Полный текст (6 237 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ بالطَّاعة لله تعالى والإيمان بمحمَّدٍ ﵇ في حال رفع الطُّور فوقكم يعني: الجبل وذلك لأنَّهم أبوا قبول شريعة التَّوراة فأمر الله سبحانه جبلاً فانقلع من اصله حتى قام على رؤوسهم فقبلوا خوفاً من أن يُرضخوا على رؤوسهم بالجبل وقلنا لكم: ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ اعملوا بما أُمرتم به ﴿بقوَّةٍ﴾ بجدٍّ ومواظبةٍ على طاعة الله ﴿واذكروا ما فِيهِ﴾ من الثَّواب والعقاب ﴿لعلكم تتقون﴾
стр. 72
﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ أعرضتم عن أمر الله تعالى وطاعته من بعد أخذ الميثاق ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتأخير العذاب عنكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسرين﴾ الهالكين في العذاب
стр. 73
﴿ولقد علمتم﴾ عرفتم حال ﴿الذين اعتدوا﴾ جاوزوا ما حُدَّ لهم من ترك الصَّيد في السَّبت ﴿فقلنا لهم كونوا﴾ بتكويننا إيَّاكم ﴿قردةً خاسئين﴾ مطرودين مبعدين
стр. 74
﴿فجعلناها﴾ أَيْ: تلك العقوبة والمسخة ﴿نكالاً﴾ عبرةً ﴿لما بين يديها﴾ للأمم التي ترى الفرقة الممسوخة ﴿وما خلفها﴾ من الأمم التي تأتي بعدها ﴿وموعظة﴾ عبرةً ﴿للمتقين﴾ للمؤمنين الذين يتقون من هذه الأمَّة
стр. 75
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أن تذبحوا بقرة﴾ وذلك أنَّه وُجد قتيلٌ في بني إسرائيل ولم يدروا قاتله فسألوا موسى ﵇ أن يدعو الله تعالى ليبيِّن لهم ذلك فسأل موسى ربَّه فأمرهم بذبح بقرةٍ فقال لهم موسى ﵇: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾ أتستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل فتأمرنا بذبح البقرة؟ ! ﴿قال أعوذ بالله﴾ أمتنع به أن أكون من المستهزئين بالمؤمنين فلمَّا علموا أنَّ ذلك عزمٌ من الله سألوه الوصف فقالوا:
стр. 76
﴿ادع لنا ربك﴾ أَيْ: سله بدعائك إيَّأه ﴿يبين لنا ما هي﴾ ما تلك البقرة وكيف هي وكم سنُّها؟ وهذا تشديدٌ منهم على أنفسهم ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ﴾ مُسِنَّةٌ كبيرةٌ ﴿ولا بكرٌ﴾ فتيةٌ صغيرةٌ ﴿عوانٌ﴾ نَصَفٌ بين السِّنَّينِ ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ (فيه تنبيهٌ على منعهم) وقوله تعالى:
стр. 77
﴿فاقعٌ لونها﴾ أَيْ: شديد الصُّفرة ﴿تسرُّ الناظرين﴾ تعجبهم بحسنها
стр. 78
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ أَسائمةٌ أم عاملةٌ؟ ﴿إنَّ البقر﴾ جنس البقر ﴿تشابه﴾ اشتبه وأشكل ﴿علينا وإنَّا إنْ شاء الله لمهتدون﴾ إلى وصفها [قال رسول الله ﷺ : وايمُ اللَّهِ لو لم يستثنوا لما بُيِّنت لهم آخر الأبد]
стр. 79
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ مُذلَّلةٌ بالعمل ﴿تثير الأرض﴾ تُقلبها للزراعة أَيْ: ليستْ تقلِّب لأنَّها ليست ذلولاً ﴿ولا تسقي الحرث﴾ الأرض المهيَّأة للزِّراعة ﴿مسلَّمة﴾ من العيوب وآثار العمل ﴿لا شية فيها﴾ لا لون فيها يُفارق سائر لونها ﴿قالوا الآن جئت بالحقّ﴾ بالوصف التّام الذي تتميَّز به من أجناسها فطلبوها فوجدوها ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ لغلاء ثمنها
стр. 80
﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ هذا أوَّل القصَّة ولكنَّه مؤخرَّ في الكلام ﴿فادَّارأتم﴾ فاختلفتم وتدافعتم ﴿والله مخرجٌ﴾ مُظهرٌ ﴿ما كنتم تكتمون﴾ من أمر القتيل
стр. 81
﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ بلسانها فيحيى فضرب فيحيى ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: كما أحيا هذا القتيل ﴿ويريكم آياته﴾ آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات (كما خلق في عاميل)
стр. 82
﴿ثم قست قلوبكم﴾ يا معشر اليهود أَي: اشتدَّت وصلبت ﴿من بعد ذلك﴾ من بعد هذه الآيات التي تقدَّمت من المسخ ورفع الجبل فوقهم وانبجاس الماء من الحجرِ وإحياء الميت بضرب عضوٍ وهذه الآيات ممَّا يصدِّقون بها ﴿فهي كالحجارة﴾ في القسوة وعدم المنفعة بل ﴿أشد قسوة﴾ وإنَّما عنى بهذه القسوة تركهم الإِيمان بمحمَّدٍ ﷺ بعد ما عرفوا صدقه وقدرةَ الله تعالى على عقابهم بتكذيبهم إيَّاه ثمَّ عذر الحجارة وفضَّلها على قلوبهم فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وإنَّ منها لما يهبط﴾ ينزل من علوٍ إلى سفل ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال مجاهدٌ: كلُّ حجرٍ تفجَّر منه الماء أو تشقَّق عن ماء أو تردَّى من رأس جبلٍ فهو من خشية الله تعالى نزل به القرآن ثمَّ أوعدهم فقال: ﴿وما الله بغافلٍ عمَّا تعملون﴾ ثمَّ خاطب النبي ﷺ والمؤمنين فقطع طمعهم عن إيمانهم فقال:
стр. 83
﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ وحالهم أنَّ طائفةً منهم كانوا ﴿يسمعون كلام الله﴾ يعني التَّوراة ﴿ثم يحرفونه﴾ يُغيِّرونه عن وجهه يعني: الذين غيَّروا أحكام التَّوراة وغيَّروا آية الرَّجم وصفة محمد ﷺ ﴿من بعد ما عقلوه﴾ أَيْ: لم يفعلوا ذلك عن نسيانٍ وخطأٍ بل فعلوه عن تعمُّدٍ ﴿وهم يعلمون﴾ أنَّ ذلك مَكْسَبةٌ للأوزار
стр. 84
﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ يعني: منافقي اليهود ﴿قالوا آمنا﴾ بمحمَّدٍ وهو نبيٌّ صادقٌ نجده في كتبنا ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض﴾ يعني: إذا رجع هؤلاء المنافقون إلى رؤساهم لاموهم فقالوا: ﴿أتحدثونهم﴾ أتخبرون أصحاب محمد ﷺ ﴿بما فتح الله عليكم﴾ من صفة النَّبيِّ المُبشَّر به ﴿ليحاجُّوكم﴾ ليجادلوكم ويخاصموكم ﴿به﴾ بما قلتم لهم ﴿عند ربكم﴾ في الآخرة يقولون: كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقة ﴿أفلا تعقلون﴾ أفليس لكم ذهن الإنسانيَّة؟ فقال الله تعالى:
стр. 85
﴿أو لا يعلمون أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من التَّكذيب يعني: هؤلاء المنافقين ﴿وما يعلنون﴾ من التَّصديق
стр. 86
﴿ومنهم﴾ ومن اليهود ﴿أميُّون﴾ لا يكتبون ولا يقرؤون ﴿لا يعلمون الكتاب إلاَّ أمانيّ﴾ إلاَّ أكاذيب وأحاديثَ مُفتعلةً يسمعونها من كبرائهم ﴿وإن هم إلاَّ يظنون﴾ أَيْ: إلاَّ ظانِّين ظنَّاً وتوهُّماً فيجحدون نُبُوَّتَكَ بالظَّنِّ
стр. 87
﴿فويلٌ﴾ فشدَّةُ عذابٍ ﴿للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ أَيْ: من قِبَلِ أنفسهم من غير أن يكون قد أُنزل ﴿ثم يقولون هذا من عند الله﴾ يعني اليهود عمدوا إلى صفة محمد ﷺ وكتبوا صفته على غير ما كانت فِي التَّوراة وأخذوا عليه الأموال فذلك قوله تعالى: ﴿وويلٌ لهم ممَّا يكسبون﴾ (من حُطَام الدُّنيا) فلمَّا أوعدهم رسول الله ﷺ بالنَّار عند تكذيبهم إيَّاه قالوا:
стр. 88
﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودةً﴾ قليلةً ويعنون الأيَّام التي عبد آباؤهم فيها العجل فكذَّبهم الله سبحانه فقال: قل لهم يا محمَّدُ: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عهداً﴾ أخذتم بما تقولون من الله ميثاقاً؟ ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ والله لا ينقض ميثاقه ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ الباطلَ جهلاً منكم ثمَّ ردَّ على اليهود قولهم: لن تمسَّنا النَّار فقال ﴿بلى﴾ أُعذِّب
стр. 89
﴿مَنْ كسب سيئة﴾ وهي الشِّرك ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ : سدَّت عليه مسالك النَّجاة وهو أّنْ يموت على الشِّرك ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ الذين يُخلَّدون في النَّار ثمَّ أخبر عن أخذ الميثاق عليهم بتبيين نعت محمَّدٍ ﷺ فقال:
стр. 90
قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
стр. 91
﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ أَيْ: في التَّوراة ﴿لا تعبدون﴾ أَيْ: بأن لا تعبدوا ﴿إلاَّ الله وبالوالدين إحساناً﴾ أَيْ: ووصَّيناهم بالوالدين إحساناً ﴿وذي القربى﴾ أَي: القرابة في الرَّحم ﴿واليتامى﴾ يعني: الذين مات أبوهم قبل البلوغ ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ أَيْ: صدقاً وحقَّاً في شأن محمَّدٍ ﵇ وهو خطابٌ لليهود ﴿ثم توليتم﴾ أعرضتم عن العهد والميثاق يعني: أوائلهم ﴿إلاَّ قليلاً منكم﴾ يعني: مَنْ كان ثابتاً على دينه ثمَّ آمن بمحمد ﷺ ﴿وأنتم معرضون﴾ عمَّا عُهد إليكم كأوائلكم
стр. 92
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ بأن لا يقتل بعضكم بعضاً ولا يُخرج بعضكم بعضاً من داره ولا يغلبه عليها ﴿ثم أقررتم﴾ أَيْ: قبلتم ذلك ﴿وأنتم﴾ اليوم ﴿تشهدون﴾ على إقرار أوائلكم ثمَّ أخبر أنَّهم نقضوا هذا الميثاق فقال:
стр. 93
﴿ثم أنتم هؤلاء﴾ أراد: يا هؤلاء ﴿تقتلون أنفسكم﴾ يقتل بعضكم بعضاً ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم﴾ تتعاونون على أهل ملَّتكم ﴿بالإثم والعدوان﴾ : بالمعصية والظُّلم ﴿وإن يأتوكم أسارى﴾ مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم ﴿وهو محرَّم عليكم إخراجهم﴾ أَيْ: وإخراجهم عن ديارهم محَّرمٌ عليكم ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب﴾ يعني: فداء الأسير ﴿وتكفرون ببعض﴾ يعني: القتل والإخراج والمظاهرة على وجه الإباحة؟ قال السُّدِّيُّ: أحذ الله تعالى عليهم أربعة عهودٍ: تركَ القتل وترك الإِخراج وترك المظاهرة وفداء أُسرائهم فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا به إلاَّ الفداء ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خزيٌ﴾ فضيحةٌ وهوانٌ ﴿في الحياة الدنيا﴾ وقوله:
стр. 94
﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ معناه: في الدُّنيا والآخرة وقيل: هذه الحالة مختصَّةٌ بالآخرة
стр. 95
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بالرسل﴾ أَيْ: وأرسلنا رسولاً بعد رسول ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ يعني: ما أُوتي من المعجزة ﴿وأيدناه﴾ وقوَّيناه ﴿بِرُوحِ القدس﴾ بجبريل ﵇ وذلك أنَّه كان قرينه يسير معه حيث سار يقول: فعلنا بكم كلَّ هذا فما استقمتم لأنَّكم ﴿كلما جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ثمَّ تعظَّمتم عن الإِيمان به ﴿ففريقاً كذَّبتم﴾ مثل عيسى ومحمَّدٍ ﵉ ﴿وفريقاً تقتلون﴾ مثل يحيى وزكريا عليهما السَّلام
стр. 96
﴿وقالوا قلوبنا غلفٌ﴾ هو أنَّ اليهود قالوا استهزاءً وإنكاراً لما أتى به محمد ﵇: قلوبنا غلفٌ عليها غشاوةٌ فهي لا تعي ولا تفقه ما تقول وكلُّ شيءٍ في غلافٍ فهو أغلف وجمعه: غُلْف ثمَّ أكذبهم الله تعالى فقال: ﴿بل لعنهم الله﴾ أَيْ: أبعدهم من رحمته فطردهم ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ أَيْ: فبقليلٍ يؤمنون بما في أيديهم وقال قتادة: فقليلاً ما يؤمنون أَيْ: ما يؤمن منهم إلاَّ قليلٌ كعبد الله بن سلام
стр. 97
﴿ولما جاءهم كتاب﴾ يعني: القرآن ﴿مصدِّق﴾ موافقٌ ﴿لما معهم﴾ ﴿وكانوا﴾ يعني: اليهود ﴿من قبل﴾ نزول الكتاب ﴿يستفتحون﴾ يستنصرون ﴿على الذين كفروا﴾ بمحمد ﵇ وكتابه ويقولون: اللَّهم انصرنا بالنَّبيِّ المبعوث في آخر الزَّمان ﴿فلما جاءهم ما عرفوا﴾ يعني: الكتاب وبعثة النبيّ ﴿كفروا﴾ ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال:
стр. 98
﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ أَيْ: بئس ما باعوا به حظَّ أنفسهم من الثَّواب بالكفر بالقرآن ﴿بغياً﴾ أَيْ: حسداً ﴿أن ينزل الله﴾ أَيْ: إنزال اللَّهُ ﴿مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عباده﴾ وذلك أنَّ كفر اليهود لم يكن من شك ولا اشتباهٍ وإنَّما كان حسداً حيث صارت النُّبوَّة في ولد إسماعيل ﵇ ﴿فباءوا﴾ فانصرفوا واحتملوا ﴿بغضب﴾ من الله عليهم لأجل تضييعهم التَّوراة ﴿على غضب﴾ لكفرهم بالنبي محمد ﷺ والقرآن
стр. 99
﴿وإذا قيل﴾ لليهود ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾ بالقرآن ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ يعني: التَّوراة ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ بما سواه ﴿وهو الحقُّ﴾ يعني: القرآن ﴿مصدِّقاً لما معهم﴾ موافقاً للتَّوراة ثمَّ كذَّبَهم الله تعالى في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا بقوله: ﴿فلمَ تقتلون أنبياء الله﴾ أَيْ: أيُّ كتابٍ جُوِّز فِيهِ قتلُ نبيٍّ؟ ! ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ شرطٌ وجوابه ما قبله ثمَّ ذكر أنَّهم كفروا بالله تعالى مع وضوح الآيات في زمن موسى ﵇ فقال:
стр. 100
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: العصا واليد وفلق البحر ﴿ثمَّ اتخذتم العجل من بعده﴾ إلهاً ﴿وأنتم ظالمون﴾
стр. 101
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتيناكم بقوَّة واسمعوا﴾ مضى تفسيره ومعنى: واسمعوا أَيْ: اقبلوا ما فيه من حلاله وحرامه وأطيعوا ﴿قالوا سمعنا﴾ ما فِيهِ ﴿وعصينا﴾ ما أُمرنا به ﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل﴾ وسُقوا حبَّ العجل وخُلطوا بحبِّ العجل حتى اختلط بهم والمعنى: حُبَّب إليهم العجل ﴿بكفرهم﴾ باعتقادهم التَّشبيه لأنَّهم طلبوا ما يُتَصَوَّرُ فِي نفوسهم ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كنتم مؤمنين﴾ هذا تكذيبٌ لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا وذلك أن آبائهم ادَّعوا الإِيمان ثمَّ عبدوا العجل فقيل لهم: بئس الإيمان إيمانٌ يأمركم بالكفر والمعنى: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل يعني: آبائهم كذلك أنتم لو كنتم مؤمنين بما أُنزل عليكم ما كذَّبتم محمَّداً
стр. 102
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إن كنتم صادقين﴾ كانت اليهود تقول: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا فقيل لهم: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت فإنَّ مَنْ كان لا يشكُّ فِي أنَّه صائر إلى الجنَّةِ فالجنَّةُ آثرُ عنده
стр. 103
﴿ولن يتمنوه أبداً﴾ لأنَّهم عرفوا أنَّهم كفرةٌ ولا نصيب لهم فِي الجنَّة وهو قوله تعالى: ﴿بما قدَّمت أيديهم﴾ أيْ: بما عملوا من كتمان أمر محمد ﷺ وتغيير نعته ﴿واللَّهُ عليم بالظالمين﴾ فيه معنى التَّهديد
стр. 104
﴿ولتجدنهم﴾ يا محمَّدُ يعني: علماءَ اليهود ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ لأنَّهم علموا أنَّهم صائرون إلى النَّار إذا ماتوا لما أتوا به في أمر محمَّدٍ ﷺ ﴿ومن الذين أشركوا﴾ أَيْ: وأحرص من منكري البعث ومَنْ أنكر البعث أحبَّ طول العمر لأنَّه لا يرجو بعثاً فاليهود أحرص منهم لأنَّهم علموا ما جنوا فهم يخافون النَّار ﴿يود أحدكم﴾ أَيْ: أحد اليهود ﴿لو يعمَّرُ ألف سنة﴾ لأنَّه يعلم أنَّ آخرته قد فَسَدَتْ عليه ﴿وما هو﴾ أَيْ: وما أحدهم ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ بِمُبْعِدِهِ من ﴿العذاب أن يعمَّر﴾ تعميره
стр. 105
﴿قل من كان عدوا لجبريل﴾ سألت اليهود نبيَّ الله ﷺ عن مَنْ يأتيه من الملائكة؟ فقال: جبريل فقالوا: هو عدوُّنا ولو أتاك ميكائيل آمنَّا بك فأنزل الله هذه الآية والمعنى: قل من كان عدوا لجبريل فليمت غيظاً ﴿فإنه نزله﴾ أَيْ: نزَّل القرآن ﴿على قلبك بإذن الله﴾ بأمر الله ﴿مصدقاً﴾ موافقاً لما قبله من الكتب ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ردٌّ على اليهود حين قالوا: إنَّ جبريل ينزل بالحرب والشِّدَّة فقيل إنَّه - وإنْ كان ينزل بالحرب والشدَّة على الكفرين - فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين
стр. 106
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ أَيْ: مَنْ كان عدوّاً لأحد هؤلاء فإن اللَّهَ عدوٌّ له لأن عدوَّ الواحدِ عدوُّ الجميع وعدوُّ محمَّدٍ عدوُّ الله والواو ها هنا بمعنى أو كقوله: ﴿ومَن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ لأنَّ الكافر بالواحد كافرٌ بالكلِّ وقوله: ﴿فإنَّ الله عدوٌ للكافرين﴾ أَيْ: إنَّه تولَّى تلك العداوة بنفسه وكفى ملائكته ورسله أمر مَنْ عاداهم
стр. 107
﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بيّنات﴾ دلالاتٍ واضحاتٍ وهذا جوابٌ لابن صوريا حين قال: يا محمد ما أُنزل عليك من آيةٍ بيِّنةٍ فَنَتَّبعكَ بها ﴿وما يكفر بها إلاَّ الفاسقون﴾ الخارجون عن أديانهم واليهود خرجت بالكفر بمحمد ﷺ عن شريعة موسى ﵇ ولمَّا ذكر محمدٌ ﷺ لهم ما أخذ الله تعالى عليهم من العهد فيه قال مالك بن الصَّيف: والله ما عُهد إلينا في محمدٍ عهدٌ ولا ميثاق فأنزل الله تعالى:
стр. 108
﴿أو كلما عاهدوا عهداً﴾ الآية وقوله ﴿نبذة فريق منهم﴾ يعني: الذين نقضوه من علمائهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم من بين ناقضٍ للعهد وجاحدٍ لنبوَّته معاندٍ له وقوله:
стр. 109
﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ يعني: علماء اليهود ﴿كتاب الله﴾ يعني التَّوراة ﴿وراء ظهورهم﴾ أَيْ: تركوا العمل به حين كفروا بمحمد ﷺ والقرآن ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ أنَّه حقٌّ وأنَّ ما أتى به صدقٌ وهذا إخبارٌ عن عنادهم ثمَّ أخبر أنَّهم رفضوا كتابة واتَّبعوا السِّحر فقال: ﴿واتبعوا﴾ يعني: علماء اليهود
стр. 110
﴿ما تتلوا الشياطين﴾ أَيْ: ما كانت الشَّياطين تُحدِّث وتقصُّ من السِّحر ﴿على ملك سليمان﴾ في عهده وزمان مُلْكه وذلك أنَّ سليمان ﵇ لما نُزع ملكه دفنت الشَّياطين في خزانته سحراً ونيرنجات فلمَّأ مات سليمان دلَّت الشياطين عليها النَّاس حتى استخرجوها وقالوا للنَّاس: إنَّما مَلَكَكُم سليمان بهذا فتعلَّموه فأقبل بنو إسرائيل على تعلُّمها ورفضوا كتب أنبيائهم فبرَّأ الله سليمان ﵇ فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أَيْ: لم يكن كافراً ساحراً يسحر ﴿ولكنَّ الشياطين كفروا﴾ بالله ﴿يعلمون الناس السحر﴾ يريد: ما كتب لهم الشَّياطين من كُتب السِّحر ﴿وما أنزل على الملكين﴾ أَيْ: ويُعلِّمونهم ما أُنزل عليهما أَيْ: ما علِّما وأُلْهِمَا وقُذِف فِي قلوبهما من علم التَّفرقة وهو رقيةٌ وليس بسحرٍ وقوله: ﴿وما يعلِّمان﴾ يعني: المَلَكَيْن السِّحر ﴿من أحدٍ﴾ أحداً ﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾ ابتلاءٌ واختبارٌ ﴿فلا تكفر﴾ وذلك أن الله امتحن النَّاس بالملكين فِي ذلك الوقت وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابلُ تعلُّم السِّحر فيكفر بتعلُّمه ويؤمن بتركه ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ أَيْ: محنة من الله نحبرك أنَّ عمل السِّحر كفرٌ بالله وننهاك عنه فإنْ أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت وقوله تعالى ﴿فيتعلمون﴾ أَيْ: فيأتون فيتعلَّمون من الملكين ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهو أن يؤخذ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه ويُبغَّض كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخر ﴿وما هم﴾ أَيْ: السَّحَرة الذين يتعلَّمون السِّحر ﴿بضارين به﴾ بالسِّحر ﴿من أحدٍ﴾ أحداً ﴿إلاَّ بإذن الله﴾ بإرادته كون ذلك أَيْ: لا يضرُّون بالسِّحر إلاَّ مَنْ أراد الله أن يلحقه ذلك الضَّرر ﴿ويتعلمون ما يضرُّهم﴾ في الآخرة ﴿ولا ينفعهم﴾ (في الدُّنيا) ﴿ولقد علموا﴾ يعني: اليهود ﴿لمن اشتراه﴾ من اختار السِّحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ من نصيب في الجنة ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بئس شيءٌ باعوا به حظَّ أنفسهم حيث اختاروا السِّحر ونبذوا كتاب الله ﴿لو كانوا يعلمون﴾ كُنه ما يصير إليه مَنْ يخسر الآخرة من العقاب
следующие страницы →