← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فمراسيم التَّدبير (١) نازلة من عنده، على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتَّولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرِّين، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي (٢) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/٢٩]، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، ولا مبدِّل لكلماته، تعرج الملائكة والرُّوح إليه، وتُعْرَض الأعمال أول النَّهار وآخره عليه؛ فيقدِّر المقادير، ويوقِّت لها (٣) المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كلِّه وحفظه ومصالحه. ثم يشهد عند ذكر اسم (٤) «الرَّحمن» ﷻ ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان، متحبِّبًا إليهم بصُنُوف النِّعم، وسع كلَّ شيءٍ رحمة وعلمًا، وأوسع (٥) كلَّ مخلوقٍ نعمةً وفضلًا. فوَسِعَت رحمتُه كلَّ شيءٍ، وسَعَت (٦) نعمتُه إلى كلِّ حيٍّ. فبَلَغَت رحمتُهُ حيث بلغ علمُه؛ فاستوى على عرشه برحمته، وخلق

стр. 387

خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته (١)، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنَّة برحمته، والنَّار أيضًا برحمته؛ فإنَّها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنَّته، ويطهِّر بها أدران الموحِّدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته. فتأمَّل ما في أمره ونهيه، ووصاياه ومواعظه؛ من الرَّحمة البالغة، والنِّعمة السَّابغة، وما في حشو مخلوقاته (٢) من الرَّحمة والنِّعمة. فالرحمة (٣) هي السَّبب المتَّصل منه بعباده، كما أنَّ العبودية هي السَّبب المتَّصل به منهم (٤)، فمِنهم إليه العبوديَّة، ومنه إليهم الرَّحمة. ومن أخصِّ مشاهد هذا الاسم: شهود المصلِّي نصيبه من الرَّحمة، الذي أقامه بين يَدَي ربِّه، وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته، وأعطاه (٥) ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره، وذلك من رحمته (٦) به. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤] فهنا شهد المجد الذي لا

стр. 388

يليق بسوى الملك الحقِّ المبين؛ فيشهد (١) ملكًا قاهرًا، قد دانت له الخليقة، وعَنَت له الوجوه، وذلَّت لعظمته الجبابرة، وخضع لعِزَّته كلُّ عزيزٍ، فيشهد بقلبه: مَلِيكًا على عَرشِ السَّماء مُهَيْمِنًا (٢) … لِعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتسْجُدُ (٣) وإذا لم يُعَطِّل (٤) حقيقة صفة المُلْكِ أطْلَعَتْهُ على شهود حقائق الأسماء والصِّفات، التي تعطيلها تعطيلٌ لمُلْكِه وجحدٌ له؛ فإنَّ الملِكَ الحقَّ، التَّامَّ المُلْكِ لا يكون إلَّا حيًّا، قيُّومًا، سميعًا، بصيرًا، مُريدًا، قادِرًا، متكلِّمًا، آمِرًا، ناهيًا، مستويًا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي (٥) مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحقُّ الرِّضا، ويثيبُه ويكْرِمُه ويُدْنِيه، ويغضب على من يستحقُّ الغضب، ويعاقبه ويهينُه ويقْصِيه؛ فيعذِّب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء (٦)، ويقرِّب من يشاء، ويُقْصِي من يشاء، له دار عذابٍ (٧) وهي

стр. 389

النَّار، وله دار سعادة وهي الجنَّة. فمَنْ أبطل شيئًا من ذلك، أوجحده، أوأنكر حقيقته= فقد قدح في ملكه ، ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره، فقد أنكر عموم ملكه وكماله، فيشهد المصلِّي مجد الرَّبِّ تعالى في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤]. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة /٤] ففيهما (١) سِرُّ الخلق والأمر، والدُّنيا والآخرة، وهي متضمِّنة لأَجَلِّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديَّتُه (٢)، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحقُّ العبادة إلَّا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلُّ الوسائل. وقد أنزل الله مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ (٣)، جمع معانيها في أربعة كتبٍ (٤)، وهي التَّوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معانيه في المفصَّل، وجمع معانيه في

стр. 390

الفاتحة، وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) [الفاتحة /٤]. وقد اشتملت هذه الكلمة على نَوْعَي التَّوحيد، وهما توحيد الرُّبُوبية،

стр. 391

وتوحيد الإلهية، وتضمَّنَت التعبُّد باسم «الرَّبِّ» واسم «الله»، فهو يُعْبَد بألوهيَّته، ويُستَعان (١) بربوبيَّته، ويهدي إلى الصِّراط المستقيم برحمته. فكان أول السُّورة ذكر اسمه «الله» و «الرَّبِّ» و «الرَّحمن» مطابقًا (٢) لأَجَلِّ المطالبِ (٣)؛ من عبادته وإعانته وهدايته. وهو المتفرِّد (٤) بإعطاء ذلك كلِّه، لا يعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه. ثم يشهد الدَّاعي بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة/٦] شدَّة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة، التي ليس هو إلى شيءٍ أشدّ فاقةً (٥) وحاجةً منه إليها ألبتَّة؛ فإنَّه محتاجٌ (٦) إليه في كُلِّ نَفَسٍ وطرفة عينٍ. وهذا المطلوب من هذا الدُّعاء لا يتمُّ إلَّا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التَّفصيل (٧)، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضيِّ المحبوب للرَّبِّ ، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله

стр. 392

وبعد (١) فعله. ولمَّا كان العبد مفتقرًا في كُلِّ (٢) حالٍ إلى هذه الهداية، في جميع ما يأتيه ويذَرُهُ (٣)، من أمورٍ قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التَّوبة منها. وأمورٍ هُدِي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هُدِي إليها من وجهٍ دون وجهٍ، فهو يحتاج إلى تمام (٤) الهداية فيها؛ ليزداد هُدًى. وأمورٍ هو يحتاج إلى أن يَحْصُل (٥) له من الهداية فيها بالمستقبل (٦) مثل ما حصل له في الماضي. وأمورٍ هو خالٍ عن اعتقادٍ فيها، فهو يحتاج إلى الهداية فيها. وأمورٍ لم يفعلها، فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية. وأمورٍ قد هُدِي إلى الاعتقاد الحقِّ والعمل الصَّواب فيها، فهو محتاجٌ (٧) إلى الثَّبات عليها. إلى غير ذلك من أنواع الهدايات= فَرَضَ الله عليه أنْ يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله، مرَّاتٍ متعدَّدةً في اليوم واللَّيلة (٨).

стр. 393

ثم بيَّن أنَّ أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته (١)، دون ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وهم (٢) الذين عرفوا الحق ولم يتَّبعُوه، ودون ﴿الضَّالِّينَ﴾، وهم الذين عبدوا الله بغير علمٍ. فالطَّائفتان اشتركتا في القول على الله (٣) في خلقه، وأمره، وأسمائه وصفاته بغير علمٍ. فسبيل المُنْعَمِ عليه مغايرةٌ لسبيل أهل الباطل كُلِّها علمًا وعملًا. فلمَّا فرغ من هذا الثَّناء والدُّعاء والتَّوحيد شرع له أنْ يطبع على ذلك بطابعٍ من التَّأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السَّماء. وهذا التَّأمين من زِينة (٤) الصَّلاة، كرفع اليَدَيْن الذي هو زِينة الصَّلاة (٥)، واتباع للسُّنَّة، وتعظيم أمر الله، وعبوديَّة لليَدَيْن (٦)، وشعار الانتقال (٧) من ركنٍ إلى ركنٍ. ثم يأخذ في مناجاة ربِّه بكلامه، واستماعه من الإمام بالإنصات، وحضور القلب وشهوده.

стр. 394

وأفضل أذكار الصَّلاة ذكر القيام، وأحسن هيئات المصلِّي هيئات (١) القيام (٢)؛ فخُصَّت بالحمد والثَّناء والمجد، وتلاوة كلام الربِّ ﷻ ؛ ولهذا نُهِي عن قراءة القرآن في الركوع والسُّجود؛ لأنَّهما حالتا ذُلٍّ وخضوعٍ وتطامنٍ وانخفاضٍ؛ ولهذا شُرِع فيهما من الذِّكر ما يناسب هيئتهما (٣)، فشُرِع للرَّاكع أنْ يذكر عظمة ربِّه في حال انخفاضه هو وتطامنه (٤) وخضوعه، وأنَّه سبحانه يُوْصَف بوصف (٥) عظمته عمَّا يضادُّ كبرياءه وجلاله (٦) وعظمته. فأفضل ما يقول الرَّاكع على الإطلاق «سبحان ربي العظيم»؛ فإنَّ الله سبحانه أمر العِبَاد بذلك، وعيَّن المبلِّغَ عنه، السَّفِير بينه وبين عباده هذا المحلَّ لهذا الذِّكر، لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة/٧٤]، قال: «اجعلوها في ركوعكم» (٧). وأبطل كثيرٌ من أهل العِلْم صلاة من تركها عمدًا، وأوْجَبَ سجود

стр. 395

السَّهو على من سَهَا عنها. وهذا مذهب الإمام أحمد، ومن وافقه من أئمَّة الحديث والسُّنة (١). والأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصَّلاة عليه ﷺ في التشهُّد الأخير، ووجوبه لا يقصُر عن وجوب مباشرة المصلَّى بالجبهة واليَدَين. وبالجملة: فسِرُّ الرُّكُوع تعظيم الرَّبِّ ﷻ بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا الرُّكوع فعظِّمُوا (٢) فيه الرَّب» (٣). فصْلٌ ثم يرفع رأسه عائدًا إلى أكمل هيئاته (٤)، وجعل شعار هذا الركن حمد الله والثَّناء عليه وتمجيده (٥). فافتتح هذا الشِّعار بقول المصلِّي: «سمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَه»، أي: سَمِعَ سَمْعَ قبولٍ وإجابةٍ. ثم شفَع بقوله: «ربَّنا ولك الحمد، مِلءَ السَّموات والأرض، ومِلءَ

стр. 396

ما بينهما، ومِلءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعد (١)». ولا يهمل أمر هذه (٢) الواو في قوله: «ربَّنا ولك الحمد»؛ فإنَّه قد نُدِب الأمر بها في «الصَّحيحَين» (٣). وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما؛ فإنَّ قوله: «ربَّنا» متضمِّنٌ (٤) في المعنى: أنت الرَّبُّ والملك القيُّوم، الذي بيديه أَزِمَّة الأمور، وإليه مرجعها، فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: «ربَّنا» قولَه: «ولك الحمد»، فتضمَّن ذلك معنى (٥) قول الموحِّد: «له الملك وله الحمد». ثمَّ أخبر عن شأن (٦) هذا الحمد، وعظمته قدرًا وصفةً، فقال: «مِلءَ السَّموات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد (٧)». أي: قدر ملءِ العالِم العلوي والسُّفلي، والفضاء الذي بينهما.

стр. 397

فهذا الحمد قد ملأ (١) الخلق الموجود، وهو يملأ ما يخلقه الرَّبُّ ﵎ بعد ذلك ممَّا يشاؤه، فحمده قد ملأ كلَّ موجودٍ، وملأ ما سيوجد. فهذا أحسن التَّقديرَيْن. وقيل: «ما شئتَ من شيءٍ» وراء العالم؛ فيكون قوله: «بعد» للزَّمان على الأول، وللمكان على الثَّاني. ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله (٢): «أهلَ الثَّناء والمجْد»، فعاد الأمر بعد الرَّكعة إلى ما افتتح به الصَّلاة قبل الرَّكعة، من الحمد والثَّناء والمجد. ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله: «أحق ما قال العبد» تقريرًا لحمده وتمجيده والثَّناء عليه، وأنَّ ذلك أحق ما نَطَق به العبد، ثمَّ أتْبَع ذلك بالاعتراف بالعبوديَّة، وأنَّ ذلك حُكمٌ عامٌّ لجميع العبيد. ثمَّ عقَّب ذلك بقوله: «لا مانع لما أعطيت، ولامعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد». وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصَّلاة أيضًا. فيقوله في هذين الموضِعَين اعترافًا بتوحيده، وأنَّ (٣) النِّعم كلَّها منه. وهذا يتضمَّن أمورًا:

стр. 398

أحدها: أنَّه المتفرِّد (١) بالعطاء والمنع. الثَّاني: أنَّه إذا أعطى (٢) لم يُطِق أحدٌ منع مَنْ أعطاه، وإذا مَنَع لم يُطِق أحدٌ (٣) إعطاء من (٤) مَنَعَه. الثَّالث: أنَّه لاينفع عنده، ولا يخلص من عذابه، ولا يُدْني من كرامته جُدُودُ بني آدم وحظوظُهم؛ من المُلْك، والرِّئاسة، والغنى، وطيب العَيش، وغير ذلك؛ إنَّما ينفعهم عنده التَّقرُّب إليه بطاعته، وإيثار مرضاته. ثمَّ ختم ذلك بقوله: «اللَّهُمَّ اغسلني من خطايَاي بالماء والثَّلج والبَرَد»؛ كما افتتح به الرَّكعة في أول الاستفتاح، كما كان يختم الصَّلاة بالاستغفار. وكان الاستغفار في أوَّل الصَّلاة، ووسطها، وآخرها. فاشتمل هذا الرَّكن على أفضل الأذكار وأنفع الدُّعاء؛ من حمده، وتمجيده، والثَّناء عليه، والاعتراف له بالعبوديَّة والتَّوحيد، والتنصُّل (٥) إليه من الذُّنوب والخطايا. فهو ذِكْرٌ مقصودٌ في ركنٍ مقصودٍ، ليس بدون

стр. 399

الركوع والسُّجود. فصْلٌ ثمَّ يكبِّر ويخرُّ لله ساجدًا، غير رافعٍ يديه؛ لأنَّ اليدين تنحطَّان (١) للسُّجود كما ينحطُّ الوجه، فهما تنحطَّان (٢) لعبوديتهما، فأغْنَى ذلك عن رفعهما؛ ولذلك لم يُشْرَع رفعُهُما عند رفع الرَّأس من السُّجود؛ لأنَّهما يرفعان معه كما يوضعان معه (٣). وشُرِع السُّجود على أكمل الهيئات (٤) وأبلغِها في العبوديَّة، وأعمِّها لسائر الأعضاء؛ بحيث (٥) يأخذ كلُّ جزءٍ من البَدَن بحظِّه من العبوديَّة. والسُّجُود سِرُّ الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة. وما قبله من الأركان كالمقدِّمات له، فهو شِبْهُ (٦) طواف الزِّيارة في الحجِّ؛ فإنَّه مقصود الحجِّ، ومحلُّ الدُّخول على الله وزيارته، وما قبله كالمقدِّمات له؛ ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ (٧). وأفضل

стр. 400

أحواله (١) حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدُّعاء في هذا (٢) المحلِّ أقرب إلى الإجابة. ولمَّا خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديرًا بأنْ لا يخرج عن أصله؛ بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطَّبْع والنَّفس بالخروج عنه؛ فإنَّ العبد لو تُرِكَ وطبعه ودواعي نفسه لتَكَبَّرَ، وأَشِرَ، وخرج عن أصْله الذي خُلِق منه، ولوَثَب (٣) على حقِّ ربِّه، من الكبرياء والعَظَمة، فنازعه إيَّاهما؛ فأُمِر بالسُّجود خضوعًا لعظمة ربِّه وفاطره، وخشوعًا (٤) له، وتذلُّلًا بين يديه، وانكسارًا له. فيكون هذا الخشوع، والخضوع، والتذلُّل رادًّا له إلى (٥) حكم العبوديَّة، ويتدارك به (٦) ما حصل له من الهفوة والغفلة، والإعراض الذي خرج به عن أصله، فَيتَمَثَّل له (٧) حقيقة التراب الذي خلق منه.

стр. 401

وهو يضع أشرف شيءٍ منه وأعلاه ـ وهو الوجه ـ فيه (١)، وقد صار أعلاه أسفله؛ خضوعًا بين يَدَي ربِّه الأعلى، وخشوعًا له، وتذلُّلًا لعظمته، واستكانةً لعِزَّته. وهذا غاية خشوع الظَّاهر. فإنَّ الله سبحانه خَلَقَه من الأرض التي هي مذلَّلةٌ للوطء (٢) بالأقدام، واستعمره (٣) فيها، وردَّه إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أُمُّه وأبوه وأصْلُه وفصْلُه، فضمَّته (٤) حيًّا على ظهرها، وميِّتًا في بطنها، وجُعِلَت له طُهْرًا ومسجدًا، فأُمِر بالسُّجود؛ إذ هو غاية خشوع الظَّاهر، وأجمع العبوديَّة لسائر الأعضاء، فيُعَفِّر وجهه في التُّراب؛ استكانةً وتواضعًا وخضوعًا وإلقاءً باليدين. وقال مسروقٌ لسعيد بن جبير: «يا سعيد (٥)، ما بقي شيءٌ يُرْغَب (٦) فيه إلَّا أن نعفِّر وجوهنا في هذا التَّراب له» (٧). وكان النَّبِيُّ ﷺ لا يتَّقي الأرض بوجهه قصدًا؛ بل إذا اتَّفَق له ذلك

стр. 402

فَعَله؛ ولذلك سَجَد (١) في الماء والطِّين (٢). ولهذا كان (٣) من كمال السُّجود الواجب أنْ (٤) يسجد على الأعضاء السَّبعة: الوجه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين؛ فهذا فرضٌ أمر الله به رسولَه ﷺ ، وبلَّغَه الرسول لأُمَّته. ومن كماله الواجب أوالمستحبِّ: مباشرةُ مصلَّاه بأديم وجْهِه، واعتماده على الأرض؛ بحيث ينالها ثِقْل رأسه، وارتفاع أسافله على (٥) أعاليه، فهذا من تمام السُّجود. ومن كماله: أنْ يكون على هيئاتٍ (٦)، يأخذ كلُّ عضوٍ من البَدَن بحظِّه من الخضوع؛ فيقل بطنه عن فخِذَيه، وفخِذَيه عن ساقَيه، ويجافي عضدَيه عن جنْبَيه، ولا يفرشهما على الأرض؛ ليستقلَّ كلُّ عضوٍ منه بالعبوديَّة. ولذلك إذا رأى الشَّيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحيةً يبكي،

стр. 403

ويقول: «يا ويلَهُ، أُمِر ابن آدم بالسُّجود فسَجَد (١) فله الجنَّة، وأُمِرتُ بالسُّجود فعَصَيتُ فلي النَّار» (٢). ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرُّون سُجَّدًا عند سماع كلامه، وذمَّ من لا يقع ساجدًا عنده. ولذلك كان قول من أوْجَبَه قويًّا في الدَّليل. ولمَّا علِمَت السَّحَرة صِدْق موسى وكذب فرعون خَرُّوا سُجَّدًا (٣) لربِّهم، فكانت تلك السَّجدة أول سعادتهم، وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السِّحر. ولذلك أخبر سبحانه عن سُجُود جميع المخلوقات له؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (٤) مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥)﴾ [النَّحل/٤٩ - ٥٠]. فأخبر عن إيمانهم بعلوِّه وفوقيَّته، وخضوعهم له بالسُّجود تعظيمًا (٦) وإجلالًا.

стр. 404

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج/١٨]. فالذي حقَّ عليه العذاب (١) هو الذي لا يَسْجُد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السُّجود له، وأخبر أنَّه لا مُكْرِم له، وقد هان على ربِّه، حيث لم يسجد له. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد/١٥]. ولما كانت العبوديَّة غاية كمال الإنسان، وقُرْبُه من الله بحسب (٢) نصيبه من عبوديَّته (٣)، وكانت الصَّلاة جامعةً لمتفرِّق العبوديَّة، متضمِّنةً لأقسامها= كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه، وكان السُّجود أفضل أركانها الفِعليَّة، وسرَّها الذي شُرِعَت لأجله، وكان تكرُّره (٤) في الصَّلاة أكثر من تكرُّر سائر الأركان، وجعله (٥) خاتمة

стр. 405

الركعة وغايتها، وشُرِع فعله بعد الرُّكوع؛ فإنَّ الركوع توطئةٌ له، ومقدِّمةٌ بين يَدَيه، وشُرِعَ فيه من الثَّناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: «سبحان ربِّي الأعلى»، فهذا أفضل ما يُقَال فيه. ولم يَرِد عن النَّبِيِّ ﷺ أمره في السُّجود بغيره؛ حيث قال: «اجعلوها في سجودكم» (١). ومَن تَرَكَه عمدًا فصلاتُه باطلةٌ عند كثيرٍ من العُلماء، منهم الإمام أحمد وغيره (٢)؛ لأنَّه لم يفعل ما أُمِر به. وكان وصْفُ الرَّبِّ بالعُلُوِّ (٣) في هذه الحال في غاية المناسبة؛ لحال السَّاجد الذي قد انحطَّ إلى السُّفُل (٤) على وجهه، فذكر علو ربِّه في حال سُفُولِه، وهو (٥) كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزَّه ربَّه عمَّا لايليق به ممَّا يضادُّ عظمَتَه وعلوَّه. ثم لمَّا شُرِعَ السُّجود بوصف التِّكرار لم يكن بُدٌّ من الفصل بين السَّجدتين، ففَصَل بينهما بركنٍ مقصودٍ، وشَرَع فيه من الدُّعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال العبد المغفرة والرَّحمة والهداية والعافية

стр. 406

والرزق (١)؛ فإنَّ هذه تتضمَّن جلب خير الدُّنيا والآخرة، ودفعَ شَرِّ الدُّنيا والآخرة. فالرَّحمة تحصِّل الخير، والمغفرة تقي الشَّرَّ، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قِوَام البَدَن من الطَّعام والشَّراب، وما به قوام الرُّوح والقلب من العلم والإيمان. وجُعِل جلوس الفصْل محلًّا لهذا الدُّعاء لما تقدَّمه من حمد (٢) الله والثَّناء عليه والخضوع له، فكان هذا (٣) وسيلة للدَّاعي، ومقدِّمة بين يَدَي حاجته. فهذا الرُّكن مقصودٌ، والدُّعاء فيه مقصودٌ (٤)، فهو ركنٌ وُضِع (٥) للرَّغبة، وطلب العفو والمغفرة والرَّحمة؛ فإنَّ العبد لمَّا أتى بالقيام والحمد والثَّناء والمجد، ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرَّبِّ وتعظيمه، ثم عاد إلى الحمد والثَّناء (٦)، ثم كمَّل ذلك بغاية التذلُّل والخضوع

стр. 407

والاستكانة= بقي (١) سؤال حاجته واعتذاره وتنصُّلُه (٢)؛ فشَرَع له أنْ يتمثَّل في الخدمة، فيقصد فعل العبد الذَّليل جاثيًا على ركبَتَيه، كهيئة (٣) الملقي نفسه بين يَدَي سيِّده، راغبًا، راهبًا، معتذرًا إليه، مستعديًا (٤) إليه على نفسه الأمَّارة بالسُّوء. ثمَّ شَرَع له تكرار (٥) هذه العبوديَّة مرَّةً بعد مرَّةٍ إلى إتمام الأربع، كما شَرَع له تكرير الذِّكر مرَّةً بعد مرَّةٍ (٦)؛ لأنَّه أبلغ في حصول المقصود، وأدْعى إلى الاستكانة (٧) والخضوع. فلمَّا أكمل ركوع الصَّلاة، وسجودها، وقراءتها، وتسبيحها، وتكبيرها شُرِعَ له أنْ يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشِّع المتذلِّل المستكين (٨)، جاثيًا على ركبتيه. ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التَّحيَّات وأفضلها، عوضًا عن تحيَّة

стр. 408

المخلوق للمخلوق إذا واجَهَه أو دخل عليه. فإنَّ النَّاس يحيُّون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيَّات التي يتَحبَّبُون بها إلى قلوبهم (١). فبعضهم يقول: أنعم صباحًا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنِّعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك، وبعضهم يقول: تعيش (٢) ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك، وبعضهم يسلِّم. فتحيَّاتهم بينهم تتضمَّن ما يحبُّه المُحَيَّا من الأقوال والأفعال. والمشركون يحيُّون أصنامهم. قال الحسن: «كان أهل الجاهليَّة يتمسَّحُون بأصنامهم، ويقولون: لك الحياة الدَّائمة؛ فلمَّا جاء الإسلام أُمِرُوا أن يجعلوا لله (٣) أطيب تلك التَّحيَّات، وأزكاها، وأفضلها» (٤). فـ «التحيَّات (٥)» هي تحيَّةٌ من العبد للحيِّ الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيَّات من كُلِّ ما سواه؛ فإنَّها تتضمَّن الحياة والبقاء والدَّوام، ولا يستحقُّ أحدٌ هذه التحيَّات إلَّا الحيُّ الباقي الذي لا يموت، ولا يزول ملكُه.

стр. 409

وكذلك قوله: «والصَّلوات»؛ فإنَّه لا يستحق أحدٌ الصَّلاة إلَّا الله ، والصَّلاة (١) لغيره من أعظم الكفر والشِّرك به. وكذلك قوله: «والطَّيِّبات»، هي صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ (٢)؛ أي: الطَّيِّبات من الكلمات (٣) والأفعال والصِّفات والأسماء لله وحده (٤). فهو طيِّبٌ، وكلامه طيِّبٌ (٥)، وأفعاله طيِّبةٌ، وصفاته أطيب شيءٍ، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه «الطَّيِّب»، ولا يصدر عنه إلَّا طيِّبٌ، ولا يصعد إليه إلَّا طيبٌّ، ولا يقرب منه إلَّا طيِّبٌ. فكلُّه طيِّبٌ، و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠]، وفعله طيِّبٌ، والعمل الطيِّب يعرج إليه. فالطيِّبات كلُّها له، ومضافةٌ (٦) إليه، وصادرةٌ عنه، ومنتهيةٌ إليه. قال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ الله طيِّبٌ لا (٧) يقبل إلَّا طيِّبًا» (٨). وفي حديث رقية

стр. 410

المريض، الذي رواه أبوداود وغيره (١): «أنت ربُّ الطَّيِّبِين». ولا يجاوِرُه من (٢) عباده إلَّا الطيِّبُون؛ كما يُقال لأهل الجنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر/٧٣]. وقد حكم سبحانه ـ بشرعه (٣) وقدره ـ أنَّ الطَّيبات للطَّيِّبين (٤).

стр. 411

فإذا كان هو ــ سبحانه ـ الطَّيِّب على الإطلاق فالكلمات الطَّيِّبات، والأفعال الطَّيِّبات، والصِّفات الطَّيِّبات، والأسماء الطَّيِّبات= كلُّها له سبحانه، لا يستحِقُّها أحدٌ سواه، بل ما طاب شيءٌ قطُّ إلَّا بطيبه (١) سبحانه، فطِيبُ كل ما سواه من آثار طيبه (٢)، ولا تصلح هذه التحيَّةُ الطَّيِّبة إلَّا له. ولمَّا كان السَّلام من أنواع التحيَّة، وكان المسلِّم داعيًا لمن يحيِّيه (٣)، وكان الله سبحانه هو الذي يُطْلَبُ منه السَّلام، لا يُطْلَبُ له السَّلام ـ فإنَّه السَّلام، ومنه السَّلام ـ= شُرِع أنْ يُطْلَب منه السَّلام (٤) لعباده الذين اختصَّهم بعبوديَّته، وارتضاهم لنفسه. وشرع أنْ يبدأ بأكرمهم (٥) عليه، وأحبِّهم إليه، وأقربهم منه منزلةً في هذه التَّحيَّة. ثم خُتِمَت هذه التحيَّة (٦) بالشَّهادتين اللَّتَيْن هما مفتاح الإسلام، فشرع أنْ يكون خاتمة الصَّلاة. فدخل فيها بالتَّكبير والتَّحميد (٧) والثَّناء

стр. 412

والتَّمجيد (١)، وتوحيد الرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وختمها بشهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله. وشُرِعَت هذه التَّحيَّة في وسط الصَّلاة إذا (٢) زادت على ركعتين، تشبيهًا (٣) لها بجلسة الفصل بين السَّجدتين، فهي بين الرَّكعتين الأُوليَيْن والأُخْرَيَيْن كالجلوس بين السَّجدتين (٤). وفيها مع الفصل راحة للمصلِّي؛ لاستقباله الرَّكعتين الأُخْرَيَيْن (٥) بنشاطٍ وقوةٍ، بخلاف ما إذا وَالَى بين الركعات. ولهذا كان الأفضل في النَّفل مثنى مثنى، وإنْ تطوَّع بأربع جلس في وسطهنَّ. فصْلٌ وجُعِلَت كلمات التَّحيَّات في آخر الصَّلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها؛ فإنَّ المصلِّي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الرَّاغب الرَّاهب، يستعطي من ربِّه (٦) ما لا غنى به عنه، فشُرِع له (٧) أمام استعطائه كلمات

стр. 413

التَّحيَّات، مقدمةً بين يدَيْ سؤاله (١)، ثُمَّ يُتْبِعها بالصَّلاة على من نالت أُمَّته هذه النِّعمة على يده وبسفارته (٢). فكأنَّ المصلِّي توسَّل (٣) إلى الله سبحانه بعبوديَّته، ثم بالثَّناء عليه، والشَّهادة له بالوحدانيَّة، ولرسوله بالرِّسالة، ثم بالصَّلاة على رسوله، ثُمَّ قيل له: تخيَّر من الدُّعاء أحبَّه إليك (٤). فذاك الحقُّ الذي عليك، وهذا الحقُّ الذي لك. وشُرِعت الصَّلاة على آله مع الصَّلاة عليه تكميلًا لقُرَّة (٥) عينه، بإكرام آله (٦) والصَّلاة عليهم. وأنْ يصلِّي (٧) عليه وعلى آله كما صلَّى على أبيه إبراهيم وآله. والأنبياء (٨) كلُّهم بعد إبراهيم من آله؛ ولذلك (٩)

стр. 414

كان المطلوب لرسول الله ﷺ صلاةً مثل الصَّلاة على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء بعده، وآله المؤمنين؛ فلهذا كانت هذه الصَّلاة أكمل ما (١) يصلَّى على رسول الله ﷺ بها وأفضل. فإذا أتى بها المصلِّي أُمِر أنْ يستعيذ بالله من مجامع الشَّرِّ كلِّه؛ فإنَّ الشر إمَّا عذاب الآخرة، وإمَّا (٢) سببه. فليس الشرُّ إلَّا العذاب وأسبابه. والعذاب نوعان: عذابٌ في البَرْزخ، وعذابٌ في الآخرة. وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كُبرى، وصُغرى. فالكُبْرى فتنة الدَّجال وفتنة الممات، والصُّغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتَّوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدَّجَّال؛ فإنَّ المفتون بهما لا يَتَدَاركهما (٣). ثمَّ شُرِع له من الدُّعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته. والدُّعاء في هذا المحلِّ قبل السَّلام أفضل من الدُّعاء بعد السَّلام، وأنفع للدَّاعي (٤). وهكذا كانت عامَّة أدعية النَّبيِّ ﷺ ، كلُّها (٥) كانت في الصلاة من

стр. 415

أولها إلى آخرها. فكان يدعو في الاستفتاح أنواعًا من الدُّعاء، وفي الركوع، وبعد رفع رأسه منه، وفي السُّجود، وبين السَّجدتين، وفي التشهُّد قبل التَّسليم. وعلَّم الصِّدِّيق دعاءً يدعو به في صلاته (١). وعلَّم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر (٢). وكان إذا دعا لقومٍ أوعلى قومٍ جعله في الصَّلاة بعد الرُّكوع (٣).

стр. 416

وسِرُّ ذلك (١): أنَّ المصلِّي قبل سلامه في محلِّ المناجاة والقُرْبة بين يَدَي ربِّه، فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يدي ربِّه (٢). وقد سُئِل النَّبيُّ ﷺ : أيُّ الدُّعاء أسمع؟ فقال: «جوف اللَّيل، وأدبار الصَّلاة المكتوبة» (٣). ودُبُر الصَّلاة جزؤها (٤) الأخير، كدُبُر الحيوان، ودُبُر الحائط. وقد يُرَاد بدُبُرِها ما بعد انقضائها، بقرينةٍ تدلُّ عليه؛ كقوله: «تسبِّحُون

стр. 417

الله، وتحمدونه، وتكبرونه (١)، دُبُر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين» (٢). فهنا دُبُرُها بعد الفراغ منها. وهذا نظير انقضاء الأجل؛ فإنَّه يُرَاد به آخر المدَّة ولمَّا يفرغ (٣)، ويُرَاد به فراغها وانتهاؤها. فصْلٌ ثم خُتِمَت بالتَّسليم وجُعِل تحليلًا لها، يخرج به المصلِّي منها كما يخرج بتحليل الحجِّ منه، وجُعِل هذا التَّحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسَّلامة، التي هي أصل الخير وأساسه. فشُرِع لمن وراءه أنْ يتحلَّل (٤) بمثل ما تحلَّل به الإمام. وفي ذلك دعاءٌ له (٥) وللمصلِّين معه بالسَّلام، ثم شُرِع ذلك لكلِّ (٦) مصلٍّ وإن كان منفردًا. فلا أحسن من هذا التَّحليل للصَّلاة، كما أنَّه لا أحسن من كون التَّكبير تحريمًا لها. فتحريمها تكبير الرَّبِّ تعالى، الجامع لإثبات كلِّ كمالٍ له، وتنزيهه عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه (٧) بذلك،

стр. 418

وتعظيمه وإجلاله. فالتَّكبير يتضمَّن تفاصيل أفعال الصَّلاة، وأقوالها، وهيئاتها؛ فالصَّلاة من أوَّلها إلى آخرها تفصيلٌ لمضمون «الله أكبر». فلا أحسن من هذا التَّحريم المتضمِّن للإخلاص والتَّوحيد، ومن (١) هذا التَّحليل المتضمِّن للإحسان إلى إخوانه المؤمنين؛ فافتُتِحَت بالإخلاص، وخُتِمَت بالإحسان. فصْلٌ قال المكمِّلُون للصَّلاة: فصلاةٌ وُضِعَت على هذا (٢) النَّحو وهذا التَّرتيب، لا يمكن أن يحصل (٣) ما ذكرناه من مقاصدها ـ التي هي (٤) جزءٌ يسيرٌ من قدرها وحقيقتها ـ إلَّا مع الإكمال والإتمام والتمهُّل الذي كان رسول الله ﷺ يفعله. ومحالٌ حصول ما ذكرناه مع النَّقر والتَّخفيف، الذي يرجع (٥) إلى شهوة الإمام والمأمومين. ومن أراد أنْ يصلِّي هذه الصَّلاة الخاصَّة فلا بُدَّ له من مزيد تطويلٍ، وأمَّا الصَّلاة

стр. 419

الحرجيَّة (١) فلا تتوقَّف (٢) على ذلك. وأمَّا استدلالكم بأحاديث الأمر بالإيجاز فقد بيَّنَّا أنَّ الإيجاز هو (٣) الذي كان يفعله، وعليه داوم، حتى قبَضَه الله إليه، فلا يجوز غير هذا ألبتَّة. وأمَّا قراءتُه في الفجر بالمعوِّذَتَين فهذا إنَّما كان في السَّفر؛ كما هو مصرَّحٌ به في الحديث، والمسافر قد أُبِيح له ـ أو أُوجِب (٤) عليه ـ قصر الصَّلاة لمشقَّة السَّفر، فأُبِيحَ له تخفيف أركانها، فهلَّا عملتم (٥) بقراءَتِه في الحضر بمائة آيةٍ في الفجر! وأمَّا قراءتُه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ بسورة التَّكوير في الفجر فإنْ كان في السَّفر فلا حُجَّة لكم فيه، وإنْ كان في الحضَر فالذي حَكَى عنه ذلك لم يقل: إنَّه كان يواظب على ذلك؛ بل سمعه يقرأ بها مرَّةً، وهذا لا يخالف رواية من (٦) رَوَى عنه أنَّه كان يقرأ فيها بالسِّتين إلى المائة، وبـ «ق» ونحوها؛ فإنَّه ﷺ كان يدخل في الصَّلاة وهو يريد إطالتها،

стр. 420

فيخفِّفُها لعارضٍ؛ من بكاء صبيٍّ وغيره. وأمَّا حديث تسبيحه في الركوع والسُّجود ثلاثًا فلا يثبت، والأحاديث الصَّحيحة بخلافه. وهذا السَّعدي مجهولٌ، لا يُعْرف عينُه ولا حاله. وقد قال أنسٌ: إنَّ عمر بن عبد العزيز كان أشبه النَّاس صلاةً برسول الله ﷺ (١)، وكان مقدار ركوعه وسجوده عشر تسبيحاتٍ (٢). وأنسٌ أعلم بذلك من السَّعدي عن أبيه أوعمِّه لو ثبت. فأين عِلْم من صلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ عشر سنين كوامل إلى عِلْم مَنْ لعلَّه (٣) لم يصلِّ معه إلَّا تلك الصَّلاة الواحدة، أو صلواتٍ يسيرةٍ؛ فإنَّ عمَّ هذا السَّعدي أوأباه ليس من مشاهير الصَّحابة المداومين الملازمة (٤) لرسول الله ﷺ ، كملازمه أنسٍ، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وغيرهم ممَّن ذكر صفة صلاته ﷺ وقدرها. وكيف يقوم ﷺ بعد الركوع حتى يقولوا: «قد نسي» (٥)، ويسبِّح فيه

стр. 421

ثلاث تسبيحات، فيجعل القيام منه بقدره أضعافًا مضاعفةً، وكذلك جلوسه بين السَّجدتين حتى يقولوا: «قد أوهم»؟ ولا ريب أنَّ سجوده وركوعه إمَّا مساوٍ لهذين الرُّكنين أو أطول منه، وأنتم تقولون: إنَّ (١) ركوعه وسجوده كان أطول (٢) من قيامه بعد الركوع، وجلوسه بين السَّجدتين، حتى تكرهوا إطالتهما، ويغلو من يغلو منكم فيبطل الصلاة بإطالتهما (٣)! وقد شهد البراء بن عازب أنَّ ركوعه وسجوده كان نحوًا من قيامه (٤)، ومحالٌ أنْ يكون مقدار ذلك ثلاث تسبيحاتٍ. ولعلَّه خفَّف مرَّةً لعارضٍ، فشهده عمُّ السَّعدي أو أبوه فأخبر به. وقد حكم النَّبِيُّ ﷺ أنَّ طول صلاة الرجل من فِقْهِه، وهذا الحكم أولى من الحُكْمِ (٥) له بقلَّة الفقه؛ فحُكْمُ رسول الله ﷺ هو الحُكْمُ الحق، وما خالفه الحكم الباطل الجائر. فروى مسلمٌ في «صحيحه» (٦)، من حديث عمَّار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ

стр. 422

طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاة، واقْصُروا الخطبة». والمَئِنَّة: العلامة. وعند سُرَّاق الصلاة أنَّ العجلة فيها من علامات الفقه، فكلَّما سَرَق (١) ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته وفقهه. وفي «صحيح ابن حبان» (٢)، و «سنن النَّسائي» (٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ويقلُّ اللَّغوَ، ويطيل الصَّلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنفُ يمشي (٤) مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة». فهذا فعلُه، وذاك قولُه في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس، وكان يقرأ فيها بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين (٥)، ولم يقتصر

стр. 423

على الثلاث (١) آيات من آخرهما في جمعةٍ واحدةٍ أصلًا. فعطَّل كثيرٌ من الناس سُنَّته، فاقتصر (٢) على آخرهما، ولم يقرأ بهما كاملتين أصلًا. وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان/١] كاملتين في الركعتين، مع قراءته المترسِّلة على مُهْلةٍ وتأنٍّ (٣). فعطَّل كثيرٌ من الأئمَّة ذلك، واقتصروا (٤) على بعض هذه وهذه، أو على إحدى السُّورتين في الرَّكعتين. ومن يقرأ بهما كاملتين فكثيرٌ منهم يقرأ بهما هذًّا بسرعة، وهذا مكروهٌ للإمام. وكُلُّ هذا فِرار من هَدْيِه ﷺ . فإنْ جاءهم (٥) حديثٌ صحيحٌ يخالف (٦) ما ألِفُوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخٌ، أوخلاف الإجماع، والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم. ولو كانت أحاديث التَّطويل منسوخةً لكان أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 424

أعلم بذلك، ولما احتجُّوا بها على من لم يعمل بها، ولا عمل بها أعلم الأمَّة به، وهم الخلفاء الرَّاشدون. فهذا صِدِّيقُ الأمَّة وشيخ الإسلام، صلَّى الصُّبح، فقرأ البقرة من أوَّلها إلى آخرها ـ وخَلْفه الصَّغير والكبير وذو الحاجة ـ فقالوا له: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع! فقال: «لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين» (١). ومَضَى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وكان يقرأ في الفجر بالنَّحل ويوسف، وبهود ويونس، وبني إسرائيل، ونحوها من السور (٢). وقد تقدَّم حديث عبد الله (٣) بن عمر: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا (٤) بالتَّخفيف، ويؤمُّنَا بالصَّافات» (٥). فالذي فعله هو الذي أمر به. وقد تقدَّم حكاية الذِّكر والدُّعاء الذي كان يقوله في ركن الاعتدال من الرُّكوع، وأنَّه كان يطيله حتى يقول مَنْ خلفه: «قد أوْهَم». وتقدَّم حديث أبي سعيد في دخوله ﷺ في صلاة الظُّهر: «فيذهب الذَّاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله، فيتوضَّأ ثم يأتي المسجد، فيدركه في الركعة

стр. 425

الأولى (١)» (٢). فيالله العجب! ما الذي حرَّم الاقتداء به في ذلك، أوجعله مكروهًا؟ ونحن نقول: كلَّا والذي بعثه بالحق، إنَّ الاقتداء به في ذلك مرضاة لله ورسوله، وإنْ تَرَكَها مَنْ تَرَكَها. وأمَّا حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ودخول سهل بن أبي أمامة على (٣) أنس بن مالك، فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً كأنَّها صلاة مسافر، فقال: «إنَّها لصلاة رسول الله ﷺ » (٤) = فهذا ممَّا تفرَّد به ابن أبي العمياء، وهو شِبْه المجهول. والأحاديث الصَّحيحة عن أنسٍ كلُّها (٥) تخالفه. كيف يقول أنسٌ هذا وهو القائل: إنَّ أشبه (٦) من رأى صلاةً برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، وكان يسبِّح عشرًا عشرًا؟ وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يُقَال: «قد نسِيَ»، وكذلك (٧) بين
следующие страницы →