← Сира

Сира · id 2569

جمع الوسائل في شرح الشمائل

الملا على القاري

Полный текст (494 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نَيِّرًا مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الزَّهْرَةُ ; بَيَاضٌ وَحُسْنٌ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَحْسَنَ اللَّوْنِ، وَأَزْهَرُ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُتَلَأْلِئُ اللَّوْنِ، وَفِي الْمُهَذَّبِ: الْأَزْهَرُ الْأَبْيَضُ الْمُسْتَنِيرُ، قَالَ الْعِصَامُ: اللَّوْنُ مُسْتَدْرَكٌ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَوْ أُطْلِقَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى السِّنِّ وَنَحْوِهِ. (وَاسِعَ الْجَبِينِ) : أَيْ وَاضِحُهُ وَمُمْتَدُّهُ طُولًا وَعَرْضًا وَهِيَ بِمَعْنَى الصَّلْتِ الْجَبِينِ فِي رِوَايَةٍ وَعَظِيمِ الْجَبْهَةِ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنْ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ، وَالْجَبِينُ فَوْقَ الصُّدْغِ وَهُمَا جَبِينَانِ عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وَشَمَالًا. (أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ) : الزَّجَجُ تُقَوُّسٌ فِي الْحَاجِبِ مَعَ طُولٍ فِي طَرَفِهِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي الصِّحَاحِ: دِقَّةُ الْحَاجِبَيْنِ بِالطُّولِ، وَفِي الْأَسَاسِ: الدِّقَّةُ وَالِاسْتِقْوَاسُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ ثُمَّ الْحَاجِبُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى السَّاتِرِ، وَالْمَانِعُ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ السَّاتِرُ مَا تَحْتَهُ مِنَ الْبَشَرَةِ، وَجُمِعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي " بَيْنَهُمَا عَرْقٌ " أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي طُولِهِ كَأَنَ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْ حَاجِبَيْهِ حَاجِبٌ وَيُنَاسِبُهُ وَصْفُهُ بِالسُّبُوغِ بِقَوْلِهِ: (سَوَابِغَ) : أَيْ كَوَامِلَ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْحَوَاجِبِ ; لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى فَاعِلٌ، أَيْ دَقَّتْ وَتَقَوَّسَتْ حَالَ كَوْنِهَا سَوَابِغَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِكَانَ إِذْ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ مُفْرِدٍ مُذَكَّرٍ بِجَمْعٍ مُؤَنَّثٍ فِيهِ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى ذَلِكَ الْمُفْرَدِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْحَوَاجِبِ فَإِنَّهُ كَالنَّكِرَةِ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَصْفُ ذِي اللَّامِ الْمُنَكَّرِ فِي الْمَعْنَى بِمُفْرَدٍ يَصِحُّ دُخُولُ اللَّامِ عَلَيْهِ بِدُونِ اللَّامِ اتِّفَاقًا. (فِي غَيْرِ قَرَنٍ) : بِالتَّحْرِيكِ مَصْدَرُ قَوْلِكِ رَجُلٌ أَقْرَنُ أَيْ مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ حَاجِبَيْهِ قَدْ سَبَغَا حَتَّى كَادَا يَلْتَقِيَانِ وَلَمْ يَلْتَقِيَا، وَالْقَرَنُ غَيْرُ مَحْمُودٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَيَسْتَحِبُّونَ الْبَلَجَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي صِفَتِهِ ﷺ بِخِلَافِ مَا رَوَتْهُ أُمُّ مَعْبَدٍ حَيْثُ قَالَتْ فِي صِفَتِهِ: " أَزُجُّ أَقْرَنُ "، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ رِوَايَتِهَا بِأَنْ يُقَالَ: كَانَ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ فُرْجَةٌ دَقِيقَةٌ لَا تَتَبَيَّنُ إِلَّا لِمُتَأَمِّلٍ فَهُوَ غَيْرُ أَقْرَنَ فِي الْوَاقِعِ وَإِنْ كَانَ أَقْرَنَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَكَأَنَّهُ جَمَعَ مِنْ لَطَافَةِ الْعَرَبِ وَظَرَافَةِ الْعَجَمِ ﷺ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ غَيْرِ قَرَنٍ فَفِي بِمَعْنَى مِنْ وَغَيْرُ بِمَعْنَى لَا ; أَيْ بِلَا قَرَنٍ وَهُوَ حَالٌ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مُتَدَاخِلًا. وَقَوْلُهُ: (بَيْنَهُمَا عِرْقٌ) : وَارِدٌ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ الْحَوَاجِبَ فِي مَعْنَى الْحَاجِبَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا حَالٌ مِنَ الْحَاجِبِ، وَيَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَرْكُ الْوَاوِ، وَالْعِرْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ أَجْوَفُ يَكُونُ فِيهِ الدَّمُ وَالْعَصَبُ غَيْرُ أَجْوَفَ. (يُدِرُّهُ

стр. 37

الْغَضَبُ) : مِنَ الْإِدْرَارِ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَيْ يَجْعَلُهُ الْغَضَبُ مُمْتَلِئًا، قَالَ مِيرَكُ: وَصَحَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ يَدُرُّهُ مِنْ حَدِّ نَصَرَ مُتَعَدِّيًا، انْتَهَى. وَيُقَالُ دَرَّ اللَّبَنُ، وَمِنَ الْمَجَازِ: دَرَّتِ الْعُرُوقُ امْتَلَأَتْ يَعْنِي كَانَ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ عِرْقٌ يَمْتَلِئُ دَمًا إِذَا غَضِبَ كَمَا يَمْتَلِئُ الضَّرْعُ لَبَنًا إِذَا دَرَّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْفَائِقِ يُقَالُ: فِي وَجْهِهِ عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ أَيْ يُحَرِّكُهُ وَيُظْهِرُهُ وَهَذَا أَظْهَرُ لِمَعْنَى الْإِدْرَارِ. (أَقْنَى الْعِرْنِينِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ طَوِيلُ الْأَنْفِ، وَقِيلَ رَأْسُهُ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةِ " أَقْنَى الْأَنْفِ "، وَالْقَنَأُ طُولُ الْأَنْفِ وَدِقَّةُ أَرْنَبَتِهِ وَحَدَبٌ فِي وَسَطِهِ، فَفِي الْإِضَافَةِ تَجْرِيدٌ أَوْ مُبَالَغَةٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفْعَلَ الصِّفَةِ قَدْ يَجِيءُ لِغَيْرِ اللَّوْنِ وَالْعَيْبِ خِلَافًا لِبَعْضِ النُّحَاةِ. (لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ رَاجِعَانِ إِلَى الْعِرْنِينِ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَتِمَّاتِ صِفَاتِ الْأَنْفِ، وَقِيلَ الضَّمِيرُ فِي " لَهُ " عَائِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى " أَقْنَى ". (يَحْسَبُهُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ يَظُنُّ النَّبِيَّ ﷺ . (مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ) : أَيْ قَبْلَ التَّأَمُّلِ. (فِيهِ) : أَيْ فِي وَجْهِهِ وَأَنْفِهِ ﷺ . (أَشَمَّ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَحْسَبُ، وَالشَّمَمُ ارْتِفَاعُ الْقَصَبَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ أَعْلَاهَا وَإِشْرَافُ الْأَرْنَبَةِ قَلِيلًا، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ لِحُسْنٍ قَنَاهُ وَلِنُورٍ عَلَاهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ النَّاظِرَ مِنَ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَلَوْ أَمْعَنَ النَّظَرَ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَشَمَّ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ. (كَثَّ اللِّحْيَةِ) : بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ غَلِيظُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ، وَفِي أُخْرَى عَظِيمَ اللِّحْيَةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَمَا فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرِ وَغَيْرِهِ أَيْ غَيْرُ دَقِيقِهَا وَلَا طَوِيلِهَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ ; لِأَنَّ الطُّولَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ مَعَ أَنَّ عِظَمِ اللِّحْيَةِ بِلَا طُولٍ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ عُرْفًا، فَإِنْ كَانَ الطُّولُ الزَّائِدُ بِأَنْ تَكُونَ زِيَادَةً عَلَى الْقَبْضَةِ فَغَيْرُ مَمْدُوحٌ شَرْعًا. (سَهْلَ الْخَدَّيْنِ) : أَيْ سَائِلَ الْخَدَّيْنِ غَيْرَ مُرْتَفِعِ الْوَجْنَتَيْنِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ: كَانَ أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا تَقَرَّرَ. (ضَلِيعَ الْفَمِ) : أَيْ عَظِيمَهُ، وَقِيلَ وَاسِعَهُ، وَهُوَ يُحْمَدُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَالضَّلِيعُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي عَظُمَتْ أَضْلَاعُهُ وَوَفُرَتْ فَاتَّسَعَ جَنْبَاهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعِ الْعَظِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَضْلَاعٌ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قُوَّةِ فَصَاحَتِهِ وَسِعَةِ بَلَاغَتِهِ، وَقَالَ شِمْرٌ: أَرَادَ عَظِيمَ الْأَسْنَانَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ شِدَّةُ الْأَسْنَانِ وَكَوْنُهَا تَامَّةً. (مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ) : بِصِيغَةِ

стр. 38

الْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْلِيجِ بِالْفَاءِ وَالْجِيمِ أَيْ مُنْفَرِجَهَا، وَهُوَ خِلَافُ مُتَرَاصِّ الْأَسْنَانِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَيُرْوَى: أَفْلَجَ الْأَسْنَانَ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ كَانَ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَآهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَاهُ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ مُطْلَقٌ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَشْنَبُ وَالشَّنَبُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهُ مُوَحَّدَةٌ رِقَّةُ الْأَسْنَانِ وَمَاؤُهَا وَرَوْنَقُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ: مُبْلِجَ الثَّنَايَا بِالْمُوَحَّدَةِ، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ عَسَاكِرَ: بَرَّاقُ الثَّنَايَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ مِنْ دَلْوٍ فَصُبَّ فِي بِئْرٍ فَفَاحَ مِنْهَا مِثْلُ رَائِحَةِ الْمِسْكِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ: أَنَّهُ بَزَقَ فِي بِئْرٍ بِدَارِ أَنَسٍ فَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ بِئْرٌ أَعْذَبَ مِنْهَا، وَالْبَيْهَقِيُّ: أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتْفُلُ فِي أَفْوَاهِ رُضَعَائِهِ رُضَعَاءِ بِنْتِهِ فَاطِمَةَ وَيَقُولُ: " لَا يُرْضَعُونَ إِلَى اللَّيْلِ " فَكَانَ رِيقُهُ يُجْزِيهِمْ، وَالطَّبَرَانِيُّ: أَنَّ نِسْوَةً مَضَغْنَ قَدِيدَةً مَضَغَهَا فَمُتْنَ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَفْوَاهِهِنَّ خَلُوفٌ، وَأَنَّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ وَبِهَا رِيقُهُ ظَهْرَ عُتْبَةَ وَبَطْنَهُ فَلَمْ يُشَمَّ أَطْيَبَ مِنْهُ رَائِحَةً، وَابْنُ عَسَاكِرَ: أَنَّ الْحَسَنَ اشْتَدَّ ظَمَؤُهُ فَأَعْطَاهُ لِسَانَهُ فَمَصَّهُ حَتَّى رَوِيَ، وَبَصَقَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِعَيْنَيْ عَلِيٍّ وَبِهِمَا رَمَدٌ فَبَرِئَ. (دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ) : بِضَمِّ الرَّاءِ ; الشَّعْرُ الْمُسْتَدَقُّ مَا بَيْنَ اللَّبَةِ إِلَى السُّرَّةِ، وَوَصْفُهَا بِالدِّقَّةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى التَّجْرِيدِ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَوَاحِدَةُ الْمَسَارِبِ وَهِيَ الْمَرَاعِي. (كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ. (عُنُقَهُ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ. (جِيدُ دُمْيَةٍ) : بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ رَقَبَتُهُ صُورَةٌ مُصَوَّرَةٌ مِنْ عَاجٍ وَنَحْوِهِ، وَالْجِيدُ بِكَسْرِ الْجِيمِ بِمَعْنَى الْعُنُقِ، وَغَايَرَ بَيْنَهُمَا كَرَاهَةَ التَّكْرَارِ اللَّفْظِيِّ وَإِرَادَةَ التَّفَنُّنِ الْمَعْنَوِيِّ، وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ طُولَ عُنُقِهِ فِي غَايَةِ الِاعْتِدَالِ وَكَيْفِيَّةَ هَيْئَتِهِ مِنْ نِهَايَةِ الْجَمَالِ، إِذِ الْغَالِبُ تَشْبِيهُ الْأَشْكَالِ وَالْهَيْئَاتِ بِالصُّورَةِ، وَإِيرَادُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ لِأَنَّهَا يُتَأَنَّقُ فِي صِفَتِهَا وَيُبَالَغُ فِي تَحْسِينِهَا. (فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ) : قِيلَ: صِفَةٌ لِدُمْيَةٍ أَوْ لِجِيدِ دُمْيَةٍ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِكَانَ عُنُقُهُ وَهُوَ الْأَوْلَى وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى بَيَاضِ عُنُقِهِ الَّذِي يَبْرُزُ لِلشَّمْسِ الْمُسْتَلْزِمِ أَنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ أَوْلَى وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَيَاضَهُ كَانَ فِي غَايَةِ الصَّفَاءِ لَا أَنْ بَيَاضَهُ كَرِيهُ اللَّوْنِ كَلَوْنِ الْجَصِّ وَهُوَ الْأَبْيَضُ الْأَمْهَقُ. (مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ) :

стр. 39

بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَانَتْ أَعْضَاؤُهُ مُتَنَاسِبَةً غَيْرَ مُتَنَافِرَةٍ وَكَأَنَّهُ إِجْمَالٌ بَعْدَ تَفْصِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سَبَقَ، وَإِجْمَالٌ قَبْلَ التَّفْصِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَحِقَ، وَإِنْكَارُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ الْعِظَامِ مُكَابَرَةٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِ ذَاتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ حَمَاهُ خَلْقًا وَشَرِيعَةً وَأُمَّةً مِنْ غَائِلَتَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ يُوهِمُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ: عَالِمُ الْقَوْمِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الْفِقْرَةُ صُحِّحَتْ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ مَعًا، فَالنَّصْبُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِكَانَ السَّابِقِ أَوِ الْمَحْذُوفِ كَالْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ، انْتَهَى. وَالنَّصْبُ أَظْهَرُ. (بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ) : قَالَ الْحَنَفِيُّ: قَوْلُهُ: " بَادِنٌ " رِوَايَتُنَا إِلَى هُنَا بِالنَّصْبِ وَمِنْهُ إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ مِيرَكُ: الصَّحِيحُ فِي أُصُولِ مَشَايِخِنَا " بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِكَانَ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ " مَنْصُوبًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى السِّيَاقِ، وَيُكْتَفَى بِحَرَكَةِ النَّصْبِ عَلَى الْأَلِفِ كَمَا هُوَ رَسْمُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي كُتُبِهِمُ الْمَنْصُوبَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ نَقْلًا عَنِ الشَّمَايِلِ " بَادِنًا مُتَمَاسِكًا " بِالْأَلِفِ وَكَذَا فِي الْفَائِقِ وَكَذَا فِي الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ كُتِبَ بِالْأَلِفِ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْجُمَلِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ لَكِنْ لَا يَسْتَقِيمُ النَّصْبُ فِي بَعْضِ الْجُمَلِ كَقَوْلِهِ: " سَوَاءٌ الْبَطْنُ وَالصَّدْرُ "، وَقَوْلِهِ: " نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ "، وَقَوْلِهِ: " جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَةُ " فَتَأَمَّلْ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَقْلَ جَامِعِ الْأُصُولِ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَتُهُ بِالنَّصْبِ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ النَّصْبِ هَاهُنَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْجُمَلِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ: " بَادِنٌ " اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَدَنَ بِمَعْنَى ضَخُمَ، وَالضَّخَامَةُ قَدْ تَكُونُ بِعِظَمِ الْأَعْضَاءِ وَقَدْ تَحْصُلُ بِالسِّمَنِ، وَلَمَّا لَمْ يُوصَفْ ﷺ بِالسِّمَنِ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْمُرَادُ بِهِ عِظَمُ الْأَعْضَاءِ، وَأَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: " مُتَمَاسِكٌ " وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُ بَعْضُ أَعْضَائِهِ بَعْضًا لُيُعْلَمَ أَنَّ عِظَمِ أَعْضَائِهِ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، وَقِيلَ: الْمُتَمَاسِكُ هُوَ الْمُكْتَنِزُ اللَّحْمِ غَيْرُ سَهْلٍ وَلَا مُسْتَرْخٍ كَأَنَّ سِمَنَهُ اسْتَمْسَكَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَادِنِ السَّمِينَ، وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: " مُتَمَاسِكٌ " لِنَفْيِ الِاسْتِرْخَاءِ الْمَذْمُومِ عِنْدَ الْعَرَبِ الْمَكْرُوهُ فِي الْمَنْظَرِ أَيْ فَهُوَ مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ بَيْنَ السِّمَنِ وَالنَّحَافَةِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُ سَمِنَ أَوْ مَا سَمِنَ لَفْظِيٌّ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبَادِنَ فَسَّرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِذِي لَحْمٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ أَوْ تَذْيِيلٌ وَتَتْمِيمٌ. (سَوَاءٌ الْبَطْنُ وَالصَّدْرُ) : صِفَةُ " بَادِنٍ " أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ مِيرَكُ: صُحِّحَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا وَأَكْثَرُ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ وَالْمُصَحِّحَةِ سَوَاءٌ بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا وَالْبَطْنُ وَالصَّدْرُ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ سَوَاءٌ بَطْنُهُ وَصَدْرُهُ، انْتَهَى. وَنَظِيرُهُ (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ مِنْهُ نَحْوُ السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ أَيْ مِنْهُ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي) فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ: أَنَّ الْبَطْنَ وَالصَّدْرَ مَرْفُوعَانِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ دُونَ الِابْتِدَاءِ لَكِنْ يَلْزَمُ كَوْنُ التَّرْكِيبِ قَبِيحًا لِخُلُوِّهِ عَنْ ضَمِيرِ الْمَوْصُوفِ كَمَا عُلِمَ فِي مَسَائِلِ الْحَسَنِ الْوَجْهَ فَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْفَائِقِ، نَعَمْ لَوْ نَصَبَ الْبَطْنَ لَكَانَ أَحْسَنَ وَبِالْجُمْلَةِ سَوَاءٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَجَاءَ فِي سَوَاءٍ كَسْرُ السِّينِ وَالْفَتْحُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. قُلْتُ وَالرِّوَايَةُ بِالْفَتْحِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مُسْتَوَيَانِ لَا يَنْبُو أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَسَوَاءُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ لِاسْتِوَاءِ الْمَسَافَةِ إِلَيْهِ مِنَ الْأَطْرَافِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ سَوَاءٍ غَيْرِ مُنَوَّنٍ وَخَفْضِ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: سَوَاءٌ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ يُوصَفُ بِهِ كَمَا يُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ، فَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنَى مُسْتَوٍ أُضِيفَ إِلَى الْبَطْنِ وَفِيهِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْمَعْنَى أَنَّ صَدْرَهُ

стр. 40

وَبَطْنَهُ لَا يَزِيدُ عَلَى صَدْرِهِ، وَصَدْرُهُ لَا يَزِيدُ عَلَى بَطْنِهِ، انْتَهَى. يَعْنِي أَنَّ بَطْنَهُ ضَامِرٌ فَهُوَ مُسَاوٍ لِصَدْرِهِ وَصَدْرُهُ عَرِيضٌ فَهُوَ مُسَاوٍ لِبَطْنِهِ. فَقَوْلُهُ: (عَرِيضُ الصَّدْرِ) : كَالْمُؤَكِّدِ لِمَا قَبْلَهُ، وَكَوْنُ الصَّدْرِ عَرِيضًا مِمَّا يُمْدَحُ فِي الرِّجَالِ. (بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ) : سَبَقَ مَعْنَاهُمَا. (أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ وَهُوَ مَا جُرِّدَ عَنْهُ الثَّوْبُ مِنَ الْبَدَنِ، يُقَالُ: فُلَانٌ حَسَنُ الْجُرْدَةِ، وَالْمُجَرَّدُ وَالْمُتَجَرَّدَةُ وَالتَّجْرِيدُ التَّعْرِيَةُ عَنِ الثَّوْبِ، وَالْمُتَجَرَّدُ الْمُعَرَّى كَقَوْلِهِمْ حَسَنُ الْعُرْيَةِ وَالْمُعَرَّى وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْمَعْنَى أَنَّ عُضْوَهُ الَّذِي سَتَرَهُ الثَّوْبُ كَانَ أَنْوَرَ إِذَا صَارَ مَكْشُوفًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَنْوَرِ النَّيِّرُ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) ، وَالنَّيِّرُ الْأَبْيَضُ الْمُشْرِقُ فَإِنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ لَا يُضَافُ إِلَى الْمُفْرَدِ الْمَعْرِفَةِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: رُوِيَ الْمُتَجَرِّدُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّجَرُّدِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ أَيِ الْعُضْوُ الَّذِي كَانَ عَارِيًا عَنِ الثَّوْبِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَكَانٍ مِنْهُ أَيِ الْعُضْوُ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ التَّجَرُّدِ عَنِ الثَّوْبِ وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: رُوِيَ الْمُتَجَرَّدُ مَفْتُوحُ الرَّاءِ وَمَكْسُورُهُ فَفِي الْقَامُوسِ: امْرَأَةٌ بَضَّةُ الْجُرْدَةِ وَالْمُجَرَّدِ وَالْمُتَجَرَّدِ أَيْ بَضَّةٌ عِنْدَ التَّجَرُّدِ، وَالْمُتَجَرَّدُ مَصْدَرٌ فَإِنْ كَسَرْتَ الرَّاءَ أَرَدْتَ الْجِسْمَ، انْتَهَى. وَلَيْسَ كَسْرُ الرَّاءِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي حَاشِيَةِ شَرْحَهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ، وَيُوَافِقُهُ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ. (مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَةِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ النُّقْرَةُ الَّتِي فَوْقَ الصَّدْرِ. (وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَوْصُولِ الْمُضَافِ إِلَى مَعْمُولِهِ إِضَافَةَ الْوَصْفِ وَالْمَعْنَى، وُصِلَ مَا بَيْنَ لَبَّتِهِ وَسُرَّتِهِ بِشَعْرٍ، وَمَا إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ. (يَجْرِي) : أَيْ يَمْتَدُّ ذَلِكَ الشَّعْرُ. (كَالْخَلْطِ) : أَيْ طُولًا وَرِقَّةً وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَالْخَلِيطِ وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْأَشْعَارَ مُشَبَّهَةٌ بِالْحُرُوفِ وَهَذَا الشَّعْرُ مَعْنَى هُوَ دَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ (عَارِي الثَّدْيَيْنِ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ. (وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) : قَالَ الْحَنَفِيُّ. إِشَارَةٌ إِلَى مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ، وَالظَّاهُرُ أَنْ يُقَالَ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ الشَّعْرِ أَوِ الْخَطِّ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ عَلَى ثَدْيَيْهِ وَبَطْنِهِ شَعْرٌ غَيْرُ مَسْرُبَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَعْدٍ: لَهُ شَعْرٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ يَجْرِي كَالْقَضِيبِ لَيْسَ فِي بَطْنِهِ وَلَا

стр. 41

صَدْرِهِ شَعْرٌ غَيْرُهُ. وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: " عَارِي الثَّدْيَيْنِ " أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَعْرٌ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا لَحْمٌ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ أَشْعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعْلَى الصَّدْرِ، انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى قِيلَ وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ إِبِطَيْهِ شَعْرٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَنْتِفُ شَعْرَ إِبِطَيْهِ، وَلَعَلَّ النَّفْيَ مُنْصَبٌّ عَلَى كَثْرَةِ شَعْرِهِ. (أَشْعَرُ الذِّرَاعَيْنِ) : وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْأَصَابِعِ. (وَالْمَنْكِبَيْنِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ مُجْتَمَعُ رَأَسِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ. . (وَأَعَالِي الصَّدْرِ) : أَيْ أَنَّ شَعْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَزِيرٌ كَثِيرٌ وَالْأَشْعَرُ ضِدُّ الْأَجْرَدِ وَهُوَ أَفْعَلُ صِفَةٌ لَا أَفْعَلُ تَفْضِيلٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَالْأَشْعَرُ كَثِيرُ الشَّعْرِ وَطَوِيلُهُ، وَفِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ أَيْ كَثِيرُهُ وَقِيلَ طَوِيلُهُ وَالْمَقَامُ يَحْتَمِلُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ) : بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ اللَّحْمُ مِنَ الذِّرَاعِ عَلَى مَا فِي الْفَائِقِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: هُمَا طَرَفَا عَظْمِ السَّاعِدَيْنِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْكُوعُ بِالضَّمِّ طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ، وَالْكَاعُ طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْخِنْصِرَ وَهُوَ الْكُرْسُوعُ. (رَحْبُ الرَّاحَةِ) : أَيْ وَاسِعُ الْكَفِّ حِسًّا وَمَعْنًى وَالرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى السِّعَةِ، قِيلَ: رَحْبُ الرَّاحَةِ دَلِيلُ الْجُودِ وَضِيقُهَا دَلِيلُ الْبُخْلِ. (شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ) : سَبَقَ مَعْنَاهُ. (سَائِلُ الْأَطْرَافِ) : بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِهَمْزٍ مَكْسُورٍ بَعْدَ أَلْفٍ وَفِي آخِرِهِ لَامٌ، وَقَوْلُ الْحَنَفِيِّ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْيَاءِ آخِرُ الْحُرُوفِ ; مُوهِمٌ وَمُرَادُهُ الْأَصْلُ، وَفَسَّرَهُ الشِّفَاءُ بِالطَّوِيلِ الْأَصَابِعِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ امْتِدَادُ الْيَدَيْنِ وَارْتِفَاعُ الْأَصَابِعِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ وَبِالنُّونِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي سَائِلٍ كَجِبْرِيلَ وَجِبْرِينَ. (أَوْ قَالَ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ قَالَ ابْنُ أَبِي هَالَةَ أَوِ الْحَسَنُ أَوْ مَنْ دُونَهُمَا مِنْ مَشَايِخِ الرَّاوِي. (شَائِلُ الْأَطْرَافِ) : بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ يَئُولُ إِلَى ارْتِفَاعِ الْأَصَابِعِ وَهُوَ ضِدُّ انْقِبَاضِهَا وَإِلَى طُولِ الْيَدَيْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَالَتِ الْمِيزَانُ إِذَا ارْتَفَعَتْ إِحْدَى كِفَّتَيْهِ، قِيلَ: لَمْ يَذْكُرِ الْهَرَوِيُّ وَلَا صَاحِبُ النِّهَايَةِ هَذَا اللَّفْظَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَالشَّوْلُ: الِارْتِفَاعُ، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ مَائِلٌ إِلَى الطُّولِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: قِيلَ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَسَائِرِ الْأَطْرَافِ " أَوْ قَالَ " سَائِرُ الْأَطْرَافِ " بِالْمُهْمَلَةِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " سَائِلُ أَوْ سَائِرُ الْأَطْرَافِ " ; فَالسَّائِرُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْبَاقِي مِنَ السُّؤْرِ عَطْفًا عَلَى الْقَدَمَيْنِ أَيْ شَثْنُ سَائِرِ الْأَطْرَافِ، قَالَ مِيرَكُ: وَنَقَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَسَائِرِ الْأَطْرَافِ " بِوَاوِ الْعَطْفِ وَبِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا رِوَايَةً كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " وَسَائِرِ الْأَطْرَافِ " فَإِشَارَةٌ إِلَى فَخَامَةِ جَوَارِحِهِ كَمَا وَقَعَتْ مُفَصَّلَةً فِي الْحَدِيثِ، لَكِنْ لَا يُلَائِمُ سِيَاقَ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ " سَائِلُ الْأَطْرَافِ "، ثُمَّ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: أَوْ قَالَ سَائِرُ الْأَطْرَافِ، فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَصْوَبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَقَلَ جَامِعُ الْأُصُولِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الشَّمَايِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَوْ قَالَ " شَائِلُ الْأَطْرَافِ " لَكِنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَانُونِ الْعَرَبِيَّةِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - مَعَ ثُبُوتِ نَقْلِهِ عَنِ الثِّقَاتِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ وَقَعَ سَهْوًا مِنَ النَّاسِخِ بَدَلًا مِنَ السَّائِنِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: سَائِلُ الْأَطْرَافِ وَبِالنُّونِ أَيْ مُمْتَدُّ الْأَصَابِعِ. (خُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ) : بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، فِي الْقَامُوسِ: الْخُمْصَانُ بِالضَّمِّ وَبِالتَّحْرِيكِ ضَامِرُ الْبَطْنِ فَهُوَ صِفَةٌ مُؤَنَّثَةٌ بِالتَّاءِ، وَقَالَ

стр. 42

ابْنُ الْأَثِيرِ: الْأَخْمَصُ مِنَ الْقَدَمِ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَلْصِقُ بِالْأَرْضِ مِنْهَا عِنْدَ الْوَطْءِ، وَالْخُمْصَانُ الْمَبَالِغُ مِنْهُ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ أَسْفَلِ قَدَمَيْهِ شَدِيدُ التَّجَافِي عَنِ الْأَرْضِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: إِذَا كَانَ خَمْصُ الْأَخْمَصِ بِقَدْرٍ لَمْ يَرْتَفِعْ جِدًّا وَلَمْ يَسْتَوِ أَسْفَلُ الْقَدَمِ جِدًّا فَهُوَ أَحْسَنُ مَا يَكُونُ وَإِذَا اسْتَوَى أَوِ ارْتَفَعَ جِدًّا فَهُوَ ذَمٌّ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْأَنْسَبُ بِأَوْصَافِهِ أَنَّ أَخْمَصَهُ مُعْتَدِلُ الْخَمْصِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، انْتَهَى كَلَامُ النِّهَايَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَخِيرَ مَا فِي الْفَائِقِ: يَعْنِي أَنَّهُمَا مُرْتَفِعَانِ عَنِ الْأَرْضِ لَيْسَ بِالْأَرَحِّ الَّذِي يَمَسُّهَا أَخْمَصَاهُ، وَالْأَرَحُّ بِالرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلَافُ هَذَا، قَالَ فِيهِ: إِذَا وَطِئَ بِقَدَمِهِ وَطِئَ بِكُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَخْمَصَ، قَالَ: وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ: مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ، وَبِهِ قَالُوا سُمِّي الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵉ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَخْمَصَ كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ أَيَّدَهُ بِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ أَنَّ الرَّاوِيَ ذَكَرَ قَوْلَهُ: " مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ " عَقِيبَ قَوْلِهِ: " خُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ " فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَخْمَصَ لَكَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ صَرِيحٌ، فَظَهَرَ أَنَّ لِقَوْلِهِ: " مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ " مَعْنًى آخَرَ - كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ -، وَظَهَرَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مِمَّا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنْ خَمْصَهُ فِي غَايَةِ الِاعْتِدَالِ فَمَنْ أَثْبَتَ الْخَمْصَ أَرَادَ أَنَّ فِي قَدَمَيْهِ خَمْصًا يَسِيرًا، وَمَنْ نَفَاهُ نَفَى شِدَّتَهُ، قَالَ مِيرَكُ: هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ قَوِيَّةٍ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ هِنْدٍ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِأَجْلِ جُمَيْعِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ النُّقَّادِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ حِبَّانَ ذَكَرَهُ فِي الثِّقَاتِ وَفِيهِ مَجْهُولَانِ أَيْضًا، انْتَهَى. وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ: إِنَّ النِّهَايَةَ جَعَلَهَا مُبَالَغَةً فِي ارْتِفَاعِهَا، وَزَعَمَ أَنَّ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ مَفْهُومَةٌ مِنْ إِضَافَةِ " الْخُمْصَانِ " إِلَى " الْأَخْمَصَيْنِ "، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ لِبَاطِنِ الْقَدَمِ أَخْمَصُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَيُنَافِيهِ مَا فِي الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّ الْأَخْمَصَ هُوَ الشَّخْصُ لَا الْمَوْضِعُ الْخَاصُّ مِنْهُ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ الْأَوَّلُ سُمِّيَ أَخْمَصَ لِضُمُورِهِ وَدُخُولُهُ فِي الرِّجْلِ، يُقَالُ خَمُصَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ خَمْصًا وَرَجُلٌ خُمْصَانٌ بِالضَّمِّ وَامْرَأَةٌ خُمْصَانَةٌ إِذَا كَانَا ضَامِرَيِ الْبَطْنِ. (مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ) : أَيْ أَمَلَسُهُمَا لَيْسَ فِيهِمَا تَكَسُّرٌ وَلَا شِقَاقٌ، وَفِي الْفَائِقِ يُرِيدُ مَمْسُوحَ ظَاهِرِ الْقَدَمَيْنِ أَيْ مَلْسَاوَانِ لَيِّنَتَانِ، فَالْمَاءُ إِذَا صُبَّ عَلَيْهِمَا مَرَّ مَرًّا سَرِيعًا، وَيُفَسِّرُهُ أَوْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (يَنْبُو) : عَلَى وَزْنِ يَدْعُو أَيْ يَتَبَاعَدُ وَيَتَجَافَى. (عَنْهُمَا الْمَاءُ) : وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: أَيْ ظَهْرُ قَدَمِهِ أَمْلَسُ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِمَلَاسَتِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ الَّذِي لَيْسَ بِكَثِيرِ اللَّحْمِ فِيهِمَا. (إِذَا زَالَ) : أَيْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَارْتَفَعَ عَنْ مَكَانِهِ، أَوْ زَالَ قَدَمُهُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، فَإِنَّ الْقَدَمَ مُؤَنَّثٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ رَدًّا عَلَى الْجَوْهَرِيِّ، وَأَغْرَبَ مَنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ إِلَى الْمَاءِ نَظَرًا إِلَى الْقُرْبِ اللَّفْظِيِّ وَغَفَلَ عَنِ الْفَسَادِ الْمَعْنَوِيِّ. . (زَالَ قَلْعًا) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ رَفَعَ رِجْلَهُ عَنِ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا بِقُوَّةٍ لَا كَمَنْ يَمْشِي اخْتِيَالًا وَيُقَارِبُ خُطَاهُ تَبَخْتُرًا، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: رُوِيَ قَلْعًا بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيْ يَزُولُ قَالِعًا لِلرِّجْلِ مِنَ الْأَرْضِ وَبِالضَّمِّ إِمَّا مَصْدَرٌ أَوِ اسْمٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفَتْحِ أَيْضًا، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: قَرَأْتُ هَذَا الْحَرْفَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ قَلْعًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَكَذَلِكَ قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الْأَزْهَرِيِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَلْعًا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا أَوِ اسْمًا بِمَعْنَاهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَيْ زَالَ زَوَالَ قَلْعٍ، وَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِمَّا وَرَدَ فِي وَصْفِ مَشْيِهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ فِي صَبَبٍ إِذْ الِانْحِدَارُ مِنَ الصَّبَبِ وَالْقَلْعُ مِنَ الْأَرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ التَّثْبِيتَ وَلَا يَتَبَيَّنُ مِنْهُ حِينَئِذٍ اسْتِعْجَالٌ وَلَا اسْتِمْهَالٌ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أَيْ تَوَسَّطْ فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، قَالَ الْعِصَامُ: قَلِعًا كَكَتِفٍ حَالٌ وَغَيْرُهُ

стр. 43

مَنْصُوبٌ مَصْدَرٌ أَيْ ذَهَابَ قَلِعٍ أَوْ تَقَلَّعَ قَلْعًا، وَقَوْلُهُ: (يَخْطُو) : بِوَزْنِ يَعْدُو أَيْ يَمْشِي. (تَكَفِّيًا) : جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ، وَفِي نُسْخَةٍ تَكَفُّؤًا بِضَمِّ الْفَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَسَبَقَ تَحْقِيقُهَا أَيْ مَائِلًا إِلَى سَنَنِ الْمَشْيِ لَا إِلَى طَرَفَيْهِ. (وَيَمْشِي) : تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَةِ. (هَوْنًا) : قَالَ الْحَنَفِيُّ: مَصْدَرٌ بِغَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ أَيْ يَمْشِي مَشْيَ هَوْنٍ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَشْيًا هَوْنًا أَوْ حَالٌ أَيْ هَيِّنًا فِي تَؤُدَةٍ وَسَكِينَةٍ وَحُسْنِ سَمْتٍ وَوَقَارٍ وَحِلْمٍ لَا يَضْرِبُ بِقَدَمَيْهِ وَلَا يَخْفِقُ بِنَعْلَيْهِ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) أَيْ بِالطَّاعَةِ وَالْعَفَافِ وَالتَّوَاضُعِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: حُلَمَاءُ إِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْهَلُوا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سُرْعَةُ الْمَشْيِ تُذْهِبُ بِبَهَاءِ الْوَجْهِ ; يُرِيدُ الْإِسْرَاعَ الْخَفِيفَ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْوَقَارِ إِذِ الْخَيْرُ فِي الْأَمْرِ الْوَسَطِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْأُخْرَى رَفْعًا بَائِنًا بِقُوَّةٍ لَا كَمَنْ يَمْشِي مُخْتَالًا وَيُقَارِبُ خُطَاهُ تَنَعُّمًا. (ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ) : خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلنَّوْعِ، وَمَعْنَاهُ الْمَشْيُ الْمُعْتَادُ لِصَاحِبِهِ عَلَى مَا فِي الْجَارَبَرْدِيِّ أَوْ سَرِيعُ الْمَشْيِ وَاسِعُ الْخُطَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مِشْيَتَهُ مَعَ سُرْعَتِهِ كَأَنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى إِلَيْهِ - كَمَا سَيَأْتِي - كَانَتْ بِرِفْقٍ وَتَثَبُّتٍ دُونَ الْعَجَلَةِ، وَأَمَّا إِسْرَاعُ عُمَرَ ﵁ فَكَانَ جِبِلِّيًّا لَا تَكَلُّفِيًّا، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ مِيرَكَ فَقَوْلُهُ: إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعًا ; إِشَارَةٌ إِلَى كَيْفِيَّةِ رَفْعِ رِجْلَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: " يَمْشِي هَوْنًا " إِشَارَةٌ إِلَى كَيْفِيَّةِ وَضْعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: " ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ " أَيْ وَاسِعُ الْخَطْوِ مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ ذَرِيعٌ أَيْ وَاسِعُ الْخَطْوِ بَيْنَ الذِّرَاعَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى سِعَةِ خَطْوِهِ فِي الْمَشْيِ وَهِيَ الْمِشْيَةُ الْمَحْمُودَةُ لِلرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يُوصَفْنَ بِقَصْرِ الْخُطَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْ أَنَّ مَشْيُهُ كَانَ يَرْفَعُ فِيهِ رِجْلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وَيَمُدُّ خَطْوَهُ خِلَافَ مِشْيَةِ الْمُخْتَالِ، وَيَقْصِدُ هِمَّتَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِرِفْقٍ وَثَبَتٍ دُونَ عَجَلَةٍ كَمَا قَالَ: (إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ) : وَالظَّرْفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ كَالْمُبَيِّنِ لِقَوْلِهِ: " ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ "، وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ) : عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ الْأُولَى أَعْنِي إِذَا زَالَ قَلْعًا لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مِنْ لَوَاحِقِهَا. (جَمِيعًا) : عَلَى وَزْنِ فَعِيلًا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَمْعًا عَلَى وَزْنِ ضَرْبًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ، أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُسَارَقُ النَّظَرَ، وَقِيلَ لَا يَلْوِي عُنُقَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً إِذَا نَظَرَ إِلَى الشَّيْءِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الطَّائِشُ الْخَفِيفُ وَلَكِنْ كَانَ يُقْبِلُ جَمِيعًا وَيُدْبِرُ جَمِيعًا لِمَا أَنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ بِجَلَالَتِهِ وَمَهَابَتِهِ. (خَافِضُ الطَّرْفِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وَالْمُرَادُ بِالْخَفْضِ ضِدُّ الرَّفْعِ وَالطَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ الْعَيْنُ وَلَمْ يُجْمَعْ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصَدَرٌ وَاسْمُ جِنْسٍ يَعْنِي إِذَا لَمْ يَنْظُرْ إِلَى شَيْءٍ يَخْفِضُ بَصَرَهُ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْمُتَأَمِّلِ الْمُشْتَغِلِ بِالْبَاطِنِ وَلِأَنَّهُ

стр. 44

شَأْنُ الْمُتَوَاضِعِ بِالطَّبْعِ وَيُؤَكِّدُهُ وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: (نَظَرُهُ) : أَيْ مُطَالَعَتُهُ. (إِلَى الْأَرْضِ أَطْوَلُ) : أَيْ أَكْثَرُ أَوْ زَمَنُ نَظَرِهِ إِلَيْهَا أَطْوَلُ أَيْ أَزْيَدُ وَأَمَدُّ (مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا بِرَأْسِهِ مُخْبِرًا عَنْ نِهَايَةِ تَوَاضُعِهِ وَخُضُوعِهِ وَغَايَةُ حَيَائِهِ مِنْ رَبِّهِ وَكَثْرَةُ خَوْفِهِ وَخُشُوعِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ نَظَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ حَالَ السُّكُوتِ وَعَدَمِ التَّوَجُّهِ إِلَى أَحَدٍ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: كَانَ ﷺ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّفْعَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ تَوَقُّعِهِ انْتِظَارَ الْوَحْيِ فِي أَمْرٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْأَكْثَرُ لَا يُنَافِي الْإِكْثَارَ. (جُلُّ نَظَرِهِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُعْظَمُهُ وَأَكْثَرُهُ. (الْمُلَاحَظَةُ) : وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ اللَّحْظِ وَهُوَ النَّظَرُ بِاللِّحَاظِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا، يُقَالُ: لَحِظَهُ وَلَحِظَ إِلَيْهِ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ، وَاللِّحَاظُ بِالْفَتْحِ شَقُّ الْعَيْنِ مِمَّا يَلِي الصُّدْغَ، وَأَمَّا الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ فَالْمَوْقُ وَالْمَاقُ، وَاللِّحَّاظُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرُ لَاحَظْتُهُ إِذَا رَاعَيْتَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ جُلَّ نَظَرِهِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْخِطَابِ الْمُلَاحَظَةُ فَلَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا وَتُحْمَلُ الْمُلَاحَظَةُ عَلَى حَالِ الْعِبَادَةِ. (يَسُوقُ أَصْحَابَهُ) : أَيْ يُقَدِّمُهُمْ أَمَامَهُ وَيَمْشِي خَلْفَهُمْ تَوَاضُعًا وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ كَالرَّاعِي يَسُوقُهُمْ وَإِيمَاءً إِلَى مُرَاعَاةِ أَضْعَفِهِمْ فَيَتَأَخَّرُ عَنْهُمْ رِعَايَةً لِلضُّعَفَاءِ وَإِعَانَةً لِلْفُقَرَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " يُقَدِّمُ أَصْحَابَهُ " مِنَ التَّقْدِيمِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطَأُ عَقِبُهُ عَقِبَ رَجُلٍ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَرْبَابِ الْجَاهِ مِنَ الْجُهَلَاءِ وَأَصْحَابِ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " خَلُّوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَةِ "، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَمْشُونَ أَمَامَهُ وَيَدَعُونَ ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) وَيُرْوَى: " يَنُسُّ أَصْحَابَهُ "، فِي الْقَامُوسِ: النَّسُّ بِالنُّونِ وَالسِّينِ الْمُشَدَّدَةِ السَّوْقُ يَنُسُّ وَيَنِسُّ. (وَيَبْدُرُ) : مِنْ حَدِّ نَصَرَ بِمَعْنَى يَسْبِقُ وَيُبَادِرُ. (مَنْ لَقِيَ بِالسَّلَامِ) : مُتَعَلِّقٌ بَيَبْدُرُ أَيْ بِالتَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ

стр. 45

مَصْدَرُ سَلَّمْتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " يَبْدَؤُ " مِنَ الْبَدْءِ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ سَلَامَهُ أَوَّلَ مُلَاقَاتِهِ، قِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ سِمَةُ الْمُتَوَاضِعِ، وَقَالَ الْعِصَامُ: أَقُولُ إِيثَارًا لِمَنْ لَقِيَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَجْزَلِ الْمَثُوبَةِ لِأَنَّ جَوَابَ السَّلَامِ فَرِيضَةٌ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ ثَوَابِ السُّنَّةِ، قُلْتُ: هَذَا غَفْلَةٌ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ ; أَنَّ الْإِيثَارَ فِي الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مَحْمُودٍ وَذُهُولٌ عَنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ إِنَّ هَذِهِ سَنَّةٌ أَفْضَلُ مِنَ الْفَرْضِ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِحُصُولِهِ، وَأَمَّا مَا قَالَ الْحَنَفِيُّ وَفِي النُّسَخِ يَبْدُو أَيْ بِالْوَاوِ فَمُنَافٍ لِقَوْلِهِ، وَقَالَ الْفَائِقُ: " يَبْدَأُ " أَيْ بِالْهَمْزَةِ وَتَبِعَهُ الْعِصَامُ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ وَإِنْ قَالَ الْحَنَفِيُّ، وَالْمُؤَدَّى فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ وَاحِدٌ. (حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) : اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ، الْعَنَزِيُّ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالزَّمِنِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) : الْمَعْرُوفُ بِغُنْدَرٍ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ. (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ سِمَاكِ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ تَابِعِيٌّ أَدْرَكَ ثَمَانِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ. (بْنِ حَرْبٍ) : احْتِرَازٌ عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ. . (قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ كِلَاهُمَا صَحَابِيَّانِ. (يَقُولُ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ. (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَلِيعَ الْفَمِ) : أَيْ وَاسْعَهُ، وَالْفَمُ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَتُشَدَّدُ فِي لُغَةٍ، وَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَ الْعَرَبِ - كَمَا سَبَقَ - وَكِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ الْفَصَاحَةِ وَتَمَامِ الْبَلَاغَةِ. (أَشْكَلَ الْعَيْنِ) : الْمُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ، وَفِي نُسْخَةٍ «الْعَيْنَيْنِ» بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ تَصْرِيحًا بِالْمَقْصُودِ أَيْ فِي بَيَاضِهَا مِنَ الْحُمْرَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. (مَنْهُوسَ الْعَقِبِ) : ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنُ الْأَثِيرِ: رُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَيْ قَلِيلَ لَحْمِ الْعَقِبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ. (قَالَ شُعْبَةُ:) : أَيِ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ. (قُلْتُ لِسِمَاكٍ:) : أَيْ شَيْخِهِ. (مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ) : وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ عَظِيمُ الْأَسْنَانِ. (قُلْتُ: مَا أَشْكَلُ الْعَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:

стр. 46

هَذَا وَهْمٌ مِنْ سِمَاكٍ وَالصَّوَابُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ مِنْ أَنَّ الشَّكْلَةَ حُمْرَةٌ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَ الْعَرَبِ جِدًّا، وَالشَّهْلَةُ بِالْهَاءِ حُمْرَةٌ فِي سَوَادِهَا، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: كَانَ ﷺ عَظِيمَ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ مُشْرَبَ الْعَيْنِ بِحُمْرَةٍ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرَى بِاللَّيْلِ فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى بِالنَّهَارِ فِي الضَّوْءِ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَسُجُودُكُمْ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، انْتَهَى. وَلَعَلَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ الْجِدَارِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْأَخْبَارِ بِرِوَايَةِ الْأَخْيَارِ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلِمَنِي اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمَّا ضَلَّتْ نَاقَتُهُ ﷺ طَعَنَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ فِي نُبُوَّتِهِ فَأُخْبِرَ فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي، وَقَدْ دَلَّنِي عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا، حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِخِطَامِهَا» فَوُجِدَتْ كَمَا أَخْبَرَ، وَعِنْدِ السُّهَيْلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى فِي الثُّرَايَا اثْنَيْ عَشَرَ نَجْمًا وَفِي الشِّفَاءِ أَحَدَ عَشَرَ نَجْمًا. (قُلْتُ: مَا مَنْهُوسُ الْعَقِبِ؟ قَالَ: قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبِ) : فِي الْقَامُوسِ: الْمَنْهُوسُ مِنَ الرِّجَالِ قَلِيلُ اللَّحْمِ مِنْهُمْ، فَقَيْدُ الْإِضَافَةِ يُفِيدُ نَفْيَ مَا عَدَا الْعَقِبِ. (حَدَّثَنَا هَنَّادٌ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ. (بْنُ السَّرِيِّ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ رَاءٍ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، الْكُوفِيُّ التَّمِيمِيُّ ثِقَةٌ (حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَرَاءٌ فِي آخِرِهِ. (بْنُ الْقَاسِمِ) : أَيِ الزُّبَيْدِيِّ بِالتَّصْغِيرِ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ. (عَنْ أَشْعَثَ) : بِفَتَحَاتٍ غَيْرِ الثَّانِيَةِ. (يَعْنِي) : هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَوْ هَنَّادٍ أَوْ عَبْثَرٍ ; حِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ بِالِالْتِفَاتِ عَلَى مَذْهَبِ السَّكَاكِيِّ. (ابْنُ سَوَّارٍ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ الْكِنْدِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَهُ فِي التَّارِيخِ، فَقَوْلُ الْعِصَامِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ مُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِ الشَّيْخِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَهَذَا دَأْبُهُمْ فِي رِعَايَةِ الْأَمَانَةِ. (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : تَقَدَّمَ. (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : وَفِي الشَّرْحِ نَقَلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ إِلَى جَابِرٍ وَإِلَى الْبَرَاءِ كِلَيْهِمَا صَحِيحٌ وَخَطَّأَ النَّسَائِيُّ الْإِسْنَادَ إِلَى جَابِرٍ وَصَوَّبَ الْإِسْنَادَ إِلَى الْبَرَاءِ فَقَطْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ. (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ) : بِالتَّنْوِينِ. . (إِضْحِيَانٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ وَفِي آخِرِهَا نُونٌ مُنَوَّنٌ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ أَلِفُهُ وَنُونُهُ زَائِدَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ لِوُجُودِ إِضْحِيَانَةٍ وَهِيَ صِفَةُ لَيْلَةٍ أَيْ مُقْمِرَةٍ أَيْ طَالِعَةٍ فِيهَا الْقَمَرُ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ الْبُرُوزُ وَالظُّهُورُ، وَقِيلَ صُرِفَ لِتَأْوِيلِ اللَّيْلَةِ بِاللَّيْلِ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا مِنْ وَصْفِ الْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً كَطَالِقٍ وَحَائِضٍ، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَمَانٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَفِي الْفَائِقِ: يُقَالُ لَيْلَةٌ ضَحْيَاءُ وَإِضْحِيَانٌ وَإِضْحِيَانَةٌ وَهِيَ الْمُقْمِرَةُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَإِنْ سَاعَدَتِ الرِّوَايَةُ قَوْلَهُ: «كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ» لِأَنَّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نُورَ الْقَمَرِ أَعَمُّ وَحُسْنَهُ أَتَمُّ. (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) : بَيَانٌ لِمَا وَجَبَ التَّأَمُّلُ فِيهِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِ ﷺ فِيهِ أَوْ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى حِفْظِهِ وَضَبْطِهِ الْقَضِيَّةَ فَكَأَنَّهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ. (فَجَعَلْتُ) : أَيْ شَرَعْتُ فَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ. (أَنْظُرُ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى وَجْهِهِ ﷺ . . (وَإِلَى الْقَمَرِ) : أَيْ تَارَةً. (فَلَهُوَ) : بِلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْقَسَمِ وَيَجُوزُ سُكُونُ هَائِهِ، وَالتَّقْدِيرُ فَوَاللَّهِ لَوَجْهُهُ ﵇. (عِنْدِي) : لِبَيَانِ الْوَاقِعِ وَلِافْتِخَارِهِ بِاعْتِقَادِهِ لَا لِلتَّخْصِيصِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ ; فَإِنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ رَآهُ بِنُورِ

стр. 47

النُّبُوَّةِ خِلَافًا لِعُمْيِ الْأَبْصَارِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) : أَيْ جَمَالَكَ وَكَمَالَكَ لِنُقْصَانِ بَصَرِهِمْ كَالْخُفَّاشِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُطَالَعَةِ نُورِ الشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ لَهَا. (أَحْسَنَ مِنَ الْقَمَرِ) : لِأَنَّ نُورَهُ ظَاهِرٌ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ مَعَ زِيَادَةِ الْكِمَالَاتِ الصُّورِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ نُورٍ خُلِقَ مِنْ نُورِهِ، وَكَذَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ) أَيْ نُورُ مُحَمَّدٍ ; فَنُورُ وَجْهِهِ ﷺ ذَاتِيٌّ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ سَاعَةً فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَنُورُ الْقَمَرِ مُكْتَسَبٌ مُسْتَعَارٌ يَنْقُصُ تَارَةً وَيُخْسَفُ أُخْرَى، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ بِالْفَارِسِيَّةِ مَضْمُونُهَا إِنَّكَ تُشْبِهُ الْقَمَرَ فِي النُّورِ وَالْعُلُوِّ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ النُّطْقُ وَالْحُبُورُ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى خُلُوِّ الْقَمَرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ نُعُوتِ جَمَالِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ. (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ) : بِالتَّصْغِيرِ. (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسَيُّ) : بِضَمِّ الرَّاءِ بَعْدَهُ الْهَمْزَةُ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا وَاوًا وَالْيَاءُ لِلنِّسْبَةِ إِلَى رُؤَاسِ جَدِّهِ، وَقِيلَ: إِلَى بَايِعِ الرُّءُوسِ وَهُوَ ضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، قَالَ السَّمْعَانِيُّ: هَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى بَنِي رُؤَاسٍ هُوَ أَبُو عَوْفٍ كُوفِيٌّ. (عَنْ زُهَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ الْعِصَامُ: زُهَيْرٌ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا: أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ النَّسَائِيُّ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ، رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَثَانِيهُمَا: زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ أَبُو الْمُنْذِرِ الْخُرَاسَانِيُّ، ضُعِّفَ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ رِوَايَةِ أَهْلِ الشَّامِ عَنْهُ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَ بِالشَّامِ مِنْ حَفِظَهُ فَكَثُرَ غَلَطُهُ، وَزُهَيْرٌ فِي الْحَدِيثِ هُوَ التَّمِيمِيُّ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا إِسْحَاقَ، عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى تَارِيخِ وَفَاةِ أَبِي إِسْحَاقَ. (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ. (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ أَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِدُونِ الْهَمْزَةِ أَيْ كَانَ. (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ) : أَيْ فِي الْحُسْنِ وَاللَّمَعَانِ، وَقِيلَ فِي التَّمْدِيدِ لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ «أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدِيدًا مِثْلَ السَّيْفِ» ، وَالْمَعْنَى إِنَّهُ هَلْ كَانَ وَجْهُهُ طُولَانِيًّا مِثْلُهُ أَوْ لَا. (قَالَ) : أَيِ الْبَرَاءُ لِكَوْنِ تَشْبِيهِ السَّائِلِ نَاقِصًا. (لَا) : هِيَ نَقِيضَةُ نَعَمْ أَيْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ السَّيْفِ. (بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ) : بِالنَّصْبِ أَيْ بَلْ كَانَ مِثْلَ الْقَمَرِ، فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مِثْلِ السَّيْفِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِ تَقْدِيرًا لِيَكُونَ التَّشْبِيهُ جَامِعًا بَيْنَ صِفَتَيِ الْبُرُوقِ وَالْمِيلِ إِلَى الِاسْتِدَارَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «كَانَ وَجْهُهُ قِطْعَةَ قَمَرٍ» ، وَقَدْ يُقَالُ

стр. 48

مَعْنَاهُ: لَمْ يَكُنْ مِثْلَ السَّيْفِ بَلْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ الْقَمَرِ بَلْ كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ آنِفًا: «فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ» وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ: إِذَا عِبْتَهَا شَبَّهْتَهَا الْبَدْرَ طَالِعًا ... وَحَسْبُكَ مِنْ عَيْبٍ لَهَا شَبَهُ الْبَدْرِ. وَيُلَائِمُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ رُبَيِّعِ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: «لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً» ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَلِمَةُ بَلْ أَيْ وَجْهُهُ أَوْ هُوَ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِثْلُ الْقَمَرِ ; لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِكَمَالِ النُّورِ وَغَايَةِ الْعُلُوِّ وَالظُّهُورِ، وَمَيْلُهُ إِلَى الِاسْتِدَارَةِ مَشْهُورٌ، وَلِأَنَّهُ دَلِيلٌ جَامِعٌ وَالسَّيْفُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ نُورَانِيَّتِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَالْجَوَابُ بِتَرْجِيحِ الْحَالِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ التَّدْوِيرِ بَلْ كَانَ فِيهِ سُهُولَةٌ مَا، وَهِيَ أَحْلَى عِنْدَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ خِلَافًا لِلتُّرْكِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ وَصْفُهُ أَنَّهُ أَسِيلُ الْخَدَّيْنِ، وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِمَا انْحِصَارُ النُّورِ الظَّاهِرِيِّ فِيهِمَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَقِيلَ جَمَعَ الْكَوْكَبَيْنِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُرَادُ بِهِ غَالِبًا التَّشْبِيهَ فِي الْإِشْرَاقِ وَالْإِضَاءَةِ، وَالثَّانِي فِي الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ. (حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، نِسْبَةً إِلَى الْمَصَاحِفِ جَمْعُ مُصْحَفٍ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ أَيْ كَاتِبُهُ أَوْ بَائِعُهُ. (سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ، ثِقَةٌ. (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) : بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، فِي الشَّرْحِ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ الْتَزَمُوا فِي النَّضْرِ اللَّامَ وَفِي النَّصْرِ تَرْكَهُ فَرْقًا بَيْنَهُمَا. (شُمَيْلٍ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مَا قَبْلَ التَّحْتِيَّةِ السَّاكِنَةِ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَازِنِيُّ النَّحْوِيُّ الْبَصْرِيُّ، نَزِيلُ مَرْوَ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (وَعَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ) : أَيِ الشَّامِيِّ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ضَعِيفٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي صِحَاحِهِمْ. . (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ الْمَنْسُوبُ إِلَى زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، الْفَقِيهُ الْحَافِظُ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ. (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) : أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ مُكْثِرٌ، قِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : الْأَصَحُّ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ الدَّوْسِيُّ. (قَالَ) : أَيْ أَنَّهُ قِيلَ. (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ «النَّبِيُّ» . ﷺ أَبْيَضَ كَأَنَّمَا صِيغَ) : مِنَ الصَّوْغِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، بِمَعْنَى صُنْعِ الْحُلِيِّ وَالْإِيجَادِ أَيْ سُبِكَ وَصُنِعَ. (مِنْ فِضَّةٍ) : أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ يَعْلُو بَيَاضَهُ ﷺ مِنَ النُّورِ وَالْإِضَاءَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ وَالصِّحَاحِ: صَاغَ اللَّهُ فُلَانًا حَسَّنَ خَلْقَهُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَمَاسُكِ أَجْزَائِهِ وَتَنَاسُبِ أَعْضَائِهِ وَنُورَانِيَّةِ وَجْهِهِ وَسَائِرِ بَدَنِهِ، فَهُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ

стр. 49

كَالْمُبَيِّنِ لِلْخَبَرِ الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَبْيَضُ مَقْبُولٌ غَايَةَ الْقَبُولِ فَلَا يُنَافِي نَفْيَ الْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ - كَمَا سَبَقَ - وَهَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ «شَدِيدُ الْوَضَحِ» ، وَفِي أُخْرَى «شَدِيدُ الْبَيَاضِ» ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ مَرَّتْ بِالسُّمْرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ الْخَالِصُ مُخْتَصًّا بِمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الشَّمْسُ مِنْ تَوَلُّدِ الْحَرَارَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِكَثْرَةِ الدَّمِ النَّاشِئِ عَنْهَا الْحُمْرَةُ فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حُمْرَتَهُ غَيْرُ ذَاتِيَّةٍ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ أَمْهَقَ وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُشَبَّهُ بِالْجَصِّ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْبَيَاضُ ثَابِتٌ فِي لَوْنِهِ ﷺ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالْآثَارُ الصَّرِيحَةُ، وَهُوَ مَمْدُوحٌ عِنْدَ الْكُلِّ وَلَا عِبْرَةَ بِالسَّوَادِ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَا يَمِيلُونَ إِلَى الْبَيَاضِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ الْجِنْسِيَّةِ، وَالْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ بَلْ بِمَا وَرَدَ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) ، وَقَوْلُهُ: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) ، (وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) ، وَ (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) : أَيْ مَصُونٌ عَنِ الْغُبَارِ وَالْوَسَخِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَمَا أَبْعَدَ مَنْ خَصَّ الْبَيْضَ بِالنَّعَامِ وَأَخَذَ مِنْهُ الصَّفَارَ الْمُنَاقِضَ لِلَوْنِ الْيَاقُوتِ الْمُنَافِي لِكَمَالِ اللُّؤْلُؤِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَبْعَ بَعْضِ الْعَرَبِ مَائِلٌ إِلَى الصُّفْرَةِ مَعَ أَنَّ طَبْعَ بَعْضِهِمْ مَائِلٌ إِلَى الْوَشْمَةِ الْمَكْرُوهَةِ شَرْعًا وَطَبْعًا أَيْضًا، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءَ: مَنْ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَسْوَدَ يَكْفُرُ ; لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الثَّابِتَةِ بِالتَّوَاتُرِ نَفْيٌّ لَهُ وَتَكْذِيبٌ لَهُ ﷺ . (رَجِلَ الشَّعْرِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُسَكَّنُ وَقَدْ يُفْتَحُ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ لَمْ يَكُنْ قَطَطًا وَلَا سَبِطًا - وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَاهُمَا - وَهُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ بِالِاسْتِقْلَالِ أَوْ رُفِعَ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ. . (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ) : كَذَا فِي نُسْخَةٍ. (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ، إِمَامُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهُ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهُ ضَيَّعَ فِقْهَهُ أَصْحَابُهُ. (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الْمَكِّيٌّ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمْ، صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ يُدَلِّسُ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) : أَيِ الْأَنْصَارِيِّ، غَزَا تِسْعَ عَشَرَ غَزْوَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُكْثِرِينَ رِوَايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَأَسْتَشْهِدَ مَرَّةً أُخْرَى. وَالْمَعْنَى أُرِيدُ زِيَادَةَ رِضَاكَ وَهِيَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَعْلَى مَقَامًا مِنْ حَالِ أَبِي يَزِيدَ حِينَ قِيلَ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَنْ لَا أُرِيدَ. وَقَالَ بَعْضُ السَّادَةِ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ: هَذِهِ أَيْضًا إِرَادَةٌ. نِعْمَ مَنْ قَالَ: أُرِيدُ وِصَالَهُ وَيُرِيدُ هَجْرِي فَأَتْرُكُ مَا أُرِيدُ لِمَا يُرِيدُ. مُسْتَحْسَنٌ جِدًّا لِلْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: " تُرِيدُ وَأُرِيدُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ "، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَلَيْسَ لِي فِي سِوَاكَ حَظٌّ فَكَيْفَ مَا شِئْتَ فَاخْتَبِرْنِي. فَجُرْأَةٌ وَلِذَا ابْتُلِيَ فَلَمْ يَصْبِرْ، فَمَا أَيْسَرَ الدَّعْوَى وَمَا أَعْسَرَ الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عُرِضَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (عَلَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. (الْأَنْبِيَاءُ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ ﷺ ، لَمْ يَقُلْ عُرِضْتُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ كَالْحَشَمِ لَهُ، وَالْعَسْكَرُ تُعْرَضُ عَلَى السُّلْطَانِ دُونَ الْعَكْسِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ ﷺ بِمَنْزِلَةِ الْقَلْبِ فِي الْجَيْشِ وَالْأَنْبِيَاءُ مُقَدِّمَتُهُ وَالْأَوْلِيَاءُ سَاقَتُهُ وَالْمَلَائِكَةُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مُتَظَاهِرِينَ مُتَعَاوِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) وَالشَّيَاطِينُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِي الدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْبِيَاءِ: الْمَعْنَى الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِلرُّسُلِ، وَذَلِكَ الْعَرْضُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرُ كَرِوَايَةِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: كُوشِفَ لَهُ صُوَرُ أَبْدَانِهُمْ كَمَا كَانَتْ. وَقِيلَ كَانَ فِي الْمَنَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُ قَالَ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ "، وَذَكَرَ الْخَبَرَ، قِيلَ: عَلَى الثَّانِي: لَا إِشْكَالَ ; فَإِنَّهُ مُثِّلَتْ لَهُ أَرْوَاحُهُمْ بِهَذِهِ الصُّوَرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَجُوزُ أَنَّهُمْ مُثِّلُوا بِهَيْئَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِمْ، وَلِذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عِيسَى "، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَهُمْ مُتَمَثِّلُونَ فِي السَّمَاوَاتِ بِهَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، قِيلَ: لَا وَجْهَ لِهَذَا التَّرْدِيدِ بَلِ

стр. 50

الصَّوَابُ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ إِنْ كَانَتْ نَوْمًا فَقَدْ مُثِّلَ لَهُ صُورَتُهُمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ أَوْ يَقَظَةً فَهُوَ رَآهُمْ عَلَى صُورَتِهِمُ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِمْ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا صَدَرَ عَنْهُمْ وَلِهَذَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّشْبِيهِ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَحَيْثُ أَطْلَقَهَا فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ - عَلَى مَا سَيَأْتِي - أَنَّهُ يَنْبَغِي تَبْلِيغُ صُوَرِ الْعُظَمَاءِ إِلَى مَنْ لَمْ يَرَهُمْ فَإِنَّ فِي إِحْضَارِ صُوَرِهِمْ بَرَكَةً كَمَا فِي مُلَاقَاتِهِمْ، وَفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلَى ضَبْطِ خِلْقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ. (مُوسَى ﵇ : قِيلَ: فِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ وَالتَّقْدِيرُ " فَرَأَيْتُ مُوسَى " بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: " وَرَأَيْتُ عِيسَى "، وَقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلَى عُرِضَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ. (ضَرْبٌ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ خَفِيفُ اللَّحْمِ. (مِنَ الرِّجَالِ) : صِفَةُ ضَرْبٍ أَيْ كَائِنٌ مِنْ بَيْنِ الرِّجَالِ. (كَأَنَّهُ) : أَيْ مُوسَى. (مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) : خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَالْمُبَيِّنِ لِلْأَوَّلِ، وَشَنُوءَةُ فَعُولَةٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ ثُمَّ وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَهَا تَاءٌ عَلَى زِنَةِ فَعُولَةٍ، اسْمُ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ الْيَمَنِ، وَمِنْهُ أَزْدُ شَنُوءَةَ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَرُبَّمَا قَالَ شَنُوَّةُ بِالتَّشْدِيدِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ. قُلْتُ: كَالنُّبُوَّةِ وَالْمُرُوَّةِ، وَأَمَّا مَا ضَبَطَهُ الْعِصَامُ بِضَمِّ أَوَّلِهَا فَغَيْرُ مَشْهُورٍ رِوَايَةً وَلُغَةً، وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ مُحْتَمِلَةٌ وَهُمُ الْمُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الْخِفَّةِ وَالسِّمَنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ صُورَتِهِ بِهِمْ لَا تَأْكِيدَ خِفَّةِ اللَّحْمِ ; لِأَنَّ الْإِفَادَةَ خَيْرٌ مِنَ الْإِعَادَةِ، وَاسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " مُضْطَرِبٌ " بَدَلَ " ضَرْبٌ "، وَهُوَ الطَّوِيلُ سَبِطُ اللَّحْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " جَسِيمٌ سَبِطُ اللَّحْمِ "، وَدُفِعَ بِأَنَّ الْجَسَامَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطُّولِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الطُّولِ وَخِفَّةِ اللَّحْمِ، وَبِأَنَّ اخْتِلَافَ الْبَيَانِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِتَعَدُّدِ الرُّؤْيَا، وَالصُّوَرُ الْمَرْئِيَّةُ فِي الرُّؤْيَا كَثِيرًا مَا تَخْتَلِفُ، وَكَذَا الصُّوَرُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلشَّخْصِ قَدْ تَتَعَدَّدُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْإِحْضَارُ كُلَّ صُورَةٍ بِصُورَةٍ، قِيلَ: وَشَبَّهَهُ بِمُتَعَدِّدَيْنِ دُونَ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُ إِشَارَةً إِلَى تَمْيِيزِهِ عَلَيْهِمَا بِكَثْرَةِ أُمَّتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ شَبَّهَ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِعَدَمِ تُشَخُّصِهِ وَتَعَيُّنِهِ فِي خَاطِرِهِ أَوْ فِي نَظَرِهِمْ. (وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ : وَفِي نُسْخَةٍ ﵉. (فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ) : مُبْتَدَأٌ مُضَافٌ إِلَى " مَنْ " أَيْ مَوْصُولَةٌ لَا مَوْصُوفَةٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَنْكِيرُ الْمُبْتَدَأِ. (رَأَيْتُ) : أَيْ أَبْصَرْتُ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى الْمَوْصُولِ. (بِهِ) : صِلَةُ قَوْلِهِ: (شَبَهًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ مُشَابَهَةً، وَنَصْبُهُ عَلَى

стр. 51

التَّمْيِيزِ مِنْ نِسْبَةِ أَقْرَبَ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ بَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ الْقُرْبُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ، وَضَمِيرُ " بِهِ " عَائِدٌ إِلَى " عِيسَى " قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهُوَ يُفِيدُ فَائِدَةَ صِلَةِ الْقُرْبِ الَّتِي هِيَ " مِنْ " أَوْ " إِلَى " أَنْ يُقَالَ: قَرُبَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَقَالَ الْعِصَامُ: صِلَةُ الْقُرْبِ مَحْذُوفَةٌ أَيْ إِلَيْهِ أَوْ مِنْهُ، وَحَذْفُهَا شَائِعٌ ذَائِعٌ، وَجَعْلُ الْبَاءِ صِلَةَ الْقُرْبِ عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى إِلَى وَصِلَةُ شَبَهًا مَحْذُوفَةٌ تَعَسُّفٌ، انْتَهَى. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ شَبَهًا حَالٌ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: قَدَّمَ الظَّرْفَ عَلَى الْعَامِلِ لِلِاخْتِصَاصِ تَأْكِيدًا لِإِضَافَةِ " أَفْعَلَ " إِلَى " مِنْ " أَيْ كَأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا، فَتَأَمَّلْ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (عُرْوَةُ) : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ. (ابْنُ مَسْعُودٍ) : أَيِ الثَّقَفِيُّ، شَهِدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الرُّجُوعِ فَرَجَعَ فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا، رَمَاهُ وَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ عِنْدَ تَأْذِينِهِ بِالصَّلَاةِ أَوْ حَالَ دُعَاءِ قَوْمِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ: " مَثَلُ عُرْوَةَ مَثَلُ صَاحِبِ يَسِينَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ فَقَتَلُوهُ " وَحِلْيَةُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ تُضْبَطْ، وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ فَلَا يَحَصُلُ لَنَا الْمَعْرِفَةُ بِحِلْيَةِ عِيسَى ﵇ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: " فَإِذَا هُوَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ أَيْ حَمَّامٍ "، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ " فَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حُمْرَةٌ وَأُدْمَةٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي الْغَايَةِ فَوَصَفَهُ تَارَةً بِالْحُمْرَةِ وَتَارَةً بِالْأُدْمَةِ وَبِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّؤْيَا وَالْحِلْيَةِ فِي الْأَوْقَاتِ وَبِأَنَّ السُّمْرَةَ لَوْنُهُ الْأَصْلِيُّ وَالْحُمْرَةَ لِعَارِضٍ نَصَبَ وَنَحْوِهِ، وَبِأَنَّهُ زَيْفٌ حَدِيثُ الْحُمْرَةِ بِإِنْكَارِ رَاوِيهِ وَتَأْكِيدِ إِنْكَارِهِ بِالْخَلْفِ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: " وَعِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ مُضْطَرِبٌ "، وَالْمُضْطَرِبُ الطَّوِيلُ غَيْرُ الشَّدِيدِ وَقِيلَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ. (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ) : وَفِي رِوَايَةٍ: " وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ ". (يَعْنِي نَفْسَهُ) : وَهُوَ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ مِنَ الرُّوَاةِ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ وَمُلَّا حَنَفِي، وَتَعَقَّبَهُمَا الْعِصَامُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مَقُولِ جَابِرٍ وَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ مِنْ كَلَامِ مَنْ بَعْدَهُ تَكَلُّفٌ " وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَتَجْوِيزِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ بِتَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ. نَعَمْ، يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِالْتِفَاتِ فِي قَوْلِهِ: (وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: " ﵇ "، وَعُدَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَاطِهِ مَعَهُمْ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ إِلَيْهِمْ تَغْلِيبًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ قِصَّةٍ عَلَى

стр. 52

قِصَّةٍ، وَيَعْنِي أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عُرِضَ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسِّيَاقِ الْمُنَاسِبِ لِعَطْفِ رَأَيْتُ عَلَى رَأَيْتُ وَاللَّحَاقِ الَّذِي هُوَ التَّشْبِيهُ كَمَا تَرَى حَيْثُ قَالَ: وَمَا قِيلَ إِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ هَذَا عَامِلٌ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ رَأَيْتُ الْأَوَّلِ فَلَا تَغْلِيبَ فِيهِ وَفِيهِ أَنَّ التَّغْلِيبَ فِي قَوْلِهِ عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي سِيَاقِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ نَبِيٍّ لِاخْتِصَاصِ النُّبُوَّةِ بِالْبَشَرِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ سِرِّ الْوَحْيِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ النُّبُوَّةُ، قُلْتُ: لَا مَعْنَى لِلتَّغْلِيبِ إِلَّا هَذَا بِنُكْتَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْجَوَابُ بِأَنْ وَرَأَيْتُ عَطْفٌ عَلَى عُرِضَ عَلَيَّ بَعِيدٌ يَأْبَاهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، قُلْتُ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ بَلْ قَوْلٌ آخَرُ مُبَايِنٌ لِلتَّغْلِيبِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ مِنْ بَابِ عَطْفِ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ، وَبَيْنَ سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ تَدَافُعٌ وَتَعَارُضٌ، ثُمَّ قَالَ: وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْبِيَاءِ الرُّسُلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ بَلْ تَأْوِيلٌ آخَرُ كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْمَذْكُورِينَ كُلَّهُمْ رُسُلٌ وَالرَّسُولُ يُطْلَقُ عَلَى جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ وَلَا يَضُرُّ اصْطِلَاحُ الشَّرْعِ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا أُطْلِقَ يَخْتَصُّ بِبَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالتَّبْلِيغِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَيْضًا فَيَشْمَلُ جِبْرِيلَ ﵇. (فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى مَا قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا فِي الْإِكْمَالِ: بِفَتْحِ الدَّالِ، وَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، نَزَلَ الشَّامَ وَبَقِيَ إِلَى أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي صُورَتِهِ أَيْ غَالِبًا. وَرَوَى ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، قَالَ مِيرَكُ: قَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ وَقَعَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، لَكِنِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي مَكَانِ الْعَرْضِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " مَرَرْتُ بِمُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ "، وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ " إِلَى آخِرِهِ، وَفِيهِ: " وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ ".

стр. 53

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّهُ لَقِيَهُمْ بِالسَّمَاوَاتِ، وَطُرُقُ ذَلِكَ صَحِيحَةٌ، فَقِيلَ اجْتِمَاعُهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السِّيَرِ، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَتَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ هُوَ وَمَنْ ذُكِرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَلَقِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَّهُمْ نَبِيُّنَا ﷺ . وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي السَّمَاوَاتِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَانِيًا وَهُوَ فِيهِ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ، انْتَهَى. أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا لَقِيَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ حَالِهِمْ وَعَنِ اسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَهُمْ، فَلَوْ رَآهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَبْعُدُ سُؤَالُهُ عَنْ حَالِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَصَلَاتُهُمْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ وَيَثْبُتُ بِالنَّقْلِ، وَلَا دَاعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهِمْ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ، فَإِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَارَ ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ مَرْفُوعًا: " أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ " فَلَا أَصْلَ لَهُ، انْتَهَى. قَالَ مُلَّا الْحَنَفِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ التَّشَابُهَاتِ بَيَانُ حَالِ الْمُشَبَّهِ - أَعْنِي: الْأَنْبِيَاءَ وَجِبْرِيلَ ﵈ فَإِنَّ مُوسَى شُبِّهَ صِفَةً وَالْبَاقِي صُورَةً. وَمَا قَالَهُ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّ التَّشْبِيهَ الْأَوَّلَ لِمُجَرَّدِ الْبَيَانِ وَالْأَخِيرَانِ لِلْبَيَانِ مَعَ تَعْظِيمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ هُنَا بِتَعْظِيمِ بَعْضٍ وَمَدْحِهِ دُونَ بَعْضٍ، انْتَهَى. وَهُوَ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّ الطِّيبِيَّ لَمْ يَقُلْ بِالْغَرَضِ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا قَالَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْكَلَامِ، فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ الْمَرَامُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ هَذِهِ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ جَدُّ الْعَرَبِ وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ وَمُوسَى وَعِيسَى رَسُولَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمْ وَقَعَ تَدَلِّيًا ثُمَّ تَرَقِّيًا. (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) : تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا. (الْمَعْنَى وَاحِدٌ) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لَا حَالَ حَتَّى يَلْزَمَ كَوْنُهُ ضَعِيفًا لِعَدَمِ الْوَاوِ. (قَالَا: أَخْبَرَنَا) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «حَدَّثَنَا» . (يَزِيدُ) : مُضَارِعُ الزِّيَادَةِ. (بْنُ هَارُونَ) : أَيِ السُّلَمِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، مُتْقِنٌ عَابِدٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، سَمِعَ كَثِيرِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَبَعِهِمْ، قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ فِي مَجْلِسِهِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يُقَالُ أَنَّ فِي الْمَجْلِسِ سَبْعِينَ أَلْفًا. (عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، نِسْبَةً إِلَى أَحَدِ آبَائِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مُحَدِّثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تَغَيَّرَ حِفْظُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ) : بِالتَّصْغِيرِ، اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللِّيثِيُّ، أَدْرَكَ مِنْ زَمَنِ حَيَاتِهِ ﷺ ثَمَانِ سِنِينَ وَتَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ إِلَى سَنَةِ مِائَةٍ وَثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ صَحَابِيٌّ غَيْرُهُ، وَزَعْمُ أَنَّ مُعَمَّرًا الْمَغْرِبِيَّ وَرَتَنَ الْهِنْدِيَّ صَحَابِيَّانِ عَاشَا إِلَى قَرِيبِ الْقَرْنِ السَّابِعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ خِلَافًا لِمَنِ انْتَصَرَ لَهُ وَأَطَالَ بِمَا لَا يُجْدِي، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ الْعِصَامُ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَفَاتُهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِائَةٍ عَلَى وَفْقِ إِخْبَارِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ وَقِيلَ مُرَادُهُ أَصْحَابُهُ. (يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا بَقِيَ) : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ «رَأَيْتُ» ، وَجَعْلُهُ حَالًا غَيْرُ جَيِّدٍ لِفَسَادِ الْمَعْنَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ أَطْنَبَ الْحَنَفِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ. (عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) : احْتَرَزَ بِهِ عَنْ عِيسَى ﵇ ; فَإِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ، قِيلَ: وَعَنِ الْخَضِرِ ; فَإِنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فِي الْبَحْرِ. (أَحَدٌ) : أَيْ مِنَ الْبَشَرِ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ فَلَا يَشْكُلُ بِالْمَلَكِ وَالْجِنِّ أَوِ الْمُرَادُ مِنْ أَصْحَابِهِ. (رَآهُ غَيْرِي) : صِفَةٌ لِأَحَدٍ لِعَدَمِ كَسْبِهِ التَّعْرِيفَ بِالْإِضَافَةِ أَوْ بَدَلٌ

стр. 54

أَوْ مُسْتَثْنَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَحَقُّ بِأَنْ يُسْأَلَ عَنْ وَصْفِهِ ﷺ لِانْحِصَارِ الْأَمْرِ فِيهِ، فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ حَثُّ الْمُخَاطَبِ عَلَى اسْتِيصَافِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَلِذَا قَالَ سَعِيدٌ رَاوِيهِ. (قُلْتُ صِفْهُ لِي) : أَيْ بَيِّنْهُ لِأَجْلِي. (قَالَ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا) : يُقَالُ: مَلُحَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ يَمْلُحُ مُلُوحَةً وَمَلَاحَةً أَيْ حَسُنَ فَهُوَ مَلِيحٌ وَمُلَاحٌ بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مَجَازٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمِلْحِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ وَهَذَا غَايَةُ الْمَلَاحَةِ وَالْحُسْنِ، وَقِيلَ: الْمَلَاحَةُ بِمَعْنَى الصَّبَاحَةِ وَهِيَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حُسْنِ اللَّوْنِ مِنَ الْبَدَنِ. (مُقَصَّدًا) : بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ صَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: وَكَانَ ﷺ أَبْيَضَ مُعَصِّدًا أَيْ بِالْعَيْنِ بَدَلَ الْقَافِ كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَعِينٍ وَهُوَ الْمُوَثَّقُ الْخَلْقِ، وَرُوِيَ: «مُعْضِلًا» بِمَعْنَاهُ وَالْمَحْفُوظُ مُقَصِّدًا، انْتَهَى. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) : أَيْ تَوَسَّطْ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِطَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ وَلَا جَسِيمٍ وَلَا نَحِيفٍ. (صَلَوَاتُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ «وَسَلَامُهُ» . (عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْحَدِيثِ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ قَالَ ﷺ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ «مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» . وَمَعَ ذَلِكَ فَالْعَجَبُ مِمَّنِ اعْتَبَرَ الْأَخْبَارَ الرَّتَنِيَّةَ وَالنُّسْطُورِيَّةَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَكَاذِيبِ الْبَاطِلَةِ وَابْتَهَجَ بِهَذَا الْقُرْبِ الْمُزَيَّفِ وَالْعُلُوِّ الْمَوْهُومِ الْمُزَخْرَفِ حَتَّى صَارَ أُضْحُوكَةً عِنْدَ النَّقَّادِينَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَالَّذِي يُشْكِلُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو الطُّفَيْلِ وُجُودُ الْخَضِرِ ﵇، فَإِنَّهُ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أَهْلِ التَّصْدِيقِ عَلَى وُجُودِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْكَرَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَضِرَ ﵇ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حِينَ إِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهُوَ مُسْتَثْنًى لَا يَنْفَعُ لِأَنَّ الْخَبَرَ أَنْ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ لَا أَنَّهُ لَا يَبْقَى مِمَّنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلِأَنَّهُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ يَنْفَتِحُ بَابُ صِدْقِ مَنْ يَدَّعِي الصُّحْبَةَ بِأَنْ يُقَالَ لَمْ يَكُنْ حِينَ إِخْبَارِ النَّبِيِّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ بِكَوْنِهِ غَالِبًا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَبِأَنَّهُ وَعِيسَى ﵉ مَعْرُوفَانِ بِأَنَّهُمَا مِنَ الْمُعَمِّرِينَ وَبِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَ مُوسَى ﵇ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ عِيسَى ﵇ كَالْمُسْتَثْنَى. (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : - أَيِ الطَّائِفِيُّ الثَّقَفِيُّ - بْنِ يَعْلَى أَبُو يَعْلَى، صَدُوقٌ، وَقِيلَ: الدَّارِمِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ صَاحِبُ

стр. 55

السُّنَنِ. (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِنْذَارِ. (الْحِزَامِيُّ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهُ زَايٌ، نِسْبَةً إِلَى أَحَدِ آبَائِهِ، صَدُوقٌ، تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِأَجْلِ الْقُرْآنِ، وَرَوَى عَنْهُ أَصْحَابُ السِّتَّةِ. (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ ثَابِتٍ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الثَّبَاتِ، بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ أَصْلُ سَمَاعِنَا وَكَثِيرٌ مِنَ النُّسَخِ، وَالصَّوَابُ «ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ» كَمَا حَقَّقَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَاسْمُ «أَبِي ثَابِتٍ عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ» . (الزُّهْرِيُّ) : الْمَنْسُوبُ إِلَى بَنِي زُهْرَةَ، بِضَمِّ الزَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَحَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ فَاشْتَدَّ غَلَطُهُ فَتُرِكَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ. (حَدَّثَنِي) : وَفِي نُسْخَةٍ «قَالَ حَدَّثَنِي» . (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) : أَيِ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمْ، ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ - فِي الشَّمَائِلِ - وَالنَّسَائِيُّ. (ابْنُ أَخِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) : بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَالرَّفْعِ فِي ابْنٍ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِإِسْمَاعِيلَ، قِيلَ: بِدَلِيلِ كِتَابَتِهِ بِالْأَلِفِ، وَنُوقِشَ بِأَنَّهُ لَيْسَ صِفَةً بَيْنَ عَلَمَيْنِ. (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ، فَقِيهٌ ثِقَةٌ، إِمَامٌ فِي الْمَغَازِي، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (عَنْ كُرَيْبٍ) : مُصَغَّرًا، ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْهَامِشِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ أَبُو رَشِيدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ; تَثْنِيَةُ ثَنِيَّةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ «الثَّنَايَا» بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَلَجِ هُنَا: الْفَرْقُ ; بِقَرِينَةِ نِسْبَتِهِ إِلَى الثَّنَايَا فَقَطْ، إِذِ الْفَلَجُ: فُرْجَةٌ بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ، وَالْفَرْقُ: فُرْجَةٌ بَيْنَ الثَّنَايَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَتَبِعَهُ الشُّرَّاحُ، وَفِي الْقَامُوسِ: رَجُلٌ مُفَلَّجُ الثَّنَايَا: مُنْفَرِجُهَا، وَالْفَلَجُ بِالتَّحْرِيكِ: تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْنَانِ. (إِذَا تَكَلَّمَ) : الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ ثَانٍ لِكَانَ وَالتَّقْيِيدُ بِهِ لِظُهُورِ النُّورِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ حِينَئِذٍ. (رُئِيَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: أُبْصِرَ، وَلَمْ يَقُلْ رَأَيْتُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِأَحَدٍ. (كَالنُّورِ) : أَيْ مِثْلُهُ، وَالْكَافُ اسْمٌ بِمَعْنَى (مِثْلِ) فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ فِي كَوْنِهِ نَائِبَ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: الْكَافُ زَائِدَةٌ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِكَلَامِ الْحَنَفِيِّ لِلتَّفْخِيمِ نَحْوَ مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ، غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا لَا يَخْفَى. (يَخْرُجُ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ وَفَاعِلُهُ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَيْهِ، أَيْ: رُئِيَ مِثْلُ النُّورِ أَوْ نَفْسُ النُّورِ خَارِجًا. (مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ) :

стр. 56

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) :، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ضَمِيرَ يَخْرُجُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى الْأَوَّلِ: مَدَارُ الْكَلَامِ عَلَى التَّشْبِيهِ وَوَجْهُهُ الْبَيَانُ وَالظُّهُورُ كَمَا يُشَبَّهُ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ بِالنُّورِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا تَشْبِيهَ فِيهِ، وَيَكُونُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ إِلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمُا. (بَابُ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ) أَيْ فِي تَحْقِيقِ وَصْفِهِ مِنْ لَوْنِهِ وَمِقْدَارِهِ وَتَعْيِينِ مَحِلِّهِ مِنْ جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ كَوْنِهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَهَا، وَالْخَاتَمُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ بِمَعْنَى: الطَّابَعِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ بِهِ لَا الطَّابَعُ، وَالْخِتَامُ: الطِّينُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) ، وَقِيلَ: أَيْ آخِرُهُ ; لِأَنَّ فِي آخِرِهِ يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ عَلَى مَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ: «خَاتَمُهُ» بِالْأَلِفِ وَفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ: مَا يُخْتَمُ بِهِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى النُّبُوَّةِ بِالْإِبْدَالِ أَوِ الْهَمْزِ ; إِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى النُّبُوَّةِ لِحِفْظِهَا وَحِفْظِ مَا فِيهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ مَصُونَةٌ عَمَّا جَاءَ بَعْدَهُ ﷺ كَمَا أَنَّ الْخَتْمَ عَلَى الْكِتَابِ يَصُونُهُ وَيَمْنَعُ النَّاظِرِينَ عَمَّا فِيهِ، أَوْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَامِهَا كَمَا يُوضَعُ الْخَتْمُ عَلَى الشَّيْءِ بَعْدَ تَمَامِهِ، أَوِ اسْتِيثَاقِهَا وَتَقْرِيرِهَا وَتَحْقِيقِهَا كَمَا يُضْرَبُ الْخَاتَمُ عَلَى الْكِتَابَةِ دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِيثَاقِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِنُبُوَّتِهِ ﷺ فَإِنَّهُ نُعِتَ بِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلْمَانَ، فَكَانَ عَلَامَةً عَلَى النَّبِيِّ الْمَوْعُودِ ﵇، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقْصَدَ مِنَ الْإِضَافَةِ الْمَذْكُورَةِ هَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا وَيُرَادُ بِهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ مُرْسِلِهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَتُهُ مِنْ قَبِيلِ خَاتَمِ فِضَّةٍ فَكَانَ ذَلِكَ الْخَاتَمُ أَيْضًا مِنْ نُبُوَّتِهِ، فَتَأَمَّلْ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى فَاعِلِ الْخَتْمِ فَمَحَلُّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَفِي الْبَابِ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ أَبُو رَجَاءٍ. (قَالَ) : قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. (أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا. (حَاتِمُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ. (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَصْحَابُ السِّتَّةِ. (عَنِ الْجَعْدِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّصْغِيرِ. (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا. (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. (بْنَ يَزِيدَ) : رُوِيَ لَهُ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ: أَرْبَعَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَوَاحِدٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يُكْنَى أَبَا يَزِيدَ الْكِنْدِيَّ، وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، حَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ. (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْمُصَاحَبَةِ ; أَيْ أَذْهَبَتْنِي. (خَالَتِي) : أَيْ مَعَهَا. (إِلَى النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ «إِلَى رَسُولِ اللَّهِ» . ﷺ : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ خَالَتِهِ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَاسْمُهَا عُلْبَةُ، بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، بِنْتُ شُرَيْحٍ، أُخْتُ مَخْرَمَةَ بْنِ شُرَيْحٍ. (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ ذُو وَجَعٍ، بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ الْأَلَمُ، وَقِيلَ: أَيْ مَرِيضٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَجَعَ كَانَ فِي لَحْمِ قَدَمِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَقِعٌ بِالْقَافِ الْمَكْسُورَةِ بَدَلَ الْجِيمِ، وَالْوَقَعُ بِالتَّحْرِيكِ هُوَ وَجَعُ لَحْمِ الْقَدَمِ، قِيلَ: يَقْتَضِي مَسْحُهُ ﷺ لِرَأْسِهِ أَنَّ مَرَضَهُ كَانَ بِرَأْسِهِ، وَدُفِعَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ وَإِيثَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ لِكَوْنِهِ أَشْرَفَ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ:

стр. 57

وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَعَ بِلَفْظِ الْمَاضِي قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ فَوَصَلَ إِلَى مَا حَصَلَ. (فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسِي) : وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَثَرَ مَسْحِهِ ﷺ مِنْ رَأْسِ السَّائِبِ لَمْ يَزَلْ أَسْوَدَ مَعَ شَيْبِ مَا سِوَى رَأْسِهِ. (وَدَعَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «فَدَعَا» . (لِي بِالْبَرَكَةِ) : بِفَتْحَتَيْنِ، أَيِ: النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، وَهُوَ فِي الْعُمْرِ بِدَلَالَةِ الْمَقَامِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَقِّهِ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ» . فَاسْتُجِيبَ دُعَاؤُهُ ﷺ فِي حَقِّهِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الْجَعْدِ رَاوِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ حَوْلًا مُعْتَدِلًا، وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي مَا مُتِّعْتُ بِسَمْعِي وَبَصَرِي إِلَّا بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ . (وَتَوَضَّأَ) : أَيِ اتِّفَاقًا أَوْ قَصَدَ الشُّرْبَ إِلْحَاقًا. (فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) : الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: مَاءِ وُضُوئِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَا أُعِدَّ لِلْوُضُوءِ أَوْ مَا فَضُلَ عَنْهُ أَوْ مَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ، انْتَهَى. وَالْأَنْسَبُ هُوَ الْأَوْسَطُ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمُخَالَفَتِهِ الْأَدَبَ وَلِإِبْعَادِ فَاءِ التَّعْقِيبِ عَنْهُ، فَتَدَبَّرْ، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْبَيْضَاوِيُّ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالظَّاهِرُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَهُوَ مَا انْفَصَلَ عَنْ أَعْضَاءِ وَضَوْئِهِ ; لِأَنَّ مُلَاحَظَةَ التَّبَرُّكِ وَالتَّيَمُّنِ فِيهِ أَقْوَى وَأَتَمُّ، وَإِيرَادُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَاسْتِدْلَالِهِمْ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ رَجَّحُوا الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قُلْتُ: لَا يَظْهَرُ ظُهُورُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي، بَلْ قَدْ يَتَعَيَّنُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «فَشَرِبْتُ» حَيْثُ لَمْ يَقُلْ «فَتَبَرَّكْتُ بِهِ» ، وَلَا يَضُرُّنَا إِيرَادُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ الْحَدِيثَ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ وَتَرْجِيحُهُمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ، وَلِذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى التَّدَاوِي، وَقَوْلُ مِيرَكَ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ; لِأَنَّ النَّجِسَ حَرَامٌ، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» ، قُلْتُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْخَمْرِ وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ شُرْبُ أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِلْعُرَنِيِّينَ بِأَمْرِهِ ﷺ ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ إِذْ لَا ضَرُورَةَ لِحَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي الْمُخْتَلَفِ فِي جَوَازِهِ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي فَرْضِ

стр. 58

الْوُضُوءِ لَا فِي التَّجْدِيدِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ كَمَا قِيلَ فِي فَضَلَاتِهِ، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ طَهَارَتِهِ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ صَرِيحٍ وَتَارِيخٍ صَحِيحٍ. (وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) : أَيْ أَدَبًا أَوْ قَصْدًا وَطَلَبًا. (فَنَظَرْتُ) : لِانْكِشَافِ مَحَلِّهِ أَوْ لِكَشْفِهِ ﷺ لَهُ لِيَرَاهُ لِعِلْمِهِ بِهِ مُكَاشَفَةً. (إِلَى الْخَاتَمِ) : ضُبِطَ هُنَا بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الطَّابَعِ أَصْرَحُ. (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «إِلَى خَاتَمٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْخَاتَمِ أَوْ ظَرْفٌ لِنَظَرْتُ أَوْ صِلَةٌ لِلْخَاتَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ لِلتِّرْمِذِيِّ: «الْخَاتَمِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ» ، وَالرِّوَايَةُ فِيهِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَثَرُ شَقِّ الْمَلَكَيْنِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مَا قَالَهُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ شَقَّهُمَا إِنَّمَا كَانَ فِي صَدْرِهِ وَأَثَرُهُ إِنَّمَا كَانَ خَطًّا وَاضِحًا مِنْ صَدْرِهِ إِلَى مِرَاقِ بَطْنِهِ، انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: فَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمَخِيطِ فِي صَدْرِهِ ﷺ . قَالَ: وَلَمْ يَثْبُتْ قَطُّ أَنَّهُ بَلَغَ بِالشَّقِّ حَتَّى نَفَذَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَلَزِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيلًا مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ إِلَى بَطْنِهِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يُحَاذِي الصَّدْرَ مِنْ مَسْرُبَتِهِ إِلَى مِرَاقِ بَطْنِهِ، قَالَ: وَهَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ بَعْضِ نُسَّاخِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَلَيْهِ فِيمَا عَلِمْتُ، انْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ بِأَنَّ سَبَبَ التَّغْلِيظِ فَهْمُ أَنَّ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّقِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِأَثَرِ الْخَتْمِ لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا شَقَّا صَدْرَهُ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: خِطْهُ، فَخَاطَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ حَمَلَ الْقَاضِي جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الشَّقَّ لَمَّا وَقَعَ فِي صَدْرِهِ ثُمَّ خِيطَ حَتَّى الْتَأَمَ كَمَا كَانَ، وَوَقَعَ الْخَتْمُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَانَ كَذَلِكَ أَثَرُ الشَّقِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي نُعَيْمٍ - فِي الدَّلَائِلِ - أَنَّ: «الْمَلَكَ لَمَّا أَخْرَجَ قَلْبَهُ وَغَسْلَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ خَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ فَامْتَلَأَ نُورًا» ، وَذَلِكَ النُّبُوَّةُ وَالْحِكْمَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ ; لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَالْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَأَبِي نُعَيْمٍ - فِي الدَّلَائِلِ أَنَّ: «جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَمَّا نَزَلَا لَهُ مِنْ عِنْدِ الْبَعْثَةِ هَبَطَ جِبْرِيلُ فَأَلْقَانِي عَلَى الْقَفَا، ثُمَّ شَقَّ عَنْ قَلْبِي فَاسْتَخْرَجَهُ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أَلْقَانِي وَخَتَمَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى وَجَدْتُ مَسَّ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي» . قَالَ: وَهَذَا مُسْتَنَدُ الْقَاضِي فِيمَا ذَكَرَ وَلَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَتَقْتَضِي هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْخَاتَمَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ وِلَادَتِهِ فَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وُلِدَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ نَقَلَهُ أَبُو الْفَتْحِ، وَقِيلَ: وُضِعَ حِينَ وُضِعَ نَقَلَهُ مُغْلَطَايْ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، وَفِيهِ: «جَعَلَ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيَّ كَمَا هُوَ الْآنَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَوَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَقَدَمَيْهِ» ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْخَتْمَ وُضِعَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ جَسَدِهِ ﷺ ،

стр. 59

وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا شَكَّ النَّاسُ فِي مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَضَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ يَدَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ رُفِعَ الْخَاتَمُ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ. ثُمَّ الْبَيْنِيَّةُ الْمَذْكُورُ تَقْرِيبِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ عَنَدًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ لِمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: فَنَظَرْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى. وَفِي رِوَايَةٍ: «غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ» ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَقَدْ كَانَتْ عَلَيْهِ شَامَةُ النُّبُوَّةِ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى إِلَّا نَبِيَّنَا ﷺ فَإِنَّ شَامَةَ النُّبُوَّةِ كَانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ مِيرَكُ: فَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَرَجَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ رِوَايَةَ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ لِكَوْنِهَا أَصَحَّ وَأَوْضَحَ، وَأَعْرَضُوا عَنْ رِوَايَتَيِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِتَعَارُضِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا هَلْ وُلِدَ بِهِ أَوْ وُضِعَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ؟ فَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ أَخْرَجَ الْمَلَكُ صُرَّةً مِنْ حَرِيرٍ أَبْيَضَ فِيهَا خَاتَمٌ فَضَرَبَ عَلَى كَتِفِهِ كَالْبَيْضَةِ، وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَبِمَ عَلِمْتَ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ قَالَ: «أَتَانِي اثْنَانِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: شُقَّ بَطْنَهُ، فَشَقَّ بَطْنِي، فَأَخْرَجَ قَلْبِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّمِ فَطَرْحَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمِلَاءِ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خِطْ بَطْنَهُ، فَخَاطَ بَطْنِي وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، كَمَا هُوَ الْآنَ، وَوَلَّيَا عَنِّي وَكَأَنِّي أَرَى الْأَمْرَ مُعَايَنَةً» . (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ، وَكَوْنُ مَا بَعْدَهُ مُفَاجَأَةً بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ. (هُوَ) : أَيِ الْخَاتَمُ. (مِثْلُ زِرِّ الْحَجَلَةِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، وَهِيَ بَيْتٌ كَالْقُبَّةِ لَهَا أَزْرَارٌ كِبَارٌ وَعُرًى، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَجَلَةِ: الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ، يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كَبَكْ وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْقَبَجَةُ، وِزْرُّهَا: بَيْضُهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي: «مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ» ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَجْرٍ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، عَلَى أَنَّ الْخَطَّابِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْضُ مِنْ أَرَزَتِ الْجَرَادَةُ إِذَا كَبَسَتْ ذَنَبَهَا فِي الْأَرْضِ فَبَاضَتْ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ، وَأَمَّا قَوْلُ التُّورِبِشْتِيُّ: تَقْدِيمُ الرَّاءِ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ - أَيِ الْخَاتَمُ - يَنُمُّ أَيْ يَفُوحُ مِسْكًا، وَفِي مُسْلِمٍ: جُمْعَ، بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ مِيمٍ، عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَنَّهُ الثَّآلِيلُ السُّودُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ، بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وَتُفْتَحُ فَمُعْجَمَتَيْنِ: أَعْلَى كَتِفِهِ. وَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا: كَبَيْضَةِ الْحَمَامِ، وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ: شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ مِثْلُ السِّلْعَةِ، بِكَسْرِ السِّينِ قِطْعَةٌ نَاتِئَةٌ، وَلِلْمُصَنِّفِ - كَمَا سَيَأْتِي - بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ وَالْمُصَنِّفِ: كَالتُّفَّاحَةِ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ: كَالْبُنْدُقَةِ، وَلِلسُّهَيْلِيِّ: كَأَثَرِ الْمِحْجَمِ الْقَابِضَةِ عَلَى اللَّحْمِ، وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ: شَامَةٌ خَضْرَاءُ مُخْتَفَرَةٌ أَيْضًا فِي اللَّحْمِ، وَلَهُ أَيْضًا: شَامَةٌ سَوْدَاءُ تَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَرَاكِبَاتٌ كَأَنَّهَا عُرْفُ الْفَرَسِ، وَلِلْقَطَاعِيِّ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ مُجْتَمِعَاتٍ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ: كَبَيْضَةِ حَمَامٍ مَكْتُوبٌ بِبَاطِنِهَا: اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِظَاهِرِهَا: تَوَجَّهْ حَيْثُ كُنْتَ فَإِنَّكَ مَنْصُورٌ، وَلِابْنِ عَابِدٍ: كَانَ نُورًا يَتَلَأْلَأُ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةً حَقِيقَةً بَلْ كُلٌّ شَبَّهَ بِمَا سَنَحَ لَهُ، وَمُؤَدَّى الْأَلْفَاظِ كُلُّهَا وَاحِدٌ ; وَهُوَ قِطْعَةُ لَحْمٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ شَعْرٌ ; فَلِأَنَّ الشَّعْرَ حَوْلَهُ مُتَرَاكِبٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ كَانَ شَيْئًا بَارِزًا أَحْمَرَ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، إِذَا قُلِّلَ جُعِلَ كَبَيْضَةِ الْحَمَامِ، وَإِذَا كُثِّرَ جُعِلَ كَجَمْعِ الْيَدِ، وَقَالَ الْقَاضِي: رِوَايَةُ «جَمْعِ الْكَفِّ» يُخَالِفُهُ «بَيْضَةُ الْحَمَامِ» ، «وَزِرُّ الْحَجَلَةِ» فَتُؤَوَّلُ عَلَى وَفْقِ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةِ أَوْ كَهَيْئَةِ الْجَمْعِ لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ فِي قَدْرِ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَرِوَايَةُ: «كَأَثَرِ مِحْجَمٍ أَوْ كَرُكْبَةِ عَنْزٍ أَوْ كَشَامَةٍ خَضْرَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ مَكْتُوبٌ فِيهَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ سِرْ فَإِنَّكَ الْمَنْصُورُ» لَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ وَتَصْحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ ذَلِكَ وَهْمٌ. (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالِقَانِيُّ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ، نِسْبَةً لِبَلَدٍ عِنْدَ قَزْوِينَ، وَسَعِيدٌ ثِقَةٌ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَرُبَّمَا أَخْطَأَ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ) :

стр. 60

ضَعِيفٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. (عَنْ سِمَاكٍ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. (ابْنِ حَرْبٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ. (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : مَرَّ ذِكْرُهُ. (قَالَ رَأَيْتُ الْخَاتَمَ) : أَيْ: أَبْصَرْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ. (بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ظَرْفٌ لِرَأَيْتُ أَوْ صِفَةٌ لِلْخَاتَمِ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلِهِ مَعْرِفَةً أَوْ حَالٌ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِهِ نَكِرَةً. (غُدَّةً) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قِطْعَةُ اللَّحْمِ الْمُرْتَفِعَةُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِهَا. (حَمْرَاءَ) : أَيْ مَائِلَةً لِلْحُمْرَةِ لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ عَلَى لَوْنِ جَسَدِهِ ﷺ . (مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ) : حَالَانِ مُتَدَاخِلَانِ أَوْ مُتَرَادِفَانِ وَالتَّشْبِيهُ بِهَا فِي الْمِقْدَارِ وَالصُّورَةِ وَأَصْلُ اللَّوْنِ وَلَا يُنَافِي أَنَّ لَوْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُشْرَبًا بِالْحُمْرَةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْبَيَاضِ الصَّفَاءُ وَالنُّورُ وَالْبَهَاءُ. (حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. (الْمَدِينِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ «الْمَدَنِيُّ» وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النِّسْبَةِ بِالْحَذْفِ، وَمَنْ أَثْبَتَهَا فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَفِي الصِّحَاحِ: النِّسْبَةُ لِطَيْبَةَ مَدَنِيٌّ وَلِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ - يَعْنِي بَغْدَادَ - مَدِينِيٌّ وَلِمَدَايِنِ كِسْرَى مَدَايِنِيٌّ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَدِينِيُّ هُنَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ طَيْبَةَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: الْمَدِينِيُّ: مَنْ أَقَامَ بِطَيْبَةَ، وَالْمَدَنِيُّ: مَنْ أَقَامَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَصِحُّ ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمَدَنِيُّ نِسْبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْمَدِينِيُّ إِلَى مَدِينَةِ بَغْدَادَ. (أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا. (يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ وَبِكَسْرِ النُّونِ، فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ السَّمْعَانِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: بِفَتْحِ الْجِيمِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرَهُمَا، وَفِي الْأَنْسَابِ لِلسَّمْعَانِيِّ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْمِاجِشُونُ لِحُمْرَةِ خَدَّيْهِ وَهَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْمِاجِشُونُ الْمُوَرَّدُ، وَفِي الْقَامُوسِ: لَقَبٌ، مُعَرَّبُ مَاهْ كُونْ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُعَرَّبَ مَيْ كُونْ فَانْصِرَافُهُ بِالتَّعْرِيفِ. (

стр. 61

عَنْ أَبِيهِ) : يُرِيدُ بِهِ جِدَّهُ الْأَعْلَى الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ; لِأَنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ. (عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) : بِفَتْحِ الْقَافِ، مَدَنِيٌّ أَوْسِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، ثِقَةٌ، عَالِمٌ بِالْمَغَازِي، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (عَنْ جَدَّتِهِ رُمَيْثَةَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثَانِ ثَانِيهُمَا فِي صَلَاةِ الضُّحَى رِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيْ كَلَامَهُ. (وَلَوْ أَشَاءُ) : أَيْ لَوْ أَرَدْتُ. (أَنْ أُقَبِّلَ الْخَاتَمَ) : بِالْوَجْهَيْنِ. (الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِنْ قُرْبِهِ) : «مِنْ» تَعْلِيلِيَّةٌ مَعْمُولُ (لَفَعَلْتُ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ وَبَيَانِ الِاخْتِصَاصِ ; أَيْ لِأَجْلِ قُرْبِهِ ﷺ أَوْ لِقُرْبِ الْخَاتَمِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ وَأَنْسَبُ لِئَلَّا يَفُوتَ إِفَادَتُهَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي جَانِبِ الْخَاتَمِ. (لَفَعَلْتُ) : جَوَابُ «وَلَوْ» وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ مُبَاسَطَتِهَا وَخُصُوصِيَّتِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنِهَايَةِ تَوَاضُعِهِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ وَلُطْفِ خُلُقِهِ مَعَ أُمَّتِهِ لَا سِيَّمَا الْعَجَائِزَ وَالْمَسَاكِينَ. (يَقُولُ) : بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَفْعُولِ «سَمِعْتُ» أَوْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُبَيِّنُ الْمَفْعُولَ الْمُقَدَّرَ الْمَذْكُورَ، وَأُتِيَ بِهِ مُضَارِعًا بَعْدَ «سَمِعَ» الْمَاضِي إِمَّا حِكَايَةً لِحَالِهِ وَقْتَ السَّمَاعِ أَوْ لِإِحْضَارِ ذَلِكَ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ، وَقِيلَ: حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «سَمِعْتُ» أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، وَاخْتَارَتِ الْمُضَارِعَ لَفْظًا لِيَتَوَافَقَ الْمَشِيئَةُ وَمَفْعُولُهَا لَفْظًا كَمَا تَوَافَقَا مَعْنًى وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، وَقِيلَ: «سَمِعْتُ» يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ فَلَا مَحْذُوفَ، وَاخْتَارَهُ الْعِصَامُ وَقَالَ: الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَفْعُولَيْ سَمِعْتُ أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ دُونَ الْفَاعِلِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَالًا مِنْهُ لَذَكَرَتْهَا بِجَنْبِهِ لِمَكَانِ الِالْتِبَاسِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالَ مِيرَكُ: حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «سَمِعْتُ» وَجَعْلُهُ حَالًا مِنْ مَفْعُولِ «سَمِعْتُ» مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وَلَعَلَّهُ لِتَقْدِيمِ «أَشَاءُ» وَأُقَبِّلُ الْمُنَاسِبُ لِلْفَاعِلِ، وَالْحَقُّ أَنَّ كِلَاهُمَا جَائِزٌ وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ. (لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) : أَيْ فِي شَأْنِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ أَوْ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلْمُشَافَهَةِ لَتَحَقُقِ مَوْتُ سَعْدٍ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ، أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُهُمْ أَوَّلُ دَارٍ أَسْلَمَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُحُدٍ، وَرُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ. (يَوْمَ مَاتَ) : ظَرْفٌ لِيَقُولُ، فَيَكُونُ مِنْ كِلَاهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ فَيَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ. (اهْتَزَّ) : أَيْ تَحَرَّكَ. (لَهُ) : أَيْ لِأَجْلِ مَوْتِ سَعْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَهَا» أَيْ: لِرُوحِهِ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ أَيْ لِجَنَازَتِهِ، وَفِيهِ مَزِيدُ شَاهِدٍ عَلَى حَمْلِ الْعَرْشِ عَلَى الْجَنَازَةِ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «عَرْشُ الرَّحْمَنِ» ، وَأَيْضًا لَا فَضِيلَةَ فِي تَحَرُّكِ الْعَرْشِ لِسَعْدٍ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ فَضْلِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ فِي حَقِّهِ. (عَرْشُ الرَّحْمَنِ) : رَوَاهُ الشَّيْخَانِ

стр. 62

أَيْضًا، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ لِغَايَةِ ارْتِيَاحِهِ بِمُوَاصَلَةِ رُوحِهِ إِلَيْهِ أَوْ لِغَايَةِ حُزْنِهِ بِفِرَاقِهِ عَلَيْهِ، وَلَا اسْتِبْعَادَ فِي ارْتِيَاحِهِ مَا لَا رُوحَ لَهُ وَحُزْنُهُ كَمَا لَا اسْتِبْعَادَ فِي تَكَلُّمِ الْجَمَادِ مِنْ تَسْبِيحِ الْحَصَى وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَنَحْوِهِمَا ; لِأَنَّ مَبْنَى أُمُورِ الْآخِرَةِ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْجَمَادَاتِ فِي الدُّنْيَا: (وَإِنَّ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْحِجَارَةِ (لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ «اهْتَزَّ الْعَرْشُ فَرَحًا» ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَتَأَوَّلَهُ فَقَالَ: «اهْتَزَّ الْعَرْشُ فَرَحًا بِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى سَعْدًا» ، وَاخْتَارَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ حَرَكَةُ أَهْلِ الْعَرْشِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِقُدُومِ رُوحِهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ أَوْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: «مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُهَا وَحَرَّكَتْهُمْ» إِمَّا لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ لِلنُّزُولِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِيُصَلُّوا عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ، وَيُقَوِّيهِ مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جَنَازَتَهُ! ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْمِلُهُ» ، وَقِيلَ اهْتِزَازُ الْعَرْشِ: حَرَكَتُهُ، وَجُعِلَ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى مَوْتِهِ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ وَسُمُوِّ مَكَانِهِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ وَفَاتِهِ، وَالْعَرَبُ تَنْسُبُ الشَّيْءَ الْمُعَظَّمَ إِلَى أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُ: أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِمَوْتِ فُلَانٍ، وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ لَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ قَصْدِ الشَّارِعِ وَإِنْ قَالَ الْحَنَفِيُّ: إِنَّهُ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَقِيلَ: الِاهْتِزَازُ فِي الْأَصْلِ الْحَرَكَةُ لَكِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الِارْتِيَاحُ كِنَايَةً أَيِ ارْتَاحَ بِرُوحِهِ حِينَ صَعِدَ بِهِ لِكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ حَدِيثِ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» ، وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِالسَّرِيرِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، يَعْنِي جَنَازَتَهُ وَنَعْشَهُ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ قَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ اهْتَزَّ السَّرِيرُ فَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّهُ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ جَابِرٌ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْبَرَاءَ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَالْخَزْرَجُ لَا يَقُولُ لِلْأَوْسِ بِالْفَضْلِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ الْبَرَاءَ أَيْضًا أَوْسِيٌّ، وَإِنَّمَا قَالَ جَابِرٌ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْحَقِّ وَاعْتِرَافًا بِالْفَضْلِ لِأَهْلِهِ فَكَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنَ الْبَرَاءِ كَيْفَ قَالَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ أَوْسِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا وَإِنْ كُنْتُ خَزْرَجِيًّا وَكَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مَا كَانَ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ ذَلِكَ أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» بِإِضَافَةِ الْعَرْشِ إِلَى الرَّحْمَنِ، وَالْعُذْرُ لِلْبَرَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَغْطِيَةَ فَضْلِ سَعْدٍ وَإِنَّمَا بَلَغَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ «اهْتَزَّ الْعَرْشُ» وَفَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ فَجَزَمَ بِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَلِيقُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ لَا كَمَا فَهِمَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَصَبِيَّةِ لِمَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ مِنَ الضَّغَائِنِ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا بِمِثْلِ مَا تَأَوَّلَهُ الْبَرَاءُ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدٍ» عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ الْحَاكِمُ: الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِاهْتِزَازِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ لِمُعَارِضِهَا ذِكْرٌ فِي الصَّحِيحِ. (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ. (الضَّبِّيُّ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ. (وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ جِيمٍ فَسُكُونِ حَاءٍ. (وَغَيْرُ وَاحِدٍ) : هَذَا الْعَطْفُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سِوَى أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ وَعَلِيِّ

стр. 63

بْنِ حُجْرٍ مُتَعَدِّدًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ سَبَقَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ إِلَّا أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ غَيْرَهُمْ أَيْضًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ وَأَشَارَ إِلَيْهِ هُنَا. (قَالُوا: أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا. (عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ فَفَاءٍ سَاكِنَةٍ، وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ عُمَرَ. (قَالَ) : أَيْ عُمَرُ الْمَذْكُورُ. (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ) : وَالْوَلَدُ ضُبِطَ بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ. (قَالَ) : أَيْ إِبْرَاهِيمَ. (كَانَ عَلِيٌّ إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ) : أَيْ لِإِبْرَاهِيمَ أَوْ عَلِيٍّ وَهُوَ أَقْرَبُ. (الْحَدِيثَ) : أَيِ الْمَذْكُورُ. (بِطُولِهِ) : فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. (وَقَالَ) : أَيْ عَلِيٌّ، وَأَبْعَدَ الْعِصَامُ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى غَيْرِهِ لِزَعْمِهِ أَنَّهُ مَسَاقُ الْكَلَامِ. (كَانَ) : كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ. (خَاتَمِ النُّبُوَّةِ) : بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَيَجُوزُ بِهَمْزٍ بَعْدَ وَاوٍ سَاكِنَةٍ. (وَهُوَ) : أَيِ الْحَالُ أَنَّهُ ﵊. (خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) : بِالضَّبْطِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِهِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ: «بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْخَاتَمِ وَتَعْيِينِ مَحَلِّهِ مِنْ جَسَدِهِ ﷺ . (حَدَّثَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ ثَنَا. (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) : وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. (أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا. (أَبُو عَاصِمٍ) : الشَّهِيرُ بِالنُّبَيْلِ مُصَغَّرًا بِالنُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ، مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، حَدِيثُهُ فِي الصِّحَاحِ السِّتَّةِ. (أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا. (عَزْرَةُ) : بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَزَايٍ سَاكِنَةٍ فِرَاءٍ. (بْنُ ثَابِتٍ) : أَيِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (حَدَّثَنِي عِلْبَاءُ) : بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ فَلَامٌ سَاكِنَةٌ فَمُوَحَّدَةٌ مَمْدُودَةٌ. (بْنُ أَحْمَرَ) : بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ) : هُوَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ. (عَمْرُو) : بِالْوَاوِ. (بْنُ أَخْطَبَ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. (الْأَنْصَارِيُّ) : صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي زَمَنِهِ ﷺ . (قَالَ) : أَيْ أَبُو زَيْدٍ. (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَأَبَا زَيْدٍ) : يُكْتَبُ بِغَيْرِ أَلْفٍ لَكِنْ يُقْرَأُ بِهَا، وَيَتَلَفَّظُ بِهَمْزٍ بَعْدَهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَابِقُ لِرَسْمِ الصَّحَابَةِ فِي كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ يُتْرَكُ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا تَخْفِيفًا. (ادْنُ) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَضْمُومَةٍ وَسُكُونٍ دَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ نُونٍ أَيِ اقْرُبْ. (مِنِّي فَامْسَحْ) : بِفَتْحِ السِّينِ، أَيْ حُكَّ أَوِ افْحَصْ. (ظَهْرِي) : ظَنَّا أَنَّ فِي ثَوْبِهِ شَيْئًا يُؤْذِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَسْحِهِ لِعَارِضٍ أَوْ تَشْرِيفِهِ بِمَسِّ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ وَإِطْلَاعِهِ عَلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ وَتُشَرُّفِهِ لَهُ بِوَجْهٍ لَطِيفٍ، وَبِالْجُمْلَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ عِنَايَتِهِ ﷺ إِلَيْهِ حَيْثُ شَرَّفَهُ بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الْعَلِيَّةِ وَخَصَّهُ بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ السَّنِيَّةِ، وَفِي جَامِعِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ دَعَا لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ

стр. 64

قَالَ: «اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ» ، قَالَ عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ حَفِيدُهُ: إِنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا شَعَرَاتٌ بِيضٌ. (فَمَسَحْتُ) : أَيْ دَنَوْتُ فَمَسَحْتُ. (ظَهْرَهُ فَوَقَعَتْ) : أَيِ اتِّفَاقًا. (أَصَابِعِي) : أَيْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا. (عَلَى الْخَاتَمِ) : بِالْوَجْهَيْنِ. (قُلْتُ) : قَائِلُهُ عِلْبَاءُ لِأَبِي زَيْدٍ لَا أَبُو زَيْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. (وَمَا الْخَاتَمُ؟) : أَيْ: أَيْ شَيْءٍ هُوَ، أَيْ: مَا قَدْرُهُ وَهَيْئَتُهُ؟ . (قَالَ) : أَيْ أَبُو زَيْدٍ. (شَعَرَاتٌ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ ذُو شَعَرَاتٍ أَوْ مَا فِيهِ شَعَرَاتٌ أَوْ مَا عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ. (مُجْتَمِعَاتٌ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْخَاتَمَ بِعَيْنِهِ فَأَخْبَرَ عَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ يَدَهُ وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا مَا قَدَّمْنَاهُ لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ «ذُو شَعَرَاتٍ» ; لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ سِوَى الشَّعَرَاتِ لَتَعَرَّضَ لَهُ فِي بَيَانِهِ مَعَ أَنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ مِمَّا هُوَ سَائِغٌ وَشَائِعٌ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ وَالْبُلَغَاءِ. تَنْبِيهٌ هَذَا الْحَدِيثُ هَكَذَا أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ الْإِسْنَادَ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا رِمْثَةَ، ادْنُ مِنِّي فَامْسَحْ ظَهْرِي، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ ثُمَّ وَضَعْتُ أَصَابِعِي عَلَى الْخَاتَمِ فَغَمَزْتُهَا. قُلْنَا لَهُ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: شَعَرَاتٌ تُجْمَعُ عِنْدَ كَتِفِهِ. فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي رِمْثَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمٌ ; لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَالْمُرَجَّحُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ ; لِأَنَّهُ أَوْثَقُ مِنَ ابْنِ سَعْدٍ، وَيُحْتَمَلُ احْتِمَالًا بَعِيدًا أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ لَهُمَا، انْتَهَى. وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْبُعْدِ كَمَا لَا يَخْفَى. (حَدَّثَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «ثَنَا» . (أَبُو عَمَّارٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ. (الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ وَمُثَلَّثَةٍ. (الْخُزَاعِيُّ) : نِسْبَةً إِلَى خُزَاعَةَ، بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ، ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا. (أَنَا) : أَيْ أَخْبَرَنَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ. (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ) : بِكَسْرِ الْقَافِ، صَدُوقٌ يَهِمُ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي سُنَنِهِمْ. (حَدَّثَنِي أَبِي) : أَيْ حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ. (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) : أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي سُنَنِهِمْ، وَبُرَيْدَةُ بِالتَّصْغِيرِ، وَكَذَا الْحُصَيْبُ. (قَالَ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ. (سَمِعْتُ أَبِي) : وَهُوَ صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ الْبَصْرَةَ ثُمَّ مَرْوٍ، وَتُوَفِّيَ بِهَا. (بُرَيْدَةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ أَبِي أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. (يَقُولُ) : أَيْ بُرَيْدَةُ. (جَاءَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفِي لِسَانِ الْفَارْسِيِّ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ لَحْنٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى

стр. 65

تَغْيِيرِ النِّسَبِ، قِيلَ: نِسْبَةً إِلَى كُورَةِ فَارِسَ ; لِأَنَّهُ مِنْ رَامَ هُرْمُزَ بَلْدَةٍ بَيْنَ تُسْتَرَ وَشِيرَازَ وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ فَارِسَ، وَسُمِّيَ الْفَارِسُ فَارِسًا ; لِأَنَّ أَهْلَهُ كَانُوا فُرْسَانًا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مُنْسُوبُونَ إِلَى فَارِسَ بْنِ كِيُومَرْثْ، وَفِي شَرْحٍ: أَنَّهُ مُعَرَّبُ بَارْسَ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَسَلْمَانُ مِنْ أَصْفَهَانَ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِفَارِسَ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُسَمُّونَ مَا تَحْتَ مُلُوكِ الْعَجَمِ كُلَّهُ فَارِسًا وَأَصْفَهَانُ كَانَ مِنْهَا وَلَمْ يُعْلَمِ اسْمُ أَبِي سَلْمَانَ، وَسُئِلَ عَنْ نَسَبِهِ فَقَالَ: أَنَا سَلْمَانُ بْنُ الْإِسْلَامِ، وَيُقَالُ: سَلْمَانُ الْحَبْرُ بِالْمُهْمَلَةِ فَالْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِمُ الْجَنَّةُ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ كَبِيرٌ، قِيلَ: عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: ثَلَثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَدْرَكَ عِيسَى ﵇، وَقَرَأَ الْكِتَابَيْنِ، وَكَانَ عَطَاؤُهُ خَمْسَةَ آلَآفٍ يُفَرِّقُهُ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ بِعَمَلِ الْخُوصِ، وَلَهُ مَزِيدُ اجْتِهَادٍ فِي الزُّهْدِ فَإِنَّهُ مَعَ طُولِ عُمْرِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِزِيَادَةِ الْحِرْصِ لَمْ يَزْدَدْ إِلَّا زُهْدًا، وَسُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْهُ فَقَالَ: عَلِمَ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَالْعِلْمَ الْآخِرَ وَهُوَ بَحْرٌ لَا يَنْزِفُ وَهُوَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، قِيلَ هَرَبَ مِنْ أَخِيهِ وَكَانَ مَجُوسِيًّا فَلَحِقَ بِرَاهِبٍ ثُمَّ بِجَمَاعَةِ رُهْبَانٍ فِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَكَانَ فِي صُحْبَتِهِمْ إِلَى وَفَاةِ أَخِيرِهِمْ، فَدَلَّهُمُ الْحَبْرُ إِلَى الْحِجَازِ وَأَخْبَرَهُ بِظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَصَدَ الْحِجَازَ مَعَ جَمْعٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَبَاعُوهُ فِي وَادِي الْقُرَى مِنْ يَهُودِيٍّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ يَهُودِيٌّ آخَرُ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى قَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ الرَّاهِبُ قَدْ وَصَفَ لَهُ بِالْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى النُّبُوَّةِ فَجَاءَ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ. (حِينَ قَدِمَ) : بِكَسْرِ الدَّالِ، ظَرْفٌ لِجَاءَ، أَيْ: حِينَ أَوْقَاتِ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ) : بَاؤُهُ لِتَعْدِيَةِ جَاءَ وَلَا يَبْعُدُ جَعْلُهَا لِلْمُصَاحَبَةِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، بَلْ هِيَ أَظْهَرُ هُنَا لِزِيَادَةِ الْإِفَادَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى، بَلْ هِيَ مُتَعَيَّنَةٌ لِرِوَايَةِ (فَاحْتَمَلْتُهَا عَلَى عَاتِقِي) ; وَلِذَا اخْتَارَهَا مِيرَكُ وَجَوَّزَ التَّعْدِيَةَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَرْبَابِ اللُّغَةِ أَنَّ الْمَائِدَةَ خِوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَلَا يُسَمَّى مَائِدَةً، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ. (عَلَيْهَا رُطَبٌ) : لِتَعْيِينِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الطَّعَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الرُّطَبَ طَعَامٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَلَيْسَ بِطَعَامٍ اسْتُعِيرَتِ الْمَائِدَةُ هُنَا لِلظَّرْفِ أَوِ اسْتُعْمِلَتْ لِلْخِوَانِ عَلَى وَجْهِ التَّجْرِيدِ، فَفِي الصِّحَاحِ أَنَّ الطَّعَامَ مَا يُؤْكَلُ، قَالَ صَاحِبُ الْمُحَكَمِ: الْمَائِدَةُ نَفْسُ الْخِوَانِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ عَلَى كُلِّ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ ; لِأَنَّهَا مِمَّا تَمِيدُ أَيْ تَتَحَرَّكُ، وَلَا تَخْتَصُّ بِوَصْفٍ مَخْصُوصٍ أَيْ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ تَكُونَ خِوَانًا. (فَوَضَعَهَا) :

стр. 66

أَيِ الْمَائِدَةَ. (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ تَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ: اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا أَحْضَرَهُ سَلْمَانُ كَانَ رُطَبًا فَقَطْ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْتَطَبْتُ حَطَبًا فَبِعْتُهُ فَصَنَعْتُ طَعَامًا فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: فَاشْتَرَيْتُ لَحْمَ جَزُورٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ طَبَخْتُهُ فَجَعَلْتُ قَصْعَةَ ثَرِيدٍ فَاحْتَمَلْتُهَا عَلَى عَاتِقِي، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهَا وَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَلَعَلَّ الْمَائِدَةَ كَانَ فِيهَا طَعَامٌ وَرُطَبٌ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ أَيْضًا أَنَّهَا تَمْرٌ فَضَعِيفٌ، قُلْتُ: وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِالرُّطَبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ مُعْظَمَ الطَّعَامِ كَانَ رُطَبًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، فَبَعِيدٌ جِدًّا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ جَاءَ الْغَدَ بِمِثْلِهِ. (فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلُ مُلَاقَاتِهِ، وَعَلِمَ اسْمَهُ بِفَيَضَانِ أَنْوَارِ النُّبُوَّةِ أَوْ بِإِخْبَارِ جِبْرِيلَ أَوْ بِسُؤَالِهِ إِيَّاهُ عَنِ اسْمِهِ أَوَّلًا أَوْ بِإِخْبَارِ بَعْضِ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ الشَّرِيفَ مِمَّنْ عَرَفَ سَلْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَقِيَهُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ وَعَرَفَهُ. (مَا هَذَا؟) : أَيِ الْمَأْتِيُّ الَّذِي أَتَيْتَهُ أَوِ الَّذِي وَضَعْتَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَيِ الرُّطَبِ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْمَائِدَةِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ «مَا هَذِهِ؟» وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ إِفَادَةُ الْعُمُومِ، وَاحْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ الْمَائِدَةُ مُغَطَّاةٌ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمَقْصُودُ بِالسُّؤَالِ الْغَرَضُ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى إِتْيَانِهِ وَوَضْعِهِ. (فَقَالَ) : أَيْ هَذَا وَهَذِهِ. (صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ) : قَالَ شَارِحٌ: إِنَّ الصَّدَقَةَ مِنْحَةٌ يَمْنَحُهَا الْمَانِحُ طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَتَكُونُ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ رُؤْيَةِ تَذَلُّلٍ لِلْآخِذِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، وَالْهَدِيَّةُ مِنْحَةٌ لَا يُرَى فِيهَا تَذَلُّلُ الْآخِذِ بَلْ يُطْلَبُ بِهَا التَّحَبُّبُ إِلَى الْآخِذِ وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ، قَالَ الْعِصَامُ: فَمَفْهُومُ الصَّدَقَةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَالصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ فَرْضُهَا وَتَطَوُّعُهَا عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَمَنْ جَعَلَ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ أَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ جَعَلَهَا مُحَرَّمَةً عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ أَبَدًا، وَمَنْ جَعَلَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا دَفْعَ التُّهْمَةِ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِ حَقَّ الْفُقَرَاءِ لَمْ يَجْعَلْهَا بَعْدَهُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. (فَقَالَ ارْفَعْهَا) : أَيِ الْمَائِدَةَ أَوِ الصَّدَقَةَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ أَوْ عَنِّي لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فِيهِ تَحْرِيمُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِاحْتِمَالِ امْتِنَاعِهِ وُجُوبًا أَوْ تَنَزُّهًا. (فَإِنَّا) : أَيْ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَنَا وَأَقَارِبِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ أَوِ الضَّمِيرُ لِلْعَظَمَةِ. (لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) : وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ نَفْسُهُ وَأَصْحَابُهُ ; إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ الْحَاضِرُونَ عِنْدَهُ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ، وَيُحْمَلُ حِينَئِذٍ أَمْرُهُ بِالْأَكْلِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَضَرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَبْرًا لِخَاطِرِ سَلْمَانَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ «الصَّدَقَةُ» أَيِ الزَّكَاةُ، وَمِثْلُهَا كُلُّ وَاجِبٍ كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يَعُمُّ الْمَنْدُوبَةَ أَيْضًا كَانَتِ النُّونُ لِلتَّعْظِيمِ لِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ دُونَ قَرَابَتِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يَعُمُّ الْمَنْدُوبَةَ فَإِنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ مُتَعَيَّنَةٌ لِيَصِحَّ التَّعْلِيلُ عَنِ امْتِنَاعِ أَكْلِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيمِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ هَذَا مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، وَدَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِامْتِنَاعِ هُوَ التَّحْرِيمُ مَمْنُوعَةٌ أَيْضًا ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا، وَأَغْرَبَ الْعِصَامُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِرَفْعِهَا مُطْلَقًا وَلَمْ يَأْكُلْ أَصْحَابَهُ ; لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَكْلُ أَصْحَابِهِ مِنْهُ، فَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُمْ أَكَلُوهُ بَعْدَ جَعْلِ سَلْمَانَ كُلَّهُ صَدَقَةً عَلَى أَصْحَابِهِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِمَّا يُكْتَفَى بِالْعِلْمِ بِالْمَرْضِيِّ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: بَقِيَ أَنَّهُ بَعْدَ جَعْلِهِ صَدَقَةً لِأَصْحَابِهِ يَصِحُّ أَنْ يَأْكُلَهُ ﷺ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ هَدِيَّةً لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ شَاةِ صَدَقَةٍ أَخَذَتْهَا بَرِيرَةُ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ عَلَيْهَا وَهَدِيَّةٌ لَنَا» . إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يُأْذِنْهُ أَصْحَابُهُ بِالْأَكْلِ

стр. 67

لِعَدَمِ حُكْمِهِمْ بِالْعِلْمِ، انْتَهَى. وَوَجْهُ الْعَجَبِ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالْإِبَاحَةِ، فَمَسْأَلَةُ بَرِيرَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى إِهْدَائِهَا لَهُ ﷺ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةَ بِأَخْذِهَا، وَمَسْأَلَةُ الْأَصْحَابِ هُنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْأَكْلِ لَهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَصِحُّ لَهُمُ الْإِبَاحَةُ لِغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ. (قَالَ) : أَيْ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ. (فَرَفَعَهَا) : أَيْ سَلْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ أَوْ فَرَفَعَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ أَكْلِهَا، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ ﷺ أَيْضًا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، انْتَهَى. وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لِعَدَمِ أَكْلِ الْأَصْحَابِ مَعَ مُنَافَاتِهِ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُمْ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ. (فَجَاءَ) : أَيْ سَلْمَانُ. (الْغَدَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَيْ يَوْمًا أَوْ وَقْتًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ. (بِمِثْلِهِ) : أَيْ بِنَحْوِ مَا جَاءَ بِهِ أَوَّلًا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ بِرُطَبٍ عَلَى مَائِدَةٍ، وَمِنْ قَوْلِ الْعِصَامِ: الضَّمِيرُ لِلْمَائِدَةِ لِتَأْوِيلِهَا بِالْخِوَانِ إِذْ لَا يَبْقَى فَائِدَةٌ لِلْمِثْلِ وَتَغْيِيرُ الْخِوَانِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكَ أَنَّ تَجْعَلَ قَوْلَهُ بِمِثْلِهِ حَالًا أَيْ مُلْتَبِسًا بِمِثْلِ هَذَا الْمَجِيءِ، يَعْنِي أَنَّ الْبَاءَ عَلَى مَا سَبَقَ لِلتَّعْدِيَةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ. (فَوَضَعَهُ) : أَيْ سَلْمَانُ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَ مَا سَبَقَ مِنْ وَضْعِهِ. (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ) : خَاطَبَهُ بِاسْمِهِ ثَانَوِيًّا تَلَطُّفًا عَلَى مُقْتَضَى رَسْمِهِ وَإِشْعَارًا بِدُخُولِهِ فِي السِّلْمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَتَفَاؤُلًا، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَفِي وَضْعِ اسْمِهِ عَلَى صُورَةِ التَّثْنِيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى تَعَدُّدِ قَضِيَّتِهِ وَاسْتِسْلَامِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. (فَقَالَ: هَدِيَّةٌ لَكَ) : قَالَ الْحَنَفِيُّ: لَعَلَّ اخْتِيَارَ كَلِمَةِ «عَلَى» فِي الصَّدَقَةِ وَكَلِمَةِ «اللَّامِ» فِي الْهَدِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الضُّرِّ فِيهَا وَهُوَ الذُّلُّ، وَعَدَمِهِ فِي الْهَدِيَّةِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ، انْتَهَى. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ تَارَةً يَتَعَدَّى بِاللَّامِ وَتَارَةً بِعَلَى كَشَهِدَ لَهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ لَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ، وَدَعَا لَهُ وَدَعَا عَلَيْهِ، لَا أَنَّ اللَّامَ مَوْضُوعَةٌ

стр. 68

فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِلنَّفْعِ وَعَلَى لِلضُّرِّ، مَعَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَصْحَابِ لَيْسَتْ لِلضَّرَرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) نَعَمِ، الِاقْتِصَارُ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى خِطَابِهِ ﷺ وَتَعْمِيمِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الصَّدَقَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْقَصْدَ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ مُشَارِكٌ لَهُ فِيمَا هُوَ الْغَرَضُ مِنَ الصَّدَقَةِ تَبَعًا لَهُ لَوْ جَازَتْ لَهُ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ) : أَيْ بِطَرِيقِ الِانْبِسَاطِ. (ابْسُطُوا) : دَفْعًا لِوَهْمِهِمْ أَنَّ هَذِهِ مُخْتَصَّةٌ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا، وَإِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْآدَابِ مَعَ الْخَدَمِ وَالْأَصْحَابِ إِظْهَارًا لِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالْكَرْمِ الْعَمِيمِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْبَسْطِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ حَدِّ «نَصَرَ» عَلَى مَا ضُبِطَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَمَعْنَاهُ أَوْصِلُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَائِدَةِ وَكُلُوا مِنْهَا مَعَنَا، فَبَسْطُ الْيَدِ كِنَايَةٌ عَنْ إِيصَالِهَا إِلَى الشَّيْءِ، وَمِنْهُ: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ) فَأَيْدِيكُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَوْ مِنَ الْبَسْطِ بِمَعْنَى النَّشْرِ أَيِ انْشُرُوا الطَّعَامَ فِي الْمَجْلِسِ بِحَيْثُ يَصِلُ إِلَيْهِ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ أَوِ اقْسِمُوا هَذِهِ الْهَدِيَّةَ بَيْنَكُمْ، أَوْ مَعْنَاهُ انْبَسِطُوا مِنْ سَلْمَانَ وَاسْتَبْشِرُوا بِقُدُومِهِ تَلَطُّفًا لَهُ وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لِيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا أَيْ مُنْبَسِطًا، وَمِنْهُ حَدِيثُ فَاطِمَةَ: «يَبْسُطُنِي مَا يَبْسُطُهَا» أَيْ يَسُرُّنِي مَا يَسُرُّهَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سُرَّ انْبَسَطَ وَجْهُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «انْشَطُوا» بِالنُّونِ ثُمَّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ أَوِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، فَيَكُونُ مِنَ النَّشَاطِ قَرِيبًا مِنَ الِانْبِسَاطِ أَيْ: كُونُوا ذَا نَشَاطٍ لِلْأَكْلِ مَعِي، وَبِهِ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ حَدِّ «ضَرَبَ» ، وَيُقَالُ فِي مَعْنَاهُ افْتَحُوا الْعُقْدَةَ، وَلَعَلَّ مَائِدَةَ سَلْمَانَ كَانَتْ فِي لِفَافَةٍ مَعْقُودَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَا هَذِهِ؟» ، وَلَا يُشْكِلُ بِمَا فِي النِّهَايَةِ، يُقَالُ: نَشَطْتُ الْعُقْدَةَ إِذَا عَقَدْتُهَا وَأَنْشَطْتُهَا إِذَا حَلَلْتُهَا ; لِمَا فِي التَّاجِ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَمَصْدَرُهُ الْأُنْشُوطَةُ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ مِنَ الْإِنْشَاطِ وَهُوَ الْحَلُّ، وَفِي قَلِيلٍ مِنَ النُّسَخِ: انْشَقُّوا، بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ مِنَ الِانْشِقَاقِ بِمَعْنَى الِانْفِرَاجِ وَالتَّفَرُّقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِالِانْشِقَاقِ لِيَدْنُوَ سَلْمَانُ، وَيَقْرُبَ مِنْهُ ﷺ أَوْ يَجْلِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهَا مِلْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ بَاطِنِ الْأَمْرِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ سَلْمَانَ كَانَ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ مِنْ مَالِكِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدَى لَهُ أَنْ يَعُمَّ الْحَاضِرِينَ مِمَّا أُهْدِيَ إِلَيْهِ، وَحَدِيثُ: «مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا» وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَمَا قَالَهُ مِيرَكُ مُؤَيِّدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأُصُولِ: الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يُدَاوِمُونَ مَجْلِسَهُ وَيَعْتَكِفُونَ بَابَهُ وَيَتَفَقَّدُونَ أُمُورَهُ لَا كُلُّ مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، انْتَهَى. وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ أَنَّ الْهَدَايَا مُشْتَرَكٌ فَلَيْسَ لِلَفْظِهِ أَصْلٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي مَعْنَى الضَّعِيفِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أُتِيَ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ جَسِيمَةٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ فَقِيرٌ مُسَافِرٌ فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا، الْهَدَايَا مُشْتَرَكٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ بِلِسَانِهِ أَمَاتَنْهَا خُوشْتَرْكْ أَيْ الِانْفِرَادُ أَحْسَنُ، فَظَنَّ الْفَقِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الِانْفِرَادَ لِنَفْسِهِ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَكَ تَنْهَا خُوشْتَرْكْ، فَشَرَعَ فِي أَخْذِهِ، فَعَجَزَ عَنْ حَمْلِهِ وَحْدَهُ، فَأَشَارَ الشَّيْخُ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ بِمُعَاوَنَتِهِ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ أُتِيَ بِهَدِيَّةٍ مِنَ النُّقُودِ فَقِيلَ لَهُ: الْهَدَايَا مُشْتَرَكٌ، فَقَالَ: اللَّامُ لِلْعَهْدِ ; أَيْ: الْهَدَايَا مِنَ الرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ وَأَمْثَالِهَا، فَانْظُرِ الْفَرْقَ الْبَيِّنَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. (ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ. (عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَذَا دَلِيلُ التَّرْجَمَةِ، وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةَ عَلَى التَّرَاخِي لِمَا فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَنَّ سَلْمَانَ لَبِثَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْتَظِرُ رُؤْيَةَ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي أَخْبَرَهُ عَنْهَا آخِرُ مَشَايِخِهِ، أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَبِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ وَمِنْ عَلَامَاتِهِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ الَّذِي خُتِمَ بِهِ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلِ الصَّدَقَةَ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا شَاهَدَ سَلْمَانُ الْعَلَامَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ انْتَظَرَ الْآيَةَ الثَّالِثَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ نُقَبَاءَ الْأَنْصَارِ فَشَيَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَنَازَتَهُ، وَذَهَبَ مَعَهَا إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَجَلَسَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يَنْتَظِرُ دَفْنَهُ، فَجَاءَ سَلْمَانُ وَاسْتَدَارَ خَلْفَهُ لِيَنْظُرَ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتِدْبَارَهُ عَرَفَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَثْبِتَ شَيْئًا وُصِفَ لَهُ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرَ سَلْمَانُ إِلَى الْخَاتَمِ. (فَآمَنَ بِهِ) : بِلَا تَرَاخٍ وَمُهْلَةٍ لَمَّا رَأَى مِنَ انْطِبَاقِ أَوْصَافِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي

стр. 69

التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ ﷺ ، فَالْفَاءُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَجْمُوعِ مَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَةِ. (وَكَانَ لِلْيَهُودِ) : مُفْرَدُهُ الْيَهُودِيُّ ; أَيْ: كَانَ سَلْمَانُ مَوْثُوقًا عِنْدَهُمْ بِحِبَالِ رِقِّيَتِهِمْ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ آمَنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: «عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُمْ» ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ: قَدِمَ فِي رَكْبٍ مِنْ بَنِي كَلْبٍ إِلَى وَادِي الْقُرَى، فَظَلَمُونِي وَبَاعُونِي عِنْدَ ابْنِ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ. وَفِي أُخْرَى: فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ. فَيُحْتَمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي اشْتِرَائِهِ، أَوْ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، وَجَعْلِ التَّابِعِ فِي دَائِرَةِ الْمَتْبُوعِ وَالْفَرْعِ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ; أَيْ: لِبَعْضِ الْيَهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ رُفَقَاءَهُ مِنْ بَنِي كَلْبٍ بَاعُوهُ فِي وَادِي الْقُرَى لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ ثُمَّ بَاعَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ. . . امْرَأَةً بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: تَدَاوَلَنِي بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ. (فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: أَيْ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ: أَمَرُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ ; لِمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّهُ كُوتِبَ فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابَتِهِ، وَقِيلَ: أَدَّى بَدَلَ كِتَابَتِهِ، وَسَمَّاهُ اشْتِرَاءً مَجَازًا، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْكُلِّ أَنَّهُ خَلَّصَهُ عَنْ رِقِّهِ. (بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا) : قِيلَ: أَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِنْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَالْأُوقِيَّةُ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. (عَلَى أَنْ يَغْرِسَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ. (لَهُمْ) : أَيْ لِمَنْ يَمْلِكُ سَلْمَانَ. (نَخِيلًا) : هُوَ وَالنَّخْلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْوَاحِدَةُ النَّخْلَةُ، ثُمَّ «عَلَى» بِمَعْنَى «مَعَ» ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ «وَعَلَى» بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ شِرَاؤُهُ ﷺ حَقِيقَةً ; إِذْ لَا يَصِحُّ جَعْلُ الْغَرْسِ دَاخِلَ الثَّمَنِ وَلَا شَرْطًا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، سَوَاءٌ جُعِلَ ضَمِيرُ «يَغْرِسَ» رَاجِعًا إِلَى سَلْمَانَ أَوْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْبَائِعَ قَدِ اسْتَثْنَى بَعْضًا مِنْ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً، وَهِيَ غَرْسُهُ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ وَعَمَلُهُ فِيهَا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَرَّرْنَاهُ مَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ، فَكَاتَبْتُ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْسِنُهَا، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، وَزَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَبَقِيَ الذَّهَبُ، فَجَاءَهُ ﷺ مِثْلُ الْبَيْضَةِ مِنَ الذَّهَبِ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ ﷺ لِسَلْمَانَ: «أَدِّ هَذِهِ عَنْكَ» . (فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ) : بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى «يَغْرِسَ» فَيُفِيدُ أَنَّ عَمَلَهُ مِنْ جُمْلَةٍ بَدَلَ الْكِتَابَةِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَفِي نُسْخَةٍ «لِيَعْمَلَ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ مُتَبَرِّعٌ، وَهُوَ يُصَحِّحُ أَنَّ شِرَاءَهُ ﷺ حَقِيقَةً، ثُمَّ فِي تَصْرِيحِ سَلْمَانَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فَاعِلَ «يَغْرِسُ» هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَيْ سَلْمَانُ، فَوَهْمٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأُصُولِ فِيهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَيَعْمَلُ فِيهَا سَلْمَانُ. فَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ النَّخْلِ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ النَّخْلَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَتَبِعَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَهُ نَظَرًا لِلَّفْظِ وَالْأَوْلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: النَّخْلُ مَعْرُوفٌ كَالنَّخِيلِ وَيُذَكَّرُ وَوَاحِدَتُهُ نَخْلَةٌ جَمْعُهَا نَخِيلٌ، انْتَهَى. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: (نَخْلٍ مُنْقَعِرٌ) ، وَ (نَخْلٍ خَاوِيَةٌ) . (حَتَّى تُطْعِمَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرِ الْعَيْنِ، لَا غَيْرَ عَلَى مَا فِي أَصْلِنَا، وَهُوَ بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهُهَا، وَالْمَعْنَى: حَتَّى تُثْمِرَ، يُقَالُ: أَطْعَمَتِ النَّخْلَةُ إِذَا أَثْمَرَتْ، قَالَ مِيرَكُ: وَاعْلَمْ أَنَّ رِوَايَتَنَا بِالتَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ لَكِنْ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ لَا غَيْرَ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فَلَيْسَ هُوَ فِي رِوَايَتِنَا وَأُصُولِ مَشَايِخِنَا، وَاللَّهُ الْهَادِي، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُلَّا حَنَفِي فَإِنَّهُ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ أَخَذَ الْحَدِيثَ عَنْ وَالِدِ مِيرَكَ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يُرْوَى مَعْرُوفًا وَمَجْهُولًا بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَمِنْ تَحْتٍ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ «أَنْ» بَعْدَ «حَتَّى» . وَفِي النِّهَايَةِ فِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ. يُقَالُ: أَطْعَمَتِ الشَّجَرَةُ إِذَا أَثْمَرَتْ، وَأَطْعَمَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا أَدْرَكَتْ أَيْ صَارَتْ ذَاتَ طَعْمٍ يُؤْكَلُ مِنْهَا. وَرُوِيَ حَتَّى تُطْعَمَ أَيْ: تُؤْكَلَ، وَلَا تُؤْكَلُ إِلَّا إِذَا أَدْرَكَتِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يُعْلَمُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ مَعْرُوفًا وَمَجْهُولًا، تَمَّ كَلَامُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْوَجْهَيْنِ إِذَا ثَبَتَتْ فِي كَلِمَةٍ فِي حَدِيثٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُهُمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ، خُصُوصًا مَعَ اخْتِلَافِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ

стр. 70

الثَّمَرَةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُمَا عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَالنَّخْلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ الْفَاعِلُ، فَمَعْنَى إِثْمَارِهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: حَتَّى تُؤْكَلَ النَّخْلَةُ، فَمَا أَبْعَدَهَا عَنِ التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَطْعَمَ النَّخْلُ إِذَا أَدْرَكَ ثَمَرُهَا، فَهُوَ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى غَيْرِ أَيْ مَأْكُولٍ كَالثَّمَرَةِ جَازَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا كَمَا عُلِمَ مِنْ صَنِيعِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْضًا، وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: يُؤْكَلُ ثَمَرُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، وَلَا يُعْدَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ، فَتَدَبَّرْ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كُتُبِ السِّيَرِ: أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ أَعَانُوا سَلْمَانَ بِأَمْرِهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِإِعَانَتِهِ، فَجَمَعُوا الْفُسْلَانِ عَلَى مِقْدَارِ مَقْدِرَتِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُ ثَلَثُمِائَةُ فَسَيْلٍ، ثُمَّ حَفَرَ سَلْمَانُ لَهَا فِي أَرْضٍ عَيَّنَهَا أَصْحَابُهُ، وَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ الْغَرْسِ أَخْبَرَ بِهِ ﷺ فَجَاءَ. (فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ بِيَدَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ. (النَّخْلَ) : أَيْ جَمِيعَهَا. (إِلَّا نَخْلَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. (وَاحِدَةً) : لِلتَّأْكِيدِ. (غَرَسَهَا عُمَرُ ﵁ فَحَمَلَتْ) : أَيْ أَطْعَمَتْ. (النَّخْلُ) : أَيْ جَمِيعُهَا. (مِنْ عَامِهَا) : أَيْ مِنْ سَنَةِ غَرْسِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي عَامِهَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِضَافَةُ الْعَامِ إِلَيْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَغْرُوسَةٌ فِيهِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى النَّخِيلِ، وَقَالَ الْعِصَامُ: أَيْ مِنْ عَامِ الْغَرْسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فِي عَامِهِ، وَالضَّمِيرُ لِلْغَرْسِ، انْتَهَى. وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ، وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ أَنَّ النَّخْلَ لَا تَحْمِلُ مِنْ عَامِ غَرْسِهَا. (وَلَمْ تَحْمِلْ نَخْلَةٌ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَقَطْ فِي أَصْلِنَا الْمُصَحَّحِ بِالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَمِنْ تَحْتٍ وَوَجْهُ كِلْتَيْهِمَا ظَاهِرٌ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ هَذِهِ) : أَيْ مَا سَبَبُ هَذِهِ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ فِي أَنَّهَا مَا حَمَلَتْ كَبَقِيَّةِ النَّخْلَةِ. (فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا غَرَسْتُهَا) : وَعَدَمُ حَمْلِ هَذِهِ النَّخْلَةِ فِي عَامِ غَرْسِهَا وَقَعَ عَلَى سُنَنِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ مَا عَرَفَ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِالْغَرْسِ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ بَلْ مُجَرَّدَ الْمُعَاوِنَةِ. (فَنَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَغَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهِ) : أَيْ عَامَ الْغَرْسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «مِنْ عَامِهَا» وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَانَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُظْهِرَ الْمُعْجِزَةَ بِإِطْعَامِ الْكُلِّ سِوَى مَا لَمْ يَغْرِسْهُ كُلَّ الظُّهُورِ، وَيَتَسَبَّبَ لِظُهُورِ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى وَهِيَ غَرْسُ نَخْلَةِ عُمَرَ ثَانِيًا وَإِطْعَامُهَا فِي عَامِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ) : بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. (بْنُ الْوَضَّاحِ) : بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ، أَبُو الْهَيْثَمِ، بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ. (أَخْبَرَنَا أَبُو عَقِيلٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ اسْمُهُ بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ. (الدَّوْرَقِيُّ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ بِفَارِسَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ. (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) : بِفَتْحِ نُونِ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ، وَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكُ بْنِ قُطَعَةَ، بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الْمَحْفُوظُ بِنُونٍ مُعْجَمَةٍ، وَضَبَطَهُ شَارِحٌ بِمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمَحَلِّ بِالْبَصْرَةِ، انْتَهَى. وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ كَلَامُ الْعِصَامِ وَعِبَارَتُهُ بِالنُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ كَالْمُوَحَّدَةِ، الْعُوفِيُّ نِسْبَةً إِلَى الْعُوفَةِ كَالْكُوفَةِ، وَهِيَ مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِالْمُوَحَّدَةِ: الضَّادَ الْمَنْقُوطَةَ ; لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ الْبَاءِ بِالْمُوَحَّدَةِ التَّحْتَانِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بِشْرٍ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ إِلَى أَنَّهُ مَزِلَّةٌ إِلَى الْفَسَادِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَآلَ مُتَّحِدٌ عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكُ

стр. 71

وَاحِدٌ، فَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ. (قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) : وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ. (الْخُدْرِيَّ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي خُدْرَةَ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ مَا بَعْدَ أُحُدٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ. (عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا. (يَعْنِي) : قَائِلُهُ أَبُو عَقِيلٍ، وَضَمِيرُ يَعْنِي لِأَبِي نَضْرَةَ. (خَاتَمَ النُّبُوَّةِ) : أَيْ لَا الْخَاتَمُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ. (فَقَالَ) : أَيْ أَبُو سَعِيدٍ. (كَانَ) : أَيِ الْخَاتَمُ. (فِي ظَهْرِهِ) : ظَرْفُ لَغْوٍ. (بَضْعَةً) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: قَدْ تُكْسَرُ الْبَاءُ، أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَصِفَتُهَا. (نَاشِزَةً) : بِالزَّايِ، أَيْ: مُرْتَفِعَةً عَنِ الْجِسْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» اسْمُ كَانَ، «وَفِي ظَهْرِهِ» ، خَبَرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «كَانَ» نَاقِصَةٌ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الْخَاتَمِ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ، وَ «بَضْعَةٌ» إِمَّا حَالٌ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَمَا أَبْعَدَ الْعِصَامُ عَنِ الْمَقَامِ بِقَوْلِهِ: وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَحِينَئِذٍ «فِي ظَهْرِهِ» خَبَرُ كَانَ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ بَعْدَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: «بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» ، وَجَعْلُ «كَانَ» تَامَّةً لَا يُلَائِمُ الْجَوَابَ كَجَعْلِ «بَضْعَةٌ» اسْمَ «كَانَ» ، «وَفِي ظَهْرِهِ» خَبَرُهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْقِدْ بَصَرَهُ، انْتَهَى. فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ وَرَأَى خَبَرَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «فِي ظَهْرِهِ» حَالٌ مِنْ «بَضْعَةٍ» أَوْ ظَرْفٌ لِكَانَ، وَ «بَضْعَةً» خَبَرُ «كَانَ» بِنَاءً عَلَى نَقْصِهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، وَيَجُوزُ جَعْلُهَا تَامَّةً فَيَكُونُ مَرْفُوعَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَرْجِيحَ الثَّانِي، قَالَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى النَّقْضِ ثُبُوتٌ فِي ظَهْرِهِ لِلْبَضْعَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ، انْتَهَى. وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، بَلْ هُوَ مَقْصُودٌ وَأَيُّ مَقْصُودٍ، كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمَامٍ لَا مِنْ خَلْفٍ، فَتَعَيَّنَ ذِكْرُ «فِي ظَهْرِهِ» رَدًّا لِهَذَا الزَّاعِمِ، انْتَهَى. مَعَ أَنَّ زِيَادَةَ الْإِفَادَةِ فِي الْجَوَابِ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي فَصْلِ الْخِطَابِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: «مِنْ بَضْعَةٍ» غَيْرُ صَحِيحٍ بِنَاءً عَلَى إِعْرَابِهِ ; لِأَنَّ الْحَالَ إِنَّمَا يَتَقَدَّمُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا نَكِرَةٌ مَحْضَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَائِبَةُ تَخْصِيصٍ، ثُمَّ فِي شَرْحِ السُّنَّةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجِ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ، فَقَالَ: أَنْتَ رَفِيقٌ، وَاللَّهُ الطَّبِيبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي فِي ظَهْرِهِ ﷺ هُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَتَوَهَّمَ الرَّائِي أَنَّهُ سَلْعَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَدَنِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعَالَجُ بَلْ كَلَامُكَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلَاجِ حَيْثُ سَمَّيْتَ نَفْسَكَ طَبِيبًا وَاللَّهُ هُوَ الطَّبِيبُ الْمُدَاوِي الْحَقِيقِيُّ الشَّافِي عَنِ الدَّاءِ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ الْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْبَقَاءِ وَأَنْتَ تَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ فِي الْعِلَاجِ. (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ. (أَبُو الْأَشْعَثِ) : بِالْمُثَلَّثَةِ. (الْعِجْلِيُّ) : بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي عِجْلٍ. (الْبَصْرِيُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ، صَدُوقٌ. (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ. (بْنُ زَيْدٍ) : احْتَرَزَ بِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بَصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، أُخْرِجَ حَدِيثُهُ فِي الصِّحَاحِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ أَحَدٌ أَتْقَنَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ يَحْيَى: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْفَظَ مِنْهُ، وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ. (عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) : هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ، لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا ابْنُ الْقَطَّانِ وَكَأَنَّهُ بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي الْوِلَايَةِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) : بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ مَكْسُورَةٌ كَنَرْجِسَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَضْبُوطٌ بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ وَيُلَائِمُهُ قَوْلُ الْعِصَامِ كَجَعْفَرٍ، وَبَيَّنَّا وَجْهَهُمَا فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيْ جِئْتُهُ. (وَهُوَ فِي نَاسٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ أُنَاسٍ ; أَيْ جَمَاعَةٍ

стр. 72

مِنَ النَّاسِ. (مِنْ أَصْحَابِهِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِهِ، أَيْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي نَاسٍ، أَيْ مَعَ نَاسٍ، غَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ وُجُودِ قَوْلِهِ وَهُوَ كَمَا لَا يَخْفَى. (فَدُرْتُ) : بِضَمِّ الدَّالِ مَاضٍ مِنَ الدَّوْرِ عَطْفٌ عَلَى أَتَيْتُ. (هَكَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى كَيْفِيَّةِ دَوَرَانِهِ. (مِنْ خَلْفِهِ) : لِبَيَانِهِ، أَيِ انْقَلَبْتُ مِنْ مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَذَهَبْتُ حَتَّى وَقَفْتُ خَلْفَهُ. (فَعَرَفَ) : أَيْ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَوْ بِقَرِينَةِ الدَّوْرَةِ. (الَّذِي أُرِيدُ) : أَيْ أَنْوِيهِ وَأَقْصِدُهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْخَاتَمِ. (فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ) : أَيْ أَبْصَرْتُ. (مَوْضِعَ الْخَاتَمِ) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ، أَيِ الطَّابَعِ الَّذِي خُتِمَ بِهِ كَمَا مَرَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَفَ مَا أُرِيدُ، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَدُرْتُ حَتَّى قُمْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ. (عَلَى كَتِفَيْهِ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِرَأَيْتُ، وَالْمُرَادُ قَرِيبًا مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْخَاتَمِ بَعِيدٌ جِدًّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: أَيْ مُشْرِفًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ارْتِفَاعَهُ يَزِيدُ عَلَى ارْتِفَاعِ كَتِفَيْهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، أَوْ قَالَ ثَرِيدًا، ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جَمْعًا عَلَيْهَا خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ، انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَرُوِيَ: فِي نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، وَالنُّغْضُ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنَّاغِضُ مِنْهُ عَلَى وَزْنِ الْفَاعِلِ، أَعْلَى الْكَتِفِ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَظَمُ الرَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِهِ وَهُوَ الْغُضْرُوفُ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَيِّدَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ أَوْ عَلَى كَتِفِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: السِّرُّ فِي وَضْعِ الْخَاتَمِ عَلَى جِهَةِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ أَنَّ الْقَلْبَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ مَقْطُوعٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ، فَأُرِيَ فِي النَّوْمِ جَسَدًا كَالْبِلَّوْرِ وَيُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشَّيْطَانَ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ حِذَاءَ قَلْبِهِ لَهُ خُرْطُومٌ كَالْبَعُوضِ قَدْ أُدْخِلَ إِلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الْبَرِّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ إِلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ سَأَلَ عِيسَى ﵇ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنَ ابْنِ آدَمَ فَأَرَاهُ، فَإِذَا رَأْسُهُ مِثْلُ رَأْسِ الْحَيَّةِ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى ثَمَرَةِ الْقَلْبِ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ خَنَسَ، وَإِذَا تَرَكَ أَتَاهُ وَحَدَّثَهُ. وَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُولَدُ الْإِنْسَانُ وَالشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ، وَمَعْنَى جَاثِمٍ: وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجَعِ الِاعْتِنَاءِ وَالِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمَّا مَلَأَ قَلْبَهُ ﷺ حِكْمَةً وَيَقِينًا خَتَمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا، وَأَمَّا وَضْعُهُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ فَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَدْخَلُ الشَّيْطَانِ وَمَحَلُّ وَسْوَسَتِهِ. (مِثْلَ الْجُمْعِ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وَجَوَّزَ الْكِسَائِيُّ كَسْرَ الْجِيمِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْخَاتَمِ فِي النِّهَايَةِ، يُرِيدُ مِثْلَ جَمْعِ الْكَفِّ، وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ الْأَصَابِعَ وَتَضُمَّهَا، يُقَالُ ضَرَبَهَا بِجُمْعِ كَفِّهِ بِضَمِّ الْجِيمِ، انْتَهَى. فَهُوَ فُعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالذُّخْرِ بِمَعْنَى الْمَذْخُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا بِهِ فِي الْمِقْدَارِ وَأَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا فِي الْهَيْئَةِ الْمَجْمُوعَةِ وَهُوَ أَنْسَبُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ: «زِرُّ الْحَجْلَةِ» إِلَّا أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ خُطُوطٌ كَمَا يَظْهَرُ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ الْمَجْمُوعَةِ كُلُّ خَطٍّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ كَأَنَّهُ جَمْعُ كَفٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ كَأَنَّهُ جُمْعُ يَعْنِي الْكَفَّ الْجُمْعَ، وَقَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى كَفِّهِ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى نُغْضِ الْكَتِفِ بِمِثْلِ الْجُمْعِ. قَالَ حَمَّادٌ: جُمْعُ الْكَفِّ وَجَمَعَ حَمَّادٌ كَفَّهُ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. (حَوْلَهَا) : أَيْ حَوْلَ الْخَاتَمِ وَأُنِّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: «كَانَ الْخَاتَمُ بَضْعَةً نَاشِزَةً» ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَيْ حَوْلَ الْمِثْلِ أَوْ حَوْلَ الْجُمْعِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الشَّعَرَاتِ أَوْ أَجْزَاءَ تَتَصَوَّرُ فِي الْجَمْعِ فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ الْعِصَامِ: أَيْ حَوْلَ الْخَاتَمِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ النُّبُوَّةِ. فَاحْفَظْهُ فَإِنَّ تَوْجِيهَ تَأْنِيثِ هَذَا

стр. 73

الضَّمِيرِ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ، ثُمَّ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِهِ. (خِيلَانٌ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أُخْرَى أَوْ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْخَاتَمِ، وَهِيَ بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ جَمْعُ الْخَالِ، وَهُوَ الشَّامَةُ فِي الْجَسَدِ. (كَأَنَّهَا) : أَيِ الْخِيلَانُ. (ثَآلِيلُ) : بِمُثَلَّثَةٍ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ عَلَى زِنَةِ قَنَادِيلَ وَهُوَ جَمْعُ ثُؤْلُولٍ وَهِيَ الْحَبَّةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي الْجِلْدِ مِثْلَ الْحُمُّصَةِ فَمَا دُونَهَا، يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: زُخْ بِضَمِّ زَايٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. (فَرَجَعْتُ) : أَيْ مِنْ خَلْفِهِ دَائِرًا. (حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ) : أَيْ وَقَفْتُ أَوْ قَعَدْتُ مُسْتَقْبِلًا لَهُ. (فَقُلْتُ) : شُكْرًا لِإِلْقَائِهِ الرِّدَاءَ حَتَّى رَأَيْتُ الْخَاتَمَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : خَبَرٌ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، أَوْ إِنْشَاءٌ أُرِيدَ بِهِ زِيَادَةُ الْمَغْفِرَةِ أَوْ إِثْبَاتُهَا لَهُ أَوِ الْمَغْفِرَةُ لِأُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ. (فَقَالَ وَلَكَ) : أَيْ وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ بِالْخُصُوصِ أَيْضًا حَيْثُ اسْتَغْفَرْتَ لِي أَوْ سَعَيْتَ لِرُؤْيَةِ خَاتَمِي أَوْ آمَنْتَ بِي وَانْقَدْتَ لِي، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دُعَاءَهُ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ دُونَهُ صُورَةً فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) . (فَقَالَ الْقَوْمُ) : أَيِ الَّذِي يُحَدِّثُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ أَوِ الْمُرَادُ أَصْحَابُهُ ﷺ ، وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، وَقَوْلُهُ: (اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: خَبَرٌ أَوِ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً فَيَتَعَيَّنُ الِاسْتِفْهَامُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتِفْهَامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ . (فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكُمْ) : إِذْ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَخَلَا قَوْلُهُ «نَعَمْ» عَنِ الْفَائِدَةِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لَهُ ﷺ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَفِيهِ الْتِفَاتٌ إِذْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. فَقُلْتُ: ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ بِالْقَوْمِ تَلَامِذَةَ ابْنِ سَرْجِسَ لَمْ يَحْتَجْ لِدَعْوَى الِالْتِفَاتِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الصَّحَابَةُ، تَمَّ كَلَامُهُ. وَقَوْلُهُ الصَّرِيحُ غَيْرُ صَرِيحٍ وَمَعَ أَنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ سَائِرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ أَنَّهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَالُوا: قَدِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَلِ اسْتَغْفَرَ لَكَ؟ وَعُيِّنَ الْقَائِلُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ بِلَفْظِ «قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟» . فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قَائِلَ «فَقَالَ الْقَوْمُ» هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ الرَّاوِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ حُضَّارُ مَجْلِسِ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ إِلَى عَاصِمٍ، فَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى الْقَوْمِ أَيْ إِلَى جَمِيعِهِمْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، يَعْنِي كَقَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْمَ أَيْضًا سَأَلُوهُ كَمَا سَأَلَ عَاصِمٌ فَتَارَةً نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةً وَتَارَةً إِلَى نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا أَبْهَمَ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الرُّوَاةِ، قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِخْبَارِ تَثْبِيتُ رُؤْيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ النَّبِيَّ ﷺ وَصُحْبَتِهِ مَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا أَوْ قَالَ ثَرِيدًا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ - يَعْنِي نَفْسَهُ - كَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ. مَعَ أَنَّ عَاصِمًا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامِ مِنَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْتَثْبَتَ مِنْهُ وَسَأَلَهُ عَنِ اسْتِغْفَارِهِ إِيَّاهُ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ صُحْبَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ لَهُ صُحْبَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي اللِّقَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَالسَّمَاعِ، وَأَمَّا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ أَرَادَ الصُّحْبَةَ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا الْعُلَمَاءُ أُولَئِكَ قَلِيلًا، انْتَهَى. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَاصِمًا أَنْكَرَ أَوَّلًا صُحْبَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ مِنْهُ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ اسْتَفْهَمَ عَنْهُ مُتَعَجِّبًا عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ

стр. 74

ذَلِكَ وَأَثْبَتَ صُحْبَتَهُ وَرَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ قَوْلُهُ: «فَقَالَ: نَعَمْ» ; قَائِلُهُ عَاصِمٌ أَيْضًا، وَفَاعِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا هُوَ فَاعِلُ قَوْلِهِ. (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) : أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي جَوَابِ سُؤَالِنَا عَنْهُ اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ نَعَمِ، اسْتَغْفَرَ لَكُمْ أَيْضًا امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وَهَذَا مُحَصَّلُ تِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَمَالِ شَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ لِأُمَّتِهِ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الْبَتَّةَ، وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ: «وَلَكُمْ» تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ، وَتَغْلِيبُ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْغَائِبِينَ. وَأَقُولُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بِأَنْ يُقَالَ صَدَرَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حُضَّارِ مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَقَالُوا لَهُ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ أَوْ إِخْبَارُ تَلَذُّذٍ، فَقَالَ هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمِ، الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَلَا هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا، ثُمَّ لَمَّا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَصْحَابَ مَجْلِسِهِ صَدَرَ مِنْهُمْ نَحْوَ هَذَا السُّؤَالِ وَوَقَعَ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابُ بِمُقْتَضَى الْحَالِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَارْتَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ مِنَ الْمُنَازَعَاتِ ثُمَّ الْخِطَابُ لَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِذَنْبِكَ) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) وَمَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَعَلَّهُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ تَسْلِيَةً لِلْأُمَّةِ وَتَعْلِيمًا لَهُمْ أَوِ اسْتِغْفَارُهُ مِنَ الْخَطَرَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ ; تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ كَالذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْفَارِضِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الثَّبَاتِ عَلَى الْعِصْمَةِ الَّتِي وُهِبَتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ رِعَايَةً لِقَاعِدَةِ الْخَشْيَةِ فَإِنَّهَا نِهَايَةُ سُلُوكِ الْمُخْلِصِينَ وَغَايَةُ عُبُودِيَّةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: كَانَ يَسْتَغْفِرُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُبَاحَاتِ أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ تَقْصِيرٍ فِي الْعِبَادَاتِ ; وَلِذَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِهِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ. (بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ فِي صِفَةِ شَعْرِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. ﷺ : اعْلَمْ أَنَّ الشَّعْرَ حَيْثُ جَاءَ بِدُونِ التَّاءِ فَهُوَ بِفْتَحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ وَإِذَا جَاءَ بِالتَّاءِ فَهُوَ بِسُكُونِهَا وَيُفْتَحُ، وَفِي هَذَا الْبَابِ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ. (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ. (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ أَيِ الطَّوِيلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ وَاصِلًا أَوْ مُنْتَهِيًا. (إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ مِيرَكُ: أَضَافَ الْوَاحِدَ إِلَى التَّثْنِيَةِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ التَّثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ أَيْ نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ «أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» بِإِضَافَةِ الْجَمْعِ إِلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جُمِعَ وَعُقِصَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مُعْظَمُ شَعْرِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ حِينَ لَا يَفْرُقُ شَعْرَهُ، فَلَا يُنَافِي الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى كَوْنِهِ بَالِغًا مَنْكِبَيْهِ أَوْ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا. (حَدَّثَنَا هَنَّادُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ. (ابْنُ السَّرِيِّ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. (حَدَّثَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَخْبَرَنَا» . (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا

стр. 75

نُونٌ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى قُرَيْشٍ، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ، وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي صِحَاحِهِمْ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ. (عَنْ هِشَامٍ) : أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَإِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ أَحْيَانًا. (بْنِ عُرْوَةَ) : أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ بَحْرًا لَا يُكَدَّرُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ. (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ) : أَفَادَتِ الْحِكَايَةُ الْمَاضِيَةُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِشَارَةً إِلَى تَكْرَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ، أَيْ: اغْتَسَلْتُ مُكَرَّرًا. (أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِالرَّفْعِ عَلَى الْعَطْفِ، وَيُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أُبْرِزَ الضَّمِيرُ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَا يُقَالُ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ الْغَائِبِ كَمَا غُلِّبَ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) فَإِنْ قُلْتَ: النُّكْتَةُ هُنَاكَ أَنَّ آدَمَ ﵇ أَصْلٌ فِي سُكْنَى الْجَنَّةِ، قُلْتُ هُنَا: لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ النِّسَاءَ مَحَلُّ الشَّهَوَاتِ وَحَامِلَاتٌ لِلِاغْتِسَالِ فَكُنَّ أَصْلًا، انْتَهَى. أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ إِخْبَارُ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُعَدًّا لِغَسْلِهَا وَشَارَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ. (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِاغْتَسَلَ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الْغُسْلَانُ مُتَعَاقِبَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ تُقَدُّمُهُ ﷺ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَدَبِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمَعِيَّةِ يُحْتَمَلُ التَّسَتُّرُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جَمَالِ حَالِهِمَا وَكَمَالِ حَيَائِهِمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّكَشُّفِ يَحْتَمِلُ عَدَمُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي» يَعْنِي الْفَرْجَ. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ وَبِالْعَكْسِ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ: سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي عَنِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً فَقَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى. وَفِي كَوْنِهِ نَصًّا مَحَلُّ نَظَرٍ إِذْ عَلَى تَقْدِيرِهِ يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ عَنْهَا فَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَا الْفَرْجِ مِنَ الْأَفْخَاذِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، ثُمَّ قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَجْعَلُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِمَا غَسْلُ أَيْدِيهِمَا خَارِجَ الْإِنَاءِ ثُمَّ تَنَاوُلُهُمَا مِنَ الْمَاءِ. قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ» ، فَقِيلَ: الْأُولَى ابْتِدَائِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ: بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: «مِنْ قَدَحٍ» بَدَلُ «مِنْ إِنَاءٍ» بِإِعَادَةِ الْجَارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ ; أَيْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ، وَمِنْ أَجْلِهَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ هَذَا الْإِنَاءُ مِنْ شَبَهٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَفْظُهُ: «مِنْ تَوْرٍ مَنْ شَبَهٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «مِنْ إِنَاءٍ يُقَالُ لَهُ
следующие страницы →