стр. 71
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 253
الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم
ابن القيم
Полный текст (501 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
لا ينفي صلاة العيد؛ فإنَّ الصَّلوات الخمس وظيفة اليوم واللَّيلة، وأمَّا العيد فوظيفة العام. ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطَّواف عند كثير من الفقهاء أنَّها (١) ليست من وظائف اليوم والليلة المتكرِّرة. ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة. ولم يمنع من وجوب سجود التِّلاوة عند من أوجبه وجعله صلاةً. ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السَّلف. وهو قولٌ قويٌّ جدًّا.
والمقصود: أنَّ الشَّافعي رحمه الله تعالى نصَّ على أنَّ من وَجَبَت (٢) عليه الجمعة وجب عليه العيد. ولكن قد يُقال: إنَّ هذا لا يُستفاد منه وجوبه على الأعيان؛ فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض. وفائدة ذلك تظهر في مسألتين (٣):
إحداهما (٤): أنَّه لو اشترك الجميع في فعله أُثِيبوا ثواب من أدَّى الواجب؛ لتعلُّق الوجوب بهم.
الثَّانية: لو اشتركوا في تركه استحقَّ الجميع الذَّم والعقاب.
فلا يلزم من قوله: "تجب صلاة العيد على مَنْ تجب عليه صلاة
стр. 73
الجمعة" أنْ تكون واجبةً على الأعيان ـ كالجمعة ـ، فهذا يمكن أنْ يُقال؛ ولكن ظاهر تشبيهه العيد بالجمعة، والتَّسوية بين مَن تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدلُّ على استوائهما في الوجوب، ولا يختلف قوله إنَّ الجمعة واجبة على الأعيان، فكذا العيد.
والمقصود بيان حكم تارك الجمعة.
قال أبوعبد الله ابن حامد: ومَنْ جحد وجوب الجمعة كفر. فإنْ صلَّاها ظهرًا أربعًا (١) مع اعتقاد وجوبها ـ قال: ـ فإنْ قلنا: هي ظهرٌ مقصورةٌ لم يكفر، وإلَّا كفر (٢).
وهل يلحق تارك الصَّوم والحج والزَّكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد (٣).
إحداها: يُقْتَل بترك ذلك كلِّه، كما يُقْتَل بترك الصلاة.
وحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ الزَّكاة والصِّيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعًا كالصلاة؛ ولهذا قاتل الصِّدِّيق مانعي الزكاة، وقال: "والله لأقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، إنَّها لقرينتها في كتاب الله" (٤).
стр. 74
وأيضًا: فإنَّ هذه المباني من حقوق الإسلام، والنَّبيُّ ﷺ لم يُؤْمَر برفع القِتَال إلَّا عمَّن التزم كلمة الشهادة وحقَّها، وأخبر أنَّ عِصمة الدَّم لا تثبت إلَّا بحقِّ الإسلام؛ فهذا القتال للفئة الممتنعة.
والقتل للواحد المقدور عليه إنَّما هو لترك (١) حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصحُّ الأقوال.
والرِّواية الثَّانية: لا يُقتل بترك غير الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة عبادة بدنيَّة لا تدخلها (٢) النِّيابة بحال، والصَّوم والحج والزَّكاة (٣) تدخلها النِّيابة، ولقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّدٍ ﷺ لا يَرَوْن شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلَّا الصَّلاة" (٤).
ولأنَّ الصَّلاة قد اختصَّت من سائر (٥) الأعمال بخصائص ليست
стр. 75
لغيرها؛ فهي أول ما فرض الله من الإسلام؛ ولهذا أمر النَّبيُّ ﷺ نوَّابَه ورسلَه (١) أنْ يبدؤوا بالدَّعوة إليها بعد الشَّهادتين (٢)؛ فقال لمعاذٍ: "إنَّك ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فلْيكن أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوك بذلك فأعلمهم (٣) أنَّ الله تعالى فَرَض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" (٤) الحديث (٥).
ولأنَّها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله.
ولأنَّ الله فرضها في السماء ليلة المعراج.
ولأنَّها أكثر الفروض ذكرًا في القرآن، ولأنَّ أهل النَّار لمَّا سُئِلُوا (٦): ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر/٤٢] لم يبدؤوا بشيءٍ غير ترك الصلاة.
ولأنَّ فرضَها (٧) لا يسقط عن العبد بحال دون حال (٨) ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنَّها تجب (٩) في حال دون حالٍ.
стр. 76
ولأنَّها عمودُ فُسْطاط الإسلام، وإذا سقط عمود الفُسْطاط وقع (١) الفُسْطاط.
ولأنَّها آخر ما يُفْقد من الدِّين.
ولأنَّها فرضٌ على الحُرِّ والعبد، والذَّكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصَّحيح والمريض، والغني والفقير.
ولم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن أنس: "لم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بإقام الصلاة (٢) وإيتاء الزكاة" (٣).
ولأنَّ قبول سائر الأعمال موقوفٌ على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صومًا، ولا حجًّا، ولا صَدقةً، ولا جهادًا، ولا شيئًا من الأعمال؛ كما قال عون بن عبد الله: "إنَّ العبد إذا دخل قبره سُئِل عن صلاته أول
стр. 77
شيء يُسْأَل عنه؛ فإنْ جازت له نُظِر فيما سوى ذلك من عمله، وإنْ لم تجز له (١) لم ينظر في شيءٍ من عمله بعد" (٢).
ويدلُّ على هذا: الحديثُ الذي في "المسند" (٣)، و"السُّنن" (٤)، من رواية أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ : "أول ما يُحَاسب به العبد من عمله يُحَاسب بصلاته، فإنْ صلحت فقد أفْلَح وأنْجَح، وإنْ فسدت فقد خاب وخسر".
ولو قُبِل منه شيءٌ من أعمال البِرِّ لم يكن من الخائبين الخاسرين.
والرواية الثَّالثة: يُقْتَل بترك الزَّكاة والصِّيام (٥)، ولا يُقْتَل بترك الحج؛ لأنَّه مختلفٌ فيه، هل هو على الفور، أوعلى التَّراخي. فمَن قال: "هو على التراخي" قال: كيف يُقتَل بتأخير شيءٍ موسَّعٍ له (٦) في تأخيره؟
وهذا المأخذ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ من يقتله بتركه لا يقتله (٧) بمجرَّد
стр. 78
التأخير اتِّفاقًا، وإنَّما صورة المسألة: أنْ يعزم على تركه جملةً (١)، ويقول: هو واجبٌ عليَّ ولا أحجُّ أبدًا= فهذا موضع النِّزاع.
والصَّواب: القول بقتله؛ لأنَّ الحجَّ (٢) من حقوق الإسلام، والعصمة لم تثبت (٣) لمن تكلَّم بالإسلام، إلَّا بحقِّه، والحج من أعظم حقوقه (٤).
فصْلٌ
وأمَّا المسألة الرَّابعة (٥): وهي أنَّه هل يقتل حدًّا، كما يقتل المحارب والزَّاني، أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ والزِّنْديق؟ هذا فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد (٦).
إحداهما: يُقتَل كما يُقتَل المرتد. وهذا قول سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي عمرو الأوزاعي، وأيوب السختياني، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه (٧).
стр. 79
وعبد الملك بن حبيب من المالكيَّة (١)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي (٢). وحكاه الطَّحاوي (٣) عن الشَّافعي نفسه.
وحكاه أبومحمد ابن حزمٍ (٤) عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهم من الصَّحابة.
والثَّانية: يُقْتَل حدًّا، لا كفرًا. وهو قول مالكٍ (٥)، والشَّافعي (٦)، واختار أبوعبد الله ابن بطَّة (٧) هذه الرِّواية (٨).
стр. 80
ونحن نذكر حُجَج الفريقين.
قال الذين لا يكفِّرونه (١) بتركها: قد ثَبَت له حكم الإسلام بالدُّخول فيه، فلا نخرجه منه إلَّا بيقين.
قالوا: وقد روى عبادة بن الصامت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ شهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لاشريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ= أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل". أخرجاه في "الصَّحيحين" (٢).
وعن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال ـ ومعاذٌ رديفه على الرَّحل ـ: "يا معاذ"، قال: لبَّيك يا رسول الله وسَعْديك ـ ثلاثًا ـ، قال: "ما مِنْ عبدٍ يشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله إلَّا حرَّمه الله على النَّار".
قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس، فيستبشروا؟ (٣) قال: "إذًا يتَّكِلُوا (٤) ". فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. متَّفقٌ على صِحَّته (٥).
وعن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أسعد النَّاس بشفاعتي من قال:
стр. 81
لا إله إلَّا الله، خالصًا (١) من قلبه". رواه البخاري (٢).
وعن أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام بآيةٍ من القرآن يردِّدُها حتى صلَّى (٣) الغداة، قال: "ودَعَوْتُ لأُمَّتي وأُجِبْتُ بالذي لو اطَّلَعَ عليه كثيرٌ منهم تركوا الصَّلاة". فقال أبوذرٍّ: أفلا أبشِّر النَّاس؟ قال: "بلى".
فانطلق، فقال عمر: إنَّك إنْ تبعث إلى الناس بهذا يتَّكلوا (٤) عن العبادة، فناداه: أنْ ارجع، فرجع. والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/١١٨]. رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٥).
стр. 82
وفي "المسند" (١) ـ أيضًاـ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الدَّواوين عند الله ثلاثة (٢)؛ دِيوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، ودِيوان لا يترك الله منه شيئًا، ودِيوان لا يغفره الله. فأمَّا الدِّيوان الذي لا يغفره الله (٣): فالشِّرك (٤)، قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ (٥) بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة/٧٢]. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فظلم العبد نفسَه فيما بينه وبين ربِّه؛ من صومٍ تركه أوصلاةٍ تركها؛ فإنَّ الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إنْ شاء. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يترك الله منه شيئًا: فظلم العباد بعضهم بعضًا؛ القِصاص لا محالة".
وفي "المسند" (٦) ـ أيضًاـ عن عبادة بن الصَّامت قال: سمعت رسول الله
стр. 83
ﷺ يقول: "خمس صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العِباد، من أتى بهِنَّ كان له عند الله عهدٌ أنْ يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهِنَّ فليس له عند الله (١) عهدٌ، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له".
وفي "المسند" (٢) ـ أيضًا ـ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصَّلاة المكتوبة، فإنْ أتمَّها وإلَّا قيل: انظُرُوا هل له من تطوُّعٍ، فإنْ كان له تطوُّعٌ أُكْمِلَت الفريضة من (٣) تطوُّعِه، ثم يُفْعَل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك". رواه أهل "السُّنن" (٤). وقال
стр. 84
стр. 85
على النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله".
وفي حديث الشَّفاعة: يقول الله : "وعزَّتي وجلالي لأخرجَنَّ من النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله". وفيه: "فيخرج من النَّار (١) مَنْ لم يعمل خيرًا قطُّ" (٢).
وفي "السُّنن" (٣) و"المسانيد" (٤) قِصَّة صاحب البطاقة، الذي تُنْشَر (٥) له تسعة وتسعون سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ منها مدَّ البصر، ثم
стр. 86
تخرج له بطاقةٌ، فيها (١) شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، فترجح سيِّئاته (٢).
ولم يذكر في البطاقة غير الشَّهادة، ولو كان فيها غيرها لقال: "ثم تخرج (٣) له صحائف حسناته فتوزن سيِّئاته (٤) ". ويكفينا في هذا قوله: "فيخرج من النَّار من لم يعمل خيرًا قط"، ولو كان كافرًا لكان مخلَّدًا في النار غير خارجٍ منها.
فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التَّكفير، والتَّخليد، وتوجب من الرجاء (٥) له ما يُرْجى لسائر أهل الكبائر.
قالوا: ولأنَّ الكفر جُحُود التوحيد، وإنكار الرسالة والمعاد، وجَحْد ما جاء به الرسول، وهذا يقرُّ (٦) بالوحدانية، شاهدًا أنَّ محمدًا رسول الله، مؤمن بأنْ الله يبعث مَن في القبور= فكيف يُحْكَم بكفره والإيمان هو التَّصديق، وضدُّه (٧) التَّكذيب، لا ترك العمل؟ فكيف يُحْكَم للمصدِّق بحكم المكذِّب الجاحد؟
стр. 87
قال المكفِّرون: الذين رُوِيَت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حُفِظَ عنهم من الصَّحابة تكفير تارك الصَّلاة بأعيانهم.
قال أبومحمد ابن حزم (١): "وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصَّحابة ﵃: أنَّ مَن تَرَك صلاة فرضٍ واحدةٍ (٢) متعمِّدًا حتى يخرج وقتها فهو كافرٌ مرتدٌّ".
قالوا: ولا يُعْلَم لهؤلاء مخالفٌ (٣) من الصَّحابة.
وقد دلَّ على كفر تارك الصَّلاة الكتاب، والسُّنة، وإجماع الصَّحابة.
أمَّا الكتاب: قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٤)﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٣٥ - ٤٣].
стр. 88
فوجه الدلالة من الآية: أنَّه سبحانه أخبر أنَّه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأنَّ هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين، الذين هم ضد المسلمين، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم/٤٢]، وأنَّهم يدعون إلى السُّجود لربِّهم ﵎؛ فيُحال بينهم وبينه، فلا يستطيعون السُّجود مع المسلمين في دار الآخرة (١)؛ عقوبةً لهم على ترك السُّجود له مع المصلِّين في دار الدنيا.
وهذا يدلُّ على أنَّهم مع الكفار والمنافقين، الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي (٢) البقر، ولو كانوا (٣) من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسُّجُود كما أُذِنَ للمسلمين.
الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر/٣٨ - ٤٧].
فلا يخلو؛ إمَّا أنْ يكون كُلُّ واحدٍ من هذه الخصال هو الذي
стр. 89
سلكهم في سَقَر، وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها.
فإنْ كان كُلُّ واحدٍ منها مستقلًّا (١) بذلك فالدلالة ظاهرةٌ، وإنْ كان مجموع الأمور الأربعة، فهذا إنَّما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلَّا فكُلُّ واحدٍ منها مقتضٍ للعقوبة؛ إذْ لا يجوز أنْ يُضَمَّ ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقلٌّ بها.
ومن المعلوم أنَّ تَرْك الصَّلاة وما ذُكِرَ معه ليس شرطًا في العقوبة على التَّكذيب بيوم الدِّين، بل هو وحده كافٍ في العقوبة؛ فدلَّ على أنَّ كُلَّ وصفٍ (٢) ذكر معه كذلك؛ إذْ لا يمكن لقائلٍ (٣) أنْ يقول: لا يعذب إلَّا مَنْ جَمَع (٤) هذه الأوصاف الأربعة!
فإذا كان كُلُّ واحدٍ منها موجِبًا (٥) للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين، كان تارك الصلاة من المجرمين السَّالكين في سَقَر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر/٤٧ - ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 90
أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين/٢٩]؛ فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين (١).
الدَّليل الثَّالث: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور/٥٦].
فوجه الدلالة: أنَّه سبحانه علَّق حصول الرَّحمة لهم بفعل هذه الأمور؛ فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين (٢) بدون فعل الصَّلاة، والرَّبُّ تعالى إنَّما جعلهم على رجاء (٣) الرَّحمة إذا فعلوها.
الدَّليل الرَّابع: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٤ - ٥].
وقد اختلف السَّلف في معنى السَّهْو عنها؛ فقال سعد بن أبي وقَّاص، ومسروق بن الأجدع، وغيرهما: "هو تركها حتى يخرج وقتها" (٤).
стр. 91
ورُوِيَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ. قال محمد بن نصر المروزي (١):
حدثنا شيبان (٢) بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبد الملك ابن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص (٣) عن أبيه: أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٥] قال: "هم الذين يؤخِّرُون الصَّلاة عن وقتها".
وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلتُ لأبي: يا أبتاه، أرأيت قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٥] أيُّنا لا يسهو؟ أيُّنا لا يحدِّث نفسَه؟ قال: "إنَّه ليس ذاك (٤)، ولكنَّه إضاعة الوقت" (٥).
стр. 92
وقال حيوة (١) بن شريح: أخبرني أبوصخر أنَّه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٥] قال: "هو تاركها"، ثمَّ سأله عن الماعون، قال: "منع المال مِن (٢) حقِّه" (٣).
إذا عُرِفَ هذا فالوعيد بالويل اطَّرد في القرآن للكُفَّار؛ كقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصِّلت/٦ - ٧]، وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ (٤) عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية/٧ - ٩]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم/٢].
إلَّا في موضعين، وهما: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين/١]، و ﴿وَيْلٌ
стр. 93
لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة/١]؛ فعلَّق الويل بالتَّطفيف، وبالهَمْز واللَّمز، وهذا لا يكفر به بمجرده (١).
فويل تارك الصلاة إمَّا أنْ يكون ملحقًا بويل الكفار، أو بويل الفسَّاق، فإلحاقه بويل الكفار أولى؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه قد صحَّ عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية أنَّه قال: "لو تركوها لكانوا كفَّارًا، ولكن ضيَّعوا وقتها" (٢).
الثَّاني: ما سنذكره من الأدلَّة (٣) على كفره. يوضِّحه:
الدَّليل الخامس: وهو قوله (٤) سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩].
قال شعبة بن الحجاج: حدثنا أبوإسحاق عن أبي عبيدة عن
стр. 94
стр. 95
لقمان بن عامر الخزاعي (١) قال: جِئت أبا أمامة الباهلي فقلت: حدِّثْني حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعتُ رسول الله (٢) ﷺ يقول: "لو أنَّ صخرةً قُذِفَ بها من شَفِير جهنَّم ما بلغت قعرها (٣) سبعين خريفًا، ثم تنتهي إلى (٤) غَيٍّ وأَثَام". قلتُ: وما غَيٌّ وأَثَام؟ قال: "بِئْران في أسفل جهنَّم، يسيل فيهما (٥) صديد أهل جهنَّم (٦) "، فهذا الذي ذكره الله في كتابه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩]، و ﴿أَثَامًا﴾ [الفرقان/٦٨].
قال محمد بن نصر (٧): حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبد الله بن
стр. 96
المبارك أخبرنا هشيم (١) بن بشير قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: "إنَّ ما بين شفير جهنَّم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفًا، من حجرٍ يهوي، أو قال: صخرةٍ تهوي، عِظَمُها كعَشر عُشَرَاواتٍ (٢)، عِظَامٍ، سِمَانٍ"، فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك من شيءٍ يا أبا أمامة؟ قال: "نعم، غَيٌّ وأَثَام".
وقال أيوب بن بشير عن شُفَيِّ بن ماتِع (٣) قال: "إنَّ في جهنَّم واديًا يُسَمَّى غيًّا، يسيل دمًا وقيْحًا (٤)، فهو لمن خُلِقَ له، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩] " (٥).
فوجه الدلالة من الآية: أنَّ الله سبحانه جعل هذا المكان من النَّار
стр. 97
لمن أضاع الصَّلاة واتَّبَع الشَّهوات، ولو كان مع عُصاة المسلمين لكانوا في الطَّبقة العُلْيا من طبقات النَّار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها؛ فإنَّ هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام، بل من أمكنة الكُفَّار.
ومن الآية دليلٌ آخر: وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم/٥٩ - ٦٠]. فلو كان مضيِّع الصَّلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان؛ فإنَّه يكون تحصيلًا للحاصل.
الدَّليل السَّادس: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة/١١]. فعلَّق أخوَّتَهم للمؤمنين بفعل الصَّلاة، فإذا لم يفعلوها لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونوا (١) مؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات/١٠].
الدَّليل السَّابع: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة/٣١ - ٣٢]. فلمَّا كان الإسلام تصْديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضِدَّين؛ عدم التَّصْديق، وعدم الصَّلاة. وقابَلَ التَّصْديقَ بالتَّكذيب، والصَّلاة بالتَّوَلِّي، فقال: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة/٣٢].
فكما أنَّ المكذِّب كافرٌ فالمتولِّي عن الصَّلاة كافرٌ، وكما يزول الإسلام بالتَّكذيب يزول بالتولِّي عن الصَّلاة.
стр. 98
قال سعيد عن قتادة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: "لا صدَّق بكتاب الله، ولا صلَّى لله، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بآيات الله (١)، وتولَّى عن طاعته، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: وعيدٌ على إثر وعيدٍ" (٢).
الدَّليل الثَّامن: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون/٩]. قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: "هي الصَّلاة المكتوبة" (٣).
ووجه الاستدلال بالآية: أنَّ الله حَكَم بالخُسْران المطلق على مَنْ (٤) ألْهَاهُ مالُه وولدُه عن الصَّلاة، والخسران المطلق (٥) لا يحصل إلَّا للكفَّار؛ فإنَّ المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الرِّبْح.
يوضِّحُهُ: أنَّه أكَّد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:
стр. 99
أحدها: إتيانه بلفظ الاسم (١) الدَّال على ثبوت الخسران ولزومه، دون الفعل الدَّال على التجدُّد والحدوث (٢).
الثَّاني: تصدير الاسم بالألف واللَّام، المؤذنة بحصول (٣) كمال المسمَّى لهم؛ فإنَّك إذا قلتَ: زيدٌ العالمُ الصَّالحُ، أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له (٤)، بخلاف قولك: عالمٌ صالحٌ (٥).
الثَّالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انْحصار الخبر في المبتدأ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة/٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة/٢٥٤]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ (٦) هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال /٤]، ونظائره.
الرَّابع: إدخاله ضمير الفصْل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين؛ قوة الإسناد، واختصاص المسنَد إليه بالمسند؛
стр. 100
كقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج /٦٤]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة/٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١)﴾ [يوسف/٩٨]، ونظائر ذلك.
الدَّليل التَّاسع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة /١٥].
ووجه الاستدلال بالآية: أنَّه سبحانه نفى الإيمان عمَّن إذا ذُكِّر بآيات الله لم يخرَّ ساجدًا (٢) مسبِّحًا بحمد ربِّه، ومن أعظم التَّذكير بآياته (٣) التَّذكير بآيات الصَّلاة؛ فمن ذُكِّر بها فلم يتذكَّر ولم يصلِّ فلم يؤمن بها؛ لأنَّه (٤) سبحانه خصَّ المؤمنين بها بأنَّهم أهل السُّجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه. فلم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (٥)﴾ [البقرة/٤٣]، إلَّا من التزم إقامتها.
الدَّليل العاشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ
стр. 101
يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات/٤٨ - ٤٩]، ذكر هذا بعد قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات/٤٦]، ثمَّ توعَّدهم على ترك الرُّكوع
ــ وهوالصَّلاة ــ إذا دُعُوا إليها. ولا يُقَال: إنِّما (١) توعَّدَهم على التَّكذيب؛ فإنَّه سبحانه إنَّما أخبر (٢) عن تركهم لها، وعليه وَقَع الوعيد.
على أنَّا نقول: لا يُصِرُّ على ترك الصَّلاة إصْرارًا مستمرًّا مَن يصدِّق بأنَّ الله أمَرَ بها أصْلًا؛ فإنَّه يستحيل في العادة والطَّبيعة أنْ يكون الرجل مصدِّقًا تصديقًا جازمًا أنَّ الله سبحانه فرض عليه كُلَّ (٣) يومٍ وليلةٍ خمس صلوات، وأنَّه (٤) يعاقبه على تركها أشدَّ العقاب= وهو مع ذلك مصرٌّ على تركها؛ هذا من المستحيل قطعًا.
فلا يحافظ على تركها مصدِّقٌ بفرضها أبدًا؛ فإنَّ الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمره بها فليس في قلبه شيء من الإيمان.
ولا يُصْغَى إلى كلام مَنْ ليس له (٥) خبرةٌ ولا علمٌ بأحكام القلوب
стр. 102
وأعمالها. وتأمَّل هل في الطَّبيعة أنْ (١) يقوم بقلب العبد إيمانٌ بالوعد والوعيد، والجنَّة والنَّار، وأنَّ الله فرض عليه الصَّلاة، وأنَّه معاقبه (٢) على تركها= وهو محافظٌ على التَّرك في صحَّتِه وعافيته، وعدم الموانع المانعة له من الفعل.
وهذا القَدْر هو الذي خَفِي على من جعل الإيمان مجرَّد التَّصديق وإنْ لم يقارنه فِعْلُ واجبٍ ولا تَرْك محرَّمٍ، وهذا من أمحل المحال؛ أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ (٣).
ونحن نقول: الإيمان هو التَّصديق، ولكن ليس التَّصديق مجرَّد اعتقاد صِدْق المخبر، دون الانقياد له. ولو كان مجرَّد اعتقاد التَّصديق إيمانًا لكان إبليس، وفرعون وقومه، وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا أنَّ محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم =مؤمنين مصدِّقين! وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: يعتقدون أنَّك صادق ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام/٣٣]، والجحود لا يكون إلَّا بعد معرفة الحق.
وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل/١٤].
стр. 103
وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء/١٠٢]. وقال تعالى عن اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/١٤٦].
وأبلغ من هذا قول النَّفَرَ من اليهود لمَّا جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ ، وسألوه عمَّا دلَّهم (١) على نبوَّتِه، فقالا: نشهد أنَّك نَبيٌّ، فقال: "ما يمنعكما من اتِّباعي؟ " قالا: إنَّ داود دعا أنْ لا يزال (٢) في ذُرِّيَّته نبيٌّ، وإنَّا نخاف إنِ اتَّبعناك أنْ تقتلنا يهود (٣) (٤).
فهؤلاء قد أقرُّوا بألسنتهم إقرارًا مطابقًا لمعتقدهم أنَّه نبيٌّ، ولم يدخلوا بهذا التَّصديق والإقرار في الإيمان؛ لأنَّهم لم يلتزموا طاعته
стр. 104
والانقياد لأمره.
ومن هذا كفر أبي طالب؛ فإنَّه عَرَف حقيقة المعرفة أنَّه صادقٌ، وأقرَّ بذلك بلسانه، وصرَّح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام.
فالتَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين:
أحدهما: اعتقاد الصِّدق. والثَّاني: محبَّة القلب وانقياده (١).
ولهذا قال تعالى لإبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات/١٠٥]. وإبراهيم كان معتقدًا لصِدْق رؤياهُ من حين رآها؛ فإنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، وإنَّما جعله مصدِّقًا لها بعد أنْ فعل ما أُمِر به.
وكذلك قول النَّبيِّ (٢) ﷺ : "والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه" (٣). فجَعَل التَّصديق عَمَل الفَرج ما تمنَّى القلب (٤)، والتَّكذيب تركه لذلك. وهذا صريحٌ في أنَّ التَّصديق لا يصحُّ إلَّا بالعمل.
وقال الحسن: "ليس الإيمان بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي، ولكن ما وَقَر
стр. 105
стр. 106
فصْلٌ
وأمَّا الاستدلال بالسُّنَّة على ذلك، فمن وجوه:
الدَّليل الأوَّل: ما رواه مسلمٌ في "صحيحه" (١) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الرَّجل وبين الكفر (٢) ترك الصَّلاة". ورواه أهل "السُّنن" (٣)، وصحَّحه الترمذي (٤).
الدَّليل الثَّاني: ما رواه بُرَيدة بن الحُصَيب (٥) الأسلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العَهْد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَنْ تَرَكها فقد كفر". رواه الإمام أحمد (٦)، وأهل "السُّنن" (٧). وقال الترمذي: "حديثٌ صحيحٌ" (٨). وإسنادُه على شرط مسلم.
стр. 107
الدَّليل الثَّالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصَّلاة؛ فإذا تركها فقد أشرك". رواه هبة الله الطَّبري (١)، وقال: "إسنادُه صحيحٌ، على شرط مسلم".
الدَّليل الرَّابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه ذكر الصَّلاة يومًا، فقال: "مَنْ حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبَيِّ ابن خلف"، رواه الإمام أحمد (٢) في "مسنده" (٣)، وأبوحاتم ابن حبَّان في "صحيحه" (٤).
стр. 108
وإنَّما خصَّ هؤلاء الأربعة بالذِّكر لأنَّهم من رؤوس الكفرة.
وفيه نكتةٌ بديعة، وهي (١): أنَّ تارك المحافظة على الصَّلاة إمَّا أنْ يشغله (٢) ماله، أو ملكه، أو رياسته، أوتجارته؛ فمَنْ شَغَلَه عنها مالُه فهو مع قارون، ومن شَغَلَه عنها ملكُه (٣) فهو مع فرعون، ومن شَغَلَه عنها رياستُه ـ من وزارةٍ أوغيرها ـ (٤) فهو مع هامان (٥)، ومن شَغَلَه عنها تجارتُه فهو مع أُبَيِّ بن خلف.
الدَّليل الخامس: ما رواه عُبادة بن الصَّامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: "لا تُشْركُوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصَّلاة عمدًا (٦)؛ فمن تركها عمدًا متعمِّدًا فقد خَرَج من (٧) المِلَّة". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سُنَنه" (٨).
стр. 109
الدَّليل السَّادس: ما رواه معاذ بن جبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد برِئَت منه ذِمَّة الله". رواه الإمام أحمد (١).
стр. 110
ولو كان باقيًا على إسلامه لكانت له ذِمَّة الإسلام.
الدَّليل السَّابع: ما رواه أبو الدَّرداء قال: "أوصاني أبوالقاسم ﷺ أنْ لا أترك الصَّلاة متعمِّدًا، فمَن تركها متعمِّدًا فقد برِئَت منه الذِّمَّة". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" (١).
الدَّليل الثَّامن: ما رواه معاذ بن جبل عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة". وهو حديثٌ صحيحٌ، مختصرٌ (٢).
ووجه الاستدلال به: أنَّه أخبر أنَّ الصَّلاة من الإسلام بمنزلة العمود