر بذلك في الجمعة. قال شيخنا: "فهذا يدلُّ على أنَّ العيد آكد من الجمعة" (٤). وقوله ﷺ : "خمسُ صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العبد في اليوم واللَّيلة" (٥)

стр. 72

لا ينفي صلاة العيد؛ فإنَّ الصَّلوات الخمس وظيفة اليوم واللَّيلة، وأمَّا العيد فوظيفة العام. ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطَّواف عند كثير من الفقهاء أنَّها (١) ليست من وظائف اليوم والليلة المتكرِّرة. ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة. ولم يمنع من وجوب سجود التِّلاوة عند من أوجبه وجعله صلاةً. ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السَّلف. وهو قولٌ قويٌّ جدًّا. والمقصود: أنَّ الشَّافعي رحمه الله تعالى نصَّ على أنَّ من وَجَبَت (٢) عليه الجمعة وجب عليه العيد. ولكن قد يُقال: إنَّ هذا لا يُستفاد منه وجوبه على الأعيان؛ فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض. وفائدة ذلك تظهر في مسألتين (٣): إحداهما (٤): أنَّه لو اشترك الجميع في فعله أُثِيبوا ثواب من أدَّى الواجب؛ لتعلُّق الوجوب بهم. الثَّانية: لو اشتركوا في تركه استحقَّ الجميع الذَّم والعقاب. فلا يلزم من قوله: "تجب صلاة العيد على مَنْ تجب عليه صلاة

стр. 73

الجمعة" أنْ تكون واجبةً على الأعيان ـ كالجمعة ـ، فهذا يمكن أنْ يُقال؛ ولكن ظاهر تشبيهه العيد بالجمعة، والتَّسوية بين مَن تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدلُّ على استوائهما في الوجوب، ولا يختلف قوله إنَّ الجمعة واجبة على الأعيان، فكذا العيد. والمقصود بيان حكم تارك الجمعة. قال أبوعبد الله ابن حامد: ومَنْ جحد وجوب الجمعة كفر. فإنْ صلَّاها ظهرًا أربعًا (١) مع اعتقاد وجوبها ـ قال: ـ فإنْ قلنا: هي ظهرٌ مقصورةٌ لم يكفر، وإلَّا كفر (٢). وهل يلحق تارك الصَّوم والحج والزَّكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد (٣). إحداها: يُقْتَل بترك ذلك كلِّه، كما يُقْتَل بترك الصلاة. وحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ الزَّكاة والصِّيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعًا كالصلاة؛ ولهذا قاتل الصِّدِّيق مانعي الزكاة، وقال: "والله لأقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، إنَّها لقرينتها في كتاب الله" (٤).

стр. 74

وأيضًا: فإنَّ هذه المباني من حقوق الإسلام، والنَّبيُّ ﷺ لم يُؤْمَر برفع القِتَال إلَّا عمَّن التزم كلمة الشهادة وحقَّها، وأخبر أنَّ عِصمة الدَّم لا تثبت إلَّا بحقِّ الإسلام؛ فهذا القتال للفئة الممتنعة. والقتل للواحد المقدور عليه إنَّما هو لترك (١) حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصحُّ الأقوال. والرِّواية الثَّانية: لا يُقتل بترك غير الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة عبادة بدنيَّة لا تدخلها (٢) النِّيابة بحال، والصَّوم والحج والزَّكاة (٣) تدخلها النِّيابة، ولقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّدٍ ﷺ لا يَرَوْن شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلَّا الصَّلاة" (٤). ولأنَّ الصَّلاة قد اختصَّت من سائر (٥) الأعمال بخصائص ليست

стр. 75

لغيرها؛ فهي أول ما فرض الله من الإسلام؛ ولهذا أمر النَّبيُّ ﷺ نوَّابَه ورسلَه (١) أنْ يبدؤوا بالدَّعوة إليها بعد الشَّهادتين (٢)؛ فقال لمعاذٍ: "إنَّك ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فلْيكن أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوك بذلك فأعلمهم (٣) أنَّ الله تعالى فَرَض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" (٤) الحديث (٥). ولأنَّها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله. ولأنَّ الله فرضها في السماء ليلة المعراج. ولأنَّها أكثر الفروض ذكرًا في القرآن، ولأنَّ أهل النَّار لمَّا سُئِلُوا (٦): ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر/٤٢] لم يبدؤوا بشيءٍ غير ترك الصلاة. ولأنَّ فرضَها (٧) لا يسقط عن العبد بحال دون حال (٨) ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنَّها تجب (٩) في حال دون حالٍ.
следующие страницы →