← Сира

Сира · id 2569

جمع الوسائل في شرح الشمائل

الملا على القاري

Полный текст (494 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيهٌ، رِوَايَتُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى مُرْسَلَةٌ، قُتِلَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، بَلْ قِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِثْمِدَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنَ الْكُحْلِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَيْرُ أَكْحَالِكُمْ لِحِفْظِ صِحَّةِ الْعَيْنِ لَا فِي مَرَضِهَا لِأَنَّ الِاكْتِحَالَ لَا يُوَافِقُ الرَّمَدَ. (يَجْلُو الْبَصَرَ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ) . (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ. (الْبَصْرِيُّ) : صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (عَنْ سَالِمٍ) : أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، مِنَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ» ) : اعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مُكَرَّرًا بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ تَقْوِيَةُ أَصْلِ الْخَبَرِ وَتَأْكِيدُ مَضْمُونِهِ، فَإِنَّ عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا، وَكَانَ يُدَلِّسُ، وَرُمِيَ بِالْقَدَرِ. (بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللِّبَاسُ بِالْكَسْرِ مَا يُلْبَسُ. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «حَدَّثَنَا» . (مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ) : مَرَّ قَرِيبًا. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) : أَيْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (وَأَبُو تُمَيْلَةَ) : بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ مُصَغَّرًا، يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ الْمَرْوَزِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، مَوْلَاهُمْ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (وَيَزِيدُ بْنُ حُبَابٍ) :

стр. 107

بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ) : أَيِ الْحَنَفِيِّ الْمَرْوَزِيِّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) : سَبَقَ تَرْجَمَتَهُ فِي بَابِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ. (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : أَيْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. (قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ) : بِالرَّفْعِ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ لِأَجْلِ لُبْسِهِ وَلُبْسِ غَيْرِهِ. (الْقَمِيصَ) : بِالنَّصْبِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ، وَإِلَّا لَقَالَتْ: كَانَ الْقَمِيصُ أَحَبَّ الثِّيَابِ. قَالَ مِيرَكُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الْقَمِيصُ» مَرْفُوعًا بِالِاسْمِيَّةِ وَ «أَحَبُّ» مَنْصُوبًا بِالْخَبَرِيَّةِ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَعْيِينُ الْأَحَبِّ فَالْقَمِيصُ خَبَرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانُ حَالِ الْقَمِيصِ عِنْدَهُ ﷺ فَهُوَ اسْمُهُ. وَرَجَّحَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّ «أَحَبَّ» وَصَفٌ فَهُوَ أَوْلَى بِكَوْنِهِ حُكْمًا. وَأَمَّا تَرْجِيحُهُ بِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالْبَابِ لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ لِإِثْبَاتِ أَحْوَالِ اللِّبَاسِ فَجَعْلُ الْقَمِيصِ مَوْضُوعًا وَإِثْبَاتُ الْحَالِ لَهُ أَنْسَبُ مِنَ الْعَكْسِ، فَلَيْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمْ تَذْكُرِ الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ الْمُنْعَقِدِ لِلِّبَاسِ. ثُمَّ الثِّيَابُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ جَمْعُ ثَوْبٍ، وَهُوَ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْخَزِّ وَالْقَزِّ وَأَمَّا السُّتُورُ فَلَيْسَتْ مِنَ الثِّيَابِ، انْتَهَى. وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَسْتُرُ بِهِ الشَّخْصُ نَفْسَهَ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالْقَمِيصُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: ثَوْبٌ مَخِيطٌ بِكُمَّيْنِ غَيْرُ مُفَرَّجٍ يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَمِيصُ مَعْلُومٌ وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَلَا يَكُونُ مِنَ الْقُطْنِ وَأَمَّا الصُّوفُ فَلَا، انْتَهَى. وَكَانَ حَصَرُهُ الْمَذْكُورُ لِلْغَالِبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْقُطْنِ مُرَادًا فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ الصُّوفَ يُؤْذِي الْبَدَنَ وَيَدِرُّ الْعَرَقَ وَرَائِحَتُهُ يُتَأَذَّى بِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الدِّمْيَاطِيُّ: كَانَ قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُطْنًا، قَصِيرُ الطُّولِ وَالْكُمَّيْنِ. قِيلَ: وَوَجْهُ أَحَبِّيَةِ الْقَمِيصِ إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْأَعْضَاءِ مِنَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ، وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ مُؤْنَةً وَأَخَفُّ عَلَى الْبَدَنِ، وَلَابِسُهُ أَكْثَرُ تَوَاضُعًا. (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ. (حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ) : الْمَتْنُ وَاحِدٌ وَالْإِسْنَادُ مُتَعَدِّدٌ فَذِكْرُهُ لِلْحُكْمِ مُؤَكِّدٌ. (حَدَّثَنَا زِيَادُ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ. (بْنُ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَدَالٌّ مُهْمَلَةٌ مُعْجَمَةٌ، هُوَ الْأَصَحُّ مِنَ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنَ الْأَشْهَرِ فِيهِ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ فَخِلَافُ مَا حَقَّقَهُ شُرَّاحُ الشَّاطِبِيَّةِ، وَقِيلَ: رِوَايَةُ الْكِتَابِ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي السُّنَّةِ الْعَامَّةِ. وَهُوَ أَبُو هَاشِمٍ، طُوسِيُّ الْأَصْلِ، مُلَقَّبٌ بِدَلَّوَيْهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أُمِّهِ) : وَهِيَ لَمْ تُسَمَّ فَغَايَرَ هَذَا

стр. 108

الْإِسْنَادُ الْإِسْنَادَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعَ مُغَايَرَةِ بَعْضِ رِجَالِ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وُجِدَ فِي الْأَخِيرِ " يَلْبَسُهُ " وَزِيدَ فِيهِ " عَنْ أُمِّهِ "، فَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ " عَنْ أُمِّهِ " مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِي الْإِسْنَادِ الْأَخِيرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي زِيَادَةِ يَلْبَسُهُ فِي مَتْنِهِ. (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : قِيلَ اسْمُهَا هِنْدٌ. (قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ بِثَلَاثَةِ أَسَانِيدَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ جُمْلَةُ " يَلْبَسُهُ قَبْلَ الْقَمِيصِ " وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ عَنْ " أَحَبُّ الثِّيَابِ " وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الثَّوْبِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَا لِأَجْلِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ، فِإنَّهُ كَانَ يُحِبُّهُ لِلُبْسِهِ لَا لِنَحْوِ إِهْدَائِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ لُبْسًا، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي أَنَّ " الْحِبَرَةِ كَانَتْ أَحَبُّ إِلَيْهِ " فَبِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الثِّيَابِ الْمَخِيطَةِ وَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : أَيْ أَبُو عِيسَى الْمُؤَلِّفُ: وَحُذِفَ لِظُهُورِهِ وَدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي نُسْخَةٍ " قَالَ أَبُو عِيسَى "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النُّسَّاخِ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّ وَلَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ " قَالَ " قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ مَرَّةً يَنْقُصُونَ وَأُخْرَى يَزِيدُونَ، وَالْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ. ثُمَّ الْمَقُولُ (هَكَذَا) : أَيْ بِزِيَادَةِ " عَنْ أُمِّهِ " فِي السَّنَدِ فَالْإِشَارَةُ إِلَى السَّابِقِ أَوِ اللَّاحِقِ. (قَالَ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ) : وَمَا أَحْسَنَ خُصُوصِيَّةَ زِيَادٍ بِالزِّيَادَةِ فِي الْإِسْنَادِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ: رَوَى عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أُمِّهِ، وَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْهُ وَذَكَرَ عَنْ أُمِّهِ. (فِي حَدِيثِهِ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ " قَالَ "، قَالَ الْعِصَامُ: ذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الْإِسْنَادِ مِنْ قَوْلِهِ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : وَلَمْ يَكْتَفِ بِتَحْدِيثِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ هَكَذَا إِلَى آخِرِهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ زِيَادَةَ " عَنْ أُمِّهِ " مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ سَقَطَ عَنْ إِسْنَادِ زِيَادٍ، فَدَفَعَ نُقْصَانَ الْإِسْنَادِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمَعْلُومَةِ لَهُ مِنْ تَحْقِيقِ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِطَرِيقِ عَطْفِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّ صِفَةَ اسْمِ الْإِشَارَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ " هَكَذَا " إِشَارَةٌ إِلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ بِالْمَعْنَى لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ " زِيَادٍ ". وَقَوْلُهُ (وَهَكَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. (رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ) : قَالَ مِيرَكُ: أَيْ مِنْ مَشَايِخِي مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ. (عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ) : وَالْمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: قَوْلُهُ: وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ إِلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَيْرُ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ رَوَوْا أَيْضًا عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ زِيَادٍ عَنْهُ. وَقَالَ الْعِصَامُ: وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: هَكَذَا، فَقَالَ: عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ إِلَى آخِرِهِ ; لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ أَبِي تُمَيْلَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ أَبَا تُمَيْلَةَ يُرَجِّحُ زِيَادَةَ " عَنْ أُمِّهِ " فَقَالَ: (وَأَبُو تُمَيْلَةَ هَذَا يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) : أَيْ فِي ذِكْرِهِ. (عَنْ أُمِّهِ وَهُوَ أَصَحُّ) : يَعْنِي تَعَقَّبَ قَوْلَهُ " عَنْ أُمِّهِ " بِقَوْلِهِ " وَهُوَ أَصَحُّ "، فَمَقُولُ يَزِيدَ قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنَّمَا زَادَ قَوْلَهُ " عَنْ أُمِّهِ " تَعْيِينًا لِمَوْقِعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ وَجَعَلَ الْمَزِيدَ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ " عَنْ أُمِّهِ " رَأَى قَوْلَهُ " وَأَبُو تُمَيْلَةَ " يَزِيدُ إِلَى آخِرِهِ زِيَادَةً لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ تَأْكِيدُ مَا سَبَقَ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: وَهُوَ أَصَحُّ، قَوْلَ أَبِي عِيسَى دُونَ أَبِي تُمَيْلَةَ، فَقَدْ أَوْضَحْتُ لَكَ الْمَرَامَ، وَقَدْ كَانَ فِي غَايَةِ الْإِبْهَامِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: قَوْلُهُ " وَأَبُو تُمَيْلَةَ إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرِ أَبِي تُمَيْلَةَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِثْلِ: الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى بِطَرِيقَيْهِ، وَزَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، بِطَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الرَّازِيِّ لَا يَزِيدُونَ " عَنْ أُمِّهِ "، وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَزِدْ مِنْ بَيْنِ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَّا أَبُو تُمَيْلَةَ، وَلَمْ يَزِدْ مِنْ بَيْنِ رُوَاةِ أَبِي تُمَيْلَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، وَزَادَ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةُ " أُمُّهِ " أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْقَاطِهَا، وَفِي شَرْحِ مِيرَكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ أَيْ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ، تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ مَرْوَزِيٌّ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِيهِ أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ أُمِّهِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَصَحُّ. وَإِنَّمَا حُكِمَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مُطْلَقًا أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُصُوصِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ أَبَا تُمَيْلَةَ أَوْثَقُ وَأَحْفَظُ مِنْ رَفِيقَيْهِ وَهُمَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ قَدَّمَ أَبَا تُمَيْلَةَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، وَقَالَ: رَوَى الْفَضْلُ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ صَدُوقٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ. وَأَمَّا أَبُو

стр. 109

تُمَيْلَةَ فَثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْأُولَى، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ فَقَطْ. (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (حَدَّثَنِي أَبِي) : أَيْ هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ أَيْ هِشَامٌ. . . (عَنْ بُدَيْلٍ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ دَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ. (يَعْنِي ابْنَ صُلَيْبٍ) : بِضَمِّ صَادٍ وَفَتْحِ لَامٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ الْعِصَامُ: فَسَّرَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ هُوَ ابْنُ مَيْسَرَةَ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا فِي الشَّرْحِ، انْتَهَى. قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ، وَفِي بَعْضِهَا بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ كَالْمِزِّيِّ وَالذَّهَبِيِّ وَالْعَسْقَلَانِيِّ. (الْعَقِيلِيَّ) : بِالتَّصْغِيرِ مَنْصُوبًا. (عَنْ شَهْرِ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ. (بْنِ حَوْشَبٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، صَدُوقٌ، كَثِيرُ الْإِرْسَالِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْخَمْسَةُ فِي صِحَاحِهِمْ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَثَّقَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. (عَنْ أَسْمَاءَ) : صَحَابِيَّةٌ لَهَا أَحَادِيثُ. (بِنْتُ يَزِيدَ) : أَيِ الْأَنْصَارِيِّ. (قَالَتْ: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، رُدْنُهُ وَاصِلَةٌ (إِلَى الرُّسْغِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالصَّادِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالْمُصَنِّفِ، وَبِالسِّينِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي جَامِعِهِ، وَإِلَّا فَنُسَخُ الشَّمَائِلِ بِالسِّينِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَالصَّادُ بَدَلَ السِّينِ لُغَةٌ فِيهِ، وَهُوَ مَفْصِلُ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ وَيُسَمِّي الْكُوعُ، انْتَهَى. مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ فِي حَاشِيَةِ كِتَابِهِ، كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا وَقَعَ

стр. 110

فِي الْمَصَابِيحِ قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادُ لُغَةٌ فِيهِ. وَوَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ: الطِّيبِيُّ هَكَذَا هُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ بِالسِّينِ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ، وَفِي الْقَامُوسِ: الرُّسْغُ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: بِالضَّمِّ الرُّسْغُ. قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ كُمُّ الْقَمِيصِ الرُّسْغَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَمِيصِ فَقَالُوا السُّنَّةُ فِيهِ لَا يَتَجَاوَزُ رُءُوسَ الْأَصَابِعِ مِنْ جُبَّةٍ وَغَيْرِهَا، انْتَهَى. وَنُقِلَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّ أَبَا الشَّيْخِ ابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: كَانَ يَدُ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْفَلَ مِنَ الرُّسْغِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ قَمِيصًا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوَى الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ حِبَّانَ فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْخَبَرِ كَمَا ذَكَرَ فَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَجَاوَزَ بِكُمِّ الْقَمِيصِ إِلَى رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنِ حَدِيثِ الْبَابِ إِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَمِيصِ أَوْ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الْكِتَابِ عَلَى التَّقْرِيبِ وَالتَّخْمِينِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْعِصَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْكُمِّ فَعَقِيبَ غَسْلِ الْكُمِّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَثَنٍّ فَيَكُونُ أَطْوَلَ وَإِذَا بَعُدَ عَنِ الْغَسْلِ وَوَقَعَ فِيهِ التَّثَنِّي كَانَ أَقْصَرَ، انْتَهَى. وَبُعْدُهُ لَا يُخْفِي. (حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ. (الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ. (أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَمَرَّ ذِكْرُهُ. (أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ) : كَزُبَيْرٍ. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُشَيْرٍ) : بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، مَرَّ مِرَارًا، وَفِي نُسْخَةِ «قُتَيْبَةَ» وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ. (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) : بِضَمِّ قَافٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ) : بِسُكُونِ الْهَاءِ، أَيْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَفِي الْقَامُوسِ بِالسُّكُونِ وَيُحَرَّكُ: قَوْمُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ، أَوْ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: وَقِيلَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ. وَلَا يُنَافِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَسْلَمُوا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُمْ رَهْطًا رَهْطًا، أَوْ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الْقَوْمِ كَمَا قَدَّمَهُ الْقَامُوسُ، وَفِي يَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ) . (مِنْ مُزَيْنَةَ) : بِضَمِّ مِيمٍ وَفَتْحِ زَايٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ، قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ مُضِرَ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِرَهْطٍ. (لِنُبَايِعُهُ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَتَيْتُ. (وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ) : أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزِرٍّ، قَالَ مِيرَكُ: أَيْ غَيْرُ مَشْدُودِ الْأَزْرَارِ. الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ غَيْرُ مَزْرُورٍ، انْتَهَى. وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. (أَوْ قَالَ زِرُّ قَمِيصِهِ) : بِالْإِضَافَةِ. (مُطْلَقٌ) : بِلَا لَامٍ، أَيْ غَيْرُ مَرْبُوطٍ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: الشَّكُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْعِصَامُ وَقَالَ: الشَّكُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ فَقَدِ ارْتَابَ وَالصُّبْحُ يُسْفِرُ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجْرٍ وَرَدَّهُمَا مِيرَكُ بِقَوْلِهِ: الشَّكُّ مِنْ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَشُكَّ، بَلْ قَالَ: إِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ وَالْحَسَنِ بْنِ مُوسَى جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِغَيْرِ شَكٍّ أَيْضًا، فَوَهِمَ مَنْ قَالَ الشَّكُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، زَادَ هُوَ وَابْنُ سَعْدٍ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَاهِ إِلَّا مُطْلَقِي الْأَزْرَارِ فِي شِتَاءٍ وَلَا خَرِيفٍ وَلَا يَزِرَّانِ أَزْرَارَهُمَا. وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ، بِغَيْرِ شَكٍّ أَيْضًا، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ. قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: كَذَا وَقَعَ فِي أُصُولِنَا، وَرِوَايَاتِنَا الْإِزَارُ بِغَيْرِ رَاءٍ بَعْدَ زَايٍ، وَهُوَ جَمْعُ الْإِزَارِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الثَّوْبُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَوْ أَكْثَرِهَا الْأَزْرَارُ جَمْعُ زِرٍّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَشَدِّ الرَّاءِ وَهُوَ خَزِيرَةُ الْجَيْبِ، وَبِهِ شَرَحَ شُرَّاحُهُ: وَجَيْبُ الْقَمِيصِ طَوْقُهُ الَّذِي يَخْرُجُ الرَّأْسُ مِنْهُ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَجْعَلُوهُ وَاسِعًا وَلَا يَزِرُّونَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَزْرَارَ لَا غَيْرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ، انْتَهَى. أَقُولُ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى:

стр. 111

فَرَأَيْتُهُ مُطْلَقَ الْقَمِيصِ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ الْأَزْرَارِ بِرَائَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ زِرٌّ وَعُرْوَةٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ جَيْبَ قَمِيصِهِ ﷺ كَانَ مَفْتُوحًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ الْيَدَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَمِيصًا لَهُ زِرٌّ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ: فِيهِ حِلُّ لُبْسِ الْقَمِيصِ، وَحِلُّ الزِّرِّ فِيهِ، وَحِلُّ إِطْلَاقِهِ وَأَنَّ طَوْقَهُ كَانَ مَفْتُوحًا بِالطُّولِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَّخَذُ لَهُ الْأَزْرَارُ عَادَةً، انْتَهَى. وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَادَاتَ مُخْتَلِفَةٌ، وَفِي الْأَوَّلِ أَيْضًا بَحْثٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ أَحَبَّ أَنْ يُسْتَحَبَّ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَهُمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : أَيْ قُرَّةُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِدُونِ «قَالَ» ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمِشْكَاةِ. (فَأَدْخَلْتُ يَدِي) : بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. (فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ) : الْجَيْبُ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، مَا يُقْطَعُ مِنَ الثَّوْبِ لِيَخْرُجَ الرَّأْسُ أَوِ الْيَدُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: جَابَ الْقَمِيصَ يَجُوبُهُ وَيُجِيبُهُ أَيْ قَوَّرَ جَيْبَهُ وَجَيَّبَهُ، أَيْ جَعَلَ لَهُ جَيْبًا، وَأَصْلُ الْجَيْبِ الْقَطْعُ وَالْحَرْقُ، وَيُطْلَقُ الْجَيْبُ عَلَى مَا يُجْعَلُ فِي صَدْرِ الثَّوْبِ لِيُوضَعَ فِيهِ الشَّيْءُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَيْبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَوْقُهُ الَّذِي يُحِيطُ بِالْعُنُقِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: جَيَبَ الثَّوْبَ أَيْ جَعَلَ فِيهِ ثُقْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَأَدْخَلْتُ يَدِي إِلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ جَيْبَ قَمِيصِهِ كَانَ فِي صَدْرِهِ، وَالْمَاضِي فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَآهُ مُطْلَقَ الْقَمِيصِ أَيْ غَيْرَ مَزْرُورٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَمَسِسْتُ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ الْفَتْحَ أَيْضًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَحُكِيَ كَخِلْتُ أَيْ لَمَسْتُ. (الْخَاتَمَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ، أَيْ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ. (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) : بِتَصْغِيرِ الثَّانِي، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ) : فِي الشَّرْحِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ السَّدُوسَيُّ الْمُلَقَّبُ بِعَارِمٍ ; لِأَنَّهُ الَّذِي أَخْرَجَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَرَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) : مَرَّ ذِكْرُهُ. (عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. (عَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ الْبَصْرِيِّ. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ) : أَيْ مِنْ بَيْتِهِ. (وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) : مِنَ الِاتِّكَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُوَ مُتَّكِئٌ. مِنَ التَّوَكُّؤِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) ، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الِاعْتِمَادُ، وَأُسَامَةُ هَذَا صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ مَوْلَاهُ وَابْنُ مَوْلَاتِهِ أُمِّ أَيْمَنَ، وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ، أَمَّرَهُ فِي جَيْشٍ فِيهِ عُمَرُ ﵃، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ اتِّكَائِهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ شَاكِيًا، فَخَرَجَ يَتَوَكَّأُ عَلَى أُسَامَةَ إِلَى آخِرِهِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي

стр. 112

مَاتَ فِيهِ ﷺ ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَرَضٍ آخَرَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; فَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّهُ خَرَجَ بَيْنَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَغَطِّيًا بِهِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ مُتَوَشِّحًا مُرْتَدِيًا. وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . (ثَوْبٌ) : بِالتَّنْوِينِ. (قِطْرِيٌّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى الْقِطْرِ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ بَعْدَهَا رَاءٌ، نَوْعٌ مِنَ الْبُرُدِ عَلَى مَا فِي التَّاجِ وَالْمُهَذَّبِ، وَقِيلَ: حُلَلٌ جِيَادٌ تُحْمَلُ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِينِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: ثِيَابٌ مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ الْجُمْلَةُ الْأُولَى حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «خَرَجَ» بِالضَّمِيرِ وَالْوَاوِ مَعًا، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْضًا، لَكِنْ بِالضَّمِيرِ وَحْدَهُ نَحْوَ كَلَّمْتُهُ فُوهُ إِلَى فِي، وَضَعَّفَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْحَدِيثِ، أَوْ بَنَوْا حُكْمَهُمْ عَلَى غَالِبِ الِاسْتِعْمَالِ. (قَدْ) : لِلتَّحْقِيقِ. (تَوَشَّحَ) : أَيْ تَغَشَّى. (بِهِ) : وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ، وَالتَّوَشُّحُ فِي الْأَصْلِ لُبْسُ الْوِشَاحِ، وَيُقَالُ: تَوَشَّحَ بِثَوْبِهِ وَبِسَيْفِهِ إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى عَاتِقِهِ كَالْوِشَاحِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ هَاهُنَا أَنَّهُ ﷺ أَدْخَلَ الثَّوْبَ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ. (فَصَلَّى بِهِمْ) : وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ضَمْرَةَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْقَوْمِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ قَاعِدًا. (قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: سَأَلَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَى جَلَالَتِهِ وَتَوْثِيقِهِ وَحِفْظِهِ وَتَقَدُّمِهِ فِي هَذَا الشَّأْنِ حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: السَّمَاعُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَتَشَرَّفَ بِأَنَّ غُسِّلَ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي غُسِّلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَحُمِلَ عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ ﷺ . ذَكَرَهُ الْعِصَامُ. (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلَ مَا جَلَسَ) : أَيْ أَوَّلَ زَمَانِ جُلُوسِهِ، أَوْ زَمَانَ أَوَّلِ جُلُوسِهِ. (إِلَى) : أَيْ مُتَوَجِّهًا أَوْ مَائِلًا، قَالَ الْعِصَامُ: وَكَأَنَّهُ سَأَلَهُ لِيَسْتَوْثِقَ سَمَاعَهُ عَنْهُ، انْتَهَى. لَكِنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى. (فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضٌ، حَيْثُ سَمِعَهُ أَبُو عِيسَى عَنْهُ بِلَفْظِ «أَخْبَرَنَا» وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِلَفْظِ «حَدَّثَنَا» . (فَقَالَ) : أَيْ يَحْيَى. (لَوْ كَانَ) : أَيِ التَّحْدِيثُ. (مِنْ كِتَابِكَ) : أَيْ لَكَانَ خَيْرًا لِكَوْنِهِ أَوْثَقُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «لَوْ» لِلتَّمَنِّي فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ. (فَقُمْتُ) : أَيْ مِنَ الْمَجْلِسِ. (لِأُخْرِجَ كِتَابِي) : أَيْ كِتَابَ رِوَايَتِي مِنْ بَيْتِي. (فَقَبَضَ) أَيْ يَحْيَى (عَلَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. (ثَوْبِي) : أَيْ فَأَمْسَكَهُ مَانِعًا لِي مِنَ الْقِيَامِ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى تَحْصِيلِ عِلْمِهِ، وَقِلَّةِ طُولِ أَمَلِهِ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِهِ بِحُدُوثِ أَجْلِهِ. (ثُمَّ قَالَ: أَمْلِهِ عَلَيَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ، أَمْرٌ مِنَ الْإِمْلَالِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِمْلَاءِ. يُقَالُ: أَمْلَلْتُ الْكِتَابَ وَأَمْلَيْتُهُ

стр. 113

إِذَا أَلْقَيْتَهُ عَلَى الْكَاتِبِ لِيَكْتُبَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيُقَالُ مَلَلْتُهُ أَيْضًا. فَمَعَ عَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِلْمَرَامِ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِكُتُبِ اللُّغَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الْإِمْلَاءِ، أَيْ حَدِّثْنِي بِالْإِمْلَاءِ أَوَّلًا. (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَلْقَاكَ) : أَيْ ثَانِيًا لِمَانِعٍ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَمِنْهُ مَوْتُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ تَلَاقِيهِمَا، وَلِذَا قِيلَ: الْوَقْتُ سَيْفٌ قَاطِعٌ وَبَرْقُ الْخَوْفِ لَامِعٌ. (قَالَ) : أَيْ مُحَمَّدٌ. (فَأَمْلَيْتُهُ) : أَيِ الْحَدِيثَ. (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى يَحْيَى، وَفِي نُسْخَةٍ: فَأَمْلَيْتُ عَلَيْهِ. بِدُونِ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَةِ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّهُ يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْأَوَّلِ بِالتَّخْفِيفِ. (ثُمَّ أَخْرَجْتُ كِتَابِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ) : أَيِ الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلِي أَيْضًا، قَالَ الْعِصَامُ: وَفِي نَقْلِ رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْبَحْثُ عَلَى لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَزِيدُ تَوْثِيقِ هَذَا السَّنَدِ ; إِذْ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَوْثِقُ بِهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَكَانَ وَاثِقًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ وَافَقَتْ رِوَايَتُهُ قِرَاءَتَهُ مِنْ كِتَابِهِ، انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْبَحْثُ عَنْ لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ بَحْثٌ. لِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللِّبَاسِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ) : مَرَّ فِي بَابِ الشَّعْرِ. (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) : مَرَّ فِيهِ أَيْضًا. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ) : كَرِجَالٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ. (الْجُرَيْرِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى جُرَيْرٍ مُصَغَّرًا بِجِيمٍ وَرَائَيْنِ أَحَدُ آبَائِهِ، كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ سِنِينَ وَلَمْ يَكُنِ اخْتِلَاطُهُ فَاحِشًا، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: هُوَ ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: مَنْ كَتَبَ عَنْهُ قَدِيمًا هُوَ صَالِحٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ. (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) : سَبَقَ فِي بَابِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا) : أَيْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا، وَأَصْلُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ: صَيَّرَهُ جَدِيدًا. وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: أَيْ طَلَبَ ثَوْبًا جَدِيدًا. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُ لُبْسِهِ أَوْ طَلَبُهُ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ خَدَمِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا لَبِسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. (سَمَّاهُ) : أَيِ الثَّوْبَ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ. (بِاسْمِهِ) : أَيِ الْمُعَيَّنِ الْمُشَخَّصِ الْمَوْضُوعِ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ (عِمَامَةً) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ. (أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً) : أَيْ أَوْ غَيْرَهُمَا كَالْإِزَارِ وَالسِّرْوَالِ وَالْخُفِّ وَنَحْوِهَا، فَالْمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: رَزَقَنِي اللَّهُ هَذَا الْقَمِيصَ أَوْ كَسَانِي هَذِهِ الْعِمَامَةَ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. (ثُمَّ يَقُولُ) : أَيْ بَعْدَ لُبْسِهِ وَتَسْمِيَتِهِ. (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ) : وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَمَّى، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ أَنْ يَقُولَ فِي ضِمْنِ كَلَامِهِ بَدَلًا عَنْ ضَمِيرِ «كَسَوْتَنِيهِ» اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِي هَذَا الْقَمِيصَ أَوِ الْعِمَامَةَ مَثَلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِدَلَالَةِ الْعَطْفِ بِثُمَّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ «كَمَا كَسَوْتَنِيهِ» مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ بِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ أَسْأَلُكُ إِلَخْ وَهُوَ الْمُشَبَّهُ أَيْ مِثْلَمَا كَسَوْتَنِيهِ

стр. 114

مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ. (أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ) : أَيْ أَنْ تُوصِلَ إِلَيَّ خَيْرَهُ. (وَخَيْرَ مَا صُنِعَ) : أَيْ خُلِقَ. (لَهُ) : مِنَ الشُّكْرِ بِالْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ وَالْحَمْدِ لِمُوَلِّيهِ بِاللِّسَانِ. (وَأَعُوذُ بِكَ) : عَطْفٌ عَلَى أَسْأَلُكَ، أَيْ أَسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ. (وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ) : مِنَ الطُّغْيَانِ وَالْكُفْرَانِ، انْتَهَى كَلَامُ الطِّيبِيِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْكَافُ بِمَعْنَى «عَلَى» أَوْ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِلتَّشْبِيهِ، أَيِ الْحَمْدُ عَلَى قَدْرِ إِنْعَامِهِ الْكِسْوَةَ وَبِطَبَقِهِ وَإِزَائِهِ، وَإِمَّا لِلْمُبَادَرَةِ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ أَسْلِمْ كَمَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «كَمَا» بِمَعْنَى «إِذَا» كَمَا نُقِلَ عَنِ الْغَزَالِيِّ، وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ «كَمَا» بِقَوْلِهِ «أَسْأَلُكَ» ، وَالْمَعْنَى: أَسْأَلُكَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى خَلْقِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ بِهِ، وَصَرْفِهِ فِيمَا فِيهِ رِضَاكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا تَرْضَى بِهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَكَوْنِي أُعَاقَبُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ. وَقَالَ مِيرَكُ: خَيْرُ الثَّوْبِ بَقَاؤُهُ وَنَقَاؤُهُ وَكَوْنُهُ مَلْبُوسًا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ لَا لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَخَيْرُ مَا صُنِعَ لَهُ وَهُوَ الضَّرُورَاتُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يُصْنَعُ اللِّبَاسُ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْمُرَادُ سُؤَالُ الْخَيْرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا إِلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي صُنِعَ لِأَجْلِهِ الثَّوْبُ مِنَ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لِمُوَلِّيهِ، وَفِي الشَّرِّ عَكْسُ الْمَذْكُورَاتِ وَهُوَ كَوْنُهُ حَرَامًا وَبَخْسًا، أَوْ لَمْ يَبْقَ زَمَانًا طَوِيلًا، أَوْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ. هَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِيمَا يَدْعُو بِهِ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَحَادِيثُ أُخَرُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَفِي كَنَفِ اللَّهِ وَفِي سِتْرِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا» . وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ وَحَسَّنَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ «وَمَا تَأَخَّرَ» . وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ثَوْبًا بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلَّا لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ» ، قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ لَا أَعْلَمُ فِي إِسْنَادِهِ أَحَدًا ذُكِرَ بِجَرْحٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «حَدَّثَنَا» . (الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ) : بِضَمِّ مِيمٍ فَفَتْحِ زَايٍ، مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ مُزَيْنَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ. (عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) : مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا. (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) : أَيْ فِي الْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ (مِثْلَهُ) يُرَادُ فِي اللَّفْظِ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «يَلْبَسُهَا» بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِأَحَبَّ أَوِ الثِّيَابِ وَخَرَجَ بِهِ مَا يُفْرَشُ وَنَحْوُهُ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلثِّيَابِ أَوْ لِأَحَبَّ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ. (الْحِبَرَةَ) : وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مِثَالِ الْعِنَبَةِ، قَالَ مِيرَكُ: الرِّوَايَةُ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ رَفْعُ «الْحِبَرَةِ» عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ وَ «أَحَبَّ» خَبَرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ

стр. 115

بِالْعَكْسِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحُوهُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ، ثُمَّ «الْحِبَرَةَ» نَوْعٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بُرُزٌ. قِيلَ: هِيَ أَشْرَفُ الثِّيَابِ عِنْدَهُمْ تُصْنَعُ مِنَ الْقُطْنِ، فَلِذَا كَانَ أَحَبَّ، وَقِيلَ: لِكَوْنِهَا خَضْرَاءَ وَهِيَ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سُمِّيَتْ حِبَرَةً لِأَنَّهَا تُحَبَّرُ أَيْ تَزَيُّنِ، وَالتَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ، قِيلَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَتْ هِيَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ زِينَةٍ، وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ احْتِمَالًا لِلْوَسَخِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الْحِبَرَةِ، وَعَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمُخَطَّطِ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ، انْتَهَى. وَهُوَ مَحَلُّ بَحْثٍ، وَالْجُمَعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ عِنْدَهُ كَانَ الْقَمِيصَ ; إِمَّا بِمَا اشْتُهِرَ فِي مِثْلِهِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحَبِّ كَمَا قِيلَ فِيمَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ، وَإِمَّا بِأَنَّ التَّفْضِيلَ رَاجِعٌ إِلَى الصِّفَةِ فَالْقَمِيصُ أَحَبُّ الْأَنْوَاعِ بِاعْتِبَارِ الصُّنْعِ وَالْحِبَرَةُ أَحَبُّهَا بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ أَوِ الْجِنْسِ، فَتَأْمَّلْ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْأَحَبُّ الْمُطْلَقُ هُوَ أَنْ يَكُونَ حِبَرَةً وَجُعِلَ قَمِيصًا. (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) : أَيِ الثَّوْرِيُّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَقِيلَ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) : حَدِيثُهُ فِي الصِّحَاحِ. (عَنْ أَبِيهِ) : صَحَابِيٌّ، مَرَّ ذِكْرُهُ. (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ وَقَعَتْ لَهُ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى آخِرِهِ. وَفِيهِ: وَخَرَجَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا. وَالْبَطْحَاءُ مَوْضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ، وَيُقَالُ لَهُ الْأَبْطَحُ، قَالَ: وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ بَلَلَ وَضَوْئِهِ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ صَاحِبِهِ. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ أَنَّ الْوَضُوءَ الَّذِي ابْتَدَرَهُ النَّاسُ كَانَ فَضْلَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَكَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ: وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهِمَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرُدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ. قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَوْنٍ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ ; لِقَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى قَوْلِهِ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) : وَالْحُلَّةُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، كَذَا فِي الْمُهَذَّبِ، وَفِي الصِّحَاحِ: لَا يُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى يَكُونَ ثَوْبَيْنِ، انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِالْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ بُرْدَانِ يَمَانِيَانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ سُودٍ كَسَائِرِ الْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنَ الْخُطُوطِ الْحُمْرِ، وَإِلَّا فَالْأَحْمَرُ الْبَحْتُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَكْرُوهٌ لُبْسُهُ لِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ حُلَّتَانِ حَمْرَاوَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وَحَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النُّسَجِ، وَأَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ زِينَةُ الشَّيْطَانِ وَمُوجِبٌ لِلْخُيَلَاءِ وَالطُّغْيَانِ، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ الْحُمْرَةَ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَبِسَ الْأَحْمَرَ الْبَحْتَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ عَدَمُ التَّنَافِي بِالتَّخْصِيصِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي مَا يُظْهِرُ لَكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ. (وَكَأَنِّي أَنْظُرُ) : أَيِ الْآنِ. (إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ) : أَيْ لَمَعَانِهِمَا، فَفِي الْقَامُوسِ: بَرَقَ الشَّيْءُ بَرْقًا وَبَرِيقًا وَبُرْقَانًا أَيْ لَمَعَ. وَالْحَنَفِيُّ

стр. 116

وَهِمَ أَنَّهُ وَصْفٌ فَقَالَ: لَعَلَّهُ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: أَيْ بَيَاضِهِمَا، وَبَرِيقٌ مُصْدَرٌ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْبَيَاضَ لَوْنُ الْأَبْيَضِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ عَوْنٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ سَاقَيْهِ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ، الْبَرِيقُ، لَا مَصْدَرَ ثَمَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَقْصِيرِ الثِّيَابِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْبَابِ. (قَالَ سُفْيَانُ) : وَالْمُطْلَقُ مِنْ هَذَا الِاسْمِ يُرَادُ بِهِ الثَّوْرِيُّ كَمَا إِذَا أُطْلِقَ الْحَسَنُ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ وَإِذَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. (أُرَاهَا) : عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ، يَعْنِي أَظُنُّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ. (حِبَرَةً) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «نُرَاهُ» عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ، أَيْ نَظُنُّهُ، وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْحُلَّةِ ثَوْبًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهَذَا الظَّنُّ لَا يُفِيدُ حُرْمَةَ الْأَحْمَرِ الْبَحْتِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مُسْتَنَدًا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ. فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْآتِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالظَّنِّ الِاعْتِقَادَ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الِاسْتِنَادِ، نَعَمْ، يُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْحِبَرَةِ. (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَالرَّاءِ، وَهُوَ مُنْصَرِفٌ كَجَعْفَرٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى عَدَمِ الصَّرْفِ، وَلَعَلَّ عِلَّتَهُ الْأُخْرَى الْعُجْمَةُ. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ) : مِنْ بَيَانِيَّةٌ. (أَحْسَنَ) : تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) : لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلتَّقْيِيدِ. (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحْسَنَ. (إِنْ كَانَتْ جُمَّتُهُ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ شَعْرُ رَأْسِهِ وَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّامُ الْفَارِقَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّافِيَةِ فِي قَوْلِهِ: (لَتَضْرِبُ) : أَيْ لَتَصِلُ. (قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ) : أَيْ بِاعْتِبَارِ جَانِبَيْهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِمِنًى عَلَى بَعِيرِهِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ نَحْوَهُ، قَالَ: فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ. الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٍو قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: فَقُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ ، قَالَ: «بَلِ احْرِقْهُمَا» . وَالْمُعَصْفَرُ هُوَ الَّذِي يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ، وَغَالِبُ مَا يُصْبَغُ بِهِ يَكُونُ أَحْمَرَ ; وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُفَدَّمِ، وَهُوَ بِالْفَاءِ وَشَدِّ الدَّالِ، وَهُوَ الْمُصَبَّغُ بِالْعُصْفُرِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ، رَفَعَهُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ» . وَأَخْرَجُهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَأَدْخَلَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَرَافِعٍ رَجُلًا، فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَبَالَغَ الْجَوْرَبَانِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ، وَحَسَّنَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: كُنْتُ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ أُمِّ

стр. 117

الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْنُ نَصْبُغُ ثِيَابًا لَهَا بِمَغْرَةٍ إِذْ طَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْمَغْرَةَ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ غَسَلَتْ ثِيَابَهَا وَوَارَتْ كُلَّ حُمْرَةٍ، فَجَاءَ فَدَخَلَ. وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ ضَعِيفٍ. الثَّالِثُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشَبَّعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا، وَكَانَ الْحُجَّةَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ. الرَّابِعُ: يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَوَقْتِ الْمِهْنَةِ. الْخَامِسُ: لَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَاحْتُجَّ بِأَنَّ الْحُلَلَ الْوَاقِعَةَ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي لُبْسِهِ ﷺ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ لِإِحْدَى حُلَلِهِنَّ، وَكَذَا الْبُرْدُ الْأَحْمَرُ وَالْبُرُودُ الْحُمْرُ يُصْبَغُ غَزْلُهَا ثُمَّ يُنْسَجُ. السَّادِسُ: اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ مَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّبْغِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمَغْرَةِ الْمُتَقَدِّمُ. السَّابِعُ: تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالَّذِي يُصْبُغُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَحْمَرِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ، فَإِنَّ الْحُلَلَ غَالِبًا تَكُونُ ذَوَاتَ خُطُوطٍ حُمْرٍ وَغَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَلْبَسُ ثَوْبًا مُصَبَّغًا بِالْحُمْرَةِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَتَّبِعُ السُّنَّةَ، وَهُوَ غَلَطٌ ; فَإِنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ لَا يُصْبَغُ أَحْمَرَ صِرْفًا، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ غَالِبَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: الَّذِي أُرَاهُ جَوَازُ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ بِكُلِّ لَوْنٍ إِلَّا أَنِّي لَا أُحِبُّ لُبْسَ مَا كَانَ مُصَبَّغًا بِالْحُمْرَةِ وَلَا لُبْسَ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا، ظَاهِرًا فَوْقَ الثِّيَابِ ; لِكَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ ذَوِي الزَّمَانِ مِنَ الْمُرُوءَةِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. وَفِي مُخَالَفَةِ الزِّيِّ ضَرْبٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالْمُرُوءَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْبِدْعَةِ. قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُلَخَّصَ مِنْهُ قَوْلٌ ثَامِنٌ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ غَيْرُ حَمْرَاءَ فَاسْتِعْمَالُهَا مَمْنُوعٌ لِأَجْلِ أَنَّهَا مِنَ الْحَرِيرِ وَاسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ حَرَامٌ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ حَمْرَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَرِيرٍ فَالنَّهْيُ فِيهَا لِلزَّجْرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لَا لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ فَيَمْتَنِعُ حَيْثُ يَقَعُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا فَيَقْوَى قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ لُبْسِهِ فِي الْمَحَافِلِ وَفِي الْبُيُوتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَبَاحَ الْمُعَصْفَرَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ تَنْزِيهًا، وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَيْهِ، لَكِنْ أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ حُرْمَتُهُ كَالْمُزَعْفَرِ وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِحَرْقِ الْمُعَصْفَرِ، وَأَمَّا مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصْبُغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتِهِ، فَيُعَارِضُهُ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَعْفَرِ، وَأَمَّا مَا رَوَى الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُخَطَّطِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْبُرْدُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَنْبَأَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَخْبَرَنَا» . (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ) : بِكَسْرِ هَمْزَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ زِيَادَةُ. (وَهُوَ ابْنُ لَقِيطٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ. (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ إِيَادٍ. (عَنْ أَبِي رِمْثَةَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ فَسُكُونِ الْمِيمِ وَمُثَلَّثَةٍ. (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْبُرْدُ نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ مُخَطَّطٌ مَعْرُوفٌ. (أَخْضَرَانِ) : أَيْ فِيهِمَا خُطُوطٌ خُضْرٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْرَاجٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ فَجَوَابُهُ أَنَّ دَلِيلَهُ قَوْلُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي مَعْنَى الْبُرْدِ، فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الثِّيَابُ الْخُضْرُ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَرَفًا. قُلْتُ: صَارَتْ ثِيَابَ الشُّرَفَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهَا عَلَى الْبِيضِ لِمَا يَأْتِي، قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَادٍ. قُلْتُ: وَفِي الْمِشْكَاةِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانٍ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ مُنْصَرِفًا وَغَيْرِ مُنْصَرِفٍ. (الْعَنْبَرِيُّ

стр. 118

عَنْ جَدَّتَيْهِ دُحَيْبَةَ) : بِدَالٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ. (وَعُلَيْبَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا. (عَنْ قَيْلَةَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. (بِنْتِ مَخْرَمَةَ) : بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَ فَتَحَاتٍ، قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الشَّمَائِلِ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ عَنْ جَدَّتَيْهِ دُحَيْبَةَ وَصَفِيَّةَ، أَيْ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، بِنْتَيْ عُلَيْبَةَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ عَلَى الصَّوَابِ فِي جَامِعِهِ. وَعُلَيْبَةُ هُوَ ابْنُ حَرْمَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِيَاسٍ، فَعُلَيْبَةُ أَبُوهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَهُمَا جَدَّتَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَّانَ، إِحْدَاهُمَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ طَرَفِ الْأُمِّ ; لَمَّا وَقَعَ الزَّوَاجُ بَيْنَ ابْنِ الْخَالَةِ وَبِنْتِ الْخَالَةِ، وَهُمَا تَرْوِيَانِ عَنْ جَدَّةِ أَبِيهِمَا قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ: وَقَيْلَةُ جَدَّةُ أَبِيهِمَا أُمِّ أُمِّهِ، وَكَانَتْ رَبَّتْهُمَا، وَكَانَتْ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ، انْتَهَى. وَبِهَذَا ظَهَرَ بُطْلَانُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ اعْتَرَضَ، أَيْ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ بِأَنَّ صَوَابَ هَاتَيْنِ دُحَيْبَةُ وَصْفِيَّةُ بِنْتَا عُلَيْبَةَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ دُحَيْبَةَ جَدَّتُهُ وَأَنَّ أُمَّهَا عُلَيْبَةَ جَدَّتُهُ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهَا فَصَحَّ مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَوْنُ دُحَيْبَةَ لَهَا أُخْتٌ اسْمُهَا صَفِيَّةَ لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ بِوَجْهٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. (قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيَّتَيْنِ) : بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ مِنْ قَبِيلِ جَرْدِ قَطِيفَةٍ، وَالْأَسْمَالُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَمَلٍ بِتَحْرِيكِهِمَا، وَهُوَ الثَّوْبُ الْخَلَقُ، يُقَالُ: ثَوْبُ أَسْمَالٍ كَمَا يُقَالُ: رُمْحُ أَقْصَادٍ، وَبُرْمَةُ أَعْشَارٍ، وَالْقَصْدُ الرُّمْحُ وَهُوَ أَحَدُ مَا جَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْجَمْعِ، وَبُرْمَةُ أَعْشَارٍ إِذَا انْكَسَرَتْ قِطَعًا، وَقَلْبُ أَعْشَارٍ جَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْجَمْعِ أَيْضًا، وَيُقَالُ: ثَوْبُ أَخْلَاقٍ إِذَا كَانَتِ الْخُلُوقَةُ فِيهِ كُلِّهِ. وَالْمُلَيَّةُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ تَصْغِيرُ الْمُلَاءَةِ بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، لَكِنْ بَعْدَ حَذْفِ الْأَلِفِ، وَهِيَ الْإِزَارُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الصِّحَاحِ هِيَ الرَّيْطَةُ أَيِ الْمِلْحَفَةُ، وَفِي الْقَامُوسِ هِيَ كُلُّ ثَوْبٍ لَمْ يُضَمَّ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ بِخَيْطٍ بَلْ كُلُّهُ نَسْجٌ وَاحِدٌ. وَالْمُرَادُ بِالْأَسْمَالِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ لِيُطَابِقَ التَّثْنِيَةَ. (كَانَتَا بِزَعْفَرَانَ) : أَيْ مَصْبُوغَتَيْنِ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَيْ مَخْلُوطَتَيْنِ فَفِيهِ تَسَامُحٌ لَا يَخْفَى. (وَقَدْ نَفَضَتْهُ) : بِالْفَاءِ أَيِ الْأَسْمَالُ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُلَيَّتَيْنِ لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ وَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ مِنْهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: نُفِضِتَا عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْمُلَيَّتَانِ أَوِ الْأَسْمَالُ وَالتَّثْنِيَةُ لِلْمَيْلِ إِلَى الْمَعْنَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لِلْمَعْلُومِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِعْلًا مَاضِيًا مَعْرُوفًا، وَكَذَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي جَامِعِهِ، وَالْفَاعِلُ الْمُلَيَّتَانِ أَيْ نُفِضَتِ الْمُلَّيْتَانِ لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ الَّذِي صُبِغَتَا بِهِ، وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ كَثِيرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) أَيْ بَعْثَهُ اللَّهُ، وَالْأَصْلُ فِي النَّفْضِ التَّحْرِيكُ، فَإِسْنَادُ النَّفْضِ إِلَى الْمُلَيَّةِ مَجَازِيٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ نَفَضَ الثَّوْبُ نَفَضًا فَهُوَ نَافِضٌ أَيْ ذَهَبَ بَعْضُ لَوْنِهِ مِنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ارْتِكَابِ حَذْفِ الْمَفْعُولِ وَإِلَيْهِ يَوْمِئُ كَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ، حَيْثُ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ نَصَلَ لَوْنُ صَبْغِهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْأَثَرُ. وَقَالَ الْمِزِّيُّ: إِنَّمَا جُمِعَتِ الْأَسْمَالُ وَثُنِّيَتٍ الْمُلَاءَتَيْنِ لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُمَا كَانَتَا قَدِ انْقَطَعَتَا حَتَّى صَارَتَا قِطَعًا وَنَفَضَتَا أَيْ ذَهَبَ لَوْنُهُ مِنْهُمَا إِلَّا الْيَسِيرَ بِطُولِ لُبْسِهِمَا وَاسْتِعْمَالِهِمَا، لَكِنْ يُؤَيِّدُ حَذْفَ الْمَفْعُولِ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَقَدْ نَفَضَتْهُ، انْتَهَى. وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ إِيثَارِهِ ﷺ بَذَاذَةَ الْهَيْئَةِ وَرَثَاثَةَ اللُّبْسَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ

стр. 119

وَجُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ، وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ وَالسَّادَةِ الشَّاذِلِيَّةِ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ السَّنِيَّةِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَرَاكِبِ الْبَهِيَّةِ ; لِأَنَّ السَّلَفَ لَمَّا رَأَوْا أَهْلَ اللَّهْوِ يَتَفَاخَرُونَ بِالزِّينَةِ وَالْمَلَابِسِ أَظْهَرُوا لَهُمْ بِرَثَاثَةِ مَلَابِسِهِمْ حَقَارَةَ مَا حَقَّرَهُ الْحَقُّ مِمَّا عَظَّمَهُ الْغَافِلُونَ، وَالْآنَ قَدْ قَسَتِ الْقُلُوبُ وَنُسِيَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَاتَّخَذَ الْغَافِلُونَ رَثَاثَةَ الْهَيْئَةِ حِيلَةً عَلَى جَلْبِ الدُّنْيَا وَوَسِيلَةً إِلَى حُبِّ أَهْلِهَا فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ وَصَارَ مُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ مُتَّبِعًا لِرَسُولِهِ وَلِلسَّلَفِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الْعَارِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذُلِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ لِذِي رَثَاثَةٍ أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمَالَ هَيْئَتِهِ: يَا هَذَا هَيْئَتِي هَذِهِ تَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَهَيْئَتُكَ هَذِهِ تَقُولُ أَعْطُونِي مِنْ دُنْيَاكُمْ شَيْئًا لِلَّهِ. وَأَمَّا النَّقْشَبَنْدِيَّةُ فَعُمْدَةُ غَرَضِهِمُ التَّسَتُّرُ بِحَالِهِمْ وَالتَّبَاعُدُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِي أَفْعَالِهِمْ هَذِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وَلِهَذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ أَيْضًا مِنَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ وَأَكَلَ مِنَ اللَّذِيذَاتِ الطَّيِّبَةِ الطَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْبَذَاذَةَ وَظُهُورَ الْفَاقَةِ فِي أَحْوَالِهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى وَنَظَرًا إِلَى أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ أَسْلَمَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ فَرِيقٍ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» . وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَعَلَيْهِ أَطْمَارٌ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: ثَوْبٌ دُونٌ، فَقَالَ لَهُ: «هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟» فَقَالَ: نَعَمُ، فَقَالَ: «مِنْ أَيِ الْمَالِ؟» قَالَ: مِنْ كُلِّ مَا آتَى اللَّهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالشِّيَاهِ، فَقَالَ: «فَكَثِّرْ نِعْمَتَهُ وَكَرَامَتَهُ عَلَيْكَ» أَيْ فَأَظْهِرْ أَثَرَ نِعْمَتِهِ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ بِلِسَانِ الْقَالِ وَالْحَالِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَالْمَآلِ، قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ، وَفِي السُّنَنِ أَيْضًا: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» . أَيْ لِإِنْبَائِهِ عَنِ الْجَمَالِ الْبَاطِنِ وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَةِ، وَهَاهُنَا مَزْلَقَةٌ لِقَوْمٍ وَمَصْعَدَةٌ لِآخَرِينَ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ; حَيْثُ لَا بُدَّ لِلسَّالِكِ فِيهِمَا مِنْ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَإِخْلَاصِ تِلْكَ الطَّوِيَّةِ فَلَا يَلْبَسُ بِافْتِخَارٍ وَلَا يَتْرُكُ بُخْلًا وَاحْتِقَارًا، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» وَكَانَ ﷺ يَتَجَمَّلُ لِلْوُفُودِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اعْتِبَارَ بِالْجَمَالِ الظَّاهِرِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ وَالْمَدَارُ عَلَى طَهَارَةِ الْقُلُوبِ وَمَعْرِفَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ ; وَلِذَا وَرَدَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» . وَلَا يُنَافِي لُبْسُهُ لِهَذَيْنَ مَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيلٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لِمَا أَنَّهُ لَبِسَ بَعْدِ نَفْضِ الزَّعْفَرَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ. (وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَرْكُهَا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهَا لِمَا هُوَ فِيهِ، وَهِيَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيَّتَيْنِ قَدْ كَانَتَا بِزَعْفَرَانٍ فَنَفَضَتَا، وَبِيَدِهِ عَسِيبُ نَخْلَةِ، قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُ أَرْعَدْتُ مِنَ الْفَرَقِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّكِينَةُ» ، فَذَهَبَ عَنِّي مَا أَجِدُ مِنَ الرَّوْعِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَكَأَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى الْقِصَّةِ بِطُولِهَا الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِتَرْكِهَا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ حَيْثُ قَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَبِي عُمَرَ الْجُوَيْنِيِّ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةٌ وَدُحَيْبَةُ بِنْتَا عُلَيْبَةَ أَنَّ قَيْلَةَ بِنْتَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَتْهُمَا أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ حَبِيبِ بْنِ أَزْهَرَ أَخِي بَنِي خَبَّابٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ النِّسَاءَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَانْتَزَعَ بَنَاتِهَا مِنْهَا أَيُّوبُ بْنُ أَزْهَرَ عَمُّهُنَّ، فَخَرَجَتْ تَبْتَغِي الصَّحَابَةَ، أَيِ الْمُصَاحَبَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ. وَتَرَكْتُهُ لِأَنَّ النُّسْخَةَ كَانَتْ سَقِيمَةً وَمُصَحَّفَةً وَمُحَرَّفَةً جِدًّا بِحَيْثُ مَا كَانَ يُفْهَمُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعَ طُولِهِ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ وَرَقَتَيْنِ مَعَ شَرْحِ غَرِيبِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ فِي أَرْبَعَةِ أَوْرَاقٍ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْفَضْلِ) : بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ

стр. 120

خُثَيْمٍ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيْكُمْ) : اسْمُ فِعْلٍ، أَيْ خُذُوا مَعْشَرَ الْأُمَّةِ. (بِالْبَيَاضِ) : أَيِ الْبِيضِ. (مِنَ الثِّيَابِ) : أَيْ عَلَيْكُمْ بِلُبْسِ ذِي الْبَيَاضِ أَوِ الْأَبْيَضِ الْمُبَالِغِ فِي الْبَيَاضِ، حَتَّى كَأَنَّهُ عَيْنُ الْبَيَاضِ، كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ بَيَانُهُ بِقَوْلِهِ: مِنَ الثِّيَابِ. (لِيَلْبَسَهَا) : بِلَامِ الْأَمْرِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. (أَحْيَاؤُكُمْ) : أَيِ الْبَسُوهَا وَأَنْتُمْ أَحْيَاءٌ. (وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهَا) : أَيِ الْبِيضَ. (مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: «مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ» ، وَسَيَأْتِي تَعْلِيلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» ، قِيلَ إِنْ حُمِلَ «مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ» عَلَى ظَاهِرِهِ، فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ فَضْلِ الثِّيَابِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لَا تَرْجِيحُهَا عَلَى جَمِيعِ مَا عَدَاهَا مِنَ الثِّيَابِ، تَأَمَّلِ، انْتَهَى. وَهُوَ مَحَلُّ تَأْمُّلٍ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَقُلْ «خِيَارُ ثِيَابِكُمْ» ; لِأَنَّ الْخَيْرِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْبَيَاضِ فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْحِلْيَةِ وَالطَّهُورِيَّةِ وَالْخُلُوصِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّوْبِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادُ الْقَائِلَ بِالتَّأَمُّلِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ التَّبْعِيضِ أَنْ لَا يَلْزَمَ تَفْضِيلُهُ عَلَى الْأَخْضَرِ فَإِنَّهُ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْأَبْيَضِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَأَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَمْ يَقُلْ «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ» لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْضِيلُهُ عَلَى الْأَصْفَرِ، فَغَلَطٌ فَاحِشٌ ; لِأَنَّ الْأَصْفَرَ لَا فَضْلَ لَهُ الْبَتَّةَ بَلِ الْمُزَعْفَرُ وَالْمُعَصْفَرُ حَرَامٌ كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْأَصْفَرَ كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ عِنْدَهُ، لَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا زَعَمَهُ ; لِأَنَّ هَذَا بِفَرْضِ صِحَّتِهِ يَكُونُ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْفَرِ الْمَنْفُوضِ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) : قِيلَ اسْمُهُ قَيْسٌ، وَقِيلَ هِنْدُ بْنُ دِينَارٍ. (عَنْ مَيْمُونَ بْنِ أَبِي شَيْبٍ) : بِالْمُعْجَمَةِ عَلَى زِنَةِ حَبِيبٍ. (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَتُفْتَحُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ) : أَيْ لَا دَنَسَ وَلَا وَسَخَ فِيهَا، قَالَ مِيرَكُ: لِأَنَّ الْأَبْيَضَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ الصِّبْغُ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَنَجَّسُ بِالتَّلَطُّخِ وَمُلَاقَاتِهِ شَيْئًا نَجِسًا، إِذِ الثِّيَابُ الْكَثِيرَةُ إِذَا أُلْقِيَتْ فِي الصَّبْغِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبٌ نَجِسٌ بَيْنَ الثِّيَابِ فَيَتَنَجَّسُ الصِّبْغُ، فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُصْبَغَ الثَّوْبُ، وَلِأَنَّ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ إِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَظْهَرُ مِثْلَ ظُهُورِهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي ثَوْبٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ أَظْهَرُ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ كَانَ هُوَ مِنْ غَيْرِهِ أَطْهَرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ الْبِيضَ أَكْثَرُ تَأَثُّرًا مِنَ الثِّيَابِ الْمُلَوَّنَةِ فَيَكُونُ أَكْثَرُ غَسْلًا فَيَكُونُ أَكْثَرَ طَهَارَةً. (وَأَطْيَبُ) : مَأْخُوذٌ مِنَ

стр. 121

الطِّيبِ أَوِ الطَّيِّبِ لِدَلَالَتِهِ غَالِبًا عَلَى التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَحْسَنَ لِبَقَائِهِ عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) ، وَتَرْكُ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ أَحْسَنُ إِلَّا إِذَا جَاءَ نَصٌّ بِاسْتِحْبَابِ تَغْيِيرِهِ كَخِضَابِ الْمَرْأَةِ يَدَهَا بِالْحِنَّاءِ، وَإِلَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَرَضٌ مُبَاحٌ أَوْ ضَرُورَةٌ كَمَا اخْتَارَ الْأَزْرَقَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ لِقِلَّةِ مُؤْنَةِ غَسِيلِهِ وَرِعَايَةِ حَالِهِ، وَقِيلَ: أَطْهَرُ لِأَنَّهَا تُغْسَلُ مِنْ غَيْرِ مَخَافَةٍ عَلَى ذَهَابِ لَوْنِهَا، وَأَطْيَبُ أَيْ أَلَذُّ لِأَنَّ لَذَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي طَهَارَةِ ثَوْبِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ مِنَ الرَّكَاكَةِ مَا لَا يَخْفَى. فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَفَاءِ مَعَ ظُهُورِ الْخَفَاءِ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ كَرَامَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى اللَّهِ نَقَاؤُهُ ثَوْبَهُ وَرِضَاهُ بِالْيَسِيرِ، انْتَهَى. وَمَعْنَاهُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الثِّيَابِ أَوْ بِالْقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةُ بِالْبَلَاغِ إِلَى الْعُقْبَى، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ رَأَى رِجْلًا وَسِخَةً ثِيَابُهُ فَقَالَ: «أَمَا وَجَدَ هَذَا شَيْئًا يُنَقِّي بِهِ ثِيَابَهُ» . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَطْيَبَ أَنَّهُ كُلَّمَا يُغْسَلُ الْأَبْيَضُ يَكُونُ أَطْهَرَ، وَأَطْيَبُ بِمَعْنَى أَحْسَنَ وَأَلَذُّ، بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَطْيَبَ أَحَلُّ، فَفِي النِّهَايَةِ أَكْثَرُ مَا يَرِدُ الطَّيِّبُ بِمَعْنَى الْحَلَالِ كَمَا أَنَّ الْخَبِيثَ بِمَعْنَى الْحَرَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهُ عَطْفُ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مُبَالَغَةً، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْعَطْفَ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ فَتَقْدِيرُهُ عَلَى التَّأْكِيدِ مَمْنُوعٌ. (وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) : وَلَعَلَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ الْخَفِيَّةَ إِلَى أَنَّ أَطْيَبِيَّةَ لُبْسِ الْبَيَاضِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَكُونُ لِتَذَكُّرِ لُبْسِ أَهْلِ الْعُقْبَى وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ مَآلَهُ إِلَى الْخَلَاقَةِ وَالْبِلَى فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَكَلَّفَ وَيَتَحَمَّلَ فِي تَحْصِيلِهِ الْبَلَاءَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «إِنَّ أَحْسَنَ مَا زُرْتُمُ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمُ الْبَيَاضُ» . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ وَالْغِفَارِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَبَاقِي رِجَالِهِ ثِقَاتٌ، انْتَهَى. فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا بِالْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْبَيَاضِ، يَعْنِي التَّوْحِيدَ الْجِبِلِّيَّ بِحَيْثُ لَوْ خُلِّيَ وَطَبْعَهُ لَاخْتَارَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ، وَإِنَّمَا يُغَيِّرُهُ الْعَوَارِضُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» . بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ الْغَالِبِ عَلَى عَامَّةِ الْأُمَّةِ، (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى طَهَارَةِ بَاطِنِهِ مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْعَدَاوَةِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوِ الْحُكْمِيَّةُ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ وَأَنَّ لِنَظَافَةِ الظَّاهِرِ وَطَهَارَتِهِ وَتَزْيِينِهِ تَأْثِيرًا بَلِيغًا فِي أَمْرِ الْبَاطِنِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ أَطْيَبَ بِأَحْسَنَ، وَفِي إِطْلَاقِ أَحْسَنَ إِشْعَارٌ بِزِيَادَةِ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ «مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ» ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيَاضَ أَفْضَلُ فِي الْكَفَنِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِصَدَدِ مُوَاجَهَةِ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا أَنَّ لُبْسَهُ أَفْضَلُ لِمَنْ يَحْضُرُ الْمَحَافِلَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَمُلَاقَاةِ الْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْعِيدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ فِيهِ مَا يَكُونُ أَرْفَعَ قِيمَةً نَظَرًا إِلَى إِظْهَارِ مَزِيدِ النِّعْمَةِ وَآثَارِ الزِّينَةِ وَمَزِيَّةِ الْمِنَّةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَاعْلَمْ أَنَّ وَجْهَ دُخُولِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ لِبَاسِهِ ﷺ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ﵇ لَبِسَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ، لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ أَمْرِهِ بِلُبْسِ الْبَيَاضِ وَتَرْغِيبِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُهُ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَيْثُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ. (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا) : بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ. (بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) : اسْمُهُ خَالِدٌ، وَيُقَالُ هُبَيْرَةُ، بِالتَّصْغِيرِ. (أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ) : قِيلَ: كَلِمَةُ ذَاتٍ مُقْحَمَةٌ، وَفَائِدَتُهَا دَفْعُ مَجَازِ الْمُشَارَفَةِ، وَقِيلَ: ذَاتُ الشَّيْءِ نَفْسُهُ وَحَقِيقَتُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَيْ خَرَجَ غَدَاةً أَيْ بُكْرَةً، فَإِنَّ الْعَرَبَ يَسْتَعْمِلُونَ ذَاتَ يَوْمٍ وَذَاتَ لَيْلَةٍ وَيُرِيدُونَ حَقِيقَةَ

стр. 122

الْمُضَافِ إِلَيْهِ نَفْسِهِ. (وَعَلَيْهِ مِرْطٌ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ كِسَاءٌ طَوِيلٌ وَاسِعٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ كَتَّانٍ يُؤْتَزَرُ بِهِ، وَلِذَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ شَعْرٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «مَرْطٌ» ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُ مَجْرُورٌ لِكَوْنِهِ صِفَةُ شَعْرٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «خَرَجَ» ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اشْتَمَلَ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ، خِلَافًا لَمَنْ وَهِمَ فِيهِ، انْتَهَى. لَكِنْ نَسَبَهُ مِيرَكُ إِلَى الْجَزَرِيِّ وَهُوَ إِمَامٌ فِي النَّقْلِ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتَزِرُ بِهِ وَيُلْقِي بَعْضَهُ عَلَى الْكَتِفَيْنِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ أَنَّ لِلْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ بَلْ نَقْلٌ مُسْتَقِلٌّ وَصَلَ إِلَيْهِ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ: كَانَ لَهُ ﷺ كِسَاءٌ مُلَبَّدٌ يَلْبَسُهُ، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ أَلْبَسُ كَمَا يَلْبَسُ الْعَبْدُ» . قَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ مُسْلِمًا وَأَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَا هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: خَرَجَ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ مُرَجَّلٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ. وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ وُجُوهٌ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قُيِّدَ بِهِ لِكَوْنِهِ لُبْسَ الرِّجَالِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فِيهِ صُوَرَ الرِّجَالِ، وَلَا يَصِحُّ، وَالثَّالِثُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَعْنِي عَلَيْهِ صُوَرُ الْمَرَاجِلِ أَيِ الْقُدُورِ، وَاحِدُهَا مِرْجَلٌ. وَضَبَطَهُ الْأَكْثَرُونَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُتْقِنُونَ، وَمَعْنَاهُ الْمُوَشَّى الْمَنْقُوشُ عَلَيْهِ صُوَرُ الرِّحَالِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ صُوَرُ الْحَيَوَانِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْوَشْيُ نَقْشُ الثَّوْبِ. وَكَذَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ ; إِذِ الْأَرْحَلُ مِنَ الْخَيْلِ هُوَ الْأَبْيَضُ الظَّهْرِ وَمِنَ الْغَنَمِ الْأَسْوَدُ الظَّهْرِ فَكَأَنَّهُ كَانَ مُوَشًّى أَيْ مَنْقُوشًا، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى مَا كَانَ يَلْبَسُهُ. أَقُولُ فَوَصْفُهَا بِالْأَسْوَدِ لِأَجْلِ أَنَّ السَّوَادَ فِيهِ أَغْلَبُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِمَا مِنَ الزِّيَادَةِ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخِلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) . (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَاسْمُهُ) : عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّبِيعِيِّ، وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ أَبِي إِسْحَاقَ. (عَنِ الشَّعْبِيِّ) : بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ) : أَيِ الْمُغِيرَةِ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ جُبَّةً) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، قِيلَ: هِيَ ثَوْبَانِ بَيْنَهُمَا قُطْنٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ صُوفٍ فَقَدْ تَكُونُ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مَحْشُوَّةٍ، وَقَدْ قِيلَ: جُبَّةُ الْبُرْدِ جُنَّةُ الْبُرْدِ. (رُومِيَّةً) : قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ، لَكِنَ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا جُبَّةً شَامِيَّةً، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، انْتَهَى. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الشَّامَ حِينَئِذٍ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَكَأَنَّهُمَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْمِلْكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نِسْبَةُ هَيْئَتِهَا الْمُعْتَادِ لُبْسِهَا إِلَى إِحْدَاهُمَا وَنِسْبَةُ خِيَاطَتِهَا إِلَى

стр. 123

الْأُخْرَى. (ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ) : وَهَذَا كَانَ فِي سَفَرٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سِفْرٍ فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الْإِدَاوَةَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى: فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ بَدَنِهِ. بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَالْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، أَيْ جُبَّتِهِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الْبَدَنُ بِفَتْحَتَيْنِ، دِرْعٌ قَصِيرَةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ. زَادَ مُسْلِمٌ: وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى وَجَدَ النَّاسُ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; فَصَلَّى بِهِمْ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صِلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ. وَفِي أُخْرَى: قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعْهُ» . كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ الِانْتِفَاعُ بِثِيَابِ الْكُفْرِ حَتَّى يُتَحَقَّقُ نَجَاسَتُهَا ; لِأَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْجُبَّةَ الرُّومِيَّةَ، وَلَمْ يَتَفَصَّلْ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى أَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ شَامِيَّةً وَكَانَتِ الشَّامُ إِذَا ذَاكَ دَارُ كُفْرٍ، وَمِنْهَا جَوَازُ لُبْسِ الصُّوفِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ لُبْسَهُ لِمَنْ يَجِدُ غَيْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ بِالزُّهْدِ ; لِأَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ أَوْلَى، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّوَاضُعُ فِي لُبْسِهِ بَلْ فِي الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ بِدُونِ ثَمَنِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ فِيهِ: نَدْبُ اتِّخَاذِ ضَيِّقِ الْكَمِّ فِي السَّفَرِ لَا فِي الْحَضَرِ ; لِأَنَّ أَكْمَامَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَتْ وَاسِعَةً. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَحَرَّاهَا لِلسَّفَرِ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَبِسَهَا لِلدِّفَاءِ مِنَ الْبَرْدِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ اتِّسَاعِ الْأَكْمَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ الْأَكْمَامَ جَمْعُ كُمٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ جُمَعُ كُمَّةٍ، وَهِيَ مَا يُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، فَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ: مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ اتِّسَاعُ الْكُمَّينِ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى السِّعَةِ الْمُفْرِطَةِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ بَلْ مُتَعَيَّنٌ، وَلِذَا قَالَ فِي النُّتَفِ مِنْ كُتِبِ أَئِمَّتِنَا: يُسْتَحَبُّ اتِّسَاعُ الْكُمِّ قَدْرَ شِبْرٍ. . . (بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 124

اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا هَذَا الْبَابَ الصَّغِيرَ فِي عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ بَعْدَ بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَابٌ طَوِيلٌ فِي بَيَانِ عَيْشِهِ ﷺ ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَاهُنَا ذَاكَ الْبَابُ الطَّوِيلُ فِي عَيْشِهِ ﷺ ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ فِي أُصُولِ مَشَايِخِنَا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إِيرَادُ بَابِ الْعَيْشِ بَيْنَ بَابِ اللِّبَاسِ وَبَابِ الْخُفِّ غَيْرُ مُلَائِمٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ نَسْخِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَتَبَهُ الْفَقِيرُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ الْحُسَيْنِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، كَذَا وَجَدَتْهُ بِخَطِّ مِيرَكَ شَاهْ عَلَى هَامِشِ نُسْخَةٍ فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الطَّوِيلُ بَعْدَ الْقَصِيرِ، وَيَتَّجِهُ عَلَى كِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ أَنَّ جَعْلَهُمَا بَابَيْنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَأْتِي هَذَا الْبَابُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حِكْمَةِ ذَلِكَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَبْدَى لِذَلِكَ مَا لَا يُجْدِي، وَقَالَ: هُنَاكَ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ فِيمَا مَرَّ عَلَى مَا فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، ثُمَّ أَعَادَهُ هَاهُنَا بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ أَخْرَجَتْهُ عَنِ التَّكْرَارِ الْمَحْضِ، ثُمَّ أَطَالَ بِكَلَامٍ خَارِجٍ عَنِ الْمَرَامِ مَعَ التَّنْجِيحِ الزَّائِدِ فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ عَيْشِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَعَ ضِيقِ عَيْشِهِ ﷺ فِي كُلِّ بَابٍ، وَأَحَادِيثُ ذَاكَ الْبَابِ دَالَّةٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي ضِيقِ عَيْشِهِ الْمَخْصُوصِ بِهِ وَبِأَهْلِ بَيْتِهِ ﷺ ، أَوْ هَذَا الْبَابُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ عَيْشِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَذَاكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى آخِرِ أَمْرِهِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِوَاءِ حَالَيْهِ فِي اخْتِيَارِهِ ﷺ أَوِ اخْتِيَارِهِ تَعَالَى لَهُ الطَّرِيقَ الْمُخْتَارَ مِنَ الْفَقْرِ وَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالرِّضَا فِي الدَّارِ الْغَدَّارِ ; إِذْ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَابَيْنِ مُخْتَلِفٌ فَلَا تَكْرَارَ فِي الْمَعْنَى، فَلَا يُنْظَرُ إِلَى الْمَبْنَى ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مُشْتَمِلًا عَلَى تَوَسُّعِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ حَتَّى لَبِسَ مِثْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ مِنَ الْكَتَّانِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ اللِّبَاسِ مُقَدَّمًا عَلَى بَابِ الْخُفِّ، هَذَا وَالْعَيْشُ: الْحَيَاةُ، وَمَا يَكُونُ بِهِ الْحَيَاةُ مِثْلُ الْمَعِيشَةِ وَفِي الْمَثَلِ: عَيْشٌ مَرَّةً وَجَيْشٌ مَرَّةً ; مَثَلٌ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، كَذَا فِي تَاجِ الْأَسَامِي. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) : أَيِ السِّخْتِيَانَيُّ، نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ السِّخْتِيَانِ أَيِ الْجُلُودِ أَوْ عَمَلِهَا. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) : بِكَسْرِ السِّينِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَبِفَتْحِ النُّونِ عَلَى ضَبْطٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، قَالَ الْعِصَامُ: الظَّاهِرُ أَنَّ سِيرِينَ كَغِسْلِينَ، وَأَنَّهُ مُصَرَّفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعَلَمِيَّةُ لَكِنْ قُيِّدَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالْفَتْحَةِ، وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إِذِ الْعُجْمَةُ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، قُلْتُ بِوَجْهٍ بِمَا قَالَ الْجَعْبَرِيُّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّ مُطْلِقَ الْمَزِيدَتَيْنِ كَغَلْبُونَ وَنَحْوِهِ عِلَّةٌ لِمَنْعِ الصَّرْفِ مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي لَا مِنَ الْعَرَبِ، فَلَا بِدَعَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْعُجْمَةُ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ سِيرِينَ أُمُّهُ فَيَكُونُ فِيهِ عِلَّتَانِ التَّأْنِيثُ وَالْعِلْمِيَّةُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ هُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، مَشْهُورٌ، إِمَامٌ فِي عِلْمِ التَّعْبِيرِ وَغَيْرِهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ، وَهُوَ مِنْ مَوَالِي أَنَسٍ كَاتَبَهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا فَأَدَّاهَا وَعُتِقَ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ نُجَبَاءُ مُحَدِّثُونَ وَهُمْ: مُحَمَّدٌ وَمَعْبَدٌ وَأُنَيْسٌ وَيَحْيَى وَحَفْصَةُ وَكَرِيمَةُ، وَمِنْ نَوَادِرِ الْأَسَانِيدِ: رَوَى مُحَمَّدُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أُنَيْسٍ، حَيْثُ وَقَعَ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةُ أُخُوَّةٍ. (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ) : أَيْ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ أَوْ ثَوْبَانِ آخَرَانِ. (مُمَشَّقَانِ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُثَقَّلَةِ، أَيْ مَصْبُوغَانِ بِالْمِشْقِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَحْمَرُ، قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقِيلَ هُوَ الْمِغْرَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، قِيلَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ فَلَا إِشْكَالَ، انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحُمْرَةِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَالْمَصْبُوغُ بِالطِّينِ الْأَحْمَرِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الشَّأْنُ. (مِنْ كَتَّانٍ) : بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، بَيَانٌ لَثَوْبَانِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (فَتَمَخَّطَ) : أَيِ اسْتَنْثَرَ وَطَهَّرَ أَنْفَهُ. (فِي أَحَدِهِمَا) : وَمِنْهُ الْمُخَاطُ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ. (فَقَالَ) : أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ. (بَخْ بَخْ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا مُنَوَّنَةً، فِي النِّهَايَةِ: هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الْفَرَحِ وَالرِّضَاءِ بِالشَّيْءِ وَتُكَرَّرُ لِلْمُبَالَغَةِ،

стр. 125

وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ فَإِنْ وُصِلَتْ خُفِضَتْ وَنُوِّنَتْ وَرُبَّمَا شُدِّدَتْ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ، وَإِذَا كُرِّرَتْ فَالِاخْتِيَارُ تَحْرِيكُ الْأَوَّلِ وَإِسْكَانُ الثَّانِي. يَعْنِي إِمَّا رُجُوعًا إِلَى الْأَصْلِ أَوْ مَرْعَاةً لِلْوَقْفِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: مَعْنَاهُ تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمُهُ، وَسُكِّنَتِ الْخَاءُ كَسُكُونِ اللَّامِ فِي بَلْ وَهَلْ، مَنْ قَالَ «بَخٍّ» بِكَسْرِهِ مُنَوَّنًا فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَصْوَاتِ كَصَهٍ وَمَهٍ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: بَخْ بَخْ وَبِهْ وَبِهْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ بَخْ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَبِتَنْوِينِهَا مَكْسُورَةً، وَحَكَى الْقَاضِي الْكَسْرَ بِلَا تَنْوِينٍ، وَحَكَى: الْأَحْمَرُ التَّشْدِيدَ فِيهِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِيهَا لُغَاتٌ: إِسْكَانُ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا تَنْوِينًا وَبِغَيْرِ تَنْوِينِ الْأُولَى وَتَسْكِينِ الثَّانِيَةِ، وَمَعْنَاهَا تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَالْإِعْجَابُ بِهِ وَالْمَدْحُ لَهُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا التَّعَجُّبُ وَالِاسْتِغْرَابُ لِقَوْلِهِ: (يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَّانِ) : قَالَ الْعِصَامُ: اسْتِئْنَافٌ أُجِيبَ بِهِ عَنْهُ السُّؤَالُ عَنْ جِهَةِ التَّعَجُّبِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةٌ فِي الْكَلَامِ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَخٍ لِلْإِنْكَارِ، وَفِي صِحَّتِهِ هُنَا نَظَرٌ، انْتَهَى. إِذْ صِحَّةُ الْإِنْكَارِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ) : وَاللَّامُ فِي جَوَابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ (رَأَيْتُنِي) : وَإِنَّمَا اتَّصَلَ الضَّمِيرَانِ وَهُمَا لِوَاحِدٍ حَمْلًا لِرَأَى الْبَصْرِيَّةِ عَلَى الْقَلْبِيَّةِ فَإِنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ضَمِيرَيْنِ وَمُتَّصِلَيْنِ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، أَيْ عَلِمْتُنِي لَا رَأَيْتُ نَفْسِيِّ، وَبِتَقْرِيرِنَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْقَسَمِيَّةَ بَيَانِيَّةٌ وَاسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ أَنَّ اللَّامَ لِلْقَسَمِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ بِتَقْدِيرِ الْقِصَّةِ لِيَتَّحِدَ زَمَانُ الْحَالِ وَعَامِلُهُ. (وَإِنِّي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ رَأَيْتُ. (لَأَخِرُّ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُرُورِ أَيْ أَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ السَّاجِدِ. (فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ : إِشَارَةً إِلَى مَوْضِعِ الْأَحْبَابِ الْأَصْحَابِ مِنْ غَيْرِ خَفَاءٍ وَاحْتِجَاجٍ. (مَغْشِيًّا عَلِيَّ) : أَيْ مِنْ غَلَبَةِ الْجُوعِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «أَخِرُّ» أَيْ مُسْتَوْلِيًا عَلَيَّ الْغِشِّيُ. (فَيَجِيءُ الْجَائِي) : أَيِ الْوَاحِدُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. (فَيَضَعُ رِجْلَهُ) : أَيْ قَدَمَهُ. (عَلَى عُنُقِي) : لِيَسْكُنَ اضْطِرَابِي وَقَلَقِي، أَخْبَرَ عَنِ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، أَعْنِي: أَخِرُّ وَيَجِيءُ وَيَضَعُ ; اسْتِحْضَارًا لِلصُّوَرِ الْوَاقِعَةِ. (يُرَى) : بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ أَيْ يَظُنُّ الْجَائِي. (أَنَّ بِي جُنُونًا) : أَيْ نَوْعًا مِنَ الْجُنُونِ وَهُوَ الصَّرَعُ. (وَمَا بِي جُنُونٌ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنْ لَيْسَ بِي مَرَضُ الْجُنُونِ. (وَمَا هُوَ) : أَيْ مَا هُوَ بِي وَيَعْنِي مَا الَّذِي بِي. (إِلَّا الْجُوعُ) : أَيْ أَثَرُهُ وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَيَّ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيُغْشَى عَلَيَّ فِيمَا بَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مِنَ الْجُوعِ. وَلَا مُنَافَاةَ لِوُقُوعِ التَّعَدُّدِ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ: فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمًا فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً، فَذَكَرَهَا، قَالَ: فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي. وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُشْبِعَ بَطْنِي، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصَى مِنَ الْجُوعِ، وَإِنِّي كُنْتُ أَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ وَهِيَ مَعِي كَيْ يَفْطَنَ بِي وَيُطْعِمَنِي. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَكُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَبَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: يَا أَسْمَاءُ أَطْعِمِينَا، فَإِذَا أَطْعَمَتْنَا أَجَابَنِي. قَالَ: وَكَانَ جَعْفَرُ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ قَالَ: أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَطْعَمْ فَجِئْتُ أُرِيدُ الصُّفَّةَ، فَجَعَلْتُ أَسْقُطُ فَجَعَلَ الصِّبْيَانُ يَقُولُونَ جُنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الصُّفَّةِ فَوَافَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةِ ثَرِيدٍ فَدَعَا عَلَيْهَا أَهْلَ الصُّفَّةِ وَهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْهَا، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ كَيْ يَدْعُوَنِي حَتَّى قَامُوا وَلَيْسَ فِي الْقَصْعَةِ إِلَّا شَيْءٌ فِي نَوَاحِيهَا، فَجَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَارَتْ لُقْمَةً فَوَضَعَهَا عَلَى أَصَابِعِهِ فَقَالَ لِي: «كُلْ بَاسِمِ اللَّهِ» ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا زِلْتُ آكُلُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعْتُ. وَوَجْهُ إِيرَادِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ فَقْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 126

وَتَحَقُّقُ عُسْرَتِهِ فِي أَيَّامِ عِشْرَتِهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ فِي أُمُورِ مَعِيشَتِهِ لَمْ تَكُنْ أَحْوَالُ أَهْلِ الصُّفَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَضْيَافَ النَّبِيِّ ﷺ وَجِيرَانَهُ وَكَانَ اهْتِمَامُهُ بِحَالِهِمْ فِي أَقْصَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَحْوَالِ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي ضُبَيْعَةَ كَجُهَيْنَةَ، كَذَا فِي الْأَنْسَابِ لِلسَّمْعَانِيِّ، فَمَا فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةِ ضَبْعٍ كَأَنَّهُ سَهْوٌ، وَجَعْفَرٌ صَدُوقٌ زَاهِدٌ، لَكِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى التَّشْيِيعِ. (عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ) : هُوَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ وَزُهَّادِهِمْ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، قَالَ مِيرَكُ: بَلْ مُعْضَلٌ ; لِأَنَّ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا لَكِنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ; وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَيْضًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: لَمْ يَشْبَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَخْ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَأَصْحَابُ الْغَرِيبِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَيْشِ الطَّوِيلِ. (قَالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزٍ) : التَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ فَهُوَ شَامِلٌ لِعَيْشِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. (قَطُّ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ مِيرَكُ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُهَا مُخَفَّفَةً وَيَبْنِيهَا عَلَى أَصْلِهَا، أَوْ يَضُمُّ آخِرَهَا، أَوْ يُتْبِعُ الضَّمَّةَ الضَّمَّةَ أَيْ أَبَدًا. (وَلَحْمٍ) : أَيْ وَمِنْ لَحْمٍ، كَذَلِكَ قَالَ مِيرَكُ: الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَفِي نُسْخَةٍ «وَلَا لَحْمٍ» بِزِيَادَةِ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. (إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ) : بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْأُولَى. قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَقِيلَ مُتَّصِلٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُفَرَّغٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الدَّهْرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ «قَطُّ» ، انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، وَكَذَا مَا شَبِعَ مِنْ لَحْمٍ أَصْلًا إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، فَفِي الْكَلَامِ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْيَانِ وَاسْتِثْنَاءَانِ، وَقَدْ يُقَالُ: مَعْنَاهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ قَطُّ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ تَقْدِيمُ «قَطُّ» عَلَى قَوْلِهِ «وَلَا لَحْمٍ» ، وَسَيَجِيءُ فِي الْبَابِ الطَّوِيلِ فِي عَيْشِهِ ﷺ ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَذَاءٌ وَلَا عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ. وَهُوَ يُلَائِمُ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ وَلَا يُنَافِي الْمَعْنَى الْأَوَّلَ فَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ، فَتَأَمَّلْ. (قَالَ مَالِكٌ) : أَيِ ابْنُ دِينَارٍ. (سَأَلْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) : لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِاللُّغَاتِ الْغَرِيبَةِ. (مَا الضَّفَفُ؟ فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ «قَالَ» . (أَنْ يُتَنَاوَلَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ، أَيْ يُسْتَعْمَلُ الْأَكْلُ. (مَعَ النَّاسِ) : فَمَعْنَى الْخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِذَا أَكَلَ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ شِبَعَ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مَعَ النَّاسِ، وَهَذَا عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ مَعَ الْأَضْيَافِ أَوْ فِي الضِّيَافَاتِ وَالْوَلَائِمِ وَالْعَقَائِقِ، وَالْمُرَادُ بِالشِّبَعِ لَهُ ﷺ أَكْلُهُ مِلْءَ ثُلْثَيْ بَطْنِهِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ مِلْءَ الْبَطْنِ قَطُّ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الضَّفَفُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، أَيْ لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُمَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا عَلَى حَالِ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الشِّبَعُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِ التَّنَعُّمِ وَالرَّفَاهِيَةِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، وَرَوِيَ حَفَفٍ شَظَفٍ، الثَّلَاثَةُ فِي مَعْنَى ضِيقِ الْمَعِيشَةِ وَقِلَّتِهَا وَغِلْظَتِهَا، يُقَالُ: أَصَابَهَا حَفَفٌ وَحُفُوفٌ وَحَفَّتِ الْأَرْضُ إِذَا يَبِسَ نَبَاتُهَا، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَيْشِ ضَفَفٌ أَيْ شِدَّةٌ، وَفِي رَأْيِ فُلَانٍ ضَفَفٌ أَيْ ضَعْفٌ، وَمَا رُئِيَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ حَفَفٌ وَلَا ضَفَفٌ أَيْ أَثَرُ عَوَزٍ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ إِلَّا وَالْحَالُ خِلَافُ الْخِصْبِ وَالرَّخَاءُ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اجْتِمَاعُ الْأَيْدِي وَكَثْرَةُ الْآكِلِينَ، أَيْ لَمْ يَأْكُلْ وَحْدَهُ وَلَكِنْ مَعَ النَّاسِ، وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: الضَّفَفُ كَثْرَةُ الْعِيَالِ، وَقَوْلُهُمْ لَا ضَفَفَ يَشْغَلُهُ وَلَا ثِقَلَ أَيْ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ حَجِّهِ وَنُسُكِهِ عِيَالٌ وَلَا مَتَاعٌ، كَذَا وَجَدْتُّهُ بِخَطِّ مِيرَكَ شَاهْ ﵀ وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي شَرْحِهِ. (بَابُ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 127

(حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَمَّ دَلْهَمَ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَفَتْحِ هَاءٍ. (بْنِ صَالِحٍ) : أَيِ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ. (عَنْ حُجَيْرٍ) : بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ يَاءٍ فِي آخِرِهِ رَاءٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ابْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْأَوَّلُ غَلَطٌ فَاحِشٌ عَنْ نُسَخِ الْكِتَابِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. قُلْتُ: قَدْ يُوَجِّهُ بِأَنَّهُ كُنْيَتُهُ. (عَنْ أَبِيهِ) : وَهُوَ بِرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ. (أَنَّ النَّجَاشِيَّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتُكْسَرُ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتُشَدَّدُ، وَأَمَّا تَشْدِيدُ الْجِيمِ فَخَطَأٌ. وَهُوَ لَقَبُ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ كَالتُّبَّعِ لِلْيَمَنِ، وَكِسْرَى لِلْفُرْسِ، وَقَيْصَرَ لِلرُّومِ وَالشَّامِ، وَهِرَقْلَ لِلشَّأْمِ فَحَسْبُ، وَفِرْعَوْنُ لِمِصْرَ. وَهَذِهِ أَلْقَابٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَاسْمُ هَذَا النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةُ، بِالصَّادِّ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالسِّينُ تَصْحِيفُ ابْنِ حَجَرٍ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، وَكُتُبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ بِمَوْتِهِ، وَصَلَّى مَعَهُمْ عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، قَالَ مِيرَكُ: أَفَادَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ النَّجَاشِيَ بِسُكُونِ الْيَاءِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ لَا يَاءُ النِّسْبَةِ. وَحَكَى غَيْرُهُ تَشْدِيدَ الْيَاءِ أَيْضًا، وَحَكَى ابْنُ دِحْيَةَ كَسْرَ نُونِهِ أَيْضًا كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَسْرُ النُّونِ أَفْصَحُ غَيْرُ صَحِيحٍ. (أَهْدَى) : أَيْ أَرْسَلَ بِطَرِيقِ الْهَدِيَّةِ. (لِلنَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «إِلَى النَّبِيِّ» . ﷺ : وَاسْتِعْمَالُ أَهْدَى بِإِلَى وَاللَّامِ شَائِعٌ سَائِغٌ، فَفِي الصِّحَاحِ: الْهَدِيَّةُ وَاحِدَةُ الْهَدَايَا، يُقَالُ أَهْدَيْتُ لَهُ وَإِلَيْهِ بِمَعْنًى. (خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ) : بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، مُعَرَّبُ سَادَةٍ، بِالْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ غَيْرِ مَنْقُوشَيْنِ إِمَّا بِالْخِيَاطَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، أَوْ شِيةَ فِيهِمَا تُخَالِفُ لَوْنَهُمَا، أَوْ مُجَرَّدَيْنِ عَنِ الشَّعْرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ. (فَلَبِسَهُمَا) : أَيْ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ أَيْ بِلَا تَرَاخٍ، فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ. (ثُمَّ تَوَضَّأَ) : أَيْ بَعْدَ مَا أَحْدَثَ. (وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ طَرِيقِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ دَلْهَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِكَ وَهِيَ عَلَى دِينِكَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَهْدَيْتُكَ هَدِيَّةً جَامِعَةً قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ وَعِطَافًا وَخُفَّيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ رَاوِيهِ عَنِ الْهَيْثَمِ، قُلْتُ لِلْهَيْثَمِ: مَا الْعِطَافُ؟ قَالَ الطَّيْلَسَانُ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكِرِيَاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ فِي آخِرِهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. (قَالَ) : أَيِ الشَّعْبِيُّ. (قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَهْدَى دِحْيَةَ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا:

стр. 128

بِالْفَتْحِ، ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ ذُو جَمَالٍ حَتَّى كَانَ يَأْتِي جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فِي صُورَتِهِ كَثِيرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (لِلنَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ «إِلَى النَّبِيِّ» . ﷺ خُفَّيْنِ فَلَبِسَهُمَا، وَقَالَ إِسْرَائِيلُ) : هُوَ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ مُعَلَّقٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ شَيْخِهِ قُتَيْبَةَ فَلَا يَكُونُ مُعَلِّقًا، وَقَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِيَحْيَى فَيَكُونُ عَطْفًا بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، انْتَهَى. (عَنْ جَابِرٍ) : أَيِ الْجُعْفِيِّ. (عَنْ عَامِرٍ) : هُوَ الشَّعْبِيُّ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبْلُ. (وَجُبَّةً) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى خُفَّيْنِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَحْيَى رَوَى قِصَّةَ إِهْدَاءِ الْخُفَّيْنِ فَقَطْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَرَوَى قِصَّةَ إِهْدَاءِ الْخُفَّيْنِ مَعَ الْجُبَّةِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيقًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ وَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ مُرَادًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِظُهُورِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ «وَجُبَّةً» بِطَرِيقِ الْعَطْفِ، تَأَمَّلْ، وَلَمْ أَرَ مَنْ خَرَّجَ الْحَدِيثَ غَيْرَ الْمُؤَلِّفِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ بِلَا تَفَاوُتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ ; لِأَنَّ جَابِرًا شَيْخَ إِسْرَائِيلَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النُّقَّادِ كَمَا تَقَدَّمَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ مُخَرَّجًا فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي الشَّيْخِ ابْنِ حِبَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ هَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَارِمٍ عَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً مِنَ الشَّامِ وَخُفَّيْنِ. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ تَقْوِيَةُ احْتِمَالِ التَّعْلِيقِ وَالْإِرْسَالِ. (فَلَبِسَهُمَا) : أَيِ الْخُفَّيْنِ وَالْجُبَّةَ. (حَتَّى تَخَرَّقَا) : أَيْ تَقَطَّعَا، وَثَنَّى الضَّمِيرَ لِأَنَّ الْخُفَّيْنِ مَلْبُوسٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ فَلَبِسَ الْمَلْبُوسَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَيُرَادُ حِينَئِذٍ بِالْجُبَّةِ نَوْعٌ نَفِيسٌ مِنَ الْفَرْوِ كَمَا يَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْخُفَّيْنِ فَقَطْ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: (لَا يَدْرِي) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ لَا يَعْلَمُ. (النَّبِيُّ ﷺ أَذُكِّيَ) : أَيْ أَمَذْبُوحٌ أَيْ تَذْكِيَةً شَرْعِيَّةً. (هُمَا) : أَيِ الْخُفَّيْنِ، يَعْنِي أَصْلَهُمَا، وَهُوَ فَاعِلُ «ذُكِّيَ» سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ مِثْلَ أَقَائِمٌ الزَّيْدَانِ. (أَمْ لَا) : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الشَّيْخِ: فَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَذَكِيَّانِ هُمَا أَمْ مَيْتَةٌ حَتَّى تَخَرَّقَا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْخُفَّيْنِ كَانَتَا مُتَّخَذَتَيْنِ مَنِ جِلْدِ الْمُذَكَّاةِ أَمْ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ أَوْ غَيْرِ الْمَدْبُوغِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَجْهُولَةِ الطَّهَارَةُ، ثُمَّ نَفَى الصَّحَابِيُّ دِرَايَتَهُ ﷺ إِمَّا لِتَصْرِيحِهِ لَهُ بِذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ قَرِينَةِ عَدَمِ سُؤَالِهِ وَتَفَحُّصِهِ. (قَالَ أَبُو عِيسَى) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ. (وَأَبُو إِسْحَاقَ هَذَا) : أَيِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ. (هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) : أَيْ دُونَ السَّبِيعِيِّ كَمَا يُوهِمُهُ كَوْنُ إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي مِنْ وَلَدِهِ. (وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ) : أَيِ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَاسْمُهُ فَيْرُوزُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَيُقَالُ خَاقَانُ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ الْمَشْيَ فَذَهَبَ يَوْمًا فَقَعَدَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَنَزَعَ خُفَّيْهِ، قَالَ: وَلَبِسَ أَحَدُهُمَا فَجَاءَ طَائِرٌ فَأَخَذَ الْخُفَّ الْآخَرَ فَحَلَّقَ بِهِ فِي السَّمَاءِ فَانْسَلَتَ مِنْهُ أَسْوَدُ سَالِخٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا» ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ» .

стр. 129

(بَابُ مَا جَاءَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّعْلُ قَدْ يَجِيءُ مَصْدَرًا وَقَدْ يَجِيءُ اسْمًا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ هُنَا وَالثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْآنَ التَّاسُومَةُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يَقِي الْقَدَمَ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، انْتَهَى. وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْمُحْكَمِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالنَّعْلُ لِبَاسُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ النَّاسُ غَيْرَهُ لِمَا فِي أَرْضِهِمْ مِنَ الطِّينِ، انْتَهَى: وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ لُبْسِ نَعْلِهِ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» . وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبَ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادَةِ وَالسِّوَاكِ وَالطَّهُورِ، وَكَانَ يُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا قَامَ، وَإِذَا جَلَسَ جَعَلَهُمَا فِي ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَقُومَ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) : أَيِ الطَّيَالِسِيُّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ. . . (عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) : أَيْ أَلَهُ قِبَالَانِ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يَقِلْ «كَانَتْ» ; لِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلَمَّا كَانَ النَّعْلُ مُؤَخَّرًا جَازَ تَذْكِيرُ «كَانَ» كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَانَ الْقِيَاسُ «كَانَتْ» لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ شَاعَ تَذْكِيرُهَا بِاعْتِبَارِ الْمَلْبُوسِ خَلَطَ بَيْنَ تَأْوِيلَيْنِ، وَالثَّانِي إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّعْلُ مُقَدَّمًا كَمَا لَا يَخْفَى. (قَالَ) : كَانَ. (لَهُمَا) : أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. (قِبَالَانِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ أَنَسٌ: إِنَّ نَعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ. بِالْإِفْرَادِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ زِمَامُ النَّعْلِ، وَهُوَ سَيْرُهَا أَيْ دَوَالُهَا الَّذِي بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا، وَشِرَاكُ النَّعْلِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْقِبَالُ هُوَ الزِّمَامُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرِّجْلِ. وَفِي الْمُهَذَّبِ: الشِّسْعُ دَوَالُ النَّعْلَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ لِنَعْلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْرَانِ يَضَعُ أَحَدُهُمَا بَيْنَ إِبْهَامِ رِجْلِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَضَعُ الْآخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَجْمَعُ السَّيْرَيْنِ إِلَى السَّيْرِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ قَدَمِهِ ﷺ وَهُوَ الشِّرَاكُ. (يُحَدِّثُنَا أَبُو كُرَيْبٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ) : أَيِ الثَّوْرِيِّ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ مِنَ الشُّرَّاحِ. (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَنْ يُقَدِّرُ النَّعْلَ وَيَقْطَعُهَا، قِيلَ: لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حَذَّاءٌ بَلْ لِجُلُوسِهِ فِي سُوقِ الْحَذَّائِينَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَقَدْ عِيبَ بِدُخُولِهِ فِي عَمَلِ السُّلْطَانِ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) : أَيِ ابْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ لَهُ رِوَايَةٌ، وَلِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صُحْبَةٌ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ

стр. 130

مُثَنَّى) : بِضَمِّ مِيمٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ مِيمٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ وَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الثَّنْيِ صِفَةُ قِبَالَانِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ ضَبَطَ النُّسْخَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَثْنَى كَمَرْمَى، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّ هَذَا مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ ; وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ هُنَا ; انْتَهَى. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ مُرَادَ الْقَائِلِ كَمَرْمَى هُوَ بِعَيْنِهِ ضَبْطُ النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ وَمَآلُهُمَا وَمُؤَدَّاهُمَا وَمَادَّتُهُمَا وَاحِدٌ فَقَدْ قَالَ الْعِصَامُ: التَّثْنِيَةُ جَعْلُ الشَّيْءِ اثْنَيْنِ، وَرُبَّمَا يُقَيَّدُ مَثْنَى بِمَا يَجْعَلُهُ كَمَرْمَى اسْمَ مَفْعُولٍ، وَحِينَئِذٍ هُوَ مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَعْنَى فَمَنْ قَالَ الْمُثَنَّى وَالْمَثْنَى مُتَقَارِبَانِ لَمْ يَتَأَمَّلِ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْئَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَفِي الثَّنْيِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهَذَا وَجْهُ التَّقَارُبِ فَإِنَّ الْخَاصَّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْعَامِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ فِي التَّثْنِيَةِ لَا بُدَّ مِنَ انْفِصَالِهِمَا بِخِلَافِهِمَا فِي الثَّنْيِ فَإِنَّهُ يُلَاحَظُ اتِّصَالُهُمَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لِقَوْلِهِ: ثَنَى الشَّيْءَ كَسَعَى رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَتَثَنَّى، حِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّبَايُنُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُمَا مَعًا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. (شِرَاكُهُمَا) : بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) : بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ) : الْجَرْدَاءُ بِالْجِيمِ مُؤَنَّثُ الْأَجْرَدِ أَيِ الَّتِي لَا شَعْرَ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ خَلَقَيْنِ وَوَافَقَهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى، وَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ الْأَجْرَدُ الشَّعْرُ الصِّغَارُ. (لَهَا قِبَالَانِ قَالَ) : أَيِ ابْنُ طَهْمَانَ. (فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ) : أَيِ الْبُنَانِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ. (بَعْدُ) : مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ مَقْطُوعٌ عَنِ الْإِضَافَةِ، أَيْ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَنَسٍ النَّعْلَيْنِ إِلَيْنَا. (عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمَا) : أَيِ النَّعْلَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ. (كَانَتَا نَعْلَيِ النَّبِيِّ ﷺ : وَكَانَ ابْنُ طَهْمَانَ رَأَى النَّعْلَيْنِ عِنْدَ أَنَسٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ نِسْبَتَهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ. (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْنٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) : اسْمُهُ كَيْسَانُ بْنُ سَعِيدٍ. (الْمَقْبُرِيُّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ، وَيُفْتَحُ نِسْبَةً إِلَى مَقْبَرَةٍ بِالْكُوفَةِ، كَانَ يَنْزِلُ بِهَا وَقِيلَ نُسِبَ إِلَيْهَا

стр. 131

لِزُهْدِهِ وَكَثْرَةِ زِيَارَةِ الْمَقَابِرِ، وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ مَقْبَرَةَ ابْنِ دِينَارٍ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ ; لِأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا، وَبِالْجِيمَيْنِ وَالرَّاءِ فِي أَخِيرِهِمَا، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ (أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ) أَيْ أَبْصَرْتُكَ حَالَ كَوْنِكَ (تَلْبَسُ النِّعَالَ) أَيْ تَخْتَارُ لُبْسَهَا (السِّبْتِيَّةِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّبْتِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْمَدْبُوغَةُ وَنَقَلَهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هِيَ الَّتِي حُلِقَتْ عَنْهَا شَعْرُهَا وَأُزِيلَتْ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ السَّبْتِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْقَطْعَ، فَالْحَلْقُ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ لِمَا سَيَأْتِي، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَإِنَّمَا اعْتُرِضَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نِعَالُ أَهْلِ النِّعْمَةِ وَالسَّعَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَلْبِسْهَا الصَّحَابَةُ، كَمَا أَفَادَهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ السَّائِلَ قَالَ لَهُ: رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، لَمْ يَفْعَلْ أَصْحَابُنَا، وَعَدَّ هَذِهِ مِنْهَا. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ مَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ الصَّحَابَةَ مَا كَانُوا يَتَقَيَّدُونَ بِنَوْعٍ مِنَ اللُّبْسِ أَوِ الْأَكْلِ إِلَّا مَا فِيهِ الْمُتَابَعَةُ وَالِاقْتِدَاءُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَابِسَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ مَسَاقَ الْكَلَامِ يُفِيدُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ حِينَ التَّخَاطُبِ لَابِسَ النَّعْلِ السِّبْتِيَّةِ، فَقَالَ مَا فِي الْجَوَابِ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّلِ، وَكَذَا بَطَلَ مَا تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّرْكَ حِينَ السُّؤَالِ لَا يَسْتَدْعِي التَّرْكَ الْمُطْلَقَ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُحْمَلُ تَرْكُهَا لِعُذْرٍ، كَعَدَمِ وِجْدَانِهَا وَإِلَّا فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُبَاحِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ فِي جَوَابِهِ (قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي) وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي الَّتِي (لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أَيْ فَوْقَهَا أَوْ هُوَ لَابِسُهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَالَ بَلَلِ الرِّجْلِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَرِزُ عَنْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهَا، أَوْ حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِدِبَاغَتِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الشَّعْرَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الدِّبَاغُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبِسَهَا) أَيْ لِمُتَابَعَةِ الْهَدْيِ، لَا لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ لُبْسُهَا فِي الْمَقَابِرِ لِحَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِرِ وَعَلَيَّ نَعْلَانِ إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ خَلْفِي، يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، إِذَا كُنْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاحْتَجَّ عَلَى مَا ذُكِرَ وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخَلْعِهِمَا لِأَذًى كَانَ فِيهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ النِّعَالِ فِي الْمَقَابِرِ، قَالَ: وَثَبَتَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَازَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالنَّعْلِ، فَالْمَقْبَرَةُ أَوْلَى، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ إِكْرَامَ الْمَيِّتِ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ السِّبْتِيَّتَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَلِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَشْيِ عَلَى الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ) مَرَّ ذِكْرُهُمْ (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) بِهَمْزٍ وَيُبْدَلُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاسْمُ وَالِدِهِ مُحَمَّدٌ وَاسْمُ

стр. 132

جَدِّهِ الْمُغِيرَةُ قَالَ مِيرَكُ: كَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ (عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ) بِفَتْحِ فَوْقِيَّةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ هَمْزَةٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ لَهَا صُحْبَةٌ وَسُمِّيَتْ تَوْأَمَةً ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَ أُخْتٍ فِي بَطْنٍ وَهِيَ أُخْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ ثَبْتًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) تَقَدَّمَ (قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ لِأَنَّهُ الرَّاوِي عَنِ السُّدِّيِّ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا فِي الشَّرْحِ (عَنِ السُّدِّيِّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ مُحَمَّدٌ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَفِي الصِّحَاحِ السُّدَّةُ بَابُ الدَّارِ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ يَغْشَ سُدَدَ السُّلْطَانِ، يَقُمْ وَيَقْعُدْ وَسُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيَّ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْمَقَانِعَ الْحُمُرَ فِي سُدَّةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الطَّاقِ الْمَسْدُودِ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَنْسُوبٌ إِلَى السُّدَّةِ، وَهِيَ صِفَةٌ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي الْكُوفَةِ كَانَ السُّدِّيُّ يَسْكُنُهَا وَهُوَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ الْمُفَسِّرُ الْمَشْهُورُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَأَمَّا السُّدِّيُّ الصَّغِيرُ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ حَفِيدُهُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَذِبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا انْتَهَى، وَهُوَ ابْنُ ابْنَةِ السُّدِّيِّ الْكَبِيرِ، أَوِ ابْنُ أُخْتِهِ رُمِيَ بِالرَّفْضِ (قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ، صَحَابِيٌّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عَشْرَةٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ وَخَلِيفَةُ وَأَصْبَغُ وَهَارُونُ مَوَالِيهِ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ سُوَيْعٍ وَسُرَاقَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ التَّصْرِيحَ بِاسْمِ مَنْ حَدَّثَ السُّدِّيَّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَظُنُّهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، فَإِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَالسُّدِّيُّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ ; فَلِذَا أَبْهَمَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ ; لِئَلَّا يُفْطَنَ لَهُ لَكِنْ لِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَّنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ (يَقُولُ) أَيْ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاةِ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْخَصْفُ الْخَرَزُ، وَنَعْلٌ مَخْصُوفَةٌ

стр. 133

أَيْ ذَاتُ الطِّرَاقِ، وَكُلُّ طِرَاقٍ مِنْهَا خَصْفَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْصِفُ نَعْلَيْهِ بِنَفْسِهِ ; لِمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيُرَقِّعُ دَلْوَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَفِي شَرْحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرَقَّعَةُ (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) تَقَدَّمَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبُو دَاوُدَ الْمُزَنِيُّ اشْتُهِرَ بِهَذَا اللَّقَبِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَمْشِي، وَهَذَا نَفْيٌ صُورَةً وَنَهْيٌ مَعْنًى، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ نُسْخَةُ لَا يَمْشِي، تَسْتَدْعِي حَمْلَ لَا يَمْشِيَنَّ عَلَى الْخَبَرِ الْوَاقِعِ مَوْقِعَ النَّهْيِ، دُونَ النَّهْيِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِنُسْخَةِ لَا يَمْشِي بِالنَّهْيِ، ثُمَّ مَحَلُّ النَّهْيِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ رُبَّمَا فَعَلَهُ، انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ فِعْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ) وَرُوِيَ وَاحِدَةٌ بِالتَّأْنِيثِ، كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالنَّعْلُ مُؤَنَّثٌ وَوَصْفُهَا بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، انْتَهَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ تَذْكِيرَهُ بِتَأْوِيلِ الْمَلْبُوسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَشْيُ يَشُقُّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، مَعَ سَمَاجَتِهِ فِي الشَّكْلِ، وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ فِي الْعُيُونِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأْيِ وَضَعْفِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْكَرَاهَةُ لِلشُّهْرَةِ فَيَمْتَدُّ الْإِبْصَارُ لِمَنْ يُرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ فِي اللِّبَاسِ وَكُلِّ شَيْءٍ صَيَّرَ صَاحِبَهُ مَشْهُورًا، فَحَقُّهُ أَنْ يُجْتَنَبَ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ: قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا فِي خُفٍّ وَاحِدٍ (لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا وَسُكُونِ اللَّامِ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ مَكْسُورٌ لِلْأَمْرِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: ضَبْطُ النَّوَوِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَنْعَلَ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَانْتَعَلَ أَيْ لَبِسَ النَّعْلَ، لَكِنْ قَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا أَنْعَلَ رِجْلَهُ أَلْبَسَهَا نَعْلًا، وَأَنْعَلَ دَابَّتَهُ جَعَلَ لَهَا نَعْلًا، وَالْحَاصِلُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقَدَمَيْنِ تَعَيَّنَ الضَّمُّ، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ تَعَيَّنَ الْفَتْحُ انْتَهَى، وَأَقُولُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ لِمَا فِي الْقَامُوسِ، نَعِلَ كَفَرِحَ وَتَنَعَّلَ وَانْتَعَلَ لَبِسَهَا، وَنَعَلَهُمْ كَمَنَعَ وَهَبَ لَهُمُ النِّعَالَ، وَالدَّابَّةَ أَلْبَسَهَا النَّعْلَ، كَأَنْعَلَهَا وَنَعَّلَهَا، وَقَدْ نَقَلَ الْعِصَامُ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: أَنَّهُ مَعَ جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا أَوْ مَزِيدًا، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ فَهُوَ مُجَرَّدٌ، فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ إِنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْمُجَرَّدَ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلُبْسِ الْقَدَمَيْنِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا قَالَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ قَوْلَهُ (أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا) يُؤَيِّدُ ضَبْطَ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ

стр. 134

لِيَنْعَلْهُمَا لِلْقَدَمَيْنِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لِيَخْلَعْهُمَا» عَلَى مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ وَرِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ. وَالْمُوَطَّأُ يُؤَيِّدُ الْفَتْحَ، نَعَمْ، الْأَظْهَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّعْلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَتْنِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ، وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ، وَرِوَايَةُ: فَلْيَخْلَعْهُمَا لَا تُعَيِّنُ الضَّمِيرَ لِلنَّعْلَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ لِيَخْلَعَ نَعْلَيْهِمَا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُهُ: لِيَنْعَلْهُمَا أَرَادَ الْقَدَمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وَقَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ثُمَّ كَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) مُؤَكِّدٌ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى مَعًا، وَقَوْلُهُ: لِيُحْفِهِمَا ضُبِطَ فِي أَصْلِنَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، مِنَ الْإِحْفَاءِ وَهُوَ الْإِعْرَاءُ عَنِ النَّعْلِ وَالْخُفِّ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَرُوِيَ بِفَتْحِهِمَا مِنْ حَفِيَ يَحْفَى مِنْ بَابِ عَلِمَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مَعْنًى ; لِأَنَّ يَحْفَى لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ انْتَهَى. وَتَكَلَّفَ ابْنُ حَجَرٍ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْحَفَاءِ وَهُوَ الْمَشْيُ بِلَا خُفٍّ وَنَعْلٍ، وَالتَّعْدِيَةُ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ وَالْأَصْلُ لِيَحُفَّ بِهِمَا، فَحَذَفَ الْجَارَّ اخْتِصَارًا انْتَهَى. يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى حَالَ الِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يُضَمِّنُ الْمُجَرَّدَ مَعْنَى الْمُتَعَدِّي بِلَا حَذْفٍ انْتَهَى. وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي ظُهُورِ الْحَالِ وَالْمَآلِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ هَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ ; لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ لَا يَأْمَنُ الْعِثَارَ، وَأَيْضًا يُوجِبُ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ، وَلَا يُنَافِي كَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ فِعْلَ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لِعُذْرٍ، أَوْ لِكَوْنِ النَّهْيِ مَا بَلَغَهُمْ إِنْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ فِعْلِهِمْ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ، يَرُدُّهُ صَرِيحُ السُّنَّةِ انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدْبِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي خِلَافِ الْأَوْلَى، وَفِي كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَيْضًا، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الرُّخْصَةِ بِالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَحَادِيثٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا انْتَهَى. وَكَفَى بِفِعْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ جَوَازًا، وَابْنُ سِيرِينَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يَلِيقُ الطَّعْنُ بِهِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ مِنَ الْكُمِّ، وَإِلْقَاءَ الرِّدَاءِ عَلَى إِحْدَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَلُبْسَ نَعْلٍ فِي رِجْلٍ وَاحِدٍ، وَخُفٍّ فِي أُخْرَى، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يُجْدِي، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رُزَيْنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِ فِي أَحَدَيْهِمَا، بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، فَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: هَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مَعَ الِاحْتِيَاجِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يُصْلِحَهَا، قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَصْلِ التِّرْمِذِيِّ، بَلْ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا مَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَصَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَالشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَمْشِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْهَا أَصْلًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَنَحْوَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَتْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِنَحْوِهِ، نَحْوَ الْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ قُتَيْبَةَ مُنْقَطِعٌ وَمُرْسَلٌ ; لِإِسْقَاطِ الْأَعْرَجِ عَنِ الْإِسْنَادِ وَإِسْنَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَعَمْ كَانَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ عَنْ مَالِكٍ وَيَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ يَعْنِي) هَذَا كَلَامُ جَابِرٍ أَوِ الرَّاوِي عَنْهُ مَعَ بُعْدٍ يَعْنِي يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ بِضَمِيرِ يَأْكُلُ، (الرَّجُلَ) وَالْمَرْأَةُ تَابِعَةٌ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: (بِشِمَالِهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْكُلُ (أَوْ يَمْشِي) عَطْفٌ عَلَى يَأْكُلُ (فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) بِالتَّأْنِيثِ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَنْهُمَا تَشَبُّهُ الشَّيْطَانِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَكُلُّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ كِلَاهُمَا مَنْهِيًّا، وَفِيهِ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْوَاوِ يُوهِمُ فَسَادَ الْمَعْنَى ; لِإِيهَامِهَا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى حَدِّ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا

стр. 135

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ ح) وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الْحَاءِ وَحَالِهِ (وَأَخْبَرَنَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنْبَأَنَا (إِسْحَاقُ) أَيِ: ابْنُ مُوسَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ نَعْلَيْهِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ) أَيْ بِالْجَانِبِ الْيَمِينِ مِنَ الرِّجْلَيْنِ أَوِ النَّعْلَيْنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى وَإِذَا نَزَعَ) أَيْ أَرَادَ خَلْعَهُمَا (فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ) أَيْ بِالْجَانِبِ الشِّمَالِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِذَاءُ كَرَامَةٌ لِلرَّجُلِ، حَيْثُ أَنَّهُ وِقَايَةٌ مِنَ الْأَذَى، وَإِذَا كَانَتِ الْيُمْنَى أَفْضَلَ مِنَ الْيُسْرَى، اسْتُحِبَّ التَّبْدِئَةُ بِهَا فِي لُبْسِ النَّعْلِ، وَالتَّأْخِيرُ فِي نَزْعِهِ، لِيُوَفِّرَ بِدَوَامِ لُبْسِهَا حَظَّهَا مِنَ الْكَرَامَةِ انْتَهَى. وَأَمَّا الْحَفَاءُ فَإِنَّهُ تَارَةً فِيهِ الْكَرَامَةُ، وَأُخْرَى فِيهِ الْإِهَانَةُ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنَ الْيَسَارِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُخْرِجَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ إِرْشَادِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ، وَهُوَ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ الْإِرْشَادِيَّ لَا يَكُونُ بَاطِلًا وَلَا مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، وَلَا مُنَافِيًا لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذَا الْبَحْثِ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى عِلَّةِ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ (فَلْتَكُنِ الْيُمْنَى) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلْيَكُنِ الْيَمِينُ، وَيُؤَيِّدُهُ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَيَنْصُرْهُ قَوْلُهُ: (أَوَّلَهُمَا) وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (تُنْعَلُ) عَلَى خِلَافٍ فِي تَأْنِيثِهِ وَتَذْكِيرِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ فَيَكُونُ تَذْكِيرُهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْعُضْوِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَيُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَيُنْعَلُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ قَوْلُهُ: (وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى خَبَرِ كَانَ، أَوْ عَلَى الْحَالِ، وَالْخَبَرُ تُنْعَلُ، وَتُنْزَعُ وَضُبِطَا بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقَانِيَّتَيْنِ وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ قَالَ مِيرَكُ، وَالْأَوَّلُ فِي رِوَايَتِنَا عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ رَاجِعَانِ إِلَى الْيُمْنَى، وَالثَّانِي مِمَّا ضَبَطَهُ الشَّيْخُ، وَأَفَادَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ النَّعْلِ وَالْخَلْعِ، يَعْنِي بِهِمَا الْمَصْدَرَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ. أَقُولُ بَلْ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى أَصْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّذْكِيرَ، إِمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْيَمِينِ، وَإِمَّا عَلَى تَأْوِيلِ الْيُمْنَى بِالْعُضْوِ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ سَابِقًا، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَمْرَ يَجْعَلُ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مَلَكَةً رَاسِخَةً ثَابِتَةً دَائِمَةً لِمَا أَنَّ النُّفُوسَ تَأْخُذُ هَذَا الْأَمْرَ هَيِّنًا، أَوْ أَنَّهَا اعْتَادَتْ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فَكَانَ مَظِنَّةَ فَوْتِ تَقْدِيمِ الْيُسْرَى، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الْعِصَامِ وَأَقُولُ بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ إِفَادَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَى النَّهْجَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ رِعَايَةُ إِكْرَامِ الْيُمْنَى فَقَطْ نَعْلًا وَخَلْعًا، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ سَاوَى بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، بِأَنْ أَعْطَى كُلًّا مِنْهُمَا ابْتِدَاءً فِي أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ، وَنَظِيرُهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَتَقْدِيمُ الْيُسْرَى فِي خُرُوجِهِ، وَعَكْسُهُ فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ وَخُرُوجِهِ، وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِي الْأَوَّلِ لَا يَقْتَضِي تَأْخِيرَ نَزْعِهَا ; لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ نَزْعِهِمَا مَعًا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ

стр. 136

فَقَدْ وَهِمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّفَ مَعْنًى غَيْرَ مَا قُلْتُ يُخْرِجُهُ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ، فَقَدْ أَتَى بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ نَزْعَهُمَا مَعًا وَلُبْسَهُمَا مَعًا مَا لَا يَكَادُ يُتَصَوَّرُ فِي أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ، فَهُوَ أَوْلَى بِمَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: زَعَمَ بَعْضُ النُّقَّادِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْحَدِيثِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ بِالشِّمَالِ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ: تُنْزَعُ، مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ شَرْحًا، وَتَأْكِيدًا لِمَا سَبَقَ. (حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَفِي إِيرَادِ الْجُمْلَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ شُعْبَةَ أَطْلَقَ أَشْعَثَ وَمُرَادُهُ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ ; لِيُظْهِرَ قَوْلَهُ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أَيِ اسْتِعْمَالَ الْيُمْنَى وَتَقْدِيمَ جَانِبِ الْيُمْنَى فِي الْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ (مَا اسْتَطَاعَ) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِاخْتِيَارِ التَّيَمُّنِ وَمُبَالَغَةٌ فِي عَدَمِ تَرْكِهِ، كَمَا هُوَ الْعُرْفُ فِي أَمْثَالِهِ، وَنَظِيرُهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ قَالَ الْعِصَامُ: وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رُبَّمَا يَتْرُكُهُ لِلضَّرُورَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ خِلَافُ التَّيَمُّنِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ذَكَرَهُ احْتِرَازًا عَمَّا إِذَا احْتِيجَ لِلْيَسَارِ لِعَارِضٍ بِالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَقْدِيمِهَا حِينَئِذٍ انْتَهَى. وَهُوَ مُقَرَّرٌ إِذِ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي بِالْيَمِينِ فِيمَا لَمْ يَتَعَسَّرِ احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ غَسْلِ الْوَجْهِ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ بِأَنْ كَانَ يُرِيدُ مَثَلًا أَنْ يَأْخُذَ الْعَصَا وَالْكِتَابَ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا بِالْيَمِينِ وَالْآخَرَ بِالْيَسَارِ، وَكَمَا وَقَعَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالرُّطَبِ بِالْيَدَيْنِ، وَكَمَا فِي لُبْسِ النَّعْلَيْنِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى اسْتِعْمَالِ الْيَدَيْنِ، وَجَوَّزَ مِيرَكُ أَنْ يَكُونَ [مَا] فِي (مَا اسْتَطَاعَ) مَوْصُولَةً فَيَكُونَ بَدَلًا مِنَ التَّيَمُّنِ (فِي تَرَجُّلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ أَيْ فِي شَأْنِ تَرْجِيلِ شَعْرِهِ وَهُوَ تَمْشِيطُهُ وَتَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ (وَتَنَعُّلِهِ) أَيْ فِي لُبْسِ نَعْلِهِ (وَطُهُورِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ عَلَى أَنَّهَا لُغَتَانِ فِي الْمَعْنَى الِاسْمِيِّ وَهُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، فَالتَّقْدِيرُ اسْتِعْمَالُ طَهُورِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَ لِإِرَادَةِ انْحِصَارِهَا بَلْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي التَّيَمُّنَ مِنَ الْفَرْقِ إِلَى الْقَدَمِ، وَفِي كُلِّ الْبَدَنِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي بَابِ التَّنَعُّلِ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ، مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَنَعَّلَ الرَّجُلُ قَائِمًا، لَكِنْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُ فِي لُبْسِ نِعَالٍ فِيهَا سُيُورٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اللُّبْسُ بِدُونِ إِعَانَةِ الْيَدِ، فَلَا نَهْيَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ، أَقُولُ وَفِي مَعْنَى التَّنَعُّلِ الْمَنْهِيِّ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلِ قَائِمًا، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ مُحَقَّقَةٌ فِيهِمَا ; لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِلُبْسِهِمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْيَمِينِ فِيهِمَا، وَمُلَاحَظَةِ لُبْسِ النَّعْلِ وَخَلْعِهَا فِيهِمَا أَيْضًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَلْتَفِتُونَ، وَعَنِ الْمُرَاعَاةِ جَاهِلُونَ، وَعَنْ مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ مَحْرُومُونَ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ) أَيِ الضَّبِّيُّ الزَّعْفَرَانِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قَالَ الْعِصَامُ: الْمُسَمَّى بِهِشَامٍ فِي أَسَانِيدِ الشَّمَائِلِ خَمْسَةٌ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنِ سِيرِينَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمَا (قِبَالَانِ) فَصَلَ بِهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَا فِعْلٍ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ الْمُضَافُ، وَقِبَالَانِ مَعْمُولُ كَانَ إِشَارَةً إِلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ وَأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْإِخْبَارِ (وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ﵄ أَيْ وَكَذَا لِنَعْلِ أَبِي بَكْرٍ

стр. 137

وَعُمَرَ قِبَالَانِ (وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا) أَيِ اتَّخَذَ قِبَالًا (وَاحِدًا عُثْمَانُ) ﵁، إِشَارَةً إِلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ لُبْسَهُ ﷺ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ، لَا عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ أَرْبَعَةٌ: مُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَوَاجِبٌ وَفَرْضٌ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ لَتُوُهِّمَ كَرَاهَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِبَالٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبَاهُ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ تَرْكَ لُبْسِ النَّعْلَيْنِ وَلُبْسَ غَيْرِهِمَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ أَيْضًا. (بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، قَالَ الْعِصَامُ: كَانَ مُقْتَضَى دَأْبِهِ فِي تَرَاجِمِ الْأَبْوَابِ أَنْ يَقُولَ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (ذِكْرِ) وَلَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ لِمَزِيدِ الذِّكْرِ، وَهِيَ خَفِيَّةٌ انْتَهَى. وَالذِّكْرُ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ فِي نُسَخٍ زِيَادَةُ «ذِكْرِ» بَيْنَ «فِي» وَمَجْرُورِهَا، وَلَعَلَّهَا تَحْرِيفٌ مِنْ نَاسِخٍ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيفَ لَا يُقَالُ إِلَّا فِي ذِكْرِ كَلِمَةٍ مَقَامَ ذِكْرِ كَلِمَةٍ أُخْرَى مَعَ تَغْيِيرٍ فِيهَا، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي زِيَادَةِ الذِّكْرِ هُنَا تَمْيِيزُهُ عَنْ سَائِرِ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ ; لِتَكْرَارِ بَابِ الْخَاتَمِ، وَإِنْ كَانَ مَيَّزَ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ عَنْ خَاتَمٍ يُخْتَمُ بِهِ بِإِضَافَةِ الْأُولَى إِلَى النُّبُوَّةِ، وَالثَّانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذْ تِكْرَارُ مَا بِهِ التَّمْيِيزُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِذْ تَرَاجِمُ الْكِتَابِ قَاضِيَةٌ بِحَذْفِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهَا فِيهِ نَظِيرٌ، وَلَا حِكْمَةَ فِي تَمْيِيزِ هَذَا الْبَابِ بِهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ وَكَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِ الْمُصَنِّفِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا (عَنْ يُونُسَ) أَيِ الْأَيْلِيِّ وَقَدْ مَرَّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيِّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْهُ (قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَرِقٍ)

стр. 138

بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ فِضَّةٍ (كَانَ فَصُّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَقَدْ يُضَمُّ وَبِتَشْدِيدِ الصَّادِ مَا يُنْقَشُ فِيهِ اسْمُ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرُهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْعَامَّةُ تَكْسِرُهَا وَأَثْبَتَهَا بَعْضُهُمْ لُغَةً، وَزَادَ بَعْضُهُمُ الضَّمَّ وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ الْفَصُّ لِلْخَاتَمِ مُثَلَّثَةً وَالْكَسْرُ غَيْرُ لَحْنٍ، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ (حَبَشِيًّا) أَيْ حَجَرًا مَنْسُوبًا إِلَى الْحَبَشِ ; لِأَنَّهُ مَعْدِنُهُ وَقِيلَ: كَانَ فَصُّهُ عَقِيقًا كَمَا فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَارِ، وَقِيلَ: كَانَ جَزْعًا، وَقَالَ: حَبَشِيًّا ; لِأَنَّهُ يُؤْتَى بِهِمَا مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ، وَهُوَ كُورَةُ الْحَبَشَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ فَصًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ، إِذْ مَعْدِنُهُمَا بِالْحَبَشَةِ كَالْيَمَنِ فَمَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْ مَعْنًى حَبَشِيًّا جِيءَ بِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ، أَوْ كَانَ أَسْوَدَ عَلَى لَوْنِ الْحَبَشَةِ، أَوْ صَانِعُهُ أَوْ صَانِعُ نَقْشِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ تَعَدُّدُ خَاتَمِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَمِنْ ثَمَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهَا أَصَحُّ، وَقِيلَ: مَعْنَى «فَصُّهُ مِنْهُ» أَنَّ مَوْضِعَ فَصِّهِ مِنْهُ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ فَصِّهِ حَجَرًا. وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ مِنْ أَنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَأَنَّهُ مُبَارَكٌ، وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ لَمْ يَزَلْ فِي خَيْرٍ

стр. 139

فَكُلُّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحُفَّاظُ، وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ، أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ يَمْنَعُ الطَّاعُونَ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) هُوَ الْوَضَّاحُ رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) سَيَأْتِي ذِكْرُهُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ) أَيْ أَمَرَ بِصِيَاغَتِهِ أَوْ وَجَدَهُ مَصُوغًا فَاتَّخَذَهُ (فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ) أَيِ الْكُتُبَ الَّتِي يُرْسِلُهَا لِلْمُلُوكِ، وَهُوَ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ أَيْ يَضَعُهُ عَلَى الشَّيْءِ، وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ يَتَخَتَّمُ بِهِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى تَخَتَّمْتُ لَبِسْتُ الْخَاتَمَ، لَكِنَّهُ يُنَافِي قَوْلَهُ: (وَلَا يَلْبَسُهُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ هُوَ أَنَّ جُمْلَةَ وَلَا يَلْبَسُهُ حَالٌ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ بِهِ فِي حَالِ عَدَمِ اللُّبْسِ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ إِظْهَارُ التَّوَاضُعِ، وَتَرْكُ الْإِرَاءَةِ وَالْكِبْرِ ; لِأَنَّ الْخَتْمَ فِي حَالِ لُبْسِ الْخَاتَمِ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَبُّرٍ وَخُيَلَاءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَلَا يَلْبَسُهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: يَخْتِمُ بِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِمْرَارِ وَالدَّوَامِ بَلْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ضَرُورَةَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ لِلْخَتْمِ بِهِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الرَّاوِي مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَيَانُ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ مِنَ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ الْخَتْمَ بِهِ لَا اللُّبْسَ وَالتَّزَيُّنَ ; لِأَنَّ لُبْسَ الْخَاتَمِ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي سَبَبِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. قَالَ الْعِصَامُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَقْرَبُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَلُبْسُهُ حَالَةَ الْخَتْمِ بَعِيدٌ لَا يُحْتَاجُ لِنَفْيِهِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّدَ خَاتَمُهُ ﷺ كَمَا يَكُونُ لِلسَّلَاطِينِ وَالْحُكَّامِ، وَكَانَ يَلْبَسُ مِنْهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ أَرْبَابِ هَذَا الْفَنِّ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّرْجِيحِ، وَتَعَقَّبَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَّخَذُ لِلْحَاجَةِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَّخِذَهُ ﷺ مُتَعَدِّدًا، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُ الْحَنَفِيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ثَبَتَ لُبْسُ الْخَاتَمِ لَهُ ﷺ عَلَى خِلَافٍ سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَلِخَبَرِ: كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلُبْسُهُ مَنْدُوبٌ وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ لِخَتْمٍ انْتَهَى. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا إِنَّهُ إِنَّمَا يُنْدَبُ لِمَنْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْخَتْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ سَبَبُ وُرُودِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِجْمَاعًا، وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ لُبْسَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ شَاذٌّ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَاتَّخَذُوا مِثْلَهُ، طَرَحَهُ فَطَرَحُوا خَوَاتِيمَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَدْبِ الْخَاتَمِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الْخَتْمِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا طَرَحَهُ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ وَهْمٌ مِنَ الزُّهْرِيِّ رَاوِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي لَبِسَهُ يَوْمًا ثُمَّ أَلْقَاهُ خَاتَمُ ذَهَبٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ أَوْ خَاتَمُ حَدِيدٍ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَاتَمُ حَدِيدٍ مَلْوِيٌّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ فَلَعَلَّهُ هُوَ الَّذِي طَرَحَهُ، وَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلَا يَلْبَسُهُ، وَقَالَتْ: طَائِفَةٌ يُكْرَهُ إِذَا قُصِدَ بِهِ الزِّينَةُ، وَآخَرُونَ يُكْرَهُ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ انْتَهَى. وَقَالَ قَاضِي خَانْ: وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ بِالْعَقِيقِ، ثُمَّ التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُبَاحُ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّخَتُّمِ، كَالْقَاضِي وَعِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ، وَإِذَا تَخَتَّمَ بِالْفِضَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَصُّ إِلَى بَاطِنِ الْكَفِّ مِنَ الْيُسْرَى (قَالَ أَبُو عِيسَى) أَيِ الْمُصَنِّفُ (أَبُو بِشْرٍ) أَيِ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ (اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيٍّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ، وَفِي نُسْخَةٍ وَحْشِيَّةَ بِغَيْرِ انْصِرَافٍ، اخْتُلِفَ فِيهِ ثِقَةً

стр. 140

وَضَعْفًا. (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (هُوَ الطَّنَافِسِيُّ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، مَنْسُوبٌ إِلَى طَنَافِسَ جَمْعُ طُنْفُسَةٍ بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَبِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا: الْبِسَاطُ الَّذِي لَهُ حَمْلٌ وَحَصِيرٌ مِنْ سَعَفٍ قَدْرُهُ ذِرَاعٌ فَكَانَ النِّسْبَةُ لِلْعَمَلِ أَوِ الْبَيْعِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَاشْتَهَرَ بِهِ وَهُوَ ثِقَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ هُوَ الطُّفَالِيُّ بِضَمِّ الطَّاءِ وَبِالْفَاءِ آخِرُهُ لَامٌ بَعْدَهُ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ (أَخْبَرَنَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنْبَأَنَا (زُهَيْرٌ) بِضَمِّ زَايٍ وَفَتْحِ هَاءٍ (أَبُو خَيْثَمَةَ) بِتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ فَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ زُهَيْرٍ أَبِي الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ (عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ أَيِ الطَّوِيلِ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ) الظَّاهِرُ مِنْهَا لِيَرْجِعَ إِلَى الْفِضَّةِ فَأَوَّلَهُ بَعْضٌ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا صُنِعَ مِنْهُ الْخَاتَمُ، وَهُوَ الْفِضَّةُ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَوْضَحُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالضَّمِيرُ لِلْخَاتَمِ أَيْ فَصُّهُ بَعْضُ الْخَاتَمِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ حَجَرًا، فَإِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ مُجَاوِرٌ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْفِضَّةِ وَالتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ الْوَرِقِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ مِنْ فِضَّةٍ كُلُّهُ. قَالَ مِيرَكُ: يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْخَوَاتِيمِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ حَرْثِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي يَدِي، قَالَ: وَكَانَ مُعَيْقِيبُ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي كَانَ أَمِينًا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ ابْنُ سَعْدٍ شَاهِدًا مُرْسَلًا عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ خَاتَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، غَيْرَ أَنَّ فَصَّهُ بَادٍ، وَأَخْرَجَ مُرْسَلًا أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلَهُ دُونَ مَا فِي آخِرِهِ، وَثَالِثًا مُسْنَدًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَبِسَهُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَخِي خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْخَاتَمُ فِي يَدِكَ يَا عَمْرُو، قَالَ: هَذِهِ حَلْقَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا نَقْشُهَا، قَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ لَبِسَهُ عُثْمَانُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَحْفِرُ بِئْرًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا بِئْرُ أَرِيسٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى شَفَتِهَا يَأْمُرُ بِحَفْرِهَا سَقَطَ الْخَاتَمُ فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ مِنْ يَدِهِ وَإِدْخَالَهُ فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْخَاتَمَ هُوَ الَّذِي كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا، حَيْثُ أُتِيَ بِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ وَرِقٍ أَيْ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ قُلْتُ: وَيُلَايِمُهُ قَوْلُهُ: يَخْتِمُ بِهِ أَيْ أَحْيَانًا وَلَا يَلْبَسُهُ أَيْ أَبَدًا، قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذَهُ ﷺ مِنْ خَالِدٍ أَوْ عَمْرٍو لِئَلَّا يَشْتَبِهَ عِنْدَ الْخَتْمِ بِخَاتَمِهِ الْخَاصِّ إِذْ نَقْشُهُ مُوَافِقٌ لِنَقْشِهِ فَيُفَوِّتُ مَصْلَحَةَ الْخَتْمِ بِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سَبَبِ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ، وَأَمَّا الَّذِي فَصُّهُ مِنْ فِضَّةٍ فَهُوَ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصِيَاغَتِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَنَا صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاتَمًا لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أَحَدٌ نَقَشْتُ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَكَانَ اتِّخَاذُهُ قَبْلَ أَخْذِ خَاتَمِ خَالِدٍ أَوْ عَمْرٍو وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُمْ خَاتَمًا وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهُ فِيهِ تِمْثَالُ أَسَدٍ قَالَ مَعْمَرٌ فَغَسَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَشَرِبَهُ فَفِيهِ مَعَ إِرْسَالِهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَعَلَّهُ لَبِسَهُ مَرَّةً قَبْلَ النَّهْيِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ: التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ وَالْفِضَّةِ سُنَّةٌ، قَالَ شَارِحُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْعَقِيقِ قِيلَ حَرَامٌ لِكَوْنِهِ حَجَرًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ يَجُوزُ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَلَيْسَ بِحَجَرٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الشِّرْعَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْحَلْقَةِ لَا الْفَصِّ، حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَجَرِ وَالْحَلْقَةُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَلَكِنَّهُ لِذِي سُلْطَانٍ أَيْ ذِي غَلَبَةٍ وَحُكُومَةٍ مِثْلَ الْقُضَاةِ وَالسَّلَاطِينِ، فَتَرْكُهُ لِغَيْرِ ذِي الْحُكُومَةِ أَحَبُّ لِكَوْنِهِ زِينَةً مَحْضَةً، بِخِلَافِ الْحُكَّامِ ; لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخَتْمِ فِي

стр. 141

الْأَحْكَامِ. (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: حَدَّثَنِي (أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ حِينَ رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (أَنْ يَكْتُبَ) أَيِ الْمَكَاتِيبَ الَّتِي فِيهَا الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُرْسِلَهَا (إِلَى الْعَجَمِ) أَيْ عُظَمَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ، فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ دَلَالَةٌ أَنَّ الْعَجَمَ هُمُ الرُّومُ لَكِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ فِيمَا بَعْدُ يُفَسِّرُهُ بِالْأَعَمِّ (قِيلَ لَهُ أَنَّ الْعَجَمَ) قِيلَ قَائِلُ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَمِ. وَقِيلَ: مِنْ قُرَيْشٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُرْسَلِ طَاوُسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ قُرَيْشًا هُمُ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنْ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ (لَا يَقْبَلُونَ) أَيْ لَا يَعْتَمِدُونَ (إِلَّا كِتَابًا عَلَيْهِ خَاتَمٌ) بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ أَيْ وُضِعَ عَلَيْهِ خَاتَمٌ، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ عَلَيْهِ نَقْشُ خَاتَمٍ، وَسَبَبُ عَدَمِ اعْتِمَادِهِمْ لَهُ عَدَمُ الثِّقَةِ بِمَا فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهُ شِعَارَ تَعْظِيمِهِمْ، وَهُوَ الْخَتْمُ أَوِ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخَتْمَ الَّذِي شِعَارُهُمْ وَيَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ اطِّلَاعِ غَيْرِهِمْ، هُوَ خَتْمُ الْوَرِقِ، وَهُوَ لَا يُلَايِمُ اصْطِنَاعَ الْخَاتَمِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فَاصْطَنَعَ خَاتَمًا) أَيْ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ (اضْطَرَبَ) أَيْ سَأَلَ أَنْ يُصْنَعَ أَوْ يُضْرَبَ، كَمَا يُقَالُ: اكْتَتَبَ إِذَا سَأَلَ أَنْ يُكْتَبَ كَذَا فِي الْفَائِقِ (كَأَنِّي) وَفِي نُسْخَةٍ فَكَأَنِّي (أَنْظُرْ إِلَى بَيَاضِهِ) أَيْ بَيَاضِ الْخَاتَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ كَمَالَ إِتْقَانِهِ لِهَذَا الْخَبَرِ فَكَأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ (فِي كَفِّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ بَاطِنِ إِصْبَعِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْكَفُّ الْيَدُ أَوْ إِلَى الْكُوعِ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ) أَيِ ابْنُ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَالْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ ثَلَاثَةٌ أَكْثَرُهُمْ هَذَا وَثَانِيهِمُ اسْمُ جَدِّهِ حَفْصٍ، وَثَالِثُهُمُ اسْمُ جَدِّهِ زِيَادٍ (قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُثَنَّى، صَدُوقٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (عَنْ ثُمَامَةَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ لَعَلَّ خَبَرَ كَانَ مَحْذُوفٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ كَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ (مُحَمَّدٌ سَطْرٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (وَرَسُولُ) بِالرَّفْعِ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَجَوَّزَ التَّنْوِينَ

стр. 142

عَلَى الْإِعْرَابِ ; لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (سَطْرٌ وَاللَّهُ) بِالرَّفْعِ وَالْجَرِّ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ (سَطْرٌ) هَذَا حَلُّ الْحَنَفِيِّ وَضَعَّفَهُ الْعِصَامُ، وَقَالَ: التَّقْدِيرُ كَانَ مَدْلُولُ نَقْشِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَقْشُ مُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَصْحِيحِ الْحَمْلِ إِلَى الْقَوْلِ، فَمُحَمَّدٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، خَبَرُ كَانَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ هَكَذَا، وَالْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ بِتَعَدُّدِ الْأَخْبَارِ أَوْ بِمُلَاحَظَةِ الرَّبْطِ بَعْدَ الْعَطْفِ، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنْ قَصَرَ فِي الْعِبَارَةِ، حَيْثُ قَالَ مُحَمَّدٌ خَبَرُ كَانَ عَلَى الْحِكَايَةِ أَوِ اسْمُهَا وَنَقْشٌ هُوَ الْخَبَرُ، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَوْ نَقْشُهُ نَقْشُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ، ثُمَّ قَالَا وَقَوْلُهُ: سَطْرٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هَذَا سَطْرٌ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرُهُ الثَّالِثُ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ كُلَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ عَرْعَرَةَ عَنْ عَرْزَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ فَصُّ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبَشِيًّا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَعَرْعَرَةُ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، فَزِيَادَةُ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَكَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ بِزِيَادَةِ «بِسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» شَاذَّةٌ أَيْضًا، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ مِنْ مُرْسَلِ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَغَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَقُولُ عَلَى تَقْدِيرِ تَوْثِيقِهِ، لَا شَكَّ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الِاقْتِصَارِ، وَبَيَانُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ مِنْ تَخْصِيصِ اسْمِهِ، أَوْ يُبْنَى عَلَى تَعَدُّدِ الْخَوَاتِيمِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لَكِنَّ كِتَابَتَهُ عَلَى السِّيَاقِ الْعَادِيِّ، فَإِنَّ ضَرُورَةَ الْخَتْمِ بِهِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْأَحْرُفُ الْمَنْقُوشَةُ مَقْلُوبَةً ; لِيَخْرُجَ الْخَتْمُ مُسْتَوِيًا، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى فَوْقَ، يَعْنِي أَنَّ الْجَلَالَةَ فِي أَعْلَى الْأَسْطُرِ الثَّلَاثَةِ وَمُحَمَّدٌ فِي أَسْفَلِهَا، فَلَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، بَلْ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُخَالِفُ ظَاهِرَهَا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِيهَا: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَالسَّطْرُ الثَّانِي رَسُولُ، وَالسَّطْرُ الثَّالِثُ اللَّهُ انْتَهَى. وَبِهَذَا يَتَلَاشَى مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْعِصَامِ وَابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، فَتَدَبَّرْ. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ ﷺ نَقْشُ اسْمِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَقُولُ لَكِنْ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لَا يَخْفَى وَهُوَ تَعْظِيمُ اسْمِهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُمْتَهَنَ، وَلَوْ كَانَ أَحْيَانًا، كَمَا قَالُوا بِكَرَاهَةِ كِتَابَةِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَنَقْشِهِ عَلَى حِجَارَةِ الْقُبُورِ، وَغَيْرِهَا. (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى جَهَاضِمَةَ مَحَلَّةٌ بِالْبَصْرَةِ (أَبُو عَمْرٍو) بِالْوَاوِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (قَالَ أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ) بِفَتْحِ قَافٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَبِمُهْمَلَةٍ أَيِ الْحُرَّانِيُّ نِسْبَةً إِلَى حُرَّانَ، بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ،

стр. 143

وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ، لَكِنْ رُمِيَ بِالتَّشْيِيعِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ) أَيِ ابْنِ رِمَاحٍ الْبَصْرِيِّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (إِلَى كِسْرَى) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا لَقَبُ مُلُوكِ الْفُرْسِ، ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرَى بِالْفَتْحِ أَفْصَحُ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ: كِسْرَى وَيُفْتَحُ مَلِكُ الْفُرْسِ مُعَرَّبُ خِسْرَوَاى وَاسِعُ الْمُلْكِ (وَقَيْصَرَ) لَقَبُ مَلِكِ الرُّومِ، كَمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَنْ مَلَكَ مِصْرَ، وَتُبَّعَ لِمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ وَالْيَمَنَ، وَخَاقَانَ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ التُّرْكَ، وَلَمَّا جَاءَ كِتَابُهُ ﷺ إِلَى كِسْرَى مَزَّقَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِ ﷺ بِتَمْزِيقِ مُلْكِهِ فَمُزِّقَ، وَإِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ حَفِظَهُ فَحُفِظَ مُلْكُهُ (وَالنَّجَاشِيِّ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَهُوَ لَقَبُ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ، وَكَتَبَ ﷺ إِلَيْهِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ يَطْلُبُ إِسْلَامَهُ، فَأَجَابَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ سَنَةَ سِتٍّ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَصَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ حِينَ كُشِفَتْ لَهُ ﷺ ، وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ الَّذِي بَعْدَهُ وَكَتَبَ لَهُ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ اسْمٌ، وَلَا إِسْلَامٌ، وَالْكِتَابَةُ لِهَذَا وَأَنَّهُ غَيْرُ أَصْحَمَةَ، وَصُحِّحَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ وَكَتَبَ لِأَصْحَمَةَ كِتَابًا ثَانِيًا لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابَهُ لَهُ ﷺ وَإِهْدَاؤُهُ إِلَيْهِ بِالْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ صَوَّرْنَا صُوَرَ بَعْضِ الْمَكَاتِيبِ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ (فَقِيلَ: لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ) أَيْ إِلَّا مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ وَسَبَقَ تَعْلِيلُهُ (فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا) أَيْ أَمَرَ بِصَوْغِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّائِغَ كَانَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، فَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ: «بَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ» فِي النِّسْبَةِ الْمَجَازِيَّةِ (حَلَقَتُهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ (فِضَّةٌ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَصُّهُ فِضَّةً (وَنُقِشَ فِيهِ) أَيْ فِي الْخَاتَمِ أَيْ فَصِّهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَنُقِشَ ضُبِطَ مَجْهُولًا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ رُوِيَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا ضُبِطَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَضَبَطْنَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ أَيْ أَمَرَ بِنَقْشِهِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِالرَّفْعِ أَيْضًا عَلَى الْحِكَايَةِ.

стр. 144

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) أَيِ الضُّبَعِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (وَالْحَجَّاجُ) بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْأُولَى (بْنُ مِنْهَالٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَسُكُونِ نُونٍ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ الْبَصْرِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ هَمَّامٍ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْأُولَى وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ مَبْسُوطًا (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِالْجِيمَيْنِ مُصَغَّرًا وَسَبَقَ ذِكْرُهُمَا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) أَيْ إِذَا أَرَادَ دُخُولَهُ (نَزَعَ خَاتَمَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَفْظِ اللَّهِ، فَاسْتِصْحَابُهُ فِي الْخَلَاءِ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: حَرَامٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ جُمَلِ الْقُرْآنِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى اسْمِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَعَلَى وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ جَمِيعِ رُسُلِهِ، وَيُنَاقَشُ فِي الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَصِيرُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقَصْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِلَا كَرَاهَةٍ، إِلَّا إِذَا قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ صُورَةُ جُمْلَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ: وَهُوَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بَعْضُ آيَةٍ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَفِي رِوَايَتِهِ، وَضَعَ مَكَانَ نَزَعَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، إِذْ لَا وَضْعَ إِلَّا بَعْدَ النَّزْعِ، نَعَمْ رِوَايَةُ النَّزْعِ تَدُلُّ عَلَى لُبْسِهِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْوَضْعِ، تَأَمَّلْ قَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ انْتَهَى. وَكَذَا ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَمَّا الْمُؤَلِّفُ فَأَخْرَجَهُ فِي الْجَامِعِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي هَذَا التَّضْعِيفِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَمَّامًا هَذَا هُوَ ابْنُ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ ثَبْتٌ فِي كُلِّ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ ابْنُ رَعْدِيٍّ: هُوَ أَصْدَقُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِذْ أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، وَصَوَّبَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلَ تَفَرُّدِهِ لَا يُوهِنُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ غَرِيبًا كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ، أَقُولُ: أَمَّا حُكْمُ أَبِي دَاوُدَ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ فَوَجْهُهُ أَنَّ هَمَّامًا خَالَفَ النَّاسَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهَكَذَا وَجَّهَهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ، وَهُوَ هَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُنْكَرِ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَخَصَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْكَرَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي خَالَفَ الضَّعِيفُ الثِّقَةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ، وَخَصَّ الشَّاذَّ بِمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، لِمَزِيدِ ضَبْطِهِ أَوْ أَكْثَرِهِ عَدَدًا، وَقَالَ فِي آخِرِ بَحْثِ الشَّاذِّ وَالْمُنْكَرِ، الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ، وَالْمُنْكَرَ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ قَالَ: وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَعَلَى هَذَا الْحُكْمُ عَلَى حَدِيثِ هَمَّامٍ هَذَا بِالشُّذُوذِ أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ ; لِأَنَّهُ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ; وَلِهَذَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ لَكِنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغَرَابَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هَذَا شَاهِدٌ ضَعِيفٌ، وَكَانَ الْبَيْهَقِيُّ ظَنَّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْمُتَوَكِّلِ هُوَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاهِلِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ: لَا أَعْرِفُهُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا، إِلَّا أَنَّهُ اشْتُهِرَ تَفَرُّدُ هَمَّامٍ بِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، لَكِنِ اتَّفَقَ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَهِمَ فِيهِ وَغَلِطَ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَاتَمَ الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ، لَا خَاتَمُ الْوَرِقِ، وَكَذَا نَقَلَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِيهِ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْوَهْمِ بِأَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ لِلزِّينَةِ، فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ فِيهِ وَافَقَ تَحْرِيمَهُ فَطَرَحَهُ ; وَلِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، كَمَا سَيَأْتِي، وَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ تَبَعًا لَهُ، وَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ ; لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ، فَاتَّخَذَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَنَقَشَ عَلَيْهِ اسْمَهُ الْكَرِيمَ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، فَرَمَى

стр. 145

بِهِ حَتَّى رَمَى النَّاسُ كُلُّهُمْ تِلْكَ الْخَوَاتِيمَ الْمَنْقُوشَةَ عَلَى اسْمِهِ ; لِئَلَّا تَفُوتَ مَصْلَحَةُ النَّقْشِ بِوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ، فَلَمَّا عُدِمَتْ خَوَاتِيمُهُمْ بِرَمْيِهَا رَجَعَ إِلَى خَاتَمِهِ الْخَاصِّ بِهِ، فَصَارَ يَخْتِمُ بِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَعَلَّلَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ أَوْ بَعْضُ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ، مِمَّنْ لَمْ يَرْسَخْ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ مِنْ مُنَافِقٍ وَنَحْوِهِ، اتَّخَذُوا فَنَقَشُوا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ، وَيَكُونُ نَشَأَ لَهُ غَضَبٌ مِمَّنْ تَشَبَّهَ لَهُ فِي ذَلِكَ النَّقْشِ انْتَهَى، وَأَقُولُ الْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ أَنَّهُ ﷺ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ خَاتَمَ الذَّهَبِ لَبِسَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ عَلَى قَصْدِ الزِّينَةِ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ، فَرَأَى أَنَّ فِي لُبْسِهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، فَرَمَاهُ فَرَمَاهُ النَّاسُ، فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ لَبِسَهُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: «إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا - أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ - فَلَا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أَحَدٌ» أَيِ اسْمَنَا بَلْ يَنْقُشُ اسْمَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ الْحُكَّامِ. (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بِضَمِّ نُونٍ وَفَتْحِ مِيمٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) مَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ لَابِسَهُ أَوْ فِي تَصَرُّفِهِ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِلْخَتْمِ (ثُمَّ كَانَ) أَيْ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَيْ بِالْخَتْمِ بِهِ أَوْ لِلتَّبَرُّكِ (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ﵁ أَيْ فِي إِصْبَعِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ إِلَى آخِرِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ أَحْيَانًا لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ، وَكَانَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْخَاتَمِ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ، أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَهُوَ ذُو الْيَدِ أَيْ عِنْدَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَأْبَى عَنْهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (حَتَّى وَقَعَ)
следующие страницы →