← Тафсир

Тафсир · id 2547

الوجيز للواحدي

الواحدي

Полный текст (6 237 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿كيف تكفرون بالله﴾ معنى كيف ها هنا استفهامٌ في معنى التَّعجُّب للخلقِ أَي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وحالُهم أنَّهم كانوا تراباً فأحياهم بأَنْ خلق فيهم الحياة فالخطاب للكفَّار والتَّعجب للمؤمنين وقوله تعالى: ﴿ثم يميتكم﴾ أَيْ: في الدُّنيا ﴿ثمَّ يُحييكم﴾ في الآخرة للبعث ﴿ثمَّ إليه ترجعون﴾ تردُّون فيفعل بكم ما يشاء فاستعظم المشركون أمر البعث والإعادة فاحتجَّ الله سبحانه عليهم بخلق السماوات والأرض فقال:

стр. 37

﴿هو الذي خلق لكم﴾ لأجلكم ﴿ما في الأرض جميعاً﴾ بعضها للانتفاع وبعضها للاعتبار ﴿ثمَّ استوى إلى السَّماء﴾ : أقبل على خلقها وقصد إليها ﴿فسوَّاهنَّ سبع سماوات﴾ فجعلهن سبع سماوات مُستوياتٍ لا شقوق فيها ولا فطور ولا تفاوت ﴿وهو بكلِّ شيءٍ عليم﴾ إذ بالعلم يصحُّ الفعل المحكم

стр. 38

﴿وإذ قال ربك﴾ واذكر لهم يا محمَّدُ إذ قَالَ رَبُّكَ ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خليفة﴾ يعني: آدم جعله خليفةً عن الملائكة الذين كانوا سكَّان الأرض بعد الجنِّ والمراد بذكر هذه القصَّة ذكرُ بدءِ خلق النَّاس ﴿قالوا أتجعل فِيها مَنْ يفسد فِيها﴾ كما فعل بنو الجانِّ قاسوا (الشَّاهد) على الغائب ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ نُبرِّئُك من كلِّ سوءٍ ونقول: سبحان الله وبحمده ﴿ونقدِّسُ لك﴾ ونُنزِّهك عمَّا لا يليق بك ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ من إضمار إبليس العزم على المعصية فلمَّا قال الله تعالى هذا للملائكة قالوا فيما بينهم: لن يخلق ربُّنا خلقاً هو أعلمُ منَّا ففضَّل الله تعالى عليهم آدم بالعلم وعلَّمه اسم كلِّ شيء حتى القصعة (والقصيعة) والمِغْرفة وذلك قوله تعالى:

стр. 39

﴿وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها﴾ أَيْ: خلق فِي قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء ﴿ثمَّ عرَضهم﴾ أَيْ: عرض المسمَّيات بالأسماء من الحيوان والجماد وغير ذلك ﴿على الملائكة فقال أنبئوني﴾ أخبروني ﴿بأسماء هؤلاء﴾ وهذا أمرُ تعجيزٍ أراد الله تعالى أن يُبيِّن عجزهم عن علم مايرون ويُعاينون ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنِّي لا أخلق خلقاً أعلمَ منكم فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً:

стр. 40

﴿سبحانك﴾ تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك فِي حكمك ﴿لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا﴾ اعترفوا العجز عن علم ما لم يُعلَّموه ﴿إنَّك أنت العليم﴾ العالم ﴿الحكيم﴾ الحاكم تحكم بالحق وتقضي به فلمَّا ظهر عجز الملائكة قال الله تعالى لآدم:

стр. 41

﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ أخبرهم بتسمياتهم فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه وألحق كلَّ شيءٍ بجنسه ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾ : أخبرهم بمسمَّياتهم ﴿قال﴾ الله تعالى للملائكة: ﴿ألم أقل لكم﴾ وهذا استفهامٌ يتضمَّن التَّوبيخ لهم على قولهم: ﴿أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها﴾ ﴿إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ أَيْ: ما غاب فيهما عنكم ﴿وأعلم ما تبدون﴾ : علانيتكم ﴿وما كنتم تكتمون﴾ : سرَّكم لا يخفى عليَّ شيءٌ من أموركم

стр. 42

﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ سجود تعظيمٍ وتسليمٍ وتحيَّةٍ وكان ذلك انحناءاً يدلُّ على التَّواضع ولم يكن وضعَ الوجه على الأرض ﴿فسجدوا إلاَّ إبليس أبى﴾ امتنع ﴿واستكبر وكان من الكافرين﴾ في سابق علم الله عز وجل

стр. 43

﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ اتَّخذاها مأوىً ومنزلاً ﴿وكلا منها رغداً﴾ واسعاً ﴿حيث شئتما﴾ ما شئتما إذا شئتما (كيف شئتما) ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ لاتحوما حولها بالأكل منها يعني السُّنبلة ﴿فتكونا﴾ فتصيرا ﴿من الظالمين﴾ : العاصين الذين وضعوا أمر الله غير موضعه

стр. 44

﴿فأزلهما الشيطان﴾ نحاهما وعدهما ﴿عنها فأخرجهما ممَّا كانا فيه﴾ من الرتبة وليس العيش ﴿وقلنا﴾ لآدم وحواء وإبليس والحيَّة: ﴿اهبطوا﴾ أي: انزلوا إلى الأرض ﴿بعضكم لبعض عدو﴾ يعني: العداوة التي بين آدم وحواء والحيَّة وبين ذرية آدم ﵇ من المؤمنين وبين إبليس لعنه الله ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ موضع قرارٍ ﴿ومتاع إلى حين﴾ ما تتمتَّعون به ممَّا تُنبته الأرض إلى حين االموت

стр. 45

﴿فتلقى آدم من ربه﴾ أخذ وتلقَّن ﴿كلماتٍ﴾ وهو أنَّ الله تعالى ألهم آدم ﵇ حين اعترف بذنبه وقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ الآية ﴿فتاب عليه﴾ فعاد عليه بالمغفرة حين اعترف بالذَّنب واعتذر ﴿إنَّه هو التواب﴾ يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه

стр. 46

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كرَّر الأمر بالهبوط للتَّأكيد ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أَيْ: فإنْ يأتكم مني شريعةٌ ورسولٌ وبيانٌ ودعوةٌ ﴿فَمَنْ تبع هداي﴾ أَيْ: قَبِل أمري واتَّبع ما آمره به ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِي الآخرة وَلا حزن والخطاب لآدم وحوَّاء وذرِّيتهما أعلمهم الله تعالى أنَّه يبتليهم بالطَّاعة ويجازيهم بالجنَّة عليها ويعاقبهم بالنَّار على تركها وهو قوله تعالى:

стр. 47

﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ أَيْ: بأدلتنا وكتبنا ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾

стр. 48

﴿يا بني إسرائيل﴾ أولاد يعقوب ﵇ ﴿اذكروا﴾ اشكروا وذكر النِّعمة هو شكرها ﴿نعمتي﴾ يعني: نعمي ﴿التي أنعمت عليكم﴾ يعني: فلق البحر والإِنجاء من فرعون وتظليل الغمام إلى سائر ما أنعم الله تعالى به عليهم والمراد بقوله تعالى: ﴿عليكم﴾ أَيْ: على آبائكم والنِّعمة على آبائهم نعمةٌ عليهم وشكر هذه النِّعم طاعتُه في الإيمان بمحمد ﷺ ثمَّ صرَّح بذلك فقال ﴿وأوفوا بعهدي﴾ أَيْ: في محمد ﷺ ﴿أُوف بعهدكم﴾ أدخلكم الجنَّة ﴿وإيَّاي فارهبون﴾ فخافوني في نقض العهد

стр. 49

﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ يعني: القرآن ﴿مصدقاً لما معكم﴾ موافقاً للتَّوراة فِي التَّوحيد والنُّبوَّة ﴿وَلا تكونوا أوَّل كافر به﴾ أَيْ: أوَّل مَنْ يكفر به من أهل الكتاب لأنَّكم إذا كفرتم كفر أتباعكم فتكونوا أئمةً في الضَّلالة والخطابُ لعلماء اليهود ﴿ولا تشتروا﴾ ولا تستبدلوا ﴿بآياتي﴾ ببيان صفة محمد ﷺ ونعته ﴿ثمناً قليلاً﴾ عوضاً يسيراً من الدُّنيا يعني: ما كانوا يصيبونه من سفلتهم فخافوا إنْ هم بينوا صفة محمد ﷺ أَنْ تفوتهم تلك المآكل والرِّياسة ﴿وإيايَّ فاتقون﴾ فاخشوني في أمر محمد ﷺ لا ما يفوتكم من الرِّياسة

стр. 50

﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ أَيْ: لا تخلطوا الحقَّ الذي أنزلتُ عليكم من صفة محمد ﵇ بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته وتبديل نعته ﴿وتكتموا الحق﴾ أَيْ: ولا تكتموا الحقَّ فهو جزمٌ عُطِفَ على النَّهي ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنَّه نبيٌّ مرسلٌ قد أُنزل عليكم في كتابكم فجحدتم نبوَّته مع العلم به

стр. 51

﴿وأقيموا الصلاة﴾ المفروضة ﴿وآتوا الزكاة﴾ الواجبة في المال ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ وصلُّوا مع المصلين محمد ﷺ وأصحابه في جماعةٍ

стр. 52

﴿أتأمرون الناس بالبرِّ﴾ كانت اليهود تقول لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه ولا يؤمنون به فأنزل الله تعالى توبيخاً لهم: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ بالإيمان بمحمد ﷺ ﴿وتنسون﴾ وتتركون ﴿أنفسكم﴾ فلا تأمرونها بذلك ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ تقرؤون التَّوراة وفيها صفة محمد ﷺ ونعته ﴿أفلا تعقلون﴾ أنَّه حقٌّ فتتَّبعونه؟ ! ثمَّ أمرهم الله تعالى بالصَّوم والصَّلاة لأنَّهم إنَّما كان يمنعهم عن الإسلام الشَّره وخوف ذَهاب مأكلتهم وحب الرِّياسة فأُمروا بالصَّوم الذي يُذهب الشَّرَه وبالصًَّلاة التي تُورث الخشوع وتَنفي الكبر وأُريدَ بالصَّلاةِ الصَّلاةُ التي معها الإيمان بمحمد ﷺ فقال

стр. 53

﴿واستعينوا بالصبر﴾ يعني بالصَّوم ﴿والصلاة﴾ لأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وإنها لكبيرةٌ﴾ لثقيلةٌ (يعني: وإنَّ الإستعانةَ بالصبر والصلاة لثقيلةٌ) ﴿إلاَّ على الخاشعين﴾ السَّاكنين إلى الطَّاعة وقال بعضهم: رجع بهذا القول إلى خطاب المسلمين فأمرهم أَنْ يستعينوا على ما يطلبونه من رضاءِ الله تعالى ونيل جنَّتِهِ بالصَّبر على أداء فرائضه (وهو الصَّوم) والصَّلاة

стр. 54

﴿الذين يظنون﴾ يستيقنون ﴿أنهم ملاقوا ربِّهم﴾ أنَّهم مبعوثون وأنَّهم محاسبون وأنَّهم راجعون إلى الله تعالى أَيْ: يُصدِّقون بالبعث والحساب

стр. 55

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عليكم﴾ مضى تفسيره ﴿وأني فضلتكم﴾ أعطيتكم الزِّيادة ﴿على العالمين﴾ : على عالمي زمانكم وهو ما ذكره فِي قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ والمراد بهذا التَّفضيل سلفهم ولكن تفضيل الآباء شرف الأبناء

стр. 56

﴿واتقوا يوماً﴾ واحذروا واجتنبوا عقاب يومٍ ﴿لا تجزي﴾ لا تقضي ولا تُغني ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة﴾ أَيْ: لا يكون شفاعةٌ فيكون لها قبول وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء فآيسهم الله تعالى عن ذلك ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ فِداءٌ ﴿ولا هم ينصرون﴾ يُمنعون من عذاب الله تعالى

стр. 57

﴿وإذ نجيناكم﴾ واذكروا ذلك ﴿من آل فرعون﴾ أتباعه ومَنْ كان على دينه ﴿يسومونكم﴾ : يُكلِّفونكم ﴿سوء العذاب﴾ شديد العذاب وهو قوله تعالى: ﴿يذبحون﴾ : ويقتلون ﴿أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ يستبقوهن أحياءً (لقول بعض الكهنة له: إنَّ مولوداً يُولد في بني إسرائيل يكون سببا له ذهاب ملكه) ﴿وفي ذلكم﴾ الذي كانوا يفعلونه بكم ﴿بلاءٌ﴾ : ابتلاءٌ واختبارٌ وامتحانٌ ﴿من ربكم عظيم﴾ وقيل: وفي تنجيتكم من هذه المحن نعمةٌ عظيمة والبلاء: النِّعمة والبلاء: الشِّدَّة

стр. 58

﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ فجعلناه اثنى عسر طريقاً حتى خاض فيه بنو إسرائيل ﴿فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ إلى انطباق البحر عليهم وإنجائكم منهم

стр. 59

﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ أَي: انقضاءَها وتمامَها للتَّكلُّم معه ﴿ثمَّ اتخذتم العجل﴾ معبودا وإلاها ﴿من بعده﴾ من بعد خروجه عنكم للميقات ﴿وأنتم ظالمون﴾ واضعون العبادةَ في غير موضعها وهذا تنبيه على أنَّ كفرهم بمحمَّدٍ ﷺ ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل في زمن موسى عليه السَّلام

стр. 60

﴿ثمَّ عفونا﴾ محونا ذنوبكم ﴿عنكم من بعد ذلك﴾ من بعد عبادة العجل ﴿لعلكم تشكرون﴾ لكي تشكروا نعمتي بالعفو

стр. 61

﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ (عطف تفسيري) يعني: التَّوراة الفارق بين (الحق والباطل) والحلال والحرام ﴿لعلكم تهتدون﴾ لكي تهتدوا بذلك الكتاب (من الضلال)

стр. 62

﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ الذين عبدوا العجل ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ إلاها ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ يعني: خالقكم قالوا: كيف نتوب؟ قال ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أَيْ: ليقتلِ البريءُ منكم المجرمَ ﴿ذلكم﴾ أَي: التَّوبة ﴿خيرٌ لكم عند بارئكم﴾ من إقامتكم على عبادة العجل ثم فعلتم ما أُمرتم به ﴿فتاب عليكم﴾ قبل توبتكم ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

стр. 63

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ يعني: الذين اختارهم موسى ﵇ ليعتذروا إلى الله سبحانه من عبادة العجل فلمَّا سمعوا كلام الله تعالى وفرغ موسى من مناجاة الله قالوا له: ﴿لن نؤمن لك﴾ لن نصدِّقك ﴿حتى نرى الله جهرةً﴾ أَيْ: عِياناً لا يستره عنا شيءٌ ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ وهي نارٌ جاءت من السَّماء فأحرقتهم جميعاً ﴿وأنتم تنظرون﴾ إليها حين نزلت وإنَّما أخذتهم الصَّاعقة لأنَّهم امتنعوا من الإِيمان بموسى ﵇ بعد ظهور معجزته حتى يُريهم ربَّهم جهرةً والإيمانُ بالأنبياء واجبٌ بعد ظهور معجزتهم ولا يجوز اقتراح المعجزات عليه فلهذا عاقبهم الله تعالى وهذه الآية توبيخٌ لهم على مخالفة الرسول ﷺ مع قيام معجزته كما خالف أسلافهم موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة

стр. 64

﴿ثم بعثناكم﴾ نشرناكم وأَعدْناكم أَحياءً ﴿من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ نعمة البعث

стр. 65

﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ سترناكم عن الشَّمس في التِّيه بالسَّحاب الرَّقيق ﴿وأنزلنا عليكم المنَّ﴾ الطُّرَنْجبين كان يقع على أشجارهم بالأسحار ﴿والسَّلوى﴾ وهي طير أمثال السُّمانى وقلنا لهم: ﴿كلوا من طيبات﴾ من حلالات ﴿ما رزقناكم وما ظلمونا﴾ بإبائهم على موسى ﵇ دخول قرية الجبَّارين ولكنَّهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التِّيه فلمَّا انقضت مدَّة حبسهم وخرجوا من التِّيه قال الله تعالى لهم:

стр. 66

﴿ادخلوا هذه القرية﴾ وهي أريحا ﴿وادخلوا الباب﴾ يعني: باباً من أبوابها ﴿سجداً﴾ منحنين متواضعين ﴿وقولوا حطة﴾ وذلك أنَّهم أصابوا خطيئةً بإبائهم على موسى ﵇ دخول القرية فأراد الله تعالى أَنْ يغفرها لهم فقال لهم: قولوا حطَّةٌ أَيْ: مسألتنا حطَّةٌ وهو أن تحط عنا ذنوبنا ﴿وسنزيد المحسنين﴾ الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحساناً وثواباً

стр. 67

﴿فبدَّل الذين ظلموا قولاً﴾ منهم ﴿غير الذي قيل لهم﴾ أَيْ: غيَّروا تلك الكلمة التي أُمروا بها وقالوا: حنطةٌ ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً﴾ : ظلمةً وطاعوناً فهلك منهم فِي ساعة واحدة سبعون ألفاً جزاءً لفسقهم بتبديل ما أُمروا به من الكلمة

стр. 68

﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ في التِّيه ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾ وكان حجراً خفيفاً مربَّعاً مثل رأس الرَّجل ﴿فانفجرت﴾ أيْ: فضربَ فانفجرت يعني: فانشقَّت ﴿منه اثنتا عشرة عيناً﴾ فكان يأتي كلُّ سبط عينَهم التي كانوا يشربون منها فذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مشربهم﴾ وقلنا لهم: ﴿كلوا﴾ من المنِّ والسَّلوى ﴿واشربوا﴾ من الماء فهذا كلُّه ﴿من رزق الله﴾ ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أَيْ: لا تسعوا فيها بالفساد فَمَلُّوا ذلك العيش وذكروا عيشاً كان لهم بمصر فقالوا:

стр. 69

﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ يعني: المنَّ الذي كانوا يأكلونه والسَّلوى فكانا طعاماً واحداً ﴿فادع لنا ربك﴾ سله وقل له: أَخرِجْ ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ وهو كلُّ نباتٍ لا يبقى له ساقٌ ﴿وقثائها﴾ وهو نوعٌ من الخضراوات ﴿وفومها﴾ وهو الحنطة فقال لهم موسى ﵇: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى﴾ أَيْ: أخسُّ وأوضع ﴿بالذي هو خيرٌ﴾ أَي: أرفع وأجلُّ؟ فدعا موسى ﵇ فاستجبنا له وقلنا لهم: ﴿اهبطوا مصراً﴾ : أنزلوا بلدةً من البلدان ﴿فإنَّ لكم ما سألتم﴾ أَيْ: فإنَّ الذي سألتم لا يكون إلاَّ فِي القرى والأمصار ﴿وضُربت عليهم﴾ أَيْ: على اليهود الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ﴿الذلَّة﴾ يعني: الجزيةَ وزيَّ اليهوديَّة ومعنى ضرب الذِّلة: إلزامهم إيَّاها إلزاماً لا يبرح ﴿والمسكنة﴾ زي الفقر وأثر البؤس ﴿وباءوا﴾ احتملوا وانصرفوا ﴿بغضب من الله ذلك﴾ أَيْ: ذلك الضَّرب والغضب ﴿بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله﴾ التي أنزلت على محمد ﷺ ﴿ويقتلون النَّبيين﴾ أَيْ: يتولَّون أولئك الذين فعلوا ذلك ﴿بغير حق﴾ أَيْ: قتلاً بغير حقٍّ يعني: بالظُّلم ﴿ذلك﴾ الكفر والقتل بشؤم ركوبهم المعاصي وتجاوزهم أمر الله تعالى

стр. 70

﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك ﴿والذين هادوا﴾ دخلوا في دين اليهوديَّة ﴿والنصارى والصابئين﴾ الخارجين من دين إلى دين وهم قومٌ يعبدون النُّجوم ﴿مَنْ آمن﴾ من هؤلاء ﴿بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً﴾ بالإيمان بمحمَّدٍ ﵇ لأنَّ الدليل قد قام أنَّ مَنْ لم يؤمن به لا يكون عمله صَالِحًا ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾

стр. 71

﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ بالطَّاعة لله تعالى والإيمان بمحمَّدٍ ﵇ في حال رفع الطُّور فوقكم يعني: الجبل وذلك لأنَّهم أبوا قبول شريعة التَّوراة فأمر الله سبحانه جبلاً فانقلع من اصله حتى قام على رؤوسهم فقبلوا خوفاً من أن يُرضخوا على رؤوسهم بالجبل وقلنا لكم: ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ اعملوا بما أُمرتم به ﴿بقوَّةٍ﴾ بجدٍّ ومواظبةٍ على طاعة الله ﴿واذكروا ما فِيهِ﴾ من الثَّواب والعقاب ﴿لعلكم تتقون﴾

стр. 72

﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ أعرضتم عن أمر الله تعالى وطاعته من بعد أخذ الميثاق ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتأخير العذاب عنكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسرين﴾ الهالكين في العذاب

стр. 73

﴿ولقد علمتم﴾ عرفتم حال ﴿الذين اعتدوا﴾ جاوزوا ما حُدَّ لهم من ترك الصَّيد في السَّبت ﴿فقلنا لهم كونوا﴾ بتكويننا إيَّاكم ﴿قردةً خاسئين﴾ مطرودين مبعدين

стр. 74

﴿فجعلناها﴾ أَيْ: تلك العقوبة والمسخة ﴿نكالاً﴾ عبرةً ﴿لما بين يديها﴾ للأمم التي ترى الفرقة الممسوخة ﴿وما خلفها﴾ من الأمم التي تأتي بعدها ﴿وموعظة﴾ عبرةً ﴿للمتقين﴾ للمؤمنين الذين يتقون من هذه الأمَّة

стр. 75

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أن تذبحوا بقرة﴾ وذلك أنَّه وُجد قتيلٌ في بني إسرائيل ولم يدروا قاتله فسألوا موسى ﵇ أن يدعو الله تعالى ليبيِّن لهم ذلك فسأل موسى ربَّه فأمرهم بذبح بقرةٍ فقال لهم موسى ﵇: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾ أتستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل فتأمرنا بذبح البقرة؟ ! ﴿قال أعوذ بالله﴾ أمتنع به أن أكون من المستهزئين بالمؤمنين فلمَّا علموا أنَّ ذلك عزمٌ من الله سألوه الوصف فقالوا:
следующие страницы →