Полный текст (6 237 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿أم كنتم شهداء﴾ ترك الكلام الأوَّل وعاد إلى مُخاطبة اليهود المعنى: بل أكنتم شهداء أَيْ: حضوراً ﴿إذ حضر يعقوب الموت﴾ وذلك أنَّ اليهود قالت النبي ﷺ : ألستَ تعلم أنَّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهوديَّة؟ فأكذبهم الله تعالى وقال: أكنتم حاضرين وصيته ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾
стр. 142
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ يعني: إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه ﴿قد خلت﴾ قد مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من العمل ﴿ولكم﴾ يا معشر اليهود ﴿ما كسبتم﴾ أَيْ: حسابهم عليهم وإنَّما تُسألون عن أعمالكم
стр. 143
﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى﴾ نزلت فِي يهود المدينة ونصارى نجران قال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلاَّ ذلك فقال الله تعالى: ﴿قل بل ملَّة إبراهيم حنيفاً﴾ يعني: بل نتبع ملَّة إبراهيم حنيفاً مائلاً عن الأديان كلِّها إلى دين الإسلام ثمَّ أمر المؤمنين أن يقولوا:
стр. 144
﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ يعني: القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾ وهم أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء لذلك قال: وما أنزل إليهم وقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ أَيْ: لا نكفر ببعضٍ ونؤمن ببعضٍ كما فعلت اليهود والنَّصارى
стр. 145
﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ أَيْ: إِنْ أتوا بتصديقٍ مثلِ تصديقكم وكان إيمانُهم كإيمانكم ﴿فقد اهتدوا﴾ فقد صاروا مسلمين ﴿وإن تولوا﴾ أعرضوا ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ فِي خلافٍ وعداوةٍ ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله﴾ ثمَّ فعل ذلك فكفاه أمر اليهود بالقتل والسَّبي فِي قريظة والجلاء والنَّفي فِي بني النضير والجزية والذَّلَّة فِي نصارى نجران
стр. 146
﴿صبغة الله﴾ أَي: الزموا دين الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أي: ومن أحسن من الله ديناُ؟
стр. 147
﴿قل﴾ يا محمَّدُ لليهود والنَّصارى: ﴿أتحاجوننا في الله﴾ أَتُخاصموننا في دين الله؟ وذلك أنهم قالوا: إن ديننا هو الأقدم وكتابنا هو الأسبق ولو كنتَ نبيّاً لكنتَ منَّا ﴿ولنا أعمالنا﴾ نُجازى بحسنها وسيِّئها وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا ﴿ونحن له مخلصون﴾ مُوحِّدون
стр. 148
﴿أم تقولون﴾ إنَّ الأنبياء من قبل أن تنزل التَّوراة والإِنجيل ﴿كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أم الله﴾ أَيْ: قد أخبرنا الله سبحانه أنَّ الأنبياء كان دينهم الإِسلام ولا أحدٌ أعلم منه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله﴾ هذا توبيخٌ لهم وهو أنَّ الله تعالى أشهدهم فِي التِّوراة والإِنجيل أنَّه باعثٌ فيهم محمداً ﷺ من ذريَّة إبراهيم ﵇ وأخذ مواثيقهم أَنْ يُبيِّنوه ولا يكتموه ثمَّ ذكر قصَّة تحويل القبلة فقال:
стр. 149
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يعملون﴾
стр. 150
﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ يعني: مشركي مكَّة ويهود المدينة ﴿ما ولاَّهم﴾ ما صرفهم؟ يعنون النبي ﷺ والمؤمنين ﴿عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ وهي الصَّخرة ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ يأمر بالتَّوجُّه إلى أيٍّ جهةٍ شاء ﴿يَهْدِي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ دينٍ مستقيمٍ يريد: إنِّي رضيتُ هذه القِبلة لمحمَّدٍ ﷺ ثمَّ مدح أمَّته فقال:
стр. 151
﴿وكذلك﴾ أي: وكما هديناكم صراطاً مستقيماً ﴿جعلناكم أمة وسطاً﴾ عدولاً خياراً ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ لتشهدوا على الأمم بتبليغ الأنبياء ﴿ويكون الرسول عليكم﴾ على صدقكم ﴿شهيداً﴾ وذلك أنَّ الله تعالى يسأل الأمم يوم القيامة فيقول: هل بلَّغكم الرُّسل الرِّسالة؟ فيقولون: ما بلَّغنا أحدٌ عنك شيئاً فيسأل الرُّسل فيقولون: بلَّغناهم رسالتك فعصوا فيقول: هل لكم شهيدٌ؟ فيقولون: نعم أمة محمد ﷺ فيشهدون لهم بالتِّبليغ وتكذيب قومهم إيَّاهم فتقول الأمم: يارب بمَ عرفوا ذلك وكانوا بعدنا؟ فيقولون: أخبرنا بذلك نبيُّنا في كتابه ثمَّ يزكيهم محمد ﷺ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أَي: التي أنتَ عليها اليوم وهي الكعبةُ قِبلةً ﴿إلاَّ لنعلم﴾ لنرى وقيل: معناه: لنميّز ﴿مَنْ يتبع الرسول﴾ في تصديقه بنسخ القِبلة ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ يرتدُّ ويرجع إلى الكفر وذلك أنَّ الله تعالى جعل نسخ القبلة عن الصَّخرة إلى الكعبة ابتلاءً لعباده المؤمنين فمَنْ عصمه صدَّق الرَّسول في ذلك ومَنْ لم يعصمه شكَّ في دينه وتردَّد عليه أمره وظنَّ أنَّ محمداً ﷺ في حيرةٍ من أمره فارتدَّ عن الإِسلام وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أَيْ: وقد كانت التَّولية إلى الكعبة لثقيلةً إِلا ﴿عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله﴾ عصمهم الله بالهداية فلمَّا حوِّلت القبلة قالت اليهود: فكيف بمَنْ مات منكم وهو يصلِّي على القبلة الأولى؟ لقد مات على الضَّلالة فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانكم﴾ أَيْ: صلاتكم التي صليتم وتصديقكم بالقِبلة الأولى ﴿إنَّ الله بالناس﴾ يعني: بالمؤمنين ﴿لرؤوف رحيم﴾ والرَّأفة أشدُّ الرَّحمة
стр. 152
﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله ورأى أنَّ الصَّلاة إليها أدعى لقومه إلى الإسلام فقال لجبريل ﵇: وددتُ أنَّ الله صرفني عن قِبلة اليهود إلى غيرها فقال جبريل ﵇: إنَّما أنا عبدٌ مثلك وأنت كريم على ربِّك فسله ثمَّ ارتفع جبريل ﵇ وجعل رسول الله ﷺ يُديم النَّظر إلى السَّماء رجاء أَنْ يأتيه جبريل ﵇ بالذي سأل فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ: فِي النَّظر إلى السَّماء ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنُصَيِّرَنَّك تستقبل ﴿قبلة ترضاها﴾ تحبُّها وتواها ﴿فَوَلِّ وجهك﴾ أَيْ: أَقبل بوجهك ﴿شطر المسجد الحرام﴾ نحوه وتلقاءه ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ فِي برٍّ أو بحرٍ وأردتم الصَّلاة ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ فلمَّا تحوَّلت القِبلة إِلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد ما أُمرتَ بهذا وإنَّما هو شيءٌ تبتدعه من تلقاء نفسك فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أنَّ المسجد الحرام قِبلة إبراهيم وأنَّه لحقٌّ ﴿وما اللَّهُ بغافل عما تعملون﴾ يا معشر المؤمنين مِنْ طلب مرضاتي
стр. 153
﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب﴾ يعني: اليهود والنَّصارى ﴿بكلِّ آية﴾ (دلالةٍ ومعجزةٍ) ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ لأنَّهم مُعاندون جاحدون نبوَّتك مع العلم بها ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حسمَ بهذا أطماع اليهود في رجوع النبي ﷺ إلى قبلتهم لأنَّهم كانوا يطمعون في ذلك ﴿وما بعضهم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أخبر أنَّهم - وإنِ اتَّفقوا في التَّظاهر على النَّبيِّ ﷺ مُختلفون فيما بينهم فلا اليهود تتبع قِبلة النَّصارى ولا النَّصارى تتبع قِبلة اليهود ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ: صلَّيت إلى قِبلتهم ﴿بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أنَّ قِبلة الله الكعبة ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أيْ: إِنَّك إذاً مثلهم والخطاب للنبي ﷺ فِي الظَّاهر وهو فِي المعنى لأُمَّته
стр. 154
﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ يعرفون محمدا ﷺ بنعته وصفته ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق﴾ من صفته في التَّوراة ﴿وهم يعلمون﴾ لأنَّ الله بيَّن ذلك في كتابهم
стр. 155
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: هذا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشَّاكِّين في الجملة التي أخبرتك بها من أمر القِبلة وعناد اليهود وامتناعهم عن الإِيمان بك
стр. 156
﴿ولكلٍّ﴾ أَيْ: ولكلِّ أهل دينٍ ﴿وجهةٌ﴾ قِبلةٌ ومُتوجَّةٌ إليها في الصَّلاة ﴿هو مُوَلِّيْها﴾ وجهَه أَيْ: مستقبلها ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ فبادروا إلى القبول من الله ووَلُّوا وجوهكم حيث أمركم الله تعالى ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يجمعكم الله تعالى للحساب فيجزيكم بأعمالكم ثم أَكَّد استقبال القبلة أينما كان بآيتين وهما قوله تعالى:
стр. 157
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بغافل عما تعملون﴾
стр. 158
﴿ومن حيث خرجت﴾ الآية وقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لئلا يكون للناس عليكم حجَّةٌ﴾ يعني: اليهود وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون: ما درى محمَّدٌ أين قِبلته حتى هديناه ويقولون: يخالفنا محمَّدٌ فِي ديننا ويتَّبِع قِبلتنا فهذا كان حجِّتهم التي كانوا يحتجُّون بها تمويهاً على الجُهَّال فلمَّا صُرفت القِبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجَّة ثمَّ قال تعالى: ﴿إلاَّ الذين ظلموا منهم﴾ من النَّاس وهم المشركون فإنَّهم قالوا: توجَّه محمدٌ إلى قِبلتنا وعلم أنَّا أهدى سبيلاً منه فهؤلاء يحتجُّون بالباطلِ ثمَّ قال: ﴿فلا تخشوهم﴾ يعني: المشركين في تظاهرهم عليكم فِي المُحاجَّة والمحاربة ﴿واخشوني﴾ فِي ترك القِبلة ومخالفتها ﴿ولأُتمَّ نعمتي عليكم﴾ أَيْ: ولكي أَتمَّ - عطفٌ على ﴿لئلا يكون﴾ - نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بهدايتي إيّاكم إلى قِبلة إبراهيم فَتَتِمُّ لكم الملَّة الحنيفيَّة ﴿ولعلكم تهتدون﴾ ولكي تهتدوا إلى قِبلة إبراهيم
стр. 159
﴿كما أرسلنا فيكم﴾ المعنى: ولأتمَّ نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولاً أَيْ: أتمُّ هذه كما أتممت تلك بإرسالي ﴿رسولاً منكم﴾ تعرفون صدقه ونسبه ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾ يعني: القرآن وهذا احتجاجٌ عليهم لأنَّهم عرفوا أنَّه أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب فلمَّا قرأ عليهم تبيَّن لهم صدقه في النُّبوَّة ﴿ويزكيكم﴾ أَيْ: يُعرِّضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة الله تعالى
стр. 160
﴿فاذكروني﴾ بالطَّاعة ﴿أذكركم﴾ بالمغفرة ﴿واشكروا لي﴾ نعمتي ﴿ولا تكفرون﴾ أَيْ: لا تكفروا نعمتي
стр. 161
﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا﴾ على طلب الآخرة ﴿بالصبر﴾ على الفرائض ﴿والصلاة﴾ وبالصَّلوات الخمس على تمحيص الذُّنوب ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: إنِّي معكم أنصركم ولا أخذلكم
стр. 162
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أموات﴾ نزلت في قتلى بدر من المسلمين وذلك أنَّهم كانوا يقولون لمَنْ يُقتل فِي سبيل الله: مات فلانٌ وذهب عنه نعيم الدُّنيا فقال الله تعالى: ولا تقولوا للمقتولين في سبيلي هم أمواتٌ ﴿بل﴾ هم ﴿أحياء﴾ لأنَّ أرواح الشُّهداء فِي أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنَّة ﴿ولكن لا تشعرون﴾ بما هم فيه من النَّعيم والكرامة
стр. 163
﴿ولنبلونكم﴾ ولنعاملنَّكم مُعاملة المبتلي ﴿بشيء من الخوف﴾ يعني: خوف العدوِّ ﴿والجوع﴾ يعني: القحط ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ﴾ يعني: الخسران والنُّقصان فِي المال وهلاك المواشي ﴿والأنفس﴾ يعني: الموت والقتل في الجهاد والمرض والشَّيب ﴿والثمرات﴾ يعني: الجوائح وموت الأولاد فمَنْ صبر على هذه الأشياء استحقَّ الثَّواب ومَنْ لم يصبر لم يستحق يدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾
стр. 164
﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾ ممَّا ذُكر ﴿قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ أَيْ: أموالنا لله ونحن عبيدة يصنع بنا ما يشاء ثمَّ وعدهم على هذا القول المغفرة
стр. 165
﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ أَيْ: مغفرةٌ ﴿ورحمة﴾ ونعمةٌ ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ إلى الجنَّة والثَّواب والحقِّ والصَّواب وقيل: زيادة الهدى وقيل: هم المنتفعون بالهداية
стр. 166
﴿إنَّ الصفا والمروة﴾ وهما جبلان معروفان بمكَّة ﴿من شعائر الله﴾ أَيْ: مُتعبَّداته ﴿فمن حجَّ البيت﴾ زاره معظِّماً له ﴿أو اعتمر﴾ قصد البيت للزِّيارة ﴿فلا جناح عليه﴾ فلا إثم عليه ﴿إن يطوَّف بهما﴾ بالجبلين وذلك أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما فكره المسلمون الطَّواف بينهما فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ومن تطوَّع خيراً﴾ فعل غير المفترض عليه من طوافٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وطاعةٍ ﴿فإنَّ الله شاكر﴾ مجازٍ له بعمله ﴿عليم﴾ بنيَّته
стр. 167
﴿إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا﴾ يعني: علماء اليهود ﴿من البينات﴾ من الرَّجم والحدود والأحكام ﴿والهدى﴾ أمر محمد ﷺ ونعته ﴿من بعد ما بيناه للناس﴾ لبني إسرائيل ﴿فِي الكتاب﴾ فِي التَّوراة ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ كلُّ شيءٍ إلاَّ الجنَّ والإِنس
стр. 168
﴿إلاَّ الذين تابوا﴾ رجعوا من بعد الكتمان ﴿وأصلحوا﴾ السَّريرة ﴿وبيَّنوا﴾ صفة محمَّدٍ ﷺ ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾ أعود عليهم بالمغفرة
стр. 169
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ يعني: المؤمنين
стр. 170
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هم ينظرون﴾ أَيْ: ولا هم يُمهلون للرَّجعة والتَّوبة والمعذرة إذ قد زال التَّكليف
стр. 171
﴿وإلهكم إله واحدٌ﴾ كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنما يعبدونها من دون الله فبيَّن الله سبحانه أنَّه إِلههم وأّنَّه واحدٌ فقال: ﴿وإلهكم إله واحدٌ﴾ أَيْ: ليس له في الإِلهيَّة شريكٌ ولا له في ذاته نظيرٌ ﴿لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ كذَّبهم الله في إشراكهم معه آلهةً فعجب المشركون من ذلك وقالوا: إنَّ محمداً يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فلأتنا بآيةٍ إن كان من الصَّادقين فأنزل الله تعالى:
стр. 172
﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ مع عظمهما وكثرة أجزائهما ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ ذهابهما ومجيئهما ﴿والفلك﴾ السُّفن ﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من التِّجارات ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ من مطرٍ ﴿فأحيا به الأرض﴾ أخصبها بعد جدوبتها ﴿وبثَّ﴾ وفرَّق ﴿فيها من كلِّ دابة وتصريف الرياح﴾ تقليبها مرَّة جنوباً ومرَّة شمالاً وباردةً وحارَّة ﴿والسحاب المسخَّر﴾ المُذلَّل لأمر الله ﴿بين السماء والأرض لآياتٍ﴾ لدلالاتٍ على وحدانية الله ﴿لقوم يعقلون﴾ فعلمهم الله بهذه الآية كيفية الاستدلال على الصَّانع وعلى توحيده وردَّهم إلى التًّفكُّر فِي آياته والنَّظر فِي مصنوعاته ثمَّ أعلم أنَّ قوماً بعد هذه الآيات والبيِّنات يتَّخذون الأنداد مع علمهم أنَّهم لا يأتون بشيءٍ مما ذكر فقال:
стр. 173
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنداداً﴾ يعني: الأصنام التي هي أندادٌ بعضها لبعضٍ أَيْ: امثال ﴿يحبونهم كحب الله﴾ أي: كحبِّ المؤمنين الله ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ لأنَّ الكافر يُعرِضُ عن معبوده في وقت البلاء والمؤمن لا يُعرض عن الله في السِّراء والضَّراء والشِّدَّة والرَّخاء ﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾ كفروا ﴿إذ يرون العذاب﴾ شدَّة عذاب الله تعالى وقوّته لعلموا مضرَّة اتِّخاذ الأنداد وجواب (لو) محذوفٌ وهو ما ذكرنا
стр. 174
﴿إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا﴾ هذه الآية تتصل بما قبلها لأنَّ المعنى: وإنَّ الله شديد العذاب حين تبرَّأ المُتَّبَعُون في الشِّرك من أتباعهم عند رؤية العذاب يقولون: لم ندعُكم إلى الضَّلالة وإلى ما كنتم ﴿وتقطعت بهم﴾ عنهم ﴿الأسباب﴾ الوصلات التي كانت بينهم في الدُّنيا من الأرحام والموَّدة وصارت مُخالَّتهم عداوةً
стр. 175
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهم الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لنا كرة﴾ وجعة إلى الدُّنيا تبرَّأنا منهم ﴿كما تبرَّؤوا منا كذلك﴾ أي: كتبرئ بعضهم من بعضٍ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عليهم﴾ يعني: عبادتهم الأوثان رجاءَ أن تُقرِّبهم إلى الله تعالى فلمَّا عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسَّروا
стр. 176
﴿يا أيها النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ نزلت هذه الآية فِي الذين حرَّموا على أنفسهم السَّوائب والوصائل والبحائر فأَعلمَ الله سبحانه أنَّها يَحلُّ أكْلُها وأنَّ تحريمها من عمل الشَّيطان فقال: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أَيْ: سُبله وطرقه ثمَّ بيَّن عداوة الشَّيطان فقال:
стр. 177
﴿إنما يأمركم بالسوء﴾ بالمعاصي ﴿والفحشاء﴾ البخل وقيل: كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم الأنعام والحرث
стр. 178
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: لهؤلاء الذين حرَّموا من الحرث والأنعام أشياء: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفينا﴾ ما وجدنا ﴿عليه آباءنا﴾ فقال الله تعالى مُنكراً عليهم: ﴿أو لو كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ يتَّبعونهم؟ والمعنى: أيتبعون آباءهم وإنْ كانوا جهَّالاً؟ ! ثمَّ ضرب للكفَّار مثلاً فقال:
стр. 179
﴿ومثل الذين كفروا﴾ فِي وعظهم ودعائهم إلى الله ﴿كمثل﴾ الرَّاعي ﴿الذي ينعق﴾ يصيح بالغنم وهي لا تعقل شيئاً ومعنى يَنْعِق: يصيح وأراد ﴿بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً﴾ البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الرَّاعي إنَّما تسمع صوتاً لا تدري ما تحته كذلك الذين كفروا يسمعون كلام النبي ﷺ وهم كالغنم إذ كانوا لا يستعملون ما أمره به ومضى تفسير قوله: ﴿صم بكم عمي﴾ ثمَّ ذكر أنَّ ما حرَّمه المشركون حلال فقال:
стр. 180
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: حلالات ما رزقناكم من الحرث والنَّعم وما حرَّمه المشركون على أنفسهم منهما ﴿واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون﴾ أَيْ: إنْ كانت العبادة لله واجبةً عليكم بأنَّه إلهكم فالشُّكر له واجبٌ بأنه منعمٌ عليكم ثمَّ بيَّن المُحرَّم ما هو فقال:
следующие страницы →