← Тафсир

Тафсир · id 2547

الوجيز للواحدي

الواحدي

Полный текст (6 237 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿يا أيها النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ نزلت هذه الآية فِي الذين حرَّموا على أنفسهم السَّوائب والوصائل والبحائر فأَعلمَ الله سبحانه أنَّها يَحلُّ أكْلُها وأنَّ تحريمها من عمل الشَّيطان فقال: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أَيْ: سُبله وطرقه ثمَّ بيَّن عداوة الشَّيطان فقال:

стр. 177

﴿إنما يأمركم بالسوء﴾ بالمعاصي ﴿والفحشاء﴾ البخل وقيل: كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم الأنعام والحرث

стр. 178

﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: لهؤلاء الذين حرَّموا من الحرث والأنعام أشياء: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفينا﴾ ما وجدنا ﴿عليه آباءنا﴾ فقال الله تعالى مُنكراً عليهم: ﴿أو لو كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ يتَّبعونهم؟ والمعنى: أيتبعون آباءهم وإنْ كانوا جهَّالاً؟ ! ثمَّ ضرب للكفَّار مثلاً فقال:

стр. 179

﴿ومثل الذين كفروا﴾ فِي وعظهم ودعائهم إلى الله ﴿كمثل﴾ الرَّاعي ﴿الذي ينعق﴾ يصيح بالغنم وهي لا تعقل شيئاً ومعنى يَنْعِق: يصيح وأراد ﴿بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً﴾ البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الرَّاعي إنَّما تسمع صوتاً لا تدري ما تحته كذلك الذين كفروا يسمعون كلام النبي ﷺ وهم كالغنم إذ كانوا لا يستعملون ما أمره به ومضى تفسير قوله: ﴿صم بكم عمي﴾ ثمَّ ذكر أنَّ ما حرَّمه المشركون حلال فقال:

стр. 180

﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أَيْ: حلالات ما رزقناكم من الحرث والنَّعم وما حرَّمه المشركون على أنفسهم منهما ﴿واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون﴾ أَيْ: إنْ كانت العبادة لله واجبةً عليكم بأنَّه إلهكم فالشُّكر له واجبٌ بأنه منعمٌ عليكم ثمَّ بيَّن المُحرَّم ما هو فقال:

стр. 181

﴿إنما حرَّم عليكم الميتة﴾ وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبح ﴿والدم﴾ يعني: الدَّم السَّائل لقوله في كوضع آخر: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ وقد دخل هذين الجنسين الخصوصُ بالسُّنَّةِ وهو [قوله ﷺ : أُحلَّت لنا ميتتان ودمان] وقوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾ يعني: الخنزير بجميع أجزائه وخصَّ اللَّحم لأنَّه المقصود بالأكل ﴿وما أُهِلَّ به لغير الله﴾ يعني: ما ذُبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله تعالى ﴿فمن اضطر﴾ أَيْ: أُحوج وألجئ في حال الضَّرورة وقيل: مَنْ أكره على تناوله وأُجبر على تناوله كما يُجبر على التَّلفُّظ بالباطل ﴿غير باغٍ﴾ أَيْ: غير قاطعٍ للطَّريق مفارقٍ للأئمة مُشاقًّ للأمَّة ﴿ولا عادٍ﴾ ولا ظالم متعدٍّ فأكلَ ﴿فلا إثم عليه﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ العاصي بسفره لا يستبيح أكل الميتة عند الضَّرورة ﴿إنَّ الله غفور﴾ للمعصية فلا يأخذ بما جعل فِيهِ الرُّخصة ﴿رحيمٌ﴾ حيث رخَّص للمضطر

стр. 182

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتاب﴾ يعني: رؤساء اليهود ﴿ويشترون به﴾ بما أنزل الله من نعت محمد ﷺ في كتابهم ﴿ثمناً قليلاً﴾ يعني: ما يأخذون من الرُّشى على كتمان نعته ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ إلاَّ ما هو عاقبته النَّار ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ أَيْ: كلاماً يسرُّهم ﴿ولا يزكيهم﴾ ولا يُطهِّرهم من دنس ذنوبهم

стр. 183

﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة﴾ استبدلوها ﴿بالهدى والعذاب بالمغفرة﴾ حين جحدوا أمر محمَّدٍ ﷺ وكتموا نعته ﴿فما أصبرهم﴾ أَيْ: فأيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار ودعاهم إليها حين تركوا الحقَّ واتبعوا الباطل؟ ! وهذا استفهامٌ معناه التَّوبيخ لهم (وقيل: ما أجرأهم على النار)

стр. 184

﴿ذلك﴾ أَيْ: ذلك العذاب لهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكتاب بالحق﴾ يعني: القرآن فاختلفوا فيه ﴿وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب﴾ فقالوا: إنَّه رَجَزٌ وشِعرٌ وكهانةٌ وسحرٌ ﴿لفي شقاق بعيد﴾ لفي خلافٍ للحقِّ طويلٍ

стр. 185

﴿ليس البر﴾ كان الرَّجل فِي ابتداء الإِسلام إذا شهد الشَّهادتين وصلَّى إلى أَيٍّ ناحيةٍ كانت ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنَّة فلمَّا هاجر رسول الله ﷺ ونزلت الفرائض وصُرفت القِبلة إلى الكعبة أنزل الله تعالى هذه الآية فقال: ﴿ليس البر﴾ كلَّه أن تُصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك ﴿ولكنَّ البرَّ﴾ أَيْ: ذا الْبِرَّ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ والكتاب والنَّبيين وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أَيْ: على حبِّ المال (وقيل: الضميرُ راجعٌ إلى الإِيتاء) ﴿ذوي القربى﴾ قيل: عنى به قرابة النبي ﷺ (وقيل: أراد به قرابة الميت) ﴿وابن السبيل﴾ هو المنقطع يمرُّ بك والضَّيف ينزل بك ﴿وفي الرِّقاب﴾ أَيْ: وفي ثمنها يعني: المكاتبين ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ اللَّهَ أو النَّاسَ ﴿والصابرين في البأساء﴾ الفقر ﴿والضراء﴾ المرض ﴿وحين البأس﴾ وقت القتال في سبيل الله ﴿أولئك﴾ أهل هذه الصفة هم ﴿الذين صدقوا﴾ في إيمانهم

стр. 186

﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ نزلت في حَيَّينِ من العرب أحدهما أشرف من الآخر فقتل الأوضع من الأشرف قتلى فقال الأشرف: لنقتلنَّ الحرَّ بالعبد والذَّكر بالأنثى ولَنُضاعِفَنَّ الجراح فأنزل الله تعالى هذه الآية وقوله: ﴿كُتب﴾ : أُوجب وفُرض ﴿عليكم القصاص﴾ اعتبار المماثلة والتَّساوي بين القتلى حتى لا يجوز أن يقتل حرٌّ بعبدٍ أو مسلمٌ بكافرٍ فاعتبارُ المماثلةِ واجبٌ وهو قوله: ﴿الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى﴾ ودلَّ قوله في سورة المائدة: ﴿أنَّ النَّفس بالنَّفس﴾ على أنَّ الذَّكر يُقتل بالأنثى فيقتل الحرُّ بالحرَّة ﴿فمن عفي له﴾ أَيْ: تُرك له ﴿من﴾ دم ﴿أخيه﴾ المقتول ﴿شيءٌ﴾ وهو أن يعفو بعض الأولياء فيسقط القود ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أَيْ: فعلى العافي الذي هو ولي الدَّم أن يتبع القاتل بالمعروف وهو أن يطالبه بالمال من غير تشدُّد وأذىً وعلى المطلوب منه المال ﴿أداءٌ﴾ تأدية المال إلى العافي ﴿بإحسانٍ﴾ وهو ترك المطل والتَّسويف ﴿ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾ هو أنَّ الله تعالى خَيَّرَ هذه الأمَّة بين القصاص والدية والعفو ولم يكن ذلك إلاَّ لهذه الأُمَّة ﴿فمن اعتدى﴾ أَيْ: ظلم بقتل القاتل بعد أخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

стр. 187

﴿ولكم في القصاص حياة﴾ أَيْ: في إثباته حياةٌ وذلك أنَّ القاتل إذا قُتل ارتدع عن القتل كلُّ مَنْ يهمُّ بالقتل فكان القصاص سبباً لحياة الذي يُهَمُّ بقتله ولحياة الهامِّ أيضاً لأنه إنْ قَتلَ قُتل ﴿يا أولي الألباب﴾ يا ذوي العقول ﴿لعلكم تتقون﴾ إراقة الدِّماء مخافة القصاص

стр. 188

﴿كتب عليكم﴾ كان أهل الجاهليَّة يُوصون بمالهم للبعداء رياءً وسُمعةً ويتركون أقاربهم فقراء فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿كتب عليكم﴾ فُرض عليكم وأُوجب ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أَيْ: أسبابه ومُقدِّماته ﴿إنْ ترك خيراً﴾ مالاً ﴿الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ يعني: لا يزيد على الثلث ﴿حقاً﴾ أي: حقَّ ذلك حقَّاً ﴿على المتقين﴾ الذين يتَّقون الشِّرك وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ولا تجب الوصية على أحدٍ (ولا تجوز الوصية للوارث)

стр. 189

﴿فَمَنْ بدَّله بعد ما سمعه﴾ أَيْ: بدَّل الإِيصاء وغيَّره من وصيٍّ ووليٍّ وشاهدٍ بعد ما سمعه عن الميت ﴿فإنما إثمه﴾ إثم التَّبديل ﴿عَلَى الَّذِينَ يبدلونه﴾ وبرئ الميِّت ﴿إن الله سميع﴾ سمع ما قاله المُوصي ﴿عليم﴾ بنيَّته وما أراد فكانت الأولياء والأوصياء يمضون وصيه الميت بعد نزول هذه الآية وإن استغرقت المال فأنزل الله تعالى:

стр. 190

﴿فمن خاف﴾ أَيْ: علم ﴿من موصٍ جنفاً﴾ خطأً في التوصية من غير عمدٍ وهو أن يُوصي لبعض ورثته أو يوصي بماله كلِّه خطأً ﴿أو إثماً﴾ أَيْ: قصدا للميل فخاف من الوصية وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً ﴿فأصلح﴾ بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم ﴿فلا إثم عليه﴾ أَيْ: إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم بل هو متوسطٌ للإِصلاح وليس عليه إثمٌ

стр. 191

﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ يعني صيام شهر رمضان ﴿كما كتب﴾ يعني: كما أُوجب ﴿على الذين من قبلكم﴾ أَيْ: أنتم مُتَعَبِّدون بالصَّيام كما تُعبِّد مَنْ قبلكم ﴿لعلكم تتقون﴾ لكي تتقوا الأكل والشُّرب والجماع في وقت وجوب الصَّوم

стр. 192

﴿أياماً معدودات﴾ يعني: شهر رمضان ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فأفطر ﴿فعدَّةٌ﴾ أَيْ: فعليه عدَّةٌ أَيْ: صوم عدَّةٍ يعني: بعدد ما أفطر ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سوى أيَّام مرضه وسفره ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ هذا كان في ابتداء الإسلام مَنْ أطاق الصوم جاز له أن يُفطر ويُطعم لكلِّ يومٍ مسكيناً مُدَّاً من طعام فَنُسِخ بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ﴿فمن تطوع خيراً﴾ زاد في الفدية على مُدٍّ واحدٍ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: والصَّوم خيرٌ لكم من الإِفطار والفدية وهذا (إنَّما) كان قبل النَّسخ

стр. 193

﴿شهر رمضان﴾ أَيْ: هي شهر رمضان يعني: تلك الأيام المعدودات شهر رمضان ﴿الذي أُنزل فيه القرآن﴾ أنزل جُملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزَّة في سماء الدُّنيا ثمَّ نزل به جبريل ﵇ على محمد ﷺ نجوماً نجوماً عشرين سنةً ﴿هدىً للناس﴾ هادياً للنَّاس ﴿وبينات من الهدى﴾ وآياتٍ واضحاتٍ من الحلال والحرام والحدود والأحكام ﴿والفرقان﴾ الفرق بين الحقِّ والباطل ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ فمَنْ حضر منكم بلده في الشَّهْرَ ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سفرٍ فعدَّةٌ من أيام أخر﴾ أعاد هاهنا تخيير المريض والمسافر لأنَّ الآية الأولى وردت في التَّخيير للمريض والمسافر والمقيم وفي هذه الآية نُسخ تخيير المقيم فأُعيد ذكر تخيير المريض والمسافر ليعلم أنَّه باقٍ على ما كان ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ بالرُّخصة للمسافر والمريض ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لأنَّه لم يشدِّد ولم يُضيِّق عليكم ﴿ولتكملوا﴾ (عطف على محذوف) والمعنى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العسر لِيَسْهُلَ عليكم ﴿ولتكملوا العدَّة﴾ أَيْ: ولتكملوا عدَّة ما أفطرتم بالقضاء إذا أقمتم وبرأتم ﴿ولتكبروا الله﴾ يعني التَّكبير ليلة الفطر إذا رُئي هلال شوال ﴿على ما هداكم﴾ أرشدكم من شرائع الدِّين

стр. 194

﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ الآية سأل بعض الصَّحابة النبي ﷺ : أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه أم بعيدٌ فنناديَه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وقوله تعالى ﴿فإني قريبٌ﴾ يعني: قربه بالعلم ﴿أجيب﴾ أسمع ﴿دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي﴾ أَيْ: فليجيبوني بالطَّاعة وتصديق الرُّسل ﴿وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ ليكونوا على رجاءٍ من إصابة الرُّشد

стр. 195

﴿أحلَّ لكم ليلة الصيام﴾ الآية كان في ابتداء الإسلام لا تحلُّ المجامعة في ليالي الصَّوم ولا الأكل ولا الشُّرب بعد العشاء الآخرة فأحلَّ الله تعالى ذلك كلَّه إلى طلوع الفجر وقوله: ﴿الرفث إلى نسائكم﴾ يعني: الإِفضاء إليهنَّ بالجماع ﴿هنَّ لباسٌ لكم﴾ أَيْ: فراشٌ ﴿وأنتم لباس﴾ لحافٌ ﴿لهنَّ﴾ عند الجماع ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ تخونون أنفسكم بالجماع ليالي رمضان وذلك أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وغيره فعلوا ذلك ثمَّ أتوا رسول الله ﷺ يسألونه فنزلت الرُّخصة ﴿فتاب عليكم﴾ فعاد عليكم بالترخيص ﴿وعفا عنكم﴾ ما فعلتم قبل الرُّخصة ﴿فالآن باشروهنَّ﴾ جامعوهنَّ ﴿وابتغوا﴾ واطلبوا ﴿ما كتب الله لكم﴾ ما قضى الله سبحانه لكم من الولد ﴿وكلوا واشربوا﴾ اللَّيل كلَّه ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾ يعني: بياض الصُّبح ﴿من الخيط الأسود﴾ من سواد اللَّيل ﴿من الفجر﴾ بيانُ أنَّ هذا الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره ﴿ثمَّ أتموا الصيام إلى الليل﴾ بالامتناع من هذه الأشياء ﴿ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ نهيٌ للمعتكف عن الجماع لأنه يُفسده ﴿تلك﴾ أَيْ: هذه الأحكام التي ذكرها ﴿حدود الله﴾ ممنوعاته ﴿فلا تقربوها﴾ فلا تأتوها ﴿كذلك﴾ أَيْ: مثل هذا البيان ﴿يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ المحارم

стр. 196

﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أَيْ: لا يأكل بعضكم مال بعضٍ بما لا يحلُّ في الشَّرع من الخيانة والغضب والسَّرقة والقمار وغير ذلك ﴿وتُدْلُوا بها إلى الحكام﴾ ولا تصانعوا (أي: لاترشوا) بأموالكم الحكَّام لِتقتطعوا حقَّاً لغيركم ﴿لتأكلوا فريقاً﴾ طائفةً ﴿من أموال الناس بالإِثم﴾ بأن ترشوا الحاكم ليقضي لكم ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنَّكم مُبطلون وأنَّه لا يحلُّ لكم والأصل في الإِدلاء: الإِرسال من قولهم: أدليتُ الدَّلو

стр. 197

﴿يسألونك عن الأهلة﴾ سأل معاذ بن جبلٍ رسولَ الله ﷺ عن زيادة القمر ونقصانه فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ وهي جمع هلال ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ أخبر الله عنه أنَّ الحكمة في زيادته ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات النَّاس فِي حجِّهم ومَحِلِّ دُيونِهم وعِدَدِ نسائهم وأجور أُجرائهم ومُدَد حواملهم وغير ذلك ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ كان الرَّجل في الجاهلية إذا إذا أحرم نقب من بيته نقباً من مؤخره يدخل فيه ويخرج فأمرهم الله بتر ك سنَّة الجاهليَّة وأعلمهم أنَّ ذلك ليس ببرٍّ ﴿ولكن البرَّ﴾ برُّ ﴿من اتقى﴾ مخالفةَ الله ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ الآية

стр. 198

﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ الآية نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله ﷺ لمَّا انصرف من الحديبية إلى المدينة المنورة حين صدَّه المشركون عن البيت صالحهم على أن يرجع عامة القابل ويُخَلُّوا له مكَّة ثلاثة أيَّام فلمَّا كان العام القابل تجهزَّ رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريشٌ وأن يصدُّوهم عن البيت ويقاتلوهم وكره أصحاب رسول الله ﷺ قتالهم في الشَّهر الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ أَيْ: في دين الله وطاعته ﴿الذين يقاتلونكم﴾ يعني: قريشاً ﴿ولا تعتدوا﴾ ولا تظلموا فتبدؤوا في الحرم بالقتال

стр. 199

﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ وجدتموه وأخذتموهم ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ يعني: من مكَّة ﴿والفتنة أشدّ من القتل﴾ يعني: وشركُهم بالله تعالى أعظمُ من قتلكم إيَّاهم في الحرم ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فيه﴾ نُهوا عن ابتدائهم بقتلٍ أو قتالٍ حتى يبتدىء المشركون ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ أَيْ: إن ابتدؤوا بقتالكم عند المسجد الحرام فلكم القتال على سبيل المكافأة ثم بيَّن أنهم إن انتهوا أَيْ: كفُّوا عن الشِّرك والكفر والقتال وأسلموا ﴿فإنَّ الله غفور رحيم﴾ أَيْ: يغفر لهم كفرهم وقتالهم من قبل وهو منعمٌ عليهم بقبول توبتهم وإيمانهم بعد كفرهم وقتالهم

стр. 200

قال تعالى ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

стр. 201

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: شركٌ يعني: قاتلوهم حتى يُسلموا وليس يُقبل من المشرك الوثنيِّ جزيةٌ ﴿ويكون الدين﴾ أَيْ: الطَّاعة والعبادة ﴿لله﴾ وحده فلا يُعبد دونه شيءٌ ﴿فإن انتهوا﴾ عن الكفر ﴿فلا عدوان﴾ أَيْ: فلا قتل ولا نهب ﴿إلاَّ على الظالمين﴾ والكافرين

стр. 202

﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ أَيْ: إن قاتلوكم في الشَّهر الحرام فقاتلوهم في مثله ﴿والحرمات قصاص﴾ أَي: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك أَعلمَ الله سبحانه أنَّه لا يكون للمسلمين أنْ ينتهكوها على سبيل الابتداء ولكن على سبيل القصاص وهو معنى قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم﴾ الآية

стр. 203

﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ في طاعة الله تعالى من الجهاد وغيره ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ولا تُمسكوا عن الإِنفاق في الجهاد ﴿وأحسنوا﴾ أَيْ: الظنَّ بالله تعالى في الثَّواب والإِخلاف عليكم

стр. 204

﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ بمناسكها وحدودها وسننها وتأدية كلِّ ما فيهما ﴿فإن أحصرتم﴾ حُبستم ومُنعتم دون تمامهما ﴿فما استيسر﴾ فواجبٌ عليكم ما تيسَّر ﴿من الهدي﴾ وهو ما يُهدى إلى بيت الله سبحانه أعلاه بدنةٌ وأوسطه بقرة وأدناه شاةٌ فعليه ما تيسَّر من هذه الأجناس ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ أَيْ: لا تَحِلُّوا من إحرامكم ﴿حتى يبلغ الهدي محلَّه﴾ حتى يُنحر الهدي بمكَّة في بعض الأقوال وهو مذهب أهل العراق وفي قول غيرهم: مَحِلُّه حيث يَحِلُّ ذبحه ونحره وهو حيث أُحصر وهو مذهب الشَّافعي ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى من رأسه﴾ يعني الهوام تقع في الشَّعر وتكثر فحلق ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ وهو صيام ثلاثة أيَّام ﴿أو صدقة﴾ وهي إطعام ستة مساكين لكلِّ مسكينٍ مُدَّان ﴿أو نسك﴾ ذبيحةٍ ﴿فإذا أمنتم﴾ أَيْ: من العدوِّ أو كان حجٌّ ليس فيه خوفٌ من عدوٍّ ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ أيْ: قدم مكَّة مُحرماً واعتمر في أشهر الحجِّ وأقام حلالا بمكة حتى ينشئ منها الحجَّ عامَه ذلك واستمتع بمحظورات الإحرام لأنَّه حلَّ بالعمرة فمن فعل هذا ﴿ف﴾ عليه ﴿ما استيسر من الهدي فمن لم يجد﴾ ثمن الهدي ﴿فصيام ثلاثة أيام في﴾ أشهر ﴿الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ أَيْ: بعد الفراغ من الحجِّ ﴿تلك عشرة كاملة ذَلِكَ﴾ أَيْ: ذلك الفرض الذي أُمرنا به من الهدي أو الصِّيام ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أَيْ: لمَنْ لم يكن من أهل مكَّة

стр. 205

﴿الحج أشهر﴾ أًيْ: أشهرُ الحجِّ أشهرٌ ﴿معلوماتٌ﴾ مُوقَّتةٌ معيَّنةٌ وهي شوال وذو القعدة وتسعُ من ذي الحجَّة ﴿فمن فرض﴾ أوجب على نفسه ﴿فيهنَّ الحجَّ﴾ بالإحرام والتَّلبية ﴿فلا رفث﴾ فلا جِماعَ ﴿ولا فسوق﴾ ولا معاصي ﴿ولا جدال﴾ وهو أَنْ يُجادلَ صاحبه حتى يُغضبه والمعنى: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا ﴿فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ أَيْ: يُجازيكم به الله العالم ﴿وتزوَّدوا﴾ نزلت في قومٍ كانوا يحجُّون بلا زادٍ ويقولون: نحن متوكِّلون ثمَّ كانوا يسألون النَّاس وربَّما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله أَنْ يتزوَّدوا فقال ﴿وتزوَّدوا﴾ ما تتبلَّغون به ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ يعني: ما تكفُّون به وجوهكم عن السُّؤال وأنفسكم عن الظلم

стр. 206

﴿وليس عليكم جناح﴾ كان قومٌ يزعمون أنَّه لا حَجَّ لتاجرٍ ولا جَمَّالٍ فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنه لا حرج في ابتغاء الرِّزق بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ ربكم﴾ أَيْ: رزقاً بالتجِّارة في الحجِّ ﴿فإذا أفضتم﴾ أَيْ: دفعتم وانصرفتم من ﴿من عرفات فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالدُّعاء والتَّلبية ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ واذكروه كما هداكم﴾ أَيْ: ذكراً مثلَ هدايته إيَّاكم أَيْ: يكون جزاءً لهدايته إيَّاكم ﴿وإن كنتم من قبله﴾ أَيْ: وما كنتم من قبل هُدَاه إلاَّ ضالِّين

стр. 207

﴿ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ يعني: العرب وعامِّة النَّاس إلاَّ قريشاً وذلك أنَّهم كانوا لا يقفون بعرفات وإنَّما يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه فأمرهم الله أن يقفوا بعرفاتٍ كما يقف سائر النَّاس حتى تكون الإفاضة معهم منها ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ أَيْ: فرغتم من عبادتكم التي أمرتم بها في الحجِّ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كذكركم آباءَكم﴾ كانت العرب إذا فرغوا من حجِّهم ذكروا مفاخر آبائهم فأمرهم الله بذكره ﴿أو أشدَّ ذكراً﴾ يعني: وأشدَّ ذكراً ﴿فمن الناس﴾ وهم المشركون كانوا يسألون المال والإبل والغنم ولا يسألون حظَّاً في الآخرة لأَنهم لم يكونوا مؤمنين بها والمسلمون يسألون الحظَّ في الدُّنيا والآخرة وهو قوله:

стр. 208

قال تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾

стр. 209

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حسنة﴾ ومعنى ﴿في الدنيا حسنة﴾ : العمل بما يرضي الله ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ : الجنة

стр. 210

﴿أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا﴾ أَيْ: ثوابُ ما عملوا ﴿والله سريعُ الحساب﴾ مع هؤلاء لأنَّه يغفر سيئاتهم ويضاعف حسناتهم

стр. 211

﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ يعني: التَّكبير أدبار الصَّلوات في أيام التَّشريق ﴿فمن تعجَّل في يومين﴾ من أيام التَّشريق فنفر في اليوم الثّاني من مِنىً ﴿فلا إثم عليه﴾ في تعجُّله ﴿ومن تأخر﴾ عن النَّفر إلى اليوم الثالث ﴿فلا إثم عليه﴾ في تأخُّره ﴿لمن اتقى﴾ أَيْ: طرحُ المأثم يكون لمن اتَّقى في حجِّه تضييعَ شيءٍ ممَّا حدَّه الله تعالى

стр. 212

﴿ومن الناس مَن يعجبك قوله﴾ يعني: الأخنس بن شريق وكان منافقاً حلو الكلام حسن العلانية سيئ السَّريرة وقوله ﴿في الحياة الدنيا﴾ لأنَّ قوله إنَّما يعجب النَّاس في الحياة الدُّنيا ولا ثواب له عليه في الآخرة ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ لأنَّه كان يقول للنبي ﷺ : واللَّهِ إنِّي بك لمؤمنٌ ولك محبٌّ ﴿وهو ألدُّ الخصام﴾ أَيْ: شديد الخصومة وكان جَدِلاً بالباطل

стр. 213

﴿وإذا تولى سعى في الأرض﴾ الآية وذلك أنَّه رجع إلى مكَّة فمرَّ بزرعٍ وحُمُرٍ للمسلمين فأحرق الزَّرع وعقر الحُمُر فهو قوله: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ أَيْ: نسل الدَّوابِّ

стр. 214

﴿وإذا قيل له اتق الله﴾ وإذا قيل له: مهلاً مهلاً ﴿أخذته العزَّةُ بالإِثم﴾ حملته الأنفة وحميَّة الجاهليَّة على الفعل بالإِثم ﴿فحسبه جهنم﴾ كافيه الجحيم جزاءً له ﴿ولبئس المهاد﴾ ولبئس المقرُّ جهنَّم

стр. 215

﴿ومن الناس مَنْ يشري﴾ أَيْ: يبيع ﴿نفسه﴾ يعني: يبذلها لأوامر الله تعالى ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ لطلب رضا الله نزلت في صهيب الرُّوميِّ
следующие страницы →