← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإذا كان اللفظ محدثا أو مُصطَلحاً عليه فنقول لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح إذا كان لم يختص به أهل البدع، فاستعمله طائفة من علماء الحديث والسنة ويعنون به ما دلت عليه الألفاظ الشرعية؛ العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة). فالخلاصة أنه يقبل هذا التقسيم إن أردنا بذلك أن أصول الدين هي علم الاعتقاد، والفروع هي العمليات، وذلك لشرف هذا العلم لاشتماله على الركن الأكبر من شروط قبول الأعمال وهو الإيمان بالله، ولاشتماله على التوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل وهو سابق على باقي الشرائع فهو أول ما يبدأ به الرسول دعوة قومهم، مع الأخذ في الاعتبار أن مسائل هذا العلم منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، ومنها ما هو ظني فيهما، أو في أحدهما،، وان بعض هذه المسائل يعذر فيها بالجهل، إلى غير ذلك من عدم قبول اللوازم الباطلة التي من أجلها نفى شيخ الإسلام هذا الاصطلاح. تنبيهات: بالنظر إلى تعريف الماتن للفقه (معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية) نلحظ أمورا وهي: الأول - الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها: جعل الشيخ الفقه هو المعرفة لا المعروف، والصواب أن الفقه هو نفس الأحكام الثابتة في نفسها سواء وجد من يعرفها أو لم يوجد فالمعرفة ليست هي الفقه. قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٦٣) وهو يستعرض الأقوال في تعرف الفقه: (القول الثاني -: إنه نفس الأحكام الشرعية الفرعية، وهو أظهر، واختاره ابن مفلح، وابن قاضي الجبل، والعسقلاني شارح ' الطوفي '، وجمع كثير، لا معرفتها ولا العلم بها، إذ العلم أو المعرفة بالفقه غير الفقه، فلا يكون داخلاً في ماهيته، وما ليس داخلاً في الماهية لا يكون جنساً في حده). الثاني - موضوع علم الفقه: قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٣٣): (موضوع كل علم" شرعيا كان أو عقليا "ما" أي الشيء الذي "يُبحث فيه" أي في ذلك العلم "عن عوارضه" أي عوارض موضوعه "الذاتية" أي الأحوال العارضة للذات، دون العوارض اللاحقة

стр. 72

لأمر خارج عن الذات، فموضوع علم الطب مثلا: هو بدن الإنسان، لأنه يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، وموضوع علم النحو: الكلمات، فإنه يبحث فيه عن أحوالها من حيث الإعراب والبناء، وموضوع علم الفرائض: التركات، فإنه يبحث فيه من حيث قسمتها ... إذا علمت ذلك: فالعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لما هو هو - أي لذاته- كالتعجب اللاحق لذات الإنسان، أو تلحق الشيء لجزئه، كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان "بواسطة أنه حيوان، أو تلحقه بواسطة أمر خارج عن المعروض مساو للمعروض، كالضحك العارض للإنسان" بواسطة التعجب ... ). قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٤٣): (موضوع الفقه: أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها). قال الغزالي في "معيار العلم": (موضوع الفقه أفعال المكلفين من جهة ما ينهى عنها أو يؤمر بها أو يباح أو يندب أو يكره). الثالث: قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٦٧): (فخرج بقوله: العلم بالأحكام: العلم بالذوات والصفات والأفعال. قال العلماء: (لا بد للعلم من معلوم، وذلك المعلوم إن لم يكن محتاجاً إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج؛ فإن كان سبباً بين الأفعال والذوات فهو الحكم، وإلا فهو الصفة كالحمرة والسواد)). ولكن في إطلاق خروج الصفات إشكال، وهو ما سوف نتعرض له بإذن الله في التنبيه التالي. الرابع - إشكال في إطلاق خروج الصفات: لكن في إطلاق خروج الصفات إشكال وذلك أن الحكم الشرعي خطاب الله تعالى وخطابه تعالى كلامه وكلامه صفة من جملة صفاته فيلزم من إخراج الصفات إخراج الفقه وهو المقصود بالحد (١). والجواب أن هذا الإشكال مبنى على أن الحكم المذكور في تعريف الفقه هو الحكم الشرعي، الذي هو خطاب الله، وصفة من صفاته، وليس هذا هو المراد هنا،

стр. 73

وإنما المراد هنا مطلق الحكم الاصطلاحي من مجرد النسبة بين أمر وأمر بالنفي، أو الإثبات. وعلى فرض دخول الحكم الشرعي الذي هو خطاب الله فإنه لا يصح خروجه، بل يقيد المخرج من الصفات بصفات العباد دون صفة الكلام لرب العباد. قال المطيعي في "حاشيته على نهاية السول" (١/ ٢٣): (قال الأسنوي «لكن في إطلاق خروج الصفات أشكال الخ». أقول هذا الإشكال مبني على أن المراد بالأحكام في تعريف الفقه جمع الحكم الذي هو الخطاب الشرعي الخ وهو معناه في اصطلاح الأصوليين وهو خلاف الحق والحق أن المراد بالأحكام في تعريف الفقه النسب التامة مطلقا ولذلك فسرها الجلال المحلى في شرح على جمع الجوامع بالنسب التامة الشاملة للشرعية وغير الشرعية كما فسر قيد الشرعية بالمأخوذة من الشرع وفسر الشرع بالأدلة السمعية المبعوث بها النبي الكريم فجعل العلم في التعريف شاملا للتصور والتصديق وعمم في الأحكام فجعلها بمعنى النسب التامة الشاملة للعقلية والشرعية والنفسية والحسية فتكون قيدا مستقلا يخرج به التصورات وتكون الشرعية قيدا آخر أخرج به العلم بالنسب التامة التي ليست بشرعية وبقيد العملية يخرج النسب الشرعية الاعتقادية وبقيد المكتسب الذي هو وصف للعلم يخرج علم الله وعلم جبريل وعلم نبينا ﷺ ... ). الخامس - قوله: (بأدلتها التفصيلية): وغالب من عرف الفقه من الحنابلة وغيرهم إذا ذكر هذا الحد صاغه بقوله: (عن أدلتها التفصيلية) وبينهما فرق: فقول الشيخ: (بأدلتها التفصيلية) يستلزم أن يكون الفقيه عارفا الحكم بدليله، ولكنه لا يستلزم أن يدرى وجه استنباطه. وأما قول: (عن أدلتها التفصيلية) فإنه لا يستلزم أن يكون الفقيه عارفا بالدليل، ولكنه أقرب لاستلزامه أن يكون عارفا لوجه استنباط الحكم عن الدليل. علم الله: وعليه فهذا القيد الذي ذكره الشيخ لا يمنع من دخول علم الله فالله يعرف الحكم بدليله .

стр. 74

ولا يرد على هذا ما سبق ذكره من أن الله لا يصح تسميته بالعارف فلا يدخل في هذا التعريف لضعف هذه الملازمة فلا يستلزم من الإخبار عن الله تعالى بأنه يعرف الحكم بدليله أن نسميه عارفا، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. علم الرسول: علم الرسول قسمان ما أكتسبه عن طريق الوحي والثاني ما اكتسبه بالاجتهاد، وسوف يأتي - بإذن الله - في باب الاجتهاد بيان أن النبي ﷺ يجتهد، فأما الأول فقد يدخل في الحد من وجه دون الآخر؛ لأن الوحي قد يخبر النبي بالحكم دون الدليل، وقد يخبره بالحكم بالدليل، وأما علم النبي ﷺ عن طريق الاجتهاد فهو داخل في التعريف ولا محالة. علم الملائكة: قد تتحمل الملائكة الحكم عن الله أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك دون دليله، أو بدليله، فالأول لا يدخل والثاني يدخل. علم المقلد: والمقلد قد يعرف بعض الأحكام مع أدلتها فيدخل في الحد. وكل ما قلت عليه أنه داخل في الحد فهو مما يجعل الحد غير مانع. مما سبق يظهر أنه لابد من إضافة قيد (المكتسبة) أي: المستنبطة عن طريق النظر والاستدلال ليخرج علم الله عزوجل فهو علم لازم لذاته لم يكتسبه. وليخرج علم الرسول ﷺ فهو علم مستفاد من الوحي غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال. ويخرج علم الملائكة فهو علم مستفاد من وحي الله إليهم، أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك، فهو غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال. ويخرج أيضا علم المقلد؛ لأنه لم يكتسبه عن طريق النظر والاستدلال. السادس - (وهو مؤكد للأول من لزوم إضافة القيد السابق) إننا لو نظرنا إلى قول الشيخ (معرفة الأحكام) بأنه إن أراد به بعض الأحكام، دخل المقلد في الفقه، لأن كثيرا من المقلدين يعلم بعض الأحكام، مع أنه ليس بفقيه، فيكون الحد المذكور غير مانع، وإن أراد العلم بجميع الأحكام، لم يكن الحد جامعا، بل لم يوجد فقه ولا فقيه، إذ

стр. 75

جميع الأحكام لا يحيط بها بشر؛ لأن الأئمة الأربعة وغيرهم سئلوا عن بعض الأحكام، فقالوا: لا ندري. وجوابه: أن لنا التزام كل واحد من القسمين، فإن التزمنا أن المراد العلم ببعض الأحكام، فالمراد العلم بها بأدلتها وأماراتها ووجه استفادتها منها، والمقلد لا يعلم بعض الأحكام كذلك، فلا يدخل في الحد، فيكون مانعا. وإن التزمنا أن المراد العلم بجميع الأحكام، فالمراد العلم بجميعها بالقوة القريبة من الفعل، والمراد بذلك تهيؤه، يعني تهيؤ المجتهد للعلم بالجميع لأهليته للاجتهاد والاستنباط، لما عنده من الاستعداد بمعرفة أدلة الأحكام، ووجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الأحكام منها. والحاصل أنه ليس المعتبر أن يكون عالما بجميع الأحكام بالفعل، أعني يستحضرها في الحال، بل بعضها بالفعل والاستحضار، وبعضها بالقوة، بمعنى أنه يمكنه معرفتها بعرضها على أدلة الشرع التي قد استعد بمعرفتها لذلك، وهي ملكة الاستنباط، وحينئذ لا يلزم من العلم بها العلم بجميعها بالفعل، فلا يضر قول الأئمة: لا ندري في جواب ما سئلوا عنه من الأحكام، مع تمكنهم من علم ذلك بالاجتهاد قريبا، أي: على قرب من الزمان. بخلاف المقلد، فإنه لا يمكنه معرفة حكم لا يستحضره قريبا ولا بعيدا. وعليه فيكون تعريف الشيخ للفقه اصطلاحا: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية). وقد سبق بيان أن الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها فيكون تعريف الفقه المختار هو: (الأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية). تعريف أصول الفقه كلقب . قال الشيخ: (الثاني: باعتبار كونه لقباً، فيعرف بأنه: " علم يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد "). شرح التعريف، قوله " الإجمالية " أي غير المعينة، تسمى أيضا الكلية وهي كالقواعد العامة مثل قولهم: الأمر للوجوب والنهي للتحريم، وكالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وكالكتاب والسنة، ونحو ذلك، والأدلة الإجمالية خلاف التفصيلية التي سبق وأن تكلمنا عنها في تعريف الفقه.

стр. 76

فعلم الأصول إنما يبحث في هذه الأدلة الإجمالية، كمطلق الأمر، وكالإجماع والقياس فيبحث عن الأول بأنه للوجوب حقيقة أم للاستحباب، وعن الأخيرين بأنهما حجة أم لا، ويبين أقسامهما. قوله: " وكيفية الاستفادة منها " يعني أن الأصولي يضع القواعد التي عن طريقها يستطيع الفقيه معرفة كيف يستفيد الأحكام من أدلتها الجزئية أو التفصيلية، فيبين له أحكام الألفاظ ودلالاتها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وناسخ ومنسوخ وغير ذلك. قوله: " وحال المستفيد " معرفة حال المستفيد وهو المجتهد سمى مستفيداً لأنه يستفيد بنفسه الأحكام من أدلتها لبلوغه مرتبة الاجتهاد فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه. وأقرب عبارات الحنابلة لعبارة الشيخ هي عبارة صفي الدين الحنبلي في "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" (ص/٢١) حيث قال في تعريف الأصول: (معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد) وهذا أيضا تعريف الأرموي والبيضاوي الشافعيان وغيرهما، إلا أنه يؤخذ على هذا التعريف أنه عرف علم الأصول بأنه معرفة دلائل الفقه ... ، والأولى تعريفه بأنه نفس الأدلة لا معرفتها ولا العلم بها. قال المرداوي في التحبير (١/ ١٧٧): "الأصح أن أصول الفقه: الأدلة، لا معرفتها "، وقال أيضا: "إذ العلم والمعرفة بأصول الفقه غير أصول الفقه، فلا يكون داخلاً في ماهيتها" (١). تنبيهات: من دقق النظر في عبارة الشيخ يجد: أولًا- أن عبارته ﵀ أقرب لتعريف الأصولي لا علم الأصول ، فالأصولي هو الذي يبحث عما ذكر وأما علم الأصول فهو الأدلة ذاتها.

стр. 77

ثانيًا - أنه جعل موضوع العلم (١) وهو: الأدلة، كالثمرة أو النتيجة أو الوظيفة لا نفس العلم. ثالثًا - قال الشيخ عياض السلمي في كتابه: " أصول الفقه الذي لا يسع الفقيهَ جهلُه" (ص/١٦): "عبر بلفظ الكيفية، وهي مصدر صناعي من الكيف، وليست فصيحة كما يقول أهل اللغة، والأولى أن يستعاض عنها بلفظ صفة". وجاء في "المعجم الوسيط": " (الكيفية) مصدر صناعي من لفظ كيف زيد عليها ياء النسب وتاء للنقل من الاسمية إلى المصدرية وكيفية الشيء حاله وصفته والكيفية إن اختصت بذوات الأنفس تسمى كيفية نفسانية كالعلم والحياة وإن كانت راسخة في موضعها تسمى ملكة وإلا سميت حالا كالكتابة فإنها في ابتدائها تكون حالا فإذا استحكمت صارت ملكة". وعليه فالأولى في تعريف أصول الفقه كلقب أن نقول هو: (أدلة الفقه الإجمالية وطرق (٢) استفادة جزئياتها وحال مستفيدها) (٣).

стр. 78

فائدة أصول الفقه قال الشيخ: (فائدة أصول الفقه: التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أسس سليمة). هذه العبارة من الشيخ جامعة لعدة فوائد وقد فصل فوائد أصول الفقه محمد الحبش في شرحه على المعتمد فقال ما محصله: الغاية الكبرى من هذا العلم الشريف وهي الوصول إلى رضا الله سبحانه وطاعة رسوله إذ لا يتوصل إلى ذلك إلا بعد معرفة أحكام المولى ، وقد ذكروا له من الفوائدِ ما لا يستطيع أحد إحصاءه: - فهو السبيل القويم للاجتهاد وذلك أن الاجتهاد في الإسلام محكوم بموازين دقيقة يجب اتباعها وإلا كان الاجتهاد بلا ضوابط لوناً من العبث. - ومن فوائده أنه أظهر مزايا التشريع الإسلامي وحيويته ومرونته وبه حفظ الله القرآن العظيم من العبث والتأول وحفظ الأحكام من الفوضى.

стр. 79

- ومن فوائده أنه يظهر مناهج الأئمة في استنباط الأحكام وبذلك ترتفع الشحناء من النفوس ويعذر المسلم إخوانه من المسلمين فيما اختاروه من مذاهب فقهية. - إن القواعد التي أَصَّلها العلماء للاستنباط هي أيضا منهج دقيق للتفكير السليم حيث توضع العبارات في موازين دقيقة تستنبط منها الأحكام الشرعية وهكذا فإنَّ علم الأصول يكسب الطالب ملكة التفكير الصحيح السليم. - فالقواعدُ الأصولية وحدها هي الكفيلة باستنباط أحكام شرعية لكل ما يستجد من القضايا خلال تطور الحياة وتنوع العقود والمعاملات والاكتشافات. - إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية ويردها إلى أصولها ويجمع المبادئ المشتركة ويبين أسباب التباين بينها ويظهر مبررات الاختلاف وهكذا فإنه يكون فيصلاً واضحاً يعتمده الفقيه والمجتهد في تقرير الأحكام. - ومن فوائده أنه يعتبر العماد الرئيس لمن يدرس المذاهب الإسلامية بقصد المقارنة والإفادة من اجتهاد الجميع. - وثامن هذه الفوائد هي أن يستبصر طالب العلم في اختلاف الأئمة في الفروع وما يعود به هذا الاختلاف على الفقه الإسلامي من ثراء ووفرة. أول من صنف فيه قال الشيخ: (وأول من جمعه كفن مستقل الإمام الشافعي ﵀. وقد صنف الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) عدة رسائل في ذلك، فصنف الرسالة قال الحبش: وهو عبارة عن محاولة أولى لتحديد طرق الاستنباط ومصادر التشريع وقد كتبه الإمام الشافعي أساساً رداً على جماعة منكري السنة الذين ظهروا في عصره فأثبت فيه حجية السنة ثم توسع فبين مصادر التشريع تفصيلاً ومناهج الاستدلال بها. وكذلك صنف الشافعي كتباً أخرى في الأصول منها: جماع العلم وهو كتاب قصد منه إثبات وجوب اتباع خبر الآحاد الصحيح وأقام الأدلة على ذلك. ثم كتب الإمام الشافعيُّ كتابين آخرين وهما: إبطال الاستحسان وكتاب اختلاف الحديث وكلاهما من الكتب المبكرة في علم أصول الفقه). - وقيل إن أبا يوسف (١٨٢ هـ) صاحب أبي حنيفة سبق الشافعي في ذلك فقال

стр. 80

ابن خلكان في "وفيات الأعيان": " وقال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض". - وقيل أن أول من صنف هو محمد بن الحسن الشيباني (١٨٩ هـ) وقد صرح ابن النديم في «الفهرست» بان للشيباني من مؤلفاته الكثيرة تأليف يسمى ب «أصول الفقه» وتأليف سماه «كتاب الاستحسان» وتأليف «كتاب اجتهاد الرأي». - وقيل أن أول من صنف هشام بن الحكم الرافضي توفي (١٧٩، وقيل ١٨٧، وقيل ١٩٨ - ١٩٩ هـ) وينسب إليه كتاب الألفاظ. ومن الملاحظ أن الشافعي تتلمذ على الشيباني والشيباني تتلمذ على أبي يوسف. الأحكام تعريف الحكم لغة: قال الشيخ: (الأحكام: جمع حكم وهو لغة القضاء). قال الفيومي: (الْحُكْمُ الْقَضَاءُ وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ يُقَالُ حَكَمْتُ عَلَيْهِ بِكَذَا إذَا مَنَعْته مِنْ خِلَافِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ وَحَكَمْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ فَصَلْتُ بَيْنَهُمْ فَأَنَا حَاكِمٌ وَحَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْجَمْعُ حُكَّامٌ وَيَجُوزُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ ... ) (١). قال المرداوي في التحبير (٢/ ٧٨٩): (اعلم أن الحكم مصدر قولك: حكم بينهم يحكم حكماً، إذا قضى، ومعناه في اللغة: المنع، وإليه ترجع تراكيب مادة: ح، ك، م، أو أكثرها، فمن ذلك: حكمت الرجل تحكيماً، إذا منعته مما أراد. وحكمت السفيه بالتخفيف -، وأحكمت، إذا أخذت على يده. وسمي القاضي: حاكماً؛ لمنعه الخصوم من التظالم).

стр. 81

تعريف الحكم اصطلاحاً: قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع). شرح التعريف (١): - ما اسم موصول بمعنى الذي أي هو الذي اقتضاه ... - الاقتضاء بمعني الطلب. - خطاب الشرع إما أن يكون مباشرا أو غير مباشر، فالأول الكتاب والثاني السنة. - أفعال أي أعمالهم سواء أكانت قولا أم فعلا أم إيجادا أم تركا، فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح. - المكلفين أي ما من شأنهم التكليف فيشمل الصغير والمجنون (ولنا وقفة مع هذا التعميم بعد قليل). - طلب يدخل فيه الأمر والنهي. الأمر: طلب للفعل (سواء أكان على سبيل اللزوم أم الأفضلية). النهي: طلب للترك (سواء أكان على سبيل اللزوم أم الأفضلية). - أو تخيير يعني أن المكلف مخير بين الفعل والترك. والمدقق في الأقسام الخمسة السابقة يلاحظ أن الأول هو الواجب إذ أن طلبه من للشارع للمكلف على سبيل الإلزام، والثاني هو المندوب، والثالث هو المحرم، والرابع هو المكروه، والخامس هو المباح (وهذه تسمى الأحكام الطلبية أو التكليفية). - أو وضع يعني الصحيح والفاسد ونحوهما مما وضعه الشارع من علامات وأوصاف للنفوذ والإلغاء (وهذه تسمى الأحكام الوضعية). توضيح: قال ابن النجار في " شرح الكوكب " (١/ ٣٣٥): " وخرج بقوله: "المتعلق بفعل المكلف" خمسة أشياء: الخطاب المتعلق بذات الله وصفته وفعله. وبذات المكلفين والجماد.

стр. 82

فالأول: ما تعلق بذاته، نحو قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: ١٨]. والثاني: ما تعلق بصفته، نحو قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: ٢٥٥]. الثالث: ما تعلق بفعله، نحو قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]. الرابع: ما تعلق بذات المكلفين، نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١]، وقوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء: ١]. الخامس: ما تعلق بالجماد. نحو قوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) [الكهف: ٤٧]، ونحوها". تنبيهات حول التعريف: التنبيه الأول: أن الشيخ حد الحكم الشرعي اصطلاحا مع أن ظاهر عبارته أنه يعرف مطلق الحكم اصطلاحا، وبينهما فرق. قال الشنقيطي في المذكرة (ص/٧): " الحكم في الاصطلاح هو (إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه) نحو زياد قائم وعمرو ليس بقائم وهو ينقسم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام: حكم عقلي وهو ما يعرف فيه (العقل) النسبة إيجابا أو سلباً نحو الكل أكبر من الجزء إيجابا، الجزء ليس أكبر من الكل سلباً. حكم عادى: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة نحو السقمونيا مسهل للصفراء والسكنجبين مسكن لها. حكم شرعي: وهو المقصود وحده جماعة من أهل الأصول بأنه ... ). وعليه فكان ينبغي أن يقول الشيخ تعريف الحكم الشرعي اصطلاحا، إلا أنه يغتفر عدم ذكر هذا القيد لأن الشرعي هو المقصود، فكأن الألف واللام في قوله (الحكم) للعهد الذهني. التنبيه الثاني: قوله (ما اقتضاه) صدر بها الشيخ تعريفه - سيرا على طريقة الفقهاء، وبعض

стр. 83

الأصوليين في تعريف الحكم - فهي كالجنس في التعريف، ومن فواصلها التي ذكرها الشيخ في التعريف: الطلب، والتخيير، والوضع. ومن تأمل هذه الفواصل مع الأخذ في الاعتبار تفسير الشيخ للاقتضاء بأنه الطلب، لاحظ الآتي: أ- فقوله في التعريف: (ما اقتضاه ... من طلب ... ) يكون تكرار ولا يصح أن يكون الفصل بنفس الجنس لما فيه من دور (١). ب - أن التخيير والوضع، ليس فيهما طلب فلا يصلحا أن يكونا فواصل للطلب، وقد يغتفر الأمر بالنسبة للمباح؛ للخلاف الوارد في دخوله في الأحكام الطلبية، أو على قول أن دخوله مسامحة لتكميل القسمة (٢). ويجاب عن هذا بأن من معاني الاقتضاء: الدلالة، قال الفيومي في " المصباح المنير": (اقْتَضَى الْأَمْرُ الْوُجُوبَ دَلَّ عَلَيْهِ) (٣). التنبيه الثالث: قال الشيخ العثيمين في شرح الأصول (ص/٣٩): (لو قلنا "بأعمال المكلفين"؛ لأن العمل هو الذي يشمل القول والفعل، والفعل يُؤتى به في مقابل القول بخلاف العمل. فالعمل يطلق على الفعل والقول، والقول مقابل الفعل. ففي الحقيقة لو إننا عكسنا لكان أولى).

стр. 84

أيهما أعم الفعل أم العمل ؟ وهذا الذي استدركه الشيخ على نفسه هو المشهور للمقابلة بين القول والفعل، فالعمل يجمعهما، وقد قال به جماعة من العلماء قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢١٤٤): (العمل يشمل القول والفعل). ويستدل لهذا القول بآيات كثيرة منها: قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) (١)، وقوله: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) (٢)، وقوله: (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (٣). وقال ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (١/ ٩): " رأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص الأعمال بما لا يكون قولا وأخرج الأقوال عن ذلك وفي هذا عندي بعد وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح نعم لو كان خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب فإنهم استعملوها متقابلين فقالوا الأفعال والأقوال". ويشكل على هذا الاستدراك قوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (قال رسول الله ﷺ إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به)، فجعل العمل قسيم القول. قال ابن رجب في "فتح الباري" (١/ ٦): "الفعل: من الناس من يقول: هو مرادف للعمل. ومنهم من يقول: هو أعم من العمل. فمن هؤلاء من قال: الفعل يدخل فيه القول وعمل الخوارج، والعمل لا يدخل فيه القول على الإطلاق". والمسألة خلافية وتوجيهات الأدلة فيها حمالة، والأقوال فيها محتملة. وبالنظر إلى صنيع أهل الأصول في تعريف الحكم نجد أنهم قد درجوا على استعمال لفظ "الفعل" بدلا من "العمل"، وعليه فلنتوقف في تعريف الحكم الشرعي على صنيعهم.

стр. 85

التنبيه الرابع: قال الشيخ في الشرح (ص/٤٠): (والمراد بقولنا " المكلفين" ما من شأنهم التكليف وإن كانوا في نفس الوقت غير مكلفين لوجود المانع فيشمل الصغير، والمجنون. س: وهل الصغير والمجنون يتعلق بأفعالهما حكم؟! ج: نعم، يتعلق بفعلهما حكم. س: فإن قلت: هل هم مكلفون؟ ج: نقول: نعم، هم مكلفون في الأصل، لكن وُجد مانع وهو الجنون والصغر، وإلا فإن من شأنهم أن يكلفوا. أما البعير والبقرة والشاة والحمار والهرة، فهي غير مكلفة ... الأصل: إذا قال: المكلفين الذين من شأنهم أن يكلفوا، يدخل فيهم بنو آدم بلا شك. س: وهل يدخل فيهم الجن؟ ج: نعم، الجن مكلفون في الجملة بلا شك، ولهذا يحاسبون ويعاقبون (١) ... ). وقول الشيخ: (فيشمل الصغير والمجنون) وقع في بعض النسخ "فلا يشمل"، وإنما نقلت عبارة الشيخ هنا كاملة ليتبين من خلال السياق المراد من عبارته، وعبارة الشيخ محتملة لكلا المعنيين، فقوله: (فيشمل) تحمل على حال الابتداء قبل ورود العارض عليهم، فهم من شأنهم التكليف وهذا يناسب ذكره للحكم الطلبي مع التكليفي في تعريف الحكم. وأما قوله: (فلا يشمل) فتحمل على حال الانتهاء بعد ورود المانع عليهم، هذا وإن كان هو الأولى إلا أنه يستلزم حذف القيد الأخير من التعريف، وهو قوله: (أو وضع). وإيضاح ذلك كما يلي: تمهيد: وهنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن الحكم الذي عرفه الشيخ يشمل الحكم الطلبي والوضعي، فالأول لا يصح أن يدخل فيه المجنون، والصغير؛ لوجود موانع التكليف فيهما، فالحديث بيَّن رفع القلم عنهم فلا عقاب ولا ثواب عليهم حال قيام

стр. 86

العذر، وإنما هم مخاطبون بالحكم الوضعي فمن أتلف شيئا وجب علي وليه ضمانه، وأن ذلك من باب ربط الحكم بالسبب. أولاً - على اعتبار صحة قوله: (فيشمل) فيكون الظاهر من عبارته ﵀ - أنه يريد تعميم كلمة المكلفين لتشمل الصغير والمجنون، بمعنى أن يجعلها مرادفه لكلمة: العباد، أو الناس، كما عبر بها البعض (١). وعليه فيحمل قوله في التعريف: (المتعلق) على ما يشمل التعلق بواسطة والتعلق بغير واسطة، فالتعلق بغير واسطة إنما هو لخطاب الطلب، والتعليق بواسطة إنما هو لخطاب الوضع فالتكليف هنا لأصحاب الموانع إنما يكون بواسطة خطاب وليهم في الصبي والمجنون ويتجه أيضا لمالك البهيمة (٢). وهذا الوجه هو الأولى في حمل كلام الشيخ عليه نظرا لشموله الخطاب الطلبي، والوضعي، إلا أنه يشكل عليه ما سيأتي من فروق بين الخطابين (٣)، وأن بعض أنواع الخطاب الوضعي لا يصح أن تدخل في التعريف، وهي ما انفرد فيه خطاب الوضع عن خطاب التكليف: كزوال الشمس وسائر أوقات الصلوات أسباب لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان، وصلاة العيدين والشك والحيض مانع من الصلاة والصوم، والبلوغ شرط لوجوبها، وحؤول الحول شرط لوجوب الزكاة، فكل هذه متجردة عن خطاب الطلب، ليس هو فيها أنفسها، بل في غيرها، كالوجوب مثلا متعلق بالصلاة لا بالزوال، وبصوم رمضان لا بطلوع الهلال. فهذا القسم واضح أنه لا يؤول إلى تكليف لا بواسطة ولا بغيرها، فهذا هو أحد وجوه ترجيحي للاحتمال الثاني في كلام الشيخ. ثانيا - وأما على فرض صحة ما جاء في بعض النسخ من قوله: (فلا يشمل الصغير والمجنون) فلا يدخل فيه الحكم الوضعي، فيُلزم الشيخ بهذا التخصيص حذف

стр. 87

الحكم الوضعي من تعريف الحكم الشرعي - كما فعل الطوفي. فالمجنون والصغير مرفوع عنهم القلم فلا عقاب ولا ثواب عليهم حال قيام العذر فلا يشملهم الخطاب الطلبي، ولكنهم مخاطبون بالحكم الوضعي من باب ربط الحكم بالسبب فلم يناسب هذا الاستثناء الذي ذكره الشيخ، فيحذف هذا القيد. قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (١/ ٢٥٤): (قوله: «وقيل: أو الوضع» أي: قال بعض الأصوليين: الحكم خطاب الله، المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. وأراد بذلك دخول الأحكام الثابتة بأسباب وضعية، وهو المسمى خطاب الوضع والإخبار، وذلك نحو صحة العقد وفساده، وقضاء العبادة وأدائها، ونصب الأسباب والشروط والموانع علامات على أحكامها، فإن هذه كلها أحكام شرعية، وليست خطابا اقتضاء ولا تخييرا، فإذا قيل: أو الوضع، دخلت تلك الأحكام في الحد المذكور فكمل، والعذر لمن لم يقل: أو الوضع، هو أن الحكم الشرعي ضربان: خطابي، أي: ثابت بالخطاب، ووضعي إخباري، أي: ثابت بالوضع والإخبار، وغرضه بالتعريف هاهنا الحكم الخطابي لا الوضعي، إذ ذلك يعقد له باب مستقل يذكر فيه. ومأخذ الخلاف بينهما: أن أحدهما يريد تعريف الحكم الشرعي الأصلي، وهو الخطابي. أما الوضعي، فهو على خلاف الأصل، لضرورة قد بيناها عند ذكر خطاب الوضع. ولذلك قلنا: إن الأحكام السببية على خلاف الأصل، «والأولى أن يقال: مقتضى خطاب الشرع» المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا). ويوضحه ما قاله في "مختصر الروضة" (ص/١٢): (من شروط المكلف: العقل، وفهم الخطاب. فلا تكليف على صبي ولا مجنون، لعدم المصحح للامتثال منهما، وهو قصد الطاعة. ووجوب الزكاة والغرامات في ماليهما، غير وارد، إذ هو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كوجوب الضمان ببعض أفعال البهائم). وعليه فالأولى حذف القيد الأخير من التعريف وهو قوله: (أو وضع). تتمة: ويلحق النائم بالصغير والمجنون لقوله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو

стр. 88

يفيق" (١). وأيضا ينبغي التنبيه إلى أن الكافر مكلف بالشريعة - أصولا وفروعا - بمعنى أنهم يعاقبون عليها ولا تصح منهم لعدم تحقق شروط صحة الفعل منهم، قال تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)). وسوف يأتي بإذن الله زيادة بيان لذلك عند الكلام على الحكم الوضعي. التنبيه الخامس: قوله: (المكلفين) غير جامع من ناحية أنه لا يدخل فيه بعض الأفعال الخاصة بمكلف واحد كشهادة خزيمة وخصائص النبي ﷺ ونحو ذلك. قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٧): (وقلنا: "المكلف" بالإفراد ليشمل ما يتعلق بفعل الواحد، كخصائص النبي ﷺ ، وكالحكم بشهادة خزيمة، وإجزاء العناق في الأضحية لأبي بردة ... ). التنبيه السادس - المعدوم ليس بشيء: من المقرر عند أهل السنة والجماعة أن المعدوم ليس بشيء خلافا للمعتزلة، فلو احترزنا عن خطاب المعدوم لقلنا: المتعلق بما يصح أن يكون فعلا للمكلف (٢)، ويجاب عن هذا بجوابين، وهما: أن المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، والثاني أنه يصح خطاب المعدومين من هذه الأمة تبعاً للموجودين منها. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٣/ ٣٧٠) " (وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم: ٩]، دليل على أن المعدوم ليس بشيء، ونظيره قوله

стр. 89

تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) [النور: ٣٩]، وهذا هو الصواب، خلافا للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، قالوا: قد سماه الله شيئا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده، ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء، أو ليس شيئا يعتد به، كقولهم: عجبت من لا شيء، وقول الشاعر: وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا لأن مراده بقوله: غير شيء، أي: إذا رأى شيئا تافها لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلا ; لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه، والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: من أن المعدوم ليس بشيء، والجواب عن استدلالهم بالآية: أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١]، وقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) [الكهف: ٩٩]، وقوله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ) [الزمر: ٦٩] ... وأمثال ذلك، كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى أطلقت مرادا بها المستقبل ; لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع بالفعل، وكذلك تسميته شيئا قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله تعالى). وقال في "المذكرة" (ص/١٩٥): (قد دلت النصوص الصحيحة على خطاب المعدومين من هذه الأمة تبعاً للموجودين منها كقوله ﷺ : (تقاتلون اليهود. الحديث) وقوله: (تقاتلون قوماً نعالهم الشعر. الحديث) وقوله في قصة عيسى: (وإمامكم منكم) فالمقصود بجميع تلك الخطابات: المعدومون يومئذ بلا نزاع كما هو ظاهر , وإنما ساغ خطابهم تبعاً لأسلافهم الموجودين وقت الخطاب). التنبيه السابع: ينبغي التفريق بين طريقة جمهور الأصوليين وطريقة الفقهاء وبعض الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي. قال الشيخ عياض السلمي في " أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله" (ص/٢٤):

стр. 90

(الحكم في اصطلاح جمهور الأصوليين: «خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع». وعند الفقهاء: هو مقتضى خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين الخ، أو مدلول خطاب الله الخ. ومال بعض الأصوليين إلى اختيار هذا التعريف ... ). وقال صاحب البيان المأمول: (الفقهاء وعلماء الفروع يعنون بالحكم الشرعي في لغتهم الأثر الذي يترتب على الدليل كالوجوب والحرمة والإباحة، وأما علماء الأصول فيعنون دليل الحكم الذي هو الآية أو الحديث أو نص الإجماع وهكذا، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (البقرة:٤٣) هذا هو الحكم نفسه عند الأصوليين، وأما عند الفقهاء فيعنون ما يترتب على هذا النص وهو وجوب الصلاة). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٣٣٣): ("الحكم الشرعي" في اصطلاح الفقهاء: "مدلول خطاب الشرع". قال الإمام أحمد ﵁: الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله. قال في "شرح التحرير": والظاهر أن الإمام أحمد أراد بزيادة: "وقوله" على خطاب الشرع: التأكيد، من باب عطف العام على الخاص؛ لأن كل خطاب قول، وليس كل قول خطابا. انتهى). وسبب الاختلاف بين الطريقتين أن الأصولي يبحث في الأدلة ذاتها - التي هي موضوع علم الأصول - فيكون نظره لذات الدليل، وأما الفقيه فيبحث في متعلق الأدلة - إذ أن موضوع الفقه أفعال المكلف - فيكون نظره لمتعلق الأدلة ومدلول الخطاب وأثره المترتب عليه. وتعريف الشيخ للحكم بأنه ما اقتضاه خطاب الشرع إنما هو موافق لطريقة الفقهاء وبعض الأصوليين في تعريف الخطاب، والأولى اعتماد تعريف جمهور الأصوليين، إذ أننا نتكلم في علم الأصول لا فروعها. ومما سبق نقول أن التعريف المختار للحكم الشرعي هو (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير).

стр. 91

أقسام الأحكام الشرعية قال الشيخ: (تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية. فالتكليفية خمسة: الواجب والمندوب والمحرَّم والمكروه والمباح). الواجب، المندوب، وما ذكره الشيخ ليست هي الأحكام التكليفية لا على طريقة جمهور الأصوليين ولا على طريقة الفقهاء، وإنما هي الأفعال التي تعلق بها أثر الحكم الشرعي كما سبق التنبيه على ذلك وسيأتي - بإذن الله - مزيد بيان له. تنبيه - هل يصح إطلاق لفظ التكاليف على جميع الأحكام الشرعية ؟ بيان وجه المنع من إطلاق لفظ التكاليف على جميع الأحكام الشرعية. كون الأحكام الشرعية تسمى تكليفا وتعليل ذلك بأن فيها كلفة ومشقة ليس المقصود من ذلك أن جميع الأحكام الشرعية فيها مشقة أو أن ذلك شرط لكي يصح نسبتها للشرع، وإنما غالب الأحكام قرة للعيون وسرور للقلب ولذات للأرواح وكمال للنعيم ومن تأمل قوله ﷺ (أرحنا بها يا بلال) علم مقصود ذلك. وعليه فلا يصح إطلاق القول بأن كلها مشقات فهذا الإطلاق مخالف لما نفاه الله سبحانه من الحرج والضيق عن هذا الدين. كما أن الله سمى الأحكام شرعة ومنهاجا ونور ووصفها بأنها رحمة ويسر وتيسيرا. ولتعلم أن إطلاق لفظ التكاليف على جميع الأحكام الشرعية أول من استعمله المعتزلة إذ أن من أصولهم أن الثواب والعقاب لا يترتب إلا على عمل فيه مشقة وكلفة بل متى لم يكن العمل شاقا لم يستحق صاحبه ثوابا أصلا ولهذا جعلوا الأحكام كلها من باب التكليف. إنني لا أنفي أن بعض الأحكام تسمى تكليفا وفيها مشقة على النفس كالجهاد) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) وهذه المشقة تكون معتادة قدر وسع المكلف. إلا أن الإنكار جاء على تعميم ذلك وجعل المشقة شرطا للتكليف وأن الشريعة كلها مشقات وأن المشقة والمضرة جهة لوجوب الفعل، ومن الآثار السلبية لقولهم إنكار كون المباح من الأحكام الشرعية وللرد عليهم مجال

стр. 92

آخر ليس هذا محله وإنما الغرض التنبيه على أصلهم وبيان فساده. قال تقي الدين ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١/ ٢٥): (نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ) الآية [التوبة: ١٢٠] وقال ﷺ لعائشة: (أجرك على قدر نصبك) فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب. ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي كقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]، (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) [النساء: ٨٤]، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) [الطلاق: ٧] أي وإن وقع في الأمر تكليف فلا يكلف إلا قدر الوسع لا أنه يسمى جميع الشريعة تكليفا مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب ولذات الأرواح وكمال النعيم وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه وذكره وتوجه الوجه إليه فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدا قال الله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: ٦٥]). وقال الشيخ العروسي في "المسائل المشتركة" (ص/٨٦): (أطلق الأصوليون والفقهاء على أوامر الله سبحانه ونواهيه بأنها تكاليف، وسموا الأحكام الشرعية بالأحكام التكليفية. ثم قال بعضهم في تعريف التكليف: بأنه إرادة المكلف من المكلف فعل ما يشق عليه، فلزم من ذلك أن الأحكام الشرعية خطاب الشارع بما فيه مشقة على المخاطب. وإطلاق لفظ التكاليف على جميع الأحكام الشرعية، قول مستحدث، وأول من استعمل هذا الإطلاق المعتزلة، إذ أن من أصولهم أن الثواب والعقاب لا يترتب إلا

стр. 93

على عمل فيه مشقة وكلفة، بل متى لم يكن الفعل شاقاً لم يستحق صاحبه الثواب أصلًا، ولهذا جعلوا الأحكام كلها من باب التكاليف، حتى اضطر بعضهم كالكعبي أنِ جعل المباح من قبيل الواجب. فظهر أن الاصطلاح على تسمية شرع الله سبحانه ومنهاجه تكاليف لا يصح لأمرين: أولًا: لعدم التسليم بصحة هذا الإطلاق وهو أن الأحكام كلها مشقات، فإن أوامر الله وشرعه ليست كلها مشقات. وهذا الإطلاق مخالف لما نفاه الله سبحانه من الحرج والضيق عن هذا الدين. ثانياً: عدم التسليمِ بصحة إطلاق هذه التسمية على جميع الأحكام، فإن الله سبحانه سماها أحكاماً، وشرعة ومنهاجاً ونوراً ووصفها سبحانه بأنها رحمة ويسر وتيسيراً ... ). بيان وجه صحة إطلاق التكاليف على الأحكام الشرعية: قال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٦٨): (أنكر بعض العلماء أن تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؛ لأنها ليس فيها مشقة (١). والصواب: صحة الإطلاق؛ إما من جهة أن الإطلاق جاء من قولهم: كَلِفت بالأمر، إذا أحببته، وتكاليف الشرع محبوبة للمؤمن، وإما من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة معتادة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (رواه مسلم من حديث أنس مرفوعا)، وتكون المشقة المنفية هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش. ومما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفا قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة ٢٨٦] فالآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة، وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة بطريق المفهوم).

стр. 94

الترجيح: من دقق في القولين السابقين يلحظ أن الخلاف بينهما لفظي فالمنع إنما يتجه لوصف جميع الأحكام الشرعية بأن فيها مشقة وأن ذلك شرط لكي يصح نسبتها للشرع، والإثبات إنما يتجه لكون بعض الأحكام الشرعية فيها نوع مشقة وهي المشقة العادية كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود ورجم الزناة ونحو ذلك. وقد اتفقا على خروج المشقة العظيمة التي تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كالتي تؤدي إلى هلاك أحد الضرورات الخمس، فنحو هذه المشقات إنما هي مرفوعة عن الأمة، ولم يكلفنا الله بها، بل هي موجبة للرخصة والتخفيف كنحو إباحة التيمم للخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد، ووجوب الفطر لكن خاف على نفسه التضرر بالصوم، ونحو ذلك مما هو معروف في محله. خاتمة - في بيان أن تقصد المشقة لا يجوز في شرعنا: قال سعود الزمانان: (يعتقد بعض الناس أن تقصد المشقة يحصل به الأجر الكبير، فترى بعض الجهلاء يستحب أداء مناسك الحج حافياً تقرباً إلى الله، حتى يتحقق فيه قول النبي ﷺ لعائشة: " أجرك على قدر نصبك "، ولحديث جابر في صحيح مسلم قال:" خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم وفي رواية - فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا - " والذي يظهر لي أن تقصد المشقة ممنوع لما يأتي: أولاً: لا يجوز للإنسان أن يتقصد المشقة عند أدائه لأي عبادة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق، كما يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة، التي لم يشرعها الله ورسوله، من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي ﷺ حيث قال:

стр. 95

" هلك المتنطعون " وقال: " لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم " مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجب أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن يقوم قائماً ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم، فقال النبي ﷺ : " مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه ... ". ثم قال ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٦٢٢ - ٦٢٣): " فأما كونه مشقاً فليس سبباً لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقّاً ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة ... فكثيراً ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة، وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوباً مقرباً إلى الله، لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا، وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم ". ثانياً: النيات في العبادات معتبرة في الشرع، فلا يصلح منها إلا ما وافق الشرع، قال الإمام الشاطبي ﵀ في " الموافقات" (٢/ ١٢٩): " إذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد إلى المشقة باطل، فهو إذاً من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض ". وقال أيضا (٢/ ١٣٣): " ونهيه عن التشديد - أي النبي ﵊ شهير في الشريعة، بحيث صار أصلاً قطعياً، فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس، كان قصد المكلف إليه مضاداً لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به، فإذا خالف قصده قصد الشارع بطل ولم يصح، هذا واضح وبالله

стр. 96

التوفيق ". ثالثاً: باستقراء الأدلة الشرعية فإن الشارع لم يقصد إلى التكاليف بالمشاق والإعنات، لقوله تعالى ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾، وقوله (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥]، وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]، وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) [النساء: ٢٨] وقوله ﷺ : (بعثت بالحنيفية السمحة)، وقول عائشة ﵂ (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً). رابعاً: لو قصد الشارع التكليف بالمشقة لما حصل الترخيص، فالرخص الشرعية أمر مقطوع به، ومعلوم من الدين بالضرورة، وهي لرفع الحرج والمشقة الواقعة على المكلفين، كرخص القصر، والفطر والجمع بين الصلاتين. خامساً: ثبت في شريعتنا ما يمنع من التكلف والتنطع في دين الله، لقوله تعالى: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص: ٨٦] وقوله ﷺ : (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملّ حتى تملوا). سادساً: نقل الإمام الشاطبي في "الموافقات" (٢/ ١٢٢) الإجماع على عدم وجود التكليف بالمشاق غير المعتادة في الشريعة. سابعاً: لو قصدت المشقة في كل مرة وداوم عليها المكلف، لوجدت مشقة غير معتادة وحرج كبير، ممّا يفضي إلى ترك العبادة بالكلية والانقطاع عنها، وهذا النوع لم تأت به الشريعة الإسلامية، فشرع الله جل وعلا لنا الرفق والأخذ من الأعمال بما لا يحصِّل مللاً، ونبّه النبي ﷺ على ذلك فقال: (القصد القصد تبلغوا) لذلك نهى النبي ﷺ عن التنطع وقال: (هلك المتنطعون). أما استدلالهم بحديث: (بني سلمة دياركم تكتب آثاركم) فالجواب عليه من وجهين: الوجه الأول: قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (٢/ ١٣٠): " إن هذه أخبار

стр. 97

آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، والظنيات لا تعارض القطعيات، فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات ". الوجه الثاني: الحديث لا دليل فيه على قصد نفس المشقة، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ما يفسره فإنه ﷺ : (كره أن تُعرّى المدينة قِبَل ذلك، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها). قلت: فلا حجة لمن تعلق ببعض النصوص واستدل بها على تقصد المشقة في العبادات). وبناء على ما سبق: فإنه يصح أن يطلق على الأحكام الشرعية أنها تكليفية ويكون المقصود أنها محبوبة للمؤمن، وفي بعضها نوع مشقة معتادة، لا أن جميعها فيه مشقة وأن ذلك أساس التكليف، كما يصح أيضا أن يطلق عليها أنها شرعية، أو طلبية أو لفظية (١) ويكون ذلك خروجا عن إيهام اللفظ لا نفيا لمطلق صحة إطلاق التكليفية عليها. وسوف أتنقل بين الإطلاقين والله المستعان. الواجب الواجب لغة: قال الشيخ: (الواجب لغة: الساقط واللازم). الواجب لغة له معان كثيرة منها: سقوط الشيء لازما محله، ومنه قوله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) [الحج: ٣٦] أي سقطت ميتة لازمة محلها، وقوله ﷺ في الميت: (فإذا

стр. 98

وجب فلا تبكين باكية) (١). ومنه قول قيس بن الخطيم: أَطاعَتْ بنُو عَوْفٍ أَمِيراً نَهَاهُمُ ... عن السِّلْمِ، حَتَّى كانَ أَوّلَ وَاجِبِ (٢) واللزوم، قال الفيومي: وَجَبَ الْبَيْعُ وَالْحَقُّ يَجِبُ وُجُوبًا وَجِبَةً لَزِمَ وَثَبَتَ (٣). الواجب اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام). شرح التعريف: وهو واضح بحمد الله، (ما أمر) ليخرج غير المأمور به كالمحرم والمكروه، والمباح لذاته، بقي المندوب يشمله التعريف ولذلك قيده بقوله (على وجه الإلزام) لأن المندوب وإن كان مأمورا به إلا أنه ليس على وجه الإلزام بل الأفضلية. تنبيهات التنبيه الأول: قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٤٦): (الشارع هو الله أو رسول الله ﷺ ... لكن الرسول مبلغ عن الله وشارع لعباد الله). الحنابلة تطلق لفظ الشارع على النبي ﷺ ، وهم يقولون بمسألة التفويض ويرون أن النبي ﷺ له أن يحكم بما شاء فيما شاء، ولا يكون رأيه إلا موافقا للصواب في حكم الله. قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥١٩): (يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد: احكم بما شئت فهو صواب ويكون) ذلك (مدركا شرعيا ويسمى: التفويض) عند الأكثر؛ لأن طريق معرفة الأحكام الشرعية:

стр. 99

إما التبليغ عن الله بإخبار رسله عنه بها، وهو ما سبق من كتاب الله وثبت بسنة رسوله ﷺ ، وما تفرع عن ذلك، من إجماع وقياس وغيرهما من الاستدلالات، وطرقها بالاجتهاد، ولو من النبي ﷺ . وإما أن يكون طريق معرفة الحكم: التفويض إلى رأي نبي أو عالم، فيجوز أن يقال لنبي أو لمجتهد غير نبي: احكم بما شئت فهو صواب عند بعض العلماء، ويؤخذ ذلك من كلام القاضي وابن عقيل، وصرحا بجوازه للنبي ﷺ ، وقاله الشافعي وأكثر أصحابه، وجمهور أهل الحديث، فيكون حكمه من جملة المدارك الشرعية ... وتردد الشافعي، أي في جوازه، كما قال إمام الحرمين، وقال: الجمهور في وقوعه، ولكنه قاطع بجوازه. والمنع: إنما هو منقول عن جمهور المعتزلة، قاله ابن مفلح، ومنعه السرخسي وجماعة من المعتزلة؛ واختاره أبو الخطاب، وذكره عن أكثر الفقهاء، وأنه أشبه بمذهبنا؛ لأن الحق عليه أمارة، فكيف يحكم بغير طلبها؟ وقيل: يجوز ذلك في النبي دون غيره. (و) على القول بالجواز (لم يقع) في الأصح، قال ابن الحاجب: المختار أنه لم يقع، واحتج القاضي وابن عقيل وغيرهما للقول الأول: بقوله : (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) [آل عمران: ٩٣] لأنه لا يمكن أن يحرم على نفسه إلا بتفويض الله الأمر إليه لا أنه بإبلاغه ذلك الحكم؛ لتخصيص هذا التحريم بنسبته إليه، وإلا فكل محرم فهو بتحريم الله ، إما بالتبليغ، وإما بالتفويض (١). واستدل له أيضا بما في مسلم (فرض عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام؟ فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم) (٢) ... ).

стр. 100

والصواب أنه ﷺ ليس مُشرِّعاً بل هو مبلغ ومطبق وناقل ومبيِّن للتشريع، وأنه كان يجتهد (١) فإن اخطأ نزل الوحي بتصويبه (٢)، كما في أسارى بدر (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: ٦٧] وكما عوتب في ابن أم مكتوم وتحريمه ﷺ العسل ومارية القبطية على نفسه، ولما رجع عن قوله في مسألة التأبير، ونحو ذلك (٣). التنبيه الثاني: سبق وأن تكلمنا عن الفرق بين طريقة الفقهاء وبعض الأصوليين، وطريقة جمهور الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي، وذكرنا أن الدليل نفسه هو الخطاب عند جمهور الأصوليين وأن المدلول أو الأثر هو الخطاب عند الفقهاء وبعض الأصوليين، وأنه ينبغي اعتماد طريقة جمهور الأصوليين في التعريف. بناء على ذلك ينبغي التفريق بين الواجب والوجوب والإيجاب. فعلى الطريقة الأولى (طريقة الأصوليين) يقال الإيجاب والتحريم والاستحباب (الندب) والكراهة والإباحة، وعلى التعريف الثاني يقال الوجوب، والحرمة، و. . . ويوضحه أن الحكم إن عرفناه بأنه خطاب الله الذي هو صفته، فيكون منه الإيجاب، أما الوجوب فإنما هو يتعلق بفعل المكلف، فهو صفة الفعل الذي وجب فهو أثر الإيجاب وهو الأليق بالتعريف الثاني، وأما الواجب فهو نفس فعل المكلف، فهو الوصف الذي ثبت للموجَب نفسه، أي قد وجب فهو واجب، وهكذا.

стр. 101

وإليك مثالا للتوضيح: قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) هذا خطاب من الله تعالى بإيجاب الصلاة على المكلف، وأثر هذا الخطاب أو ما ينتج عنه هو وجوب الصلاة على المكلف، وأما إقامة الصلاة فهي الواجب. قال الأشقر في هامش الواضح (ص/٢٤): الإيجاب هو التعبير السليم، وهو طريقة الأصوليين، لا: الوجوب، ولا: الواجب ... قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٣): (ودل على أن الحكم صفة الحاكم، فنحو قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ) [الإسراء: ٧٨]، [لقمان: ١٧] يسمى باعتبار النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجابا، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به، وهو فعل مكلف: وجوبا. فهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار. فترى العلماء تارة يعرفون الإيجاب، وتارة يعرفون الوجوب نظرا إلى الاعتبارين) (١). ومن الملاحظ أن الشيخ ما عرف الوجوب ولا الإيجاب وإنما يعرف الواجب. التنبيه الثالث: لاحظ أن الشيخ عرف الواجب لا للإيجاب ولا الوجوب، ولو أردنا أن نعرف الإيجاب لقلنا: (أمر الشارع على وجه الإلزام) لما سبق وأن بينا أن الحكم الشرعي على طريقة الأصوليين هي نفس الخطاب أو الدليل أو الطلب، إلا إننا نتمشى مع طريقة الشيخ في تعريف الواجب. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" والتي نقلها عنه المرداوي في مختصر التحرير. قال الطوفي (١/ ٢٦٥): (ونحن نشير إلى حدودها المستفادة من طريق قسمتها. فالواجب - قال المرداوي: الفعل الواجب -: هو ما اقتضى الشرع فعله اقتضاء جازما. والمندوب: هو ما اقتضى فعله اقتضاء غير جازم.

стр. 102

والمحظور: ما اقتضى تركه اقتضاء جازما. والمكروه: ما اقتضى تركه اقتضاء غير جازم. وهذه الأشياء هي محال الأحكام ومتعلقاتها، أما الأحكام نفسها فهي: الإيجاب: وهو اقتضاء الفعل الجازم. والندب: وهو اقتضاء الفعل غير الجازم. والحظر والكراهة جميعا: اقتضاء ترك الفعل الجازم، أو غير الجازم ... ). التنبيه الرابع (١): هذا التعريف الذي ذكره الشيخ للواجب تعريف بالحد الحقيقي، وقد خالف الشيخ هنا المشهور في المذهب من التعريف للواجب بالحد الرسمي. وقد اختار ابن مفلح، وتبعه المرداوي وابن النجار في تعريف الواجب بأنه: "ما ذم تاركه شرعًا قصدًا مطلقًا". وهذا التعريف جيد إلا أنه تعريف رسمي لا حقيقي. قال ابن النجار في شرح هذا التعريف في "شرح الكوكب" (١/ ٣٤٦): (فالتعبير بلفظ " ما ذم " خير من التعبير بلفظ " ما يعاقب " لجواز العفو عن تاركه (٢). وقولنا " شرعا " أي ما ورد ذمه في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، أو في إجماع الأمة، ولأن الذم لا يثبت إلا بالشرع خلافا لما قالته

стр. 103

المعتزلة، واحترز به عن المندوب والمكروه والمباح، لأنه لا ذم فيها. وقوله " تاركه " احترز به عن الحرام فإنه لا يذم إلا فاعله. وقوله: " قصدا " فيه تقديران موقوفان على مقدمة، وهو أن التعريف إنما هو بالحيثية، أي الذي بحيث لو ترك لذم تاركه؛ إذ لو لم يكن بالحيثية لاقتضى أن كل واجب لا بد من حصول الذم على تركه، وهو باطل. إذا علم ذلك فأحد التقديرين: أنه إنما أتى بالقصد؛ لأنه شرط لصحة هذه الحيثية؛ إذ التارك لا على سبيل القصد لا يذم. الثاني: أنه احترز به عما إذا مضى من الوقت قدر فعل الصلاة ثم تركها بنوم أو نسيان، وقد تمكن، ومع ذلك لم يذم شرعا تاركها، لأنه ما تركها قصدا. فأتى بهذا القيد لإدخال هذا الواجب في الحد، ويصير به جامعا. وقوله " مطلقا " فيه تقديران أيضا موقوفان على مقدمة، وهي أن الإيجاب باعتبار الفاعل قد يكون على الكفاية وعلى العين، وباعتبار المفعول قد يكون مخيرا كخصال الكفارة، وقد يكون محتما، كالصلاة أيضا وباعتبار الوقت المفعول فيه قد يكون موسعا كالصلاة وقد يكون مضيقا كالصوم. فإذا ترك الصلاة في أول وقتها صدق أنه ترك واجبا إذ الصلاة تجب بأول الوقت، ومع ذلك لا يذم عليها إذا أتى بها في أثناء الوقت. ويذم إذا أخرجها عن جميعه، وإذا ترك إحدى خصال الكفارة، فقد ترك ما يصدق عليه أنه لا ذم فيه إذا أتى بغيره. وإذا ترك صلاة جنازة فقد ترك ما صدق عليه أنه واجب عليه، ولا يذم عليه إذا فعله غيره. إذا علم ذلك فأحد التقديرين أن قوله مطلقا " عائد إلى الذم. وذلك أنه قد تلخص أن الذم على الواجب الموسع على المخير وعلى الكفاية من وجه دون وجه. والذم على الواجب المضيق والمحتم والواجب على العين من كل وجه. فلذلك قال " مطلقا " ليشمل ذلك كله بشرطه، ولو لم يذكر ذلك لورد عليه من ترك شيئا من ذلك.

стр. 104

والتقدير الثاني: أن " مطلقا " عائد إلى الترك، والتقدير تركا مطلقا ليدخل المخير والموسع وفرض الكفاية. فإنه إذا ترك فرض الكفاية لا يأثم، وإن صدق أنه ترك واجبا وكذلك الآتي به آت بالواجب، مع أنه لو تركه لم يأثم. وإنما يأثم إذا حصل الترك المطلق منه ومن غيره. وهكذا في الواجب المخير والموسع. ودخل فيه أيضا الواجب المحتم والمضيق وفرض العين، لأن كل ما ذم الشخص عليه إذا تركه وحده ذم عليه أيضا إذا تركه هو وغيره). وهناك تعريفات أخرى رسمية منقوضة بعدم الجمع أو المنع، وهذا أولاها. وقد أعرض الشيخ هنا عن هذا التعريف وقد ذكر في شرح نظم الورقات أنه معيب على طريقة المناطقة فقال (ص/٢٨) معقبا على تعريف العمريطي للواجب بقوله: فالواجب المحكوم بالثواب ... في فعله والترك بالعقاب : (عرَّف المؤلف ﵀ الواجب بحكمه لا بحقيقته، والتعريف بالحكم معيب عند المناطقة جائز عند الفقهاء ... فالمناطقة يقولون: وعندهم من جملة المردود ... أن تدخل الأحكام في الحدود فالمناطقة يقولون: عرِّف الشيء بماهيته لا بحكمه ... الواجب في الاصطلاح باعتبار التعريف الذاتي هو: ما أُمر به على وجه الإلزام بالفعل). وقال الشيخ عبد الحميد في "لطائف الإشارات" (ص/١٠) على تعريف العمريطي: (فالثواب على الفعل والعقاب على الترك أمر لازم للواجب من حيث وصفه بالوجوب وليس هو حقيقة الواجب فهذا تعريف رسمي فيصح باللازم). ولعل الشيخ العثيمين قد تأثر بشيخه الشنقيطي في تعريفه للواجب حيث قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٨): (وان شئت قلت في حد الواجب (ما أُمر به أمرا حازما). وزاد الشيخ عليه قيد (الشارع) للتنصيص على أن المقصود حد الأحكام الشرعية ومنع إيهام دخول الأحكام العقلية ونحوها في التعريف. بقي أن نشير إلى تعريف ابن عقيل للواجب حيث عرفه بأنه إلزام الشرع، وذكر

стр. 105

أن التعريف بالحكم معيب، قال في "الواضح" (١/ ٢٩): (الواجب في أصل اللغة الساقط، والإيجاب الإسقاط، وهو الإلزام، وها هنا إلزام الشرع. وقد قيل: ما في فعله ثواب وعلى تركه عقاب. ولا يحتاج إلى ذكر الثواب بل إذا رسم برسم كفى قولنا: ما في تركه عقاب. وقيل: ما لا يجوز تركه. والحد هو الأول، وهذه رسوم بمتعلقات وأحكام، فالثواب والعقاب أحكام الواجب. والإيجاب شيء وأحكامه شيء آخر، والتحديد بمثل هذا يأباه المحققون، حيث أبوا أن يحدوا الأمر بما كان الممتثل له طائعا، والمتأبي عنه عاصيا، فإن هذه أحكام ومتعلقات، وإنما حدوه باستدعاء الأعلى من الأدنى فعلا). وقول ابن عقيل في تعريف الواجب بأنه (إلزام الشرع) غير مانع لدخول الحرام فيه فإن فيه أيضا إلزام للشرع بالترك. تعقب والرد عليه: مما سبق يتبين أن حد الشيخ العثيمين للواجب بالحد الحقيقي أجمع من الحد الذي ذكره ابن عقيل والشيخ الشنقيطي، وقد تعقبه الشيخ عطاء في شرحه لرسالة الأصول بأنه غير جامع من وجهين: الوجه الأول - أنه لا يدخل فيه بعض ما يستفاد منه الوجوب من غير صيغة الأمر نحو وصف الفعل بأنه فريضة، أو إنه مكتوب على المخاطبين، أو بالإخبار بأن تركه كفر، أو فسق، أو ظلم وغير ذلك مما سيأتي تفصيله - بإذن الله - في باب الأمر. ومن الملاحظ أن الشيخ عطاء استبدل كلمة (ما أمر) في تعريف الشيخ العثيمين بكلمة (ما طلب ... فعله) والطلب بالنسبة للواجب جنس بعيد لأنه يشمل الفعل والترك، وهو يؤدي مع الفصل الذي ذكره بقوله (فعله) مؤدى كلمة الأمر ولعله لجأ إلى هذا التطويل في التعريف ليدخل في الحد بعض الصيغ التي تؤدي معنى الأمر ولكنها ليست على صيغة الأمر كوصف الفعل بأنه فريضة، ونحو ذلك مما سبق التمثيل به. وهذا التعقب غير سديد؛ فمع ما فيه من التطويل نجد أن ما مثل به كوصف الفعل بأن الله فرضه، أو كتبه ... إنما هو من الأخبار، لا الطلب.

стр. 106

ومما يزيد الأمر وضوحا قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣] فهذا خبر وليس طلبًا، فلا يدخل في تعريف الشيخ عطاء ويدخل في تعريف الشيخ العثيمين؛ مضمن معنى الطلب. يوضحه أن قول (يتضمن) الذي ذكره الشيخ العثيمين في تعريف الأمر (قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء)، يُدِخل باقي الصيغ التي تدل على الأمر وليست مستفادة من صيغه الحقيقية، فالتعبير بأن الأمر فرض أو حتم ونحو ذلك متضمن لطلب الفعل وإن لم يكن بصيغة الطلب. - وأيضا نجد أن الشيخ العثيمين قد زاد قيد الاستعلاء، ولم يشر إليه الشيخ عطاء في تعريف الواجب، فأصبح تعريفه مدخول (غير مانع) فيدخل فيه الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة طلب الفعل لا على وجه الاستعلاء. الوجه الثاني - أنه لا يشمل الواجب الموسع، والكفائي، والمخير، وأفاد أنه لابد من إضافة قيد: (في بعض الوجوه)، أو (بوجه ما)، أو بحالة ما) على التعريف الذي اختاره وهو: (ما طلب الشارع فعله على وجه اللزوم) ليشمل الواجب الموسع، والكفائي، والمخير. فقال ما محصله: أن التعريف بدون هذا القيد يتجه فيه اللزوم لطلب الفعل على وجه الجزم مطلقا، فلابد وأن يأتي بالواجب الموسع في كل أوقاته ولابد وأن يأتي بكل خصال الكفارة بالنسبة للواجب المخير، ولابد وأن يأتي بالواجب الكفائي كل المكلفين لأن كل هذا يدخل تحت قوله (ما طلب الشارع فعله على وجه الجزم). وعليه ففائدة القيد (في بعض الوجوه)، أو (بوجه ما)، أو (بحالة ما) أن يخرج الواجب المخير إذا قام ببعض خصاله، ويخرج الواجب الموسع إذا قام به في آخر وقته ويخرج به الواجب الكفائي إذا قام به البعض دون البعض. وهذا التعقب غير سديد؛ وذلك لأن الخطاب التكليفي بالواجب الموسع، والمخير، والكفائي متعلق بحصة من القدر المشترك، وهو في الموسع الواجب فيه، وفي الكفائي: الواجب عليه، وفي المخير: الواجب نفسه. وهذا القدر المشترك واجب على المكلف الإتيان به، فهذه الواجبات بالنظر للقدر المشترك تكون كالواجب العيني، وعليه فلا حاجة لهذا القيد.

стр. 107

قال الزركشي في "البحر المحيط" (١/ ١٥٠): (وقال ابن الحاجب متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها (١) وقال الأصفهاني شارح المحصول لا نقول في الواجب المخير هو القدر المشترك بل الواجب هو حصة منه يصدق عليها القدر المشترك ولا سبيل إلى القول بإيجاب المشترك ويكون من صور التخيير بين الخصال الثلاث بأنه واحد ولا يتصور التخيير في الواحد). ووجه الدقة فيما قاله الأصفهاني أن ذلك يقطع النزاع مما قد يفهم من أن تعلق الوجوب بالقدر المشترك ينتج عنه تعلق الوجوب بالجميع، مع أن هذا ينافي التخيير كما ذهب إليه بعض المعتزلة مما أدى إلى إنكارهم لهذا القسم، فعبارة الأصفهاني تبين أن تعلق الوجوب إنما هو لحصة من القدر المشترك، والتي تتعلق بالفعل الواجب فعله، قال الموفق (٢): أجمعت الأمة على أن جميع خصال الكفارة غير واجب - أي الفعل -. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٣٣٢): (الخطاب في الموسع والمخير وفرض الكفاية جميعا متعلق بالقدر المشترك، فيجب تحصيله، ويحرم تعطيله. فالمشترك في الموسع وهو مفهوم الزمان ومطلقه من الوقت المقرر المحدود شرعا، بمعنى أن الواجب إيقاعه فيما يصدق عليه اسم زمن من أزمنة الوقت الشرعي. أعني ما بين زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله في الظهر مثلا، فمتى أوقع الصلاة في هذا الزمن المطلق كان آتيا بالمشترك، فيخرج عن عهدة الواجب أداء، وإن أخره حتى خرج الوقت الشرعي، كان معطلا للمشترك عن العبادة الواجبة فيه، فيحرم عليه التأخير، ويلزمه استدراكه قضاء. والمشترك في المخير هو مفهوم أحد الخصال، فهو متعلق الوجوب وأما متعلق التخيير، فهو خصوصيات الخصال، من إطعام أو كسوة أو عتق، فالواجب عليه أن يأتي بإحدى الخصال ولا بد، وهو المشترك بين جميعها، لأن كل واحدة منها يصدق

стр. 108

عليها أنها إحدى الخصال، ولا يجوز له ترك الجميع، لئلا يتعطل المشترك، لأن الجميع أعم من المشترك، وتارك الأعم تارك للأخص ومعطل له، وله الخيار بين خصوصيات الخصال، إن شاء أطعم، أو كسا، أو عتق، فالواجب - وهو المشترك - لا تخيير فيه، إذ لا قائل بأنه إن شاء فعل إحدى الخصال، وإن شاء ترك، والمخير فيه - وهو خصوصيات الخصال - لا وجوب فيه، إذ لا قائل بأن الواجب عليه جميع الخصال على الجمع. والمشترك في فرض الكفاية هو مفهوم أي طوائف المكلفين، كإحدى الخصال في الواجب المخير، غير أن الخطاب تعلق بالجميع في أول الأمر، لتعذر خطاب بعض مجهول أو معين، مع تساوي الجميع فيه، فيكون ترجيحا من غير مرجح، ولا جرم أنه سقط الوجوب عن الجميع بفعل إحدى الطوائف، لحصول المشترك الوافي بالمقصود، وأثم الجميع بترك جميع الطوائف له، لتعطل المشترك، فهذا هو التحقيق في الأبواب الثلاثة. ثم قال: الفرق بين الأبواب الثلاثة: وهو أن المشترك في فرض الكفاية هو الواجب عليه، وهو المكلف، وفي المخير هو الواجب نفسه، وهو إحدى الخصال، وفي الموسع هو الواجب فيه، وهو الزمان. وبهذا يندفع عنا سؤال قد يستصعب، وهو أن يقال: لم لم تقولوا: إن الواجب في المخير جميع الخصال، ويسقط بفعل بعضها، كما قلتم: إن الوجوب في فرض الكفاية على الجميع، ويسقط بفعل البعض؟ فيقال: لأن إيجاب أحد هذين، أو هذه الأشياء على زيد معقول، ويجعل الخيار في التعيين إليه، فلا يلزم منه تعطيل الواجب. بخلاف إيجاب شيء ما على أحد هذين، أو هؤلاء الأشخاص، لأنه يفضي إلى أن يتواكلوا، ويحيل بعضهم على بعض، ولا مرجح فيه، فيتعطل الواجب بالكلية، إلا أن يعود الموجب، فيعين للفعل أحدهم، فيكون إيجابا مبتدأ معينا، لكن فيه تطويل لطريق تحصيل مصلحة الواجب، وتماد في إيقاعها، فكان ما سلكناه في فرض الكفاية أقرب، وهو أن يخاطب الجميع بالواجب، فإذا علموا ذلك توفرت دواعيهم، أو داعية طائفة منهم على الخروج عن العهدة، فيخرج الجميع بذلك، ولا يسعهم التواكل).

стр. 109

وعليه فتعريف الواجب بالحد الحقيقي هو: (ما أمر به الشارع على وجه الإلزام). ويكون تعريفه الرسمي: (ما ذم تاركه شرعا قصدا مطلقا). وهذه التنبيهات تنسحب على باقي الأحكام الخمسة ولن أكرر ذكرها مع كل تعريف، والله الموفق. قال الشيخ: (والواجب يثاب فاعله امتثالًا ويستحق العقاب تاركه) . امتثالًا أي يفعله على وجه الطاعة والقربة، فمن نوى التبرد فغسل أعضاء الوضوء لا يعد متوضئا وهكذا. وأما قوله (ويستحق) فقال الشيخ ولم نقل (ويعاقب تاركه)؛ لأنه من الجائز أن الله قد يعفو عنه، فهو مستحق للعقاب، لكن قد يعاقب وقد لا يعاقب. نكتة: يجزم بإثابة فاعل الثواب، وكذا تارك الحرام؛ لأنه وعد كما قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]، ولكن لابد من تقييده بالامتثال. وذلك بخلاف الوعيد على ترك الواجب، وفعل الحرام فلا يجزم بلحوق العقاب؛ لأنه من الجائز أن الله قد يعفو عنه، فهو مستحق للعقاب، لكن قد يعاقب وقد لا يعاقب. أسماء الواجب: قوله: (ويسمى فرضاً، وفريضة، وحتماً، ولازماً). القول بعدم التفريق بين الفرض والواجب عند الحنابلة هو أحد الأقوال الثلاثة المنقولة عن الإمام أحمد في هذه المسألة. قال مجد الدين في المسودة (ص/ ٤٤): مسألة: الفرض والواجب سواء وهو الذي ذكره في مقدمة المجرد وبه قالت الشافعية وعنه الفرض آكد ونصرها الحلواني وبه قالت الحنفية وهو على قولهم وروايتنا هذه ما ثبت بدليل مقطوع به وقيل هو ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل رواية ثالثة أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه وقد حكاها ابن شاقلا وهذا القول في الجملة اختيار القاضي وغيره). ومن النتائج المترتبة على هذا الخلاف في ترادف، أو تباين الفرض والواجب:

стр. 110

١ - مسائل عقدية وهو أن من أنكر الفرض كفر ومن أنكر الواجب لا يكفر وهذا على رأي الحنفية (١) ومن وافقهم والصحيح أن من أنكر حجية ما ثبت من السنة فهو كافر، وإن كانت خبر آحاد. قال الشيخ العثيمين في "القول المفيد" (١/ ٨٢): (أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه، لكان كافرا، بخلاف الأحاديث القدسية، فإنه لو أنكر شيئا منها مدعيا أنه لم يثبت، لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله، لكان كافرا لتكذيبه النبي ﷺ . قال السيوطي في "مفتاح الجنة" (ص/ ٥): (اعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة). ٢ - ترتب أيضًا على الخلاف فيها مسائل أصولية منها أن الزيادة على النص نسخ وهذا لا يجوز عند الحنفية، ويعنون بالنص الكتاب والسنة المتواترة، والزيادة ما ثبت بخبر الآحاد إلا أنهم لم يلتزموا ذلك بل خالفوه في مسائل كثيرة جدا (في أكثر من ثلاثمائة موضع كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين)، ومنها على سبيل التمثيل: قولهم بفرضية الوتر، وجواز الوضوء بنبيذ التمر، وكذلك إنهم اشترطوا في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم. ٣ - كما ترتب على الخلاف في هذه المسألة الأصولية مسائل فقهية كثيرة جدًا ومن تتبع مذهب الحنابلة وجد أنهم تبعا لاختلاف الروايات والأقوال في هذه المسألة اختلفت التطبيقات عليها في المسائل الفقهية فأحيانا لا يفرقون بين الفرض والواجب وأحيانا
следующие страницы →