← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثلاث تسبيحات، فيجعل القيام منه بقدره أضعافًا مضاعفةً، وكذلك جلوسه بين السَّجدتين حتى يقولوا: «قد أوهم»؟ ولا ريب أنَّ سجوده وركوعه إمَّا مساوٍ لهذين الرُّكنين أو أطول منه، وأنتم تقولون: إنَّ (١) ركوعه وسجوده كان أطول (٢) من قيامه بعد الركوع، وجلوسه بين السَّجدتين، حتى تكرهوا إطالتهما، ويغلو من يغلو منكم فيبطل الصلاة بإطالتهما (٣)! وقد شهد البراء بن عازب أنَّ ركوعه وسجوده كان نحوًا من قيامه (٤)، ومحالٌ أنْ يكون مقدار ذلك ثلاث تسبيحاتٍ. ولعلَّه خفَّف مرَّةً لعارضٍ، فشهده عمُّ السَّعدي أو أبوه فأخبر به. وقد حكم النَّبِيُّ ﷺ أنَّ طول صلاة الرجل من فِقْهِه، وهذا الحكم أولى من الحُكْمِ (٥) له بقلَّة الفقه؛ فحُكْمُ رسول الله ﷺ هو الحُكْمُ الحق، وما خالفه الحكم الباطل الجائر. فروى مسلمٌ في «صحيحه» (٦)، من حديث عمَّار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ

стр. 422

طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاة، واقْصُروا الخطبة». والمَئِنَّة: العلامة. وعند سُرَّاق الصلاة أنَّ العجلة فيها من علامات الفقه، فكلَّما سَرَق (١) ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته وفقهه. وفي «صحيح ابن حبان» (٢)، و «سنن النَّسائي» (٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ويقلُّ اللَّغوَ، ويطيل الصَّلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنفُ يمشي (٤) مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة». فهذا فعلُه، وذاك قولُه في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس، وكان يقرأ فيها بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين (٥)، ولم يقتصر

стр. 423

على الثلاث (١) آيات من آخرهما في جمعةٍ واحدةٍ أصلًا. فعطَّل كثيرٌ من الناس سُنَّته، فاقتصر (٢) على آخرهما، ولم يقرأ بهما كاملتين أصلًا. وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان/١] كاملتين في الركعتين، مع قراءته المترسِّلة على مُهْلةٍ وتأنٍّ (٣). فعطَّل كثيرٌ من الأئمَّة ذلك، واقتصروا (٤) على بعض هذه وهذه، أو على إحدى السُّورتين في الرَّكعتين. ومن يقرأ بهما كاملتين فكثيرٌ منهم يقرأ بهما هذًّا بسرعة، وهذا مكروهٌ للإمام. وكُلُّ هذا فِرار من هَدْيِه ﷺ . فإنْ جاءهم (٥) حديثٌ صحيحٌ يخالف (٦) ما ألِفُوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخٌ، أوخلاف الإجماع، والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم. ولو كانت أحاديث التَّطويل منسوخةً لكان أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 424

أعلم بذلك، ولما احتجُّوا بها على من لم يعمل بها، ولا عمل بها أعلم الأمَّة به، وهم الخلفاء الرَّاشدون. فهذا صِدِّيقُ الأمَّة وشيخ الإسلام، صلَّى الصُّبح، فقرأ البقرة من أوَّلها إلى آخرها ـ وخَلْفه الصَّغير والكبير وذو الحاجة ـ فقالوا له: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع! فقال: «لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين» (١). ومَضَى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وكان يقرأ في الفجر بالنَّحل ويوسف، وبهود ويونس، وبني إسرائيل، ونحوها من السور (٢). وقد تقدَّم حديث عبد الله (٣) بن عمر: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا (٤) بالتَّخفيف، ويؤمُّنَا بالصَّافات» (٥). فالذي فعله هو الذي أمر به. وقد تقدَّم حكاية الذِّكر والدُّعاء الذي كان يقوله في ركن الاعتدال من الرُّكوع، وأنَّه كان يطيله حتى يقول مَنْ خلفه: «قد أوْهَم». وتقدَّم حديث أبي سعيد في دخوله ﷺ في صلاة الظُّهر: «فيذهب الذَّاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله، فيتوضَّأ ثم يأتي المسجد، فيدركه في الركعة

стр. 425

الأولى (١)» (٢). فيالله العجب! ما الذي حرَّم الاقتداء به في ذلك، أوجعله مكروهًا؟ ونحن نقول: كلَّا والذي بعثه بالحق، إنَّ الاقتداء به في ذلك مرضاة لله ورسوله، وإنْ تَرَكَها مَنْ تَرَكَها. وأمَّا حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ودخول سهل بن أبي أمامة على (٣) أنس بن مالك، فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً كأنَّها صلاة مسافر، فقال: «إنَّها لصلاة رسول الله ﷺ » (٤) = فهذا ممَّا تفرَّد به ابن أبي العمياء، وهو شِبْه المجهول. والأحاديث الصَّحيحة عن أنسٍ كلُّها (٥) تخالفه. كيف يقول أنسٌ هذا وهو القائل: إنَّ أشبه (٦) من رأى صلاةً برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، وكان يسبِّح عشرًا عشرًا؟ وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يُقَال: «قد نسِيَ»، وكذلك (٧) بين

стр. 426

السَّجدتين، ويقول: «ما آلو أنْ أصلِّي لكم (١) صلاة رسول الله ﷺ » (٢). وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصَّلاة؟ ويكفي في ردِّ حديث ابن أبي العمياء ما تقدَّم من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، التي لا مَطْعَن في سندها، ولا شبهة في دلالتها (٣). فلو صحَّ حديث ابن أبي العمياء ـ وهو بعيدٌ عن (٤) الصِّحَّة ـ لوجب حمله على أنَّ تلك صلاة رسول الله ﷺ للسُّنَّة الرَّاتبة، كسُّنَّة الفجر والمغرب والعشاء، وتحيَّة المسجد، ونحوها، لا أنَّ تلك صلاته التي كان يصلِّيها بأصحابه دائمًا. وهذا ممَّا يقطع ببطلانه، وتردُّه (٥) سائر الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة. ولا ريب أنَّ رسول الله ﷺ كان يخفِّف بعض الصَّلاة، كما كان يخفِّف سُنَّة الفجر، حتى تقول عائشة أم المؤمنين: «هل قرأ فيها بأمِّ القرآن (٦)؟» (٧). وكان يخفِّف الصَّلاة في السَّفر، حتى كان ربَّما قرأ في

стр. 427

الفجر بالمعوِّذَتين (١). وكان يخفِّف إذا سمع بكاء الصَّبي (٢). فالسُّنَّة التَّخفيف حيث خفَّف، والتَّطويل حيث أطال، والتوسُّط غالبًا. فالذي أنكره أنسٌ هو التَّشديد، الذي لا يخفِّف صاحبُه على نفسه، مع حاجته إلى التَّخفيف، ولا ريب أنَّ هذا خلاف سُنَّته وهَدْيه. وأمَّا حديث معاذٍ، وقوله ﷺ : «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟» فلم يتعلَّق السُّرَّاق منه إلَّا بهذه الكلمة، ولم يتأمَّلوا أوَّل الحديث وآخره! فاسْمَع سياق (٣) قصَّة معاذٍ. فعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجلٌ بناضِحَين (٤) وقد جنح اللَّيل، فوافق معاذًا يصلِّي، فترك ناضِحَيه، وأقبل إلى معاذٍ (٥)، فقرأ بسورة البقرة أو النِّساء، فانطلق الرجل، وبَلَغه أنَّ معاذًا نال منه، فأتى رسول الله ﷺ ، فشكا (٦) إليه معاذًا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أفتَّانٌ أنت (٧)، أو قال: أفاتنٌ

стр. 428

أنت؟ ثلاث مرار (١)، فلولا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]؛ فإنَّه يصلِّي وراءك الكبير، والضَّعيف، وذو الحاجة». رواه البخاري ومسلم، ولفظه للبخاري (٢). وفي «مسند الإمام أحمد (٣)» (٤)، من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومه، فدخل حرامٌ (٥) وهو يريد أنْ يسقي نخْلَهُ، فدخل المسجد مع القوم، فلمَّا رأى معاذًا طوَّل تجوَّزَ في صلاته، ولحق بنخْلِهِ يسقيه، فلمَّا قضى معاذٌ الصَّلاة قيل له ذلك، فقال: إنَّه لمنافقٌ، أيعجل عن الصَّلاة من أجل سقي (٦) نخله! قال: فجاء حرامٌ النَّبيَّ ﷺ ــ ومعاذ عنده ــ فقال: يا نبيَّ الله، إنِّي أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلِّي مع القوم، فلمَّا طوَّل تجوَّزْتُ في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أنِّي منافقٌ! فأقبل النَّبيُّ ﷺ على معاذٍ، فقال: «أفتَّانٌ

стр. 429

أنت؟ لا تطوِّل بهم، اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحوها». وعن معاذ بن رفاعة الأنصاري عن سليم ــ رجلٍ من بني سلمة (١) ـ: أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام (٢) ــ ونكون في أعمالنا بالنَّهار ــ فينادي بالصَّلاة، فنخرج إليه، فيطوِّل علينا، فقال رسول الله ﷺ : «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتَّانًا، إمَّا أنْ تصلِّي معي، وإمَّا أنْ تخفِّف على قومك». ثُمَّ قال: «يا سُليم، ما معك من القرآن؟» قال: إنِّي أسأل الله الجنة، أوقال: أسأله (٣) الجنَّة، وأعوذ به من النَّار، والله ما أحسن دَنْدَنَتَك ولا دَنْدَنَة معاذ! فقال رسول الله ﷺ : «وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلَّا أنْ نسأل (٤) الله الجنة، ونعوذ به من النار!». قال سليمٌ: سترون غدًا إذا التقى القوم إنْ شاء الله، قال: والنَّاس يتجهَّزُون إلى أُحدٍ، فخرج فكان في الشُّهداء ﵀. رواه الإمام أحمد (٥).

стр. 430

فإنْ قيل: فقد روى الإمام أحمد (١)، من حديث بريدة: أنَّ معاذ بن جبل صلَّى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١]، فقام رجلٌ قبل أنْ يفرغ فصلَّى وذهب، فقال له معاذٌ قولًا شديدًا، فأتى الرَّجلُ النَّبيَّ ﷺ فاعتذر إليه، فقال: إنِّي كنت أعمل في نخلي وخِفْتُ على الماء، فقال رسول الله ﷺ : «صلِّ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحوها من السُّور» = فقد أجيب عن هذا بأنَّ قصة معاذ تكرَّرت. وهذا جوابٌ في غاية البُعْد عن الصَّواب؛ فإنَّ معاذًا كان أفقه في دين الله من أنْ ينهاه رسول الله ﷺ عن شيءٍ (٢) ثم يعود له. وأجودُ من هذا الجواب: أنْ يكون قرأ في الرَّكعة الأولى بالبقرة، وفي الثَّانية بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١]، فذكر بعضهم قراءته في الأولى (٣) فقال: «صلَّى بالبقرة»، وبعضهم قراءته في الثَّانية، فقال: «صلَّى بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١]».

стр. 431

والذي في «الصَّحِيحَين (١)» أنَّه قرأ بسورة البقرة، وشكَّ بعض الرُّواة فقال: «بالبقرة أوالنِّساء». وقصَّة قراءته بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ لم تُذْكَر في «الصَّحيح». والذي في «الصَّحِيْحَين» (٢) أولى بالصِّحَّة منها. وقد حفظ الحديث جابرٌ فقال: «كان معاذٌ يصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ العشاء، ثُمَّ أتى قومه فأمَّهُم، فافتتح بسورة البقرة». وذكر القِصَّة. فهذا جابرٌ أخبر أنَّه فعل ذلك مرَّةً، وأنَّه قرأ بالبقرة ولم يشكَّ، وهذا الحديث متَّفقٌ على صِحَّته، أخرجاه في «الصَّحِيْحَين» (٣). والله أعلم. فصْلٌ وقد ظهر بهذا أنَّ التعمُّق والتنطُّع والتَّشديد الذي نهى عنه رسول الله ﷺ هو المخالف لهَدْيه وهَدْي أصحابه، وما كانوا عليه. وأنَّ موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة، وإنْ أباها مَنْ أباها، وجهلها مَنْ جهلها. فالتعمُّق والتَّنطُّع: مخالفة ما (٤) جاء به، وتجاوزه، والغلوُّ فيه.

стр. 432

ويقابِلُهُ (١): إضاعته، والتَّفريط فيه، والتَّقصير عنه. وهما خطأٌ وضلالةٌ، وانحرافٌ عن الصَّراط المستقيم والمنهج القويم. ودين الله بين الغالي فيه (٢) والجافي عنه (٣). وقد قال علي بن أبي طالبٍ (٤): «خير النَّاس النَّمط الأوسط؛ الذي يرجع إليهم الغالي، ويلحق بهم التَّالي». ذكره ابن المبارك عن محمد ابن طلحة عن عليٍّ (٥).

стр. 433

وقال ابن عائشة (١): «ما أمر الله عباده بأمرٍ إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غلوٍّ، وإمَّا إلى تقصير» (٢). وقال بعض السَّلف: «دينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه» (٣). وقد مَدَح تعالى أهل التَّوسُّط بين الطَّرَفين المنْحَرِفَيْن في غير موضعٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان/٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء/٢٩]. وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء/٢٦]. فمَنْعُ ذي القُرْبى والمسكين وابن السَّبيل حقَّهُم انحرافٌ في جانب الإمساك، والتَّبذيرُ انحرافٌ في جانب البَذْل، ورضا الله فيما بينهما؛ ولهذا كانت هذه الأمَّة أوسط الأُمم، وقبلتها أوسط القِبَل بين القِبْلَتَيْن المنحَرِفَتَيْن، والوسط دائمًا محميٌّ بالأطراف (٤)، فالخَلَل إليها أسرع،

стр. 434

كما قال الشَّاعر (١): كانت هي الوسط المحْمِي فاكتَنَفَتْ … بها الحوادث حتَّى أصبحَتْ طَرَفَا فقد اتَّفق شرع الرَّب تعالى وقدره على أنَّ خيار الأمور أوساطها. وأمَّا قولهم: إنَّ محبَّة الصَّحابة لرسول الله ﷺ ولصوته وقراءته يحملهم على احتمال إطالته، فلا يجدون لها مشقَّةً= فلعمر الله (٢) إنَّ الأمر كما ذكروه (٣)، بل حبُّهم له يحملهم على بذل نفوسهم وأموالهم بين يديه، وعلى وقاية نَفْسِه الكريمة بنفوسهم؛ فكانوا يتقدَّمون إلى الموت بين يَدَيْه تقدُّم المحبِّ إلى رضا محبوبه. ولعمر الله هذا شأن أتباعه من بعده إلى يوم القيامة، لا تأخذهم في متابعة سُنَّته (٤) لومة لائمٍ، ولا يثنيهم (٥) عنها عذْلُ عاذلٍ، فهم يحتملون

стр. 435

في متابعته والاهتداء بهَدْيِه لوم اللَّائمين وطعن الطَّاعنين ومعاداة الجاهلين، الذين رضوا من سُنَّته بآراء الرجال بدلًا، وتمسَّكُوا بها، فلا يبغون عنها حِوَلًا، وعرضوا عليها نصوص السُّنَّة والقرآن عرض الجيوش على السُّلطان، فما وافقها قبلوه، وما خالفها تلطَّفُوا في ردِّه بأنواع التَّأويل (١). فمرَّةً يقولون: هذا متروك الظَّاهر، ومرَّةً يقولون: لا يُعْلَم به قائلٌ، ومرَّةً يقولون: هو منسوخٌ، ومرَّةً يقولون: متبوعنا أعلم به مِنَّا، وما خالفه إلَّا وقد صحَّ عنده ما يقتضي مخالفته. فأَتْبَاعُه في مجاهدة هذه الفِرَق دائبون، وعلى متابعة سُنَّته (٢) دائرون، فإن كان قد غاب عن أعينهم شخصه الكريم فقد شاهدوا ببصائرهم ما كان عليه الهَدْي المستقيم. فصْلٌ فهاك سياق صلاته ﷺ ، من حين استقباله القبلة وقوله: «الله أكبر» إلى حين سلامه، كأنَّك تشاهده عيانًا، ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت. كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة واستقبل القِبْلة ووقف في مصلَّاه= رفع يَدَيْه إلى فروع أُذُنَيه (٣)، واستقبل بأصابعه القبلة

стр. 436

ونشرها (١)، وقال: «الله أكبر» (٢). ولم يكن يقول قبل ذلك: نَوَيْتُ (٣) أصلِّي كذا وكذا، مستقبل (٤)

стр. 437

القبلة، أربع ركعاتٍ، فريضة الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا أو مأمومًا (١)! ولا كلمةً واحدةً من ذلك في مجموع صلاته من أوَّلها إلى آخرها؛ فقد نَقَل عنه أصحابه (٢) حركاته وسكناته وهيئاته، حتى اضطراب لحيته في الصَّلاة (٣)، حتى إنَّه حَمَل بنت ابنته مرَّةً في الصَّلاة (٤)، فنقلوه ولم يهملوه. فكيف يتَّفق مَلَؤُهُم ـ من أوَّلهم إلى آخرهم ـ على ترك نقل هذا المهمِّ، الذي هو شِعَار الدُّخول في الصَّلاة؟ ولعمر الله لو ثبت عنه من هذا كلِّه (٥) كلمة واحدة لكُنَّا أول من اقتدى به فيها، وبادر إليها. ثم كان يمسك شماله بيمينه، فيضعها عليها فوق المِفْصَل، ثم يضعهما (٦)

стр. 438

على صَدْرِه (١)، ثُمَّ يقول: «سبحانك اللَّهُم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى

стр. 439

جَدُّك، ولا إله غيرك» (١). وكان أحيانًا يقول (٢): «اللَّهم باعِد بيني وبين خطاياي كما باعَدْت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ نَقِّنِي من خطايَاي كما يُنَقَّى الثَّوب الأبيض من الدَّنَس، اللَّهُمَّ اغسل خطايايَ بالماء والثَّلْج والبَرَد» (٣). وكان يقول أحيانًا: «وجَّهْتُ وجهي للَّذي فَطَر السَّماوات والأرض، حنيفًا (٤)، وما أنا من المشركين، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام/١٦٢ - ١٦٣]. اللَّهُمَّ

стр. 440

أنت الملك، لا إله إلَّا أنت، أنت ربِّي (١) وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيِّئَها، لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنت، لبَّيْكَ وسَعْدَيْك والخير كلُّه في يَدَيك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعالَيْت، استغفرك وأتوب إليك» (٢). ولكن هذا إنَّما حُفِظ عنه في صلاة اللَّيل (٣). وربَّما كان يقول: «الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا (٤)، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا» (٥).

стр. 441

ورُبَّما كان يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا أنت، لا إله إلَّا أنت، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده (١)» (٢).

стр. 442

ثُمَّ يقول: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم» (١)، ورُبَّما قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، من نفْخِه ونفْثِه وهَمْزِه» (٢). ورُبَّما قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الشَّيطان الرَّجيم، وهَمْزِه ونفْخِه ونفْثِه» (٣). ثم يقرأ فاتحة الكتاب، فإنْ كانت (٤) الصَّلاة جهرية أسْمَعَهُم القراءة، ولم يُسْمِعهم «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فربُّه أعلم هل كان (٥) يقرؤها أم لا (٦). و كان يقطِّع قراءته آيةً آيةً، ثُمَّ يقف على ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،

стр. 443

ثم يبتديء ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويقف، ثُمَّ يبتديء ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. على ترسُّلٍ (١) وتمهُّلٍ وترتيل، يمدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمُدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾ (٢). وكان يقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف (٣).

стр. 444

وإذا ختم السُّورة قال: «آمين»، يجهر بها، ويمدُّ بها صوتَه (١)، ويجهر بها مَنْ خلفه، حتى يرتجَّ المسجد (٢). واختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته (٣) بعد القراءة كلِّها؛ فقال يونس عن الحسن عن سمرة (٤): «حَفِظْتُ سكتتين، سكتةً إذا كبَّر الإمام حتى يقرأ، وسكتةً إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة (٥) عند الرُّكوع»، وصدَّقَهُ أُبَيُّ بن كعبٍ على

стр. 445

ذلك (١). ووافق يونسَ أشعثُ الحمراني (٢) عن الحسن فقال: «سكتة إذا استفتح، وسكتة إذا فرغ من القراءة كلِّها» (٣). وخالفهما قتادة، فقال عن الحسن: أنَّ سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا، فحدَّث سمرة أنَّه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقط، فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أُبيِّ بن كعب، فكان في كتابه إليهما: «أنَّ سمرة قد (٤) حفظ» (٥). وقال قتادة أيضًا عن الحسن عن سمرة: «سكتتان حفظتهما (٦) عن رسول الله ﷺ ، إذا دخل في الصَّلاة، وإذا فرغ من القراءة»، ثم قال بعد:

стр. 446

«وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾» (١). فقد اتَّفَقَت الأحاديث أنَّها (٢) سكتتان فقط: إحداهما: سكتة الاستفتاح، والثَّانية مختلف فيها؛ فالذي قال: إنَّها بعد قراءة الفاتحة هو قتادة، وقد اختلف عليه، فمرَّةً (٣) قال ذلك، ومرَّةً قال: «بعد الفراغ من القراءة». ولم يختلف على يونس وأشعث أنَّها بعد فراغه من القراءة كلِّها، وهذا أرجح الرِّوايتين. والله أعلم. وبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلَّا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيتَ. ولو كان يسكت هنا (٤) سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي (٥) ذلك على الصَّحابة، ولكان معرفتهم به (٦) ونَقْلهم له أهم من سكتة الاستفتاح (٧).

стр. 447

ثم يقرأ بعد ذلك سورةً، طويلةً تارةً، وقصيرةً تارةً، ومتوسِّطةً تارةً، كما تقدَّم ذِكر الأحاديث به. ولم يكن يبتدئ من وسط سورةٍ (١) ولا من آخرها؛ وإنَّما كان يقرأ من أوَّلها، فتارةً يكملها، وهو أغلب أحواله، وتارةً يقتصر على بعضها، ويكملها في الرَّكعة الثانية. ولم ينقل أحدٌ عنه أنَّه (٢) قرأ بآيةٍ من سورةٍ أو بآخرها إلَّا في سُنَّة الفجر؛ فإنَّه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة/١٣٦] الآية، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران/٦٤] الآية (٣). وكان يقرأ بالسُّورة في الرَّكعة، وتارةً يعيدها في الرَّكعة الثَّانية، وتارةً يقرأ بسورتين في ركعةٍ (٤). أمَّا الأوَّل: فكقول (٥) عائشة: «إنَّه قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين» (٦). وأمَّا الثَّاني: فقراءته في الصُّبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة/١] في الرَّكعتين

стр. 448

كِلْتَيهما. والحديثان في «السُّنن» (١). وأمَّا الثَّالث: فكقول ابن مسعود: «لقد (٢) عَرَفتُ النَّظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينها (٣)». فذكر عشرين سورةً من المفصَّل، سورتين في ركعةٍ (٤). وهذا في «الصَّحيحَين» (٥). وكان يمدُّ قراءة الفجر ويطيلها أكثر من سائر الصَّلوات، وأقصر ما حُفِظ عنه أنَّه قرأ به (٦) فيها في الحَضَر ﴿ق﴾ ونحوها (٧). وكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي (٨) الأُولَيَين من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ فيما سوى ذلك. وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة (٩) السِّرِّ أحيانًا (١٠).

стр. 449

وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة (١) ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان/١] كاملتين (٢). ولم يقتصر على إحداهما، ولا على بعض هذه وبعض هذه قط. وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين (٣)، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر (٤). ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية (٥). وكان يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١] كاملتين (٦)، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر (٧). وكان يقرأ في صلاة السِّرِّ بسورةٍ (٨) فيها السَّجدة أحيانًا، فيسجد للسَّجدة ويسجد

стр. 450

معه مَنْ خَلْفه (١). وكان يقرأ في الظُّهر قدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، ونحو ثلاثين آية (٢). ومرَّةً كان يقرأ فيها بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١] (٣)، و ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١] (٤) و ﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج/١] و ﴿السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق/١]، ونحوها من السُّور (٥). ومرةً بلقمان والذَّاريات (٦). وكان يقوم في الرَّكعة الأولى منها حتى لا يُسْمَع وقعُ قَدَمٍ (٧). وكذلك كان يطيل الرَّكعة الأولى من كُلِّ صلاةٍ على الثَّانية (٨). وكانت قراءته في العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن (٩) في كُلِّ ركعة قدر

стр. 451

خمس (١) عشرة آية (٢)، وكان يقرأ في المغرب بالأعراف تارةً، وبالطُّور تارةً، والمرسلات تارةً، وبالدُّخان تارةً (٣). ورُوِيَ عنه أنَّه قرأ فيها بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون/١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص/١] انفرد به ابن ماجه (٤). ولعلَّ أحد رواته وهم من قراءته بهما في سُنَّة المغرب، فقال: «كان (٥) يقرأ بهما في المغرب». أوسَقَطَت «سُنَّة» (٦) من النُّسْخة. فالله أعلم. وكان يقرأ في عشاء الآخرة بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين/١] (٧)، وسورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق/١]، ويسجد فيها، ويسجد معه (٨) جميع مَنْ خَلْفَه (٩)، وبـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحو ذلك من السُّور (١٠).

стр. 452

وكان إذا فَرَغ من القراءة سَكَت هُنَيْئةً (١)؛ لتراجع (٢) إليه نَفَسُه (٣). فصْلٌ ثُمَّ كان يرفع يَدَيه إلى (٤) أنْ يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه، كما رفعهما في الاستفتاح، صحَّ عنه ذلك (٥) كما صحَّ التَّكبير للرُّكوع، بل الذين رَوَوْا عنه رفع اليَدَين ههنا أكثر من الذين رَوَوْا عنه التَّكبير. ثُمَّ يقول: «الله أكبر»، ويخرُّ راكعًا، ويَضَع يديه على ركبتيه، فيمكِّنُهُما من ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه، وجافى مِرْفَقَيه عن جَنْبَيه، ثُمَّ اعتدل، وجعل رأْسَه حِيَال ظهره، فلم يرفع رأْسَه ولم يصوِّبْه، وهَصَر ظهره، أي: مَدَّه ولم يجمعه (٦).

стр. 453

ثُمَّ قال: «سبحان ربِّي العظيم» (١). ورُوِيَ عنه أنَّه كان يقول: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده». قال أبوداود: «وأخاف أنْ لا تكون هذه

стр. 454

الزِّيادة محفوظةً» (١). وربَّما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرَّات، وربَّما مَكَث فوق ذلك ودونه. وربَّما قال: «سبحانك اللَّهم ربَّنا (٢) وبحمدك، اللَّهم اغفر لي» (٣). وربَّما قال: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والرُّوح» (٤). وربَّما قال: «اللَّهم لك رَكَعت، وبك آمنتُ، ولك أسلمت، وعليك توكَّلْت، أنت ربِّي، خشع قلبي، وسمعي، وبصري، ودمي، ولحمي، وعظمي، وعصبي، لله ربِّ العالمين» (٥). وربَّما كان يقول: «سبحان ذي الجبروتِ، والملكوتِ، والكِبرياءِ، والعَظَمة» (٦). وكان ركوعه مناسبًا لقيامه في التَّطويل والتَّخفيف (٧). وهذا بيِّنٌ في سائر الأحاديث.

стр. 455

فصْلٌ ثم كان يرفع رأسه، قائلًا: «سمع الله لمن حمده» (١)، ويرفع يَدَيه كما رفعهما عند الركوع (٢). فإذا اعتدل قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد» (٣) (٤). وربَّما قال: «ربَّنا لك الحمد»، وربَّما قال: «اللَّهم ربَّنا لك (٥) الحمد، ملءَ السَّموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَّد» (٦). وربَّما زاد على ذلك: «اللَّهم طهِّرني بالثَّلج والبَرَد والماء البارِد، اللَّهم طهِّرني من الذُّنُوب والخطايا كما ينقَّى الثَّوب الأبيض من الوَسَخ (٧)» (٨).

стр. 456

وكان يُطِيْل هذا الرُّكن حتَّى يقول القائل: «قد نَسِي» (١). وكان يقول في صلاة اللَّيل فيه: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد» (٢). فصْلٌ ثُمَّ يكبِّرُ ويخرُّ ساجدًا، ولا يرفع يَدَيه، وكان يَضَع رُكْبَتَيه قبل يَدَيه (٣)، هكذا قال عنه وائل بن حجر (٤)، وأنس بن مالك (٥).

стр. 457

وقال عنه ابن عمر: «إنَّه كان يضعُ يَدَيه قبل رُكْبَتَيه» (١). واختُلِفَ على أبي هريرة، ففي «السُّنَن» (٢)، عنه (٣)، عن النَّبيِّ ﷺ :

стр. 458

«إذا سجد أحدُكُم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يَدَيه قبل رُكْبَتَيه». وروى عنه المقبري عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا سجد أحَدُكم فليبدأ برُكْبَتَيْه قبل يَدَيْه» (١). فأبو هريرة قد تعارضت الرِّواية عنه، وحديث وائل وابن عمر قد تعارَضَا. فرجَّحَت طائفةٌ حديث ابن عمر، ورجَّحَت طائفةٌ حديث وائل بن حجرٍ، وسَلَكت طائفةٌ مسلك النَّسخ، وقالت: كان الأمر الأوَّل وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين، ثم نُسِخ بوضع الرُّكبتين أولًا. وهذه طريقة ابن (٢) خزيمة قال (٣): «ذكر الدَّلائل (٤) على أنَّ الأمر بوضع اليَدَين عند السجود منسوخٌ؛ وأنَّ وضْعَ الرُّكبتين قبل اليَدَين ناسخٌ». ثُمَّ روى من طريق [إبراهيم بن إسماعيل (٥)] بن يحيى بن سلمة بن كهيل [حدَّثني

стр. 459

أبي (١)] عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد قال: «كُنَّا نَضَع اليَدَين قبل الرُّكْبَتين، فأُمِرْنا بالرُّكبتين (٢) قبل اليَدَين» (٣). وهذا لو ثَبَت لكان فيه الشِّفاء، لكن يحيى بن سلمة (٤) بن كهيل قال البخاريُّ: «عنده مناكير» (٥)، وقال ابن معين: «ليس بشيءٍ، لا يُكْتَب حديثه» (٦)، وقال النَّسائي: «متروك الحديث» (٧). وهذه القِصَّة ممَّا وُهِّمَ فيها يحيى أوغيره، وإنَّما المعروف عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التَّطبيق في الرُّكوع بوضع (٨) اليَدَين على الرُّكبتين، فلم يحفظ هذا الرَّاوي (٩)، وقال: «المنسوخ وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين» (١٠).

стр. 460

قال السَّابقون باليَدَين: قد صحَّ حديث ابن عمر؛ فإنَّه من (١) رواية عبيد الله عن نافع عنه. قال ابن أبي داود: «وهو قول أهل الحديث». قالوا: وهم أعلم بهذا من غيرهم؛ فإنَّه نقلٌ محضٌ. قالوا: وهذه سُنَّةٌ رواها أهل المدينة، وهم أعلم بها من غيرهم. قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان: أحدهما: محمد بن عبد الله ابن حسن عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة. والثَّاني: الدَّراوردي عن عبيد الله (٢) عن نافع عن ابن عمر. قالوا: وحديث وائل بن حُجْر له طريقان، وهما معلولان، في إحداهما (٣) شريكٌ، تفرَّد به. قال الدَّارقطنيُّ: «وليس بالقويِّ فيما يتفرَّدُ به» (٤). والطَّريق الثَّاني: من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، ولم يسمع منه (٥) (٦).
следующие страницы →