← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قيد وتوضيحه: لا خلاف في أن المجتهد فيما هو مقطوع به مخطئ وآثم، إلا أن تقي الدين ابن تيمية خصَّ ذلك بما إن خفي الدليل القطعي فيكون حينئذ المجتهد معذورا. قال في "المسودة" (ص/٤٤١): (ذكر أبو المعالي أن المسائل قسمان قطعية ومجتهد فيها والقطعية عقلية وسمعية فالعقلي ما أدرك بالعقل سواء كان لا يدرك الا به كوجود الصانع وتوحيده وكونه متكلما ... قال: أو كان مما يدرك بالعقل والسمع جميعا كمسألة الرؤية وخلق الأفعال، وأما الشرعية فما عرف من أحكام التكليف بنص كتاب، أو سنة متواترة، أو بإجماع كوجوب الصلوات وكتقديم خبر الواحد على القياس إذا كان نصا. والمجتهدات ما ليس فيه دليل مقطوع به. قلت: تضمن هذا أن ما يعلم بالاجتهاد لا يكون قطعيا قط، وليس الأمر كذلك فرب دليل خفى قطعي. قال: وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع، فقيل: الأصل ما فيه دليل قطعي، والفرع بخلافه. فعند هؤلاء الأصل ما عددناه قطعيا، وعبر عنه القاضي بأن كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا فهي من الأصول عقلية كانت، أو شرعية، والفرع ما لا يحرم الخلاف فيه، أو ما لا يأثم المخطئ فيه. قلت: كثير من مسائل الفروع قطعي، وإن كان فيها خلاف وإن كان لا يأثم المخطئ فيها لخفاء الدليل عليه كما قد سلمه فيما إذا خفى عليه النص). وهذا فرض جدلي إذا أن المفترض أن الأدلة القطعية لا تخفى على المجتهد، إلا أنه يقال: إن خفى الدليل القطعي على المجتهد لسهو أو نسيان أو غفلة فهو معذور غير مخطئ، وعليه فاجتهاده في هذه الحالة إنما كان لعدم علمه بالدليل القطعي، فهذا على خلاف الأصل، وهذه الحالة لا ينقض بها الأصل العام من أنه لا اجتهاد في المسائل القطعية. وباقي قيود التعريف سبق شرحها في حد الفقه.

стр. 597

تعريف المجتهد: قال الشيخ: (المجتهد: من بذل جهده لذلك). وتعريفه عندي على اعتبار تفسير الفقيه في تعريف الاجتهاد بأنه التهيؤ لمعرفة الأحكام الشرعية يكون: (الفقيه الذي يبذل وسعه لاكتساب حكم شرعي ظني عملي من أدلته التفصيلية). وأما على اعتبار أن كلمة الفقيه المراد به من توفرت فيه شروط الاجتهاد فيكون التعريف: (من بذل وسعه لاكتساب حكم شرعي ظني عملي من أدلته التفصيلية). وكما سبق أن الأول أولى. شروط الاجتهاد تكلم الشيخ عن بعض شروط الاجتهاد وترك الكلام على بعض الشروط الأخرى الهامة كإسلام المجتهد فالاجتهاد عبادة والإسلام شرط في كل عباده (١)، وغير المسلم مهما بلغ من العلم بعلوم الشريعة لا يُقبلُ اجتهادُه (٢). وأن يكون عاقلا؛ لأن من لا عقل له لا يدرك علما، لا فقها ولا غيره (٣).وأن يكون بالغا أو مميزا على الخلاف الوارد في اشتراط ذلك، إلى غير ذلك من الشروط. - الشرط الأول: قال الشيخ: (أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها) (٤). لم يختلف العلماء في اشتراط معرفة أدلة الأحكام في الجملة، ولكن وقع الخلاف في عدد هذه الأدلة.

стр. 598

وسبب اختلافهم هل يكتفي بمعرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، دون ما دل على الأحكام بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة. فمن قال بالأول قال بحصر الأدلة فقالوا من الآيات يكتفى بخمسمائة آية (١) وقيل تسعمائة (٢)، وقيل غير ذلك (٣). ومن قال بالثاني لم يحصر الآيات في آيات الأحكام وحسب بل زاد ما يتعلق بالوعد والإخبار عن أمور الآخرة أو القرون السالفة والأقاصيص والمواعظ ونحوهم، فقل أن يوجد في القرآن الكريم آية إلا ويستنبط منها شيء (٤). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٧٧): (أما الكتاب: فالواجب عليه أن يعرف منه ما يتعلق بالأحكام، وهو قدر خمسمائة آية، كما قال الغزالي وغيره، والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر، فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقل أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء

стр. 599

من الأحكام. وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الأحكام دون ما استفيدت منه، ولم يقصد به بيانها. قوله: «وكذلك من السنة»، أي: ويشترط أن يعرف من السنة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، كما يشترط أن يعرف الآيات التي تتعلق بها من القرآن قلت: فالكلام هنا في التقدير، كالكلام هناك، أعني أن استنباط الأحكام لا يتعين له بعض السنة دون بعض، بل قل حديث يخلو عن الدلالة على حكم شرعي). وأيد السيوطي ما أشار إليه الطوفي من عدم الحصر لأدلة الأحكام وأحاديثها حيث قال في رسالته " الرد على من أخلد إلى الأرض" (ص/١٥٠): (ذكر الغزالي في المستصفى: إنه لا يلزم في الاجتهاد الإحاطة بجميع نصوص الكتاب والسنة، بل تكفيه الإحاطة بما يتعلق منها بالأحكام، وهو خمسمائة آية من الكتاب، وأحاديث مضبوطة من السنة بالكتب، وإن لم تكن محصورة .. ولا حاجة إلى معرفة ما يتعلق منها بالوعد والإخبار عن أمور الآخرة أو القرون السالفة. واستشكله التبريزي في تنقيحه قال: بأن العلم بحصر دلائل الأحكام يتوقف على استقراء جميع جمل الكتاب والسنة وفهم مقاصدها، فكيف يجوز له الاقتصار على علم بعضها؟ وكيف يأمن أن يكون وراء ما حوى وحصر أدلة يمكن استفادة حكم الواقعة منها؟؛ فإن وجوه أدلة الدلائل قد تختلف باختلاف نظر المجتهدين فيختص البعض بدرك ضروب منها، ولهذا عد من خاصية الشافعي ﵁ التفطن لدلالة قوله ﷺ : (إذا أستيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) على نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه من غير تغيير، ودلالة قوله ﵇ أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصم ولا تصلي على تقدير أكثر مدة الحيض بخمسة عشر يوما. ودلالة قوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: ٩٢، ٩٣] على أن من ملك ولده عتق عليه، وما أظن أن أهل الحصر عدوا هذه الآية من أدلة الأحكام - انتهى كلام التبريزي. وقال الزركشي في البحر: ضبط بعضهم معرفة ما يحتاج إليه من السنن المتعلقة

стр. 600

بالأحكام بثلاثة آلاف حديث. وشدد أحمد فسئل كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي، أيكفيه مائة ألف؟ .. قال: لا. قيل: مائتا ألف؟ قال: لا. قيل: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قيل: أربعمائة ألف؟ قال: لا. قيل خمسمائة الف؟ قال: أرجو. قال الزركشي: وكان مراده بهذا العدد آثار الصحابة والتابعين، وطرق المتون، ولهذا قال: من لم يجمع طرق الحديث لم يحل له الحكم ولا الفتيا .. قال بعض أصحابه: ظاهر هذا أنه لا يكون من أهل الاجتهاد حتى يحفظ هذا العدد ... ). وقد اختار الشيخ عياض السلمي أنه يكتفى بمعرفة الأدلة الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر دون ما كانت دلالته خفية، فقال في "أصوله" (ص/٤٥١): (معرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، ومعرفة ما يصِحُّ من تلك الأحاديث وما لا يصِحُّ. أما الآياتُ والأحاديثُ الدالّةُ بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة، فلا يُشترَطُ معرفتُها، كما لا يلزمُ معرفةُ أكثر من دليلٍ واحدٍ على الحكم، إذا لم تكنْ في الدليل الآخَر زيادةُ حكمٍ تتعلَّقُ بشروطه أو قيوده، ونحو ذلك. والدليلُ على اشتراط هذا القدر: أن مَن اجتهد قبلَ تحصيله فقد يُخالفُ المنصوصَ عليه في القرآن أو السنة، فيكونُ اجتهادُه باطلاً. وأما الدليلُ على عدم اشتراط ما زاد على ذلك فهو: أن الصحابةَ كانوا يجتهدون مع غفلتهم عن بعض ما دلّ عليه القرآن بطريق الإشارة أو الالتزام، ولم يكن اجتهادُهم واقعاً ممن ليس أهلاً. ولما عُرفَ عنهم من أنهم يعذرون المخطئَ إذا لم يكن الدليلُ ظاهراً قوياّ. ومما يُؤيِّدُ ما ذكرته أن الإحاطةَ بكلِّ ما في القرآن من المعاني ليس ممكناً، فلو اشترطنا ذلك لما تمكن أحدٌ من الاجتهاد).

стр. 601

والأليق بحال المجتهد الشرط الأول وعدم الاكتفاء بمعرفة الأدلة الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر دون ما كانت دلالته خفية. وحصر الأدلة في عدد معين لا دليل عيه، وأحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقل أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام. وليس معنى ذلك أن المجتهد يستحضر جميع ما ورد في المسالة من أدلة بل يجتهد قدر طاقته وهو دائر بين الأجر والأجرين. والصحابة هم أعلم الناس بالأدلة ووجوه دلالتها على الأحكام، إلا أنه قد يخفى على بعضهم بعض الأدلة سواء أكانت دلالتها على الحكم ظاهرة أم خفية، وليس معنى هذا الاكتفاء ببعض الأدلة دون بعض بل المقصود وجود ملكة الاستنباط وبذل الوسع في معرفة الحكم الشرعي. وأما القول بأن الإحاطةَ بكلِّ ما في القرآن من المعاني ليس ممكناً، فلو اشترطنا ذلك لما تمكن أحدٌ من الاجتهاد، فليس بصحيح فمن عرف دلالات الألفاظ، وأصول الفقه سهل عليه استنباط الأحكام من الأدلة بالقوة القريبة، وإنما يكفيه أن يستقرئ الأدلة للوصول للحكم الشرعي، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد جمعت السنة في دواوين وسهل الوقوف على الأدلة أكثر من ذي قبل. فائدة: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٧٨): (قوله: «بحيث يمكن استحضارها للاحتجاج بها، لا حفظها»، أي: القدر المعتبر معرفته للمجتهد من القرآن الكريم لا يشترط في حقه أن يحفظه، وإن حفظه، فلا يشترط حفظه بلفظه، بل يكفيه أن يكون مستحضرا، بمعنى أنه يعرف مواقعه من مظانه، ليحتج به عند الحاجة إليه، لأن مقصود الاجتهاد - وهو إثبات الحكم بدليله - يحصل بذلك) (١). وقد ذهب بعض العلماء إلى اشتراط حفظ جميع القرآن: فقد نقله ابن عقيل عن كثير من العلماء فقال في "الواضح" (١/ ٢٧٠): (ويجب عند كثير من أهل العلم أن

стр. 602

يكون حافظا لكتاب الله جميعه، ومحيطا بالسنن المتضمنة للأحكام. وذهب المحققون إلى أنه يلزمه أن يحفظ من الآي ما يتعلق به أحكام الفقه، وما هو ناسخ ومنسوخ وتاريخ ذلك وفي ذلك كفاية له عن القصص والمواعظ والأمثال والزواجر إذ لا يتعلق بذلك حكم شرعي ... ). وقال ابن اللحام في " المختصر في أصول الفقه" (ص/ ١٦٣): (نقل القيرواني في المستوعب عن الشافعي أنه يشترط في المجتهد حفظ جميع القرآن ومال إليه أبو العباس) (١). والقول الأول من أنه لا يشترط في المجتهد حفظ ما يتعلق بالأحكام من الأدلة، حيث أمكنه استحضار ذلك عند إرادة الاحتجاج أولى، وذلك لأن مقصود الاجتهاد من إثبات الحكم بدليله يحصل بمجرد الاستحضار دون الحفظ. الشرط الثاني: قال الشيخ: (أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه). قال الطوفي في "مختصر الروضة" - (ص / ١٧٤) وهو يتكلم عن شرط المجتهد: (معرفة صحة الحديث اجتهادا كعلمه بصحة مخرجه وعدالة رواته، أو تقليدا كنقله من كتاب صحيح ارتضى الأئمة رواته) (٢). قال ابن النجار في " شرح الكوكب " (٤/ ٤٦١): ("و" يشترط في المجتهد أيضا: أن يكون عالما ب "صحة الحديث وضعفه" سندا ومتنا، ليطرح الضعيف حيث لا يكون في فضائل الأعمال، ويطرح الموضوع مطلقا، وأن يكون عالما بحال الرواة في القوة والضعف، ليعلم ما ينجبر من الضعف بطريق آخر "ولو" كان علمه بذلك "تقليدا كنقله" ذلك "من كتاب صحيح" من كتب الحديث المنسوبة لأئمته كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والدارقطني والترمذي والحاكم وغيرهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم، كما يؤخذ بقول المقومين في القيم) (٣).

стр. 603

الشرط الثالث: قال الشيخ: (أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع). وعبارة الشيخ تضمنت شرطين وهما: معرفة الناسخ والمنسوخ، ومواقع الإجماع. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٨٠): (قوله: «والناسخ والمنسوخ منهما»، أي: من الكتاب والسنة، لأن المنسوخ بطل حكمه، وصار العمل على الناسخ، فإن لم يعرف الناسخ من المنسوخ، أفضى إلى إثبات المنفي، ونفي المثبت، وقد اشتدت وصية السلف واهتمامهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ، حتى روي عن علي ﵁ أنه رأى قاصا يقص في مسجد الكوفة وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، ثم قال له: أبو من أنت؟ قال: أبو يحيى، قال: أنت أبو اعرفوني، ثم أخذ أذنه ففتلها، وقال: لا تقص في مسجدنا بعد. «ويكفيه» من معرفة الناسخ والمنسوخ أن يعرف «أن دليل هذا الحكم غير منسوخ»، يعني ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة، والإحاطة بمعرفة ذلك أيسر من غيره، لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من الكتاب والسنة. وقد صنف في ناسخ القرآن ومنسوخه أبو جعفر النحاس، والقاضي أبو بكر بن العربي، ومكي صاحب «الإعراب»، ومن المتقدمين هبة الله بن سلامة، ومن المتأخرين ابن الزاغوني، وابن الجوزي وغيرهم، وفي ناسخ الحديث ومنسوخه الشافعي، وابن قتيبة، وابن شاهين، وابن الجوزي، وغيرهم، ويعرف ذلك معرفة جيدة من تفاسير القرآن والحديث البسيطة كتفسير القرطبي، وشرح مسلم للنواوي، وغيرهما. وقد سبقت الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ ... قوله: «ويكفيه معرفة أن هذه المسألة مجمع عليها أم لا». هذا كما سبق في القدر الكافي من الناسخ والمنسوخ، وهو أن يعلم أن هذه المسألة مما أجمع عليه، أو مما اختلف فيه، ولا يشترط أن يعلم الإجماع والخلاف في جميع المسائل، ولعل هذا ينزع إلى تجزؤ الاجتهاد على ما سيأتي إن شاء الله تعالى) (١).

стр. 604

الشرط الرابع: قال الشيخ: (أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص أو تقييد أو نحوه). يعني أنه يشترط أن يعرف المجتهد الأدلة الخاصة التي تخصص العام، والمقيدة التي تقيد الأدلة المطلقة، وقوله: (أو نحوه) فسره بقوله: (ما يرد على النصوص من الشرط والاستفهام وغير ذلك) (١). وهذا الشرط يدخل في الشرط الأول الذي ذكره الشيخ، وله تعلق بالشرط التالي، فلا داعي لعده شرطا زائدا. الشرط الخامس: قال الشيخ: (أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ كالعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ونحو ذلك). تضمن كلام الشيخ اشتراط العلم بأصول الفقه، وبعض ما يحتاج إليه المجتهد من اللغة. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٨١): (يشترط للمجتهد أن يعرف «من النحو واللغة ما يكفيه في معرفة ما يتعلق بالكتاب والسنة من نص وظاهر، ومجمل، وحقيقة ومجاز، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ودليل خطاب ونحوه»، كفحوى الخطاب ولحنه ومفهومه، لأن بعض الأحكام يتعلق بذلك ويتوقف عليه توقفا ضروريا، كقوله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، يختلف الحكم برفع (الجروح) ونصبها (٢) كما سبق في أن شرع من قبلنا شرع لنا، وكقوله -

стр. 605

عليه السلام -: " لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ " الرواية بالرفع وهو يقتضي أن الأنبياء لا يورثون مطلقا، ورواه الشيعة «صدقة» بالنصب (١) وهو يقتضي نفي الإرث عما تركوه للصدقة، ومفهومه أنهم يورثون غيره من الأموال، حتى إنهم بناء على ذلك ظلموا أبا بكر ﵁ وشنعوا عليه بأنه منع فاطمة حقها، وكقوله ﵇: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رواه الشيعة بالنصب أبا بكر وعمر على النداء، أي: يا أبا بكر، فعلى رواية الجر هما مقتدى بهما، وعلى رواية النصب هما مقتديان بغيرهما، وكذلك قوله ﵇ في حديث محاجة آدم وموسى: فحج آدم موسى برفع آدم على أنه فاعل وموسى مفعول، وعكس القدرية ذلك، فنصبوا آدم تصحيحا لمذهب القدر (٢). وقد فرق الفقهاء بين من يعرف العربية وغيره في مسائل كثيرة من باب الطلاق والإقرار على ما تقرر في كتب الفقه، وبنى محمد بن الحسن على قواعد العربية كثيرا من ذلك، كفرقه بين قول القائل: أي عبيدي ضربك فهو حر، وبين قوله: أي عبيدي ضربته، فهو حر، وذكر الجرجاني جملة من ذلك في كتاب مفرد، وذكرت كثيرا من ذلك في كتاب «الرد على منكري العربية».

стр. 606

وعلم تتعلق به الأحكام الشرعية هذا التعلق جدير أن يكون معتبرا في الاجتهاد، ويلحق بالعربية التصريف لما يتوقف عليه من معرفة أبنية الكلم والفرق بينهما كما سبق في باب المجمل من لفظ مختار ومغتال، فاعلا ومفعولا ... لا يشترط معرفة دقائق العربية والتصريف حتى يكون كسيبويه، والأخفش، والمازني، والمبرد، والفارسي، وابن جني ونحوهم، لأن المحتاج إليه منها في الفقه دون ذلك.) (١). وقال أيضا في (٣/ ٥٧٧): (" وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام "، أي: طرقها التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها، " وهي الأصول " المتقدم ذكرها، وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، والأصول المختلف فيها، " وما يعتبر للحكم في الجملة " من حيث الكمية والمقدار حيث يعتبر ذلك للحكم، أو من حيث الكيفية كتقديم ما يجب تأخيره، وتأخير ما يجب تقديمه؛ لأن ذلك كله آلة للمجتهد في استخراج الحكم، فوجب اشتراطه، كالقلم للكاتب، والقدوم ونحوه للنجار) (٢). قال ابن عقيل في "الواضح" (١/ ٢٧٢): (ويجب في الجملة أن يكون عالما بجميع أصول الفقه وأدلة الأحكام، وما هو أولى بالتقديم منها، على ما تقدم من ترتيبنا). الشرط السادس: قال الشيخ: (أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها). والمدقق يرى أن هذا ليس شرطا وإنما هو كالثمرة، أو النتيجة لتحقق الشروط السابقة فمن تحققت فيه الشروط السابقة تكونت عنده هذه القدرة، ومن لم تتوفر فيه هذه الشروط فهو قاصر غير كامل الأهلية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. تجزؤ الاجتهاد: قال الشيخ: (والاجتهاد قد يتجزأ فيكون في باب واحد من أبواب العلم أو في مسألة من مسائله).

стр. 607

تمهيد: قبل الكلام على هذه المسألة أرى أنه لابد من التوطئة لها بذكر بعض المسائل المتعلقة بها وهي: ١ - أنواع المجتهدين: قال ابن الصلاح في "أدب المفتي" (ص/٨٦): (ينقسم المفتي إلى قسمين مستقل وغير مستقل: القسم الأول المفتي المستقل وشرطه أن يكون مع ما ذكرناه قيما بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ... فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية ولن يكون إلا مجتهدا مستقلا. والمجتهد المستقل هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد وتقيد بمذهب أحد. القسم الثاني المفتي الذي ليس بمستقل ومنذ دهر طويل طوي بساط المفتي المستقل المطلق والمجتهد المستقل وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتي المنتسب أحوال أربع: الأولى (١) أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لكونه قد جمع الأوصاف والعلوم المشترطة في المستقل وإنما ينتسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى سبيله ...

стр. 608

فتوى المنتسبين في هذه الحالة في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل بها ويعتد بها في الإجماع والخلاف والله أعلم. الحالة الثانية أن يكون في مذهب إمامه مجتهدا مقيدا فيستقل بتقرير مذاهبه بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده ومن شأنه أن يكون عالما بالفقه خبيرا بأصول الفقه عارفا بأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده ولا يعرى عن شوب من التقليد له لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل مثل أن يخل بعلم الحديث أو بعلم اللغة والعربية وكثيرا ما وقع الإخلال بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيد ويتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها نحو ما يفعله المستقل بنصوص الشارع وربما مر به الحكم وقد ذكره إمامه بدليله فيكتفي بذلك فيه ولا يبحث هل لذلك الدليل من معارض ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقل وهذه صفة أصحاب الوجوه والطرق في المذهب. وعلى هذه الصفة كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم ومن كان هذا شأنه فالعامل بفتياه مقلد لإمامه لا له؛ لأن معوله على صحة إضافة ما يقوله إلى إمامه لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع والله أعلم. تنبيهات الأول الذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأن من كانت هذه حالته ففرض الكفاية لا يتأدى به ووجهه أن ما فيه من التقليد نقص وخلل في المقصود وأقول إنه يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد به فرض الكفاية في أحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى لأنه قد قام في فتواه مقام إمام مطلق فهو

стр. 609

يؤدي عنه ما كان يتأدى به الفرض حين كان حيا قائما بالفرض فيها والتفريع على الصحيح في أن تقليد الميت جائز. الثاني قد يوجد من المجتهد المقيد الاستقلال بالاجتهاد والفتوى في مسألة خاصة أو باب خاص كما تقدم في النوع الذي قبله والله أعلم الثالث يجوز له أن يفتي فيما لا يجده من أحكام الوقائع منصوصا عليه لإمامه بما يخرجه على مذهبه هذا هو الصحيح الذي عليه العمل وإليه مفزع المفتين من مدد مديدة فالمجتهد في مذهب الشافعي مثلا المحيط بقواعد مذهبه المتدرب في مقاييسه وسبل تصرفاته متنزل كما قدمنا ذكره في الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه وهذا أقدر على هذا من ذاك على ذاك فإن هذا يجد في مذهب إمامه من القواعد الممهدة والضوابط المهذبة ما لا يجده المستقل في أصل الشرع ونصوصه ثم إن هذا المستفتي فيما يفتيه به من تخريجه هذا مقلد لإمامه لا له، قطع بهذا الشيخ أبو المعالي ابن الجويني في كتابه الغياثي، وأنا أقول ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أن ما يخرجه أصحابنا ﵏ على مذهب الشافعي ﵁ هل يجوز أن ينسب إليه واختار الشيخ أبو إسحاق أنه لا يجوز أن ينسب إليه والله أعلم الرابع تخريجه تارة يكون من نص معين لإمامه في مسألة معينة وتارة لا يجد لإمامه نصا معينا يخرج منه فيخرج على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه وعلى شرطه فيفتي بموجبه ثم إن وقع النوع الأول من التخريج في صورة فيها نص لإمامه مخرجا خلاف نصه فيها من نص آخر في صورة أخرى سمي قولا مخرجا وإذا وقع النوع الثاني في صورة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك سمي ذلك وجها ويقال فيها وجهان وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين أن لا يجد بين المسألتين فارقا ولا حاجة في مثل ذلك إلى علة جامعة وهو من قبيل إلحاق الأمة بالعبد في قوله ﷺ من أعتق شركا له في عبد قوم عليه ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجزله على الأصح التخريج ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما معتمدا على الفارق وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق والله أعلم

стр. 610

الحالة الثالثة أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق غير أنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها وبنصرته يصور ويحرر ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح لكنه قصر عن درجة أولئك إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم وإما لكونه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارتياضهم وإما لكونه غير متبحر في علم أصول الفقه على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أداته على أطراف من قواعد أصول الفقه وإما لكونه مقصرا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الخامسة من الهجرة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف بها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثانية في تخريج الوجوه وتمهيد الطرق في المذهب وأما في فتاويهم فقد كانوا يتبسطون فيها كتبسيط أولئك أو قريبا منه ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور في المذهب غير مقتصرين في ذلك على القياس الجلي وقياس لا فارق الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في إعتاق الشريك وقياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن، وفيهم من جمعت فتاويه وأفردت بالتدوين ولا يبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه ولا تقوى كقوتها والله أعلم. الحالة الرابعة أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها غير أن عنده ضعفا في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه فإن وجد في المنقول ما هذا في معناه بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل أنه لا فارق بينهما كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك جاز له إلحاقه به والفتوى به وكذلك ما يعلم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه ... قلت وينبغي أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة وفي الحالة التي قبلها بأن يكون المعظم على مد ذهنه ويكون لدربته متمكنا من الوقوف على الباقي بالمطالعة أو

стр. 611

ما يلتحق بها على القرب كما اكتفينا في أقسام الاجتهاد الثلاثة الأول بأن يكون المعظم على ذهنه ويتمكن من إدراك الباقي بالاجتهاد على القرب ... ) (١). وذكر نحوه ابن حمدان في "صفة الفتوى" ثم قال (ص/٢٤): (القسم الثالث - المجتهد في نوع من العلم، فمن عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وأن جهل أحاديث النكاح وغيره وقيل يجوز ذلك في الفرائض دون غيرها وقيل بالمنع فيهما وهو بعيد. القسم الرابع - المجتهد في مسائل أو في مسألة وليس له الفتوى في غيرها، وأما فيها فالأظهر جوازه ويحتمل المنع لأنه مظنة القصور والتقصير. ثم قال: فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة فهو عاص آثم لأنه لا يعرف الصواب وضده فهو كالأعمى الذي لا يقلد البصير فيما يعتبر له البصر لأنه بفقد البصر لا يعرف الصواب وضده (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) [المطففين: ٤]، قال ابن الجوزي: يلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنوا أمية ومن تصدى للفتيا ظانا أنه من أهلها فليتهم نفسه وليتق ربه). ٢ - تحرير محل النزاع ببيان معنى التجزؤ وهل كل الشروط السابقة تقبل التجزؤ ؟ الشروط العامة السابقة يلزم اجتماعها في المجتهد المستقل، ولكن المجتهد في مسألة واحدة أو باب واحد لا يشترط فيه اجتماع كل هذه الشروط، بل يشترط أن يعرف منها ما يتعلق بالباب الذي سوف يجتهد فيه أو المسألة. إلا أن بعض الشروط كلية لا تقبل التجزؤ كمعرفته للغة العرب، وأصول الفقه، وكذا معرفته لما يتعلق بصحة الحديث إن قلنا أنه لا يكتفى بالتقليد فيه. فعلى سبيل المثال من أراد أن يحصل آلة الاجتهاد في باب البيوع، فلابد وأن يتعرف على الأدلة الخاصة بهذا الباب، وما نسخ منها، ومواقع الإجماع فيه، ويكون على بصيرة في فهم اللغة، وما يحتاج إليه في المسألة من أصول الفقه فهذا تتكون له ملكة الاستنباط في هذا الباب أو هذه المسألة.

стр. 612

قال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٤٥٥): (المقصود بتجزئة الاجتهاد: أنْ يكونَ الفقيهُ مجتهداً في بابٍ من أبواب الفقه دون غيره، أو في مسألةٍ دون مسألةٍ. وهذه المسألةُ من المسائل التي طال كلامُ الأصوليين فيها، ويُمكنُ تلخيصُه فيما يلي: ليس من محلّ النزاع أنْ يجتهدَ في مسألةٍ فقهيةٍ مَن لم تتوافرْ فيه شروطُ الاجتهاد العامّة، وهي: معرفةُ العربية، ودلالات الألفاظ، والقدرة على الاستنباط، ومعرفةُ ما يحتاج إليه في المسألة من أصول الفقه. فمن لم يحصل هذه الشروط لا يُمكنُ أنْ يُعدَّ مجتهداً في شيءٍ من مسائل الفقه. ولهذا قال ابنُ الزملْكانيّ: «فما كان من الشروط كلّياً، كقوّةِ الاستنباط، ومعرفةِ مجاري الكلام، وما يُقبَلُ من الأدلّة، وما يُردُّ، ونحوِه، فلا بدَّ من استجماعه بالنسبة إلى كلّ دليلٍ ومدلولٍ، فلا تتجزّأ تلك الأهليّةُ» (١). وإنما موضعُ النزاع أن مَن له قدرةٌ على النظر في الأدلّة والاستنباط منها، وحصّل الشروطَ العامّةَ للاجتهاد إذا لم يُحطْ بأدلّة الفقه كلِّها، هل له أنْ يجتهدَ في المسائل التي أحاط علماً بأدلّتها؟). الأقوال في المسألة والترجيح: قال الشيخ شعبان محمد إسماعيل في كتابه "الاجتهاد الجماعي ": (وقد اختلف العلماء في مسألة تجزؤ الاجتهاد على أربعة مذاهب: المذهب الأول: أن ذلك جائز وهو مذهب الجمهور، من الشافعية كالآمدي وابن السبكي والغزالي، والحنفية كالكمال بن الهمام، وصاحب مسلم الثبوت، والمعتزلة كأبي علي الجبائي وأبي عبدالله البصري، ومن الحنابلة ابن تيمية وابن القيم (٢).

стр. 613

واستدلوا على مذهبهم بأدلة كثيرة نكتفي منها بما يأتي: أولاً: بقول النبي ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ووجه الدلالة من الحديث: أن الإنسان لو تمكن من جمع الأدلة في مسألة معينة كان متمكناً من الوصول إلى العلم بحكم هذه المسألة من دليلها، فتركه إلى التقليد خلاف المعقول، وخلاف ما أفاده الحديث، لأن ما كان عن تقليد فيه ريب، وما كان عن دليل يكون خالياً من هذا الريب، فيكون المكلف مأموراً بالاجتهاد فيما حصّل فيه شروطه. ثانياً: قوله ﷺ : (استفت نفسك ون أفتاك المفتون). ووجه الدلالة من الحديث: أن في أمر الرسول ﷺ باستفتاء النفس ترجيح لاجتهاد الإنسان على اجتهاد غيره، فيجب العمل باجتهاده فيما يعن له من مسائل كملت أهليته للاجتهاد فيها. ثالثاً: أن المجتهد في بعض المسائل يعرف الحكم فيها عن دليل منصوب من قبل الشارع، فيجب إتباعه ولا يسوغ له تركه بقول أحد، فثبت بذلك وجوب الاجتهاد فيما يمكنه. رابعاً: لو لم يتجزأ الاجتهاد للزم أن يكون المجتهد عالماً بجميع المسائل، واللازم منتف، لأن كثيراً من المجتهدين قد سئل عن عدة مسائل فأجاب عن البعض ولم يجب عن البعض الآخر، ولم ينازع أحد في كونهم مجتهدين، فقد روي عن الإمام مالك أنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع وقال في الباقي: لا أدري. المذهب الثاني: أن ذلك غير جائز، وأن العالم لا يقال له مجتهد إلا إذا أحاط بأدلة الفقه جميعها. وعلى ذلك بعض الأصوليين، منهم الإمام أبو حنيفة (١) والشوكاني وغيرهما. قال الشوكاني: (إن العلماء قد اتفقوا على أن المجتهد لا يجوز له الحكم بالدليل حتى تحصل له غلبة الظن بحصول المقتضي وعدم المانع، وإنما يحصل ذلك للمجتهد

стр. 614

المطلق، وأما مَن ادعى الإحاطة بما يحتاج إليه في مسألة دون مسألة فلا يحصل له شيء من غلبة الظن، لأنه لا يزال يجوز وجود غير ما وصل إليه علمه). واستدلوا على ذلك: بأن كل إنسان يبحث عن الحكم لو لم يكن عالماً بجميع المدارك ومحيطاً بكل الأدلة لا يجوز له الاجتهاد، لأنه قد يتعلق الحكم الذي يبحث عنه ببعض ما يجهله، فلا يكون الحكم صحيحاً. فالاجتهاد في بعض الأبواب غير جائز. ويمكن مناقشة ذلك: بأن ذلك مخالف للواقع، فليس هناك من المجتهدين مَن علم كل المدارك، حتى الأئمة المتبوعون، وإلا لما توقف بعضهم عن الفتوى، كالإمام مالك .. وكم توقف الإمام الشافعي ﵀ بل بعض الصحابة ﵃ توقفوا في العديد من المسائل، وكان بعضهم يحيل على البعض الآخر. فإذاً لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي، فيفتي فيما يدري أنه يدري، ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري، فيتوقف فيما لا يدري، ويفتي فيما يدري. المذهب الثالث: التوقف وعدم الجزم برأي معين، وهو ما ذهب إليه ابن الحاجب، ولعله رأى أن الأدلة متكافئة، وهي متعارضة فيلزم التوقف. وأقول: إن المتأمل في أدلة المذاهب المختلفة يدرك أن الأدلة غير متكافئة، فأدلة المذهب الأول قوية وراجحة، ويؤيدها الواقع الذي لا يمكن إنكاره، فالترجيح هنا وارد. المذهب الرابع: أن الاجتهاد يتجزأ بالنسبة للفرائض دون غيرها من أبواب الفقه. ونسب هذا الرأي إلى ابن الصباغ من الشافعية. وحجة مَن ذهب إلى ذلك: أن لباب المواريث أدلة خاصة، فيجوز أن يجتهد فيها، ولا يمنعه جهله بأدلة الأبواب الأخرى من الفقه. والواقع أن هذه التفرقة لا معنى لها، فلا فرق بين المواريث وغيرها من أبواب الفقه، وما دام أصحاب هذا المذهب يجوزون الاجتهاد في باب المواريث فيجوز في غيرها، حيث لا فارق بينهما متى وجدت الشروط التي تؤهله للاجتهاد في مسألة ما. الراجح في المسألة: ويبدو من خلال العرض للأدلة السابقة والمناقشات الواردة عليها أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من تجزؤ الاجتهاد، ... وهذا إنما يتم بشرطين:

стр. 615

الأول: أن تكون لديه الأهلية العلمية العامة للفهم والاستنباط. بمعنى أن يكون عنده إلمام مناسب بمثله من الشروط بالنسبة للمجتهد المطلق. الثاني: أن يدرس موضوعه أو مسألته دراسة مستوعبة، بحيث يحيط بها من جميع جوانبها، حتى يتمكن من الاجتهاد فيها.) (١). ما يلزم المجتهد: قال الشيخ: (يلزم المجتهد أن يبذل جهده في معرفة الحق ثم يحكم بما ظهر له فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور له. وإن لم يظهر له الحكم وجب عليه التوقف وجاز التقليد حينئذ لضرورة). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٦٣٣): (إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد وهذا الكلام من المؤلف يدل على أن المجتهد مخطئ ومصيب، وليس كل مجتهد مصيبًا- وهو كذلك- والدليل قوله: "إذَا حَكَمَ الحاكمُ فاجتهد فأصابَ فله أجرَانِ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطا فله أجر " وهذا صريح في أن المجتهد وإن أخطأ فله أجر لأنه تعب وحرص على إدراك الحق، ولم يوفق له، فيكون له أجر التعب، أما أجر الإِصابة فهو محروم منه لأنه لم يصب، وأما إذا اجتهد فأصاب فإن له أجرين: الأجر الأول التعب في الاجتهاد وطلب الأدلة، والأجر الثاني: إصابة الحق. أما ثبوت الأجر على الوجه الأول فظاهر؛ لأن الإنسان عمل وتعب فهو مكتسب وقد قال الله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة: ٢٨٦]، لكن حصول الأجر على الوجه الثاني وهو إصابة الحق فيه شيء من الإشكال، ولكن هذا الإِشكال يتبين بأن نقول: إن مجرد إصابة الحق فيها أجر لأن إصابة الحق إظهار له، ثم إن الغالب أنه لم يصب إلا لزيادة تحريه واجتهاده فيكون اجتهاد المصيب في الغالب أكثر من اجتهاد المخطئ، ولهذا صار له أجران).

стр. 616

- متى يتوقف المجتهد: سبق في باب التعارض الكلام على مسألة: ماذا يفعل المجتهد إن لم يمكنه الجمع أو الترجيح، ولم يعلم الناسخ: وقلنا: إذا وجد المجتهد دليلان متعارضان فإنه يجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع والتوفيق بين الأدلة، فإن تعذر عليه ذلك - ولم يكن أحدهما منسوخا، فإنه يتوقف عن الاستدلال بأيهما لحين ظهور وجه الجمع بينهما، أو الترجيح لأحدهما على الآخر، وإنما قلنا بالتوقف لأن الحق واحد لا يتعدد، ولم نقل بالتخيير بين أيهما لأن هذا يستلزم تعدد الحق، وأنه ليس محصورا في واحد منهما. - تتمة: المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم فإنه يحكم بما ظهر له، ولم يجز له التقليد، والكلام على بعض الحالات التي قيل أن المجتهد يقلد فيها: ذكر الشيخ أن المجتهد إذا اجتهد ولم يظهر له الحكم وجب عليه التوقف وجاز التقليد حينئذ لضرورة. وعبارة الشيخ عامة في جواز التقليد للمجتهد في كل الحالات التي لم يظهر له فيها الحكم سواء أكان لتعارض الأدلة، أو لضيق الوقت، ونحو ذلك والراجح خلافه كما سيأتي. ومن الحالات التي قيل فيها أن المجتهد أيضا يجوز له التقليد: قيل قبل أن يجتهد - وهو أهل له -، وعند العمل لا الإفتاء، وقيل يجوز أن يقلد من هو أعلم منه مطلقا، وقيل: من الصحابة دون من غيرهم. قال ابن قدامة في "الروضة" (ص/٣٧٧): (المجتهد الذي صارت العلوم عنده حاصلة بالقوة القريبة من الفعل من غير حاجة إلى تعب كثير بحيث لو بحث عن المسألة ونظر في الأدلة استقل بها ولم يفتقر إلى تعلم من غيره فهذا المجتهد هل يجوز له تقليد غيره؟ قال أصحابنا ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ولا سعته لا فيما يخصه ولا فيما يفتي به لكن يجوز له أن ينقل للمستفتي مذهب الأئمة كأحمد والشافعي ولا يفتي من عند نفسه بتقليد غيره لأن تقليد من لا تثبت عصمته ولا تعلم إصابته حكم شرعي لا يثبت إلا بنص أو قياس ولا نص ولا قياس إذ المنصوص عليه العامي مع

стр. 617

المجتهد وليس ما اختلفنا فيه مثله فإن العامي عاجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه والمجتهد قادر فلا يكون في معناه ... ). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٦٢٩): (يجوز للعامي تقليد المجتهد ولا يجوز ذلك لمجتهد اجتهد، وظن الحكم، اتفاقا فيهما»، أي: في الصورتين المذكورتين. أي: أن العامي يجوز له تقليد المجتهد بالاتفاق، وأن المجتهد إذا اجتهد وغلب على ظنه أن الحكم كذا لا يجوز تقليد غيره بالاتفاق أيضا، أي: لا خلاف في ذلك. «أما من لم يجتهد» في الحكم بعد، وهو متمكن من معرفته بنفسه «بالقوة القريبة من الفعل»، لكونه أهلا للاجتهاد، «فلا يجوز له» تقليد غيره «أيضا مطلقا»؛ لا لأعلم منه ولا لغيره؛ لا من الصحابة ﵃ (١) - ولا غيرهم؛ لا للعمل ولا للفتيا؛ لا مع ضيق الوقت ولا سعته. «وقيل: يجوز» - يعني التقليد - لهذا المجتهد المذكور «مع ضيق الوقت» عن معرفة الحكم باجتهاده، مثل أن ضاق وقت الصلاة، وقد أشكل عليه بعض شروطها وأركانها، بحيث لو أخرها ليستوفي النظر في ذلك فات وقتها؛ جاز له أن يقلد بعض الأئمة في ذلك. «وقيل»: يجوز له التقليد «ليعمل» به «لا ليفتي» به - يعني فيما يخصه دون ما يتعلق به حكم غيره - وهو قول بعض العراقيين. «وقيل»: يجوز له التقليد «لمن هو أعلم منه» من الصحابة أو غيرهم، دون غيره، وهو قول محمد بن الحسن. «وقيل»: يجوز تقليد غيره «من الصحابة» دون غيرهم. قوله: «لنا: مجتهد فلا يقلد». أي: لنا على أن المجتهد لا يقلد غيره وجهان:

стр. 618

أحدهما: القياس على ما لو اجتهد، وظن الحكم، لأن الكلام في مجتهد لم يجتهد بالفعل، فنقول: هذا مجتهد، فلا يجوز له تقليد غيره، «كما لو اجتهد وظن الحكم»، فإنه لا يجوز له تقليد غيره اتفاقا، كذلك ههنا، والجامع بينهما أهلية الاجتهاد، ولا أثر للفرق بينهما، بأن ذلك قد اجتهد بالفعل، وظن الحكم، بخلاف هذا، لأن ذلك تفاوت يسير، لأن تحصيل ظن الحكم على هذا يسير، بأن يجتهد كما اجتهد غيره. الوجه الثاني: أنه ربما اجتهد، فتبين له خطأ من قلده. وحينئذ كيف يجوز أن «يعمل بما يعتقد خطأه؟» ولقائل أن يقول: إنا إذا جوزنا له تقليد ذلك الغير، فإنما ذلك بشرط أن لا يوجد منه اجتهاد في ذلك الحكم بنفسه، فإن وجد منه اجتهاد تعين ما صار إليه اجتهاده وسقط التقليد، كواجد الماء بعد التيمم وسائر المبدلات بعد إبدالها. قوله: «نعم» أي: لا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره. «نعم له أن ينقل مذهب غيره للمستفتي»، إرشادا له إليه، «ولا يفتي هو بتقليد أحد». قوله: «قالوا:» يعني من جوز التقليد احتجوا بوجوه: أحدها: قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] «وهذا» وإن كان أهلا للاجتهاد، لكنه «لا يعلم» هذا الحكم الخاص، فيتناوله عموم هذا النص، فجاز له التقليد كالعامي. الوجه الثاني: قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]، «وهم العلماء»، أمر بطاعتهم، وذلك بتقليدهم فيما يخبرون به عن الشرع، والخطاب للمؤمنين، وهو يتناول هذا المجتهد وغيره. الوجه الثالث: «أن الأصل جواز التقليد» لامتناع حصول أدوات الاجتهاد في كل أحد عادة «ترك» ذلك «في من اجتهد» وظن الحكم، «لظهور الحق له بالفعل، فمن عداه» يبقى «على الأصل» وهو جواز التقليد، فثبت بهذه الوجوه أن هذا المجتهد المذكور يجوز له التقليد. قوله: «قلنا:» إلى آخره هذا جواب الوجوه المذكورة. أما قوله : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)، فالمأمور بالسؤال هم «العامة» بدليل قوله : (إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، ولا نسلم أن هذا لا يعلم بل هو يعلم الحكم «بالقوة القريبة» من الفعل، لأن الفرض أنه مجتهد، «بخلاف العامي»؛ فإنه لا سبيل له إلى معرفة

стр. 619

الحكم بالاجتهاد. وأما قوله : (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فلا نسلم أنهم العلماء، بل هم «الولاة»، لأن ذلك هو المتبادر من لفظ: (وَأُولِي الْأَمْرِ) بدليل قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣]، ولو كان أولو الأمر ههنا العلماء لم يستقم، إذ لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ والفرض أنه لامهم على ترك الرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، وهم أمراؤهم ورؤساؤهم الذين التزموا طاعتهم. وإن سلمنا أن أولي الأمر هم العلماء «فجوابه ما ذكر» يعني في الجواب عن الوجه الأول من أن المأمور بطاعة العلماء هم العامة لا المجتهدون، «ثم هو معارض بعموم» قوله : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: ٢] وقوله : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤] وقوله : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣] أمر بالاعتبار وهو الاجتهاد، وحض على التدبر والاستنباط، وهو يدل على وجوبه على العموم، «ترك في العامي لعدم أهليته» ففي غيره يبقى على مقتضاه في وجوب الاجتهاد وذلك يعارض ما ذكرتم من دلالة طاعة أولي الأمر على التقليد. قوله: «الأصل جواز التقليد» . قلنا: لا نسلم، بل الأصل منعه، لأنه أخذ بغير دليل. قوله: لامتناع حصول أدوات الاجتهاد في كل أحد عادة. قلنا: لا نسلم أن هذا يجيز التقليد. ثم الكلام فيمن حصل أدوات الاجتهاد. قلت: هذه المسألة المتنازع فيها واسطة بين طرفين، فتجاذباها، وذلك لأن العامي يقلد باتفاق، والمجتهد إذا ظن الحكم باجتهاد لا يقلد باتفاق. أما المجتهد الذي لم يجتهد في الحكم، ويظهر له فهو متردد بين الطرفين، فبالنظر إلى أنه لم يحصل له ظن الحكم يلحق بالعامي، وبالنظر إلى أن فيه أدوات الاجتهاد، وهو قادر على معرفة الحكم بقوته القريبة من الفعل يلحق بالمجتهد الذي ظن الحكم في عدم جواز التقليد، ولا يخفى أنه به أشبه، وكذلك الكلام فيمن تمكن

стр. 620

من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، كالنحوي في مسألة نحوية، والمحدث في مسألة خبرية تتعلق بعلم أحوال الرواة، ونحو ذلك؛ هو محل اجتهاد، وإلحاقه بالعامي أشبه بخلاف المجتهد المستقل بمعرفة الحكم إذا اجتهد. فحصل من هذا الباب أن المراتب أربع: عامي محض. متمكن من الاجتهاد في البعض دون البعض. مجتهد كامل لم يجتهد. مجتهد كامل اجتهد وظن الحكم. فالطرفان قد عرف حكمهما وهو أن العامي يقلد، والمجتهد بالفعل الظان للحكم لا يقلد، والمجتهد الكامل الذي لم يجتهد مختلف فيه، والأظهر أنه لا يقلد، ويلحق به من اجتهد بالفعل، ولم يظن الحكم لتعارض الأدلة أو غيره بطريق أولى، والمتمكن من الاجتهاد في البعض دون البعض الأشبه أن يقلد؛ لأنه عامي من وجه، ويحتمل أن لا يقلد، لأنه مجتهد من وجه، فهو محل اجتهاد، وله مراتب متعددة بحسب ما يتمكن من الاجتهاد فيه من المسائل. قوله: «ووجه بقية التفاصيل ظاهر» يعني التفاصيل المذكورة في «المختصر» وكذا في غيره. أما الفرق بين ضيق الوقت وسعته، فلأن في تقليده مع ضيق الوقت تحصيلا للعمل في وقته بقول مجتهد ما، فهو أولى من إخلاء الوقت عن وظيفته لتوقع ظهور الحكم بالاجتهاد. وأما الفرق بين تقليده للعمل والفتيا؛ فلأن تقليده ليعمل به هو تصرف فيما يخص نفسه من العمل، فجاز كتوكيله في حق نفسه، بخلاف تقليده لفتيا الغير، لأنه كتوكيله في حق غيره. وأما الفرق بين تقليده من هو أعلم منه دون غيره؛ فلأن تقليده أعلم منه يفيده ظنا غالبا أعلى من ظهور ظنه ورتبته، إذ الغالب أن الأعلم أقرب إلى الحق، والإصابة عليه أغلب، فصار كاجتهاده هو في الحكم بخلاف تقليده دونه، إذ لا يفيده الظن ومن هو مثله، إذ لا مرجح له على اجتهاده لنفسه.

стр. 621

ويشبه هذا من مسائل الفروع أن من أودع شيئا وعين له موضعا، فنقله المودع إلى أحرز منه، لم يضمن إن تلف، وإن نقله إلى مثله أو دونه ضمن. والفرق بين تقليده الصحابي دون غيره: أن الصحابي أقرب إلى الإصابة من غيره لما عرف من خصائص الصحابة ﵃. قوله: «ودليل ضعفها عموم الدليل» أي: دليل ضعف التفاصيل المذكورة عموم الدليل المذكور على المنع من التقليد ، كما تقرر في الوجهين الأولين) (١). وعليه فالراجح أن المجتهد المستقل ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ولا سعته لا فيما يخصه ولا فيما يفتي به لكن يجوز له أن ينقل للمستفتي مذهب الأئمة كأحمد والشافعي ولا يفتي من عند نفسه بتقليد غيره، وأما المجتهد في مسألة أو في باب له أن يقلد في غير ما هو مؤهل للاجتهاد فيه. التقليد تعريف التقليد لغة: قال الشيخ: (التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به كالقلادة). قال ابن أبي الفتح في "المطلع" (ص/٢٠٦): (التقليد مصدر قلد قال الجوهري وتقليد البدنة أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي). قال المردوي في " التحبير" (٨/ ٤٠١١): (التقليد في اللغة: جعل الشيء في العنق من دابة وغيرها محيطا به، وهذا احتراز مما لم يكن محيطا بالعنق، فلا يسمى قلادة في عرف اللغة ولا غيرها، والشيء المحيط بشيء يسمى قلادة وجمعها قلائد، ومنه قوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) [المائدة: ٢]، يعني: ما يقلده الهدي في عنقه من النعال وآذان القرب) (٢).

стр. 622

وجاء في المعجم الوسيط مادة قلد: ((قلد) الشيء قلدا لواه يقال قلد الحديدة رققها ولواها على شيء والحبل فتله والماء في الحوض ونحوه جمعه فيه والحمى فلانا أخذته كل يوم والزرع سقاه. (أقلد) البحر عليهم غرقهم وأطبق عليهم. (قلده) القلادة جعلها في عنقه والبدنة علق في عنقها شيئا ليعلم أنها هدي وفلانا السيف ألقى حمالته في عنقه ويقال قلد فلانا نعمة أعطاه عطية أو أسدي إليه معروفا وقلده قلادة سوء هجاه هجاء يلازمه أثره وفلانا الأمر أو العمل فوضه إليه وألزمه إياه ويقال قلد الشيخ حبله خرف فلا يلتفت لرأيه وفلانا اتبعه فيما يقول أو يفعل من غير حجة ولا دليل وحاكاه يقال قلد القرد الإنسان. (تقلد) القلادة لبسها والسيف علقه عليه والأمر احتمله. (القلادة) ما يجعل في العنق من حلي ونحوه ووسام يجعل في العنق تمنحه الدولة لمن تشاء تقديرا له (محدثة) (ج) قلائد وقلائد الشعر البواقي على الدهر منه ... ) (١). تعريف التقليد اصطلاحا: عرفه الشيخ بقوله: (إتباع من ليس قوله حجة). صدر الشيخ تعريف التقليد بأنه إتباع، وهذا يجرنا للكلام على التقليد والإتباع . التقليد والإتباع: الإتباع لغة: قال الزبيدي في "تاج العروس" مادة (ت ب ع): (تَبِعَهُ، كفَرِحَ يَتْبَعُهُ تَبَعاً، مُحَرَّكَةً، وَتَبَاعَةً، كسَحَابَةٍ: مَشَى خَلْفَهُ أَوْ مَرَّ به فمَضَى مَعَهُ، يُقَالُ: تَبعَ الشَّيْءَ تَبَاعاً، فِي الأَفْعَالِ. وتَبِعَ الشَّيْءَ تُبُوعاً: سارَ في إِثْرِهِ ... ). معنى الإتباع في الاصطلاح: قال الشيخ العثيمين ﵀ في رسالة "الخلاف بين العلماء": (الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ١ ـ عالِم رزقه الله عِلماً وفهماً.

стр. 623

٢ ـ طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحِّر. ٣ ـ عامي لا يدري شيئاً. أما الأول: فإن له الحق أن يجتهد وأن يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتضى الدليل عنده مهما خالفه مَن خالفه من الناس، لأنه مأمور بذلك. قال تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣] وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله. أما الثاني: الذي رزقه الله علماً ولكنه لم يبلغ درجة الأول، فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزاً في ذلك، وألا يقصِّر عن سؤال مَن هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطأ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خصَّص ما كان عامًّا، أو قيَّد ما كان مطلقاً، أو نَسَخَ ما يراه محكماً. وهو لا يدري بذلك. أما الثالث: وهو مَن ليس عنده علم، فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣]، وفي آية أخرى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) [النحل: ٤٣، ٤٤]. فوظيفة هذا أن يسأل ... ). مرتبة الإتباع هي لمن هو قاصر عن مرتبة الاجتهاد، فهو يفهم الحجة ويعرف الدليل ولكنه في نفس الوقت ليس عنده القدرة على الاستقلال بفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها، وقد لا يكون قادراً على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر. فهذا فيه شبه بكلا الطرفين - أي المجتهد والمقلد -، والأقوى عندي حفاظا على جانب الفتوى، وللأدلة التي ساقها الآمدي أنه يلحق بجانب المقلد، قال الآمدي في " الإحكام" (٤/ ٢٣٤): (العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد يلزمه إتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه عند المحققين من الأصوليين ومنع من ذلك بعض معتزلة البغداديين وقالوا لا يجوز ذلك الا بعد أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله ونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها كالعبادات الخمس والمختار إنما هو المذهب الأول ويدل عليه النص والإجماع

стр. 624

والمعقول: أما النص فقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] وهو عام لكل المخاطبين ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم بحيث يدخل فيه محل النزاع وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه أو لا بعينه والأول غير مأخوذ من دلالة اللفظ والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم من معنى الأمر بالسؤال وهو طلب الفائدة ببعض الصور دون البعض وهو خلاف الأصل وإذا كان عاما في الأشخاص وفي كل ما ليس بمعلوم فأدنى درجات قوله (فَاسْأَلُوا) الجواز وهو خلاف مذهب الخصوم. وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعية والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعا على جواز إتباع العامي للمجتهد مطلقا. وأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فرعية إما أن لا يكون متعبدا بشيء وهو خلاف الإجماع من الفريقين وإن كان متعبدا بشيء فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم أو بالتقليد الأول ممتنع لأن ذلك مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث والاشتغال عن المعايش وتعطيل الصنائع والحرف وخراب الدنيا وتعطيل الحرث والنسل ورفع الاجتهاد والتقليد رأسا وهو من الحرج والإضرار المنفي بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨] وبقوله ﵇: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) وهو عام في كل حرج وضرار ضرورة كونه نكرة في سياق النفي ... ). وقال عضد الدين الإيجي في "شرح مختصر المنتهى" (٣/ ٦٣٤): (من لم يبلغ درجة الاجتهاد يلزمه التقليد سواء كان عاميا أو عالما بطرف صالح من علوم الاجتهاد). وقد عرض الشاطبي للقولين فيه حيث قال في "الاعتصام" (٢/ ٣٤٣): (المكلف بأحكامها - أي الشريعة - لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: أحدها - أن يكون مجتهدا فيها فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها. والثاني - أن يكون مقلدا صرفا خليا من العلم الحاكم جملة فلا بد له من قائد يقوده وحاكم يحكم عليه وعالم يقتدي به.

стр. 625

والثالث - أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين لكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة فيه تحقيق المناط ونحوه فلا يخلو إما أن يعتبر ترجيحها أو نظره أو لا فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه. والمجتهد إنما هو تابع للعلم الحاكم ناظر نحوه متوجه شطره فالذي يشبهه كذلك، وإن لم نعتبره فلا بد من رجوعه إلى درجة العامي والعامي إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم فكذلك من نزل منزلته). وقد فرق بينهما جماعة من العلماء: قال الشيخ سعد الشثري في: "التقليد وأحكامه" (ص/٣١): (ذهب بعض أهل العلم إلى التفريق بين رتبة الإتباع والتقليد: فقالوا: التقليد التزام المكلف مذهب غيره بلا حجة. وأما الإتباع: فهو ما ثبت عليه حجة. وممن قال بذلك ابن خويز منداد المالكي، وابن عبدالبر، وابن القيم، والشاطبي، وغيرهم. وهؤلاء سوغوا الإتباع ومنعوا التقليد. قالوا: إن الناس حولهم فيهم المجتهد نادرا، المقلد كثيرا، ونلاحظ وجود قسم آخر وسط بين النوعين السابقين وهذا ما نسميه الإتباع، ونسمي أصحابه متبعين. وهؤلاء ليس عندهم القدرة على الاستقلال وفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها، ولكنهم في نفس الوقت يفهمون الحجة ويعرفون الدليل فتسميتهم مقلدين ظلم لمعرفتهم بالدليل، وليسوا مجتهدين لعدم استقلالهم بالنظر. قالوا: ولأن ثمة فرقا بينهما، فالتقليد لا يستعمل إلا في الموافقة العمياء بدون دليل، أما الإتباع فهو للموافقة ... فالموافقة نوعان: موافقة عمياء وموافقة مبصرة مميزة، لذا مدح الله أهل هذه المرتبة، قال تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٨]. وكثير من أهل الأصول على عدم التفريق بينهما، يدل على ذلك تفسير كثير منهم التقليد بالإتباع. قالوا: ويدل على ذلك أن معنى الإتباع والتقليد واحد من جهة اللغة.

стр. 626

قالوا: بل قد أطلق الله تعالى لفظ الإتباع على المقلدين، قال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [البقرة: ١٧٠]. وبعد أن بينا ذلك نقول: إن الإتباع أمر عام، والتقليد جزء من أجزائه هذا في اللغة. أما الاصطلاح فلا مشاحة في الاصطلاح). معنى الإتباع عند العلامة الشنقيطي: وقد فسر الشيخ الشنقيطي منزلة الإتباع بمعنى غير المعنى المتبادر من كلام الشيخ الشثري السابق، فقال في "أضواء البيان" (٧/ ٣٥١): (اعلم أن مما لا بد منه معرفة الفرق بين الإتباع والتقليد، وأن محل الإتباع لا يجوز التقليد فيه بحال. وإيضاح ذلك: أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع المسلمين، لا يجوز فيه التقليد بحال ; لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد; لأن نصوص الكتاب والسنة، حاكمة على كل المجتهدين، فليس لأحد منهم مخالفتها كائنا من كان. ولا يجوز التقليد فيما خالف كتابا أو سنة أو إجماعا إذ لا أسوة في غير الحق، فليس فيما دلت عليه النصوص إلا الإتباع فقط. ولا اجتهاد، ولا تقليد فيما دل عليه نص، من كتاب أو سنة - سالم من المعارض. والفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لا يكاد ينازع في صحة معناه أحد من أهل العلم. وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبد البر في جامعه، وهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح. وكل من أوجب عليك الدليل إتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. اهـ وقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وقد فرق الإمام أحمد ﵀ بين

стр. 627

التقليد والاتباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الإتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير. انتهى محل الغرض منه. قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: أما كون العمل بالوحي إتباعا لا تقليدا فهو أمر قطعي، والآيات الدالة على تسميته إتباعا كثيرة جدا ; كقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٣]. وقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٥] ... والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. فالعمل بالوحي، هو الإتباع كما دلت عليه الآيات. ومن المعلوم الذي لا شك فيه، أن إتباع الوحي المأمور به في الآيات لا يصح اجتهاد يخالفه من الوجوه، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه. فاتضح من هذا الفرق بين الإتباع والتقليد، وأن مواضع الإتباع ليست محلا أصلا للاجتهاد ولا للتقليد، فنصوص الوحي الصحيحة الواضحة الدلالة السالمة من المعارض لا اجتهاد ولا تقليد معها البتة ; لأن اتباعها والإذعان لها فرض على كل أحد كائنا من كان كما لا يخفى. وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد، وموضع الإتباع ليس محل اجتهاد. فجعل شروط المجتهد في المتبع مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما خلط وخبط، كما ترى ... ). ومنزلة الإتباع على هذا المعنى لا ينكرها أحد، وهي خارجة عن موضوعنا فموضوعنا في التقليد والاجتهاد وهذا لا يكون إلا في المسائل الظنية، وراجع ما سبق في تعريف الاجتهاد. الترجيح: والراجح عندي أن ليس هناك ثمة واسطة بين المجتهد والمقلد فقد قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فلم يجعل منزلة وسط بين منزلة السائل ومنزلة المسئول فالقسمة ثنائية، وكما قد سبق وأن ذكرت أنواع المجتهدين وأحكامهم، فأقول أيضا أحوال المقلدين تختلف وهو على طبقات فمنهم من هو على دراية ببعض الأدلة

стр. 628

، منهم من قارب الوصول إلى أحد الأنواع من مرتبة المجتهد، ومنهم ما لا يعرف عن أحكام الشرع شيئا. وبالنظر في أقوال من أثبت هذه الواسطة بين مرتبة الاجتهاد، والتقليد، فهو عنده لاحق بأحد المرتبتين، وقد سبق بيان أن الأولى إلحاقه بالمقلد لقصوره، ومراعاة لحرمة العلم، ولما سبق من أدلة؛ وعليه فلا أجد أي أثر لهذا التفريق فكما قال الشيخ الشثري أنه لا مشاحة في الاصطلاح. تتمة: هل يلزم المجتهد ذكر الدليل ؟ لا يلزم المجتهد ذكر الدليل وخاصة أنه قد يخفى وجه دلالته على العامي المستفتي. قال النووي في " آداب الفتوى" (ص / ٨٥): (وينبغي للعامي أن لا يطالب المفتي بالدليل ولا يقل لم قلت فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة طلبها في مجلس آخر أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة ... ) (١). قال عضد الدين الإيجي في "شرح مختصر المنتهى" (٣/ ٦٣٤): (من لم يبلغ درجة الاجتهاد يلزمه التقليد سواء كان عاميا أو عالما بطرف صالح من علوم الاجتهاد. وقيل: إنما يلزم هذا العالم التقليد بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بدليله، لنا قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] وهو عام في جميع من لا يعلم العلم، فإن علة الأمر بالسؤال هو الجهل، والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها، فنقول: وهذا غير عالم بهذه المسألة، فيجب عليه فيها السؤال، ولنا أيضا لم تزل العلماء يستفتون فيفتون ويتبعون من غير إبداء المستند وشاع وذاع ولم ينكر عليهم فكان إجماعا) (٢).

стр. 629

اعتراضات على التعريف: الأول، والثاني - قال الشيخ الشثري معترضا على من عرف التقليد بأنه إتباع في رسالة "التقليد" (ص/٢٥): (ورُد عليه بأن الإتباع غير التقليد، ويظهر لي أن التقليد جزء من الإتباع لا كله) وأما كونه غيره فهذا على قول من جعل القسمة ثلاثية، وقد سبق وبينا أن القسمة ثنائية فلا يلزمنا هذا الاعتراض. ولما كان الإتباع أعم من التقليد من ناحية اللغة فيكون الإتباع جنسا في التعريف فلا وجه لهذا الاعتراض. فالإتباع يدخل فيه كل ما يتبع من: كتاب، وسنة، وقول صاحب، وإجماع، ومجتهد، ومقلد، وإتباع الآباء والأجداد وإتباع القاضي للشهود، ونحو ذلك، قال الشيخ في "الأصل" (ص/٨٧): (فخرج بقولنا: "من ليس قوله حجة"؛ إتباع النبي ﷺ ، وإتباع أهل الإجماع، وإتباع الصحابي، إذا قلنا أن قوله حجة، فلا يسمى إتباع شيء من ذلك تقليداً؛ لأنه إتباع للحجة). وقد أضاف الشيخ باقي القيود في التعريف ليكون فصلا يخرج به ما دخل في التعريف مما لا يشمله. ولكن التعريف لا يزال غير مانعا، ولابد من إضافة قيد: (في حكم شرعي) لإخراج حكم القاضي بشهادة الشهود، وكذا التقليد في الأمور الدنيوية (١). الثالث - وبالنظر إلى التعريف بما سبق من قيود حتى الآن - (إتباع من ليس قوله حجة في حكم شرعي) - نجد أن كلمة (حجة) نكرة في سياق النفي -؛ لأن: ليس فعل يدل على نفي مضمون الجملة في الحال - وعليه فهي تفيد العموم، فالمعنى أنه لا يصح أن يسمى الإتباع تقليدا إلا في حال كون قول المتَّبع ليس بحجة. وهنا إشكال فقد أطلق البعض على أن قول المجتهد حجة في حق العامي لأمر الشرع للمقلد بسؤاله، وأطلق البعض عليه أنه إتباع لا تقليد فيخرج من التعريف بناء على هذا (٢).

стр. 630

وللخروج من هذا الإشكال لابد من إضافة قيد (في ذاته) في للتعريف. قال الشيخ الشثري في "التقليد" (ص/٣٠): (قولنا: في ذاته؛ لإدخال إتباع قول المجتهد في حق العامي؛ لأنه حجة لا في ذاته، ولكن بالنصوص من الكتاب والسنة الآمرة بإتباعه، ولإخراج إتباع الإجماع؛ لأنه حجة بذاته). الرابع والخامس - اعترض الشيخ الشثري على التعريف في كتابه "التقليد" (ص/٢٧) بأن فيه إلباسا؛ وعلل اعتراضه بقوله: (إذ قد يظن أن (الإتباع) مضاف إلى فاعله). وهذا الاعتراض بعيد فمحصل ما اعترض به أن المصدر وهو الإتباع أضيف على

стр. 631

فاعله فصار معنى الجملة في تعريف التقليد: إتباع المجتهد الذي ليس قوله حجة، وحذف المفعول مع تعلق الغرض بذكره لعدم الدلالة عليه، فأصبحت الجملة غير تامة كما أنها قد توهم معنى فاسدا فقد جعلت أن المجتهد هو الذي يتبع. والصواب أن المصدر مضاف إلى مفعوله الذي هو المقلد فهو الذي يتبع المجتهد الذي قوله ليس بحجة كما هو ظاهر عبارة الشيخ العثيمين ﵀. قيود أخرى ومناقشتها: زاد الشيخ الشثري في رسالته "التقليد وأحكامه" (ص/٢٩) بعض القيود الأخرى، فعرف التقليد بقوله: (التزام المكلف في حكم شرعي مذهب من ليس قوله حجة في ذاته). ثم بين محترزات التعريف فقال: (قولنا: التزام: جنس في التعريف. قولنا: المكلف؛ ليشمل الرجال والنساء، وغير المكلف لا عبرة به في الأحكام التكليفية ... قولنا: مذهب؛ ليشمل القول والعمل والاعتقاد، ويخرج عمل القاضي بقول الشهود. قولنا: من، اسم موصول). (التزام): والتزام فيه معنى الثبوت والدوام والوجوب، قال الفيومي في "المصباح" مادة (ل ز م): (لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَالُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَجَبَ حُكْمُهُ ... ). وقد اختلف العلماء في حكم التقليد ومن الذي يقلد، في حكم تكرار السؤال عن تكرر الحادثة، وقد اختار الشيخ الشثري أن التقليد واجب وهو في حق العامي للمجتهد، وأنه لا يجب تكرر السؤال، وهذه المعاني توافق معنى اللزوم الذي اختاره في تعريف التقليد، ومن خالف في احد المعاني السابقة فلا يصلح هذا المعنى له، ويكون لفظ الإتباع أولى. وعليه فبناء على ما سبق، ومراعاة لمن فرق بين الإتباع والتقليد، فالأولى تعريف التقليد بأنه التزام، وإن كان يصح تعريفه بأنه إتباع.

стр. 632

المكلف: وهنا إشكال وهو من يصح أن يقع منه التقليد، هل يصح من العامي فقط أم يصح من المجتهد في باب، أو من المجتهد المطلق عند ضيق الوقت، أو فيما يخصه، وقد سبق بيان أن المجتهد المطلق لا يقلد مطلقا، وأن المجتهد في باب فهو كالعامي في غيره من الأبواب ويقلد فيها، وأن المتبع - على فرض صحة هذا التقسيم - كالعامي من ناحية عين سؤاله للمجتهد. وعليه فأصبح عندنا أن التقليد محصور في العامي، والمتبع (١) الذي قد يفهم الحجة ويعرف الدليل ولكنه في نفس الوقت ليس عنده القدرة على الاستقلال بفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها وقد لا يكون قادراً على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر. فلابد من تخصيص المكلف بما يفيد ذلك، كقولنا: (من غير معرفة رجحان دليله) (٢)، فيدخل فيه العامي من باب أولى. مذهب: قولنا: مذهب؛ ليشمل القول والعمل والاعتقاد، ويخرج عمل القاضي بقول الشهود. قال الشيخ عبدالله عمر الشنقيطي في رسالته "التقليد في الشريعة الإسلامية" (ص/١٣): (المذهب في إصطلاح الأصوليين: هو الرأي الصادر عن اجتهاد صحيح. فيشمل القول الصادر عن المجتهد في مسألة من مسائل الفقه، أو في مسألة من مسائل أصول الدين على رأي من يرى التقليد فيها، وكذلك يشمل الفعل كأن يفعل المجتهد عباده أو معاملة فإن فعله يدل على أن هذا رأيه. ولا يشمل ذلك تقريره غيره على فعل صدر منه إذا لم يقترن بما يدل على الرضى لجواز أن يكون ما فعله العامي مذهبا لغير ذلك المجتهد ... ).

стр. 633

ومما سبق يكون تعريف التقليد هو: (التزام المكلف في حكم شرعي مذهب من ليس قوله حجة في ذاته من غير معرفة رجحان دليله). مواضع التقليد: قال الشيخ ﵀: (يكون التقليد في موضعين: الأول: أن يكون المقلد عاميّاً لا يستطيع معرفة الحكم بنفسه ففرضه التقليد، ويقلد أفضل من يجده علماً وورعاً فإن تساوى عنده اثنان خير بينهما. الثاني: أن يقع للمجتهد حادثة تقتضي الفورية ولا يتمكن من النظر فيها فيجوز له التقليد حينئذ). وقد سبق الكلام على هذه المسائل وبيان أنه يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، وأنه عند التعارض يقدم الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى. وقد سبق بيان أن المجتهد لا يقلد مطلقا بما يغني عن إعادته هنا. حكم التقليد في أصول الدين: قال الشيخ: (واشترط بعضهم لجواز التقليد أن لا تكون المسألة من أصول الدين (١) التي يجب اعتقادها، والراجح أن ذلك ليس بشرط). خالف الشيخ قول الأكثرين من الأصحاب والمشهور من المذهب، واختار قول بعض الحنابلة والشافعية واختيار تقي الدين ابن تيمية من أنه يجوز التقليد في مسائل أصول الدين (٢).

стр. 634

قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٢٠٢): (أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء حتى يوجبوه في المسائل التي تنازع فيها فضلاء الأمة قالوا لأن العلم بها واجب ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص. وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك فان ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق فكيف يكلف العلم بها وأيضا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص بل بطرق أخر من اضطرار وكشف وتقليد من يعلم أنه مصيب وغير ذلك وبإزاء هؤلاء قوم من المحدثة والفقهاء والعامة قد يحرمون النظر في دقيق العلم والاستدلال والكلام فيه حتى ذوى المعرفة به وأهل الحاجة إليه من أهله ويوجبون التقليد في هذه المسائل أو الإعراض عن تفصيلها وهذا ليس بجيد أيضا فان العلم النافع مستحب وإنما يكره إذا كان كلاما بغير علم أو حيث يضر فإذا كان كلاما بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به وإن كان نافعا فهو مستحب فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحا ولا إطلاق القول بالتحريم صحيحا ... ). وقد استدل الشيخ العثيمين لصحة إيمان المقلد في "شرح السفارينية" (ص/٣١١) بما يلي: (١ - أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] ونسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسل رجال من العقيدة ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم. ٢ - وقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤]، ويسألهم ليرجع إليهم، وإذا كان الخطاب هذا للرسول ولم

стр. 635

يشك فنحن إذا شككنا في شيء من أمور الدين نرجع إلى الذين يقرؤون الكتاب إلى أهل العلم لنأخذ بما يقولون، إذن هذا عام يشمل مسائل العقيدة. ٣ - أننا لو ألزمنا العام ي بمنع التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. فالصواب المجزوم به القول الثاني: أن ما يطلب فيه الجزم يكتفي فيه بالجزم سواء عن طريق الدليل، أو عن طريق التقليد). وقد اختلف العلماء هل يأثم المقلد في أصول الدين مع الحكم بصحة إيمانه أم لا يأثم؟ والراجح أنه لا يأثم إذ أن الاجتهاد ليس في مقدوره و (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (١). أنواع التقليد: قال الشيخ: (التقليد نوعان عام، وخاص: ١ - فالعام: أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ برخصه وعزائمه في جميع أمور دينه. وقد اختلف العلماء فيه فمنهم من حكى وجوبه لتعذر الاجتهاد في المتأخرين ومنهم من حكى تحريمه لما فيه من الالتزام المطلق لاتباع غير النبي ﷺ ينبغي أن ننتبه إلى أن المقلدين والمجتهدين على طبقات، وقد اصطلحنا على أن منزلة الإتباع تدخل ضمنا في مرتبة التقليد ما لم يُحَصِّل أصحابها ملكة الاستنباط ويحققوا شروط الاجتهاد. وسبق وأن تكلمت على طبقات المجتهدين، وبينت أن طبقة المجتهد المستقل هو الذي لا يتقيد بمذهب، ولا يقلد أحدا. وعليه فالأقوى عندي في حكم التمذهب على من دون المجتهد المستقل هو التفصيل: فالعامي أو المقلد الذي لا دراية عنده بالأدلة ولا يملك أي نوع من النظر فهذا الأقوى عندي أنه لا يتمذهب بل إن مذهبه هو مذهب مفتيه، وإنما سمى عاميا اشتقاقا من العمى فهو بيد من أخذ بيده، وهذا هو الأولى في حمل كلام ابن القيم عليه إن
следующие страницы →