Полный текст (6 237 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدمة
لا إله إلا الله عدة للقاء الله رب بك أستعين
أخبرنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي الصاعدي في كتابه إلينا من نيسابور قال:
أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ﵁ قال: الحمد لله الكريم بآلائه العظيم بكبريائه القادر فلا يمانع والقاهر فلا ينازع والعزيز فلا يضام والمنيع فلا يرام والمليك الذي له الأقضية والأحكام وصلواته على المبعوث بشيرا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا محمد النبي خير الورى وعلى آله وأصحابه مصابيح الهدى ما انبلج الليل عن الصباح ونادى المنادي بحي على الفلاح وسلم كثيرا
أما بعد فإن لكل زمان نشوا ولكل نشو علما يتعاطونه على قدر هممهم وأفهامهم ومددهم في العمر وأيامهم وفيما سلف من الأيام وخلا من الشهور والأعوام كانت الهمم إلى العلوم مصروفة والرغبات عليها موقوفة يتوفر عليها طلاب المراتب في الدنيا والراغبون في مثوبة العقبى ثم لم تزل على مر الليالي تنخفض الهمم وتتراجع حتى عاد وابلها قطرة ولم نشاهد مما كانت عليه ذرة ذلك قضاء الله مبرم ووعد من الرسول ﷺ محكم بانتزاع العلم وقبضه فيما أخبرناه الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ محمش الزيادي ﵁ قراءة عليه في شهور سنة تسع وأربع مائة قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ المعروف بابن الأخرم قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب قال: حدثنا جعفر بن عون عن هشام ابن عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو وأن النبي ﷺ قال: [إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا]
صدق رسول الله ﷺ فقد قبضت الفحول وهلكت الوعول وانقرض زمان العلم وخمدت جمرته وهزمته كرة الجهل وعلت دولته ولم يبق إلا صبابة نتجرعها وأطمار نجتابها ونتدرعها وعليها من حال فإني كنت قد ابتدأت بابداع كتاب في التفسير لم أسبق إلى مثله وطال علي الأمر في ذلك لشرائط تقلدتها ومواجب من حق النصيحة لكتاب الله تعالى تحملتها ثم استعجلني قبل إتمامه والتقصي عما لزمني من عهدة أحكامه نفر متقاصرو الرغبات منخفضو الدرجات أولو البضائع المزجاة إلى إيجاز كتاب في التفسير يقرب على من تناوله ويسهل على من تأمله من أوجز ما عمل في بابه وأعظمه فائدة على متحفظيه وأصحابه
وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا تعجيلا لمنفعتهم وتحصيلا للمثوبة في إفادتهم ما تمنوه طويلا فلم يغني عنهم أحد فتيلا وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس ﵀ أو من هو في مثل درجته كما يترجم عن اللفظ العويص بأسهل منه وهذا حين أفتتحه فأقول: [قوله تعالى من]
стр. 2
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أَيْ: ابدؤوا أوِ افتتحوا بتسمية الله تيمُّناً وتبرُّكاً و ﴿الله﴾ : اسمٌ تفرَّد الباري به سبحانه يجري فِي وصفه مجرى أسماء الأعلام لا يُعرف له اشتقاق وقيل: معناه: ذو العبادة التي بها يُقصد ﴿الرَّحمن الرَّحيم﴾ : صفتان لله تعالى معناهما: ذو الرَّحمة أَي: الرَّحمة لازمةٌ له وهي إرادة الخير ولا فرق بينهما مثل: ندمانٍ ونديم
стр. 3
﴿الحمدُ لله﴾ هو الثَّناء لله والشُّكرُ له بإنعامه ﴿ربِّ العالمين﴾ : مالك المخلوقات كلها
стр. 4
قوله تعالى ﴿الرحمن الرحيم﴾
стр. 5
﴿مالك يوم الدِّين﴾ مأخوذٌ من المِلْك والمِلْك مأخوذٌ من المُلْك أَيْ: قاضي يوم الجزاء والحساب لأنَّه متفرِّدٌ في ذلك اليوم بالحكم
стр. 6
﴿إيَّاك نعبدُ﴾ أَيْ: نخصُّك ونقصدك بالعبادة وهي الطَّاعة مع الخضوع ﴿وإيَّاك نستعين﴾ : ومنك نطلب المعونة
стр. 7
﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أَيْ: دُلَّنا عليه واسلكْ بنا فيه وثبِّتنا عليه
стр. 8
﴿صراط الذين أنعمتَ عليهم﴾ بالهداية وهم قومُ موسى وعيسى ﵉ قبل أن يُغيِّروا نعمَ الله وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ الآية ﴿غير المغضوب عليهم﴾ أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم وهم اليهود ومعنى الغضب من الله تعالى: إرادةُ العقوبة ﴿ولا الضَّالين﴾ أَيْ: ولا الذين ضلُّوا وهم النَّصارى فكأنَّ المسلمين سألوا الله تعالى أن يهديهم طريق الذين أنعم عليهم ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود ولم يضلُّوا عن الحقِّ كما ضلَّت النَّصارى
стр. 9
﴿الم﴾ أنا الله أعلم
стр. 10
﴿ذلك الكتاب﴾ أَيْ: هذا الكتاب يعني: القرآن ﴿لا ريب فيه﴾ أي: لاشك فيه أَيْ: إنَّه صدقٌ وحقٌّ وقيل لفظه لفظ خبرٍ ويُراد به النهي عن الارتياب قال: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ ولا ريب فيه أنَّه ﴿هدىً﴾ : بيانٌ ودلالةٌ ﴿للمتقين﴾ : للمؤمنين الذين يتَّقون الشِّرْك في تخصيصه كتابه بالهدى للمتقين دلالةٌ على أنَّه ليس بهدىً لغيرهم وقد قال: ﴿والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر﴾
стр. 11
﴿الذين يؤمنون:﴾ يُصدِّقون ﴿بالغيب﴾ : بما غاب عنهم من الجنَّة والنَّار والبعث ﴿ويقيمون الصَّلاة﴾ : يُديمونها ويحافظون عليها ﴿وممَّا رزقناهم﴾ : أعطيناهم ممّا ينتفعون به ﴿ينفقون﴾ : يُخرجونه في طاعة الله تعالى
стр. 12
﴿والذين يؤمنون بما أُنزل إليك﴾ نزلت في (مؤمني) أهل الكتاب يؤمنون بالقرآن ﴿وما أنزل من قبلك﴾ يعني: التَّوراة ﴿وبالآخرة﴾ يعني: وبالدَّار الآخرة ﴿هم يوقنون﴾ : يعلمونها علماً باستدلالٍ
стр. 13
﴿أولئك﴾ يعني: الموصوفين بهذه الصِّفات ﴿على هدىً﴾ : بيانٍ وبصيرةٍ ﴿من ربِّهم﴾ أَيْ: من عند ربِّهم ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ : الباقون في النَّعيم المقيم
стр. 14
﴿إنَّ الذين كفروا﴾ : ستروا ما أنعم الله به عليهم من الهدى والآيات فجحدوها وتركوا توحيد الله تعالى ﴿سواء عليهم﴾ : معتدلٌ ومتساوٍ عندهم ﴿أأنذرتهم﴾ : أعلمتهم وخوَّفتهم ﴿أم لم تنذرهم﴾ أم تركت ذلك ﴿لا يؤمنون﴾ نزلت فِي أبي جهلٍ وخمسةٍ من أهل بيته ثمَّ ذكر سبب تركهم الإيمان
стр. 15
﴿ختم الله على قلوبهم﴾ أَيْ: طبع الله على قلوبهم واستوثق منها حتى لا يدخلها الإيمان ﴿وعلى سمعهم﴾ : أَيْ: مسامعهم حتى لا ينتفعوا بما يسمعون ﴿وعلى أبصارهم﴾ : على أعينهم ﴿غشاوة﴾ غطاءٌ فلا يبصرون الحقَّ ﴿ولهم عذابٌ عظيمٌ﴾ مُتواصل لا تتخلَّله فُرجةٌ
стр. 16
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخر﴾ نزلت فِي المنافقين حين أظهروا كلمة الإيمان وأسرُّوا الكفر فنفى الله سبحانه عنهم الإِيمان بقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ فدلَّ أنَّ حقيقة الإيمان ليس الإِقرار فقط
стр. 17
﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ أَيْ: يعملون عمل المخادع بإظهار غير ما هم عليه ليدفعوا عنهم أحكام الكفر ﴿وما يخدعون إلاَّ أنفسهم﴾ لأنَّ وبال خداعهم عاد عليهم بإطلاع الله تعالى نبيَّه ﵇ والمؤمنين على أسرارهم وافتضاحهم ﴿وما يشعرون﴾ : وما يعلمون ذلك
стр. 18
﴿في قلوبهم مرض﴾ شك ونفاقٌ ﴿فزادهم الله مرضاً﴾ أَيْ: بما أنزل من القرآن فشكُّوا فِيهِ كما شكُّوا في الذي قبله ﴿ولهم عذابٌ أليم﴾ : مؤلمٌ ﴿بما كانوا يكذبون﴾ بتكذيبهم آيات الله ونبيه ﷺ (ومَنْ قرأ يُكذِّبون فمعناه: بكذبهم في ادّعائهم الإيمان)
стр. 19
﴿وإذا قيل لهم﴾ (لهؤلاء) المنافقين: ﴿لا تفسدوا فِي الأرض﴾ بالكفر وتعويق النَّاس عن الإيمان ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أَي: الذين نحن عليه هو صلاحٌ عند أنفسنا فردَّ الله تعالى عليهم ذلك فقال
стр. 20
﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ : لا يعلمون أنَّهم مُفسدون
стр. 21
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ هم أصحاب محمد ﷺ ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ أَيْ: لا نفعل كما فعلوا وهذا القول كانوا يقولونه فيما بينهم فأخبر الله تعالى به عنهم
стр. 22
﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ إذا اجتمعوا مع المؤمنين ورأوهم ﴿قالوا آمنَّا﴾ ﴿وإذا خلوا﴾ من المؤمنين وانصرفوا ﴿إلى شياطينهم﴾ : كبرائِهم وقادتهم ﴿قالوا إنَّا معكم﴾ (أَيْ: على دينكم) ﴿إنَّما نحن مستهزئون﴾ : مُظهرون غير ما نضمره
стр. 23
﴿الله يستهزئ بهم﴾ : يجازيهم جزاء استهزائهم ﴿ويمدُّهم﴾ : يُمهلهم ويطوِّل أعمارهم ﴿في طغيانهم﴾ : في إسرافهم ومجاوزتهم القدر في الكفر ﴿يعمهون﴾ يتردَّدون مُتحيِّرين
стр. 24
﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ : أخذوا الضَّلالة وتركوا الهدى ﴿فما ربحت تجارتُهم﴾ فما ربحوا في تجارتهم (وإضافة الرِّبح إلى التجارة على طريق الاتساع كإضافة الإيضاء إلى النار) ﴿وما كانوا مهتدين﴾ فيما فعلوا
стр. 25
﴿مثلُهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ أَيْ: حالهم في نفاقهم وإبطانهم الكفر كحالِ مَنْ أَوقد ناراً فاستضاء بها وأضاءت النَّار ما حوله ممَّا يخاف ويحذر وأمن فبينما هو كذلك إذ طُفئت ناره فبقي مُظلماً خائفاً مُتحيِّراً فذلك قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ الآية كذلك المنافقون لمَّا أظهروا كلمة الإيمان اغترُّوا بها وأَمِنُوا فلمَّا ماتوا عادوا إلى الخوف والعذاب
стр. 26
﴿صمٌّ﴾ لتركهم قبول ما يسمعون ﴿بُكْمٌ﴾ لتركهم القول بالخير ﴿عُمْيٌ﴾ لتركهم ما يُبصرون من الهداية ﴿فهم لا يرجعون﴾ عن الجهل والعمى إلى الإسلام ثمَّ ذكر تمثيلاً آخر فقال
стр. 27
﴿أو كصيِّبٍ﴾ أو كأصحاب مطرٍ شديدٍ ﴿من السَّماء﴾ : من السَّحاب ﴿فيه﴾ : في ذلك السَّحاب ﴿ظلماتٌ ورعدٌ﴾ وهو صوت مَلَكٍ مُوكَّلٍ بالسَّحاب ﴿وبرق﴾ وهي النَّار التي تخرج منه ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ يعني: أهل هذا المطر ﴿من الصواعق﴾ من شدَّة صوت الرَّعد يسدُّون آذانهم بأصابعهم كيلا يموتوا بشدَّة ما يسمعون من الصَّوت فالمطر مَثَلٌ للقرآن لما فيه من حياة القلوب والظُّلماتُ مثل لما في القرآن من ذكر الكفر والشرك وبيان الفتن والأهوال والرعد مَثَلٌ لما خُوِّفوا به من الوعيد وذكر النَّار والبرقُ مثلٌ لحجج القرآن وما فيه من البيان وجعل الأصابع في الآذان حذر الموت مثَلٌ لجعل المنافقين أصابعهم في آذانهم كيلا يسمعوا القرآن مخافةَ ميل القلب إلى القرآن فيؤدِّي ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ وذلك عندهم كفرٌ والكفر موتٌ ﴿واللَّهُ محيطٌ بالكافرين﴾ مُهلكهم وجامعهم في النَّار
стр. 28
﴿يكاد البرقُ يخطف أبصارهم﴾ هذا تمثيلٌ آخر يقول: يكاد ما في القرآن من الحجج يخطف قلوبهم من شدَّة إزعاجها إلى النَّظر في أمر دينهم ﴿كلما أضاءَ لهم مشوا فيه﴾ : كُلَّما سمعوا شيئاً ممَّا يُحبّون صدَّقوا وإذا سمعوا ما يكرهون وقفوا وذلك قوله : ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ أَيْ: بأسماعهم الظَّاهرة وأبصارهم الظَّاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة حتى صاروا صُمَّاً عُمياً فليحذروا عاجل عقوبة الله سبحانه وآجلها ف ﴿إنَّ الله على كل شيء قديرٌ﴾ من ذلك
стр. 29
﴿يا أيها الناس﴾ يعني: أهل مكَّة ﴿اعبدوا ربَّكم﴾ : اخضعوا له بالطَّاعة ﴿الذي خلقكم﴾ : ابتدأكم ولم تكونوا شيئاً ﴿والذين من قبلكم﴾ (آبائكم) (وخاق الذين من قبلكم) أي: إنَّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق وهو الصَّنم ﴿لعلَّكم تتقون﴾ لكي تتقوا بعبادته عقوبته أن تحلَّ بكم
стр. 30
﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ بساطاً لم يجعلها حَزْنةً غليظةً لا يمكن الاستقرار عليها ﴿والسماء بناءً﴾ سقفاً ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات﴾ يعني: حمل الأشجار وجميع ما ينتفع به ممَّا يخرج من الأرض ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ : أمثالاً من الأصنام التي تعبدونها ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنَّهم لا يخلقون والله هو الخالق وهذا احتجاجٌ عليهم في إثبات التَّوحيد ثمَّ احتجَّ عليهم فِي إثبات نبوَّة محمد ﷺ بما قطع عذرهم به فقال:
стр. 31
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ أي: وإن كنتم فِي شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد ﷺ وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا ﴿فأتوا بسورة﴾ من مثل هذا القرآن فِي الإِعجاز وحسن النَّظم والإِخبار عمَّا كان وما يكون ﴿وادعوا شهداءكم﴾ واستعينوا بآلهتكم التي تدعونها ﴿من دون الله إن كنتم صادقين﴾ أنَّ محمداً تقوَّله من نفسه
стр. 32
﴿فإنْ لم تفعلوا﴾ هذا فيما مضى ﴿ولن تفعلوا﴾ هُ أيضاً فيما يُستقبل أبداً ﴿فاتقوا﴾ : فاحذروا أن تصلوا ﴿النَّار التي وقودها﴾ ما يُوقد به ﴿الناسُ والحجارة﴾ يعني حجارة الكبريت وهي أشدُّ لاتِّقادها ﴿أعدَّت﴾ (خُلقت وهُيِّئت) جزاءً ﴿للكافرين﴾ بتكذيبهم ثمَّ ذكر جزاء المؤمنين فقال:
стр. 33
﴿وبشر الذين آمنوا﴾ أي: أخبرهم خبراً يظهر به أثر السُّرور على بشرتهم ﴿وعملوا الصالحات﴾ أَي: الأعمال الصَّالحات يعني الطَّاعات فيما بينهم وبين ربِّهم ﴿أنَّ لهم﴾ : بأنَّ لهم ﴿جناتٍ﴾ : حدائق ذات الشِّجر ﴿تجري من تحتها﴾ من تحت أشجارها ومساكنها ﴿الأنهار﴾ ﴿كلما رزقوا﴾ : أُطعموا من تلك الجنَّات ثمرةً ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ لتشابه ما يُؤتون به وأرادوا: هذا من نوع ما رُزقنا من قبل ﴿وأتوا به متشابهاً﴾ في اللَّون والصُّورة مختلفاً في الطَّعم وذلك أبلغ في باب الإِعجاب ﴿ولهم فيها أزواجٌ﴾ : من الحور العين والآدميات ﴿مطهرةٌ﴾ عن كلِّ أذىً وقذرٍ ممَّا في نساء الدُّنيا ومن مساوئ الأخلاق وآفات الشَّيب والهرم ﴿وهم فِيها خالدون﴾ لأنَّ تمام النِّعمة بالخلود
стр. 34
﴿إنَّ الله لا يَسْتَحْيِ﴾ الآية لمَّا ضرب الله سبحانه المَثل للمشركين بالذُّباب والعنكبوت في كتابه ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله سبحانه فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّ الله لا يَسْتَحْيِ﴾ لا يترك ولا يخشى ﴿أن يضرب مثلاً﴾ أَنْ يُبيِّنَ شبهاً ﴿ما بعوضةً﴾ ما زائدة مؤكِّدة والبعوض: صغار البق الواحدة: بعوضة ﴿فما فوقها﴾ يعني: فما هو أكبر منها والمعنى: إنَّ الله تعالى لا يترك ضرب المثل ببعوضةٍ فما فوقها إذا علم أنَّ فِيهِ عبرةُ لمن اعتبر وحجَّةً على مَنْ جحد (واستكبر) ﴿فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون﴾ أنَّ المثل وقع في حقِّه ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بهذا مثلاً﴾ أَيْ: أَيُّ شيء أرادالله بهذا من الأمثال؟ والمعنى ئئئئانهم يقولون: أَيُّ فائدةٍ في ضرب الله المثل بهذا؟ فأجابهم الله سبحانه فقال ﴿يضلُّ به كثيراًً﴾ أَيْ: أراد الله بهذا المثل أن يضلَّ به كثيراً من الكافرين وذلك أنَّهم يُنكرونه ويُكذِّبونه ﴿ويهدي به كثيراً﴾ من المؤمنين لأنَّهم يعرفونه ويصدِّقونه ﴿وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ الكافرين الخارجين عن طاعته
стр. 35
﴿الذين ينقضون﴾ يهدمون ويفسدون ﴿عهدَ الله﴾ : وصيته وأمره في الكتب المتقدِّمة بالإِيمان بمحمد ﷺ ﴿من بعد ميثاقه﴾ من بعد توكيده عليهم بإيجابه ذلك ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يعني: الرَّحم وذلك أنَّ قريشاً قطعوا رحم النَّبيِّ صلي الله عليه وسلم بالمعاداة معه ﴿ويفسدون فِي الأرض﴾ بالمعاصي وتعويق النَّاس عن الإيمان بمحمد ﷺ ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ (مغبونون) بفوت المثوبة والمصيرِ إلى العقوبة
стр. 36
﴿كيف تكفرون بالله﴾ معنى كيف ها هنا استفهامٌ في معنى التَّعجُّب للخلقِ أَي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وحالُهم أنَّهم كانوا تراباً فأحياهم بأَنْ خلق فيهم الحياة فالخطاب للكفَّار والتَّعجب للمؤمنين وقوله تعالى: ﴿ثم يميتكم﴾ أَيْ: في الدُّنيا ﴿ثمَّ يُحييكم﴾ في الآخرة للبعث ﴿ثمَّ إليه ترجعون﴾ تردُّون فيفعل بكم ما يشاء فاستعظم المشركون أمر البعث والإعادة فاحتجَّ الله سبحانه عليهم بخلق السماوات والأرض فقال:
стр. 37
﴿هو الذي خلق لكم﴾ لأجلكم ﴿ما في الأرض جميعاً﴾ بعضها للانتفاع وبعضها للاعتبار ﴿ثمَّ استوى إلى السَّماء﴾ : أقبل على خلقها وقصد إليها ﴿فسوَّاهنَّ سبع سماوات﴾ فجعلهن سبع سماوات مُستوياتٍ لا شقوق فيها ولا فطور ولا تفاوت ﴿وهو بكلِّ شيءٍ عليم﴾ إذ بالعلم يصحُّ الفعل المحكم
стр. 38
﴿وإذ قال ربك﴾ واذكر لهم يا محمَّدُ إذ قَالَ رَبُّكَ ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خليفة﴾ يعني: آدم جعله خليفةً عن الملائكة الذين كانوا سكَّان الأرض بعد الجنِّ والمراد بذكر هذه القصَّة ذكرُ بدءِ خلق النَّاس ﴿قالوا أتجعل فِيها مَنْ يفسد فِيها﴾ كما فعل بنو الجانِّ قاسوا (الشَّاهد) على الغائب ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ نُبرِّئُك من كلِّ سوءٍ ونقول: سبحان الله وبحمده ﴿ونقدِّسُ لك﴾ ونُنزِّهك عمَّا لا يليق بك ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ من إضمار إبليس العزم على المعصية فلمَّا قال الله تعالى هذا للملائكة قالوا فيما بينهم: لن يخلق ربُّنا خلقاً هو أعلمُ منَّا ففضَّل الله تعالى عليهم آدم بالعلم وعلَّمه اسم كلِّ شيء حتى القصعة (والقصيعة) والمِغْرفة وذلك قوله تعالى:
стр. 39
﴿وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها﴾ أَيْ: خلق فِي قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء ﴿ثمَّ عرَضهم﴾ أَيْ: عرض المسمَّيات بالأسماء من الحيوان والجماد وغير ذلك ﴿على الملائكة فقال أنبئوني﴾ أخبروني ﴿بأسماء هؤلاء﴾ وهذا أمرُ تعجيزٍ أراد الله تعالى أن يُبيِّن عجزهم عن علم مايرون ويُعاينون ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنِّي لا أخلق خلقاً أعلمَ منكم فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً:
стр. 40
﴿سبحانك﴾ تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك فِي حكمك ﴿لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا﴾ اعترفوا العجز عن علم ما لم يُعلَّموه ﴿إنَّك أنت العليم﴾ العالم ﴿الحكيم﴾ الحاكم تحكم بالحق وتقضي به فلمَّا ظهر عجز الملائكة قال الله تعالى لآدم:
следующие страницы →