Полный текст (494 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْأَحْكَامِ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: حَدَّثَنِي (أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ حِينَ رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (أَنْ يَكْتُبَ) أَيِ الْمَكَاتِيبَ الَّتِي فِيهَا الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُرْسِلَهَا (إِلَى الْعَجَمِ) أَيْ عُظَمَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ، فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ دَلَالَةٌ أَنَّ الْعَجَمَ هُمُ الرُّومُ لَكِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ فِيمَا بَعْدُ يُفَسِّرُهُ بِالْأَعَمِّ (قِيلَ لَهُ أَنَّ الْعَجَمَ) قِيلَ قَائِلُ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَمِ.
وَقِيلَ: مِنْ قُرَيْشٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُرْسَلِ طَاوُسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ قُرَيْشًا هُمُ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنْ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ (لَا يَقْبَلُونَ) أَيْ لَا يَعْتَمِدُونَ (إِلَّا كِتَابًا عَلَيْهِ خَاتَمٌ) بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ أَيْ وُضِعَ عَلَيْهِ خَاتَمٌ، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ عَلَيْهِ نَقْشُ خَاتَمٍ، وَسَبَبُ عَدَمِ اعْتِمَادِهِمْ لَهُ عَدَمُ الثِّقَةِ بِمَا فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهُ شِعَارَ تَعْظِيمِهِمْ، وَهُوَ الْخَتْمُ أَوِ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخَتْمَ الَّذِي شِعَارُهُمْ وَيَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ اطِّلَاعِ غَيْرِهِمْ، هُوَ خَتْمُ الْوَرِقِ، وَهُوَ لَا يُلَايِمُ اصْطِنَاعَ الْخَاتَمِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فَاصْطَنَعَ خَاتَمًا) أَيْ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ (اضْطَرَبَ) أَيْ سَأَلَ أَنْ يُصْنَعَ أَوْ يُضْرَبَ، كَمَا يُقَالُ: اكْتَتَبَ إِذَا سَأَلَ أَنْ يُكْتَبَ كَذَا فِي الْفَائِقِ (كَأَنِّي) وَفِي نُسْخَةٍ فَكَأَنِّي (أَنْظُرْ إِلَى بَيَاضِهِ) أَيْ بَيَاضِ الْخَاتَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ كَمَالَ إِتْقَانِهِ لِهَذَا الْخَبَرِ فَكَأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ (فِي كَفِّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ
مِنْ بَاطِنِ إِصْبَعِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْكَفُّ الْيَدُ أَوْ إِلَى الْكُوعِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ) أَيِ ابْنُ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَالْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ ثَلَاثَةٌ أَكْثَرُهُمْ هَذَا وَثَانِيهِمُ اسْمُ جَدِّهِ حَفْصٍ، وَثَالِثُهُمُ اسْمُ جَدِّهِ زِيَادٍ (قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُثَنَّى، صَدُوقٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (عَنْ ثُمَامَةَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ لَعَلَّ خَبَرَ كَانَ مَحْذُوفٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ كَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ (مُحَمَّدٌ سَطْرٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (وَرَسُولُ) بِالرَّفْعِ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَجَوَّزَ التَّنْوِينَ
стр. 142
عَلَى الْإِعْرَابِ ; لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (سَطْرٌ وَاللَّهُ) بِالرَّفْعِ وَالْجَرِّ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ (سَطْرٌ) هَذَا حَلُّ الْحَنَفِيِّ وَضَعَّفَهُ الْعِصَامُ، وَقَالَ: التَّقْدِيرُ كَانَ مَدْلُولُ نَقْشِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَقْشُ مُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَصْحِيحِ الْحَمْلِ إِلَى الْقَوْلِ، فَمُحَمَّدٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، خَبَرُ كَانَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ هَكَذَا، وَالْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ بِتَعَدُّدِ الْأَخْبَارِ أَوْ بِمُلَاحَظَةِ الرَّبْطِ بَعْدَ الْعَطْفِ، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنْ قَصَرَ فِي الْعِبَارَةِ، حَيْثُ قَالَ مُحَمَّدٌ خَبَرُ كَانَ عَلَى الْحِكَايَةِ أَوِ اسْمُهَا وَنَقْشٌ هُوَ الْخَبَرُ، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَوْ نَقْشُهُ نَقْشُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ، ثُمَّ قَالَا وَقَوْلُهُ: سَطْرٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هَذَا سَطْرٌ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرُهُ الثَّالِثُ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ كُلَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ عَرْعَرَةَ عَنْ عَرْزَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ فَصُّ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبَشِيًّا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَعَرْعَرَةُ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، فَزِيَادَةُ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَكَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ
بِزِيَادَةِ «بِسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» شَاذَّةٌ أَيْضًا، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ مِنْ مُرْسَلِ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَغَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَقُولُ عَلَى تَقْدِيرِ تَوْثِيقِهِ، لَا شَكَّ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الِاقْتِصَارِ، وَبَيَانُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ مِنْ تَخْصِيصِ اسْمِهِ، أَوْ يُبْنَى عَلَى تَعَدُّدِ الْخَوَاتِيمِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لَكِنَّ كِتَابَتَهُ عَلَى السِّيَاقِ الْعَادِيِّ، فَإِنَّ ضَرُورَةَ الْخَتْمِ بِهِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْأَحْرُفُ الْمَنْقُوشَةُ مَقْلُوبَةً ; لِيَخْرُجَ الْخَتْمُ مُسْتَوِيًا، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى فَوْقَ، يَعْنِي أَنَّ الْجَلَالَةَ فِي أَعْلَى الْأَسْطُرِ الثَّلَاثَةِ وَمُحَمَّدٌ فِي أَسْفَلِهَا، فَلَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، بَلْ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُخَالِفُ ظَاهِرَهَا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِيهَا: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَالسَّطْرُ الثَّانِي رَسُولُ، وَالسَّطْرُ الثَّالِثُ اللَّهُ انْتَهَى. وَبِهَذَا يَتَلَاشَى مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْعِصَامِ وَابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، فَتَدَبَّرْ. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ ﷺ نَقْشُ اسْمِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَقُولُ لَكِنْ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لَا يَخْفَى وَهُوَ تَعْظِيمُ اسْمِهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُمْتَهَنَ، وَلَوْ كَانَ أَحْيَانًا، كَمَا قَالُوا بِكَرَاهَةِ كِتَابَةِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَنَقْشِهِ عَلَى حِجَارَةِ الْقُبُورِ، وَغَيْرِهَا.
(حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى جَهَاضِمَةَ مَحَلَّةٌ بِالْبَصْرَةِ (أَبُو عَمْرٍو) بِالْوَاوِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (قَالَ أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ) بِفَتْحِ قَافٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَبِمُهْمَلَةٍ أَيِ الْحُرَّانِيُّ نِسْبَةً إِلَى حُرَّانَ، بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ،
стр. 143
وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ، لَكِنْ رُمِيَ بِالتَّشْيِيعِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ) أَيِ ابْنِ رِمَاحٍ الْبَصْرِيِّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (إِلَى كِسْرَى) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا لَقَبُ مُلُوكِ الْفُرْسِ، ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرَى بِالْفَتْحِ أَفْصَحُ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ: كِسْرَى وَيُفْتَحُ مَلِكُ الْفُرْسِ مُعَرَّبُ خِسْرَوَاى وَاسِعُ الْمُلْكِ (وَقَيْصَرَ) لَقَبُ مَلِكِ الرُّومِ، كَمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَنْ مَلَكَ مِصْرَ، وَتُبَّعَ لِمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ وَالْيَمَنَ، وَخَاقَانَ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ التُّرْكَ، وَلَمَّا جَاءَ كِتَابُهُ ﷺ إِلَى كِسْرَى مَزَّقَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِ ﷺ بِتَمْزِيقِ مُلْكِهِ فَمُزِّقَ، وَإِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ حَفِظَهُ فَحُفِظَ مُلْكُهُ (وَالنَّجَاشِيِّ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَهُوَ
لَقَبُ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ، وَكَتَبَ ﷺ إِلَيْهِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ يَطْلُبُ إِسْلَامَهُ، فَأَجَابَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ سَنَةَ سِتٍّ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَصَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ حِينَ كُشِفَتْ لَهُ ﷺ ، وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ الَّذِي بَعْدَهُ وَكَتَبَ لَهُ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ اسْمٌ، وَلَا إِسْلَامٌ، وَالْكِتَابَةُ لِهَذَا وَأَنَّهُ غَيْرُ أَصْحَمَةَ، وَصُحِّحَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ وَكَتَبَ لِأَصْحَمَةَ كِتَابًا ثَانِيًا لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابَهُ لَهُ ﷺ وَإِهْدَاؤُهُ إِلَيْهِ بِالْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ صَوَّرْنَا صُوَرَ بَعْضِ الْمَكَاتِيبِ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ (فَقِيلَ: لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ) أَيْ إِلَّا مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ وَسَبَقَ تَعْلِيلُهُ (فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا) أَيْ أَمَرَ بِصَوْغِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّائِغَ كَانَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، فَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ: «بَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ» فِي النِّسْبَةِ الْمَجَازِيَّةِ (حَلَقَتُهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ (فِضَّةٌ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَصُّهُ فِضَّةً (وَنُقِشَ فِيهِ) أَيْ فِي الْخَاتَمِ أَيْ فَصِّهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَنُقِشَ ضُبِطَ مَجْهُولًا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ رُوِيَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا ضُبِطَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَضَبَطْنَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ أَيْ أَمَرَ بِنَقْشِهِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِالرَّفْعِ أَيْضًا عَلَى الْحِكَايَةِ.
стр. 144
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) أَيِ الضُّبَعِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (وَالْحَجَّاجُ)
بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْأُولَى (بْنُ مِنْهَالٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَسُكُونِ نُونٍ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ الْبَصْرِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ هَمَّامٍ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْأُولَى وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ مَبْسُوطًا (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِالْجِيمَيْنِ مُصَغَّرًا وَسَبَقَ ذِكْرُهُمَا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) أَيْ إِذَا أَرَادَ دُخُولَهُ (نَزَعَ خَاتَمَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَفْظِ اللَّهِ، فَاسْتِصْحَابُهُ فِي الْخَلَاءِ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: حَرَامٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ جُمَلِ الْقُرْآنِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى اسْمِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَعَلَى وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ جَمِيعِ رُسُلِهِ، وَيُنَاقَشُ فِي الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَصِيرُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقَصْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِلَا كَرَاهَةٍ، إِلَّا إِذَا قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ صُورَةُ جُمْلَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ: وَهُوَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بَعْضُ آيَةٍ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَفِي رِوَايَتِهِ، وَضَعَ مَكَانَ نَزَعَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، إِذْ لَا وَضْعَ إِلَّا بَعْدَ النَّزْعِ، نَعَمْ رِوَايَةُ النَّزْعِ تَدُلُّ عَلَى لُبْسِهِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْوَضْعِ، تَأَمَّلْ قَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ انْتَهَى. وَكَذَا ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَمَّا الْمُؤَلِّفُ فَأَخْرَجَهُ فِي الْجَامِعِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي هَذَا التَّضْعِيفِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَمَّامًا هَذَا هُوَ ابْنُ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ ثَبْتٌ فِي كُلِّ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ ابْنُ رَعْدِيٍّ: هُوَ أَصْدَقُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِذْ أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، وَصَوَّبَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلَ تَفَرُّدِهِ لَا يُوهِنُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ غَرِيبًا كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ، أَقُولُ: أَمَّا حُكْمُ أَبِي دَاوُدَ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ فَوَجْهُهُ أَنَّ هَمَّامًا خَالَفَ النَّاسَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهَكَذَا وَجَّهَهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ، وَهُوَ هَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُنْكَرِ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَخَصَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْكَرَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي خَالَفَ الضَّعِيفُ الثِّقَةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ، وَخَصَّ الشَّاذَّ بِمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، لِمَزِيدِ ضَبْطِهِ أَوْ أَكْثَرِهِ عَدَدًا، وَقَالَ فِي آخِرِ بَحْثِ الشَّاذِّ وَالْمُنْكَرِ، الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ، وَالْمُنْكَرَ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ قَالَ: وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَعَلَى هَذَا الْحُكْمُ عَلَى حَدِيثِ هَمَّامٍ هَذَا بِالشُّذُوذِ أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ ; لِأَنَّهُ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ; وَلِهَذَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ لَكِنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغَرَابَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ
الْمُتَوَكِّلِ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هَذَا شَاهِدٌ ضَعِيفٌ، وَكَانَ الْبَيْهَقِيُّ ظَنَّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْمُتَوَكِّلِ هُوَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاهِلِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ: لَا أَعْرِفُهُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا، إِلَّا أَنَّهُ اشْتُهِرَ تَفَرُّدُ هَمَّامٍ بِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، لَكِنِ اتَّفَقَ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَهِمَ فِيهِ وَغَلِطَ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَاتَمَ الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ، لَا خَاتَمُ الْوَرِقِ، وَكَذَا نَقَلَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِيهِ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْوَهْمِ بِأَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ لِلزِّينَةِ، فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ فِيهِ وَافَقَ تَحْرِيمَهُ فَطَرَحَهُ ; وَلِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، كَمَا سَيَأْتِي، وَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ تَبَعًا لَهُ، وَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ ; لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ، فَاتَّخَذَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَنَقَشَ عَلَيْهِ اسْمَهُ الْكَرِيمَ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، فَرَمَى
стр. 145
بِهِ حَتَّى رَمَى النَّاسُ كُلُّهُمْ تِلْكَ الْخَوَاتِيمَ الْمَنْقُوشَةَ عَلَى اسْمِهِ ; لِئَلَّا تَفُوتَ مَصْلَحَةُ النَّقْشِ بِوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ، فَلَمَّا عُدِمَتْ خَوَاتِيمُهُمْ بِرَمْيِهَا رَجَعَ إِلَى خَاتَمِهِ الْخَاصِّ بِهِ، فَصَارَ يَخْتِمُ بِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَعَلَّلَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ أَوْ بَعْضُ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ، مِمَّنْ لَمْ يَرْسَخْ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ مِنْ مُنَافِقٍ وَنَحْوِهِ، اتَّخَذُوا فَنَقَشُوا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ، وَيَكُونُ نَشَأَ لَهُ غَضَبٌ مِمَّنْ تَشَبَّهَ لَهُ فِي ذَلِكَ النَّقْشِ انْتَهَى، وَأَقُولُ الْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ أَنَّهُ ﷺ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ خَاتَمَ الذَّهَبِ لَبِسَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ عَلَى قَصْدِ الزِّينَةِ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ، فَرَأَى أَنَّ فِي لُبْسِهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، فَرَمَاهُ فَرَمَاهُ النَّاسُ، فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ لَبِسَهُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: «إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا - أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ - فَلَا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أَحَدٌ» أَيِ اسْمَنَا بَلْ يَنْقُشُ اسْمَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ الْحُكَّامِ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بِضَمِّ نُونٍ وَفَتْحِ مِيمٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) مَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ لَابِسَهُ أَوْ فِي تَصَرُّفِهِ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِلْخَتْمِ (ثُمَّ كَانَ) أَيْ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَيْ بِالْخَتْمِ بِهِ أَوْ لِلتَّبَرُّكِ (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ﵁ أَيْ فِي إِصْبَعِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ
الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ إِلَى آخِرِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ أَحْيَانًا لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ، وَكَانَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْخَاتَمِ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ، أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَهُوَ ذُو الْيَدِ أَيْ عِنْدَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَأْبَى عَنْهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (حَتَّى وَقَعَ)
стр. 146
أَيْ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبِئْرُ بِالْهَمْزَةِ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ عِنْدَ الْمَدِينَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ بُسْتَانٌ مَعْرُوفٌ يَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ، وَفِي بِئْرِهَا سَقَطَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْ يَدِ عُثْمَانَ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِطْلَاقَ بِئْرِ أَرِيسَ عَلَى الْبُسْتَانِ بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ: وَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ وَقَعَ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) انْتَهَى. مَعَ أَنَّ لَهُ وَجْهًا آخَرَ مِنْ صَنِيعِ الْبَدِيعِيِّ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ ثُمَّ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ، وَصَرِيحُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ يَدِ مُعَيْقِيبٍ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَلَا تَنَافِيَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ اسْتَقْبَلَهُ بِأَخْذِهِ، فَسَقَطَ فَنُسِبَ سُقُوطُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ نَنْزَحُ الْبِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ طَلَبَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ لِيَخْتِمَ بِهِ شَيْئًا فَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، وَأَمَّا مَا أَجَابَهُ الْعِصَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَلَا يَلْتَئِمُ بِهِ النِّظَامُ، ثُمَّ فِي النَّسَائِيُّ مَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الْوَاقِعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ نِسْبَةِ الْعَبَثِ بِهِ، حَيْثُ كَانَ سَبَبُ الْعَبَثِ بِهِ التَّفَكُّرَ الْبَاعِثَ عَلَى التَّحَيُّرِ فِي الْأَمْرِ، وَالِاضْطِرَابِ فِي الْفِعْلِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الشِّيعَةِ عَلَيْهِ ﵁، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْعَبَثِ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ وَإِدْخَالَهُ، وَلَعَلَّهُ كَانَ إِشَارَةً إِلَى تَغَيُّرِ حَالِهِ وَاضْطِرَابِ النَّاسِ فِي إِبْقَاءِ نَصْبِهِ، وَإِفْشَاءِ عَزْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَبَثًا صُورَةً وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ نَشَأَ عَنْ فِكْرٍ وَفِكْرَةُ مِثْلِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَيْرَةِ، (نَقْشُهُ) أَيْ نَقْشُ ذَلِكَ الْخَاتَمِ أَوْ نَقْشُ فَصِّهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَالْجُمْلَةُ بِتَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ لِلرَّبْطِ قَالَ الْعِصَامُ: فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ خَاتَمٍ مَنْقُوشٍ بِاسْمٍ آخَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا الْتِبَاسَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَامَةَ التَّوْثِيقِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الِالْتِبَاسَ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ التَّارِيخِ، قَالَ: وَاسْتِعْمَالُ ثُمَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الِانْتِقَالُ بِلَا مُهْلَةٍ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْفِعْلِ الثَّانِي مُتَرَاخٍ عَنْ آخِرِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْفَاءُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَرَاخِي أَوَّلِهِ عَنْ آخِرِ الْأَوَّلِ، فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْكَ، فَإِنَّهُ دَاءُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوَاءِ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْفَرَّاءِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُهْلَةِ فِي ثُمَّ أَوِ الْمُرَادُ
بِهِ التَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ: التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَلُبْسُ مَلَابِسِهِمْ وَالتَّيَمُّنُ بِهَا، وَجَوَازُ لُبْسِ الْخَاتَمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَرِّثْ إِذْ لَوْ وَرَّثَ لَدَفَعَ الْخَاتَمَ إِلَى وَرَثَتِهِ، بَلْ كَانَ الْخَاتَمُ وَالْقَدَحُ وَالسِّلَاحُ وَنَحْوِهَا مِنْ آثَارِهِ الصُّورِيَّةِ صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ، يَصْرِفُهَا مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ حَيْثُ رَأَى الْمَصَالِحَ، فَجَعَلَ الْقَدَحَ عِنْدَ أَنَسٍ إِكْرَامًا لَهُ بِخِدْمَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَجَعَلَ بَاقِيَ الْأَثَاثِ عِنْدَ نَاسٍ مَعْرُوفِينَ، وَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ عِنْدَهُ لِلْحَاجَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا ﷺ ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ اتُّخِذَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فَانْتَقَلَ لِلْإِمَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِيمَا صُنِعَ لَهُ.
قُلْتُ: الْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ (قَالَ مِيرَكُ: تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِجْمَالًا حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا أَنَّ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِ مَنْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ؟ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ نَنْزَحُ الْبِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ سِتِّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ الْبَاقِيَةِ، كُنَّا مَعَهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ مِنْ يَدِهِ وَإِدْخَالَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى شَفَتِهَا يَعْبَثُ بِهِ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ: نِسْبَةُ السُّقُوطِ إِلَى أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ، وَإِلَى الْآخَرِ مَجَازِيَّةٌ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ إِلَى السَّبَبِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ طَلَبَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فَخَتَمَ بِهِ شَيْئًا، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ وَهُوَ يَتَفَكَّرُ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ، أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَسَقَطَ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَكْثَرُ، قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ عَمَلِهِ، فَلَمَّا كَثُرَتْ عَلَيْهِ
стр. 147
أَعْمَالُهُ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ فَخَرَجَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى قَلِيبٍ لِعُثْمَانَ فَسَقَطَ، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ. انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ عُثْمَانَ لَمَّا أَرَادَ أَخْذَهُ مِنْ مُعَيْقِيبٍ أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ سَقَطَ مِنْ بَيْنِهِمَا، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي إِعْطَاءِ شَخْصٍ شَيْئًا إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، فَيَسْقُطُ مِنْ بَيْنِهِمَا أَحْيَانًا اعْتِمَادًا لِلْمُعْطِي أَنْ أَخَذَهُ الْآخِذُ، وَظَنًّا مِنَ الْآخِذِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَاقِيًا بَعْدُ، فَلَمْ يَدْرِ الرَّاوِي تَحْقِيقًا أَنَّهُ مِنْ يَدِ أَيِّهِمَا سَقَطَ، فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى عُثْمَانَ، وَتَارَةً إِلَى مُعَيْقِيبٍ، بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، هَذَا غَايَةُ مَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّرْجِيحِ، فَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ رِوَايَةُ مَنْ نَسَبَ السُّقُوطَ إِلَى عُثْمَانَ ; لِأَنَّهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى تَحْقِيقِ حِكَايَةِ الْوَاقِعَةِ أَيْضًا، وَرِوَايَةُ نِسْبَةِ السُّقُوطِ إِلَى مُعَيْقِيبٍ هِيَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: وَمِنْ حَيْثُ الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ يُرَجِّحُ رِوَايَةُ النِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَانَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْقَرِيبُ فِي السُّقُوطِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ لَهُ
التَّصَرُّفُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَاتَّخَذَ عُثْمَانُ خَاتَمًا، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَانَ يَتَخَتَّمُ بِهِ أَوْ يَخْتِمُ بِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَلَكِنْ شَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذَا الْخَاتَمِ وَبَيْنَ الْخَاتَمِ الَّذِي فِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدَّةً مَدِيدَةً وَبُرْهَةً عَدِيدَةً، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاتِّخَاذَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ سُقُوطِ الْخَاتَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانَ فِي خَاتَمِهِ ﷺ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْرَارِ، كَمَا كَانَ فِي خَاتَمِ سُلَيْمَانَ ﵇ ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَهُ ذَهَبَ مُلْكُهُ، وَعُثْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْخَارِجُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأَ الْفِتْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْلِهِ، وَاتَّصَلَتْ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ يَسِيرَ الْمَالِ يَجِبُ الْبَحْثُ فِي طَلَبِهِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي تَفْتِيشِهِ، يَعْنِي دَفْعًا لِإِضَاعَةِ الْمَالِ، قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لَمَّا ضَاعَ عِقْدُ عَائِشَةَ وَحَبَسَ الْجَيْشَ حَتَّى وَجَدَهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَأَمَّا عِقْدُ عَائِشَةَ فَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ بِالْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ، وَهِيَ الرُّخْصَةُ فِي التَّيَمُّمِ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، قُلْتُ: هَذَا غَرِيبٌ مِنَ الشَّيْخِ، فَإِنَّ اسْتِدْلَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، حَيْثُ وَقَعَ الْبَحْثُ، وَأَمَّا ظُهُورُ الْأَثَرِ فَأَمْرُ مُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ، نَعَمْ، قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعِقْدَ لَمْ يَكُنْ يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ، لَا سِيَّمَا وَيَتَعَلَّقُ بِقَلْبِ النِّسَاءِ فِي الْحَالِ، وَالْمَآلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهَا، فَيَتَعَيَّنُ الْبَحْثُ وَيَجِبُ التَّفْتِيشُ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الضَّيَاعِ الَّذِي لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَبَيْنَ الْإِضَاعَةِ الْمَنْهِيَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ ضَاعَ شَيْءٌ مِنْ شَخْصٍ وَتَرَكَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَرَجٌ، بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ إِنْ جَعَلَهُ صَدَقَةً لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَأَمَّا فِعْلُ عُثْمَانَ فَلَا يَنْهَضُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَصْلًا، لِمَا ذُكِرَ وَلِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ فِي التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي الْعَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ الْمَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ لَاكْتَفَى فِي طَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ الْمُؤْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الْخَاتَمِ، لَكِنِ اقْتَضَتْ عَظَمَةُ قَدْرِهِ ذَلِكَ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ الْمَالِ انْتَهَى. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعَ هَذَا أَنَّ الْخَاتَمَ الْمُخْتَصَّ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ; لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ضَيَاعِهِ مِنْ مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ خُصُوصًا وَقْتَ الْفِتْنَةِ، وَانْظُرْ إِلَى قَضِيَّةِ مَرْوَانَ وَخَتْمِ حُكْمِ عُثْمَانَ مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْخَاتَمِ عِنْدَهُ، وَفِي تَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ إِذَا ضَاعَ وَوَقَعَ فِي يَدِ أَهْلِ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ مَالٍ كَثِيرٍ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: أَنَّ مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَنْجَحْ فِيهِ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ مُضَيِّعًا، فَفِيهِ مَا سَبَقَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٌ ; وَلِذَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْتَهَدُ فِي الطَّلَبِ عَلَيْهِ كَتَمْرَةٍ وَحَبَّةِ عِنَبِ وَفَلْسٍ وَفَلْسَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يُطْلَبُ يَوْمًا وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يُطْلَبُ إِلَى جُمُعَةٍ، وَإِلَى شَهْرٍ وَإِلَى سَنَةٍ، وَإِلَى آخِرِ الْعُمْرِ كُلِّهِ فَلَا يَصِحُّ تَعْيِينُ حَدٍّ لَا فِي طَلَبِ الْمَالِ الْيَسِيرِ، وَلَا فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَالِ الْكَثِيرِ.
وَالتَّنْبِيهُ الثَّانِي: رَوَى أَحْمَدُ
وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى كَرَاهَةِ لُبْسِهِ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ، وَكَرِهَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّامِ الْمُتَقَدِّمِينَ لُبْسَهُ لِغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَرَوَوْا فِيهِ آثَارًا وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَلْقَى خَاتَمَهُ أَلْقَى النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 148
مَنْ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ، وَلَوْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ، فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، أُجِيبُ بِأَنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنْهُ لُبْسُ خَاتَمِ الذَّهَبِ أَوْ لُبْسُ الْخَاتَمِ الْمَنْقُوشِ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ لُبْسَ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، خِلَافُ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّزَيُّنِ، وَالْأَلْيَقُ بِحَالِ الرِّجَالِ خِلَافُهُ أَيْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَتَكُونُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْجَوَازِ هِيَ الصَّارِفَةُ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْخَبَرِ، أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الزِّينَةِ وَالْخَاتَمِ، وَيُحْمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّلْطَانِ مَنْ لَهُ سَلْطَنَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ عَلَيْهِ لَا السُّلْطَانُ الْأَكْبَرُ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْخَاتَمِ مَا يَخْتِمُ بِهِ فَيَكُونُ لُبْسُهُ عَبَثًا لِمَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ وَأَمَّا مَنْ لَبِسَ الْخَاتَمَ الَّذِي لَا يُخْتَمُ بِهِ وَكَانَ مِنَ الْفِضَّةِ لِلزِّينَةِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَالُ مَنْ لَبِسَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ صِفَةِ نَقْشِ خَوَاتِيمِ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِصِفَةِ مَا يُخْتَمُ بِهِ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَبِسَهُ أَنَّهُ مَا بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنِ الزِّينَةِ وَالْخَاتَمِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْعُمُومُ وَمِعْيَارَهُ الِاسْتِثْنَاءُ السَّابِقُ أَوْ مَا صَحَّ النَّهْيُ عِنْدَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ فَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: سَأَلَ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: الْبَسِ الْخَاتَمَ وَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنِّي قَدْ أَفْتَيْتُكَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالتَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ نَقْشِ الْخَاتَمِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الْأَخْيَارِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ عَلِيٍّ: «لِلَّهِ الْمُلْكُ» وَنَقْشَ خَاتَمِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ: «الْعِزَّةُ لِلَّهِ» ، وَنَقْشَ خَاتَمِ النَّخَعِيِّ: «الثِّقَةُ بِاللَّهِ» ، وَنَقْشَ خَاتَمِ مَسْرُوقٍ: «بِسْمِ اللَّهِ» ، وَصَحَّ عَنِ الْحَسَنَيْنِ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْسَ بِنَقْشِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى الْخَاتَمِ.
أَقُولُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الْمُحْتَرَمُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرَاهَتُهُ انْتَهَى. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَكْتُبَ الرَّجُلُ فِي خَاتَمِهِ حَسْبِيَ اللَّهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَمْ تَثْبُتْ عَنْهُ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ وَيَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ تَعَارَضَ فِيهِمَا الدَّلِيلَانِ، وَيُمْكِنُ تَأْخِيرُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ حَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ لِلْجُنُبِ وَنَحْوِهِ أَوِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْكَفِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَالْجَوَازَ حَيْثُ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِذَاتِهَا، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا يَعْرِضُ لِذَلِكَ، وَإِذَا جَازَ نَقْشُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَاتَمِ، فَبِالْأَوْلَى جَوَازُ نَقْشِ اسْمِ الشَّخْصِ وَأَبِيهِ قُلْتُ: هَذَا
لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ كَرَاهَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ لِفِعْلِهِ ﷺ ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَذَا أَخْرَجَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَقَشَ اسْمَهُ عَلَى خَاتَمِهِ، وَكَذَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مِنْ شَأْنِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ نَقْشُ أَسْمَائِهِمْ فِي خَوَاتِيمِهِمْ، أَقُولُ: وَفِي مَعْنَاهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى مِثْقَالٍ، لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ بَلْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: لِلَابِسِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ، فَطَرَحَهُ. وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ قَالَ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا. لَكِنْ رَجَّحَ الْآخَرُونَ الْجَوَازَ مِنْهُمُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ عَلَى التَّنْزِيهِ، عَلَى أَنَّ النَّوَوِيَّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ضَعَّفَهُ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ الْإِبَانَةِ كَرَاهَةَ الْخَاتَمِ الْمُتَّخَذِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَأَى خَاتَمًا مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَجِدُ رِيحَ الْأَصْنَامِ، فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْهِ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ. وَعَنِ الْمُتَوَلِّي لَا يُكْرَهُ وَاخْتَارَهُ فِيهِ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ الْوَاهِبَةِ «اطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ كَانَ خَاتَمُهُ ﷺ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ ضَعِيفٌ، وَاعْتُرِضَ عَلَى تَضْعِيفِهِ بِأَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ عِدَّةً إِنْ لَمْ تُرَقِّهِ إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ، لَمْ تَدَعْهُ يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ، أَقُولُ: وَيُحْمَلُ حَدِيثُ: «كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ حَدِيدٍ» ، وَقَوْلُهُ: «اطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ لَا يُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ، بَلِ الْمُبَالَغَةُ فِي الطَّلَبِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ لُبْسُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ قَاضِي خَانَ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي بَابِ الْكَرَاهَةِ بِقَوْلِهِ: لَا يَتَخَتَّمُ الرَّجُلُ إِلَّا بِالْفِضَّةِ، أَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُتَخَتَّمُ بِالذَّهَبِ، فَلِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِالْحَدِيدِ فَلِأَنَّهُ خَاتَمُ أَهْلِ النَّارِ، وَكَذَا الصُّفْرُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخَتُّمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 149
أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ لُبْسِهِ الْخَاتَمَ، وَالْبَابُ السَّابِقُ قُصِدَ فِيهِ بَيَانُ نَقْشِ الْخَاتَمِ، فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ: لَوْ جَعَلَ كِلَا الْبَابَيْنِ بَابًا وَاحِدًا لَكَانَ أَوْلَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُنَافِي ذِكْرُهُ تَخَتُّمَهُ فِي يَسَارِهِ لِمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ مِيرَكُ: فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يُرَجِّحُ رِوَايَاتِ تَخَتُّمِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَخَتُّمِهِ فِي الْيَسَارِ، فَلِذَا لَمْ يُخَرِّجْ فِي الْبَابِ حَدِيثًا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ ﷺ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، بَلْ قَالَ فِي جَامِعِهِ: رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ; وَلِذَا رَجَّحَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَكْثَرُهَا صِحَاحٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فَصُّهُ حَبَشِيٌّ، وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَهُ أَيْضًا بِسَنَدٍ لَيِّنٍ وَعَنْ أُبَيٍّ
عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَفِي غَرَائِبِ مَالِكٍ بِسَنَدٍ سَاقِطٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، لَكِنْ فِيهِ جُوَيْرِيَةُ وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى، هَكَذَا وَقَعَ عَلَى الشَّكِّ وَجُوَيْرِيَةُ هُوَ الرَّاوِي عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّكُّ مِنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ هَكَذَا، حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ كِلَاهُمَا عَنْ جُوَيْرِيَةَ، وَجَزَمَا بِأَنَّهُ لَبِسَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ يَعْنِي فِي الْجَامِعِ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَتَخَتَّمَ بِهِ فِي يَمِينِهِ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اتَّخَذْتُ هَذَا الْخَاتَمَ فِي يَمِينِي ثُمَّ نَبَذَهُ» الْحَدِيثَ، انْتَهَى. قُلْتُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لُبْسَهُ فِي يَمِينِهِ أَيْضًا مَنْسُوخٌ بِأَنَّهُ ﷺ لَمَا قَصَدَ الزِّينَةَ، وَلُبْسُ الْخَاتَمِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً كَانَ يُنَاسِبُ الْيَمِينَ، وَلَمَّا نَهَى عَنْهُ ثُمَّ أُمِرَ لَهُ بِلَبْسِهِ لِلْحَاجَةِ جَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ، بَلْ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ احْتِرَازًا عَنِ الزِّينَةِ، بِقَدْرِ مَا أَمْكَنَ ; وَلِذَا قَالَ شَارِحُ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيُتَخَتَّمُ فِي خِنْصَرِ الْيَسَارِ، أَيْ فِي زَمَانِنَا وَقَوْلُهُ ﷺ : اجْعَلْهَا فِي يَمِينِكَ، كَانَ ذَلِكَ فِي بِدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ أَهْلِ الْبَغْيِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى، أَمَّا اخْتِيَارُ الْيُسْرَى فَلِجَبْرِ نُقْصَانِهَا وَلِحِرْمَانِهَا عَنِ الْأَفْعَالِ الْفَاضِلَةِ ; وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ، لِقِلَّةِ حَرَكَاتِهَا الظَّاهِرَةِ، وَتَخْصِيصُ الْخِنْصَرِ لِضَعْفِهَا، وَجَبْرِ نُقْصَانِهَا، قُلْتُ: وَلِكَوْنِهَا أَصْغَرَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخَاتَمِ الْأَكْبَرِ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ فِي هَذِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالْمُسَبِّحَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْمَصَابِيحِ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ حَلْقَةُ الْخَاتَمِ وَفَصُّهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَلِيَكُنِ الْخَاتَمُ أَقَلَّ مِنْ مِثْقَالٍ، وَيَكُونُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ ; لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنِ السَّرَفِ وَأَقْرَبَ إِلَى التَّوَاضُعِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ جَاءَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: «كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يَسَارِهِ» ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ لِينٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا، وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ، وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْيَسَارِ، بِأَنَّ الَّذِي لَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ كَانَ هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالَّذِي فِي يَسَارِهِ هُوَ خَاتَمُ الْفِضَّةِ، أَقُولُ: وَيُشْكِلُ هَذَا بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى يَسَارِهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ ثُمَّ أَنَّهُ حُوِّلَ فِي يَسَارِهِ، وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ، وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: طَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمَ الذَّهَبِ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضِلٌ، قُلْتُ: الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالْمُعْضِلُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُؤَيِّدًا
وَمُقَوِّيًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي سَنَدُهُ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ تَخَتَّمَ أَوَّلًا فِي يَمِينِهِ، ثُمَّ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ، وَجَوَازِهِ فِي الْيَسَارِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، فَتَخَتَّمَ كَثِيرُونَ مِنَ السَّلَفِ فِي الْيَمِينِ، وَكَثِيرُونَ فِي الْيَسَارِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْيَسَارَ، وَكَرِهَ الْيَمِينَ، وَفِي مَذْهَبِنَا وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ زِينَةٌ، وَالْيَمِينُ أَشْرَفُ، وَأَخَصُّ بِالزِّينَةِ وَالْكَرَامَةِ انْتَهَى.
стр. 150
وَفِيهِ: إِنَّ الزِّينَةَ هِيَ سَبَبُ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَصْدِ، فَإِنْ كَانَ لُبْسُهُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ، فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّخَتُّمِ بِهِ فَالْيَسَارُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْمُودَعِ فِيهَا، وَيَحْصُلُ تَنَاوُلُهُ مِنْهَا بِالْيَمِينِ، وَكَذَا وَضْعُهُ فِيهَا وَيَتَرَجَّحُ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ مُطْلَقًا، بِأَنَّ الْيَسَارَ آلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ، فَيُصَانُ الْخَاتَمُ إِذَا كَانَ فِي الْيَمِينِ، عَنْ أَنْ تُصِيبَهُ النَّجَاسَةُ، قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ نَقْشِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وَجُودِهِ، يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ، فَلَا يُوجَدُ تَرَجُّحٌ، قَالَ: وَيَتَرَجَّحُ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ، بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَاوُلِ، وَجَنَحَتْ طَائِفَةٌ إِلَى اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ، وَجَمَعُوا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ بِذَلِكَ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ حَيْثُ تَرْجَمَ بَابَ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ الْبَغْدَادِيُّ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ فِي الدَّالِ الثَّانِي عَلَى مَا فِي النُّسَخِ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَتَقَدَّمَ جَوَازُ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تَقَدَّمَ (قَالَا) أَيْ سَهْلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ وَتَقَدَّمَ، وَجْهُهُمَا أَنَّهُ فِعَالٌ أَوْ فِعْلَانٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بِفَتْحِ نُونٍ وَكَسْرِ مِيمٍ آخِرُهُ رَاءٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ جَدَّهُ تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي وَقَدْ سَبَقَ تَرْجَمَتُهُمَا (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ (عَنْ أَبِيهِ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا السِّتَّةُ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنَ اللُّبْسِ بِضَمِّ اللَّامِ (خَاتَمَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ (فِي يَمِينِهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ
فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ﷺ ; وَلِأَنَّ التَّخَتُّمَ فِيهِ نَوْعُ تَشَرُّفٍ وَزِينَةٍ، وَالْيَمِينُ بِهِمَا أَوْلَى خِلَافًا لِمَالِكٍ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، قُلْتُ: وَهُوَ مَذْهَبُنَا الْمُخْتَارُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآثَارِ فَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَبْرَارِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) مَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ نَحْوَهُ) قَالَ مِيرَكُ: أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ انْتَهَى. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لُبْسَهُ فِي يَسَارِهِ أَحْيَانًا كَانَ
стр. 151
لِبَيَانِ الْجَوَازِ، لَكِنِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ كَانَ خَاتَمَهُ ﷺ فِي هَذِهِ وَأَشَارَ لِخِنْصَرِ يُسْرَاهُ، وَبِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ ﵁ كَانَ ﷺ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَيَقُولُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: التَّخَتُّمُ فِيهَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِأَنَّ خَبَرَ الْمُصَنِّفِ الْآتِي عَنْ جَابِرٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَخَبَرُ: «قَبْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَاتَمُ فِي يَمِينِهِ» مَتْرُوكٌ، وَخَبَرُ الْبَزَّارِ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ، وَقُبِضَ وَالْخَاتَمُ فِي يَمِينِهِ فِيهِ كَذِبٌ، وَيَقُولُ الْحَافِظُ بْنُ رَجَبٍ: وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنْ تَخَتُّمَهُ فِي يَسَارِهِ هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَبِأَنَّ وَكِيعًا قَالَ: التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَأَمَّا مَا أَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ هَذَا بِأَنَّ حَدِيثَ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْمُصَنِّفُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(تَنْبِيهٌ) وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ كَانَ ﷺ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً أَوْثَقَ فِي خَاتَمِهِ خَيْطًا، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى كَانَ ﷺ إِذَا أَشْفَقَ مِنَ الْحَاجَةِ أَنْ يَنْسَاهَا رَبَطَ فِي إِصْبَعِهِ خَيْطًا لِيَذْكُرَهَا، لَكِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي رَافِعٍ) اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ شَيْخٌ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ رَوَى عَنْهُ الْأَرْبَعَةُ (يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ) حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ رَأَيْتُ (فَسَأَلْتُهُ) أَيِ ابْنَ أَبِي رَافِعٍ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ سَبَبِهِ (فَقَالَ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ) أَيِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيَّ أَحَدُ الْأَجْوَادِ وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَلَهُ صُحْبَةٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بِالنُّونِ وَالْمِيمِ مُصَغَّرًا (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ) لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى تَرْجَمَتِهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ)
بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ وَمَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ) قَالَ مِيرَكُ: أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَيْضًا، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَامِعِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيِ التَّخَتُّمُ بِالْيَمِينِ.
(حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُهْمَلَةٍ (زِيَادُ) بِكَسْرِ زَايٍ وَتَخْفِيفِ تَحْتِيَّةٍ (بْنُ يَحْيَى) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ) ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ الصَّادِقِ لُقِّبَ بِهِ لِكَمَالِ صِدْقِهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَمُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ، أُمُّهُ فَرْوَةُ بِنْتُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵃ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمُلَقَّبُ بِالْبَاقِرِ ; لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ أَيْ شَقَّهُ وَعَلِمَ أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَجَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ، وَأُمُّهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ سَمِعَ جَابِرًا وَأَنَسًا وَرَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ) قَالَ السَّيِّدُ
стр. 152
أَصِيلُ الدِّينِ: قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ ﵀: فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لِينٌ، أَقُولُ: وَجْهُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَيْمُونٍ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَذَكَرَ مِيرَكُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَاهِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَتْرُوكٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ، أَقُولُ لِلْحَدِيثِ شَوَاهِدُ كَمَا تَرَى فَقَوَّى بِذَلِكَ رِوَايَتَهُ، وَخَرَجَتْ عَنْ حَدِّ نَكَارَتِهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (جَرِيرٌ) بِفَتْحِ جِيمٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى بَعْدَهُ تَحْتِيَّةٌ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) سَبَقَ ذِكْرُهُمْ (عَنِ الصَّلْتِ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ لَامٍ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ حَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ وَلَا إِخَالُهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَالْفَتْحُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ الثَّانِي
هُوَ الْأَفْصَحُ وَفِي الْقَامُوسِ الْفَتْحُ لُغَيَّةٌ، وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِحَالٍ أَيْ لَا أَظُنُّهُ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ الصَّلْتُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ مِمَّنْ قَبْلَهُ، وَلَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ (إِلَّا قَالَ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ) قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى الصَّلْتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمًا فِي خِنْصَرِهِ الْيُمْنَى، فَقَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى) أَيِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ) أَيْ لِلْخَتْمِ بِهِ (وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ) أَيْ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، فَيَجُوزُ جَعْلُ فَصِّهِ فِي بَاطِنِ الْكَفِّ وَظَاهِرِهَا، وَقَدْ عَمِلَ السَّلَفُ بِالْوَجْهَيْنِ وَمِمَّنِ اتَّخَذَهَا فِي ظَاهِرِهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالُوا: وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْأَوَّلُ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ ; وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِفَصِّهِ وَأَسْلَمُ وَأَبْعَدُ مِنَ الزَّهْوِ وَالْإِعْجَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (وَنَقَشَ فِيهِ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فَمَحَلُّ الْجُمْلَةِ الْمُؤَوَّلَةِ بِالْمُفْرَدِ مَنْصُوبٌ عَلَى
стр. 153
الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْمَعْنَى أَمَرَ بِنَقْشِهِ فِيهِ وَإِنْ قُرِئَ مَجْهُولًا فَوَجْهُهُ مَعْلُومٌ (وَنَهَى) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ يَنْقُشَ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ يَحُكَّ (أَحَدٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى خَاتَمِهِ أَوْ مِثْلَ
نَقْشِهِ وَلَعَلَّ سِرَّ النَّهْيِ أَنْ لَا يَلْتَبِسَ أَمْرُ الْخَاتَمِ، وَقَدْ رَاعَى الْخُلَفَاءُ ظَاهِرَ النَّهْيِ، فَلَمْ يَنْقُشُوا خَاتَمًا آخَرَ وَاسْتَعْمَلُوهُ حَتَّى فُقِدَ (وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّتَيْنِ وَقَافٍ مَكْسُورَةٍ بَيْنَهُمَا، وَمُوَحَّدَةٌ فِي آخِرِهَا وَهُوَ ابْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ بَدْرِيٌّ ابْتُلِيَ بِالْجُذَامِ فَعُولِجَ مِنْهُ، بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْحَنْظَلِ، فَتَوَقَّفَ أَمْرُهُ وَهُوَ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَكَانَ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ مُعَيْقِيبَ غُلَامَ عُثْمَانَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا اتَّخَذَ خَاتَمًا وَنَقَشَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقَرَّهُ ﷺ يُحْمَلُ إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ خُصُوصِيَّةً لِمُعَاذٍ، وَقَالَ الْعِصَامُ: فَإِنْ قُلْتَ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّ مُعَاذًا ﵁ اتَّخَذَ خَاتَمًا نَقَشَ فِيهِ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ قَالَ: آمَنُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مُعَاذٍ حَتَّى خَاتَمَهُ، ثُمَّ أَخَذَ ذَلِكَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَاذٍ فَكَانَ فِي يَدِهِ. رَوَاهُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلنَّوَوِيِّ، قُلْتُ: لَعَلَّ النَّهْيَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوِ الِاتِّخَاذَ لِعَدَمِ بُلُوغِ النَّهْيِ إِيَّاهُ انْتَهَى. قَالَ مِيرَكُ: أَوْ حُمِلَ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ انْتَهَى. فَمَا رُوِيَ مِنْ أَخْذِ الْخَاتَمِ مِنْ مُعَاذٍ يَدْفَعُ قَوْلَ الْخُصُوصِيَّةِ بِهِ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ أَنْبَأَنَا حَاتِمُ) بِمُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ فَوْقِيَّةٍ (بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هُوَ الصَّادِقُ بْنُ الْبَاقِرِ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ يَتَخَتَّمَانِ فِي يَسَارِهِمَا) اتِّبَاعًا لَهُ ﷺ فَإِنَّهُ فَعَلَهُ فِي أَكْثَرِ
стр. 154
الْأَحْيَانِ أَوْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، أَوْ لِبُعْدِهِ عَنْ قَصْدِ الزِّينَةِ عَلَى تَقْدِيرٍ تَسَاوِي فِعْلِهِ ﷺ ، وَلَوْ لَمْ يَرَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ الْأَحْيَانِ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ لَمْ يَفْعَلَاهُ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعُنْوَانِ الْبَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَرَ الْحَسَنَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ﵃ كَانُوا يَتَخَتَّمُونَ فِي الْيَسَارِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْآدَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لِلْفَصْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ وَهُمَا فِي التَّخَتُّمِ بِالْيَمِينِ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَهُوَ ابْنُ الطَّبَّاعِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْحَكَّاكِ وَنَقَّاشِ الْخَاتَمِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ وَالْأَرْبَعَةُ (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْوَاوِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ أَيْضًا أَيْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى التَّخَتُّمُ فِيهِمَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَهُ فِي جَامِعِهِ أَيْضًا مِنْ مَتْنِ الشَّمَائِلِ، قَالَ مِيرَكُ: بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِهِ فِي الْجَامِعِ أَقُولُ: قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ: كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَةٌ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الْمُحَارِبِيُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِمُهْمَلَةٍ، وَكَسْرِ رَاءٍ وَمُوَحَّدَةِ نِسْبَةً لِبَنِي مُحَارِبٍ قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَفِي نُسْخَةٍ: زِيَادَةُ الْكُوفِيِّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ زَايٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) مَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ) قَالَ مِيرَكُ: زَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُهُ: (فَكَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَمِينِهِ) أَيْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ جُوَيْرِيَةُ وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (فَاتَّخَذَ النَّاسُ) أَيِ الذُّكُورُ مِنْهُمْ أَوِ الْكُلُّ، ثُمَّ نُسِخَ وَأُبِيحَ لِلنِّسَاءِ (خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَطَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِلْوَحْيِ بِتَحْرِيمِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ تَعْقِيبِيَّةٌ، وَجَعَلَهَا الْعِصَامُ تَفْرِيعِيَّةً، حَيْثُ قَالَ: تَفْرِيعٌ لِلطَّرْحِ عَلَى اتِّخَاذِ النَّاسِ دُونَ لُبْسِهِمْ، دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا صَارَ مَنْهِيًّا هُوَ اتِّخَاذُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ اللُّبْسِ، حَيْثُ كُرِهَ اتِّخَاذُهُمْ ذَلِكَ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّاسَ اتَّخَذُوهَا لِلُّبْسِ أَوِ
стр. 155
اتَّخَذُوهَا وَلَبِسُوهَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّرْحَ قَبْلَ لُبْسِهِمْ مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الذَّهَبِ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ إِجْمَاعًا، وَقَدْ طَرَحَهُ ﷺ (وَقَالَ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ لُبْسُهُ، وَأَمَّا جَعْلُ نَفْيِ اللُّبْسِ كِنَايَةً عَنْ كَرَاهِيَةِ الِاتِّخَاذِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ كَرَاهَةُ اللُّبْسِ، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) أَيْ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَالْخَوَاتِيمُ جَمْعُ خَاتَمٍ كَالْخَوَاتِمِ وَالْيَاءُ فِيهَا لِلْإِشْبَاعِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا هُوَ النَّاسِخُ لِحِلِّهِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أَخَذَ ذَهَبًا فِي يَدٍ وَحَرِيرًا فِي يَدٍ، وَقَالَ: هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا. وَوَقَعَ لِبَعْضِ مَنْ لَا إِلْمَامَ لَهُ بِالْفِقْهِ هُنَا تَخْلِيطٌ فَاجْتَنِبْهُ، كَيْفَ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ مَاتُوا وَخَوَاتِيمُهُمْ مِنْ ذَهَبٍ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ صَحَّ عَنْهُمْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ عَنْهُ انْتَهَى. قَالَ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ: تَبَدَّلَ الْحُكْمُ فِيهِمَا اتِّخَاذُ خَاتَمِ الذَّهَبِ، تَبَدَّلَ جَوَازُهُ بِالِامْتِنَاعِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَاللُّبْسِ فِي الْيَمِينِ تَبَدَّلَ بِاللُّبْسِ فِي الْيَسَارِ، وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُنَافِي مَا قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ، وَلَبِسُوهَا فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمَهُ، وَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، مَعَ جَوَازِ لُبْسِهِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ وَجْهَهُ هُوَ أَنْ لَا يَلْبَسَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَآهُمُ اتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، فَرَقَى الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ فَرَمَى بِهِ فَلَا يُدْرَى مَا فَعَلَ، قَالَ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ، وَصَادَفَ وَقْتَ تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى حُرْمَةِ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَلْقَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَا بَأْسَ، بِمِسْمَارِ الذَّهَبِ عَلَى الْخَاتَمِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ لُبْسَ خَاتَمِ الذَّهَبِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، لَا تَحْرِيمٍ، فَقَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ النَّاسَ مُجْمِعُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لَيْسَ بِسَدِيدٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالنَّاسِ الْجُمْهُورَ، أَوْ يُقَالَ: انْقَرَضَ قَرْنُ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ
التَّنْزِيهِ، وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَصُهَيْبٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي أَسِيدٍ، كَانُوا يَجْعَلُونَ خَوَاتِيمَهُمْ مِنْ ذَهَبٍ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَاسْتَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الْبَرَاءِ الَّذِي رَوَى النَّهْيَ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى جَابِرٍ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ رَأَيْتُ عَلَى الْبَرَاءِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا فَأَلْبَسَنِيهِ، فَقَالَ: الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ الْحَازِمِيُّ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ، وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَوْ ثَبَتَ النَّسْخُ عِنْدَ الْبَرَاءِ مَا لَبِسَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ عَنْهُ، وَهُوَ حَدِيثُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ» فَالْجَمْعُ بَيْنَ رِوَايَتِهِ وَفِعْلِهِ، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ، أَوْ فَهِمَ الْخُصُوصِيَّةَ مِنْ قَوْلِهِ الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ، لَعَلَّ الْبَرَاءَ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ لِلْبَرَاءِ: لِمَ تَتَخَتَّمُ بِالذَّهَبِ وَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 156
فَيَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تَأْمُرُونِي أَنْ أَضَعَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
الصِّفَةُ الْوَصْفُ وَالْكَشْفُ وَالتَّبْيِينُ، وَبُدِأَ فِي آلَاتِ الْحَرْبِ بِالسَّيْفِ. لِأَنَّهُ أَنْفَعُهَا وَأَيْسَرُهَا وَأَغْلَبُهَا اسْتِعْمَالًا وَأُرْدِفَ بَابُ الْخَاتَمِ بِبَابِ السَّيْفِ ; لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ ﷺ اتَّخَذَ الْخَاتَمَ لِيَخْتِمَ بِهِ رَسَائِلَهُ إِلَى الْمُلُوكِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوَّلًا، فَلَمَّا امْتَنَعُوا حَارَبَهُمْ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) مَرَّ ذِكْرُهُمَا (أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ) أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْقَبِيعَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، مَا عَلَى رَأْسِ قَائِمِ السَّيْفِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا تَحْتَ شَارِبَيِ السَّيْفِ مِمَّا يَكُونُ فَوْقَ الْغِمْدِ، فَيَجِئُ مَعَ قَائِمِ السَّيْفِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ وَسَائِرِ آلَاتِ الْحَرْبِ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا التَّحْلِيَةُ بِالذَّهَبِ فَغَيْرُ مُبَاحٍ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَكَذَلِكَ الْمِنْطَقَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيَةِ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ فَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ
كَالسَّيْفِ وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ ; لِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الدَّابَّةِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيَةِ سِكِّينِ الْحَرْبِ وَالْمِقْلَمَةِ، بِقَلِيلٍ مِنَ الْفِضَّةِ انْتَهَى، قَالَ مِيرَكُ: وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَبِيعَتَهُ كَانَتْ فِضَّةً فَقَطْ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا قَبِيعَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَإِذَا حَلَقَتُهُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْحَمَائِلُ مِنْ فِضَّةٍ، قَالَ: فَسَلَلْتُهُ فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ كَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ، أَصَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِلَقُهُ وَقِبَاعُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِضَّةً، وَقَبِيعَتُهُ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ حِلَقُ فِضَّةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْحَاصِلُ أَنَّ الذَّهَبَ لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ مُطْلَقًا لَا اسْتِعْمَالًا وَلَا اتِّخَاذًا وَلَا تَضْبِيبًا وَلَا تَمْوِيهًا، لَا لِآلَةِ الْحَرْبِ وَلَا لِغَيْرِهَا، وَكَذَا الْفِضَّةُ إِلَّا فِي التَّضْبِيبِ وَالْخَاتَمِ وَتَحْلِيَةِ آلَةِ الْحَرْبِ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، مِنْ حِلِّ
стр. 157
التَّمْوِيهِ تَارَةً، وَحُرْمَتِهِ أُخْرَى، مَحْمُولٌ عَلَى تَفْصِيلٍ عُلِمَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ مِنْ ذَلِكَ الْمُمَوَّهِ حُرِّمَتِ اسْتَدَامَتُهُ، كَابْتِدَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ حَرُمَ الِابْتِدَاءُ فَقَطْ، أَمَّا نَفْسُ التَّمْوِيهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ، وَالْإِعَانَةُ عَلَيْهِ وَالتَّسَبُّبُ فِيهِ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا، وَيَتَأَتَّى هَذَا التَّفْصِيلُ فِي تَمْوِيهِ الرِّجَالِ الْخَاتَمَ وَآلَةَ الْحَرْبِ بِالذَّهَبِ، وَقَالَ قَاضِي خَانَ: يُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالِادِّهَانُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَذَا الْمَجَامِرُ وَالْمَكَاحِلُ وَالْمَدَاهِنُ، كَذَا الِاكْتِحَالُ بِمَيْلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَذَا السُّرُرُ وَالْكَرَاسِيُّ إِذَا كَانَتْ مُفَضَّضَةً أَوْ مُذَهَّبَةً، وَكَذَا السَّرْجُ إِذَا كَانَ مُفَضَّضًا أَوْ مُذَهَّبًا، كَذَا اللِّجَامُ وَالرِّكَابُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمُصْحَفَ مُفَضَّضًا أَوْ مُذَهَّبًا، وَلَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةِ الْمِنْطَقَةِ وَالسِّلَاحِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَيُكْرَهُ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يَخْلُصُ مِنْهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَخْلُصُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْكُلِّ، وَلَا بَأْسَ بِمَسَامِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: حَدَّثَنِي (أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ) أَخِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ (قَالَ: كَانَتْ) وَفِي نُسْخَةٍ كَانَ (قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ.
(حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صُدْرَانَ)
بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ أُخْرَى (الْبَصْرِيُّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا (أَخْبَرَنَا طَالِبُ بْنُ حُجَيْرٍ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ آخِرُهُ رَاءٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنْ هُودٍ) بِالتَّنْوِينِ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ أَيِ الْعَبْدِيُّ) قَالَ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ: كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ الْمَقْرُؤَةِ، وَصَوَابُهُ سَعْدٌ بِغَيْرِ يَاءٍ انْتَهَى. أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ لِأُمِّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ مَزْيَدَةُ بْنُ جَابِرٍ أَوِ ابْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (الْعَصْرِيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْعَبْدِيُّ ابْنُ عَبْدِ قِيسٍ صَحَابِيٌّ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَكَانَ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَنَزَلْتُ قَبَّلْتُ يَدَهُ، وَمَزْيَدَةُ ضَبَطَهُ الْأَكْثَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَهُمُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ: مَزِيدَةُ بِوَزْنِ كَبِيرَةٍ (قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ) أَيْ فَتْحِهَا (وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) لَا يُعَارِضُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ حُرْمَتِهِ بِالذَّهَبِ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ عَلَى مَا نُقِلَ، وَلَعَلَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ أَنَّهُ كَانَتْ فِضَّتُهُ مُمَوَّهَةً بِالذَّهَبِ، وَكَانَ لَهُ سُيُوفٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ السَّابِقَ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَيْثُ مَا سُؤَالُ الرَّاوِي عَنِ الذَّهَبِ (قَالَ طَالِبٌ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِضَّةِ) أَيِ الْمُمَوَّهَةِ (فَقَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ السَّيْفِ فِضَّةً) قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ وَجَدُّ هُودٍ مَزْيَدَةُ الْعَصْرِيُّ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، إِذْ لَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعْتَمَدُ بِهِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ مَزْيَدَةَ الْعَبْدِيِّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ عِنْدِي ضَعِيفٌ، لَا حَسَنٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ
стр. 158
الرَّازِيُّ: هَذَا مُنْكَرٌ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ: صَدَقَ ابْنُ الْقَطَّانِ، هَذَا وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفًا لِنَفْسِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْفِقَارِ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلَهُ وَزَادَ فَأَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سِلَاحِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ: سَيْفٌ قَلْعِيٌّ، وَسَيْفٌ بَتَّارٌ، وَسَيْفٌ يُدْعَى الْحَتْفَ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ) بِضَمِّ الشِّينِ وَقِيلَ: إِنَّهُ مُثَلَّثَةٌ (الْبَغْدَادِيُّ)
بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ) ضَعِيفٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) لَقَبٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ (قَالَ صَنَعْتُ) مِنَ الصُّنْعِ أَيْ أَمَرْتُ بِأَنْ يُصْنَعَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ صُغْتُ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ مِنَ الصَّوْغِ وَالصِّيَاغَةِ، أَيْ أَمَرْتُ بِأَنْ يُصَاغَ (سَيْفِي عَلَى سَيْفِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) أَيِ عَلَى تَمْثَالِ سَيْفِهِ فِي الشَّكْلِ وَالْوَضْعِ، وَجَمِيعِ الْكَيْفِيَّاتِ (وَزَعَمَ سَمُرَةَ) أَيْ قَالَ أَوْ ظَنَّ (أَنَّهُ صَنَعَ) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الصُّنْعِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى سَمُرَةَ، وَقَوْلُهُ: (سَيْفَهُ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ صِيغَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْيَاءِ مِنَ الصَّوْغِ، وَسَيْفُهُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَجَوَّزَ الْأَوَّلَ أَيْضًا عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، وَوَجْهُهُ مَعْلُومٌ (عَلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ) أَيِ الصُّنْعُ أَوِ السَّيْفُ وَأَمَّا جَعْلُ ضَمِيرِهِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُقَدَّرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ (حَنَفِيًّا) أَيْ مَنْسُوبًا إِلَى بَنِي حَنِيفَةَ قَبِيلَةُ مَسْلَمَةَ ; لِأَنَّ صَانِعَهُ مِنْهُمْ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مَصْنُوعًا لَهُمْ أَوْ مِمَّنْ يَعْمَلُ كَعَمَلِهِمْ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَيْئَةِ سُيُوفِهِمْ، قَالَ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ: يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ عَمَلِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِحُسْنِ الصَّنْعَةِ فِي اتِّخَاذِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَتَى بِهِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا صَنَعُوهُ، قَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، أَيْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَكَانَ سَيْفُ سَمُرَةَ حَنَفِيًّا أَوْ مِنْ كَلَامِ سَمُرَةَ أَيْ قَالَ سَمُرَةُ: وَكَانَ سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَنَفِيًّا انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْسَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ فِي عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ الْكَاتِبِ وَضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
(حَدَّثَنَا عُقْبَةُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (بْنُ مُكْرَمٍ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِكْرَامِ (الْبَصْرِيُّ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ (قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أَيِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبْلُ (نَحْوَهُ) أَيْ مَعْنَى ذَلِكَ السَّنَدِ قَالَهُ السَّيِّدُ أَصِيلُ الدِّينِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 159
أَيْ صِفَةِ لُبْسِ دِرْعِهِ بِحَذْفِ مُضَافٍ لِيُوَافِقَ حَدِيثَيِ الْبَابِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ
حَسَنٌ وَذُهِلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ فَهْمِهِ، فَقَالَ: وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا يَأْتِي فِيهِمَا، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَوَّلِهَا صِفَةُ اللُّبْسِ مُطْلَقًا انْتَهَى. وَهُوَ خَطَأٌ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ، صِفَةُ لُبْسِهِ، وَهُوَ لُبْسُ الِاثْنَيْنِ مِنْهُ، وَالدِّرْعُ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ثَوْبُ الْحَرْبِ مِنْ حَدِيدٍ، مُؤَنَّثٌ وَقَدْ تُذَكَّرُ، قَالَ مِيرَكُ: وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةُ أَدْرُعٍ، ذَاتُ الْفُضُولِ سُمِّيَتْ لِطُولِهَا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ الَّتِي رَهَنَهَا ﷺ ، وَذَاتُ الْوِشَاحِ، وَذَاتُ الْحَوَاشِي، وَالسِّغْدِيَّةُ، وَالْفِضَّةُ، أَصَابَهُمَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَيُقَالُ السِّغْدِيَّةُ كَانَتْ دِرْعَ دَاوُدَ الَّتِي لَبِسَهَا لِقِتَالِ جَالُوتَ، وَالْبَتْرَاءُ وَالْخِرْنَقُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ دِرْعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هِيَ يَمَانِيَّةٌ رَقِيقَةٌ ذَاتُ زَرَافِينَ، إِذَا عُلِّقَتْ بِزَرَافَتِهَا لَمْ تَمَسَّ الْأَرْضَ، فَإِذَا أُرْسِلَتْ مَسَّتِ الْأَرْضَ، وَمِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ دِرْعُ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا حَلْقَتَانِ مِنْ فِضَّةٍ عِنْدَ مَوْضِعِ الثَّدْيِ، أَوْ قَالَ: عِنْدَ مَوْضِعِ الصَّدْرِ، وَحَلْقَتَانِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، قَالَ: فَلَبِسَهَا فَخَطَّتِ الْأَرْضَ.
(حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الْكَافِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَخْرَجَ حَدِيثَهَ الْأَرْبَعَةُ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبَّادٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَحَدُ الْعَبَادِلَةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ، عَالِمٌ زَاهِدٌ عَابِدٌ اسْتُخْلِفَ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ، وَتَابَعَهُ مَمَالِكُ الْإِسْلَامِ سِوَى الشَّامِ، صَلَبَهُ الْحَجَّاجُ (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَلَّ السَّيْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ مِيرَكُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مُلْحَقًا بِصَحَّ، وَحُذِفَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ذِكْرُ الزُّبَيْرِ وَاقْتُصِرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ الزُّبَيْرِ فِي الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّهُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ، وَبِذِكْرِهِ يَكُونُ الْحَدِيثُ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا، وَبِحَذْفِهِ يَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يَحْضُرْ وَاقِعَةَ أُحُدٍ، كَمَا سَيَأْتِي وَبِذِكْرِ الزُّبَيْرِ يَصِحُّ قَوْلُهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ قَالَ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَوْجَبَ طَلْحَةُ بِالْفَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ، بِلَا تَرَاخٍ عَنِ اسْتِوَائِهِ ﷺ عَلَى الصَّخْرَةِ وَسَمَاعِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ:
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ طَلْحَةَ جَلَسَ تَحْتَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الْجَبَلَ قَالَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَوْجَبَ طَلْحَةُ، وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ حَذْفِ الزُّبَيْرِ، يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ كَذِبًا مَحْضًا ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يَحْضُرْ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَوَاقِعَةُ أُحُدٍ كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَيُحْمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَذْفِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَحَذَفَهُ فِي الْإِسْنَادِ فَيَصِيرُ الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ الْكَذِبُ الْمَحْظُورُ، وَلَا التَّدْلِيسُ الْمَحْذُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَالَ) أَيِ الزُّبَيْرُ أَوِ ابْنُهُ نَقْلًا عَنْهُ (كَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 160
يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ) قَالَ مِيرَكُ: هُمَا ذَاتُ الْفُضُولِ وَالْفِضَّةُ، كَمَا رَوَاهُ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ (فَنَهَضَ) كَمَنَعَ أَيْ قَامَ، وَنَهَضَ النَّبْتُ أَيِ: اسْتَوَى عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ فَأَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ (إِلَى الصَّخْرَةِ) أَيْ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا لِيَسْتَعْلِيَهَا فَيَرَاهُ النَّاسُ فَيَعْلَمُونَ حَيَاتَهُ، وَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أَيِ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الصَّخْرَةِ لِثِقَلِ دِرْعَيْهِ، أَوْ لِضَعْفٍ طَرَأَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ آلَامُ ضُرُوبٍ وَصَلَتْ إِلَيْهِ، وَكَثْرَةُ دَمٍ سَائِلٍ مِنْ رَأَسِهِ وَجَبْهَتِهِ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ حَجَرٍ رُمِيَ بِهِ، حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ الْقَتْلَى (فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ) أَيْ أَجْلَسَهُ (تَحْتَهُ فَصَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ بِإِمْدَادِهِ (النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى اسْتَوَى) أَيْ تَمَكَّنَ وَاسْتَقَرَّ (عَلَى الصَّخْرَةِ) وَهِيَ حَجَرٌ عَظِيمٌ يَكُونُ غَالِبًا فِي سَفْحِ الْجَبَلِ (قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (فَسَمِعْتُ) بِالْفَاءِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَعَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ مِيرَكُ فِي الْقَضِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَجَعَلَ الْعِصَامُ أَصْلَهُ سَمِعْتُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ فَسَمِعْتُ (النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ أَوْجَبَ طَلْحَةُ) أَيْ لِنَفْسِهِ الْجَنَّةَ أَوِ الشَّفَاعَةَ أَوِ الْمَثُوبَةَ الْعَظِيمَةَ بِفِعْلِهِ هَذَا، أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَيْثُ جَعَلَ نَفْسَهُ فِدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ وَجُرِحَ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ.
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) حَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ) أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا) أَيْ أَوْقَعَ الْمُظَاهَرَةَ
بَيْنَهُمَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَبِسَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهُ مِنَ التَّظَاهُرِ بِمَعْنَى التَّعَاوُنِ، قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَفِي الصِّحَاحِ: الظِّهَارَةُ خِلَافُ الْبِطَانَةِ، وَظَاهَرَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ أَيْ طَارَقَ بَيْنَهُمَا وَطَابَقَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَبِسَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى، حَتَّى صَارَتْ كَالظِّهَارَةِ لَهَا اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْحَرْبِ، وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وَأَخْذًا لِلْحَذَرِ مِنَ الْحَذَرِ، وَفِرَارًا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى الْقَدْرِ، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ الْحَزْمَ وَالتَّوَقِّيَ مِنَ الْأَعْدَاءِ لَا يُنَافِي
стр. 161
التَّوَكُّلَ وَالتَّسْلِيمَ وَالرِّضَا، وَاحْتَرَزَ بِظَاهِرٍ عَمَّا يُتَوَهَّمُ عِنْدَ حَذْفِهِ مِنْ صِدْقِهِ بِلُبْسِ وَاحِدٍ إِلَى وَسَطِهِ، وَآخَرَ مِنْ وَسَطِهِ إِلَى رِجْلَيْهِ، كَالسَّرَاوِيلِ قَالَ مِيرَكُ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ السَّائِبَ هَذَا لَمْ يَشْهَدْ وَاقِعَةَ أُحُدٍ لِمَا سَبَقَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، أَوْ لَبِسَ دِرْعَيْنِ، وَهَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَإِنَّهُ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ مُعَاذٍ التَّمِيمِيِّ، فَقَالَ: ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْوَحْدَانِ، وَذُكِرَ بِسَنَدٍ عَنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ مُعَاذٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَاهَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الِاسْتِيعَابِ، وَأَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، وَالصَّوَابُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ السِّلَاحَ يَوْمَئِذٍ، بَلْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ، أَقُولُ أَمَّا كَوْنُهُ مُحْرِمًا، فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ لُبْسِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَالْقَضِيَّةُ قَاضِيَةٌ بِوُقُوعِهِ لِمَا وَقَعَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُبَايَعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَلْحَةَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ السَّائِبِ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَوْفٍ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمِقْدَادَ وَسَعْدًا فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِهِ: لَمْ يُبَيِّنْ مَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَوْ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ ﷺ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِغْفَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
الْمِغْفَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، مَا يُلْبَسُ تَحْتَ الْبَيْضَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْبَيْضَةِ أَيْضًا، وَأَصْلُ الْغَفْرِ السَّتْرُ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَقِيلَ: هِيَ حَلْقَةٌ تُنْسَجُ مِنَ الدِّرْعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ، وَفِي الْمُحْكَمِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دِرْعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) أَيْ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ: مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَكَّةَ أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ ، فَلِذَا دَخَلَهَا مُتَهَيِّئًا لِلْقِتَالِ، وَقِيلَ: خُصِّصَ النَّهْيُ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ فِي حَمْلِهِ ; وَلِذَا دَخَلَ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَمَعَهُ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ السِّلَاحُ فِي الْقِرَابِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ حَمْلِهِ فَمَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ حَمْلُ السِّلَاحِ لِلْمُحَارَبَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ بَعْدَ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ نَزَعَ الْمِغْفَرَ (هَذَا ابْنُ خَطَلٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، فَلَمَّا أَسْلَمَ سُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَيْ خَوْفًا مِنْ قَتْلِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْوَحْيَ، وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدِمُهُ لَمَّا أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَاتَّخَذَ قَيْنَتَيْنِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْعِصَامُ: وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهَا مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِ. وَالتَّمَسُّكُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا هُوَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ مَنْ تَمَسَّكَ بِذَيْلِ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ جَرِيمَةٍ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَثْنِينَ لِمَا
стр. 162
عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرْبَعَةٌ لَا أُؤَمِّنُهُمْ لَا فِي حِلٍّ وَلَا فِي حَرَمٍ، الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ، وَهِلَالُ بْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: أَرْبَعَةُ نَفَرٍ وَامْرَأَتَانِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ (فَقَالَ اقْتُلُوهُ) وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ
الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ رَأَى مِنْكُمُ ابْنَ خَطَلٍ فَلْيَقْتُلْهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، كَانَ ابْنُ خَطَلٍ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْرِ انْتَهَى.
يَعْنِي فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِهْدَارِ دَمِهِ، وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّهُ ﷺ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدِمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا فَنَزَلَ مَنْزِلًا، وَأَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَذْبَحَ تَيْسًا وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَسَقَطَ عَنْهُمْ بِقَتْلِ وَاحِدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ فَيَلْزَمُ كُلًّا الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَتْلِهِ، فَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عِصْيَانُ الْبَاقِي بِمُبَادَرَةِ قَاتِلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْحَضْرَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مُبَادَرَةِ قَتْلِهِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْلِيَتُهُ ﷺ وَحْدَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ أَنَّهُ أَمَرَ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِقَتْلِهِ لَا جَمْعًا، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إِسْنَادِ الْبَعْضِ إِلَى جَمْعٍ بَيْنَهُمْ كَمَالُ ارْتِبَاطٍ ; وَلِهَذَا أَقْدَمَ بِقَتْلِهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَحْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ مِنْ أَنَّهُ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِ قَاتِلِهِ، وَبِهِ جَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ أَخْبَارِ السِّيَرِ وَتُحْمَلُ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُمُ ابْتَدَرُوا قَتْلَهُ، فَكَانَ الْمُبَاشِرُ لَهُ مِنْهُمْ أَبَا بَرْزَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ شَارَكَهُ فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُرَيْثٍ وَأَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي رِوَايَةِ أَنَّهُ اسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ. قَالَ مِيرَكُ: وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا مِنْهَا أَنَّ قَاتِلَهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدَةَ الْعَجْلَانِيُّ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ أَبُو بَرْزَةَ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ الزُّبَيْرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: وَأُخِذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقُتِلَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ، قَالَ مِيرَكُ: وَرِجَالُهُ ثِقَاةٌ، إِلَّا أَنَّ فِي أَبِي مَعْشَرٍ مَقَالًا، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، فَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَقِيلَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: أَثْبَتُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَرْزَةَ، ضَرَبَ عُنُقَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِتَحَتُّمِ قَتْلِ سَابِّهِ ﷺ الَّذِي قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ إِلَّا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ فَقُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﷺ قَتَلَهُ قِصَاصًا بِذَلِكَ الْمُسْلِمِ الَّذِي قَتَلَهُ، فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قُلْتُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ كَانَ مِمَّنْ نَصَّ ﷺ عَلَى قَتْلِهِ، لِمُشَابَهَتِهِ لِابْنِ خَطَلٍ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ ﷺ الْإِسْلَامَ
وَلَمْ يَقْتُلْهُ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ خَطَلٍ ارْتَدَّ ثُمَّ فِي حَالِ ارْتِدَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ مَا صَدَرَ، فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الِارْتِدَادُ بِسَبِّهِ ﷺ .
وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَتِهِ وَقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُ بِشَرَائِطِهَا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ سِيَاسَةً قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ حُجَّةٌ لِحِلِّ إِقَامَةِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَا يُنَجِّسُهُ انْتَهَى. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَتْلَهُ لَا يُسَمَّى حَدًّا وَلَا قِصَاصًا ; لِأَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ قَتْلَهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَسْجِدُ، ثُمَّ أَطَالَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; وَلِذَا تَرَكْنَا بَحْثَهُ قَالَ الْحَنَفِيُّ: مَعَ أَنَّهُ حَنَفِيٌّ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْحَرَمَ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ جَنَى خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ انْتَهَى. وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ عِنْدَنَا فِي مَنْ جَنَى خَارِجَ الْحَرَمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ الْتَجَأَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، بَلْ لَا يُطْعَمُ وَلَا يَشْرَبُ حَتَّى يُضْطَرَّ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، ثُمَّ يُقْتَصُّ وَمَكَّةُ حِينَئِذٍ كَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَابْنُ خَطَلٍ مُرْتَدٌّ الْتَحَقَ بِالْمُشْرِكِينَ فَوَقَعَتِ الْمُصَالَحَةُ بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً.
وَأَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ فَتْحَهَا كَانَ عَنْوَةً، فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.
стр. 163
(حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ) ثِقَةٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تَقَدَّمَ (قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) وَهُوَ الزُّهْرِيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ) أَيْ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) بِلَامِ التَّعْرِيفِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ «مِغْفَرٌ» فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، ثُمَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآتِي أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ - الْمُخَرَّجُ فِي مُسْلِمٍ - أَنَّ عَقِبَ دُخُولِهِ نَزَعَ الْمِغْفَرَ، ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ، فَخَطَبَ بِهَا لِرِوَايَةِ: «خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَالْخُطْبَةُ كَانَتْ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْفَتْحِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَاخْتَارَهُ الْعِرَاقِيُّ وَفِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِمَامَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ، لَا أَنَّهُ لَبِسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ زَمَانَ الْحَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا مَعَ زَمَانِ عَامِلِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ الِاتِّسَاعُ فِي زَمَانِ دُخُولِ مَكَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: إِنَّ سَوَادَ عِمَامَتِهِ لَمْ يَكُنْ أَصْلِيًّا بَلْ لَمَّا كَانَ الْمِغْفَرُ
فَوْقَ الْعِمَامَةِ فِي الْأَيَّامِ الْحَارَّةِ، وَكَانَتِ الْعِمَامَةُ مُتَّسِخَةً وَمُتَلَوِّنَةً بِسَبَبِهِ، وَلَمَّا رَفَعَ الْمِغْفَرَ عَنْهَا ظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهَا سَوْدَاءُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ، وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ مِنَ الْجَمِيعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمِغْفَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ دَخَلَ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِمَامَةِ بَيَّنَ أَنَّهُ دَخَلَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَجَمْعٌ غَرِيبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لُبْسَ أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِحْرَامِهِ ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالنِّيَّةِ وَاللُّبْسَ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ، وَالثَّانِي أَنَّ لُبْسَ الْمِغْفَرِ يَكْفِي لِلدَّلَالَتَيْنِ عَلَى زَعْمِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْعِمَامَةِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِفَرْضِ صِحَّةِ عَدَمِ إِحْرَامِهِ، أَنَّ سَبَبَهُ كَوْنُهُ ﷺ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حُصُولِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَبَيْنَ عَدَمِ الدُّخُولِ إِلَيْهِ بِسَبَبِ مَنْعِ الْأَعْدَاءِ، فَكَانَ قَصْدُهُ الْأَوَّلُ إِنَّمَا هُوَ قُرْبَ الْحَرَمِ ; لِيَنْظُرَ فِيهِ كَيْفَ الْأَمْرُ أَلَهُ الْغَلَبَةُ أَمْ لَا، فَحِينَئِذٍ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ نُسُكٍ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا مِنَ الْأَفَاقِي، إِذَا قَصَدَ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ لَهُ الْمُجَاوَزَةُ مِنَ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ثُمَّ دُخُولُهُ مَكَّةَ بِاخْتِيَارِهِ مُحْرِمًا أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِغْفَرَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُوَشَّحُ، وَلِلْآخَرِ لَسُوعٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَهُ بَيْضَةٌ، وَكَانَ فِي رَأْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ، وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ
стр. 164
وَالْمَحْفُوظُ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَتُعُقِبَّ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَجَدُوا بِضْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا غَيْرَ مَالِكٍ تَابَعُوهُ فِي ذِكْرِ الْمِغْفَرِ، وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (قَالَ) أَيْ أَنَسٌ، وَإِنَّمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ لِطُولِ كَلَامِهِ أَوْ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَاعِلُ قَالَ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ لَا التِّرْمِذِيُّ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ السِّيَاقَ الْمُطَابِقَ لِلسِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ يُحْكَمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ (فَلَمَّا نَزَعَهُ) أَيْ نَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِغْفَرَ وَنَحَّاهُ عَنْ رَأْسِهِ (جَاءَهُ رَجُلٌ) قِيلَ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ (فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (اقْتُلُوهُ) أَيْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّغْلِيبِ أَوِ الِالْتِفَاتِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ: «اقْتُلْهُ» (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيُّ قَالَ مِيرَكُ: هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ لِمَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا (وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا) أَيْ عَلَى صُورَةِ الْمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَابِسًا لُبْسَ الْحَلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيُّ مَذْهَبَهُ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِهَا إِذَا لَمْ يُرِدْ نُسُكًا انْتَهَى. قَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ» الْحَدِيثَ، وَقَالَ: اقْتُلْهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُحْرِمًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَمَا هُنَا انْتَهَى. وَالْجَمْعُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ اقْتُلْهُ
وَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ قَتْلَهُ وَحْدَهُ صَعْبٌ، قَالَ اقْتُلُوهُ ; وَلِهَذَا تَبَادَرُوا إِلَى قَتْلِهِ، ثُمَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا نَرَى مُحْرِمًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَدِلًّا بِلُبْسِ الْمِغْفَرِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ جَابِرٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دُخُولَ الْحَرَمِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْخَائِفِ الْمُتَأَهِّبِ لِلْقِتَالِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: الْإِحْرَامُ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ حَاجَتُهُ، وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ قَصْدِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ دَخَلَ لِحَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ وَخَشَّاشٍ وَصَيَّادٍ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ لَا تَتَكَرَّرُ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ تَجِبُ مُطْلَقًا، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ دُخُولَهُ ﷺ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَدَلِيلُهُ: قَوْلُهُ ﷺ أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَوَازُ دُخُولِهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِيهَا ; لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَكَّةَ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ فِيهَا، فَقَدْ عَكَسَ اسْتِدْلَالَهُ النَّوَوِيُّ، فَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ تَبْقَى دَارَ إِسْلَامٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نَظَرًا، فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ وَقَدْ حَكَاهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا قُلْتُ: مَا صَوَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ فَرْضِيٌّ غَيْرُ لَازِمِ الْوُقُوعِ ; وَلِذَا خَالَفَ مَنْ خَالَفَ، وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَصَحِيحَةٌ، وَلَا يُنَافِيهَا مُخَالَفَةُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ، فَبَطَلَ إِبْطَالُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 165
(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ «صِفَةِ» ، وَالْعِمَامَةُ بِالْكَسْرِ: مَعْرُوفٌ، وَوَهِمَ الْعِصَامُ حَيْثُ قَالَ: بِالْفَتْحِ كَالْغَمَامَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْمِغْفَرِ وَالْبَيْضَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ بِهَا فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ عَلَى الرَّأْسِ سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَ الْمِغْفَرِ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ مَا يُشَدُّ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَمَا يُشَدُّ عَلَى رَأْسِ الْمَرِيضِ أَيْضًا انْتَهَى.
وَيُعَارِضُ الْعِصَامُ وَابْنُ حَجَرٍ هُنَا بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا فَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ كَلَامِهِمَا إِيرَادًا وَدَفْعًا (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ حَدَّثَنَا أَخْبَرَنَا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ح) .
تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ بِحْثِ الْحَاءِ وَأَنَّهُ عَلَامَةُ تَحْوِيلِ الْإِسْنَادِ (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ السَّوَادِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَفْضَلَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ خَيْرَ ثِيَابِكُمُ الْبِيضُ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا
стр. 166
الدِّينَ لَا يَتَغَيَّرُ كَالسَّوَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَلْوَانِ، وَفِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ عُلَمَائِنَا الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُسَنُّ لُبْسُ السَّوَادِ لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَقَدْ جَمَعَ السُّيُوطِيُّ جُزْءً فِي لُبْسِ السَّوَادِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ وَآثَارًا وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَنَّ تِلْكَ الْعِمَامَةَ وَهَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَهِيَ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَجْعَلُونَهَا عَلَى رَأْسِ مَنْ تُقَرَّرُ لَهُ الْخِلَافَةُ، وَهِيَ الْآنَ بِمَحْرُوسَةِ مِصْرَ فِي أَيْدِي أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ، وَيَضَعُهَا الْخَلِيفَةُ عَلَى رَأْسِ السُّلْطَانِ يَوْمَ تَوْلِيَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ كَانَتْ لَهُ عِمَامَةٌ تُسَمَّى السَّحَابُ، وَكَانَ يَلْبَسُ تَحْتَهَا الْقَلَانِسَ جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ، وَهِيَ غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ يَسْتَتِرُ بِهِ الرَّأْسُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ الشَّاشِيَّةُ وَالْعِرْقِيَّةُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً ذَاتَ آذَانٍ يَلْبَسُهَا فِي السَّفَرِ، وَرُبَّمَا وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا صَلَّى، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالْمُصَنِّفُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ شَقَّةٌ سَوْدَاءُ، وَأَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَوْدَاءَ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَايَتَهُ سَوْدَاءُ تُسَمَّى الْعُقَابَ.
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ (عَنْ مُسَاوِرٍ)
بِضَمِّ مِيمٍ وَمُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ وَاوٍ وَرَاءٍ (الْوَرَّاقِ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَائِعُ الْوَرَقِ أَوْ صَانِعُهُ أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى وَرَقِ الشَّجَرِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) مُصَغَّرُ حَرْثٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُثَلَّثَةٍ، رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِمَامَةً سَوْدَاءَ) يُحْتَمَلُ عَامَ الْفَتْحِ وَغَيْرَهُ، وَحَالَ الْخُطْبَةِ وَغَيْرَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَيَجِيءُ مَا يُبَيِّنُهُ.
(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ) أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ لُبْسَ السَّوَادِ إِنَّمَا كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَقَطْ ; لِأَنَّ خُطْبَتَهُ ﷺ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِنْبَرٍ بَلْ كَانَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) أَيْ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ عِصَابَةٌ سَوْدَاءُ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْعِمَامَةِ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْقَامُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَصْبِ وَهُوَ الشَّدُّ لِمَا يُشَدُّ بِهِ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ تُسَاعِدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْعِمَامَةِ تَحْتَ الْمِغْفَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فِي مَعْنَى حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَزَادَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي خَطَبَ النَّاسَ أَيْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَوْلُهُ: طَرَفَيْهَا بِالتَّثْنِيَةِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِفْرَادِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ انْتَهَى. وَقَدْ لَبِسَ السَّوَادَ جَمَاعَةٌ كَعَلِيٍّ يَوْمَ قَتْلِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ، كَالْحَسَنِ كَانَ يَخْطُبُ بِثِيَابٍ سُودٍ وَعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، أَوْ عِصَابَةٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ يَخْطُبُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَمُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ لَبِسَ عِمَامَةً سَوْدَاءَ وَجُبَّةً سَوْدَاءَ وَعِصَابَةً سَوْدَاءَ، وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَذَّاءَ وَعَمَّارٍ كَانَ يَخْطُبُ كُلَّ جُمُعَةٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ أَمِيرُهَا وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ يَعْتَمُّ بِهَا وَوَرَدَ بِسَنَدٍ وَاهٍ هَبَطَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ وَعَلَيْهِ قُبَاءٌ أَسْوَدُ وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ،
стр. 167
فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الصُّورَةُ لَمْ أَرَكَ هَبَطْتَ بِهَا عَلَيَّ، قَالَ هَذِهِ صُورَةُ الْمُلُوكِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ عَمِّكَ، قُلْتُ: وَهُمْ عَلَى حَقٍّ، قَالَ جِبْرِيلُ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ حَيْثُ كَانُوا، وَأَيْنَ كَانُوا، قَالَ جِبْرِيلُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِكَ زَمَانٌ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ بِهَذَا السَّوَادِ، فَقُلْتُ: رِيَاسَتُهُمْ مِمَّنْ؟ قَالَ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، قُلْتُ: وَمَنْ أَتْبَاعُهُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَمْلِكُونَ؟ قَالَ: الْأَخْضَرَ وَالْأَصْفَرَ وَالْحَجَرَ وَالْمَدَرَ وَالسَّرِيرَ وَالْمِنْبَرَ وَالدُّنْيَا إِلَى الْمَحْشَرِ، وَالْمُلْكَ إِلَى الْمَنْشَرِ، وَسَأَلَ الرَّشِيدُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْهُ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ يَكْرَهُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُجَلَّى فِيهِ عَرُوسٌ، وَلَا يُلَبِي فِيهِ مُحْرِمٌ، وَلَا يُكَفَّنُ فِيهِ مَيِّتٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ جَوَازِ لُبْسِ الْأَسْوَدِ فِي الْخُطْبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْيَضُ أَفْضَلَ مِنْهُ.
(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ بِالْيَمَنِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَرْبَعَةُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ) نِسْبَةً إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: الْمَدَنِيُّ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) نِسْبَةً إِلَى الْجَدِّ، إِذْ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخُو سَالِمٍ، مَاتَ قَبْلَ أَخِيهِ سَالِمٍ، كَذَا فِي الْكَاشِفِ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ لَفَّ عِمَامَتَهُ عَلَى رَأْسِهِ (سَدَلَ عِمَامَتَهُ) أَيْ أَرْخَى طَرَفَهَا الَّذِي يُسَمَّى الْعِلَاقَةَ، قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: سَدَلَ الثَّوْبَ سَدْلًا مِنْ بَابِ طَلَبَ إِذَا أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ جَانِبَيْهِ، وَقِيلَ: فَهُوَ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُرْخِيَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَأَسْدَلَ خَطَأٌ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّ، قَالَ: يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِسُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ (قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) كَانَ هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِهِ وَقَوْلُهُ: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْعَطْفِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ كَلَامَ أَبِي عِيسَى لَكَانَ مُنْقَطِعًا (وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ إِسْدَالِ
طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ
стр. 168
الْكَتِفَيْنِ، عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: قَالَ نَافِعٌ: لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كَذَا حَقَّقَهُ الْعِصَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي السِّيَرِ بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْخِي عَلَاقَتَهُ أَحْيَانًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَحْيَانًا يَلْبَسُ الْعِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُصَنِّفُ فِي الْجَامِعِ بِسَنَدِهِمَا عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ، وَسَدَلَ طَرَفَيْهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ مُعْتَمًّا، قَدْ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ سُنَّةٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ الْقَلَانِسِ، قَالَ الْجَوْزِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: السُّنَّةُ أَنْ يَلْبَسَ الْقَلَنْسُوَةَ وَالْعَمَائِمَ، فَأَمَّا لُبْسُ الْقَلَنْسُوَةِ وَحْدَهَا، فَهُوَ زِيُّ الْمُشْرِكِينَ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رُكَانَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: قَدْ تَتَبَّعْتُ الْكُتُبَ وَتَطَلَّبْتُ مِنَ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ لِأَقِفَ عَلَى قَدْرِ عِمَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ ﷺ عِمَامَةٌ قَصِيرَةٌ، وَعِمَامَةٌ طَوِيلَةٌ، وَأَنَّ الْقَصِيرَةَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَالطَّوِيلَةَ كَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي مَلْبَسِهِ أَتَمَّ، وَنَفْعُهُ لِلنَّاسِ أَعَمَّ، إِذْ تَكْبِيرُ الْعِمَامَةِ يُعَرِّضُ الرَّأْسَ لِلْآفَاتِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْفُقَهَاءِ الْمَكِّيَّةِ، وَالْقُضَاةِ الرُّومِيَّةِ، وَتَصْغِيرُهَا لَا يَقِي مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا وَسَطًا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: عَلَيْكَ أَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا بَدِيعًا، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى رَبَّهُ وَاضِعًا يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَكْرَمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالْعَذَبَةِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ أَصْلًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلْ هَذَا مِنْ قَبِيحِ رَأْيِهِمَا وَضَلَالِهِمَا إِذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ، وَأَطَالَا فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ، وَالْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِهِمْ لَهُ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْجِهَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَهُمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْقَبَائِحِ، وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ مَا تُصَمُّ عَنْهُ الْآذَانُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، قَبَّحَهُمَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَجِلَّاءُ مَذْهَبِهِ مُبَرَّؤُنَ عَنْ هَذِهِ الْوَصْمَةِ الْقَبِيحَةِ كَيْفَ وَهِيَ كُفْرٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ أَقُولُ صَانَهُمَا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ السِّمَةِ الشَّنِيعَةِ، وَالنِّسْبَةِ الْفَظِيعَةِ، وَمَنْ طَالَعَ شَرْحَ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِنْ أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: عَلَى مَا نَصَّهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ الْحَنْبَلِيَّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْجَلِيَّ، تُبَيِّنُ مَرْتَبَتَهُ مِنَ السُّنَّةِ
وَمِقْدَارَهُ فِي الْعِلْمِ وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ أَعْدَاؤُهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنَ التَّشَبُّهِ وَالتَّمْثِيلِ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي رَمْيِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ بِذَلِكَ، كَرَمْيِ الرَّافِضَةِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ نَوَاصِبُ، وَالنَّاصِبَةُ بِأَنَّهُمْ رَوَافِضُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّهُمْ نَوَائِبُ حَشْوِيَّةٍ، وَذَلِكَ مِيرَاثٌ مِنْ أَعْدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمْيِهِ وَرَمْيِ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُمْ صَبَأَةٌ، قَدِ ابْتَدَعُوا دِينًا مُحْدَثًا، وَهَذَا مِيرَاثٌ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَبِيِّهِمْ بِتَلْقِيبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ لَهُمْ بِالْأَلْقَابِ الْمَذْمُومَةِ.
وَقَدَّسَ اللَّهُ رُوحَ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الرَّفْضِ: شِعْرٌ:
إِنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّيَ رَافِضِي
وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَةَ حَيْثُ يَقُولُ: شِعْرٌ:
إِنْ كَانَ نَصْبًا حُبُّ صَحْبِ مُحَمَّدٍ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّيَ نَاصِبِي
وَعَفَى اللَّهُ عَنِ الثَّالِثِ حَيْثُ يَقُولُ: شِعْرٌ:
فَإِنْ كَانَ تَجْسِيمًا ثُبُوتُ صِفَاتِهِ وَتَنْزِيهُهَا عَنْ كُلِّ تَأْوِيلِ مُفْتَرِ
فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي مُجَسِّمٌ هَلُمُّوا شُهُودًا وَامْلَأُوا كُلَّ مَحْضَرِ
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنَ التَّشْنِيعِ الْمَسْطُورِ، وَهُوَ أَنْ حَفِظَ حُرْمَةَ نُصُوصِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِإِجْرَاءِ أَخْبَارِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَهُوَ اعْتِقَادُ مَفْهُومِهَا الْمُتَبَادَرِ إِلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ، وَلَا نَعْنِي بِالْعَامَّةِ الْجُهَّالَ، بَلْ عَامَّةَ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَيْفَ اسْتَوَى فَأَطْرَقَ
стр. 169
مَالِكٌ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْمَعْلُومِ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَبَيْنَ الْكَيْفِ الَّذِي لَا يَعْقِلُهُ الْبَشَرُ، وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ مَالِكٍ ﵀ شَافٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالنُّزُولِ وَالْغَضَبِ وَالرَّحْمَةِ وَالضَّحِكِ، فَمَعَانِيهَا كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ، وَأَمَّا كَيْفِيَّاتُهَا فَغَيْرُ مَعْقُولَةٍ، إِذْ تَعَقُّلُ الْكَيْفِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ الذَّاتِ وَكُنْهِهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَكَيْفَ تُعْقَلُ لَهُمْ كَيْفِيَّةُ الصِّفَاتِ.
وَالْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَنْ يَصِفَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، بَلْ يُثْبِتُ لَهُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَيَنْفِي عَنْهُ مُشَابَهَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَيَكُونُ إِثْبَاتُكَ مُنَزِّهًا عَنِ التَّشْبِيهِ، وَنَفْيُكَ مُنَزِّهًا عَنِ التَّعْطِيلِ، فَمَنْ نَفَى حَقِيقَةَ الِاسْتِوَاءِ، فَهُوَ مُعَطِّلٌ، وَمَنْ شَبَّهَ بِاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَهُوَ مُمَثِّلٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ اسْتِوَاءٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَهُوَ الْمُوَحِّدُ الْمُنَزِّهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ وَتَبَيَّنَ مَرَامُهُ وَظَهَرَ أَنَّ مُعْتَقَدَهُ مُوَافِقٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ، فَالطَّعْنُ الشَّنِيعُ وَالتَّقْبِيحُ الْفَظِيعُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ عَلَيْهِ، وَلَا مُتَوَجِّهٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ بِعَيْنِهِ مُطَابِقٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْأَقْدَمُ، فِي فِقْهِهِ الْأَكْبَرِ مَا نَصُّهُ: وَلَهُ تَعَالَى يَدٌ وَوَجْهٌ وَنَفْسٌ، فَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَالْوَجْهِ وَالنَّفْسِ، فَهُوَ لَهُ صِفَاتٌ بِلَا كَيْفٍ، وَلَا يُقَالُ أَنَّ يَدَهُ قُدْرَتُهُ، أَوْ نِعْمَتُهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الصِّفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَدَرِ وَالِاعْتِزَالِ، وَلَكِنَّ يَدَهُ صِفَتُهُ بِلَا كَيْفٍ. وَغَضَبُهُ وَرِضَاهُ صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِهِ بِلَا كَيْفٍ، انْتَهَى.
فَإِذَا انْتَفَى عَنْهُ التَّجْسِيمُ فَالْمَعْنَى الْبَدِيعُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ
الْكَرِيمِ لَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ، وَتَوْجِيهٌ بَاهِرٌ، سَوَاءٌ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ، أَوْ تَجَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ الْمَعْرُوفِ، عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ وَالْمَقَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُذَكِّرًا بِهَيْئَتِهِ وَمُفَكِّرَا بِرُؤْيَتِهِ الْحَاصِلَةِ مِنْ كَمَالِ تَجْلِيَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ أَنْبِيَائِهِ، وَأَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ رَبَّاهُمْ بِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ، وَجَلَى مِرْآةَ قُلُوبِهِمْ بِحُسْنِ تَجْلِيَتِهِ، حَتَّى شَهِدُوا مَقَامَ الْحُضُورِ وَالْبَقَاءِ، وَتَخَلَّصُوا عَنْ صَدَأِ الْحُظُورِ وَالْفَنَاءِ، رَزَقَنَا اللَّهُ أَشْوَاقَهُمْ، وَأَذَاقَنَا أَحْوَالَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ.
(حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (وَهُوَ) أَيْ أَبُو سُلَيْمَانَ هُوَ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، مِنَ الْغَسْلِ لُقِّبَ بِهِ حَنْظَلَةُ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ. قَالَ مِيرَكُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْمَدَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْغَسِيلِ، وَالْغَسِيلُ جَدُّ أَبِيهِ حَنْظَلَةَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حِينَ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ جُنُبًا حِينَ سَمِعَ نَفِيرَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ، فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ (عَنْ عِكْرِمَةَ) أَيْ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ) قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الْخُطْبَةُ وَقَعَتْ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَفِيهَا الْوَصِيَّةُ بِشَأْنِ الْأَنْصَارِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ، حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا وَيَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (عِصَابَةٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: عِمَامَةٌ بَدَلَ عِصَابَةٍ، عَكْسُ مَا سَبَقَ عَلَى أَنَّ الْعِصَابَةَ تَأْتِي بِمَعْنَى الْعِمَامَةِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ (دَسْمَاءُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى، وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ، أَيْ: سَوْدَاءُ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَمِنْهُ
стр. 170
قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ وَقَدْ رَأَى غُلَامًا مَلِيحًا: دَسِّمُوا - بِالتَّشْدِيدِ - نُونَتَهُ، أَيْ سَوِّدُوا النَّقْرَةَ الَّتِي فِي ذَقَنِهِ ; لِئَلَّا تُصِيبَهُ الْعَيْنُ، وَقِيلَ: مَعْنَى دَسْمَاءَ أَنَّهَا مُتَلَطِّخَةٌ بِدُسُومَةِ شَعْرِهِ ﷺ ، إِذَا كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَهُ، كَمَا مَرَّ، وَالدُّسُومَةُ غَيَّرَتْهُ إِلَى السَّوَادِ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْعَرَقِ، وَالدَّسْمَاءُ فِي الْأَصْلِ الْوَسِخَةُ، وَهِيَ ضِدُّ النَّظِيفَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْنُهَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا حَاشِيَةُ بُرْدٍ، وَالْحَاشِيَةُ غَالِبًا تَكُونُ مِنْ لَوْنٍ غَيْرِ لَوْنِ الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
الْإِزَارُ بِالْكَسْرِ الْمِلْحَفَةُ، وَيُؤَنَّثُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَسْتُرُ أَسْفَلَ الْبَدَنِ، وَيُقَابِلُهُ الرِّدَاءُ، وَهُوَ مَا يَسْتُرُ أَعْلَى الْبَدَنِ، وَلَعَلَّ حَذْفَهُ فِي الْعُنْوَانِ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ: وَالْبَرْدَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ طُولُ رِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ، وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ وَنِصْفًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ رِدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُرْدٌ طُولُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ، وَإِزَارُهُ مِنْ نَسْجِ عُمَانَ طُولُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ فِي ذِرَاعَيْنِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أَيِ: السِّخْتِيَانِيُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) قِيلَ: اسْمُهُ عَامِرٌ وَهُوَ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ، فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ وَهُوَ جَدُّ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ الْإِمَامِ فِي الْكَلَامِ، وَفِي أَصْلِ الْعِصَامِ عَنْ أَبِيهِ أَيْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، قَالَ: وَفِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ وَبِذَلِكَ لَا يَصِيرُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا لِأَنَّ أَبَا بُرْدَةَ كَمَا أَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَصْلِنَا الْمُقَابَلِ بِأَصْلِ السَّيِّدِ مِيرَكْ شَاهْ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، مَعَ أَنَّ وُجُودَهُ لَوْ صَحَّ لَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ أَيْضًا، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ رِوَايَتِهِ عَنْهَا لَا يَجْعَلُ الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا، كَمَا حُقِّقَ فِي الْأُصُولِ (قَالَ) أَيْ أَبُو بُرْدَةَ (أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ) أَيْ إِمَّا بِنَفْسِهَا أَوْ بِأَمْرِهَا (كِسَاءً) بِكَسْرِ الْكَافِ ثَوْبٌ مَعْرُوفٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا رِدَاءٌ (مُلَبَّدًا) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ مُرَقَّعًا، يُقَالُ: لَبَّدْتُ الثَّوْبَ إِذَا رَقَعْتَهُ وَقِيلَ: التَّلْبِيدُ جَعْلُ بَعْضِهِ مُلْتَزِقًا بِبَعْضٍ كَأَنَّهُ زَالَ وَطَاءَتُهُ وَلِينُهُ، لِتَرَاكُمِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ ; وَلِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَعْنَاهُ أَيْ مُرَقَّعًا صَارَ كَاللُّبْدِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْعِصَامُ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَبْعَدُ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ أَقْرَبُ، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: الْمُلَبَّدُ الْمُرَقَّعُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي ثَخُنَ وَسَطُهُ حَتَّى صَارَ كَاللُّبَدِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَالَ ثَعْلَبٌ: يُقَالُ لِلرُّقْعَةِ الَّتِي يُرَقَّعُ بِهَا الْقَمِيصُ لُبْدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ الَّتِي يُضْرَبُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ حَتَّى يَتَرَاكَبَ وَيَجْتَمِعَ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّبَدِ هُنَا الَّذِي ثَخُنَ وَسَطُهُ، وَصُفِقَ لِكَوْنِهِ كِسَاءً، لَمْ يَكُنْ قَمِيصًا كَذَا
стр. 171
ذَكَرَهُ مِيرَكْ شَاهْ (وَإِزَارًا غَلِيظًا) أَيْ خَشِنًا (فَقَالَتْ) أَيْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ هَذَا اللُّبْسَ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ قَبْلَ أَنْ
يُوَسِّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَتْحِهِ وَنَصْرِهِ (قُبِضَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْقَابِضُ مَعْلُومٌ أَيْ أُخِذَ (رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ) أَيْ تَوَاضُعًا وَانْكِسَارًا وَعُبُودِيَّةً وَافْتِقَارًا، وَإِجَابَةً لِدُعَائِهِ مِرَارًا اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ «إِزَارًا غَلِيظًا» ، مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَهُ الْمُلَبَّدَةَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفِيدُ مَعْنًى ثَالِثًا لِـ «مُلَبَّدًا» ، وَهُوَ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِكِسَاءٍ، وَأَنَّ التَّلْبِيدَ فِي أَصْلِ النَّسْجِ دُونَ التَّرْقِيعِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ يُبَيِّنُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ أَعْرَاضِهَا وَشَهَوَاتِهَا، حَيْثُ اخْتَارَ لُبْسَهُمَا، وَاجْتَزَأَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ أَدْنَى الْكِفَايَةِ بِهِمَا، انْتَهَى.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ أَنَّهُ ﷺ صَارَ غَنِيًّا فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَنِهَايَةِ أَمْرِهِ، نَعَمْ. ظَهَرَ لَهُ الْمُلْكُ وَالْغِنَى، وَلَكِنِ اخْتَارَ الْفَقْرَ وَالْفَنَاءَ ; لِيَكُونَ مُتَّبِعًا لِجُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُتَّبِعًا لِخُلَاصَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ.
(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي) اسْمُهَا رُهْمٌ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْهَاءِ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ خَالِدٍ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَقِيلَ: بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَنْظَلَةَ (تُحَدِّثُ عَنْ عَمِّهَا) أَيْ عَمِّ عَمَّةِ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، اسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْمُحَارِبِيُّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَأَمَّا مَا قَالَ الْعِصَامُ أَنَّ الْأَصَحَّ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ عَمِّ أَبِيهَا، أَيْ عَمِّ ابْنِ حَنْظَلَةَ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي أَصْلِنَا، وَلَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ أَصْلًا، نَعَمْ.
ذَكَرَ مِيرَكْ شَاهْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ تَهْذِيبِ الْكَمَالِ عَنْ عَمِّ أَبِيهِ وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ إِلَى الْأَشْعَثِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَمَّ عَمَّةِ الشَّخْصِ هُوَ عَمُّ أَبِيهِ (قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي) أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِلْحَالِ الْمَاضِيَةِ (بِالْمَدِينَةِ) أَيْ فِي الْمَدِينَةِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بَيْنَا بِحَذْفِ الْمِيمِ، وَأَصْلُهُ بَيْنَ وَهُوَ الْوَسَطُ، وَقَدْ تُشْبَعُ فَتْحَتُهَا فَتَتَوَلَّدُ أَلِفًا، وَقَدْ تُزَادُ فِيهَا مِيمٌ، وَهُمَا مُضَافَانِ إِلَى مَا بَعْدَهُمَا، وَقِيلَ: مَا وَالْأَلِفُ عِوَضَانِ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ وَفِي الْمُغْرِبِ
بَيْنَ مِنَ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ، وَلَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَقَدْ يُحْذَفُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ، وَيُعَوَّضُ عَنْهُ مَا أَوِ الْأَلِفُ، وَفِي النِّهَايَةِ هُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، وَيُضَافَانِ إِلَى الْجُمْلَةِ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ أَوْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، وَيَحْتَاجَانِ إِلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى، وَالْأَفْصَحُ فِي جَوَابِهِمَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إِذْ، وَإِذَا. وَقَدْ جَلَا فِي الْجَوَابِ كَثِيرًا، يُقَالُ: بَيْنَا زَيْدٌ جَالِسٌ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، وَإِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ (إِذَا) بِالْأَلِفِ لِلْمُفَاجَأَةِ (إِنْسَانٌ خَلْفِي) قَالَ
стр. 172
صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ الْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، تَقْدِيرُهُ وَقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ فَاجَئُوا وَقْتَ الِاسْتِبْشَارِ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَقْتَ مَشْيِي بِالْمَدِينَةِ، فَاجَأْتُ قَوْلَ إِنْسَانٍ خَلْفِي، فَحِينَئِذٍ بَيْنَمَا ظَرْفٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ، وَإِذَا مَفْعُولٌ بِمَعْنَى الْوَقْتِ، فَلَا يَلْزَمُ تَقَدُّمُ مَعْمُولِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ، كَذَا حَقَّقَهُ الْحَنَفِيُّ (يَقُولُ) أَيْ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ بَلْ عَيْنُ الْأَعْيَانِ وَإِنْسَانُ الْعَيْنِ عَيْنُ الْإِنْسَانِ، حِينَ رَآنِي مُسْبِلًا إِزَارِي، وَغَافِلًا عَنْ حُسْنِ شِعَارِي، ثُمَّ قَوْلُهُ يَقُولُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْمَوْصُوفِ، وَالْمَقُولُ قَوْلُهُ: (ارْفَعْ إِزَارَكَ) أَيْ عَنِ الْأَرْضِ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الرَّفْعَ (أَتْقَى) مِنَ التَّقْوَى أَيْ أَقْرَبُ إِلَيْهَا وَأَدَلُّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ غَالِبًا عَلَى انْتِفَاءِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الْوَاوِ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْوِقَايَةِ، فَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ تَوَهَّمُوا أَنَّ التَّاءَ مِنْ أَصْلِ الْحُرُوفِ، فَقَالُوا: تَقَى يَتَّقِي مِثْلَ رَمَى يَرْمِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنْقَى بِالنُّونِ مِنَ النَّقَاءِ، أَيْ أَنْظَفُ مِنَ الْوَسَخِ (وَأَبْقَى) بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَكْثَرُ دَوَامًا لِلثَّوْبِ، فَعَلَّلَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْرَهُ بِالْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ طَهَارَةُ الْقَلْبِ أَوِ الْقَالَبِ أَوَّلًا ; لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَثَانِيًا بِالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِنَّهَا التَّابِعَةُ لِلْأُخْرَى، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمَصَالِحَ الْأُخْرَوِيَّةَ لَا تَخْلُو عَنِ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَأَنْقَى مِنَ الدَّنَسِ وَفِي نُسْخَةٍ أَبْقَى، أَيْ أَكْثَرُ بَقَاءً فَغَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ؛ مَعَ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ تَقْتَضِيهَا بَلِ النَّقَاوَةُ هِيَ عَيْنُ التَّقْوَى أَوْ بَعْضُهَا فِي الْمَعْنَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اخْتِلَافَ النُّسَخِ فِي أَتْقَى لَا فِي أَبْقَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ بِتَعَدُّدِ النُّقْطَةِ الْفَوْقِيَّةِ، أَوْ بِوَحْدَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَخِيرَ التَّصْحِيفُ ; لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ وَجْهُ الْمُعَوَّلِ (فَالْتَفَتُّ) كَذَا بِخَطِّ مِيرَكَ فِي الْهَامِشِ وَاقِعًا عَلَيْهِ عَلَامَةُ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، أَيْ نَظَرْتُ إِلَى وَرَائِي (فَإِذَا هُوَ) أَيِ الْإِنْسَانُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ فَاعْتَذَرْتُ عَنْ فِعْلِي (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ) أَيِ الْإِزَارُ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (بُرْدَةٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ كِسَاءٌ يَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ (مَلْحَاءُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ تَأْنِيثُ أَمْلَحَ، وَالْمُلْحَةُ بِالضَّمِّ بَيَاضٌ يُخَالِطُهُ سَوَادٌ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: الْمَلْحَاءُ الَّتِي فِيهَا
خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَيَاضٍ، وَقِيلَ: مَا فِيهِ الْبَيَاضُ أَغْلَبُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مُلْحَاءُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمِهِ، وَكَأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَرَادَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا خُيَلَاءَ فِيهَا، وَأَنَّ أَمْرَ بَقَائِهَا وَنَقَائِهَا سَهْلٌ لَا كُلْفَةَ مَعَهُمَا، فَأَجَابَهُ ﷺ بِطَلَبِ الْإِقْتِدَاءِ بِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كَمَالِ الْحِكَمِ الشَّامِلَةِ لِعُمُومِ الْأُمَمِ بِسَبَبِهِ، وَحِينَئِذٍ (قَالَ أَمَا لَكَ) بِاسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ وَمَا نَافِيَةٌ (فِيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ أَلَيْسَ لَكَ فِي فِعْلِي الْمُحْتَوِي عَلَى قَوْلِي وَحَالِي (أُسْوَةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ قُدْوَةٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ أَيْ فِي قَوْلِي فَلَا يُلَائِمُهُ، قَوْلُهُ: (
стр. 173
فَنَظَرْتُ) أَيْ إِلَى لُبَاسِهِ (فَإِذَا إِزَارُهُ) بِاعْتِبَارِ طَرَفَيْهِ (إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْكَامِلِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ; لِيَكْمُلَ هَذَا، وَقَدْ أَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، حَيْثُ قَالَ: كَانَ الصَّحَابِيُّ تَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ارْفَعْ إِزَارَكَ، الْأَمْرَ بِالْقَطْعِ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهَا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ لَا يُنَاسِبُ قَطْعُهَا، انْتَهَى.
وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا لَفْظًا فَإِنَّ إِرَادَةَ الْقَطْعِ مِنَ الرَّفْعِ لَا تُتَصَوَّرُ مِنْ عَجَمِيٍّ فَكَيْفَ تَجُوزُ مِنْ صَحَابِيٍّ عَرَبِيٍّ، وَأَمَّا مَعْنًى، فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ اعْتِذَارُهُ اعْتِرَاضًا مَعَ أَنَّ الْبُرْدَةَ الْمَلْحَاءَ مِمَّا يَلْبَسُهُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ قَوْلُ الْعِصَامِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: أَرَادَ إِنَّهَا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ وَالْعَادَةُ فِي الِاكْتِسَاءِ بِهَا هُوَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ أَرْفَعُهَا انْتَهَى.
وَفَسَادُهُ لَا يَخْفَى ; وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا تَخْلِيطٌ فَاجْتَنِبْهُ، ثُمَّ بِمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، مِنْ أَنَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ إِنَّمَا يَتِمُّ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: أَتْقَى بِالْفَوْقِيَّةِ ; لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ وَالْأَحْرَى بِالِاعْتِنَاءِ بِهِ إِذِ اخْتِلَالُهُ لَهُ يَقْدَحُ نُقْصَانًا فِي الدِّينِ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ وَالْخُيَلَاءُ، وَلَمْ يَعْتَذِرْ عَنِ الْأَخِيرَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمَا أَسْهَلُ وَأَخَفُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ نَصْرٍ) بِسُكُونِ مُهْمَلَةٍ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ) بِالتَّصْغِيرِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (عَنْ إِيَاسِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى الْجَدِّ، فَإِنَّ سَلَمَةَ بْنَ عَمْرٍو غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ (قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بِلَا انْصِرَافٍ.
وَقِيلَ: بِانْصِرَافٍ (يَأْتَزِرُ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا أَلِفًا، أَيْ يَلْبَسُ الْإِزَارَ وَيُرْخِيهِ (إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ بِقَرِينَةٍ، مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ فِي جَمْعِ الْأَنْصَافِ: إِشَارَةٌ إِلَى التَّوْسِعَةِ (وَقَالَ) أَيْ عُثْمَانُ وَيُحْتَمَلُ سَلَمَةَ عَلَى بُعْدٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَكْرَارُ قَالَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ يَقُولُ عَلَى الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ يَأْتَزِرُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ
مِنْهُ مُكَرَّرًا (هَكَذَا) أَيْ مِثْلَ هَذَا الِاتِّزَارِ الْمَذْكُورِ (كَانَتْ إِزْرَةُ صَاحِبِي) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الزَّايِ صِيغَةُ النَّوْعِ وَالْهَيْئَةِ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ عُثْمَانَ بِصَاحِبِي (النَّبِيَّ ﷺ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ سَلَمَةَ، أَوْ يَعْنِي سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَهُ إِيَاسٌ، وَفَائِدَةُ نَقْلِ سَلَمَةَ حِينَئِذٍ الْإِزْرَةَ عَنْ عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ ; لِيُعْلَمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَحْفُوظَةٌ مَعْمُولَةٌ لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلْيَتَأَكَّدِ النَّدْبُ ; وَلِذَا قَالَ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَأَمَّا نُسْخَةُ ابْنِ سَعْدٍ بِلَا يَاءٍ فَتَحْرِيفٌ (أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَنْبَأَنَا، وَفِي نُسْخَةٍ حَدَّثَنَا (أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أَيِ السُّبَيْعِيِّ (عَنْ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ) بِضَمِّ نُونٍ وَفَتْحِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ فَرَاءٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي نُسْخَةٍ يَزِيدُ بِفَتْحِ تَحْتِيَّةٍ، وَكَسْرِ زَايٍ آخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ، فَفِي التَّقْرِيبِ مُسْلِمُ بْنُ نُذَيْرٍ مُصَغَّرًا، وَيُقَالُ: ابْنُ يَزِيدَ كُوفِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عِيَاضٍ نَقَلَهُ مِيرَكُ (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ) بِكَسْرِ النُّونِ بِلَا يَاءٍ، كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُنَافِقِينَ وَالْفِتَنِ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ قَبْلَ بَدْرٍ وَشَهِدَا أُحُدًا وَقُتِلَ أَبُوهُ فِي الْمَعْرَكَةِ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ خَطَأً، فَوَهَبَ لَهُمْ دَمَهُ (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَضَلَةِ سَاقِي) بِفَتْحِ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، كُلُّ لَحْمَةٍ
стр. 174
مُجْتَمِعَةٍ فِي عَصَبٍ، فَفِي النِّهَايَةِ عَلَى وَزْنِ طَلْحَةَ، وَتَبِعَهُ الْحَنَفِيُّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوسِ مُحَرَّكَةٌ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ (أَوْ سَاقَهُ) شَكٌّ مِنْ رَاوِي حُذَيْفَةَ هَلْ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِعَضَلَةِ حُذَيْفَةَ، أَوْ أَخَذَ بِعَضَلَةِ نَفْسِهِ، ﷺ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَقِيلَ: الشَّكُّ إِمَّا مِنْ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ، أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ حُذَيْفَةَ فَبَعِيدٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ مِيرَكُ: الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أَسْفَلَ مِنْ عَضَلَةِ سَاقِي بِغَيْرِ شَكٍّ، انْتَهَى. فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ حُذَيْفَةَ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَلَا يَتَّجِهُ جَزْمُ الشَّارِحِينَ بِأَنَّهُ مِنَ الرُّوَاةِ انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ مَنْ جَزَمَ بِهِ، بَلْ قَالُوا بِتَرْجِيحِهِ، وَأَمَّا ابْنُ حَجَرٍ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْعِصَامِ، فَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْجَزْمِ وَالْقَطْعِ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (هَذَا) أَيِ الْعَضَلَةُ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ تَذْكِيرِ الْخَبَرِ وَهُوَ (مَوْضِعُ الْإِزَارِ) أَيْ مَوْضِعُهُ اللَّائِقُ بِهِ (فَإِنْ أَبَيْتَ) أَيِ امْتَنَعْتَ مِنْ قَبُولِ النَّصِيحَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْعَمَلِ بِالْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ، وَأَرَدْتَ التَّجَاوُزَ عَنِ الْعَضَلَةِ، (فَأَسْفَلُ) بِالرَّفْعِ أَيْ فَمَوْضِعُهُ أَسْفَلُ مِنَ الْعَضَلَةِ قَرِيبًا مِنْهَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ (فَإِنْ أَبَيْتَ فَلَا حَقَّ) أَيْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ (لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ) أَيْ فِي وُصُولِهِ إِلَيْهِمَا وَالْمَعْنَى إِذَا جَاوَزَ
الْإِزَارُ الْكَعْبَيْنِ فَقَدْ خَالَفْتَ السُّنَّةَ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يَجِبُ أَنْ لَا يَصِلَ الْإِزَارُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُخَرَّجَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْبَالَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ جَائِزٌ، لَكِنْ مَا أَسْفَلَ مِنْهُ مَمْنُوعٌ ; وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقَدْرُ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا يَنْزِلُ إِلَيْهِ طَرَفُ الْإِزَارِ هُوَ نِصْفُ السَّاقِ، وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَمَا نَزَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَإِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فَمَمْنُوعٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ، وَإِلَّا فَمَنْعَ تَنْزِيهٍ، فَيُحْمَلُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْإِسْبَالِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ; لِئَلَّا يَنْجَرَّ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ ﷺ : «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ، وَيُفْهَمَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَنَّ الِاسْتِرْخَاءَ إِلَى مَا وَرَاءَ الْكَعْبَيْنِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ فِي مَعْنَى الْإِزَارِ الْقَمِيصَ، وَسَائِرَ الْمَلْبُوسَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْإِزَارُ بِالذِّكْرِ بِنَاءً عَلَى الْقَضِيَّةِ الِاتِّفَاقِيَّةِ، أَوْ خَرَجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ غَالِبَ مَلْبُوسَاتِهِمْ كَانَ إِزَارًا، قَالَ مِيرَكُ: وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْإِسْبَالِ مَنْ أَسْبَلَهُ لِضَرُورَةٍ كَمَنْ يَكُونُ بِكَعْبِهِ جُرْحٌ يُؤْذِيهِ الذُّبَابُ مَثَلًا، إِنْ لَمْ يَسْتُرْهُ بِإِزَارِهِ وَثَوْبِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ مُسْتَدِلًّا بِإِذْنِهِ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي لُبْسِ قَمِيصِ الْحَرِيرِ مِنْ أَجْلِ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمَا فِيهِ لَمَّا شَكَيَا إِلَيْهِ الْقَمْلَ، وَجَمَعَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِلَّتَيْنِ كَانَتَا بِهِمَا مَعًا، أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْأُخْرَى، أَوْ أَنَّ الْحَكَّةَ نَشَأَتْ عَنِ الْقَمْلِ فَنُسِبَتِ الْعِلَّةُ تَارَةً لِلسَّبَبِ، وَتَارَةً لِلْمُسَبِّبِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا جَوَازُ تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُمَا شَرْعًا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، كَمَا يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلتَّدَاوِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْإِسْبَالِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، لِمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا سَمِعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مُسْبِلِ الْإِزَارِ، قَالَتْ: كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ، فَقَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ، فَالْمَقْصُودُ حُصُولُ السَّتْرِ وَالْمُجَاوَزَةُ عَنِ الْحَدِّ مَمْنُوعٌ، إِمَّا كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا، فَإِذَا لَبِسَتِ الْمَرْأَةُ خُفًّا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّجَاوُزُ عَنِ الْقَدَمِ فِي حَقِّهِنَّ، وَكَذَا جَوَازُ الْإِرْخَاءِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ لِلتَّسَتُّرِ، فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى جَمِيعِ الثِّيَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 175
قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ تَحْرِيمَ إِسْبَالِ الْإِزَارِ مَخْصُوصٌ بِالْجَرِّ ; لِأَجْلِ الْخُيَلَاءِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءً، وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا، وَالْبَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: التَّكَبُّرُ وَالطُّغْيَانُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُعْلَمُ مِنْ بَعْضِ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُ الْإِسْبَالِ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ أَيْضًا، كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبُخَارِيِّ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ، لَكِنْ يُسْتَدَلُّ بِالتَّقْيِيدِ فِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِالْخُيَلَاءِ وَالْبَطَرِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الزَّجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا، فَلَا يَحْرُمُ الْإِسْبَالُ إِذَا سَلِمَ مِنَ الْخُيَلَاءِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَّ أَبَا
بَكْرٍ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِحْدَى شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءً» ، هَذَا وَيَدْخُلُ فِي الزَّجْرِ عَنْ جَرِّ الثَّوْبِ تَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ، وَالْعَذَبَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ مِنَ الطُّولِ وَالسَّعَةِ، وَتَبِعَهُ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: حَدَثَ لِلنَّاسِ اصْطِلَاحٌ، وَصَارَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الْخَلَائِقِ شِعَارٌ يُعْرَفُونَ بِهِ، فَمَهْمَا كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْخُيَلَاءِ فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ، فَلَا يَجْرِي النَّهْيُ فِيهِ، مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قِيلَ: وَلَمَّا كَانَ ﷺ لَا يَبْدُو مِنْهُ إِلَّا طَيِّبٌ، كَانَ عَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَتَّسِخَ لَهُ ثَوْبٌ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّ ثَوْبَهُ لَمْ يَقْمَلْ، وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ أَنَّ الذُّبَابَ كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى ثِيَابِهِ قَطُّ، وَأَنَّ الْبَعُوضَ لَا يَمْتَصُّ دَمَهُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ فَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِهِ، وَاسْتَأْنَسَ لَهُ بِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَلْبَسْهُ إِلَّا يَوْمَ قَتْلِهِ، لَكِنْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ اشْتَرَاهُ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِيَلْبَسَهُ، قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّهُ لَبِسَهُ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَهُ فِي زَمَانِهِ وَبِإِذْنِهِ انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ مِرْطًا مُرَحَّلًا مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، وَالْمِرْطُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ يُؤْتَزَرُ بِهِ، وَالْمُرَحَّلُ بِضَمٍّ فَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ، هُوَ مَا فِيهِ صُوَرُ رَحَّالِ الْإِبِلِ، وَلَا بَأْسَ بِهَا إِذْ لَا يَحْرُمُ إِلَّا تَصْوِيرُ الْحَيَوَانِ، وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ إِزَارُ خَزٍّ فِيهِ عَلَمٌ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: غَيْرُ جَيِّدٍ، إِنَّمَا ذَلِكَ تَفْسِيرُ الْمُرَجَّلِ بِالْجِيمِ، وَرِوَايَتُهُ بِالْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
الْمِشْيَةُ بِالْكَسْرِ مَا يَعْتَادُهُ الشَّخْصُ مِنَ الْمَشْيِ عَلَى مَا هُوَ وَضْعُ الْفِعْلَةِ بِالْكَسْرِ، ذَكَرَهُ الْجَارَبَرْدِيُّ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ) بِفَتْحِ اللَّامِ فَكَسْرِ الْهَاءِ ابْنُ
عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيُّ صَدُوقٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ الْعِصَامُ: خَلَطَ
стр. 176
بَعْدَ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِضَعْفِهِ فِي التَّهْذِيبِ (عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ) أَيْ أَبْصَرْتُ أَوْ عَلِمْتُ، وَهُوَ أَبْلَغُ (شَيْئًا) تَنْوِينُهُ لِلتَّنْكِيرِ (أَحْسَنَ) صِفَةُ شَيْئًا عَلَى الْأَوَّلِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى الثَّانِي (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيُ كَوْنِ شَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَحْسَنُ مِمَّا عَدَاهُ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ عُرْفًا كَمَا سَبَقَ (كَأَنَّ الشَّمْسَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ تَعْلِيلٍ، أَيْ كَانَ شُعَاعُهَا أَوْ جِرْمُهَا خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِي الثَّانِي، مَعَ أَنَّهُ أَبْلَغُ (تَجْرِي فِي وَجْهِهِ) شَبَّهَ جَرَيَانَ الشَّمْسِ فِي فَلَكِهَا بِجَرَيَانِ الْحُسْنِ وَنُورِهِ فِي وَجْهِهِ ﷺ ، وَعَكَسَ التَّشْبِيهَ مُبَالَغَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَنَاهِي التَّشْبِيهِ، بِجَعْلِ وَجْهِهِ مَقَرًّا وَمَكَانًا لِلشَّمْسِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظِلٌّ، وَلَمْ يَقُمْ مَعَ شَمْسٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، وَلَمْ يَقُمْ مَعَ سِرَاجٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ ضَوْءُهُ ضَوْءَ السِّرَاجِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَى أَحْسَنِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْوَجْهَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ الْمَحَاسِنُ ; لِأَنَّ حُسْنَ الْبَدَنِ تَابِعٌ لِحُسْنِهِ غَالِبًا، (وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ) بِالْكَسْرِ لِلْهَيْئَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِلَا تَاءٍ، أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ مَشْيِهِ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ) بِالرَّفْعِ (تُطْوَى) أَيْ تُجْمَعُ وَتُجْعَلُ مَطْوِيَّةً (لَهُ) أَيْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ (إِنَّا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، وَفِي نُسْخَةٍ وَإِنَّا (لَنُجْهِدُ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا انْتَهَى. فَمَا وَقَعَ لِابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلدِّرَايَةِ، يُقَالُ: أَجْهَدَ دَابَّتَهُ وَجَهَدَهَا إِذَا حَمَلَ عَلَيْهَا فِي السَّيْرِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَشَقَّةِ فَالْمَعْنَى إِنَّا نُتْعِبُ (أَنْفُسَنَا) وَنُوقِعُهَا فِي الْجَهْدِ وَالْمَشَقَّةِ فِي حَالِ سَيْرِهِ ﷺ (وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ) أَيْ غَيْرُ مُبَالٍ بِجَهْدِنَا، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نُجْهِدُ أَوْ مَفْعُولِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سُرْعَةَ مَشْيِهِ كَانَتْ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْهَوْنِ، وَالتَّأَنِّي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِسُرْعَةٍ فَاحِشَةٍ تُذْهِبُ بَهَاءَهُ وَوَقَارَهُ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ سُرْعَتَهُ فِي مِشْيَتِهِ، كَانَتْ مِنْ كَمَالِ الْقُوَّةِ لَا مِنْ
حَيْثُ الْجَهْدِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْعَجَلَةِ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اقْتِرَانِ الْجُمْلَتَيْنِ، أَنَّ حُسْنَ وَجْهِهِ ﷺ كَانَ مُسْتَمِرًّا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ، وَسُكُونِ جِيمٍ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ مِنَ الْمَشَايِخِ (قَالُوا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ فَاءٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ أَوْ ضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، (قَالَ) أَيْ إِبْرَاهِيمُ (كَانَ عَلِيٌّ إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه
стр. 177
وسلم قَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (كَانَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ (إِذَا مَشِيَ تَقَلَّعَ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ قَلَعَ الشَّجَرَةَ إِذَا نَزَعَهَا مَنْ أَصْلِهَا، أَيْ مَشَى بِقُوَّةٍ، وَدَفْعٍ كَامِلٍ ; لِأَنَّ التَّقَلُّعَ رَفْعُ الرِّجْلِ مِنَ الْأَرْضِ بِهِمَّةٍ وَقُوَّةٍ، لَا مَعَ اخْتِيَالٍ وَتَقَارُبِ خُطًا ; لِأَنَّ تِلْكَ مِشْيَةُ النِّسَاءِ وَالْمُتَشَابِهِ بِهِنَّ (كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَنْزِلُ (فِي صَبَبٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ صَبَبٍ، فَهِيَ بِمَعْنَى فِي أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ، أَيْ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْحَدِيثُ سَبَقَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَيَحْتَمِلُ إِتْيَانُهُ هُنَا أَنْ يَكُونَ اخْتِصَارًا مِنْهُ أَوْ حَدِيثًا بِرَأْسِهِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (أَبِي عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ مُطْعِمٍ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مُخَفَّفًا (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ بَعْدَهَا هَمْزٌ (تَكَفُّؤًا) بِضَمِّ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزٌ، وَفِي نُسْخَةٍ تَكَفَّى بِلَا هَمْزٍ تَكَفِّيًا، بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ، وَقَدْ مَرَّ مَعْنَاهُ، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى تَقَلَّعَ أَيْ تَمَايَلَ إِلَى أَمَامِهِ ; لِيَرْفَعَهُ عَنِ الْأَرْضِ بِكُلِّيَّتِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لَا مَعَ اهْتِزَازٍ وَتَكَسُّرٍ، وَجَرِّ رِجْلٍ بِالْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةِ الْمُتَمَاوِتِ أَوْ مِشْيَةِ الْمُخْتَالِ (كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ)
(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَنُّعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
التَّقَنُّعُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ، أَوْ بِرِدَاءٍ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعِمَامَةِ أَوْ تَحْتَهَا، لِمَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ أَتَى بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ فِي الْقَائِلَةِ مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مُتَغَشِّيًا بِهِ فَوْقَ الْعِمَامَةِ لَا تَحْتَهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا اسْتِعْمَالُ الْقِنَاعِ وَهُوَ ثَوْبٌ يُلْقِي بِهِ الشَّخْصُ عَلَى رَأْسِهِ بَعْدَ تَدْهِينِهِ ; لِئَلَّا يَصِلَ أَثَرُ الدُّهْنِ إِلَى الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ وَأَعَالِي الثَّوْبِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَجَعَلَهُ بَابًا مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُ سَبَقَ فِي بَابِ التَّرَجُّلِ وَالْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَابِ اللُّبَاسِ غَيْرُ ظَاهِرٍ انْتَهَى. وَأَقُولُ: وَكَذَلِكَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمِشْيَةِ وَالْجِلْسَةِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ قَدْ يُجْعَلُ لَهُ بَابَانِ وَأَكْثَرَ، بِاعْتِبَارِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْهُ، كَمَا فَعَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَبْوَابِ كِتَابِهِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْجَوَابِ عَنِ الثَّانِي لَكِنْ بِعِبَارَةٍ شَنِيعَةٍ حَيْثُ قَالَ: وَيَرُدُّ بِأَنَّ التَّقَنُّعَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَاشِي كَثِيرًا لِلْوِقَايَةِ مِنْ نَحْوِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
وَقَدْ كَانَ ﷺ يَفْعَلُهُ لِذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْيِ مُنَاسَبَةٌ تَامَّةٌ، تَمَّ كَلَامُهُ وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ
قَدَّمَهُ عَلَيْهِ لَكَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ حَاصِلَةٌ أَيْضًا مَعَ مُنَاسَبَاتٍ أُخَرَ، بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّقَنُّعِ هُنَا لَيْسَ إِلَّا ظِلَالَ الْوَاقِي مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فَكَلَامُهُ حَارٌّ وَجَوَابُهُ بَارِدٌ فَيَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ.
(حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنْبَأَنَا (الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ) بِالتَّكْبِيرِ فِيهِمَا (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُنْصَرِفٌ، وَغَيْرُ مُنْصَرِفٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ لُبْسِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ (كَأَنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّشْبِيهِ (ثَوْبُهُ) أَيْ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ قِنَاعِهِ الَّذِي يَسْتُرُ بِهِ رَأْسَهُ (ثَوْبَ زَيَّاتٍ) بِصِيغَةِ النِّسْبَةِ
стр. 178
أَيْ بَائِعِ الزَّيْتِ أَوْ صَانِعِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُمَا مُدَّهِنًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَتِهِ)
بِالْإِضَافَةِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ جِلْسَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا جَعْلُ الْحَنَفِيِّ وَالْعِصَامِ جِلْسَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْلًا، وَإِضَافَتُهُ نُسْخَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَكَذَا اقْتِصَارُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى جِلْسَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ، اسْمٌ لِلنَّوْعِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ بِقَرِينَةِ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ، وَرُبَّمَا يُفَرِّقُ فَيَجْعَلُ الْقُعُودَ لِمَا هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ لِمَا هُوَ مِنَ الِاضْطِجَاعِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِلْسَةِ الْمُعَنْوَنَةِ مُقَابَلَةُ الْقَوْمَةِ ; لِيَشْمَلَ الْبَابُ حَدِيثَ الِاسْتِلْقَاءِ أَيْضًا.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَنْبَأَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ يَنْصَرِفُ وَلَا يَنْصَرِفُ (عَنْ جَدَّتَيْهِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ (عَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ ﷺ (قَاعِدٌ) بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ (الْقُرْفُصَاءَ) بِضَمِّ قَافٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَضَمِّ فَاءٍ، فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ
يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَهِيَ جِلْسَةُ الْمُحْتَبِي، يُقَالُ: قَرْفَصَ الرَّجُلُ إِذَا شَدَّ يَدَيْهِ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، فَيُلْصِقَ فَخِذَيْهِ بِبَطْنِهِ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاقَيْهِ، كَمَا يَحْتَبِي بِالثَّوْبِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُنْكَبًّا وَيُلْصِقَ بَطْنَهُ بِفَخِذَيْهِ، وَيَتَأَبَّطَ كَفَّيْهِ، وَهِيَ جِلْسَةُ الْأَعْرَابِ وَفِي الْقَامُوسِ الْقُرْفُصَاءُ مُثَلَّثَةُ الْقَافِ وَالْفَاءُ مَقْصُورَةٌ وَبِالضَّمِّ مَمْدُودَةٌ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ عَلَى الْإِتْبَاعِ انْتَهَى. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ الرِّوَايَةُ وَالنُّسْخَةُ (قَالَتْ) أَيْ قَيْلَةُ (فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَبْصَرْتُهُ (الْمُتَخَشِّعَ) مِنَ التَّخَشُّعِ، ظُهُورُ الْخُشُوعِ صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِرَأَيْتُ بِمَعْنَى عَلِمْتُ (فِي الْجِلْسَةِ) أَيْ فِي هَيْئَةِ جِلْسَتِهِ، وَكَيْفِيَّةِ قَعْدَتِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ إِظْهَارَ عُبُودِيَّتِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» ، لَا عَلَى هَيْئَةِ جُلُوسِ الْجَبَّارِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ التَّرَبُّعِ، وَالتَّمَدُّدِ وَالِاتِّكَاءِ، وَرَفْعِ الرَّأْسِ شَمَّاخَةَ الْأَنْفِ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَالِاحْتِجَابِ عَنِ الْمُحْتَاجِينَ (أُرْعِدْتُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ حَصَلَتْ لِي رِعْدَةٌ (مِنَ الْفَرَقِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ أَيِ الْخَوْفِ
стр. 179
الْإِلَهِيِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ التَّوَاضُعِ النَّبَوِيِّ، يَعْنِي كَانَ مَعَ تَخَشُّعِهِ عَظِيمًا، هَابَتْنِي عَظَمَتُهُ وَحَصَلَ لِيَ الْخَوْفُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: «مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ» ، قَالَ مِيرَكُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ قِصَّةِ قَيْلَةَ أَنَّهُ أَوَّلُ مُلَاقَاتِهَا بِهِ ﷺ ; وَلِذَا هَابَتْهُ وَوَقَعَ فِي قِصَّتِهَا بَعْدَ قَوْلِهَا أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ، فَقَالَ لَهُ جَلِيسُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْعِدَتِ الْمِسْكِينَةُ، فَقَالَ ﷺ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ، وَأَنَا عِنْدَ ظَهْرِهِ، يَا مِسْكِينَةُ عَلَيْكِ السَّكِينَةُ، فَلَمَّا قَالَهُ ﷺ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ دَخَلَ قَلْبِي مِنَ الرُّعْبِ، وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَلَّمَ رَجُلًا فَأُرْعِدَ، فَقَالَ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ» ، وَالتَّخَشُّعُ إِمَّا بِهَذِهِ الْجِلْسَةِ، وَإِمَّا بِأُمُورٍ أُخَرَ شَاهَدْتُهَا فِي الْحَضْرَةِ.
(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ) ثِقَةٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَايِخِ (قَالُوا: أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ (بْنِ تَمِيمٍ) أَيِ الْأَنْصَارِيِّ الْمُزَنِيِّ ثِقَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ رِوَايَةً (عَنْ عَمِّهِ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ، رَوَى صِفَةَ الْوُضُوءِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَيُقَالُ: هُوَ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، وَاسْتُشْهِدَ بِالْحَرَّةِ، وَرَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَلْقِيًا) أَيْ مُضْطَجِعًا عَلَى قَفَاهُ (فِي الْمَسْجِدِ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّوْمُ، وَفِي الْقَامُوسِ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ نَامَ وَهُوَ حَالٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَاضِعًا) مُتَرَادِفَيْنِ
أَوْ مُتَدَاخِلَيْنِ (إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى) أَيْ مَعَ نَصْبِ الْأُخْرَى أَوْ مَدِّهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُنَافِيهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثٍ: الْأَصْلُ بَيَانُ جَوَازِ هَذَا الْفِعْلِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ خَبَرَ النَّهْيِ عَنْهُ، إِمَّا مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَةُ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِزَارَ رُبَّمَا ضَاقَ، فَإِذَا شَالَ لَابِسُهُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فَوْقَ الْأُخْرَى بَقِيَتْ هُنَاكَ فُرْجَةٌ تَظْهَرُ مِنْهَا عَوْرَتُهُ، وَقِيلَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ لِضَرُورَةٍ مِنْ تَعَبٍ، وَطَلَبِ رَاحَةٍ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقِيلَ: وَضْعُ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى يَكُونُ عَلَى نَوْعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رِجْلَاهُ مَمْدُودَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى، وَلَا بَأْسَ بِهَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْكَشِفُ شَيْءٌ مِنَ الْعَوْرَةِ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ نَاصِبًا رُكْبَةَ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَيَضَعَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى عَلَى الرُّكْبَةِ الْمَنْصُوبَةِ، فَيُحْمَلُ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَلَى الثَّانِي، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَالتَّأْوِيلُ أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ ; لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ، وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْجَوَازَ مِنْ خَصَائِصِهِ بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ أَيْضًا ; وَلِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَعْدَهُ ﷺ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاتِّكَاءِ وَالِاضْطِجَاعِ، وَالِاسْتِرَاحَةِ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِحَالَةِ الِاعْتِكَافِ، فَإِنَّ قُعُودَهُ ﷺ فِي الْمَجَامِعِ عُلِمَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، حَيْثُ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى وَقَارٍ وَتَوَاضُعٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْعِصَامُ: وَجْهُ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْجِلْسَةِ خَفِيٌّ، لَمْ يَتَصَدَّ لَهُ شَارِحٌ انْتَهَى. وَتَكَلَّفَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ الْجُلُوسِ عَلَى سَائِرِ كَيْفِيَّاتِهِ بِالْأَوْلَى انْتَهَى. وَيَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْبَابِ وَإِلَّا ظَهَرَ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجِلْسَةِ هَيْئَةُ الْجُلُوسِ الْمُقَابِلِ لِلْقِيَامِ،
стр. 180
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
(حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ، (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَدَنِيُّ) وَفِي نُسْخَةِ الْمَدِينِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حِبَّانَ إِلَى الْوَضْعِ، لَكِنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَنْصَارِيِّ) مَجْهُولٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ (عَنْ رُبَيْحِ) مُصَغَّرُ رِبْحٍ بِرَاءٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ، (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) مَقْبُولٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَبِيهِ) أَيِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ ضَمِّ الْمُعْجَمَةِ
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الْمَجْلِسِ (احْتَبَى بِيَدَيْهِ) زَادَ الْبَزَّارُ (وَنَصَبَ رُكْبَتَيْهِ) وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «جَلَسَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَضَمَّ رِجْلَيْهِ وَأَقَامَهَا، وَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ» ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: احْتَبَى الرَّجُلُ: إِذَا جَمَعَ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِعِمَامَتِهِ، وَقَدْ يَحْتَبِي بِيَدَيْهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: الِاحْتِبَاءُ الْجُلُوسُ بِالْحَبْوَةِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِإِزَارٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ سَيْرٍ يَجْعَلُونَهُ بَدَلًا عَنِ الِاسْتِنَادِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْحِبْوَةُ، وَالِاحْتِبَاءُ بِالْيَدِ هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاقَيْهِ فِي جِلْسَةِ الْقُرْفُصَاءِ، فَيَكُونُ يَدَاهُ بَدَلًا عَمَّا يَحْتَبِي بِهِ مِنَ الْإِزَارِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الِاحْتِبَاءُ جِلْسَةُ الْأَعْرَابِ، وَمِنْهُ الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ، أَيْ لَيْسَ فِي الْبَرَارِي حِيطَانٌ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَنِدُوا احْتَبَوْا ; لِأَنَّ الثَّوْبَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ السُّقُوطِ، وَيُصَيِّرُهَا لَهُمْ كَالْجِدَارِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ رُبَّمَا تَسْتَجْلِبُ النَّوْمَ، فَيَفُوتُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا يُفْضِي إِلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ الْمُفْضِي إِلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ، هَذَا وَجَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءُ أَيْ نَقِيَّةٌ بَيْضَاءُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، انْتَهَى. فَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَتَارَةً تَرَبَّعَ، وَتَارَةً احْتَبَى، وَتَارَةً اسْتَلْقَى، وَتَارَةً ثَنَى رِجْلَيْهِ، تَوْسِعَةً لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي تُكَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
التُّكَأَةُ بِالْهَمْزَةِ بِوَزْنِ الْهُمَزَةِ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنْ وِسَادَةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَصْلُهَا وُكَأَةٌ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً، كَمَا فِي تُرَاثٍ وَتُجَاهٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا مَا هُيِّئَ وَأُعِدَّ لِذَلِكَ فَخَرَجَ الْإِنْسَانُ إِذَا اتَّكَئَ عَلَيْهِ، فَلَا يُسَمَّى تُكَأَةً، وَمِنْ ثَمَّةَ تَرْجَمَ لَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِبَابَيْنِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا، وَقَدَّمَ هَذَا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الِاتِّكَاءِ، وَأَمَّا الِاتِّكَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ فَعَارِضٌ وَقَلِيلٌ ; وَلِهَذَا أَيْضًا تَرْجَمَ هُنَا بِالتُّكَأَةِ دُونَ الِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا، وَفِيمَا يَأْتِي بِالِاتِّكَاءِ دُونَ الْمُتَوَكَّأِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ اسْتِعْمَالَهَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتُّكَأَةِ هُنَا، وَبِالْمُتَوَكَّأِ عَلَيْهِ ثَمَّةَ أَوْ فِي التَّعْبِيرِ بِالِاتِّكَاءِ لِلتُّكَأَةِ وَالْمُتَوَكَّأِ عَلَيْهِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ التُّكَأَةَ مَقْصُودَةٌ لَا الِاتِّكَاءُ بِطَرِيقِ الذَّاتِ، فَكَانَ النَّصُّ فِي التَّرْجَمَةِ أَوْلَى، وَالْمُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّ حَذْفَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالنَّصُّ عَلَى الِاتِّكَاءِ أَوْلَى، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، بِأَنَّ الْكُلَّ بَابٌ وَاحِدٌ، فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ بَابَيْنِ.
(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ حَاتِمِ بْنِ وَاقِدٍ (الدُّورِيُّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى مَحِلَّةٍ مِنْ بَغْدَادَ، أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا (الْبَغْدَادِيُّ) ثِقَةٌ حَافِظٌ كَانَ ابْنُ مَعِينٍ، إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ صَدِيقُنَا وَصَاحِبُنَا أَخْرَجَ حَدِيثَهُ
الْأَرْبَعَةُ (
следующие страницы →