← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 631–642 · переход к 636.

стр. 631

فاعله فصار معنى الجملة في تعريف التقليد: إتباع المجتهد الذي ليس قوله حجة، وحذف المفعول مع تعلق الغرض بذكره لعدم الدلالة عليه، فأصبحت الجملة غير تامة كما أنها قد توهم معنى فاسدا فقد جعلت أن المجتهد هو الذي يتبع. والصواب أن المصدر مضاف إلى مفعوله الذي هو المقلد فهو الذي يتبع المجتهد الذي قوله ليس بحجة كما هو ظاهر عبارة الشيخ العثيمين ﵀. قيود أخرى ومناقشتها: زاد الشيخ الشثري في رسالته "التقليد وأحكامه" (ص/٢٩) بعض القيود الأخرى، فعرف التقليد بقوله: (التزام المكلف في حكم شرعي مذهب من ليس قوله حجة في ذاته). ثم بين محترزات التعريف فقال: (قولنا: التزام: جنس في التعريف. قولنا: المكلف؛ ليشمل الرجال والنساء، وغير المكلف لا عبرة به في الأحكام التكليفية ... قولنا: مذهب؛ ليشمل القول والعمل والاعتقاد، ويخرج عمل القاضي بقول الشهود. قولنا: من، اسم موصول). (التزام): والتزام فيه معنى الثبوت والدوام والوجوب، قال الفيومي في "المصباح" مادة (ل ز م): (لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَالُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَجَبَ حُكْمُهُ ... ). وقد اختلف العلماء في حكم التقليد ومن الذي يقلد، في حكم تكرار السؤال عن تكرر الحادثة، وقد اختار الشيخ الشثري أن التقليد واجب وهو في حق العامي للمجتهد، وأنه لا يجب تكرر السؤال، وهذه المعاني توافق معنى اللزوم الذي اختاره في تعريف التقليد، ومن خالف في احد المعاني السابقة فلا يصلح هذا المعنى له، ويكون لفظ الإتباع أولى. وعليه فبناء على ما سبق، ومراعاة لمن فرق بين الإتباع والتقليد، فالأولى تعريف التقليد بأنه التزام، وإن كان يصح تعريفه بأنه إتباع.

стр. 632

المكلف: وهنا إشكال وهو من يصح أن يقع منه التقليد، هل يصح من العامي فقط أم يصح من المجتهد في باب، أو من المجتهد المطلق عند ضيق الوقت، أو فيما يخصه، وقد سبق بيان أن المجتهد المطلق لا يقلد مطلقا، وأن المجتهد في باب فهو كالعامي في غيره من الأبواب ويقلد فيها، وأن المتبع - على فرض صحة هذا التقسيم - كالعامي من ناحية عين سؤاله للمجتهد. وعليه فأصبح عندنا أن التقليد محصور في العامي، والمتبع (١) الذي قد يفهم الحجة ويعرف الدليل ولكنه في نفس الوقت ليس عنده القدرة على الاستقلال بفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها وقد لا يكون قادراً على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر. فلابد من تخصيص المكلف بما يفيد ذلك، كقولنا: (من غير معرفة رجحان دليله) (٢)، فيدخل فيه العامي من باب أولى. مذهب: قولنا: مذهب؛ ليشمل القول والعمل والاعتقاد، ويخرج عمل القاضي بقول الشهود. قال الشيخ عبدالله عمر الشنقيطي في رسالته "التقليد في الشريعة الإسلامية" (ص/١٣): (المذهب في إصطلاح الأصوليين: هو الرأي الصادر عن اجتهاد صحيح. فيشمل القول الصادر عن المجتهد في مسألة من مسائل الفقه، أو في مسألة من مسائل أصول الدين على رأي من يرى التقليد فيها، وكذلك يشمل الفعل كأن يفعل المجتهد عباده أو معاملة فإن فعله يدل على أن هذا رأيه. ولا يشمل ذلك تقريره غيره على فعل صدر منه إذا لم يقترن بما يدل على الرضى لجواز أن يكون ما فعله العامي مذهبا لغير ذلك المجتهد ... ).

стр. 633

ومما سبق يكون تعريف التقليد هو: (التزام المكلف في حكم شرعي مذهب من ليس قوله حجة في ذاته من غير معرفة رجحان دليله). مواضع التقليد: قال الشيخ ﵀: (يكون التقليد في موضعين: الأول: أن يكون المقلد عاميّاً لا يستطيع معرفة الحكم بنفسه ففرضه التقليد، ويقلد أفضل من يجده علماً وورعاً فإن تساوى عنده اثنان خير بينهما. الثاني: أن يقع للمجتهد حادثة تقتضي الفورية ولا يتمكن من النظر فيها فيجوز له التقليد حينئذ). وقد سبق الكلام على هذه المسائل وبيان أنه يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، وأنه عند التعارض يقدم الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى. وقد سبق بيان أن المجتهد لا يقلد مطلقا بما يغني عن إعادته هنا. حكم التقليد في أصول الدين: قال الشيخ: (واشترط بعضهم لجواز التقليد أن لا تكون المسألة من أصول الدين (١) التي يجب اعتقادها، والراجح أن ذلك ليس بشرط). خالف الشيخ قول الأكثرين من الأصحاب والمشهور من المذهب، واختار قول بعض الحنابلة والشافعية واختيار تقي الدين ابن تيمية من أنه يجوز التقليد في مسائل أصول الدين (٢).

стр. 634

قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٢٠٢): (أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء حتى يوجبوه في المسائل التي تنازع فيها فضلاء الأمة قالوا لأن العلم بها واجب ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص. وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك فان ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق فكيف يكلف العلم بها وأيضا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص بل بطرق أخر من اضطرار وكشف وتقليد من يعلم أنه مصيب وغير ذلك وبإزاء هؤلاء قوم من المحدثة والفقهاء والعامة قد يحرمون النظر في دقيق العلم والاستدلال والكلام فيه حتى ذوى المعرفة به وأهل الحاجة إليه من أهله ويوجبون التقليد في هذه المسائل أو الإعراض عن تفصيلها وهذا ليس بجيد أيضا فان العلم النافع مستحب وإنما يكره إذا كان كلاما بغير علم أو حيث يضر فإذا كان كلاما بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به وإن كان نافعا فهو مستحب فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحا ولا إطلاق القول بالتحريم صحيحا ... ). وقد استدل الشيخ العثيمين لصحة إيمان المقلد في "شرح السفارينية" (ص/٣١١) بما يلي: (١ - أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] ونسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسل رجال من العقيدة ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم. ٢ - وقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤]، ويسألهم ليرجع إليهم، وإذا كان الخطاب هذا للرسول ولم

стр. 635

يشك فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين نرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب إلى أهل العلم لنأخذ بما يقولون، إذن هذا عام يشمل مسائل العقيدة. ٣ - أننا لو ألزمنا العام ي بمنع التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. فالصواب المجزوم به القول الثاني: أن ما يطلب فيه الجزم يكتفي فيه بالجزم سواء عن طريق الدليل، أو عن طريق التقليد). وقد اختلف العلماء هل يأثم المقلد في أصول الدين مع الحكم بصحة إيمانه أم لا يأثم؟ والراجح أنه لا يأثم إذ أن الاجتهاد ليس في مقدوره و (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (١). أنواع التقليد: قال الشيخ: (التقليد نوعان عام، وخاص: ١ - فالعام: أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ برخصه وعزائمه في جميع أمور دينه. وقد اختلف العلماء فيه فمنهم من حكى وجوبه لتعذر الاجتهاد في المتأخرين ومنهم من حكى تحريمه لما فيه من الالتزام المطلق لاتباع غير النبي ﷺ ينبغي أن ننتبه إلى أن المقلدين والمجتهدين على طبقات، وقد اصطلحنا على أن منزلة الإتباع تدخل ضمنا في مرتبة التقليد ما لم يُحَصِّل أصحابها ملكة الاستنباط ويحققوا شروط الاجتهاد. وسبق وأن تكلمت على طبقات المجتهدين، وبينت أن طبقة المجتهد المستقل هو الذي لا يتقيد بمذهب، ولا يقلد أحدا. وعليه فالأقوى عندي في حكم التمذهب على من دون المجتهد المستقل هو التفصيل: فالعامي أو المقلد الذي لا دراية عنده بالأدلة ولا يملك أي نوع من النظر فهذا الأقوى عندي أنه لا يتمذهب بل إن مذهبه هو مذهب مفتيه، وإنما سمى عاميا اشتقاقا من العمى فهو بيد من أخذ بيده، وهذا هو الأولى في حمل كلام ابن القيم عليه إن

стр. 636

أضفنا إلي ذلك التعصب. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/ ٢٦١): (وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا فيه مذهبان: أحدهما - لا يلزمه وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال ويكون بصيرا بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه، وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم انه متبع لذلك الإمام سالك طريقه وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك ... ومن صحح للعامي مذهبا قال هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه أوغير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه ... ). وأما من ارتقى عن هذه المنزلة، وله نوع نظر في الأدلة، إلا أنه قاصر عن

стр. 637

مرتبة الاجتهاد فهذا الراجح في حقه هو جواز التمذهب دون التعصب، وفائدة التمذهب أن يتحصل عند الطالب منهج ومعيار منضبط وغير متناقض في النظر إلى المسائل الفقهية، وأيضا سيحقق له التدرج والترقي في سلم العلم، فكل مذهب من المذاهب تعاقبت أجيال على خدمته على مدار قرون طوال، وصنف العلماء فيه مؤلفات كثيرة منها ما يقتصر على رواية واحدة ثم يتدرج، ويعرض للطالب روايتين، وهكذا، وهذه المزية لا يجدها في غير كتب المذاهب، وإنما أنكر الناس التمذهب حينما خلطوه بالتقليد المذموم الذي يتعصب فيه الطالب للإمام ويعتقد أنه قد أحاط بكل مسائل الدين وأدلتها، وأنه معصوم عن الخطأ. وعليه فالصواب أن الطالب يجوز له أن يتمذهب، شريطة ألا يتعصب، بل يرجع عما ظهر له خطأ إمامه فيه، وأقوال الأئمة كثيرة في النهي عن تقليدها. قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤٠٨٦): (ذكر بعض أصحابنا، والمالكية، والشافعية: هل يلزم التمذهب بمذهب والأخذ برخصه وعزائمه؟ على وجهين: أشهرهما: لا، كجمهور العلماء فيتخير. والثاني: يلزمه. واختيار الآمدي منع الانتقال فيما عمل به. وقال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخصه وعزائمه: طاعة غير النبي في كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع، وتوقف أيضا في جوازه. وقال أيضا: إن خالفه لقوة الدليل، أو زيادة علم، أو تقوى، فقد أحسن، ولم يقدح في عدالته بلا نزاع، وقال أيضا: بل يجب في هذه الحال، وأنه نص أحمد. وكذا قال القدوري الحنفي: ما ظنه أقوى، عليه تقليده فيه، وله الإفتاء به حاكيا مذهب من قلده. وذكر ابن هبيرة من مكائد الشيطان: أن يقيم أوثانا في المعنى تعبد من دون الله، مثل: أن يتبين الحق، فيقول: ليس هذا مذهبنا، تقليدا لمعظم عنده قد قدمه على الحق. وقال ابن حزم: أجمعوا أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله '. واختار النووي أنه لا يلزمه، وقيل: يلزمه التمذهب بمذهب. قال في ' الرعاية ': هذا الأشهر فلا يقلد غير أهله. وقال في ' آداب المفتي ': يجتهد في أصح المذاهب فيتبعه. وقال بعض الشافعية - وهو الكيا - فإنه قطع بأنه يلزمه التمذهب. فعلى هذا يلزمه أن يختار مذهبا يقلده في كل شيء، وليس له التمذهب لمجرد التشهي. قال النووي: ' هذا كلام الأصحاب والذي يقتضيه أنه لا

стр. 638

يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، لكن من غير تلقط للرخص، ولعل من منعه لم يثق بعدم تلقطه ' انتهى. قوله: ﴿ولا يجوز للعامي تتبع الرخص، وحكي إجماعا، وخالف ابن هبيرة، ويفسق عند أحمد وغيره، وحكي عنه: لا، وحمل القاضي الأول على غير متأول أو مقلد، والحنفية كالقاضي: له أن يتمذهب بمذهب فيأخذ به في الأصح﴾. يحرم على العامي تتبع الرخص، وهو: أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب، بل هذه الفعلة زندقة من فاعلها، كأن القائل بهذه الرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة بتلك الرخصة الأخرى. ومما يحكى أن بعض الناس تتبع رخص المذاهب وأقوال العلماء وجمعها في كتاب، وذهب بها إلى بعض الخلفاء، فعرضها على بعض العلماء الأعيان، فلما رآها قال: ' يا أمير المؤمنين هذه زندقة في الدين، ولا يقول بمجموع ذلك أحد من المسلمين '. قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا. ونقل عن إسحاق المروزي جوازه، لكن الذي في ' فتاوى الحناطي ' عنه أنه قال: من تتبع الرخص فسق، وأن ابن أبي هريرة قال: لا يفسق. وحكاه الرافعي عنه في كتاب ' القضاء '. وحكى الجواز عن المروزي في ' جمع الجوامع '، وغيره. وقال المحلي في ' شرحه ': (والظاهر أن هذا النقل عنه سهو، لما في ' الروضة '، وأصلها عن الحناطي وغيره عن أبي إسحاق المروزي: أنه يفسق بذلك، وعن ابن أبي هريرة: أنه لا يفسق). ولذلك قطع به السيوطي في شرح منظومته ' جمع الجوامع '. وكنت قد نقلت ذلك عن المروزي فأصلحته، وذكرته عن ابن أبي هريرة لذلك، ويحمل أن يكون للمروزي قولان. فعلى الأول يفسق عند الإمام أحمد، ويحيى القطان، وغيرهما من العلماء، ولكن حمله القاضي على غير متأول أو مقلد. قال ابن مفلح: ' وفيه نظر، وذكر بعض أصحابنا في فسق من أخذ بالرخص روايتين، وإن قوي دليل، أو كان عاميا فلا، كذا قال، وقالت الحنفية: كالقاضي أبي يعلى: إلا أن يتمذهب بمذهب فيأخذ به في الصحيح ') (١).

стр. 639

٢ - التقليد الخاص: قال الشيخ: (والخاص: أن يأخذ بقول معين في قضية معينة فهذا جائز إذا عجز عن معرفة الحق بالاجتهاد). ولا يخرج المقلد في هذه القضية الخاصة عن أن يكون: إما مجتهدا، أو مقلدا، وقد سبق بيان الراجح أن المجتهد لا يقلد، وأما المقلد فله أن يسأل مفتيا عن حادثة ويأخذ بقوله، وقد سبق ذكر ضوابط ذلك، وهذا هو المعروف في عهد السلف الصالح. فتوى المقلد: قال الشيخ: (قال ابن القيم: "ذلك جائز عند الحاجة وعدم العالم المجتهد" (١)، وهو أصح الأقوال وعليه العمل). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥٥٧) ما ملخصه: ("لا يفتي إلا مجتهد". عند أكثر الأصحاب، ومعناه عن أحمد، فإنه قال: وينبغي أن يكون عالما بقول من تقدم، وقال أيضا: ينبغي للمفتي أن يكون عالما بوجوه القرآن، والأسانيد الصحيحة

стр. 640

والسنن. وقال أيضا: لا يجوز الاختيار إلا لعالم بكتاب وسنة ... وقال صاحب التلخيص والترغيب: يجوز للمجتهد في مذهب إمامه، لأجل الضرورة. وقال أكثر العلماء: يجوز لغير المجتهد أن يفتي، إن كان مطلعا على المأخذ، أهلا للنظر ... "وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه، لا فتيا" قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق. "ويعمل بخبره" أي: بخبر المخبر "إن كان عدلا" لأنه ناقل كالراوي) (١). قال في ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/ ١٩٦): (إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مطلعا على مأخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعا ... وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد كما قال أبو إسحاق بن شاقلا وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي فقال له رجل أنت تحفظ هذا فقال إن لم أحفظ هذا فأنا أفتي بقول من كان يحفظه وقال أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا ما ضر رجلا عنده ثلاث مسائل أو أربع من فتاوي الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول قال أحمد بن حنبل). والراجح أنه لا يفتي إلا مجتهد سواء أكان مستقلا أو مقيدا بمذهب، والمجتهد في باب أو مسألة لا يفتى إلا في الباب أو المسألة التي هو أهل للنظر فيها دون غيرها، وأما من دون هؤلاء وليس على صفة من صفاتهم فلا يحل له الفتوى لا لنفسه ولا لغيره، وغاية الأمر أنه إن عدم العالم المجتهد في بلدة ما، واحتيج إلى فتوى المقلد فهنا يجوز له أن ينقل أقوال العلماء، فيقول قال أحمد، قل الشافعي، وهكذا ويكون

стр. 641

قبول قوله من باب الخبر لا الإفتاء، ولابد أن يكون عالما بما ينقل من أحكام بصيرا بمواردها وشمولها لمحل النزاع، وهذه حالة ضرورة على خلاف الأصل. قال ابن حمدان في "صفة الفتوى" (ص/٢٤) بعد أن ذكر نحوا مما سبق ذكره من أقسام المجتهدين: (فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة فهو عاص آثم (١)؛ لأنه لا يعرف الصواب وضده فهو كالأعمى الذي لا يقلد البصير فيما يعتبر له البصر؛ لأنه بفقد البصر لا يعرف الصواب وضده (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) [المطففين: ٤، ٥] قال ابن الجوزي: يلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، ومن تصدى للفتيا ظانا أنه من أهلها فليتهم نفسه وليتق ربه فإن الماهر في علم الأصول، أو الخلاف، أو العربية دون الفقه يحرم عليه الفتيا لنفسه ولغيره؛ لأنه لا يستقل بمعرفة حكم الواقعة من أصول الاجتهاد لقصور آلته ولا من مذهب إمام لعدم حفظه وإطلاعه عليه على الوجه المعتبر فلا يحتج بقوله في ذلك وينعقد الإجماع دونه على أصح المذهبين ... وقيل يجوز لمن حفظ مذهب ذي مذهب ونصوصه أن يفتي به عن ربه وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه وقيل لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوي المفتين أن يفتي بها. وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به والمراد بقول من منع الفتوى به أنه لا يذكره على صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامة الذي قلده لصحة تقليد الميت، فعلى هذا من عددناه من أصناف المفتين من المقلدين ليس على الحقيقة من

стр. 642

المفتين ولكن قاموا مقامهم وأدوا عنهم فعدوا معهم وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلا مذهب أحمد كذا وكذا ومقتضى مذهبه كذا وكذا أو نحو ذلك ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامة إن كان ذلك منه اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح بالمقال جاز ... ). وكتبه حامدا ومصليا ... أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي وكان الفراغ من تبييضه يوم الاثنين ٩ من شهر رجب لعام ١٤٣١هـ الموافق ٢١ من شهر يونيه لعام ٢٠١٠م أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن يدخر لي أجره يوم ألقاه. وأرجو من الله أن يكتب له القبول وأن ينفع به المسلمين، أنه ولي ذلك وهو القادر عليه. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.