← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويدل على الكليّ في الكلام النكرات وما كان من المعارف في قوة النكرة كالأسماء المعرفة بال التي للجنس. أمثلة الكليّ: إنسان- حيوان- نجم- طائر- شمس- قمر- خالق من العدم- معدوم- عنقاء- شريك الخالق- واجب الوجود. ... والكلى الذهني ينقسم باعتبار وجود أفراده في الخارج وعدم وجودها وباعتبار الكم والكيف إلى الأقسام التالية: الأول- كلي يستحيل عقلا وجود أي فرد من أفراده في الواقع، مثاله: (شريك الباري) سبحانه. الثاني- كلي يمكن وجود أفراد منه في الواقع الا أنه لم يوجد أي فرد منها، مثاله: (عنقاء) فهو اسم لطائر وهمي غير موجود في الواقع، ولكن لا يمنع العقل من وجود أفراد له لو وجدت، فوجودها أمر ممكن عقلا. الثالث- كلي يمكن وجود أفراد منه في الواقع إلا أنه لم يوجد منها غير فرد واحد فقط، مثاله: (شمس) و (قمر) و (إنسان) يوم لم يكن في الوجود غير آدم ﵇. الرابع- كلي يستحيل في العقل وجود أكثر من فرد واحد له، مثاله: (واجب الوجود) و (خالق من العدم) فإن هذا الكلي لا ينطبق إلا على الله ﵎، ويستحيل عقلا أن ينطبق على غيره، ومتى كان الشيء مستحيلا عقلاً كان الواقع تبعا له حتما. الخامس- كلي يمكن وجود أفرادٍ منه غير متناهية العدد، ولكن لم يوجد منها الا عدد محصور، فأفراده في الواقع متناهية العدد، مثاله: (كوكب سيار) و (إِنسان) و (نجم) ونحو ذلك. السادس- كلي يمكن وجود أفراد منه في الواقع غير متناهية العدد، وقد وجد منه في الواقع أفراد غير متناهية العدد، مثاله: (علم الله تعالى) فهو غير متناهي الأفراد، و (العدد) نفسه فهو غير متناهي الأفراد أيضا .... ثم قال: خلاصة تعريفات: ١ - الكل: ما تركب من جزأين فأكثر. ٢ - الكلّي: ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه.

стр. 37

٣ - الجزء: ما تركب منه ومن غيره كلُّ (١). ٤ - الجزئي: ما كان معناه لا يقبل في الذهن الاشتراك). الفرق بين الكل والكلي: قال الشنقيطي في آداب البحث والمناظرة (١/ ٢٥): وأما الفرق بين الكل والكلي فمن جهتين: الجهة الأولى: الكلي لا يمنع تعقل مدلوله من حمله على كثيرين حمل مواطأة فيجوز حمل الكلي على كل فرد من أفراده حمل مواطأة كقولك: عمرو إنسان، وخالد إنسان إلخ فالإنسان كلي وقد صح حمله على كل فرد من أفراده حمل مواطأة. وأما الكل فلا يجوز حمله على جزء من أجزائه حمل مواطأة بل حمل إضافة أو اشتقاق، فالكرسي مثلا كل مركب من خشب ومسامير، فلا يجوز أن تقول الكرسي مسمار، ولا أن تقول الكرسي خشب، ولكن يصح حمله على أجزائه بالإضافة والاشتقاق، فالإضافة كأن تقول الكرسي ذو مسامير، والاشتقاق كقولك: الكرسي مسمر، وكالشجرة فإنها كل مركب من جذوع وأغصان فلا يقال: الشجرة جذوع ولا الشجرة أغصان، وإنما يقال: الشجرة ذات جذوع وذات أغصان مثلاً. الجهة الثانية: أن الكلي يجوز تقسيمه إلى جزئياته كأن تقول: الحيوان إما إنسان وإما فرس، وإما بغل وإما حمار إلخ. بخلاف الكل فلا يجوز تقسيمه إلى أجزائه بأداة التقسيم. فلا يصح أن يقال: الكرسي إما خشب وإما مسامير - ولا أن يقال: الشجرة إما جذوع وإما أغصان، وغنما يجوز حمل الكل على أجزائه حمل مواطأة مع العطف خاصة أعني عطف بعض أجزائه على بعضها كقولك: الكرسي مسامير وخشب، والشجرة جذوع وأغصان. أقسام الكليات: قال الميداني في ضوبط لمعرفة (ص/٣٩) وما بعدها: (وقد استقرأ علماء هذا الفن الكليات فوجدوا أنها تقع في خمسة أقسام، وهي:

стр. 38

ا- الجنس. ... ٢ - النوع. ... ٣ - الفصل. ٤ - الخاصة. وتُسمّى أيضا (عرضا خاصّاً). ٥ - العرض العام. وشرحها فيما يلي: ١ - الجنس: هو مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدد مختلف في الحقيقة. مثاله: حيوان، فهو كلي يتناول الإنسان والفرس والغزال وسائر الحيوانات، وهذه الأفراد مختلفة في حقيقتها، إذ الماهية الكاملة للإنسان مخالفة للماهية الكاملة للفرس أو الغزال وإن اشتركت هذه الكليات في جزء الماهية وهي الحيوانية، ولذلك يقال على كل منها حيوان. ويعرفونه بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو؟. وهذا الاستفهام وهو (ما هو؟) يستفهم به عن الماهيات، أي عن العناصر الذاتية، لا العناصر العرضية غير الذاتية، فالعناصر الذاتية هي ما كان داخلا في حقيقة الشيء، كالحيوانية والناطقية بالنسبة إلى الإنسان، والعناصر العرضية هي ما لا يدخل في حقيقة الشيء، ولكنه من صفاته العرضية سواء كانت أعراضاً ملازمة أو مفارقة، كالمشي بالنسبة إلى الحيوان فإنه من الصفات العرضية للحيوان، وكالضحك بالنسبة إلى الإنسان فإنه من صفاته العرضية على ما يقولون. ٢ - النوع: هو مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدّد متفق في الحقيقة. مثاله: إنسان- فرس- غزال، فكل من هذه الأمثلة هو نوع من الأنواع التي ينقسم إليها الحيوان. ومفهوم الإنسان يشتمل على كل ماهية هذا الكلي، وهو الحيوان الناطق، ومفهوم الفرس يشتمل على كل ماهية هذا الكلي الذي هو الحيوان المعروف، وكذلك الغزال. وُيعرّفونه بأنه المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو؟. وقد يطلق اسم النوع على بعض ما هو جنس ولكن باعتباره قسماً متميزا بالماهية عن أقسام أخرى ينقسم إليها جنسُ فوقه، مثل: الحيوان والنبات بالنسبة إلى الجسم النامي، فالجسم النامي جنس ينقسم إلى أقسام مختلفة في الحقيقة، كل قسم منها يعتبر بالنسبة إليه نوعاً من أنواعه، ثم هي أجناسٌ لما تحتها من أنواع أخرى. ويسمى هذا نوعا إضافيا لا حقيقيا، لأنه نوعٌ بالإضافة إلى جنس فوقه، وهو في

стр. 39

الحقيقة جنس لأنواع تحته. ٣ - الفصل: هو مفهوم كلي يتناول من الماهية الجزء الذي يميز النوع عن سائر الأنواع المشاركة له في الجنس. مثاله: ناطق، فهو كلي يتناول جزء ماهية الإنسان، وهذا الجزء هو الذي يميز النوع الإنساني عن سائر الأنواع، أما الجزء الآخر من ماهيته وهو الحيوانية فهو الجزء المشترك بينه وبين سائر الأنواع (١). ويعرفونه بأنه كلي يقال على الشيء في جواب أي شيء هو في ذاته؟. ٤ - الخاصة: مفهوم كلي هو من صفات الشيء الخارجة عن ماهيته والخاصة بها. مثالها: الضاحك إذا أطلق على الإنسان، فهو مفهوم كلي خارج عن ماهية الإنسان كما يقولون، لكنه من الصفات الخاصة بهذا النوع، فليس الضحك الذي هو ظاهرة للتعجب النفسي جزءاً من ماهية الإنسان، لكنه صفة خاصة به دون سائر الأنواع التي يتنوع إليها الحيوان، وضحك القرد قهقهة غير ناتجة عن تعجب، فليس هو كالضحك التعجبي الخاص بالإنسان. ومثال الخاصة أيضا: قابلية العلم وصنعة الكتابة بالنسبة إلى الإنسان. ويعرفونها بأنها كلية تقالُ على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولاً عرضيّا. ٥ - العرض العام: مفهوم كلي هو من صفات الشيء الخارجة عن ماهيته وغير الخاصة بها. مثاله: الماشي، إذا أطلق هذا المفهوم على الإنسان، فهو مفهوم كليّ خارجٌ عن ماهية الإنسان، وهو من الصفات التي تعرض له، إلا أن هذه الصفة غير خاصة بهذا النوع، بل هي مشتركة بينه وبين غيره من أنواع الحيوان. ويعرّفونه بأنه كلي يقالُ على ما تحت حقائق مختلفة قولاً عرَضياً. وكل من الخاصة والعرض العام ينقسم إلى قسمين: أ- فإمّا أن يكون عرضاً لازماً، وهو ما لا ينفك عن الماهية. ب- وإما أن يكون عرضا مفارقا، وهو ما يقبل الانفكاك عن الماهية ...

стр. 40

هذه هي الكليات الخمس، وإذا نظرنا في مختلف الأجناس والأنواع وجدنا أن كل جنس ينقسم إلى أنواع مختلفة في الحقيقة، وأن الجنس قد يكون نوعا لجنس أعلى منه، وأن النوع قد يكون جنسا لأنواع تحته، فهو بالإضافة إلى ما فوقه نوع، وبالإضافة إلى ما تحته جنس، ونتدرج نزولا حتى نصل إلى أسفل الأنواع، وهو النوع الذي لا يكون جنساً لأنواع تحته، وهذا يسمى نوع الأنواع، ونتدرج صعودا حتى نصل إلى أعلى الأجناس، وهو الجنس الذي ليس فوقه جنس آخر، ويُسمى جنس الأجناس، وما بينهما متوسطاتٌ، كل واحد منها جنس لما تحته نوعٌ مما فوقه، ئم إن كل جنس عالٍ هو جنس قريب لما تحته مباشرة، وهو جنس بعيد لما دون ذلك، والبُعدُ قد يكون بمرتبة أو أكثر، وكل فصل لنوع عالٍ هو فصل بعيد لنوع دونه، لأنه يميزه عن جنس أعلى منهما نوع تمييز. خلاصة تعريفات: ١ - الكلّي: هو الذي لا يمنع نفس تصوّر مفهومه من وقوع الشركة فيه. ٢ - الجنس: هو المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو؟. ٣ - النوع: هو المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو؟. ٤ - الفصل: كلى يقال على الشيء في جواب: أيُّ شيء هو في ذاته؟. ٥ - الخاصة: كلي مقول على أفراد حقيقة واحدة قولا عرضيا. ٦ - العرض العام: كلي مقول على أفراد حقائق مختلفة قولاً عرضيّا). قال الشنقيطي (ص/٣٥): (وأعلم أن الجنس والفصل عندهم ذاتيان بلا خلاف، والخاصية والعرض العام عرضيان عندهم بلا خلاف، والنوع فيه ثلاثة مذاهب: أحدها أنه ذاتي: بناء على أن كل ما ليس بخارج عن الذات فهو ذاتي. الثاني - أنه عرضي بناء على أن كل ما لم يدخل في الذات فهو عرضي. الثالث - وهو أقربها إلى الواقع، أنه ليس بذاتي ولا عرضي لأنه تمام الماهية، فليس جزء منها حتى يكون داخلا ومعلوم أن تمام الماهية لا يمكن خروجه عنها حتى يكون عرضياً).

стр. 41

تعريف الحد: الحد لغة: المنع، وسميت الحدود حدودا لأنها تمنع من العود إلى المعصية. وسمي التعريف حدا لأنه يمنع غير أفراد المعرف من الدخول، ويمنع أفراد المعرف من الخروج. الحد اصطلاحا هو: الوصف المحيط بموصوفه المميز له عن غيره. فائدة - شروط المعرف: قال الأخضري في شرحه على السلم: (اعلم أنه يشترط في كل واحد من المعرفات: ـ أن يكون جامعاً لأفراد المحدود وهو معنى مطرداً، ـ ومانعاً من دخول غيره في الحد وهو معنى منعكساً، هذا معناه عند القرافي (١). وقال الغزالي وابن الحاجب المطرد المانع والمنعكس الجامع وهو الجاري على ألسنة الفقهاء.

стр. 42

ـ وأن يكون أظهر من المحدود (١) لا أخفى منه ولا مساوياً له؛ فالخفي كقولنا ما هو البر فتقول الحنطة، والمساوي كقولنا المتحرك ما ليس بساكن. ـ ويجتنب فيها أيضاً الألفاظ الغريبة والمشتركة (٢) والمجازية (٣) وكل ما فيه إجمال؛ قال الغزالي إلا إذا كانت قرينة تدل على تفصيله فيجوز. ـ ولا يجوز أيضا بما تتوقف معرفته على معرفة المحدود للزوم الدور؛ قالوا كالعلم لا يقال فيه معرفة المعلوم لأن المعلوم مشتق من العلم، والمشتق لا يعرف إلا بعد معرفة المشتق منه، فمعرفة المعلوم إذن تتوقف على معرفة على معرفة العلم، والعلم على معرفة المعلوم فجاء الدور ... ـ ويجتنب أيضا في الحدود دخول الحكم لأن التصديق فرع التصور، والتصور فرع الحد فيلزم الدور. ـ ولا يجوز أيضاً دخول "أو" في الحقيقي، قال الأصبهاني لئلا يلزم أن يكون للنوع الواحد فصلان على البدل وذلك محال، وأما في الرسم فجائز (٤).) أقسام الحد: ينقسم الحد إلى: حد حقيقي، ورسمي، ولفظي، وتعريف بالمثال، وبالتقسيم. الحد (الحقيقي) قوله: (فالحقيقي هو القول الدال على ماهية الشيء. والماهية ما يصلح جوابا للسؤال بصيغة "ما هو"). قال الغزالي في المستصفى (١/ ١٣): (إن الحاد ينبغي أن يكون بصيرا بالفرق بين

стр. 43

الصفات الذاتية واللازمة والعرضية وذلك غامض فلا بد من بيانه فنقول: المعنى إذا نسب إلى المعنى الذي يمكن وصفه به وجد بالإضافة إلى الموصوف إما ذاتيا له ويسمى صفة نفس، وإما لازما ويسمى تابعا، وإما عارضا لا يبعد أن ينفصل عنه في الوجود، ولا بد من إتقان هذه النسبة فإنها نافعة في الحد والبرهان جميعا. أما الذاتي فإني أعني به كل داخل في ماهية الشيء وحقيقته دخولا لا يتصور فهم المعنى دون فهمه وذلك كاللونية للسواد والجسمية للفرس والشجر فإن من فهم الشجر فقد فهم جسما مخصوصا فتكون الجسمية داخلة في ذات الشجرية دخولا به قوامها في الوجود والعقل لو قدر عدمها لبطل وجود الشجرية وكذا الفرس ولو قدر خروجها عن الذهن لبطل فهم الشجر والفرس من الذهن وما يجري هذا المجرى فلا بد من إدراجه في حد الشيء فمن يحد النبات يلزمه أن يقول جسم نام لا محالة. وأما اللازم فما لا يفارق الذات البتة ولكن فهم الحقيقة والماهية غير موقوف عليه كوقوع الظل لشخص الفرس والنبات والشجر عند طلوع الشمس فإن هذا أمر لازم لا يتصور أن يفارق وجوده عند من يعبر عن مجاري العادات باللزوم ويعتقده ولكنه من توابع الذات ولوازمه وليس بذاتي له وأعني به أن فهم حقيقته غير موقوف على فهم ذلك له إذ الغافل عن وقوع الظل يفهم الفرس والنبات بل يفهم الجسم الذي هو أعم منه وإن لم يخطر بباله ذلك وكذلك كون الأرض مخلوقة وصف لازم للأرض لا يتصور مفارقته له ولكن فهم الأرض غير موقوف على فهم كونها مخلوقة فقد يدرك حقيقة الأرض والسماء من لم يدرك بعد أنهما مخلوقتان فإنا نعلم أولا حقيقة الجسم ثم نطلب بالبرهان كونه مخلوقا ولا يمكننا أن نعلم الأرض والسماء ما لم نعلم الجسم. وأما العارض فأعني به ما ليس من ضرورته أن يلازم بل يتصور مفارقته إما سريعا كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب وزرقة العين وسواد الزنجي وربما لا يزول في الوجود كزرقة العين ولكن يمكن رفعه في الوهم وأما كون الأرض مخلوقة وكون الجسم الكثيف ذا ظل مانع نور الشمس فإنه ملازم لا تتصور مفارقته ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي فإنهما مشتركان في استحالة

стр. 44

المفارقة (١) واستقصاء ذلك في هذه المقدمة التي هي كالعلاوة على هذا العلم غير ممكن وقد استقصيناه في كتاب معيار العلم فإذا فهمت الفرق بين الذاتي واللازم فلا

стр. 45

تورد في الحد الحقيقي إلا الذاتيات وينبغي أن تورد جميع الذاتيات حتى يتصور بها كنه حقيقة الشيء وماهيته وأعني بالماهية ما يصلح أن يقال في جواب ما هو فإن القائل ما هو يطلب حقيقة الشيء فلا يدخل في جوابه إلا الذاتي). الحد الحقيقي ينقسم إلى تام وناقص: قال الميداني في ضوابط المعرفة (ص/٦٣): (الحد التام: وهو ما كان تعريفا للشيء بذكر تمام ذاتياته، أي: بذكر جنسه وفصله (١) القريبين، أو بما هو مماثل لهما ... الأمثلة: أ- كتعريف الإنسان بأنه حيوانٌ ناطق (أي مفكر مدرك للكليات والجزئيات) فالإنسان نوع نريد أن نعرفه بقول يشرح حقيقته، وحقيقته تشتمل على عنصرين ذاتيين فيه هما:

стр. 46

العنصر الأول: جنسه القريب، وجنسه القريب هو الحيوان، أما النامي فهو جنس له بعيد وليس بقريب، وأما الجسم فهو جنس له أبعد بدرجتين، وكلما ابتعدنا فإننا نبتعد عن ذكر تمام ذاتياته في حدود هذا العنصر. العنصر الثاني: فصله القريب، وفصله القريب هو (ناطق). وباشتراط الفصل القريب يخرج الفصل البعيد له، كحسّاس، فإن (حسّاس) فصلٌ بعيد للإنسان وليس بقريب، إذ هو فصلٌ لجنسه وهو الحيوان، فإذا ذكر في تعريفه فصله البعيد فإنه لا يميزه عن سائر الحيوانات، وإنما يميزه فقط عن الجماد والنبات، لذلك فلا بد من ذكر فصله القريب، حتى يُميّزه تمام تمييز، وبذكر الجنس والفصل القريبين يكون التعريف بتمام ماهية الشيء، أي بتمام ذاتياته. ب- وكتعريف الإنسان بأنه جسم نامٍ حساس متفكر بالقوة مدرك للكليات والجزئيات. فقولنا: (جسم نام حساس) هو مثل قولنا (حيوان) وهو تفصيل له، فهو في قوة الجنس القريب، وقولنا: (متفكر بالقوة مدرك للكليات والجزئيات) هو بيان وتفصيل لمعنى (ناطق) ومماثل له فهو في قوة الفصل القريب، بل هو بعبارة مفصلة. الحد الناقص: وهو ما كان تعريفا للشيء بذكر البعض الذي يفصله عن غيره من ذاتياته. ويكون ذلك بذكر فصله القريب فقط، أو بذكر فصله القريب مع جنسه البعيد، أو بما هو مماثل لذلك. الأمثلة: أ- كتعريف الإنسان بأنه (الناطق) أو (المتفكر بالقوة المدرك للكليات والجزئيات). فهذا هو الفصل القريب للإنسان، أو مماثل له وفي قوته كما سبق. ب- وكتعريف الإنسان بأنه (نام ناطق) أو (جسم ناطق) فهذان تعريفان للإنسان بفصله القريب وجنسه البعيد، إلا أن الجسم جنس أبعد من نام لأنه أعلى منه).

стр. 47

شروط الحد الحقيقي: قال الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٥): (إن ما وقع السؤال عن ماهيته وأردت أن تحده حدا حقيقيا فعليك فيه وظائف لا يكون الحد حقيقيا إلا بها فإن تركتها سميناه رسميا أو لفظيا ويخرج عن كونه معربا عن حقيقة الشيء ومصورا لكنّه معناه في النفس. الأولى أن تجمع أجزاء الحد من الجنس والفصول فإذا قال لك مشيرا إلى ما ينبت من الأرض ما هو فلا بد أن تقول جسم لكن لو اقتصرت عليه لبطل عليك بالحجر فتحتاج إلى الزيادة فتقول نام فتحترز به عما لا ينمو فهذا الاحتراز يسمى فصلا أي فصلت به المحدود عن غيره. الثانية أن تذكر جميع ذاتياته وإن كانت ألفا ولا تبالي بالتطويل لكن ينبغي أن تقدم الأعم على الأخص فلا تقول نام جسم بل بالعكس وهذه لو تركتها لتشوش النظم ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة مع اضطراب اللفظ فالإنكار عليك في هذا أقل مما في الأول وهو أن تقتصر على الجسم. الثالثة إنك إذا وجدت الجنس القريب فلا تذكر البعيد معه فتكون مكررا كما تقول مائع شراب أو تقتصر على البعيد فتكون مبعدا كما تقول في حد الخمر جسم مسكر مأخوذ من العنب وإذا ذكرت هذا فقد ذكرت ما هو ذاتي ومطرد ومنعكس لكنه مختل قاصر عن تصوير كنَه حقيقة الخمر بل لو قلت مائع مسكر كان أقرب من الجسم وهو أيضا ضعيف بل ينبغي أن تقول شراب مسكر فإنه الأقرب الأخص ولا تجد بعده جنسا أخص منه فإذا ذكرت الجنس فاطلب بعده الفصل إذ الشراب يتناول سائر الأشربة فاجتهد أن تفصل بالذاتيات إلا إذا عسر عليك ذلك وهو كذلك عسير في أكثر الحدود فاعدل بعد ذكر الجنس إلى اللوازم (١) واجتهد أن يكون ما ذكرته من اللوازم الظاهرة المعروفة فإن الخفي لا يعرف كما إذا قيل ما الأسد فقلت سبع أبخر ليتميز بالبخر عن الكلب فإن البخر من خواص الأسد لكنه خفي ولو قلت سبع شجاع عريض الأعالي لكانت هذه اللوازم والأعراض أقرب إلى المقصود لأنها أجلى وأكثر ما ترى

стр. 48

في الكتب من الحدود رسمية إذ الحقيقية عسرة جدا وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشذ واحد منها عسر والتمييز بين الذاتي واللازم عسر ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالأخص قبل الأعم عسر وطلب الجنس الأقرب عسر فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان شجاع ولا يحضرك لفظ السبع فتجمع أنواعا من العسر وأحسن الرسميات ما وضع فيه الجنس الأقرب وتمم بالخواص المشهورة المعروفة. الرابعة أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة والمشتركة المترددة واجتهد في الإيجاز ما قدرت وفي طلب اللفظ النص ما أمكنك فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة فاطلب من الاستعارات ما هو أشد مناسبة للغرض واذكر مرادك للسائل فما كل أمر معقول له عبارة صريحة موضوعة للإنباء عنه ولو طول مطول واستعار مستعير أو أتى بلفظ مشترك وعرف مراده بالتصريح أو عرف بالقرينة فلا ينبغي أن يستعظم صنيعه ويبالغ في ذمه إن كان قد كشف عن الحقيقة بذكر جميع الذاتيات فإنه المقصود وهذه المزايا تحسينات وتزيينات كالأبازير من الطعام المقصود وإنما المتحذلقون يستعظمون مثل ذلك ويستنكرونه غاية الاستنكار لميل طباعهم القاصرة عن المقصود الأصلي إلى الوسائل والرسوم والتوابع ... ومن قال حد اللون ما يدرك بحاسة العين على وجه كذا وكذا فلا ينبغي أن ينكر من حيث إن لفظ العين مشترك بين الميزان والشمس والعضو الباصر لأن قرينة الحاسة أذهبت عنه الاحتمال وحصل التفهيم الذي هو مطلوب السؤال واللفظ غير مراد بعينه في الحد الحقيقي إلا عند المرتسم الذي يحوم حول العبارات فيكون اعتراضه عليها وشغفه بها). قال الميداني في "ضوابط المعرفة" (ص/٦٥): ٣ - الرسم التامّ. ... ٤ - الرسم الناقص. وسمي رسماً لأن الرسم في اللغة الأثر (١)، والخاصة أثر من آثار الحقيقة التي تدل عليها وتميّزها عن غيرها.

стр. 49

٣ - الرسم التام: هو ما كان تعريفا للشيء بذكر جنسه القريب مع خاصته اللازمة الشاملة، أي: مع ذكر عرضه اللازم لكل ما صدقاته (١) والخاص به، أو ما هو مماثل لذلك وفي قوته. فلا يصح التعريف بالعرض العام، مثل (الماشي) بالنسبة إلى الإنسان، فهو عرض ليس خاصا بالإنسان بل هو عام فيه وفي غيره من الحيوانات. ولا يصحّ التعريف بالخاصة المفارقة غير اللازمة، مثل (الضاحك بالفعل) بالنسبة إلى الإنسان، فالضحك بالفعل من خواص الإنسان المفارفة لا اللازمة، إذ قد يكون بالفعل غير ضاحك بخلاف (الضاحك بالقوة)، فهي خاصة لازمة. ولا يصح التعريف بالخاصة غير الشاملة، مثل (الكاتب) بالنسبة إلى الإنسان، وذلك لأن بعض الناس غير كاتب. الأمثلة: أ- كتعريف الإنسان بأنه (الحيوان الضاحك بالقوة) أو بأنه (الجسم النامي الحساس الضاحك بالقوة)، فالحيوان ويماثله الجسم النامي الحسّاس هو الجنس القريب للإنسان، والضاحك بالقوة هو خاصة من خواص الإنسان اللازمة له والشاملة لأفراده. ب- وكتعريف الحيوان بأنه (نام آكل) فالنامي هو الجنس القريب للحيوان، والآكل هو خاصة من خواصه اللازمة له الشاملة لأفراده. ٤ - الرسم الناقص: هو ما كان تعريفا للشيء بذكر خاصته اللازمة الشاملة وحْدَها، أو مع جنسه البعيد، أو مع عرضه العامّ، أو بذكر عرضياب له تختص جملتها بحقيقته.

стр. 50

الأمثلة: أ- كتعريف الإنسان بأنه (الضاحك بالقوة) أو (القابل للعلم وصنعة الكتابة) فكل منها بالنسبة إلى الإنسان من خواصه اللازمة الشاملة لكل أفراده. ب- وكتعريف الإنسان بأنه (جسم ضاحكٌ بالقوة) فالجسم جنس بعيد للإنسان، وضاحك بالقوة خاصة لازمة شاملة من خواصه. ج- وكتعريف الإنسان بأنه (ماش على قدميه عريض الأظفار بادي البشرة ضحّاك بالطبع) فكل هذه عرضيات تختصُّ جملتها بحقيقة نوع الإنسان. ٥ - التعريف اللفظي: وهو تعريف اللفظ بلفظ آخر مرادف له معلوم عند المخاطب، ومرادفُ الشيء هو في الحقيقة خاصة من خواصه. الأمثلة: أ- كتعريف البر بأنه (القمح). ب- وكتعريف القسورة بأنه (الأسد). ج- وكتعريف القُرء بأنه لفظ مشترك بين الحيض والطهر. ٦ - التعريف بالمثال: وهو تعريف الشيء بذكر مثال من أمثلته، ومثالُ الشيء هو في الحقيقة خاصة من خواصه. الأمثلة: أ- كتعريف الاسم بأنه ما أشبه لفظ زيد ورجل والذي. ب- وكتعريف الفعل بأنه ما أشبه لفظ سَمِعَ ويقول وخُذْ. ٧ - التعريف بالتقسيم: وهو تعريف الشيء بذكر الأقسام التي ينقسم إليها، ومعلوم أن أقسام الشيء خاصة من خواصه. الأمثلة: أ- كتعريف الكلمة بأنها اسم وفعل وحرف. ب- وكتعريف العدد بأنه زوج وفرد.

стр. 51

مداخل الخلل في الحدود: قال الغزالي في محك النظر: (في حصر مداخل الخلل في الحدود: وهي ثلاثة فإنه تارة يدخل من جهة الجنس وتارة من جهة الفصل وتارة من جهة أمر مشترك بينهما. إما الخلل في الجنس فأن يؤخذ الفصل بدله كما يقال في حد العشق أنه إفراط المحبة، وينبغي أن يقال المحبة المفرطة، فالإفراط يفصلها عن سائر أنواع المحبة. ومن ذلك إن يؤخذ المحل بدل الجنس، كقولك حد الكرسي أنه خشب يجلس عليه، والسيف أنه حديد يقطع به بل ينبغي أن يقال للسيف أنه آلة صناعية من حديد مستطيلة مع تقوس ويقطع بها كذا، فالآلة جنس والحديد محل للصورة لا جنس، وأبعد منه أن يؤخذ بدل الجنس ما كان والآن ليس بموجود، كقولك الرماد خشب محترق والولد نطفة مستحيلة، فإن الحديد موجود في السيف في الحال والنطفة والخشب غير موجودين في الولد والرماد. ومن ذلك أن يؤخذ الجزء بدل الجنس كما يقدر حد العشرة أنها خمسة وخمسة، ومن ذلك أن يوضع القوة موضع الملكة (١) كما يقال حد العفيف هو الذي يقوى على اجتناب الشهوات واللذات وهو فاسد، بل هو الذي يترك، وإلا فالفاسق أيضاً يقوى على الترك والاجتناب ولا ترك. ومن ذلك أن توضع اللوازم التي ليست ذاتية بدل الجنس كالواحد والموجود إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض، ومن ذلك أن يضع النوع مكان الجنس كقولك الشر هو ظلم الناس والظلم نوع من الشره. وأما من جهة الفصل فبأن يأخذ اللوازم والعرضيات في الاحتراز بدلاً عن الذاتيات وأن لا يورد جميع الفصول. وأما القوانين المشتركة فمن ذلك أن تحد الشيء بما هو مساو له في الخفاء أو فرع له، كقولك العلم ما يعلم به أو العلم ما تكون الذات به عالمة. ومن ذلك أن يعرف الضد بالضد فنقول حد العلم ما ليس بظن، ولا شك ولا جهل، وهكذا حتى تحصر الأضداد وحد الزوج ما ليس بفرد فيدور الأمر ولا يحصل به بيان، ومن ذا أن يوجد المضاف في حد المضاف وهما متكافئان في الإضافة، كقول القائل حد الأب من له ابن، ثم لا يعجز أن يقول وحد الابن ما له أب

стр. 52

بل ينبغي أن يقول الأب حيوان يولد من نطفته حيوان هو من نوعه فهو أب من حيث هو كذلك، ولا يحيله على الابن، فإنهما في الجهل والمعرفة يتساويان. ومن ذلك أن يؤخذ المعلول في حد العلة مع أنه لا يحدّ المعلول إلا بان تدخل العلة في حدّه، كمن يقول حدّ الشمس أنه كوكب يطلع نهاراً فيقال وما حدّ النهار فيلزم أن يقول النهار هو زمان طلوع الشمس إلى غروبها إن أراد الحد الصحيح ولذلك نظائر يكثر إحصاؤها).

стр. 53

أصُولُ الفِقْه تعريف الأصول لغة: قال الشيخ: (الأصول: جمع أصل وهو ما يبني عليه غيره). بدأ الماتن ﵀ في تعريف أصول الفقه باعتبار مفرديه أي كلمة أصول وكلمة فقه، وذلك لأن معرفة المركب إنما تتأتى من معرفة أفراده، فبدأ بتعريف المضاف وهي كلمة أصول فقال: (الأصول: جمع أصل وهو ما يبني عليه غيره) ومثَّل لها ﵀ بأصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه أغصانها. وهذا التعريف قاله القاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل من الحنابلة إلا أنه غير جامع فكما هو مقرر في علم المنطق أن من شروط الحد أو التعريف أنه يكون جامعا مانعا. بيان أن هذا التعريف لكلمة أصل غير جامع: نلاحظ أن الوالد أصل للولد، ولا يقال: إن الولد ينبني على الوالد. قال المرداوي في التحبير (١/ ١٤٧): (اختلفت عباراتهم في الأصل في اللغة، فقيل: هو ما ينبني عليه غيره، ﴿قاله القاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل﴾، وأبو الحسين البصري في شرح العمدة '، وأبو إسحاق الشيرازي، ﴿والأكثر﴾ وقيل: ما يتفرع عنه غيره. وقال بعضهم: (هذه العبارة أحسن من قول أبي الحسين: ' ما ينبني عليه غيره '؛ لأنه لا يقال: إن الولد ينبني على الوالد، ويقال: إنه فرعه) (١). وقال الزركشي في البحر المحيط (١/ ١٠): (وقال أبو الحسين ما يبني عليه غيره وتبعه ابن الحاجب في باب القياس ورد بأنه لا يقال إن الولد يبنى على الوالد بل يقال فرعه). وعليه فالأولى أن يعرف الأصل لغة بأنه: (ما يتفرع عنه غيره) فيصح أن يقال: الولد فرع عن الوالد.

стр. 54

وتعقب أيضا هذا التعريف بأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع قال السمعاني في "قواطع الأدلة" (١/ ٢١): (ويقال في حد الأصل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره. وقيل الأصل ما يقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه، والعبارتان مدخولتان؛ لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع، ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال مثل: ما ورد به الشرع من دية الجنين والقسامة (١) وتحمل العقل (٢) فهذه أصول ليست لها فروع، فالأولى أن يقال: إن الأصل: كل ما يثبت دليلا في إيجاد حكم من أحكام الدين. وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا، أو لم يجلبه) ونقله عنه الزركشي في البحر المحيط (١/ ١١) فقال: (كل ما ثبت دليلا في إيجاب حكم من الأحكام) فعممه، وهو أولى طالما أننا نتكلم عن التعريف اللغوي. ولما كان الأصل يستعمل في الاصطلاح بمعنى الدليل، وبمعنى القاعدة، والراجح، وغير ذلك كان الأصل كالجنس والدليل كأحد أنواعه، وعليه فتعريف الأصل بالدليل فيه نوع دور، والأولى عندي في تعريف الأصل لغة أنه: (ما كان سببا في إيجاد حكم من الأحكام)، والأحكام هنا عامة تشمل الأحكام الشرعية، والعادية، والعقلية. ويدخل في هذا التعريف ما له فرع، كالشجرة فهي أصل لفروعها؛ لأنها سببا في إيجادها، وكالأب فهو أصل لابنه؛ لأنه كان سببا في إيجاده.

стр. 55

ويشمل أيضا ما ليس له فرع، كالقسامة فهي أصل للأيمان التي تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم، وذلك لأنها سبب في إيجاد الأيمان. ويدخل فيه ما يبنى عليه غيره، كالأساس فهو أصل للجدار؛ لأنه كان سببا في إيجاده. ويدخل فيه ما لا يبني عليه غيره، كالأب أصل لابنه، ولا يقال: إن الولد يبنى على الوالد، والوالد سبب في إيجاد ابنه، وهكذا. تعريف الفقه لغة: ثم ثنى الشيخ بتعريف المضاف إليه وهو كلمة (الفقه) فعرفه بقوله: (والفقه لغة: الفهم). وتعريف الفقه لغة بالفهم هو قول الأكثر، وقد عرض المرداوي لذكر الأقوال في تعريف الفقه لغة وصل بها إلى سبعة أقوال، وهي: الفهم، والعلم، والفهم والعلم، ومعرفة قصد المتكلم، وكل ما تقدم، وفهم ما يدق، والتوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. وقد نسب هذه الأقوال ومثل لها، وكلامه لا يخلو من فائدة وإليك نصه: قال في "التحبير" (١/ ١٥٣): (قوله: ﴿الفقه لغة: الفهم، عند الأكثر﴾. الفقه: مصدر فقه، يقال: فقه بكسر القاف وضمها وفتحها. فالأول لمطلق الفهم، والثاني إذا كان له سجية، والثالث إذا ظهر على غيره، قاله القرافي وجماعة. قال في ' القاموس ': (فقه ككرم وفرح فهو فقيه، وفقه كندس)، وقال في ' المصباح المنير ': (الفقه: فهم الشيء)، قال ابن فارس: (وكل علم بشيء فهو فقه). والفقه على لسان حملة الشرع: علم خاص. وفقه فقهاً من باب تعب: إذا علم، وفقه - بالضم - مثله، وقيل: الضم: إذا صار الفقه له سجية. قال أبو زيد: ' رجل فقه - بضم القاف وكسرها -، وامرأة فقهة بالضم '.) انتهى. إذا علم ذلك؛ فله معنيان: معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح. فأما معناه في اللغة فاختلفوا في تفسيره على أقوال: أحدها: أنه الفهم، قاله الأكثر؛ لأن العلم يكون عنه، قال الطوفي: (ومما يدل

стр. 56

على تغايرهما؛ أن الفقه يتعلق بالمعاني دون الأعيان، والعلم يتعلق بهما، فيصح أن يقال: علمت معنى كلامك وفهمته). قال الجوهري: (الفقه لغة: الفهم). قال أبو الفرج في ' الإيضاح ': (يقال في اللغة: فلان فقيه، أي: فهم، وفلان يفقه عني ما أقول، أي: يفهم عني ما أقول، وقد قال الله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: ٧٨]، (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: ٤٤]، (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) [هود: ٩١]، أي: لا يكادون يفهمون، ولكن لا تفهمون، وما نفهم كثيراً مما تقول، ونحوه قوله: ﴿وهو إدراك معنى الكلام﴾. يعني: معنى الفهم: إدراك معنى الكلام، زاد ابن عقيل في ' الواضح ': (بسرعة)، ولا حاجة إليها؛ لأن من يفهم بعد حين يقال: فهم. قال القطب الشيرازي - أي: في ' شرح المختصر ' -: (المراد بالفهم الدرك لا جودة الذهن من جهة تهيئه لاقتناص ما يرد عليه من المطالب. والذهن: قوة النفس المستعدة لاكتساب الحدود والآراء). والثاني قاله القاضي في ' العدة '، وابن فارس في ' المجمل '، وأبو المعالي في ' التخليص '، والكيا، والقشيري، والماوردي وغيرهم، وحكي عن الأصحاب: العلم. لم أعلم من أين نقلت أن هذا القول حكي عن الأصحاب الآن. قال ابن فارس في ' المجمل ': (الفقه العلم، وكل علم بشيء فهو فقه). والثالث قاله ابن الصيقل، وصاحب ' روضة فقهنا '، والغزالي، والآمدي: هما، أي: الفقه لغة: الفهم والعلم. قال في ' القاموس ': (الفقه بالكسر العلم بالشيء والفهم)،ولم يحك خلافاً. يقال: فلان يفقه الخير والشر، ويفقه كلام فلان، أي: يفهمه ويعلمه. والرابع قاله القاضي في ' الكفاية ': (معرفة قصد المتكلم). قال الرازي في ' المحصول ' و ' المنتخب ': (هو فهم غرض المتكلم من كلامه). قال ابن حمدان في ' المقنع ' عن كلام القاضي في ' الكفاية ': (يبطل بكلام من لا قصد له كالنائم والصبي والمجنون). والخامس، قاله أبو الخطاب في ' التمهيد ': (الكل). أي: يطلق على الكل الذي تقدم. قال في ' التمهيد ': (يقال ' فهمت كلامك، إذا عرفته وفهمته وعلمته، كل ذلك بمثابة واحدة) انتهى. قال القرافي: (الفقه هو الفهم والعلم والشعر والطب لغة، وإنما اختصت بعض الألفاظ ببعض العلوم بسبب العرف)، وحكاه عن

стр. 57

المازري في ' شرح البرهان '. والسادس قاله الشيرازي وغيره: (فهم ما يدق). قاله أبو إسحاق الشيرازي في ' اللمع '، وصاحب ' اللباب ' من الحنفية، ومعناه لبعض أصحابنا، قال ابن هبيرة: (هو استخراج الغوامض والاطلاع عليها)، وهو أظهر؛ فإنه لا يقال: فقهت أن السماء فوقنا، ولا أن النار حارة، ونحو ذلك، ويقال: فقهت كلامك، وهذا يقتضي أن الفقه أخص من العلم. قال ابن مفلح - من أصحابنا - عن كلام ابن هبيرة: (ولعله مراد من أطلق). والسابع: (التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد)، قاله الراغب. قال العسقلاني في ' شرح مختصر الطوفي ': (الفهم هيئة للنفس بها يتحقق معاني ما يحس، فالعلم إذن عنه، ومن ثم قيل: الفقه التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم) انتهى). والراجح أن الفقه لغة: الفهم مطلقا سواء أكان لما ظهر وبان، أو لما دق وخفي، والدليل على ذلك: مجيئه في الشرع مرادا به مطلق الفهم كما سبق في الآيات السابقة، وقوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي) [طه: ٢٧، ٢٨] فقوله: (قَوْلِي) معرف بالإضافة فيشمل ما ظهر وما خفي من قوله (١). وأما من قيده بالفهم الدقيق، وعلله بأنه يقال: فقهت معنى الكلام وفهمته، ولا يقال: فقهت السماء والأرض، وهذا مردود بما قاله أئمة اللغة: إن الفقه هو مطلق الفهم، وامتناع قولهم فقهت السماء والأرض إنما هو من ناحية أن الفقه يتعلق بالمعاني لا بالمحسوسات، والسماء والأرض من قبيل المحسوسات (٢). اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية). قال الشيخ في شرح هذه العبارة: فالمراد بقولنا " معرفة " العلم والظن لأن إدراك الأحكام الفقيه قد يكون يقينَّيا وقد يكون ظنيًّا كما في كثير من مسائل الفقه.

стр. 58

والمراد بقولنا:"الأحكام الشرعية" الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم (١)، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية كمعرفة نزول الطل في الليلية الشاتية إذا كان الجو صحواً. قلت (ويخرج أيضا الأحكام الوضعية كمعرفة أن كان وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ويخرج أيضا الأحكام الحسية كالعلم أن النار محرقة، وأيضا يخرج الأحكام التجريبية (الثابتة بالتجربة) العلم بأن السم قاتل وقد تتداخل هذه الأحكام إلا أن الغرض بيان معنى الشرعية وهو خلاف كل ما سبق). والمراد بقولنا: " العملية " ما لا يتعلق بالاعتقاد كالصلاة والزكاة فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد (وتسمى العلمية) كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته فلا يسمى ذلك فقهًا في الاصطلاح قلت (وقد يخرج أيضا علم التصوف أو السلوك كحرمة الكذب والغيبة ووجوب الصدق، وهكذا فهذا في الاصطلاح لا يدخل في الفقه، ولم يدونه غالب الفقهاء في كتب الفقه). والمراد بقولنا: بأدلتها التفصيلية " أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية فخرج به أصول الفقه لأن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية). والأدلة التفصيلية وهي الجزئية كقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [الإسراء: ٣٢] فهذا دليل جزئي يخص مسألة واحدة معينة وهي الزني ويبين حكمها وهو تحريم الزنى. وأما الأدلة الإجمالية فهي كالقواعد الكلية ويندرج تحت كل واحدة منها أحكاما كثيرة وسوف يأتي بإذن الله الكلام عليها قريبا. فوائد: الفائدة الأولى - الفرق بين العلم والمعرفة: فرق الشيخ بين العلم والمعرفة بثلاثة فروق: الأول - المعرفة تشمل العلم والظن بخلاف العلم: قال الشيخ في الشرح (ص/٢٤): (المعرفة هنا تشمل العلم والظن؛ لأن إدراك الأحكام الشرعية بعضه علمي، وبعضه ظني، ولهذا فإن مسائل الاجتهاد التي يختلف

стр. 59

فيها أهل العلم غالبها ظني، وليست بعلمية، ولو كانت علمية لما اختلفوا فيها، لكنها غالبها ظني فالمعرفة أيضًا تطلق على العلم والظن، كما في كثير من مسائل الفقه. ولذلك لا يوصف اللَّه بأنه عارف، ولكن يوصف بأنه عالم؛ لأن المعرفة تشمل العلم والظن. ثم قال: (وقوله: (لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيا وقد يكون ظنيا كما في كثير من مسائل الفقه): ولهذا قلنا في التعريف- تعريف الفقه-: "معرفة" ليشمل العلم والظن، لأنه يوجد مسائل كثيرة من أحكام الفقه كلها ظنية). مناقشة هذا التفريق: وهذا الذي صار إليه الشيخ من أن العلم خاص بالقطعيات دون الظنيات مجرد اصطلاح خاص، وقد نسبه الكلوذاني للمتكلمين واختار عكسه حيث عرف الفقه في الشرع بقوله: (هو العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية دون العقلية). ثم قال: فأما قولنا: "العلم بأحكام أفعال" فنريد به ما علمناه بالشرع إما بيقين أو غالب ظن) (١). وقال الشيخ العروسي في "المسائل المشتركة (ص/٣١) وهو يبين وجوه الرد على من قال: أن الفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة الظنية، فلا يسمى علما: (وقد تجيب طائفة أخرى - كابي الخطاب وغيره- عن هذا السؤال، بأن العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح، كقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) (٢) [الممتحنة: ١٠] وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص ... ). وقال المرداوي في "التحبير" (١/ ٢٢٩): (يأتي العلم بمعنى الظن: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: ١٠]، وعكسه: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) [البقرة: ٤٦] ... ويأتي العلم بمعنى المعرفة، ومنه: قوله تعالى: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التوبة: ١٠١]، أي: لا تعرفهم نحن نعرفهم. قال البرماوي وغيره: (قد جاء علم بمعنى عرف، ومنه: قوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: ٧]،

стр. 60

(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) [غافر: ١٩]، (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) [محمد: ٣١]، وهو كثير). قوله: ﴿[وعكسه]﴾ يعني: تأتي المعرفة بمعنى العلم، وقد قال في ' المصباح ': (علمته أعلمه: عرفته، هكذا يفسرون العلم بالمعرفة، وبالعكس، لتقارب المعنيين) انتهى. قلت: وفي التنزيل: (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) [المائدة: ٨٣]، أي : علموا). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٦٣): (العلم يطلق لغة وعرفا على أربعة أمور: أحدها: إطلاقه حقيقة على ما لا يحتمل النقيض. الأمر الثاني: أنه يطلق (ويراد به مجرد الإدراك) يعني سواء كان الإدراك (جازما، أو مع احتمال راجح، أو مرجوح، أو مساو) على سبيل المجاز، فشمل الأربعة قوله تعالى (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: ٥١] إذ المراد: نفي كل إدراك. الأمر الثالث: أنه يطلق (و) يراد به (التصديق، قطعيا) كان التصديق (أو ظنيا) أما التصديق القطعي: فإطلاقه عليه حقيقة، وأمثلته كثيرة، وأما التصديق الظني: فإطلاقه عليه على سبيل المجاز (١)، ومن أمثلته قوله تعالى (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: ١٠]. الأمر الرابع: أنه يطلق (و) يراد به (معنى المعرفة) ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التوبة: ١٠١]. وتطلق المعرفة (ويراد بها) العلم، ومنه قوله تعالى: (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) [المائدة: ٨٣] أي علموا. (و) يراد العلم أيضا (بظن) يعني أن الظن يطلق ويراد به العلم، ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) [البقرة: ٤٦] أي يعلمون). فظهر من هذا أن العلم ليس خاصا بالقطعيات كما ذكر الشيخ، وأنه يطلق ويراد

стр. 61

به الظن، والقطع، وأيضا معنى المعرفة. الثاني - المعرفة غالبًا تقال في المحسوس، والعلم يكون غالبًا في المعقول: قال في الشرح (ص/٢٦): (المعرفة غالبًا تقال في المحسوس، والعلم يكون غالبًا في المعقول. فتقول: عرفت فلانًا، يعني: عرفت أن هذا هو فلان بن فلان. وتقول: علمت حكم الوضوء، وهذا في الأشياء المعقولة المعنوية). وهذا التفريق لا يساعد الشيخ على اختياره في تعريف الفقه بأنه معرفة الأحكام ... ، والأولى بناء على تفريقه هذا أن يعرف الفقه بأنه: العلم بالأحكام .... وقال أبو حيان التوحيدي (١) في المقابسات: في المقابسة السبعون (ص/٢٧٢): (وسألته عن الفرق بين المعرفة والعلم؟ فقال: المعرفة أخص بالمحسوسات والمعاني الجزئية: والعلم أخص بالمعقولات والمعاني الكلية). الثالث - المعرفة انكشاف بعد لُبْس: قال في الشرح (ص/٢٦): (قالوا: المعرفة انكشاف بعد لُبْس، أي بعد خفاء، تقول مثلا: تأملت هذا الشيء حتى عرفته). قال ابن النجار في " شرح الكوكب" (١/ ٦٥): ("وهي" أي المعرفة "من حيث إنها علم مستحدث، أو انكشاف بعد لبس أخص منه" أي من العلم؛ لأنه يشمل غير المستحدث. وهو علم الله تعالى. ويشمل المستحدث، وهو علم العباد ") (٢). وقد بين المرداوي الفرق بين كونها علم مستحدث، وبعد لبس فقال في "التحبير" (١/ ٢٤٤): (وقوله: فهي علم مستحدث. هذا أصل وضعها في الغالب، وقيل: انكشاف بعد لبس، فهو قريب من الذي قبله، إلا أن الأول لم يكن حصل فيه لبس، بل استحدث من غير لبس). وبناء على هذا الفرق فإننا إن قلنا أن الفقه هو المعرفة فحتى لا يدخل علم الله، وإن عرفناه بأنه العلم فيكون كالجنس، وما بعده كالفصل ليخرج علم الله، وسوف

стр. 62

يأتي مزيد بيان لذلك عند الكلام على إضافة قيد: المكتسبة في التعريف. وثمة فروق أخرى كثيرة بين العلم والمعرفة لا مجال لبسطها هنا (١). الفائدة الثانية - لا يصح أن يقال: الله عارف: قال الشيخ في الشرح (ص/٢٤): (لا يوصف اللَّه بأنه عارف، ولكن يوصف بأنه عالم لأن المعرفة تشمل العلم والظن). وقال (ص/٢٦): (سبق لنا أنه لا يوصف اللَّه بأنه عارف؛ لأن المعرفة تشمل العلم أو الظن. وقالوا: لأن المعرفة انكشاف بعد لُبْس، أي: بعد خفاء، تقول مثلاً: تأملتُ هذا الشيء حتى عرفته. وعلى كل حال، الأصل في الصفات: أن اللَّه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه). وكلام الشيخ واضح في بيان وجه منع وصفه تعالى بالعارف فالمعرفة تشمل الإدراك الظني للأحكام، وهذا يستحيل على الله عزوجل بل معرفته للأحكام لا تكون إلا يقينية، وكذا أن المعرفة انكشاف بعد لبس وهذا يستحيل في حقه تعالى. قال المرداوي في "التحبير" (١/ ٢٣٧): (لا يوصف بأنه عارف؛ لأن المعرفة قد تكون علماً مستحدثاً، والله تعالى محيط علمه بجميع الأشياء على حقائقها على ما هي عليه، وهو صفة من صفاته، وهو قديم، وحكي إجماعاً. قال ابن حمدان في ' نهاية المبتدئين ': (علم الله تعالى لا يسمى معرفة، حكاه القاضي إجماعاً). وخالف الكرامية فقالوا: يوصف بأنه عارف لاتحاد العلم والمعرفة. وقال القاضي من أصحابنا في ' المعتمد ': (يجوز وصفه تعالى بأنه عارف). قلت: ومرادهم - والله أعلم -: أن المعرفة كالعلم، فكما أنه يوصف بالعلم يوصف عند هؤلاء بالمعرفة، وليس مرادهم بالمعرفة في حقه: التي هي مستحدثة بعد أن لم تكن، وإن هذا لا يقوله أحد من أهل السنة، إنما ينسب إلى الرافضة ... وحكي عن ابن الباقلاني: اتحاد العلم والمعرفة، ثم وجدته في ' المصباح المنير ' قاله، فإنه قال: (قال النيلي (لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال:

стр. 63

٦٠]، أي: لا تعرفونهم الله يعرفهم، قال: فإن قلت: لا تطلق المعرفة على الله؛ لأنها توهم سابقة الجهل، قلت: سابقة الجهل إنما تكون فيمن يصح عليه الجهل) انتهى. وهو كما قلنا، وقد تقدم عند قولنا: (إن العلم يأتي بمعنى المعرفة): أن البرماوي وغيره استدلوا لذلك بآيات كثيرة أن العلم من الله بمعنى المعرفة، فليعاود، ومرادهم ما قلنا). وقال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في "معجم المناهي اللفظية": (بسط ابن القيم - رحمه الله تعالى - في: ((مدارج السالكين)) منزلة المعرفة، مبيناً حقيقتها، والفروق بينها وبين العلم ... وفي ((بدائع الفوائد)) عقد فائدة بديعة ذكر فيها حقيقة العلم والمعرفة، ثم قال: (إذا عرف هذا فقال بعض المتكلمين: لا يضاف إلى الله سبحانه إلا العلم لا المعرفة؛ لأن علمه متعلق بالأشياء كلها مركبها ومفردها تعلقاً واحداً بخلاف علم المحدثين، فإن معرفتهم بالشيء المفرد وعلمهم به غير علمهم ومعرفتهم لشيء آخر. وهذا بناء منه على أن الله تعالى يعلم المعلومات كلها بعلم واحد، وأن علمه بصدق رسول الله ﷺ هو عين علمه بكذب مسيلمة. والذي عليه محققو النظار خلاف هذا القول، وأن العلوم متكاثرة متغايرة بتكثر المعلومات وتغايرها فلكل معلوم علم يخصه. ولإبطال قول أُولئك وذكر الأدلة الراجحة على صحة قول هؤلاء مكان هو أليق به. وعلى هذا فالفرق بين إضافة العلم إليه تعالى وعدم إضافة المعرفة لا ترجع إلى الإفراد والتركيب في متعلق العلم وإنما ترجع إلى نفس المعرفة ومعناها؛ فإنما في مجاري استعمالها إنما تستعمل فيما سبق تصوره من نسيان أو ذهول، أو عزوب عن القلب، فإذا حصل وتصور في الذهن قيل: عرفه، أو وصف له صفته ولم يره، فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه قيل: عرفه ألا ترى أنك إذا غاب عنك وجه الرجل ثم رأيته بعد زمان فتبينت أنه هو؛ قلت: عرفته؟ وكذلك عرفت اللفظة، وعرفت الديار، وعرفت المنزل، وعرفت الطريق. وسر المسألة: أن المعرفة لتمييز ما اختلط فيه المعروف بغيره فاشتبه، فالمعرفة تمييز له وتعيين، ومن هذا قوله تعالى: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [البقرة:

стр. 64

١٤٦]، [الأنعام: ٢٠] فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته، وجاء (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر. فتأمله، وقد بسطنا هذا في كتاب: التحفة المكية، وذكرنا فيها من الأسرار والفوائد ما لا يكاد يشتمل عليه مصنف .. ). وانظر: روضة المحبين في العارفين بالله. وفي: شأن الدعاء للخطابي قال: (وفي أسمائه: العليم، ومن صفته العلم، فلا يجوز قياساً عليه أن يسمى: عارفاً؛ لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء). وفي إضاءة الراموس: (ومن الفروق أن المعرفة ما يحصل بعد الجهل بخلاف العلم، ومن ثم لم يرد في صفات الله: عارف). وقد صحَّ قوله ﷺ : ((تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة))، لكن لا يشتق من كل فعل لله: اسم له، أو صفة له سبحانه). الفائدة الثالثة - تقسيم الدين إلى أصول وفروع: قال الشيخ في الشرح (ص/٢٣): (وعدلنا عما يعبر به كثير من الأصوليين: "معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها التفصيلية" (١)؛ لأن شيخ الإسلام- ﵀ أنكر أن تنقسم أحكام الإِسلام إلى أصل وفرع، وقال: إن هذا التقسيم بدعة ولا أصل له في كلام اللَّه ولا كلام رسوله، قال: لأن هؤلاء يجعلون الصلاة مثلاً من الفروع، وهي من أصل الأصول، فكيف نقول: أصول وفروع؟! من جاء بهذا التقسيم؟! ولهذا عدلنا فقلنا: "عملية"). جرت عادة العلماء بالتفريق بين مسائل الدين فيعتبرون بعضها أصولا، وبعضها فروعا (٢)، وبنى البعض على هذا التفريق عدة مسائل منها: التفريق في

стр. 65

العذر بالجهل والخطأ وغيره من العوارض في الفروع، دون الأصول، وجواز التقليد في مسائل الفروع دون الأصول، وقبول خبر الآحاد في الفروع دون الأصول. وقد نقل عن ابن تيمية نقولا كثيرة في رد هذا التقسيم وتبديعه، ومن تتبع كلامه في هذا التقسيم يجد أنه قد استخدامه في عدة مواضع من كتبه، وعليه فلابد من تحرير مذهبه في التفريق بين الأصول والفروع. تحرير مذهب ابن تيمية في التفريق بين الأصول والفروع: من تتبع كلام تقي الدين في هذا التقسيم وجد أنه لا ينكره، بل إنه قد استعمله في عدة مواضع في كتبه ... قال في "مجموع الفتاوى" (٢/ ٨): (الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين وفروعه في الدلائل والمسائل بأكمل المناهج). وقال في (٤/ ١٧٠): (تجد أحدهم - أي: أهل الجهل والضلال - يتكلم في أصول الدين وفروعه بكلام من كأنه لم ينشأ في دار الإسلام ولا سمع ما عليه أهل العلم والإيمان ولا عرف حال سلف هذه الأمة ... ). وقال في (١٠/ ٣٦٣): (فمن بنى الكلام في العلم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة وهذه طريق أئمة الهدى). قال الشيخ سعد الشثري في رسالته "الأصول والفروع" (ص/١٤٧) عندما عرض لموقف شيخ الإسلام من مسألة اشتمال الشريعة على أصول وفروع، وبعد تتبع كلامه في مؤلفاته: (وعند تأمل هذه المواقف يظهر احتمالات في تفسيرها:

стр. 66

الأول: أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يرى التفريق بين الأصول والفروع أولا، ويحكي المذاهب في ضابط التفريق ويختار أحدها في وقت ثم يختار رأيا ثانيا في وقت آخر ثم ترجح لديه عدم التفريق بينهما (١). الثاني: أنه كان يعبر بالأصول والفروع عن أحكام الشرع من أجل إفهام غيره بمراده، ويبين آراء الناس فيما يسمى أصولا، وما يسمى فروعا، وينكر نسبة التفريق بينهما إلى الشرع ... فيكون إنكاره للتفريق لأنه الصواب عنده وتعبيره بالأصول والفروع من باب مخاطبة القوم باصطلاحهم. الثالث: أن تعبيره بالأصول والفروع وذكره آراء الناس فيما يسمى أصولا وفروعا منطلق من كون هذه قضية اصطلاحية لا يترتب عليها أحكام شرعية، وينكر نسبة التفريق إلى الشرع بحيث يترتب على هذا التفريق أحكام شرعية. والفرق بين الاحتمال الثاني والثالث أنه في الاحتمال الثالث يصح عنده أن يقال الدين فيه مسائل أصول ومسائل فروع ابتداء، أما في الاحتمال الثاني فلا يصح أن يقال ذلك إلا من قبيل مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم). وأما قوله: (أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يرى التفريق بين الأصول والفروع أولا، ويحكي المذاهب في ضابط التفريق ويختار أحدها في وقت ثم يختار رأيا ثانيا في وقت آخر ثم ترجح لديه عدم التفريق بينهما). فلا دليل عليه، كما أنه لا يمكن إثبات المتقدم من المتأخر من كلامه، وسوف أعرض لبعض الضوابط في التفريق من كلام ابن تيمية، فيحمل إنكاره للتفريق على عدم انضباط بعض وجوه التفريق بينهما نظرا للوازمها الفاسدة (٢).

стр. 67

قال في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٠٧): (قالوا والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره. قالوا: والفرق بين ذلك في مسائل الأصول والفروع كما أنها محدثة في الإسلام لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة فهي باطلة عقلا فان المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة. فمنهم من قال: مسائل الأصول هي العلمية الاعتقادية التي يطلب فيها العلم والاعتقاد فقط ومسائل الفروع هي العملية التي يطلب فيها العمل قالوا وهذا فرق باطل فان المسائل العملية فيها ما يكفر جاحده مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصوم شهر رمضان وتحريم الزنى والربا والظلم والفواحش وفى المسائل العلمية مالا يأثم المتنازعون فيه كتنازع الصحابة هل رأى محمد ربه ... وكتنازعهم في بعض الكلمات هل هي من القرآن أم لا ... ونحو ذلك فليس في هذا تكفير ولا تفسيق ... ومنهم من قال: المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي قال أولئك وهذا الفرق خطأ أيضا فان كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعي بالإجماع كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قُدَامَة ورأوا أنها حلال لهم ولم تكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا ... وقد زنت على عهد عمر امرأة فلما أقرت به قال عثمان إنها لتستهل به استهلال من لا يعلم أنه حرام فلما تبين للصحابة أنها لا تعرف التحريم لم يحدوها واستحلال الزنى خطأ قطعا ... قالوا: وأيضا فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي بحسب حال المعتقدين ليس هو وصفا للقول في نفسه فان الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو بالنقل

стр. 68

المعلوم صدقه عنده وغيره لا يعرف ذلك لا قطعا ولا ظنا وقد يكون الإنسان ذكيا قوى الذهن سريع الإدراك فيعرف من الحق ويقطع به مالا يتصوره غيره ولا يعرفه لا علما ولا ظنا، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة وبحسب قدرته على الاستدلال والناس يختلفون في هذا وهذا فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمة للقول المتنازع فيه حتى يقال كل من خالفه قد خالف القطعي بل هو صفة لحال الناظر المستدل المعتقد وهذا مما يختلف فيه الناس فعلم أن هذا الفرق لا يطرد ولا ينعكس. ومنهم من فرق بفرق ثالث وقال: المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل فكل مسألة علمية استقل العقل بدركها فهي من مسائل الأصول التي يكفر أو يفسق مخالفها والمسائل الفروعية هي المعلومة بالشرع قالوا فالأول كمسائل الصفات والقدر والثاني كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار. فيقال لهم: ما ذكرتموه بالضد أولى فان الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل ... ) (١). وعليه فيوجه ما ورد عن تقي الدين من ذكره لهذا التقسيم بأمور منها: ١ - أنه يذكره من باب إفهام الخصم بمراده. ٢ - أنه يقبله من ناحية أنه لا مشاحة في الاصطلاح مع رفضه للوازم الباطلة التي قد تترتب على بعض وجوه التفريق بينهما. ٣ - أنه فرق بينهما كما سيأتي - بإذن الله -. وأما إنكاره له فيحمل على بعض الوجوه الضعيفة في التفريق نظرا لما يترتب عليها من أحكام شرعية فاسدة كنحو قولهم: أن العاجز عن معرفة الحق في مسائل الأصول غير معذور، بخلاف مسائل الفروع فيعذر فيها بجهله، وقولهم: أنه لا يجوز التقليد في مسائل الأصول بل يجب تحصيلها بالاعتماد على النظر والفكر (٢)، وقبولهم لخبر الآحاد في الفروع دون الأصول.

стр. 69

تفريق ابن تيمية بين الأصول والفروع: والذي يترجح (١) في ضابط التمييز بين الأصول والفروع، هو أن كل ما كان جليلا من المسائل، فهو من الأصول. وما كان دقيقا منها فهو من الفروع علميا كان أو عمليا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٦/ ٥٦): (بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين - أي العلمي والعملي - مسائل أصول والدقيق مسائل فروع. فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر). قال عبد الرزاق معاش (ص/٣٦٧): (وعلى هذا الأساس جاءت مباحث هذا الباب مشتملة على المسائل الجليلة من مسائل العلم والعمل، فاشتملت على التوحيد وأنواعه والولاء والبراء، والمعلوم من الدين بالضرورة. وكل هذه المسائل متعلق إما بالعلميات أو بالعمليات، أو بهما جميعا، وكلها جليلة، فتكون من المسائل الأصول ... ). لا مشاحة في الاصطلاح: قال الشيخ العثيمين في " القول المفيد" (٢/ ٤٩٢) بعد أن نقل نحوا مما سبق ذكره عنه من إنكار ابن تيمية لهذا التقسيم: (ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة; فكل الدين أصول; لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة; فهذه عقيدة سابقة على العمل (٢)، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله

стр. 70

بها. والصحيح أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف; فليس بمقبول مطلقا). وكما سيأتي ونصطلح على تخصيص علم الفقه بالعمليات، فلا مشاحة في الاصطلاح على أن نسمى مسائل الاعتقاد بعلم أصول الدين شريطة ألا يترتب عليه مخالفة لنص شرعي وألا يتضمّن مخالفةً لأحد الأمور المقررة عند أهل العلم فإنه حينئذٍ يشاحح فيه ولا يقبل. ولتعلم أن لعلم العقيدة مسميات كثيرة عند: أهل السنة ومن ذلك أنهم أطلقوا عليه: السنة، والتوحيد، والشريعة، وأطلق عليه أهل الكلام؟: علم الكلام، وقد توسط البعض فأطلقوا عليه أصول الدين. قال الشيخ صالح آل الشيخ في "شرح العقيدة الطحاوية": ((أصول الدِّين) يُعبَّرُ بها عن العقيدة لأنَّ التعبير عن العقيدة صار فيه اشتراك. فيُعَبَّر عنها -عن العقيدة- عند أهل الحديث بما ذكرنا لك من العبارات: العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة، وعَبَّرَ عنها المخالفون بِعِلْمِ الكلام. والذين تركوا الفلسفة وما أصَّلَهُ علماء الكلام في بيان العقيدة إلى ما دَلَّ عليه كلام مُعَظَّمِيهم كالأشعري والماتريدي عَدَلُوا عن (علم الكلام) إلى (أصول الدين). لأنَّ كلمة أصول الدين فيها مخالفة للفظ علم الكلام المذموم، وفيها تَوَسُطْ ما بين الألفاظ الشرعية (السنة، العقيدة، التوحيد، الشريعة) وما بين قولهم: علم الكلام، فأَتوا بهذا اللفظ الذي هو بيْن اللفظين. ولهذا نقول هذا اللفظ إن كان دليله ومَأخَذُهُ هو مَأْخَذْ التوحيد والسنة والعقيدة والشريعة فلا بأس باستعماله، ولهذا يستعمله أهل السنة والجماعة، ويريدون به المعنى الصحيح وهو أنَّ (أصول الدين) المقصود بها أصول الإيمان الستة وما يَنْدَرِجُ في ذلك من المسائل الأصلية والتّبَعِيَّة. فكلمة (أصول الدين) كلمة مُرَكَّبَة مُضَافَةْ، ولذلك يقولون هي مُرِكَّبٌ إضافي؛ أُضيف فيه الأصل إلى الدين. و (أصول الدين) كلمة معناها العقيدة. يريدون بكلمة (أصول) ما يخالف الفروع وهي العمليات.

стр. 71

وإذا كان اللفظ محدثا أو مُصطَلحاً عليه فنقول لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح إذا كان لم يختص به أهل البدع، فاستعمله طائفة من علماء الحديث والسنة ويعنون به ما دلت عليه الألفاظ الشرعية؛ العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة). فالخلاصة أنه يقبل هذا التقسيم إن أردنا بذلك أن أصول الدين هي علم الاعتقاد، والفروع هي العمليات، وذلك لشرف هذا العلم لاشتماله على الركن الأكبر من شروط قبول الأعمال وهو الإيمان بالله، ولاشتماله على التوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل وهو سابق على باقي الشرائع فهو أول ما يبدأ به الرسول دعوة قومهم، مع الأخذ في الاعتبار أن مسائل هذا العلم منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، ومنها ما هو ظني فيهما، أو في أحدهما،، وان بعض هذه المسائل يعذر فيها بالجهل، إلى غير ذلك من عدم قبول اللوازم الباطلة التي من أجلها نفى شيخ الإسلام هذا الاصطلاح. تنبيهات: بالنظر إلى تعريف الماتن للفقه (معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية) نلحظ أمورا وهي: الأول - الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها: جعل الشيخ الفقه هو المعرفة لا المعروف، والصواب أن الفقه هو نفس الأحكام الثابتة في نفسها سواء وجد من يعرفها أو لم يوجد فالمعرفة ليست هي الفقه. قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٦٣) وهو يستعرض الأقوال في تعرف الفقه: (القول الثاني -: إنه نفس الأحكام الشرعية الفرعية، وهو أظهر، واختاره ابن مفلح، وابن قاضي الجبل، والعسقلاني شارح ' الطوفي '، وجمع كثير، لا معرفتها ولا العلم بها، إذ العلم أو المعرفة بالفقه غير الفقه، فلا يكون داخلاً في ماهيته، وما ليس داخلاً في الماهية لا يكون جنساً في حده). الثاني - موضوع علم الفقه: قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٣٣): (موضوع كل علم" شرعيا كان أو عقليا "ما" أي الشيء الذي "يُبحث فيه" أي في ذلك العلم "عن عوارضه" أي عوارض موضوعه "الذاتية" أي الأحوال العارضة للذات، دون العوارض اللاحقة

стр. 72

لأمر خارج عن الذات، فموضوع علم الطب مثلا: هو بدن الإنسان، لأنه يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، وموضوع علم النحو: الكلمات، فإنه يبحث فيه عن أحوالها من حيث الإعراب والبناء، وموضوع علم الفرائض: التركات، فإنه يبحث فيه من حيث قسمتها ... إذا علمت ذلك: فالعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لما هو هو - أي لذاته- كالتعجب اللاحق لذات الإنسان، أو تلحق الشيء لجزئه، كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان "بواسطة أنه حيوان، أو تلحقه بواسطة أمر خارج عن المعروض مساو للمعروض، كالضحك العارض للإنسان" بواسطة التعجب ... ). قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٤٣): (موضوع الفقه: أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها). قال الغزالي في "معيار العلم": (موضوع الفقه أفعال المكلفين من جهة ما ينهى عنها أو يؤمر بها أو يباح أو يندب أو يكره). الثالث: قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٦٧): (فخرج بقوله: العلم بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال. قال العلماء: (لا بد للعلم من معلوم، وذلك المعلوم إن لم يكن محتاجاً إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج؛ فإن كان سبباً بين الأفعال والذوات فهو الحكم، وإلا فهو الصفة كالحمرة والسواد)). ولكن في إطلاق خروج الصفات إشكال، وهو ما سوف نتعرض له بإذن الله في التنبيه التالي. الرابع - إشكال في إطلاق خروج الصفات: لكن في إطلاق خروج الصفات إشكال وذلك أن الحكم الشرعي خطاب الله تعالى وخطابه تعالى كلامه وكلامه صفة من جملة صفاته فيلزم من إخراج الصفات إخراج الفقه وهو المقصود بالحد (١). والجواب أن هذا الإشكال مبنى على أن الحكم المذكور في تعريف الفقه هو الحكم الشرعي، الذي هو خطاب الله، وصفة من صفاته، وليس هذا هو المراد هنا،

стр. 73

وإنما المراد هنا مطلق الحكم الاصطلاحي من مجرد النسبة بين أمر وأمر بالنفي، أو الإثبات. وعلى فرض دخول الحكم الشرعي الذي هو خطاب الله فإنه لا يصح خروجه، بل يقيد المخرج من الصفات بصفات العباد دون صفة الكلام لرب العباد. قال المطيعي في "حاشيته على نهاية السول" (١/ ٢٣): (قال الأسنوي «لكن في إطلاق خروج الصفات أشكال الخ». أقول هذا الإشكال مبني على أن المراد بالأحكام في تعريف الفقه جمع الحكم الذي هو الخطاب الشرعي الخ وهو معناه في اصطلاح الأصوليين وهو خلاف الحق والحق أن المراد بالأحكام في تعريف الفقه النسب التامة مطلقا ولذلك فسرها الجلال المحلى في شرح على جمع الجوامع بالنسب التامة الشاملة للشرعية وغير الشرعية كما فسر قيد الشرعية بالمأخوذة من الشرع وفسر الشرع بالأدلة السمعية المبعوث بها النبي الكريم فجعل العلم في التعريف شاملا للتصور والتصديق وعمم في الأحكام فجعلها بمعنى النسب التامة الشاملة للعقلية والشرعية والنفسية والحسية فتكون قيدا مستقلا يخرج به التصورات وتكون الشرعية قيدا آخر أخرج به العلم بالنسب التامة التي ليست بشرعية وبقيد العملية يخرج النسب الشرعية الاعتقادية وبقيد المكتسب الذي هو وصف للعلم يخرج علم الله وعلم جبريل وعلم نبينا ﷺ ... ). الخامس - قوله: (بأدلتها التفصيلية): وغالب من عرف الفقه من الحنابلة وغيرهم إذا ذكر هذا الحد صاغه بقوله: (عن أدلتها التفصيلية) وبينهما فرق: فقول الشيخ: (بأدلتها التفصيلية) يستلزم أن يكون الفقيه عارفا الحكم بدليله، ولكنه لا يستلزم أن يدرى وجه استنباطه. وأما قول: (عن أدلتها التفصيلية) فإنه لا يستلزم أن يكون الفقيه عارفا بالدليل، ولكنه أقرب لاستلزامه أن يكون عارفا لوجه استنباط الحكم عن الدليل. علم الله: وعليه فهذا القيد الذي ذكره الشيخ لا يمنع من دخول علم الله فالله يعرف الحكم بدليله .

стр. 74

ولا يرد على هذا ما سبق ذكره من أن الله لا يصح تسميته بالعارف فلا يدخل في هذا التعريف لضعف هذه الملازمة فلا يستلزم من الإخبار عن الله تعالى بأنه يعرف الحكم بدليله أن نسميه عارفا، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. علم الرسول: علم الرسول قسمان ما أكتسبه عن طريق الوحي والثاني ما اكتسبه بالاجتهاد، وسوف يأتي - بإذن الله - في باب الاجتهاد بيان أن النبي ﷺ يجتهد، فأما الأول فقد يدخل في الحد من وجه دون الآخر؛ لأن الوحي قد يخبر النبي بالحكم دون الدليل، وقد يخبره بالحكم بالدليل، وأما علم النبي ﷺ عن طريق الاجتهاد فهو داخل في التعريف ولا محالة. علم الملائكة: قد تتحمل الملائكة الحكم عن الله أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك دون دليله، أو بدليله، فالأول لا يدخل والثاني يدخل. علم المقلد: والمقلد قد يعرف بعض الأحكام مع أدلتها فيدخل في الحد. وكل ما قلت عليه أنه داخل في الحد فهو مما يجعل الحد غير مانع. مما سبق يظهر أنه لابد من إضافة قيد (المكتسبة) أي: المستنبطة عن طريق النظر والاستدلال ليخرج علم الله عزوجل فهو علم لازم لذاته لم يكتسبه. وليخرج علم الرسول ﷺ فهو علم مستفاد من الوحي غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال. ويخرج علم الملائكة فهو علم مستفاد من وحي الله إليهم، أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك، فهو غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال. ويخرج أيضا علم المقلد؛ لأنه لم يكتسبه عن طريق النظر والاستدلال. السادس - (وهو مؤكد للأول من لزوم إضافة القيد السابق) إننا لو نظرنا إلى قول الشيخ (معرفة الأحكام) بأنه إن أراد به بعض الأحكام، دخل المقلد في الفقه، لأن كثيرا من المقلدين يعلم بعض الأحكام، مع أنه ليس بفقيه، فيكون الحد المذكور غير مانع، وإن أراد العلم بجميع الأحكام، لم يكن الحد جامعا، بل لم يوجد فقه ولا فقيه، إذ

стр. 75

جميع الأحكام لا يحيط بها بشر؛ لأن الأئمة الأربعة وغيرهم سئلوا عن بعض الأحكام، فقالوا: لا ندري. وجوابه: أن لنا التزام كل واحد من القسمين، فإن التزمنا أن المراد العلم ببعض الأحكام، فالمراد العلم بها بأدلتها وأماراتها ووجه استفادتها منها، والمقلد لا يعلم بعض الأحكام كذلك، فلا يدخل في الحد، فيكون مانعا. وإن التزمنا أن المراد العلم بجميع الأحكام، فالمراد العلم بجميعها بالقوة القريبة من الفعل، والمراد بذلك تهيؤه، يعني تهيؤ المجتهد للعلم بالجميع لأهليته للاجتهاد والاستنباط، لما عنده من الاستعداد بمعرفة أدلة الأحكام، ووجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الأحكام منها. والحاصل أنه ليس المعتبر أن يكون عالما بجميع الأحكام بالفعل، أعني يستحضرها في الحال، بل بعضها بالفعل والاستحضار، وبعضها بالقوة، بمعنى أنه يمكنه معرفتها بعرضها على أدلة الشرع التي قد استعد بمعرفتها لذلك، وهي ملكة الاستنباط، وحينئذ لا يلزم من العلم بها العلم بجميعها بالفعل، فلا يضر قول الأئمة: لا ندري في جواب ما سئلوا عنه من الأحكام، مع تمكنهم من علم ذلك بالاجتهاد قريبا، أي: على قرب من الزمان. بخلاف المقلد، فإنه لا يمكنه معرفة حكم لا يستحضره قريبا ولا بعيدا. وعليه فيكون تعريف الشيخ للفقه اصطلاحا: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية). وقد سبق بيان أن الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها فيكون تعريف الفقه المختار هو: (الأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية). تعريف أصول الفقه كلقب . قال الشيخ: (الثاني: باعتبار كونه لقباً، فيعرف بأنه: " علم يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد "). شرح التعريف، قوله " الإجمالية " أي غير المعينة، تسمى أيضا الكلية وهي كالقواعد العامة مثل قولهم: الأمر للوجوب والنهي للتحريم، وكالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وكالكتاب والسنة، ونحو ذلك، والأدلة الإجمالية خلاف التفصيلية التي سبق وأن تكلمنا عنها في تعريف الفقه.
следующие страницы →