Полный текст (494 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَاحِدٌ، فَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ. (قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) : وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ. (الْخُدْرِيَّ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي خُدْرَةَ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ مَا بَعْدَ أُحُدٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ. (عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا. (يَعْنِي) : قَائِلُهُ أَبُو عَقِيلٍ، وَضَمِيرُ يَعْنِي لِأَبِي نَضْرَةَ. (خَاتَمَ النُّبُوَّةِ) : أَيْ لَا الْخَاتَمُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ. (فَقَالَ) : أَيْ أَبُو سَعِيدٍ. (كَانَ) : أَيِ الْخَاتَمُ. (فِي ظَهْرِهِ) : ظَرْفُ لَغْوٍ. (بَضْعَةً) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: قَدْ تُكْسَرُ الْبَاءُ، أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَصِفَتُهَا. (نَاشِزَةً) : بِالزَّايِ، أَيْ: مُرْتَفِعَةً عَنِ الْجِسْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» اسْمُ كَانَ، «وَفِي ظَهْرِهِ» ، خَبَرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «كَانَ» نَاقِصَةٌ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الْخَاتَمِ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ، وَ «بَضْعَةٌ» إِمَّا حَالٌ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَمَا أَبْعَدَ الْعِصَامُ عَنِ الْمَقَامِ بِقَوْلِهِ: وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَحِينَئِذٍ «فِي ظَهْرِهِ» خَبَرُ كَانَ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ بَعْدَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: «بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» ، وَجَعْلُ «كَانَ» تَامَّةً لَا يُلَائِمُ الْجَوَابَ كَجَعْلِ «بَضْعَةٌ» اسْمَ «كَانَ» ، «وَفِي ظَهْرِهِ» خَبَرُهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْقِدْ بَصَرَهُ، انْتَهَى. فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ وَرَأَى خَبَرَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «فِي ظَهْرِهِ» حَالٌ مِنْ «بَضْعَةٍ» أَوْ ظَرْفٌ لِكَانَ، وَ «بَضْعَةً» خَبَرُ «كَانَ» بِنَاءً عَلَى نَقْصِهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، وَيَجُوزُ جَعْلُهَا تَامَّةً فَيَكُونُ مَرْفُوعَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَرْجِيحَ الثَّانِي، قَالَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى النَّقْضِ ثُبُوتٌ فِي ظَهْرِهِ لِلْبَضْعَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ، انْتَهَى. وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، بَلْ هُوَ مَقْصُودٌ وَأَيُّ مَقْصُودٍ، كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمَامٍ لَا مِنْ خَلْفٍ، فَتَعَيَّنَ ذِكْرُ «فِي ظَهْرِهِ» رَدًّا لِهَذَا الزَّاعِمِ، انْتَهَى. مَعَ أَنَّ زِيَادَةَ الْإِفَادَةِ فِي الْجَوَابِ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي فَصْلِ الْخِطَابِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: «مِنْ بَضْعَةٍ» غَيْرُ صَحِيحٍ بِنَاءً عَلَى إِعْرَابِهِ ; لِأَنَّ الْحَالَ إِنَّمَا يَتَقَدَّمُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا نَكِرَةٌ مَحْضَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَائِبَةُ تَخْصِيصٍ، ثُمَّ فِي شَرْحِ السُّنَّةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجِ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ، فَقَالَ: أَنْتَ رَفِيقٌ، وَاللَّهُ الطَّبِيبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي فِي ظَهْرِهِ ﷺ هُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَتَوَهَّمَ الرَّائِي أَنَّهُ سَلْعَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَدَنِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعَالَجُ بَلْ كَلَامُكَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلَاجِ حَيْثُ سَمَّيْتَ نَفْسَكَ طَبِيبًا وَاللَّهُ هُوَ الطَّبِيبُ الْمُدَاوِي الْحَقِيقِيُّ الشَّافِي عَنِ الدَّاءِ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ الْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْبَقَاءِ وَأَنْتَ تَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ فِي الْعِلَاجِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ. (أَبُو الْأَشْعَثِ) : بِالْمُثَلَّثَةِ. (الْعِجْلِيُّ) : بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي عِجْلٍ. (الْبَصْرِيُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ، صَدُوقٌ. (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ. (بْنُ زَيْدٍ) : احْتَرَزَ بِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بَصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، أُخْرِجَ حَدِيثُهُ فِي الصِّحَاحِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ أَحَدٌ أَتْقَنَ مِنْهُ، وَقَالَ
ابْنُ يَحْيَى: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْفَظَ مِنْهُ، وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ. (عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) : هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ، لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا ابْنُ الْقَطَّانِ وَكَأَنَّهُ بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي الْوِلَايَةِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) : بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ مَكْسُورَةٌ كَنَرْجِسَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَضْبُوطٌ بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ وَيُلَائِمُهُ قَوْلُ الْعِصَامِ كَجَعْفَرٍ، وَبَيَّنَّا وَجْهَهُمَا فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيْ جِئْتُهُ. (وَهُوَ فِي نَاسٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ أُنَاسٍ ; أَيْ جَمَاعَةٍ
стр. 72
مِنَ النَّاسِ. (مِنْ أَصْحَابِهِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِهِ، أَيْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي نَاسٍ، أَيْ مَعَ نَاسٍ، غَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ وُجُودِ قَوْلِهِ وَهُوَ كَمَا لَا يَخْفَى. (فَدُرْتُ) : بِضَمِّ الدَّالِ مَاضٍ مِنَ الدَّوْرِ عَطْفٌ عَلَى أَتَيْتُ. (هَكَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى كَيْفِيَّةِ دَوَرَانِهِ. (مِنْ خَلْفِهِ) : لِبَيَانِهِ، أَيِ انْقَلَبْتُ مِنْ مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَذَهَبْتُ حَتَّى وَقَفْتُ خَلْفَهُ. (فَعَرَفَ) : أَيْ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَوْ بِقَرِينَةِ الدَّوْرَةِ. (الَّذِي أُرِيدُ) : أَيْ أَنْوِيهِ وَأَقْصِدُهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْخَاتَمِ. (فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ) : أَيْ أَبْصَرْتُ. (مَوْضِعَ الْخَاتَمِ) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ، أَيِ الطَّابَعِ الَّذِي خُتِمَ بِهِ كَمَا مَرَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَفَ مَا أُرِيدُ، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَدُرْتُ حَتَّى قُمْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ. (عَلَى كَتِفَيْهِ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِرَأَيْتُ، وَالْمُرَادُ قَرِيبًا مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْخَاتَمِ بَعِيدٌ جِدًّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: أَيْ مُشْرِفًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ارْتِفَاعَهُ يَزِيدُ عَلَى ارْتِفَاعِ كَتِفَيْهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، أَوْ قَالَ ثَرِيدًا، ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جَمْعًا عَلَيْهَا خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ، انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَرُوِيَ: فِي نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، وَالنُّغْضُ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنَّاغِضُ مِنْهُ عَلَى وَزْنِ الْفَاعِلِ، أَعْلَى الْكَتِفِ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَظَمُ الرَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِهِ وَهُوَ الْغُضْرُوفُ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَيِّدَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ أَوْ عَلَى كَتِفِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: السِّرُّ فِي وَضْعِ الْخَاتَمِ عَلَى جِهَةِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ أَنَّ الْقَلْبَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ مَقْطُوعٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ، فَأُرِيَ فِي النَّوْمِ جَسَدًا كَالْبِلَّوْرِ وَيُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشَّيْطَانَ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ حِذَاءَ قَلْبِهِ لَهُ خُرْطُومٌ كَالْبَعُوضِ قَدْ أُدْخِلَ إِلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الْبَرِّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ إِلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ سَأَلَ
عِيسَى ﵇ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنَ ابْنِ آدَمَ فَأَرَاهُ، فَإِذَا رَأْسُهُ مِثْلُ رَأْسِ الْحَيَّةِ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى ثَمَرَةِ الْقَلْبِ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ خَنَسَ، وَإِذَا تَرَكَ أَتَاهُ وَحَدَّثَهُ. وَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُولَدُ الْإِنْسَانُ وَالشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ، وَمَعْنَى جَاثِمٍ: وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجَعِ الِاعْتِنَاءِ وَالِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمَّا مَلَأَ قَلْبَهُ ﷺ حِكْمَةً وَيَقِينًا خَتَمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا، وَأَمَّا وَضْعُهُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ فَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَدْخَلُ الشَّيْطَانِ وَمَحَلُّ وَسْوَسَتِهِ. (مِثْلَ الْجُمْعِ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وَجَوَّزَ الْكِسَائِيُّ كَسْرَ الْجِيمِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْخَاتَمِ فِي النِّهَايَةِ، يُرِيدُ مِثْلَ جَمْعِ الْكَفِّ، وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ الْأَصَابِعَ وَتَضُمَّهَا، يُقَالُ ضَرَبَهَا بِجُمْعِ كَفِّهِ بِضَمِّ الْجِيمِ، انْتَهَى. فَهُوَ فُعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالذُّخْرِ بِمَعْنَى الْمَذْخُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا بِهِ فِي الْمِقْدَارِ وَأَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا فِي الْهَيْئَةِ الْمَجْمُوعَةِ وَهُوَ أَنْسَبُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ: «زِرُّ الْحَجْلَةِ» إِلَّا أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ خُطُوطٌ كَمَا يَظْهَرُ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ الْمَجْمُوعَةِ كُلُّ خَطٍّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ كَأَنَّهُ جَمْعُ كَفٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ كَأَنَّهُ جُمْعُ يَعْنِي الْكَفَّ الْجُمْعَ، وَقَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى كَفِّهِ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى نُغْضِ الْكَتِفِ بِمِثْلِ الْجُمْعِ. قَالَ حَمَّادٌ: جُمْعُ الْكَفِّ وَجَمَعَ حَمَّادٌ كَفَّهُ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. (حَوْلَهَا) : أَيْ حَوْلَ الْخَاتَمِ وَأُنِّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: «كَانَ الْخَاتَمُ بَضْعَةً نَاشِزَةً» ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَيْ حَوْلَ الْمِثْلِ أَوْ حَوْلَ الْجُمْعِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الشَّعَرَاتِ أَوْ أَجْزَاءَ تَتَصَوَّرُ فِي الْجَمْعِ فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ الْعِصَامِ: أَيْ حَوْلَ الْخَاتَمِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ النُّبُوَّةِ. فَاحْفَظْهُ فَإِنَّ تَوْجِيهَ تَأْنِيثِ هَذَا
стр. 73
الضَّمِيرِ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ، ثُمَّ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِهِ. (خِيلَانٌ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أُخْرَى أَوْ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْخَاتَمِ، وَهِيَ بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ جَمْعُ الْخَالِ، وَهُوَ الشَّامَةُ فِي الْجَسَدِ. (كَأَنَّهَا) : أَيِ الْخِيلَانُ. (ثَآلِيلُ) : بِمُثَلَّثَةٍ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ عَلَى زِنَةِ قَنَادِيلَ وَهُوَ جَمْعُ ثُؤْلُولٍ وَهِيَ الْحَبَّةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي الْجِلْدِ مِثْلَ الْحُمُّصَةِ فَمَا دُونَهَا، يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: زُخْ بِضَمِّ زَايٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. (فَرَجَعْتُ) : أَيْ مِنْ خَلْفِهِ دَائِرًا. (حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ) : أَيْ وَقَفْتُ أَوْ قَعَدْتُ مُسْتَقْبِلًا لَهُ. (فَقُلْتُ) : شُكْرًا لِإِلْقَائِهِ الرِّدَاءَ حَتَّى رَأَيْتُ الْخَاتَمَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : خَبَرٌ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، أَوْ إِنْشَاءٌ أُرِيدَ بِهِ زِيَادَةُ الْمَغْفِرَةِ أَوْ إِثْبَاتُهَا لَهُ أَوِ الْمَغْفِرَةُ لِأُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ. (فَقَالَ وَلَكَ) : أَيْ وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ بِالْخُصُوصِ أَيْضًا حَيْثُ اسْتَغْفَرْتَ لِي أَوْ سَعَيْتَ لِرُؤْيَةِ خَاتَمِي أَوْ آمَنْتَ بِي وَانْقَدْتَ لِي، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دُعَاءَهُ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ دُونَهُ صُورَةً فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) . (فَقَالَ الْقَوْمُ) : أَيِ الَّذِي يُحَدِّثُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ
أَوِ الْمُرَادُ أَصْحَابُهُ ﷺ ، وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، وَقَوْلُهُ: (اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: خَبَرٌ أَوِ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً فَيَتَعَيَّنُ الِاسْتِفْهَامُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتِفْهَامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ . (فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكُمْ) : إِذْ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَخَلَا قَوْلُهُ «نَعَمْ» عَنِ الْفَائِدَةِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لَهُ ﷺ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَفِيهِ الْتِفَاتٌ إِذْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. فَقُلْتُ: ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ بِالْقَوْمِ تَلَامِذَةَ ابْنِ سَرْجِسَ لَمْ يَحْتَجْ لِدَعْوَى الِالْتِفَاتِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الصَّحَابَةُ، تَمَّ كَلَامُهُ. وَقَوْلُهُ الصَّرِيحُ غَيْرُ صَرِيحٍ وَمَعَ أَنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ سَائِرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ أَنَّهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَالُوا: قَدِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَلِ اسْتَغْفَرَ لَكَ؟ وَعُيِّنَ الْقَائِلُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ بِلَفْظِ «قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟» . فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قَائِلَ «فَقَالَ الْقَوْمُ» هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ الرَّاوِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ حُضَّارُ مَجْلِسِ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ إِلَى عَاصِمٍ، فَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى الْقَوْمِ أَيْ إِلَى جَمِيعِهِمْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، يَعْنِي كَقَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْمَ أَيْضًا سَأَلُوهُ كَمَا سَأَلَ عَاصِمٌ فَتَارَةً نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةً وَتَارَةً إِلَى نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا أَبْهَمَ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الرُّوَاةِ، قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِخْبَارِ تَثْبِيتُ رُؤْيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ النَّبِيَّ ﷺ وَصُحْبَتِهِ مَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا أَوْ قَالَ ثَرِيدًا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ - يَعْنِي نَفْسَهُ - كَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ. مَعَ أَنَّ عَاصِمًا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامِ مِنَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْتَثْبَتَ مِنْهُ وَسَأَلَهُ عَنِ اسْتِغْفَارِهِ إِيَّاهُ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ صُحْبَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ لَهُ صُحْبَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي اللِّقَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَالسَّمَاعِ، وَأَمَّا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ أَرَادَ الصُّحْبَةَ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا الْعُلَمَاءُ أُولَئِكَ قَلِيلًا، انْتَهَى. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَاصِمًا أَنْكَرَ أَوَّلًا صُحْبَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ مِنْهُ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ اسْتَفْهَمَ عَنْهُ مُتَعَجِّبًا عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ
стр. 74
ذَلِكَ وَأَثْبَتَ صُحْبَتَهُ وَرَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ قَوْلُهُ: «فَقَالَ: نَعَمْ» ; قَائِلُهُ عَاصِمٌ أَيْضًا، وَفَاعِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا هُوَ فَاعِلُ قَوْلِهِ. (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) : أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي جَوَابِ سُؤَالِنَا عَنْهُ اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ نَعَمِ، اسْتَغْفَرَ لَكُمْ أَيْضًا امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وَهَذَا مُحَصَّلُ تِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ
ﷺ لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَمَالِ شَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ لِأُمَّتِهِ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الْبَتَّةَ، وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ: «وَلَكُمْ» تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ، وَتَغْلِيبُ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْغَائِبِينَ. وَأَقُولُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بِأَنْ يُقَالَ صَدَرَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حُضَّارِ مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَقَالُوا لَهُ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ أَوْ إِخْبَارُ تَلَذُّذٍ، فَقَالَ هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمِ، الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَلَا هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا، ثُمَّ لَمَّا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَصْحَابَ مَجْلِسِهِ صَدَرَ مِنْهُمْ نَحْوَ هَذَا السُّؤَالِ وَوَقَعَ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابُ بِمُقْتَضَى الْحَالِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَارْتَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ مِنَ الْمُنَازَعَاتِ ثُمَّ الْخِطَابُ لَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِذَنْبِكَ) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) وَمَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَعَلَّهُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ تَسْلِيَةً لِلْأُمَّةِ وَتَعْلِيمًا لَهُمْ أَوِ اسْتِغْفَارُهُ مِنَ الْخَطَرَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ ; تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ كَالذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْفَارِضِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الثَّبَاتِ عَلَى الْعِصْمَةِ الَّتِي وُهِبَتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ رِعَايَةً لِقَاعِدَةِ الْخَشْيَةِ فَإِنَّهَا نِهَايَةُ سُلُوكِ الْمُخْلِصِينَ وَغَايَةُ عُبُودِيَّةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: كَانَ يَسْتَغْفِرُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُبَاحَاتِ أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ تَقْصِيرٍ فِي الْعِبَادَاتِ ; وَلِذَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِهِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ)
أَيْ فِي صِفَةِ شَعْرِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. ﷺ : اعْلَمْ أَنَّ الشَّعْرَ حَيْثُ جَاءَ بِدُونِ التَّاءِ فَهُوَ بِفْتَحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ وَإِذَا جَاءَ بِالتَّاءِ فَهُوَ بِسُكُونِهَا وَيُفْتَحُ، وَفِي هَذَا الْبَابِ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ. (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ أَيِ الطَّوِيلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ وَاصِلًا أَوْ مُنْتَهِيًا. (إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ مِيرَكُ: أَضَافَ الْوَاحِدَ إِلَى التَّثْنِيَةِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ التَّثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ أَيْ نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ «أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» بِإِضَافَةِ الْجَمْعِ إِلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جُمِعَ وَعُقِصَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مُعْظَمُ شَعْرِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ حِينَ لَا يَفْرُقُ شَعْرَهُ، فَلَا يُنَافِي الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى كَوْنِهِ بَالِغًا مَنْكِبَيْهِ أَوْ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا.
(حَدَّثَنَا هَنَّادُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ. (ابْنُ السَّرِيِّ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. (حَدَّثَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَخْبَرَنَا» . (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا
стр. 75
نُونٌ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى قُرَيْشٍ، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ، وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي صِحَاحِهِمْ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ. (عَنْ هِشَامٍ) : أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَإِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ أَحْيَانًا. (بْنِ عُرْوَةَ) : أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ بَحْرًا لَا يُكَدَّرُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ. (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ) : أَفَادَتِ الْحِكَايَةُ الْمَاضِيَةُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِشَارَةً إِلَى تَكْرَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ، أَيْ: اغْتَسَلْتُ مُكَرَّرًا. (أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِالرَّفْعِ عَلَى الْعَطْفِ، وَيُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أُبْرِزَ الضَّمِيرُ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَا يُقَالُ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ الْغَائِبِ كَمَا غُلِّبَ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) فَإِنْ قُلْتَ: النُّكْتَةُ هُنَاكَ أَنَّ آدَمَ ﵇ أَصْلٌ فِي سُكْنَى الْجَنَّةِ، قُلْتُ هُنَا: لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ النِّسَاءَ مَحَلُّ الشَّهَوَاتِ وَحَامِلَاتٌ لِلِاغْتِسَالِ فَكُنَّ أَصْلًا، انْتَهَى. أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ إِخْبَارُ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُعَدًّا لِغَسْلِهَا وَشَارَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ. (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِاغْتَسَلَ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الْغُسْلَانُ مُتَعَاقِبَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ تُقَدُّمُهُ ﷺ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَدَبِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمَعِيَّةِ يُحْتَمَلُ التَّسَتُّرُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جَمَالِ حَالِهِمَا وَكَمَالِ حَيَائِهِمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّكَشُّفِ يَحْتَمِلُ عَدَمُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي» يَعْنِي الْفَرْجَ. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ وَبِالْعَكْسِ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ: سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي عَنِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً فَقَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى. وَفِي كَوْنِهِ نَصًّا مَحَلُّ نَظَرٍ إِذْ عَلَى تَقْدِيرِهِ يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ عَنْهَا فَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَا الْفَرْجِ مِنَ الْأَفْخَاذِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، ثُمَّ قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَجْعَلُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِمَا غَسْلُ أَيْدِيهِمَا خَارِجَ الْإِنَاءِ ثُمَّ تَنَاوُلُهُمَا مِنَ الْمَاءِ. قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ» ، فَقِيلَ: الْأُولَى ابْتِدَائِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ: بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: «مِنْ قَدَحٍ» بَدَلُ «مِنْ إِنَاءٍ» بِإِعَادَةِ الْجَارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ ; أَيْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ، وَمِنْ
أَجْلِهَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ هَذَا الْإِنَاءُ مِنْ شَبَهٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَفْظُهُ: «مِنْ تَوْرٍ مَنْ شَبَهٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «مِنْ إِنَاءٍ يُقَالُ لَهُ
стр. 76
الْفَرَقُ» ، وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ وَيُرْوَى بِتَسْكِينِ الرَّاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَقِيلَ صَاعَانِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِلَفْظِ: «قَدْرُهُ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ» ، وَالْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ نِصْفُ صَاعٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَاخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ طَهَارَةِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ فِيمَا إِذَا خَلَّيَا بِهِ، وَالْجَوَازُ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَا وَتَمَسَّكَ كُلٌّ بِظَاهِرِ خَبَرٍ دَلَّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْجَمِيعِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ بِذَلِكَ، جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْجَوَازَ فِيمَا إِذَا اغْتَرَفَا مَعًا وَالْمَنْعُ فِيمَا اغْتَرَفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ. وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالْفِعْلَ عَلَى الْجَوَازِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (وَكَانَ لَهُ) : أَيْ لِرَأْسِهِ الشَّرِيفِ. (شَعْرٌ) : أَيْ نَازِلٌ. (فَوْقَ الْجُمَّةِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ. (وَدُونَ الْوَفْرَةِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهُ رَاءٌ مَا وَصَلَ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالنِّهَايَةِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَعْرَهُ ﷺ كَانَ أَمْرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْجُمَّةِ وَالْوَفْرَةَ لَيْسَ بِجُمَّةٍ وَلَا وَفْرَةٍ، لَكِنْ سَبَقَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ كَانَ شَعْرُهُ جُمَّةً وَعَلَى أَنَّ جُمَّتَهُ مَعَ عِظَمِهَا إِلَى أُذُنَيْهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ ﷺ ، هَذَا وَقَدْ رَوَى الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي جَامِعِهِ أَيْضًا، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفْرَةِ وَدُونَ الْجُمَّةِ. كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي الشَّمَائِلِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَوْقَ الْوَفْرَةِ دُونَ الْجُمَّةِ، قِيلَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ «فَوْقَ وَدُونَ» تَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلِّ وَتَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِقْدَارِ فَقَوْلُهُ: «فَوْقَ الْجُمَّةِ» أَيْ: أَرْفَعُ مِنْهَا فِي الْمَحَلِّ، «وَدُونَ الْجُمَّةِ» أَيْ: أَقَلُّ مِنْهَا فِي الْمِقْدَارِ، وَكَذَا فِي الْعَكْسِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ لَوْلَا أَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ مُتَّحِدٌّ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ مُلَّا حَنَفِي: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ مَآلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُتَّحِدٌ مَعْنًى وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَةِ
وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَوْ مَنْ دُونَهَا أَدَّتْ أَوْ أَدَّى مَعْنًى وَاحِدًا بِعِبَارَتَيْنِ، وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدِيثِ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ الْمُتَقَارِبَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ كَمَا مَرَّ فِي «أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ» حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ «الْفَلَجَ» اسْتُعْمِلَ مَكَانَ «الْفَرَقِ» وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ اغْتِسَالَ عَائِشَةَ وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَعَ مُتَعَدِّدًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ نَاشِئًا مِنَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ «وَكَانَ» ، إِلَخْ، حَالٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَعْطُوفًا عَلَى «كُنْتُ» فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالِاغْتِسَالِ، فَيَكُونَانِ حَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ غُسْلٍ اخْتِلَافُ حَالٍ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَرْحِ شَمَائِلِهِ بِلَفْظِ «وَأَنْزَلُ مِنَ الْوَفْرَةِ» ، وَقَالَ: أَيْ مِنْ مَحَلِّهَا وَهُوَ شَحْمَةُ الْأُذُنِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِمَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ فِي نُسَخٍ هُنَا «فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الْوَفْرَةِ» ، وَهَذِهِ عَكْسُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: «أَنْزَلُ» غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَلَا أَحَدَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَيْضًا ذَكَرَهُ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) : بِفَتْحِ مِيمٍ فَكَسْرِ نُونٍ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَبُو جَعْفَرٍ الْأَصَمُّ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، رَوَى عَنْهُ أَصْحَابُ
стр. 77
الصِّحَاحِ. (أَخْبَرَنَا أَبُو قَطَنٍ) : بِقَافٍ فَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فِي آخِرِهِ نُونٌ، اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ قَطَنٍ الْبَصْرِيُّ، قَدَرِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ صَدُوقٌ ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ) : تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مَشْرُوحًا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هَاهُنَا قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ جُمَّتُهُ تَضْرِبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ) : أَيْ مُعْظُمُهَا يَصِلُ إِلَى الشَّحْمَةِ وَبَقِيَّتُهَا إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ أَوِ الْجِهَاتِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجُمَّةَ مِنَ الشَّعْرِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِالضَّرْبِ الْبُلُوغَ وَالِانْتِهَاءَ بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُهَا إِلَى أُذُنَيْهِ وَمُحَاذَاتِهِمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْجُمَّةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْوَفْرَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ وَأَنَّ الْجُمَّةَ هِيَ الشَّعْرُ إِلَى الْأُذُنِ، وَوَقَعَ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ أَنَّ الْجُمَّةَ هِيَ الشَّعْرُ مُطْلَقًا
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ. (بْنِ حَازِمٍ) : بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ مَكْسُورَةٍ، الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (حَدَّثَنِي أَبِي) : يَعْنِي جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ - أَبُو النَّصْرِ، لَكِنْ فِي حَدِيثِهِ عَنْ قَتَادَةَ
ضَعْفٌ وَلَهُ أَوْهَامٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْ حِفْظِهِ، وَمَعَ هَذَا رَوَى حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ قَتَادَةَ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، بَصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، يُقَالُ: وُلِدَ أَكْمَهْ، قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ أَحْفَظُ أَصْحَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى بَابِ قَتَادَةَ وَانْصَرَفَ، فَفَقَدُوا قَدَحًا فَحَجَّ قَتَادَةُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، فَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَهُمْ، فَسَمِعَ قَتَادَةُ كَلَامَهُ، فَقَالَ: صَاحِبُ الْقَدَحِ هَذَا فَسَأَلُوهُ، فَأَقَرَّ بِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ. (قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ) : أَيِ ابْنِ مَالِكٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (كَيْفَ كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبِطِ) : تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالْمَقْصُودُ هُنَا قَوْلُهُ: (كَانَ يَبْلُغُ شَعْرُهُ) : أَيِ الْمَجْمُوعُ مِنْهُ. (شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ) : وَهِيَ مَا لَانَ مِنْ أَصْلِهَا، وَهُوَ مُعَلَّقُ الْقُرْطِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ) : وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ أَبَا عُمَرَ كُنْيَةُ يَحْيَى. (الْمَكِّيُّ) : وَهُوَ الْعَدَنِيُّ فِي الْأَصْلِ، صَدُوقٌ، ضَعِيفُ السَّنَدِ، وَكَانَ لَازَمَ ابْنَ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانَ فِيهِ غَفْلَةٌ، أَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَهُ، وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِي الشَّمَايِلِ «ابْنُ أَبِي عُمَرَ» فَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 78
يَحْيَى، وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) : بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْجِيمِ الْمَكْسُورَةِ فَتَحْتِيَّةٌ فَمُهْمَلَةٌ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، رَوَى حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ أَحَدٌ. (عَنْ مُجَاهِدٍ) : أَيِ ابْنِ جَبْرٍ، بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ، الْمَخْزُومِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيِّ، ثِقَةٌ، إِمَامٌ فِي الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ. (عَنْ أُمِّ هَانِئٍ) : بِكَسْرِ النُّونِ، وَهَمْزٍ فِي آخِرِهِ، وَاسْمُهَا فَاخِتَةٌ، بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَقِيلَ عَاتِكَةُ، وَقِيلَ هِنْدٌ. (بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) : أُخْتُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَسْلَمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، رِوَايَتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، قَالَ مِيرَكُ: أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ فِي جَامِعِهِ
قَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ -: لَا نَعْرِفُ لِمُجَاهِدٍ سَمَاعًا مِنْ أُمِّ هَانِئٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْجَعْدِ: رِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. أَقُولُ وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ إِنَّمَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ عِنْدَهُ. (قَالَتْ: قَدِمَ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ جَاءَ أَوْ نَزَلَ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ) : ظَرْفُ «قَدِمَ» وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ: «قَدِمَ عَلَيْنَا بِمَكَّةَ» ، وَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَمَا قِيلَ فِي «دَخَلْتُ الدَّارَ» . (قَدْمَةً) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنَ الْقُدُومِ، مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَدِمَ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدُومَاتٌ أَرْبَعَةٌ لِمَكَّةَ: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةَ، وَلِحَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَقْدَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اغْتَسَلَ وَصَلَّى الضُّحَى فِي بَيْتِهَا. (وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ جَمْعُ غَدِيرَةٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، أَيْ: قَدِمَ مَكَّةَ، وَالْحَالُ أَنَّ لَهُ ﷺ أَرْبَعُ ضَفَائِرَ وَيُقَالُ ذَوَائِبَ.
(حَدَّثَنَا سُوَيْدُ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ وَاوٍ. (بْنُ نَصْرٍ) : بِفَتْحِ نُونٍ فَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْمُقَدِّمَةِ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ إِذَا نُكِّرَتْ كَانَتْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِذَا عُرِّفَتْ كَانَتْ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، انْتَهَى. وَهُوَ ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
(حَدَّثَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنَا» . (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) : أَيِ الْمَرْوَزِيُّ، مَوْلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيهٌ، عَالِمٌ، جَوَادٌ، مُجَاهِدٌ، صُوفِيٌّ، عَابِدٌ، وَكَانَ أَبُوهُ مَمْلُوكًا لِرَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ مَعْمَرٍ) : بِفَتْحِ مِيمَيْنِ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، بَيْنَهُمَا هُوَ ابْنُ رَاشِدٍ الْبَصْرِيُّ، نُزِيلُ الْيَمَنِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ. (عَنْ ثَابِتٍ) : أَيِ الْبُنَانِيِّ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ، عَابِدٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ، مَاتَ وَلَهُ أَحْوَالٌ ظَاهِرَةٌ. (
стр. 79
عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ) : أَيْ أَحْيَانًا. (إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ) : قِيلَ: جَمْعُ نِصْفٍ، أُرِيدَ بِهِ مَا فَوْقَ
الْوَاحِدِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ بِمَا هُوَ أَلْيَقُ بِالْإِنْصَافِ، وَحَقَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: كَأَنَّهُ جَمَعَ الْأَنْصَافَ دَلَالَةً عَلَى تَعَدُّدِ النِّصْفِ الْمُنْتَهِي إِلَيْهِ ; فَتَارَةً إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَتَارَةً إِلَى مَا فَوْقَهَا، وَتَارَةً إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ الْفَوْقِ وَهُوَ أَعْلَاهُ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنِّصْفِ مُطْلَقَ الْبَعْضِ كَحَدِيثِ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ» . وَذَلِكَ الْبَعْضُ مُتَعَدِّدٌ أَكْثَرُ مِنَ اثْنَيْنِ ; لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ تَارَةً إِلَى نِصْفِ الْأُذُنِ، وَتَارَةً لِمَا دُونَهُ، وَتَارَةً إِلَى مَا فَوْقَهُ. هَذَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ هُنَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْهُ أَوَّلَ الْبَابِ تَقْوِيَةُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ وَانْتِفَاءُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَدْلِيسِ حُمَيْدٍ.
(حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «ثَنَا» . (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) : أَيِ الْأَيْلِيُّ بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ. (عَنِ الزُّهْرِيِّ) : وَهُوَ ابْنُ شِهَابٍ، إِمَامٌ جَلِيلٌ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) : بِالتَّصْغِيرِ. (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) : بِالتَّكْبِيرِ. (بْنِ عُتْبَةَ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، فَقِيهٌ، ثَبْتٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ، وَأَبُوهُ أَيْضًا مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ وَالرَّاسِخِينَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَجَدُّهُ عُتْبَةُ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : كَذَا وَصَلَهُ يُونُسُ وَوَافَقَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَاخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَرٍ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَاقِ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. فَذَكَرُهُ مُرْسَلًا، وَكَذَا أَرْسَلَهُ مَالِكٌ حَيْثُ أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ فَوْقَهُ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ) : أَيْ يُرْسِلُ، قَالَ مِيرَكُ: هُوَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الدَّالِ، أَيْ: يَتْرُكُ شَعْرَ نَاصِيَتِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ. (شَعْرَهُ) : أَيْ عَلَى جَبِينِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْجَبِينِ وَاتِّخَاذُهُ كَالْقُصَّةِ أَيْ بِضَمِّ الْقَافِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، انْتَهَى. وَقِيلَ: سَدَلَ الشَّعْرَ إِذَا أَرْسَلَهُ وَلَمْ يَضُمَّ جَوَانِبَهُ، وَقِيلَ: السَّدْلُ أَنْ يُرْسِلَ الشَّخْصُ شَعْرَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَلَا يَجْعَلَهُ فِرْقَتَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِرْقَتَيْنِ كُلُّ فِرْقَةٍ ذُؤَابَةٌ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ) : بِسُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَرُوِيَ مِنَ التَّفْرِيقِ. (رُءُوسَهُمْ) : أَيْ شُعُورِهَا، أَيْ يَفْرُقُونَ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ وَيَكْشِفُونَهُ عَنْ جَبِينِهِمْ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْفَرْقُ قِسْمَةُ الشَّعْرِ، وَالْمَفْرِقُ وَسَطُ الرَّأْسِ وَأَصْلُهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. (وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ) : أَيْ شَعْرَهَا. (وَكَانَ) : أَيْ هُوَ ﷺ . (يُحِبُّ مُوَافِقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ) : أَيْ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَهُوَ إِمَّا
لِمُنَاسَبَةِ قُرْبِ
стр. 80
الْجِنْسِيَّةِ فِي مُشَارَكَةِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَسَائِرِ الْقَوَاعِدِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَإِمَّا لِإِرَادَةِ الْفَهْمِ وَتَقْرِيبِهِمْ إِلَى الْحَقِّ فَإِنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَهُمْ بِالْأُلْفَةِ أَحَقُّ وَأَلْيَقُ، قَالَ مِيرَكُ: فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِبَقَايَا مِنْ شَرَائِعِ الرُّسُلِ، فَكَانَتْ مُوَافَقَتُهُمْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مُوَافَقَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَجِئْ فِي شَرْعِنَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ «يُحِبُّ» بَلْ كَانَ يَتَحَتَّمُ الِاتِّبَاعُ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّ الْقَائِلَ بِهِ يَقْصُرُهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا أَنَّهُ شَرْعٌ لَهُمْ لَا مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ إِذْ لَا تَوْثِيقَ بِنَقْلِهِمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ فَقِيلَ: فَعَلَهُ ائْتِلَافًا لَهُمْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافَقَةً لَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، فَلَمَّا أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ خَالَفَهُمْ فِي أُمُورٍ كَصَبْغِ الشَّيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهَى. حَيْثُ وَرَدَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ، وَمِنْهَا صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَوْعِ مُخَالَفَةٍ لَهُمْ فِيهِ بِصَوْمِ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَمِنْهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَمُخَالَفَتُهُمْ فِي مُخَالَطَةِ الْحَائِضِ، وَمِنْهَا النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّهُ الْمَنْسُوخُ، وَنَاسِخُهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ يَتَحَرَّى ذَلِكَ وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْكُفَّارِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» . وَفِي لَفْظٍ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صِيَامِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: «يَوْمَا عِيدٍ» أَنَّ السَّبْتَ عِيدُ الْيَهُودِ، وَالْأَحَدَ عِيدُ النَّصَارَى. وَقَالَ آخَرُونَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَدِّلُوهُ. (ثُمَّ فَرَقَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) : أَيْ شَعْرَهُ بِأَنْ أَلْقَى شَعْرَ رَأْسِهِ إِلَى جَانِبَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى جَبْهَتِهِ، قَالُوا: وَالْفَرْقُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ﷺ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِوَحْيٍ لِقَوْلِهِ: «مَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ» . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: نُسِخَ السَّدْلُ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَلَا اتِّخَاذُ النَّاصِيَةِ وَالْجُمَّةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ الْفَرْقِ لَا وُجُوبُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَرْقَ كَانَ اجْتِهَادًا فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا بِوَحْيٍ، فَيَكُونُ الْفَرْقُ مُسْتَحَبًّا، انْتَهَى. وَلَعَلَّ حِكْمَةَ عُدُولِهِ عَنْ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا أَنَّ الْفَرْقَ أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَةِ وَأَبْعَدُ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي غَسْلِهِ وَعَنْ مُشَابَهَةِ النِّسَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ السَّدْلِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ وَإِلَّا حُرِّمَ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُ جَوَازَ السَّدْلِ مَا رُوِيَ أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَسْدِلُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْرِقُ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَوْ كَانَ الْفَرْقُ وَاجِبًا لَمَا سَدَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ جَوَازُهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:
وَزَعْمُ نَسْخِهِ يَحْتَاجُ لِبَيَانِ نَاسِخِهِ وَأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمَنْسُوخِ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ. نَعَمْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
стр. 81
أَمَّا تَوَهُّمُ النَّسْخِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، لَكِنَّ الْعَسْقَلَانِيَّ قَالَ: جَزَمَ الْحَازِمِيُّ أَنَّ السَّدْلَ نُسِخَ بِالْفَرْقِ، وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ «ثُمَّ أَمَرَ بِالْفَرْقِ» ، وَكَانَ الْفَرْقُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَنَا فَرَقْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ عَنْ يَافُوخِهِ. وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا فَرَقْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ صَدَعْتُ فِرْقَةً عَنْ يَافُوخِهِ وَأَرْسَلْتُ نَاصِيَتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ: الْيَافُوخُ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ مِمَّا يَلِي الْقَفَا، يَعْنِي: أَحَدُ طَرَفَيْ ذَلِكَ الْخَطِّ عِنْدَ الْيَافُوخِ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ عِنْدَ جَبْهَتِهِ مُحَازِيًا لِمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِيَكُونَ نِصْفُ الشَّعْرِ مِنْ يَمِينِ ذَلِكَ الْفَرْقِ وَنَصِفُهُ مِنْ يَسَارِهِ. وَقَالَ الشَّارِحُ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ، الْخَطُّ الظَّاهِرُ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا قُسِمَ نِصْفَيْنِ، وَذَلِكَ الْخَطُّ بَيَاضُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْهِدَايَةِ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، عَدْلٌ، حَافِظٌ، عَارِفٌ بِالرِّجَالِ. (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ الْمَكِّيِّ) : أَيِ الْمَخْزُومِيِّ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَكَسْرِ جِيمٍ. (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ) : سَبَقَ ضَبْطُهَا. (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَا ضَفَائِرَ أَرْبَعٍ) : جَمْعُ ضَفِيرَةٍ كَغَدَائِرَ جَمْعُ غَدِيرَةٍ وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالضَّفْرُ نَسْجُ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ، وَالضَّفِيرَةُ الْعَقِيصَةُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ حِلُّ ضَفْرِ الشَّعْرَ حَتَّى لِلرِّجَالِ، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَا اعْتِيدَ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِذَلِكَ، أَقُولُ عَادَةُ السَّادَةِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ أَيْضًا هِيَ الضَّفْرُ أَيْضًا، لَكِنْ عَلَى غَدِيرَتَيْنِ وَاقِعَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِمْ تَفْرِقَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النِّسَاءِ إِذْ عَادَتُهُنَّ وَضْعُ الضَّفَائِرِ خَلْفَهُنَّ، وَهَذَا الْفَرْقُ يَكْفِي فِي عَدَمِ التَّشَبُّهِ بِهِنَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مِيرَكُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِي وَصْفِ شَعْرِهِ ﷺ فَفِي رِوَايَةٍ لِأَنَسٍ: شَعْرُهُ فِي نِصْفِ أُذُنَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: كَانَ يَبْلُغُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ. وَيُوَافِقُهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الْوَفْرَةِ. أَوِ الْعَكْسُ، وَيُوَافِقُهُ رِوَايَةُ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: لَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ. وَهَذَا مُحَصَّلُ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ: لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ. وَهُوَ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا، فَهَذِهِ سِتُّ رِوَايَاتٍ ; الْأُولَى: نِصْفُ أُذُنَيْهِ، الثَّانِيَةُ: إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَالثَّالِثَةُ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ
الْخَامِسَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ، السَّادِسَةُ: لَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ. إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا قَالَ: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ مِنْ شَعْرِهِ مَا كَانَ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَهُوَ الْوَاصِلُ إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ، وَالَّذِي بَعْدَهُ هُوَ مَا بَلَغَ شَحْمَةَ الْأُذُنِ وَمَا يَلِيهِ هُوَ الْكَائِنُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَمَا كَانَ خَلْفَ الرَّأْسِ هُوَ الَّذِي يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ، انْتَهَى. وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ بُعْدٍ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ وَصَفَ شَعْرَهُ ﷺ أَرَادَ مَجْمُوعَهُ أَوْ مُعْظَمَهُ لَا كُلَّ قِطْعَةٍ قِطْعَةٍ مِنْهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ: إِنَّ الِاخْتِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَتَنَوُّعِ الْحَالَاتِ فَإِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيرِهِ بَلَغَ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَإِذَا قَصَّرَهُ كَانَ إِلَى أَنْصَافِ الْأُذُنَيْنِ، فَطَفِقَ يَقْصُرُ ثُمَّ يَطُولُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَعَلَى هَذَا تَرْتِيبُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ أَخْبَرَ عَمَّا رَآهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَحْيَانِ بِوَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، انْتَهَى. وَهَذَا الْجَمْعُ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ أَيْضًا ; إِذْ لَمْ يُرْوَ تَقْصِيرُ الشَّعْرِ مِنْهُ ﷺ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدِ اضْطَرَبَ قَوْلُ الشُّرَّاحِ فِي تَحْقِيقِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: فَطَفِقَ يُقَصِّرُ ثُمَّ يُطَوِّلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ حَلَقَ رَأَسَهُ فِي عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ أَيْضًا، فَإِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْحَلْقِ كَانَ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ ثُمَّ يَطُولُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَصِيرُ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَغَايَةُ طُولِهِ أَنَّهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ إِذَا طَالَ زَمَانُ إِرْسَالِهِ بَعْدَ الْحَلْقِ فَأَخْبَرَ كُلُّ رَاوٍ بِمَا رَآهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ فَإِنَّهُ قَالَ: لَعَلَّ الِاخْتِلَافَ فِي مِقْدَارِ شَعْرِهِ صلّى الله عليه
стр. 82
وسلم هَذَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ فِي سِنِي الْهِجْرَةِ إِلَّا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ عَامَ هِجْرَةِ الْقَضَاءِ ثُمَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَنَقَلَ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنِ ابْنِ التِّينِ تَبَعًا لِلدَّاوُدِيِّ: قَوْلُهُ: «يَبْلُغُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ» مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ «إِلَى مَنْكِبَيْهِ» . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مُعْظَمَ شَعْرِهِ كَانَ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَمَا اسْتَرْسَلَ مِنْهُ يَصِلُ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْحَالَيْنِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الْمَنَاقِبِ بِلَفْظِ: لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الطَّوِيلَ مِنْهُ يَصِلُ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَغَيْرُهُ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنَيْنِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُنْتَهِيًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
التَّرَجُّلُ وَالتَّرْجِيلُ: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَحْسِينُهُ، وَاخْتَارَ التَّرَجُّلَ فِي الْعُنْوَانِ مَعَ وُرُودِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ إِشَارَةً إِلَى تَرَادُفِهِمَا وَغَلَبَةِ وُرُودِ التَّفَعُّلِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ. وَفِي الْمَشَارِقِ: رَجَّلَ شَعْرَهُ إِذَا مَشَّطَهُ بِمَاءٍ أَوْ دُهْنٍ لِيَلِينَ وَيُرْسِلُ الثَّائِرَ وَيَمُدُّ الْمُنْقَبِضَ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ: هُوَ مِنْ بَابِ النَّظَافَةِ، وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ، أَيْ بِقَوْلِهِ: النَّظَافَةُ مِنَ الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا فَالْمُرَادُ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّرَفُّهِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهَا مِنْ هَوَى النَّفْسِ، وَالْمُشِيرُ بِأَنَّهَا فِي تَنْظِيفِ الْبَاطِنِ أَوْلَى وَالْمُومِئُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ: الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ ; وَهِيَ رَثَاثَةُ الْهَيْئَةِ وَتَرْكُ التَّرَفِهِ وَالتَّوَاضُعِ مِنَ الْقُدْرَةِ لَا بِسَبَبِ جَحْدِ النِّعْمَةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ
مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدٌ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهُ فَاءٌ وَآخِرُهُ هَاءٌ، التَّنَعُّمُ، وَقَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: الْإِرْفَاهُ التَّرَجُّلُ، هَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ تَخْرِيجِ النَّسَائِيِّ، وَوَقَعَ فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: مَالِي أَرَاكَ شَعِثًا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ. فَلَعَلَّ لَفْظَ فَضَالَةَ سَقَطَ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ أَوْ مِنْ أَصْلِ النَّسَائِيِّ ; إِذِ الصَّوَابُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّيْخُ: وَقُيِّدَ فِي الْحَدِيثِ بِالْكَثِيرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْوَسَطَ الْمُعْتَدِلَ مِنْهُ لَا يُذَمُّ وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ. وَفِي الْمُوَطَّأِ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا ثَائِرَ الشَّعْرِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِإِصْلَاحِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحُ السَّنَدِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) : ثِقَةٌ، مُتْقِنٌ. (حَدَّثَنَا مَعْنُ) : - بِفَتْحٍ فَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، - بْنُ عِيسَى، - كَمَا فِي نُسْخَةٍ - بْنِ يَحْيَى الْأَشْجَعِيُّ، مَوْلَاهُمْ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ. (
стр. 83
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَجِّلُ) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ ; أَيْ أُسَرِّحُ وَأُحَسِّنُ. (رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ. ﷺ : اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ الْمَرْأَةِ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ التَّوَضُّؤِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِاحْتِمَالِ مَسِّ الشَّعْرِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مَسِّ الْبَشَرَةِ. (وَأَنَا حَائِضٌ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ، جَوَازَ مُخَالَطَةِ الْحَائِضِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ عَنْهُ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ أَنَّهَا: كَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ حَائِضٌ، يُخْرِجُهُ إِلَيْهَا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَةِ بَدَنِ الْحَائِضِ وَعَرَقِهَا، وَأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْمَمْنُوعَةَ لِلْمُعْتَكِفِ هِيَ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، وَأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، كَذَا قَالُوا، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ
حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُطْلَقًا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوُضُوءُ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بِالصَّلَاةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَمَسُّ الشَّعْرِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَكْرَارًا إِلَّا أَنَّ بَدَلَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَكِلَاهُمَا مُسْتَقِيمٌ ; لِأَنَّ مَالِكًا أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ عُرْوَةَ، كَذَا يُفْهَمُ مِنْ جَامِعِ الْأُصُولِ، فَارْجِعْ إِلَيْهِ، أَقُولُ: بِمُجَرَّدِ صِحَّةِ رِوَايَةٍ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُنَا سَنَدٌ آخَرُ عَنْهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ النَّاسِخِ صَحَّفَ هِشَامًا بِشِهَابٍ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ النُّسَّاخِ فَتُوِهِّمَ أَنَّهُمَا سَنَدَانِ، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ تَعَدُّدِ السَّنَدِ هُنَا عَدَمُ ذِكْرِهِ الشُّرَّاحُ خُصُوصًا السَّيِّدُ السَّنَدُ مِيرَكُ شَاهِ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ الْإِسْنَادِ وَعَلَى أَصْلِهِ فِي نُسْخَةِ الِاعْتِمَادِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ خَمْسَةٌ وَهَذِهِ فَائِدَةُ التَّعْدَادِ.
(حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ غَيْرُ ابْنِ مَاجَهْ. (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) : عَلَى وَزْنِ بَدِيعٍ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ. (بْنُ صَبِيحٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ، هُوَ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، صَدُوقٌ، سَيِّئُ الْحِفْظِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ - فِي تَارِيخِهِ - وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (عَنْ يَزِيدَ) : مُضَارِعُ الزِّيَادَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ضَعَّفُوهُ، فَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ التَّفْرِيعَ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّضْعِيفِ كَوْنُهُ مُعَلَّلًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَلِذَا أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لَهُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَسَيَأْتِي عَلَيْهِ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ. (بْنِ أَبَانَ) : بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَهُوَ مُنْصَرِفٌ إِذَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ، وَمُمْتَنِعٌ إِذَا كَانَ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّرْفُ أَظْهَرُ وَكَذَا فِي الْمُغْنِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّ أَبَانَ كَسَحَابٍ مَصْرُوفٌ، ابْنُ عَمْرٍو وَابْنُ سَعِيدٍ صَحَابِيَّانِ وَمُحَدِّثَانِ، وَيُقَوِّيهِ مَا قَالَ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلَ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَلُّ أَفْعَلُ الْأَجْوَفُ أَيْ لِلتَّفْضِيلِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ مُشَدَّدًا أَوْ بِفَتْحِهَا مُخَفَّفًا ; فَالْأَوَّلُ خَطَأٌ
стр. 84
فَاحِشٌ لِمُخَالَفَتِهِ كُتُبَ اللُّغَةِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ. (هُوَ الرَّقَاشِيُّ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَخِفَّةِ قَافٍ
وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ، نِسْبَةً إِلَى رَقَاشِ بِنْتِ ضُبَيْعَةَ، كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَكَأَنَّ الْعِصَامَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي رَقَاشٍ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: رَقَاشِ كَقَطَامِ ; عَلَمٌ لِلنِّسَاءِ. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ) : مِنَ الْإِكْثَارِ. (دَهْنَ رَأْسِهِ) : وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ بِالضَّمِّ. (وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى دَهْنِ، وَمَنْ جَرَّهُ بِالْعَطْفِ عَلَى رَأْسِهِ قَدْ أَخْطَأَ، وَالْمُرَادُ تَمْشِيطُهَا وَإِرْسَالُ شَعْرِهَا وَحَلُّهَا بِمَشْطِهَا. ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَخَذَ مِضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وُضِعَ لَهُ سِوَاكُهُ وَطَهُورُهُ وَمُشْطُهُ، فَإِذَا هَبَّهُ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ اسْتَاكَ وَتَوَضَّأَ وَامْتَشَطَ. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَمْسٌ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدَعُهُنَّ فِي سِفْرٍ وَلَا حَضَرٍ: الْمِرْآةُ، وَالْمُكْحُلَةُ، وَالْمُشْطُ، وَالْمَدْرَاءُ، وَالسِّوَاكُ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَارُورَةُ دُهْنٍ، بَدَلَ الْمَدْرَاءِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَا يُفَارِقُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ إِذَا سَرَّحَ لِحْيَتَهُ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ رِوَايَةَ الْخَطِيبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ التُّرْجُمَانِيِّ قَالَ: ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عُلْوَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَبْعٌ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْرُكُهُنَّ فِي سِفْرٍ وَلَا حَضَرٍ: الْقَارُورَةُ، وَالْمُشْطُ، وَالْمِرْآةُ، وَالْمُكْحُلَةُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْمِقَصُّ، وَالْمَدْرَاءُ. قُلْتُ لِهُشَامٍ: الْمَدْرَاءُ! مَا بَالُهُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهُ وَفْرَةٌ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ فَكَانَ يُحَرِّكُهَا بِالْمَدْرَاءِ. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ: عُودٌ تُدْخِلُهُ الْمَرْأَةُ فِي رَأْسِهَا لِئَلَّا يَنْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَالْمِقَصُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ: آلَةُ الْقَصِّ، بِمَعْنَى الْمُقَطِّعِ وَهِيَ الْمِقْرَاضُ. (وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ) : أَيْ لُبْسَهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى وَجْهِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَخِفَّةِ النُّونِ وَفِي آخِرِهِ مُهْمَلَةٌ، خِرْقَةٌ تُلْقَى عَلَى الرَّأْسِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ وِقَايَةً لِلْعِمَامَةِ مِنْ أَثَرِ الدُّهْنِ وَاتِّسَاخِهَا بِهِ، شَبِيهٌ بِقِنَاعِ الْمَرْأَةِ، وَفِي الصِّحَاحِ: هُوَ أَوْسَعُ مِنَ الْمِقْنَعَةِ وَهِيَ الَّتِي تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يُكْثِرُ اتِّخَاذَهُ وَاسْتِعْمَالَهُ بَعْدَ الدُّهْنِ. (حَتَّى) : غَايَةٌ لِيُكْثِرَ. (كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ. (ثَوْبَهُ) : أَيِ الَّذِي كَانَ عَلَى بَدَنِهِ لِإِكْثَارِ دَهْنِهِ وَلِمُلَابَسَتِهِ قِنَاعَهُ. (ثَوْبُ زَيَّاتٍ) : بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ، بِصِيغَةِ النِّسْبَةِ، أَيْ: صَانِعِ الزَّيْتِ أَوْ بَائِعِهِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِثَوْبِهِ الْقِنَاعُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: هُوَ الْمُنَاسِبُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَيْ لِنَظَافَتِهِ ﷺ لَا يَكُونُ ثَوْبُهُ كَثَوْبِ الزَّيَّاتِ. قَالَ الْعِصَامُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ السَّوْقِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ، انْتَهَى. وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ ﵀ فِي شَرْحِهِ: قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ كَانَ عَابِدًا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ عَابِدًا وَلَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ مِنْ صِنَاعَتِهِ فَوَقَعَ فِي حَدِيثِهِ الْمَنَاكِيرُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. قُلْتُ: وَمِنْ مَنَاكِيرِهِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَنْظَفَ النَّاسِ ثَوْبًا وَأَحْسَنَهُمْ هَيْئَةً وَأَجْمَلَهُمْ
سَمْتًا. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ فَقَالَ: «أَمَّا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» . وَقَالَ ﷺ : «أَصْلِحُوا ثِيَابَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ بَيْنَ النَّاسِ» . انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ. وَقَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: يَعْنِي الْقَايِنِيَّ شَرِيكَ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ الْمُحَدِّثِ فِي الْحَدِيثِ: الْمُرَادُ بِهَذَا الثَّوْبِ الْقِنَاعُ الْمَذْكُورُ الَّذِي يُسْتَرُ بِهِ الرَّأْسُ لَا قَمِيصُهُ أَوْ رِدَاؤُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ. أَقُولُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ حَتَّى كَاأَنَّ مِلْحَفَتَهُ مِلْحَفَةُ زَيَّاتٍ. أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّمِيمِيُّ السَّلِيطِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَقْوِيَةُ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، قَالَ: أَبُو زُرْعَةَ صَدُوقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وَلَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكِرًا جِدًّا وَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَبِرِوَايَتِهِ، انْتَهَى. وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ بِثَوْبٍ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ أَوْ دِهَانٍ. فَظَهَرَ أَنَّ الرَّبِيعَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، فَإِذَا حَمَلْنَا الثَّوْبَ عَلَى الْمِلْحَفَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ لِوِقَايَةِ الْعِمَامَةِ وَالثِّيَابِ عَنِ الدُّهْنِ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِنَظَافَةِ ثَوْبِهِ مِنْ رِدَاءٍ أَوْ قَمِيصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُ مِيرَكَ، وَسَبَقَهُ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ، وَزَيَّفَ كَوْنَهُ مُنَكَّرًا بِإِيرَادِ الْبَغْوَيِّ إِيَّاهُ فِي الْمَصَابِيحِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَعْفِهِ، وَكَذَا
стр. 85
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَبِإِيرَادِ التِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَعْفِهِ، هَذَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْقِنَاعِ فَائِدَةٌ وَلَا لِغَايَةٍ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ لِقَوْلِهِ: «يُكْثِرُ الْقِنَاعَ» نَتِيجَةٌ بَلْ كَانَ الْمُنَاسِبُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقُولَ: كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ، وَقَدْ أَبْعَدَ الْعِصَامُ حَيْثُ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَالْجُمْلَةُ نَاظِرَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: «يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ» مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ وَلِذَا فُصِلَتْ.
(حَدَّثَنَا هَنَّادٌ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيِ ابْنُ السَّرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ) : كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ السَّمَاعِ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِلَفْظِ «حَدَّثَنَا» مَكْتُوبًا عَلَيْهِ عَلَامَةُ صَحَّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَهُوَ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ بِالتَّخْفِيفِ فِي الْأَوَّلِ وَبِالتَّصْغِيرِ فِي الثَّانِي، ثِقَةٌ، مُتْقِنٌ. (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) : بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا. (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، وَهُوَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ، وَالْبَاقِي فِي صِحَاحِهِمْ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ . (عَنْ مَسْرُوقٍ) : سُرِقَ فِي صِغَرِهِ فَسُمِيَ بِهِ، ثِقَةٌ، عَابِدٌ، مُخَضْرَمٌ
أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ حَدِيثَهُ. (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ بِدَلِيلِ اللَّامِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّافِيَةِ بَعْدَهَا وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنَّهُ، كَذَا قَالَ الشُّرَّاحُ ; وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ جَوَازَ إِعْمَالِ إِنِ الْمُخَفَّفَةِ عَلَى قِلَّةٍ وَإِهْمَالِهَا عَلَى الْأَكْثَرِ، قَالَ الْعِصَامُ: إِنْ مُخَفَّفَةٌ، مُلْغَاةٌ، دَاخِلَةٌ عَلَى الْفِعْلِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ الِاسْمِ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّهُ فِي تَقْدِيرِ إِنَّهُ. (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ) : أَيِ الِابْتِدَاءَ فِي الْأَفْعَالِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى وَالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمَحَبَّةِ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَلِمَزِيَّةِ مَزِيدِ قُوَّتِهَا الْمُقْتَضِيَةِ لِزِيَادَةِ إِكْرَامِهَا بِمُوجِبِ الْعَدْلِ الْمُنَافِي لِلظُّلْمِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مَا اسْتَطَاعَ فَنَبَّهَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ. (فِي طَهُورِهِ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا، رِوَايَتَانِ مَسْمُوعَتَانِ بِمَعْنًى، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، الْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ، اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، فَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيِ اسْتِعْمَالُهُ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِيءُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرًا أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (إِذَا تَطَهَّرَ) : لِيَدُلَّ عَلَى تَكْرَارِ الْمَحَبَّةِ بِتَكْرَارِ الطِّهَارَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الْآيَةَ. كَذَا قَالَ الْعِصَامُ: وَفِيهِ أَنَّ «إِذَا» فِي الْآيَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: فِي وَقْتِ اشْتِغَالِهِ بِالطَّهَارَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِيَدَيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ دُونَهُمَا أَوَّلُ الْوُضُوءِ، وَلِرِجْلَيْهِ دُونَ خَدَّيْهِ وَأُذُنَيْهِ،
стр. 86
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى الْبَدَنِ أَوْ غَيْرِهِ. (وَفِي تَرَجُّلِهِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ تَمْشِيطِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. (إِذَا تَرَجَّلَ) : أَيْ وَقْتَ إِيجَادِ هَذَا الْفِعْلِ وَفِي مَعْنَاهُ التَّدْهِينُ. (وَفِي انْتِعَالِهِ) : أَيْ لُبْسِ نَعْلِهِ. (إِذَا انْتَعَلَ) : أَيْ وَقْتَ إِرَادَةِ لُبْسِ النَّعْلِ، وَفِيهِ احْتِزَازٌ مِنْ حَالِ الِاخْتِلَاعِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْيَسَارِ تَشْرِيفًا لِلْيَمِينِ وَمُرَاعَاةً لِكَرَامَتِهَا أَيْضًا، وَفِي مَعْنَاهُ لُبْسُ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ وَنَحْوِهِمَا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ: كَالْأَخْذِ، وَالْعَطَاءِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الظُّفْرِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَالِاكْتِحَالِ، وَالِاضْطِجَاعِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالِاسْتِيَاكِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَمِ وَالْيَدِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ مَا لَا شَرَفَ فِيهِ كَخُرُوجِ الْمَسْجِدِ، وَدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَأَخْذِ النَّعْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِالْيَسَارِ كَرَامَةٌ لِلْيَمِينِ أَيْضًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَاعِدَةُ الشَّرْعِ الْمُسْتَمِرَّةُ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزَيُّنِ وَمَا كَانَ بِضِدِّهِ فَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُرُ، وَيَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَفِي طَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. وَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ، وَيُعْطِي بِيَمِينِهِ، وَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ مَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى. قَالَ
النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، مَنْ خَالَفَهَا فَقَدْ فَاتَهُ الْفَضْلُ وَتَمَّ وُضُوءُهُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: مُرَادُهُ بِالْعُلَمَاءِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَإِلَّا فَمَذْهَبُ الْإِمَامِيَّةِ الْوُجُوبُ وَمِمَّنْ نَسَبَ الْوُجُوبَ إِلَى الْفُقَهَاءِ الشِّيعَةُ. وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا يُوهِمُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ بِوُجُوبِهِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْهُ، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي: لَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ خِلَافًا. يَعْنِي مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَلِطَ الْمُرْتَضَى عَلَمُ الْهُدَى فَنَسَبَ الْوُجُوبَ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مِنْ قَوْلِهِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّهُمَا جُمِعَا فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ حُكْمُهُمْ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ مَعَ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ أَنَّ التَّرْتِيبَ إِنَّمَا يُفِيدُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ، وَفِي أَمْثَالِهِ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ دُونَ وُجُوبِهِ، فَبَطَلَ قَوْلُ الشِّيعَةِ وَظَهَرَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا وَجْهُ عَدَمِ اعْتِبَارِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ بِالْيَمِينِ فَلِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي تَحْقِيقِ تَيَامُنِهِمَا وَتَيَاسُرِهِمَا كَمَا فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ ابْتِدَاءً وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: يُسْتَثْنَى مِنْ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الْوُضُوءِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ فَلَا يُسَنُّ فِيهِمَا تَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ فِي أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ عُضْوٌ لَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ مِنْهُنَّ فِي تَطْهِيرِهِ إِلَّا الْأُذُنَيْنِ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِي الْأُذُنَيْنِ وَجْهٌ نُقِلَ عَنِ الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ فِي تَقْدِيمِ مَسْحِ الْيُمْنَى مِنَ الْأُذُنِ. أَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِذَا أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَسْحِهِمَا وَيُسْتَحَبُّ حَالَةَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَوْلُ الْعِصَامِ «إِذَا تَنَعَّلَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «إِذَا انْتَعَلَ» مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي أَنَّهَا مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ الْمُنَاسِبِ لِمَصْدَرِهِ الْمَذْكُورِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ كَلَامِهِ سُكُوتُ الشُّرَّاحِ عَنْ خِلَافِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَحْفَظْ تَتِمَّةَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ عَلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَطْعَنٌ مَرْدُودٌ، فَإِنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي إِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ بِالزِّيَادَةِ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْطِيعُ الْحَدِيثِ وَإِتْيَانُ بَعْضِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ ; وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ قَوْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» ، فَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ هَذِهِ الْأُمُورُ لَا بِخُصُوصِهَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» ، اسْتَمَدَّ مِمَّا يُفِيدُ خِلَافَ الْمَقْصُودِ، انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعْمِيمٍ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَظَاهِرُ الِانْحِصَارِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَعَمُّ بِقَرِينَةِ حَدِيثِهِمَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَدِيثُهُمَا لَكَانَ فِيهِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْعُمُومُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَذْكُورَاتِ هِيَ جُزْئِيَّاتٌ كَالْأَمْثِلَةِ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قَوْلِهَا يُحِبُّ التَّيَمُّنَ، هَذَا وَذَكَرَ مِيرَكُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنِ الْأَشْعَثِ بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. كَذَا
أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ
стр. 87
بِغَيْرِ وَاوٍ، وَلِبَعْضٍ رِوَايَةٌ «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» بِالْوَاوِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ ; لِأَنَّ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوَهُمَا يُبْدَأُ فِيهَا بِالتَّيَاسُرِ، انْتَهَى. أَقُولُ: وَهَذَا مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ الْكُلِّيَةَ عَلَى حَالِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَرَامَةِ الْيُمْنَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَا اسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُرُ لَيْسَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودَةِ بَلْ هِيَ مَتْرُوكَاتٌ، وَمَا كَانَتْ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ فَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَأْنٍ عُرْفًا. قُلْتُ هَذَا غَيْرُ كِفَايَةٍ ; لِأَنَّهُ يَبْقَى نَحْوَ: الِاسْتِنْجَاءِ، وَمَسِّ الذَّكَرِ، وَإِزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ، وَأَخْذِ النَّعْلِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ «فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ مُتَعَلِّقٌ بِيُعْجِبُهُ أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ التَّيَمُّنِ أَوْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا وَلَا فِي فَرَاغِهِ وَلَا فِي شُغْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: «فِي شَأْنِهِ» بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ «فِي تَنَعُّلِهِ» بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ النَّعْلَ لِتَعَلُّقِهِ بِالرِّجْلِ وَالتَّرَجُّلِ لِتَعَلُّقِهِ بِالرَّأْسِ وَالطَّهُورُ لِكَوْنِهِ مِفْتَاحُ أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ، فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ كَبَدَلِ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ. أَقُولُ: فَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ لِلتَّدَنِّي، وَرِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ لِلتَّرَقِّي مَعَ زِيَادَةِ إِفَادَةِ الْعُمُومِ تَأْكِيدًا، قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ «فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» عَلَى قَوْلِهِ «فِي تَنَعُّلِهِ» فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَدَلُ الْكُلِّ أَيْضًا بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ تِلْكَ الْأُمُورِ، انْتَهَى. وَالْأَخِيرُ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ لَمْ يَكُنِ التَّخْصِيصُ إِلَّا بِالْعَطْفِ وَلَا يُعَرَفُ مَجِيءُ الْبَدَلِ بِهَذَا الْمَعْنَى، قَالَ مِيرَكُ: وَجَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنْ بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ صَحِيحِهِ أَنَّ الْأَشْعَثَ شَيْخُ شُعْبَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ «فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» وَتَارَةً عَلَى قَوْلِهِ «فِي تَنَعُّلِهِ» إِلَى آخِرِهِ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ غُنْدَرٍ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ تُجْمِلُهُ تَارَةً وَتُبَيِّنُهُ أُخْرَى. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَصْلُ الْحَدِيثِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّنَعُّلِ وَغَيْرِهِ، وَتَكُونُ الرِّوَايَةُ الْمُقْتَصِرَةُ عَلَى شَأْنِهِ كُلِّهِ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَشْعَثِ بِدُونِ قَوْلِهِ «فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» ، انْتَهَى. وَبِهَذَا ظَهَرَ سُقُوطُ كَلَامِ الْعِصَامِ وَهُوَ مَعْذُورٌ فَإِنَّهُ دَخِيلٌ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ بِالصَّوَابِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) : أَيِ ابْنُ فَرُّوخَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ الْحُسْنِ فَيُصْرَفُ وَإِنْ كَانَ فَعْلَانَ مِنَ الْحِسِّ بِتَشْدِيدِ السِّينِ فَلَا يُصْرَفُ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَنَصْرِفُ عَفَّانَ، قَالَ: نَعَمْ، إِنْ هَجَوْتَهُ لَا إِنْ مَدَحْتَهُ أَيْ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنَ الْعُفُونَةِ وَعَلَى الثَّانِي مِنَ الْعِفَّةِ، ثُمَّ هُوَ أَزْدِيٌّ، ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ الْبَصْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ اسْمُهُ يَسَارٌ، أَنْصَارِيٌّ، مَوْلَاهُمْ رُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكَ الْحَسَنُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةً وَثَلَاثِينَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ، وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ أَوْ مِنْ أَفْضَلِهِمْ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) :
بِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّرَجُّلِ) : أَيِ التَّمْشِيطِ. (إِلَّا غِبًّا) : بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ، أَيْ وَقْتٌ بَعْدَ وَقْتٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُفْعَلَ يَوْمًا وَيُتْرَكُ يَوْمًا، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ قَالَ الْقَاضِي: وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّزْيِينِ وَتَهَالُكٌ بِهِ.
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ) : بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ فَاءٌ، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ رَاءٍ
стр. 88
سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ، قَالَ الْعِصَامُ: لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي التَّقْرِيبِ إِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْحَارِثِ، حَافِظٌ، ثِقَةٌ، لَكِنْ لَهُ مَنَاكِيرُ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصَحَّفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَضْبُوطٌ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَفِي تَبْصِيرُ الْمُنْتَبِهِ بِتَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ: حَرْبٌ خَلْقٌ أَيْ كَثِيرٌ. (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) : هَكَذَا وَقَعَ فِي نَسْخِ الشَّمَائِلِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ زَائِدٌ لِأَنَّ أَبَا خَالِدٍ كُنْيَةُ يَزِيدَ لَا أَبُوهُ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَقَالَ الْعِصَامُ: صَوَابُهُ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ أَوْ يَزِيدُ أَبِي خَالِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ ثِقَةٌ، عَابِدٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَرْبَعَةُ. (عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ) : اسْمُهُ دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. (الْأَوْدِيُّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، مَنْسُوبٌ إِلَى أَوْدِ بْنِ صَعْبٍ، ثِقَةٌ. (عَنْ حُمَيْدِ) : بِالتَّصْغِيرِ. (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : مَرَّ ذِكْرُهُ. (عَنْ رَجُلٍ) : قِيلَ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي شَرْحٍ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْجَهْلِ فِي إِسْنَادِهِ، انْتَهَى. وَهَذَا صَدَرَ مِنْ جَهْلِهِ بِأَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ لِأَنَّ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. (أَنَّ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ «رَسُولَ اللَّهِ» . ﷺ كَانَ) : أَيْ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ (يَتَرَجَّلُ غِبًّا) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ.
(تَنْبِيهٌ) : وَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: كَانَ ﷺ لَا يَتَنَوَّرُ، وَكَانَ إِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ أَيْ شَعْرُ عَانَتِهِ حَلَقَهُ، لَكِنْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا طَلَى بَدَأَ بِعَانَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنَّوْرَةِ
وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا خَبَرُ أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ حَمَّامَ الْجَحْفَةِ فَمَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الدَّمِيرِيِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ الْحَمَّامَ بِبِلَادِهِمْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ .
(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ) .
وَفِي نُسْخَةٍ «النَّبِيِّ» . ﷺ : الشَّيْبُ وَالشَّيْبَةُ مَصْدَرَانِ وَمَعْنَاهُ كَوْنُ الشَّعْرِ أَبْيَضَ، كَذَا فِي التَّاجِ، وَأَرْدَفَ بَابَ الشَّعْرِ بِبَابِ الشَّيْبِ لِأَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) : أَيِ الطَّيَالِسِيُّ لِأَنَّهُ سَمِعَ هَمَّامَ بْنَ يَحْيَى دُونَ الْمَصَاحِفِيِّ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِتَرْكِ وَصْفِهِ بِالْمَصَاحِفِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْمَصَاحِفِيَّ، وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، غَلِطَ فِي أَحَادِيثَ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «حَدَّثَنَا» . (هَمَّامٌ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيِ ابْنُ يَحْيَى، بِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَالْأَوَّلُ ثِقَةٌ، رُبَّمَا وَهِمَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (
стр. 89
عَنْ قَتَادَةَ) : تَابِعِيٌّ، مَشْهُورٌ. (قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: هَلْ خَضَبَ) : بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ هَلْ صَبَغَ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ شَعْرَهُ. (قَالَ: لَمْ يَبْلُغْ) : أَيْ شَعْرُهُ. (ذَلِكَ) : أَيْ مَحَلَّ الْخِضَابِ كَذَا قِيلَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُسْتَكِنُّ فِي «لَمْ يَبْلُغْ» رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ الْخِضَابُ الَّذِي هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَضَبَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَضَبَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ. أَيْ حَدَّهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ إِلَى بُعْدِ وَقْتِ الْخِطَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ رَاجِعًا إِلَى الشَّيْبِ الْمَذْكُورِ حُكْمًا بِقَرِينَةِ خَضَبَ، أَيْ مَا بَلَغَ شَيْبُهُ ذَلِكَ أَيْ مَبْلَغًا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ) : أَيْ شَيْبُهُ. (شَيْئًا) : أَيْ قَلِيلًا، وَفِي نُسْخَةٍ «شَيْبًا» ، أَيْ بَيَاضًا يَسِيرًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِيرَكُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: التَّقْدِيرُ إِنَّمَا كَانَ يَخْضِبُ شَيْبًا. وَفِيهِ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ رِوَايَاتِهِ الصَّرِيحَةِ بِنَفْيِ الْخِضَابِ مَا يُنَاسِبُ عُنْوَانَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فِي صُدْغَيْهِ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ لِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ كَائِنًا فِيهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ، وَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَيْهِ صُدْغًا أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْمَحَلِّ وَإِرَدَةِ الْحَالِ، وَرُبَّمَا قَالُوا السُّدْغُ بِالسِّينِ، قِيلَ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ «إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ» بِالرَّفْعِ أَيْ شَيْءٌ مِنَ الشَّيْبِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَصْرَ أَوِ التَّأْكِيدَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ «إِنَّمَا» عَلَى خِلَافٍ «فِيهِ» يُنَافِي مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ مَا عُدَّ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْحَصْرُ هُنَا بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا فِي اللِّحْيَةِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَيُعْلَمُ مِنْهُ قِلَّةُ شَيْبِ الرَّأْسِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَبْدُو الشَّيْبُ فِي الصُّدْغَيْنِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْمُرَادُ حَصْرُ شَيْبٍ يَكُونُ وَهُوَ فِي اللِّحْيَةِ. قَالَ الْعِصَامُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يُنَافِي مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ «وَبِرَأْسِهِ رَدْغٌ» ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ وَضْعَ الرَّدْغِ عَلَى الرَّأْسِ إِنَّمَا كَانَ لِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْخِضَابِ، هَذَا وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الذَّقَنِ وَالشَّفَةِ السُّفْلَى، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَجْهُ الْجَمْعِ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَخْضِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ وَفِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الرَّأْسِ نُبَذٌ. بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَوْ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ شَعَرَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي شَابَ مِنْ عَنْفَقَتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا شَابَ مِنْ غَيْرِهَا، وَمُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَضَبَ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ. زَادُ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ «مَا شَأْنُهُ بِالشَّيْبِ» ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا دَهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِنْ لَمْ يَدْهِنْ تَبَيَّنَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ مِيرَكُ: لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْجَمْعِ بِمَا ذُكِرَ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ، أَقُولُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُقْتَطَعٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ لِأَنَسٍ فَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ، ثُمَّ كَلَامُ الْعَسْقَلَانِيِّ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ إِشْكَالٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ خَضَبَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْخِضَابِ - فَأَشَارَ إِلَى دَفْعِهِ بِأَنَّ مُرَادَ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْخِضَابَ، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُ «لَمْ يَخْضِبْ» إِنَّمَا قَالَهُ بِحَسَبِ عِلْمِهِ لِأَنَّ نَفْيَ عِلْمِهِ وَهُوَ الْخَادِمُ الْمُلَازِمُ لَهُ ﷺ بَعِيدٌ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى، قِيلَ: ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَبَغَ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْقَلِيلَةِ فِي حِينٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَنْ نَفَى الصَّبْغَ أَرَادَ
стр. 90
نَفْيَهُ بِصِفَةِ الدَّوَامِ وَالْأَغْلَبِيَّةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ إِثْبَاتَهُ بِطَرِيقِ النُّدْرَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنِ الْمُثْبِتَ يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ صَبَغَ الثَّوْبَ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ. (وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ : وَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ مَادَّةُ مُنَاسَبَتِهِ لَهُ ﷺ وَقُرْبُهُ مِنْهُ سِنًّا. (خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ نُونٍ، وَبِالْمَدِّ، مَعْرُوفٌ. (وَالْكَتَمُ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَالتَّاءُ مُخَفَّفَةٌ، كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَتَمُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَالْمَشْهُورُ التَّخْفِيفُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ فَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ: هُوَ وَرَقٌ يُشْبِهُ وَرَقَ الْآسِ، يُصْبَغُ بِهِ. وَفِي الْمُهَذَّبِ: هُوَ الْوَسْمَةُ. وَفِي الصِّحَاحِ: الْكَتَمُ نَبْتٌ يُخْلَطُ مَعَ الْوَسْمَةِ لِلْخِضَابِ، وَالْمَكْتُومَةُ دُهْنٌ لِلْعَرَبِ أَحْمَرُ، وَيُجْعَلُ فِيهِ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْكَتَمُ. وَفِي الْفَائِقِ: هُوَ نَبْتٌ يُخْلَطُ مَعَ الْوَسْمَةِ لِلْخِضَابِ الْأَسْوَدِ. وَفِي النِّهَايَةِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَبَغَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا عَنِ الْآخَرِ فَإِنَّ الْخِضَابَ
بِهِمَا يَجْعَلُ الشَّعْرَ أَسْوَدَ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ السَّوَادِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالْحِنَّاءِ أَوِ الْكَتَمِ بِأَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بِالْوَاوِ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ تَارَةً وَبِالْكَتَمِ أُخْرَى، عَلَى أَنَّ الْوَاوَ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِمْ: الْكَلِمَةُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي بَابِ الْبَسْمَلَةِ: وَصِلْ وَاسْتَكِنْ. وَقَدْ قَالَ شَارِحُو كَلَامِهِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاوِ التَّخْيِيرُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْكَتَمُ الصِّرْفُ يُوجِبُ سَوَادًا مَائِلًا إِلَى الْحُمْرَةِ، وَالْحِنَّاءُ تُوجِبُ الْحُمْرَةَ فَاسْتِعْمَالُهُمَا يُوجِبُ مَا بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ، انْتَهَى. فَالْوَاوُ عَلَى أَصْلِهِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمُغْرِبِ، وَعَنِ الْأَزْهَرِيِّ: أَنَّ الْكَتَمَ نَبْتٌ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ «كَانَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَلِحْيَتُهُ كَأَنَّهَا ضِرَامُ عَرْفَجٍ» ، انْتَهَى. وَالضِّرَامُ دِقَاقُ الْحَطَبِ الَّذِي يُسْرِعُ اشْتِعَالُ النَّارِ فِيهِ، وَالْعَرْفَجُ نَبْتٌ فِي السَّهْلِ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَقَدْ جُرِّبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ جَمِيعًا فَلَمْ يُسَوِّدْ بَلْ يُغَيِّرُ صُفْرَةَ الْحِنَّاءِ وَحُمْرَتِهِ إِلَى الْخُضْرَةِ وَنَحْوِهَا فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ السَّوَادَ، وَكَذَا رَأَيْنَاهُ وَشَاهَدْنَاهُ، هَذَا وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: الْحَدِيثُ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَوَافَقَهُ ابْنُ سِيرِينَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْهُ بِذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ فَقَطْ، وَلَفْظُهُ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: «وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ خَضَبَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ» ، وَأَظُنُّ أَنَّ ذِكْرَ عُمَرَ فِيهِ وَهْمٌ ; لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا» ، أَيْ صِرْفًا. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا دَائِمًا، انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ الدَّوَامُ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْسَبُ بِالْبَابِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَهُ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْخِضَابُ مَنْفِيًّا وَالشَّيْبُ مُثْبَتًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَاسَبَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ ذَلِكَ الْبَابِ إِنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ الْخِضَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) : أَيِ السَّكُونِيُّ مَوْلَاهُمْ، صَدُوقٌ، تُكُلِّمَ فِيهِ لِلتَّشَيُّعِ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ. (وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى) : أَيِ الْبَلْخِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. (قَالَا) : أَيْ كِلَاهُمَا. (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) : أَيِ ابْنُ هَمَّامِ بْنِ نَافِعٍ الْحِمْيَرِيُّ، مَوْلَاهُمْ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، كَبِيرٌ، مُصَنِّفٌ شَهِيرٌ، عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فَتَغَيَّرَ، وَكَانَ شَيْخًا لِأَجِلَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، رَوَى السِّتَّةُ حَدِيثَهُ، قَالَ الْعِصَامُ: وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (عَنْ مَعْمَرٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ. (عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: مَا عَدَدْتُ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ) : بِفَتْحِ الْجُزْأَيْنِ لِلتَّرْكِيبِ، وَالشِّينُ سَاكِنَةٌ وَبَنُو تَمِيمٍ يَكْسِرُونَهَا، وَقَوْلُهُ: (شَعْرَةً بَيْضَاءَ)
стр. 91
إِمَّا تَمْيِيزٌ أَوْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَنَسٍ لَا يُنَافِي مَا صَدَرَ عَنْهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، فَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ ; لِأَنَّ هَذَا السَّلْبَ عَامٌّ وَإِنْ كَانَ مُشْعِرًا بِأَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ. قَالَ الْعِصَامُ: يَسْتَدْعِي كَوْنُهُ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ بِحَسْبِ مُتَفَاهَمِ
الْعُرْفِ، وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَا يُنَافِي هَذَا الْحَدِيثُ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ الْآتِيَةَ، إِنَّمَا كَانَ شَيْبُهُ ﷺ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ ; لِأَنَّ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ نَحْوُ الْعِشْرِينَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهَا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِنَحْوِ الشَّيْءِ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ فَقَدْ وَهِمَ، نَعَمْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِالشَّيْبِ، مَا كَانَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَيْضَاءَ. وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِخْبَارَهُ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ إِخْبَارٌ عَنْ عَدِّهِ وَالثَّانِي إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ، فَهُوَ لَمْ يَعُدَّ إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَأَمَّا فِي الْوَاقِعِ فَكَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ مَا فِي الْوَاقِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَدِّ فَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ، نَعَمْ لَوْ وَقَعَ الظَّنُّ وَالتَّخْمِينُ مَوْضِعَ الْوَاقِعِ كَانَ لَهُ وَقْعٌ وَحَصَلَ بِهِ جَمْعٌ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَدِ اقْتَضَى حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ يَعْنِي الْمُخَرَّجَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ شَيْبَهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ شَعَرَاتٍ لَإِيرَادِهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْقِلَّةِ لَكِنْ خُصَّ ذَلِكَ بِالْعَنْفَقَةِ، وَقَالَ: كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، فَيُحْمَلُ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ فِي صُدْغَيْهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) : وَزَادَ فِي نُسْخَةٍ قَبْلَهُ أَبُو مُوسَى. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (أَبُو دَاوُدَ) : أَيِ الطَّيَالِسِيُّ لِأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ شُعْبَةَ. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «حَدَّثَنَا» . (شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ) : كَذَا بِالْفَاءِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ «قَالَ» فَلَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ عِنْدِ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَجُمْلَةُ سُئِلَ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ حَالٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ الْعِصَامُ: لَا يَخْفَى أَنَّ «سُئِلَ» حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وَقَوْلُهُ «فَقَالَ» مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَمَا بَعْدَهُ مَقُولُ الْقَوْلِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْكَلَامِ شَيْءٌ يَكُونُ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِسَمِعْتُ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ تَمَامِ الْإِسْنَادِ يَقُولُ، انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ أَنَّ «سَمِعَ» مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ «سُئِلَ» ، «وَفَقَالَ» إِلَى آخِرِهِ الْمَجْمُوعُ بَيَانٌ لِلْمَسْمُوعِ، وَحَاصِلُهُ أَنِّي سَمِعْتُ كَلَامَ سَائِلِهِ، فَجَوَابُهُ. (كَانَ دَهَنَ رَأْسَهُ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَرُوِيَ «ادَّهَنَ» بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ بِالضَّمِّ، كَذَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ بَابَ الِافْتِعَالِ مِنْهُ لَازِمٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: دَهَنَ رَأْسَهُ وَغَيَّرَهُ دَهْنًا بَلَّهُ، وَقَدِ ادَّهَنَ بِهِ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ. وَقَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا دَهَنَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ، وَكَذَا لَمْ يَدْهَنْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ادَّهَنَ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ، وَكَذَا لَمْ يَدَّهِنْ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ رَأْسُهُ مَفْعُولًا. وَلَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ شَارِبَهُ إِذَا طَلَاهُ بِالدُّهْنِ وَادَّهَنَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ إِذَا تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ، فَقَوْلُهُ ادَّهَنَ شَارِبَهُ خَطَأٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: دَهَنْتُهُ بِالدُّهْنِ أَدْهَنْتُهُ وَتَدَهَّنَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَادَّهَنَ أَيْضًا عَلَى افْتَعَلَ إِذَا تَطَلَّى بِالدُّهْنِ، انْتَهَى. قَالَ الْعِصَامُ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ ادَّهَنَ مِنَ الِافْتِعَالِ وَهُوَ لَازِمٌ فَيُرْفَعُ رَأْسُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ ادَّهَنَ، وَمَنْ حَفِظَ مَعَهُ نَصْبَ رَأْسِهِ، فَبَعْضُهُمْ يُخَطِّئُ الرِّوَايَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَتَكَلَّفُ بِمَا يُخَالِفُ الدِّرَايَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَمَ بِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَمْ يَنْظُرْ هَلِ اللُّغَةُ تُسَاعِدُهُ فَإِنْ أَبَيْتَ، وَصَحَّ أَنَّ الرِّوَايَةَ نَصْبُ رَأْسِهِ لَا مَحَالَةَ فَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ (سَفِهَ نَفْسَهُ) أَوْ عَلَى تَضْمِينِ الِادِّهَانِ مَعْنَى الدَّهْنِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَحَقَّقَ مِمَّا سَبَقَ أَنْ دَعْوَى الرِّوَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيِّ وَرَدَّهَا مِنْ مِيرَكِ شَاهْ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ قَوْلَ مِيرَكَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَ
نَافِيًا، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ ; لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ لَيْسَ مَظِنَّةً لِمَا ادَّعَاهُ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ الْمُعْتَبَرَةَ مِنْ طَرِيقِ مِيرَكَ وَكَذَا رِوَايَةُ الْعِصَامِ، نَعَمْ لَوْ بَيَّنَّا مَنْ رَوَيَا عَنْهُ لَقُدِّمَا فَإِنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، ثُمَّ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِرَفْعِ رَأْسِهِ بَلْ نَفَاهُ مِيرَكُ وَلَمَّا خَطَّأَ الرِّوَايَةَ وَأَيَّدَ خَطَأَهَا بِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مِنَ الدِّرَايَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى تَصْحِيحِهَا بِتَأْوِيلٍ يُجَوِّزُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ نَاقِلِ الرِّوَايَةِ مِمَّا وَرَدَتْ فِي حَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ لِلْفَرْقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ: إِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ (سَفِهَ نَفْسَهُ) فَإِنَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ أَوَّلًا وَضَبْطِ نَصْبِهِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا ثَانِيًا، ثُمَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ اسْتَمْهَنَهَا وَأَذَلَّهَا وَاسْتَخَفَّ بِهَا. قَالَ الْمُبَرِّدُ وَثَعْلَبٌ: سَفِهَ بِالْكَسْرِ مُتَعَدٍّ وَبِالضَّمِّ لَازِمٌ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْكِبْرُ أَنْ تُسَفِّهَ الْحَقَّ وَتَغْمِصَ النَّاسَ» أَيْ تَحْقِرَهُمْ، وَقِيلَ أَصْلُهُ سَفَّهَ نَفْسُهُ عَلَى الرَّفْعِ فَنُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَوْ سَفِهَ فِي نَفْسِهِ فَنُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، انْتَهَى. فَكَلَامُ الْعِصَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الْقَبِيلَيْنِ وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ ; فَإِنَّ التَّمْيِيزَ لَا يَكُونُ إِلَّا نَكِرَةً عِنْدَ الْبَصْرِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ عَلَى التَّضْمِينِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ التَّقْدِيرَ
стр. 92
أَدْهَنَ دَاهِنًا رَأْسَهُ. (لَمْ يُرَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ دُهْنِهِ. (شَيْبٌ) : لِالْتِبَاسِ بَيَاضِهِ لِلَمَعَانِ الشَّعْرِ مِنَ الدُّهْنِ. (فَإِذَا لَمْ يَدْهُنْ) : بِضَمِّ الْهَاءِ كَذَا مَضْبُوطٌ فِي أَصْلِنَا، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ، لَكِنْ قَالَ الْحَنَفِيُّ وَتَبِعَهُ الْعِصَامُ أَنَّ مُضَارِعَهُ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رُئِيَ) : أَيْ شَيْبٌ. (مِنْهُ) : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَكَانَ إِذَا دَهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَعِثَ أَيْ تَفَرَّقَ شَعْرُ رَأْسِهِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الِادِّهَانِ كَانَ يَجْمَعُ شَعْرَ رَأْسِهِ وَيَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَتِ الشَّعَرَاتُ الْبِيضُ مِنْ قِلَّتِهَا لَا تَبِينُ، فَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ ظَهَرَتْ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، مَنْسُوبٌ إِلَى كِنْدَةَ قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَمَحَلَّةٍ بِالْكُوفَةِ. (الْكُوفِيُّ) : صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ شَرِيكٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيِ الْقَاضِي، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) : أَيِ ابْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيِّ الْمَدَنِيِّ أَبُو عُثْمَانَ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، قَدَّمَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ مَعِينٍ عَلَى الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَلَى الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا. (عَنْ نَافِعٍ) : أَيْ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، مَشْهُورٌ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : أَيْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ، وُلِدَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِيَسِيرٍ، وَقِيلَ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ شَهِدَ الْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهُ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا. (قَالَ: إِنَّمَا كَانَ شَيْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوًا) : أَيْ قَرِيبًا. (مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةٍ بَيْضَاءَ) : سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ) : صَدُوقٌ، لَهُ أَوْهَامٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ. (عَنْ شَيْبَانَ) : صَدُوقٌ يَهِمُ رُمِيَ بِالْقَدَرِ، أَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : أَيِ السَّبِيعِيِّ. (عَنْ عِكْرِمَةَ) : بِسُكُونٍ بَيْنَ كَسْرَتَيْنِ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ثَبْتٌ، عَالِمٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ تَكْذِيبُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ) :
стр. 93
بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، قِيلَ: أَيْ ظَهَرَ فِيكَ آثَارُ الشَّيْبِ مِنَ الثِّقَلِ وَضَعْفِ الْبَدَنِ وَنَحْوِهِمَا، فَهُوَ لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْبِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَأَنَّ حِكْمَةَ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ مِزَاجَهُ ﷺ اعْتَدَلَتْ فِيهِ الْأَمْزِجَةُ وَالطَّبَائِعُ الْأَرْبَعَةُ وَاعْتِدَالُهَا مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الشَّيْبِ وَلَوْ فِي أَوَانِهِ فَكَانَ شَيْبُهُ بِالنَّظَرِ لِذَلِكَ كَأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى أَوَانِهِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ يُوجِبُ الِاعْتِدَالَ بِأَنَّ ظُهُورَ الشَّيْبِ لَا يَكُونُ قَبْلَ زَمَانِهِ وَلَا بَعْدَ أَوَانِهِ بِخِلَافِ عَدَمِ الِاعْتِدَالِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَقَوْلُهُ: وَاعْتِدَالُهَا مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الشَّيْبِ وَلَوْ فِي أَوَانِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ فِي أَنَّ مَعْنَاهُ ظَهَرَ فِيكَ أَثَرُ الضَّعْفِ وَالْكِبَرِ، انْتَهَى. وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْجَوَابِ. (قَالَ ﷺ : شَيَّبَتْنِي) : أَيْ ضَعَّفَتْنِي وَوَهَّنَتْ عِظَامِي وَأَرْكَانِي لَمَّا أَوْقَعَتْنِي فِي الْهُمُومِ وَأَكْثَرَتْ أَحْزَانِي. (هُودٌ) : بِضَمِّ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمَّتَيْنِ، وَقَالَ مِيرَكُ: صُحِّحَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا هُودٌ بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ مَعًا عَلَى أَنَّهُ مُنْصَرِفٌ، انْتَهَى. وَزَعَمَ الْحَنَفِيُّ وَتَبِعَهُ الْعِصَامُ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ، ثُمَّ وَجَّهَهُمَا بِمَا قَالَ الرِّضَى إِنْ جُعِلَ هُودٌ اسْمَ السُّورَةِ لَا يُصْرَفُ لِأَنَّهُ كَمَاهْ وَجُورَ وَإِنْ جُعِلَ اسْمَ النَّبِيِّ صُرِفَ وَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ حِينَئِذٍ أَيْ سُورَةَ هُودٍ. (وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ خَفْضُهَا عَلَى الْحِكَايَةِ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) : أَيْ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا، وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى السُّوَرِ مَجَازِيٌّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُؤَثِّرُ الْحَقِيقِيُّ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ اهْتِمَامِي بِمَا فِيهَا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْمَثُلَاتِ النَّوَازِلِ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أَخَذَ مِنِّي مَا أَخَذَهُ حَتَّى شِبْتُ قَبْلَ أَوَانِ الْمَشِيبِ خَوْفًا عَلَى أُمَّتِي، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ: رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ» قَالَ: «نَعَمْ» فَقُلْتُ: بِأَيَّةِ آيَةٍ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ، انْتَهَى. وَهُوَ لَا يُنَافِي أَسْبَابًا أُخَرَ مَذْكُورَةً فِي سَائِرِ السُّوَرِ مَعَ أَنَّ مَرْجِعَ الْكُلِّ إِلَيْهَا وَلِذَا قِيلَ الِاسْتِقَامَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ
وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِقَامَةِ مَذْكُورٌ فِي الشُّورَى أَيْضًا، مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَصْرِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى الْجَوَابِ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا سَمِعَ فِي هُودٍ أَوْ بِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ فِي الشُّورَى مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الثَّبَاتُ وَالْمُدَاوَمَةُ، بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي هُودٍ، فَإِنَّ فِيهَا أَمْرُ الْأُمَّةِ بِهَا أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمَ ضَعْفَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثُ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا» فَلِأَجْلِ الِاهْتِمَامِ بِحَالِهِمْ وَمُلَاحَظَةِ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَمَآلِهِمْ صَارَ مُعْتَكِفًا فِي زَاوِيَةِ الْغَمِّ وَالْهَمِّ، فَظَهَرَ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ أَثَرُ الضَّعْفِ وَالْأَلَمِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا انْدَفَعَ التَّدَافُعَاتُ وَالِاضْطِرَابَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي الشُّرُوحِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ هُودٍ لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْرِ بِالِاسْتِقَامَةِ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ الذِّكْرِيَّ لَا يَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ حَرْفُ الْوَاوِ لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فَمَحَلُّ بِحَثٍ فَإِنَّ مَحَلَّ اعْتِبَارِ التَّقْدِيمِ الذِّكْرِيِّ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ جَوَازِ تَأْخِيرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) فَإِنَّهُ أَفَادَ تَقْدِيمَ الصَّفَا وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «ابْدَءُوا» أَوْ «ابْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» ، وَكَمَا أَخَذَ بِهِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَتَقْدِيمُ هُودٍ مُتَعَيَّنٌ لِتَقَدُّمِهَا فِي التَّنْزِيلِ عَلَى السُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ الْمُرَتَّبَةِ، وَتَقْدِيمُ مَا حَقُّهُ التَّقْدِيمُ لَا يُفِيدُ أَمْرًا زَائِدًا بِخِلَافِ تَقْدِيمِ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالِاخْتِصَاصَ كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) نَعَمْ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَجْهٌ لِلتَّقْدِيمِ وَوَجْهٌ لِلتَّأْخِيرِ فَيُحْتَاجُ إِلَى نُكْتَةٍ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ : (رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) ، وَقَوْلِهِ: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) تَقَدَّمَ هَارُونَ عَلَى مُوسَى لِأَنَّهُ أَكْبَرُ سِنًّا مَعَ مَرَاعَاتِ الْفَاصِلَةِ، وَقُدِّمَ مُوسَى لِأَنَّهُ
стр. 94
الْأَصْلُ فِي النُّبُوَّةِ وَهَارُونُ تَابِعٌ لَهُ مَعَ أَنَّهُ مُقْتَضَى رُءُوسِ الْآيِ أَيْضًا.
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) : بِكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ. (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ بَاءٍ بَعْدَهَا فَاءٌ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، كَانَ فِي وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَبْلُغْ، رُوِيَ عَنْهُ خَمْسُونَ حَدِيثًا، حَدِيثَانِ فِي
الْبُخَارِيِّ وَفِي مُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ وَفِيهِمَا حَدِيثَانِ. (قَالَ قَالُوا) : أَيِ الصَّحَابَةُ أَوْ رَئِيسُهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَالْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ وَاحِدٌ لِاتِّفَاقِهِمْ فِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ فَكَأَنَّ جَمِيعَهُمْ قَالُوا. (يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: (قَدْ شِبْتَ) : فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ «وَقَدْ شِبْتَ» حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ نَرَاكَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا) : أَيْ أَشْبَاهُهَا الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقِيَامَةِ وَعَذَابِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لَعَلَّهَا الْمُفَصَّلَةُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَوْلُهُ: كَانَ وَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّوَرِ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ ﷺ حَالَ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا مَرَّ غَيْرُهُمَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ حَيْثُمَا وُجِدَتْ فِي الْقُرْآنِ يَكُونُ سَبَبًا لِضَعْفِ الْقُوَى، وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى وَقَائِعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كَالشُّعَرَاءِ وَطَهَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْقَصَصِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمَدَنِيَّاتُ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْخَمْسِ الْأُوَلِ وَفِي الرَّعْدِ وَالْفَتْحِ وَالَّتِي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَالرَّحْمَنِ وَالْحَدِيدِ وَقَدْ سَمِعَ وَالدَّهْرِ وَالنَّصْرِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ السَّبَبَ الْمُتَقَدِّمَ الْمَذْكُورَ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ جَاءَ حَدِيثٌ مُصَرِّحٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَا أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ جَالِسَانِ نَحْوَ الْمِنْبَرِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِ نِسَائِهِ يَمْسَحُ لِحْيَتَهُ وَيَرْفَعُهَا فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا رَقِيقًا، وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا شَدِيدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأُمِّي لَقَدْ أَسْرَعَ فِيكَ الشَّيْبُ، فَرَفَعَ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَذَرَفَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَجَلْ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا أَخَوَاتُهَا؟ قَالَ: «الْوَاقِعَةُ، وَالْقَارِعَةُ، وَسَأَلَ سَائِلٌ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْقَارِعَةَ وَسَأَلَ سَائِلٌ غَيْرُ مَذْكُورَتَيْنِ فِي السُّوَرِ الْمُفَصَّلَةِ السَّابِقَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا وَمَا فُعِلَ بِالْأُمَمِ قَبْلِي» .
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ جِيمٍ. (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ. (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) : تَصْغِيرُ عُمَرَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ إِيَادِ) : بِكَسْرِ هَمْزٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ. (بْنِ لَقِيطٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. (الْعِجْلِيِّ) : بِكَسْرِ عَيْنٍ وَسُكُونِ جِيمٍ. (عَنْ أَبِي رِمْثَةَ) : بِرَاءٍ مَكْسُورَةِ فميم ساكنة
стр. 95
فمثلثة، صَحَابِيٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ (التَّيْمِيِّ) بِفَتْحِ التَّاءِ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ. (تَيْمِ الرِّبَابِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ، وَاحْتُرِزَ عَنْ تَيْمِ قُرَيْشٍ قَبِيلَةٍ مِنْ بَكْرٍ، قَالَ مِيرَكُ: صَحَّ
فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا «الرِّبَابُ» بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَضَبَطَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الرَّاءِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: «الرِّبَابُ» بِالْكَسْرِ، أَحْيَاءُ ضَبَّةَ لِأَنَّهُمْ أَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي رِبٍّ وَتَعَاقَدُوا وَ «الرِّبُّ» ثِقْلُ السَّمْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «الرِّبَابُ» بِالْكَسْرِ خَمْسُ قَبَائِلَ - مِنْ جُمْلَتِهِمْ تَيْمٌ - غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي رِبٍّ وَتَحَالَفُوا عَلَيْهِ فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً، انْتَهَى. وَالْخَمْسُ: ضَبَّةُ، وَثَوْرٌ، وَعُكْلٌ، وَتَيْمٌ، وَعَدِيُّ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَتَيْمُ الرِّبَابِ بِالْجَرِّ فِي أَصْلِنَا، وَقَالَ الْعِصَامُ: إِنَّهُ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَمَا اشْتُهِرَ مِنْ جَرِّهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَتَأَمَّلْ، فَتَأَمَّلْنَا وَظَهَرَ لَنَا أَنَّ وَجْهَهُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّيْمِيَّ مَعْنَاهُ الْمَنْسُوبُ إِلَى التَّيْمِ وَفِي قُوَّتِهِ فَيَصِحُّ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ التَّيْمِيِّ وَنُكْتَتُهَا تُعَدُّدُ الْتَيْمِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، أَيْ أَحَدُ تَيْمِ الرِّبَابِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي غَيْرُ ظَاهِرٍ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ يَعْنِي بِالتَّيْمِيِّ تَيْمِ الرِّبَابِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَمْلِ فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ بِأَنْ يُقَالَ: يَعْنِي التَّيْمَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ تَيْمُ الرِّبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنٌ لِي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ الْإِتْيَانِ وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ، ذَكَرَهُ الْعِصَامُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِأَصْلِنَا الْمُصَحَّحِ الْمُقَابَلِ بِالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: «مَعَ ابْنٍ لِي» ظَرْفٌ لِأَتَيْتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «مَعِي ابْنٌ لِي» ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَتَيْتُ، لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِالضَّمِيرِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمَوْجُودَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ: «وَمَعِي ابْنٌ لِي» لَمْ يُسَمَّ الِابْنُ الْمَذْكُورُ، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّهِ عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مَكْتُوبًا وَإِلَيْهِ مَنْسُوبًا، كَذَا وَقَعَ فِي الشَّمَائِلِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِي. وَأَظُنُّهُ الصَّوَابُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ زَادَ: ثُمَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي: «ابْنُكَ؟» قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: «حَقًّا؟» قَالَ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي فِي أَبِي وَمِنْ حَلِفِ أَبِي عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا أَنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ تَكُونُ عَنِ الْأَبِ وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ الِابْنِ وَحِينَئِذٍ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا. (قَالَ) : أَيْ الِابْنُ. (فَأُرِيتُهُ) : فِعْلٌ مَجْهُولٌ مِنَ الْإِرَاءَةِ، أَيْ جَعَلَنِي أَبِي أَوْ غَيْرَهُ رَائِيًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . (فَقُلْتُ لَمَّا رَأَيْتُهُ) : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ وَتَرَاخٍ. (هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ) : وَمَعْنَاهُ عَلِمْتُ يَقِينًا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ مِنْ نُورِ جَمَالِهِ الْعَلِيِّ وَظُهُورِ كَمَالِهِ الْجَلِيِّ حَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارِ مُعْجِزَةٍ وَإِتْيَانِ بُرْهَانٍ وَمَحَجَّةٍ. وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ الْحَنَفِيُّ مِنْ أَنَّ هَذَا عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَهُوَ بَعِيدٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْإِيهَامِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِرَادَةِ فِي الظَّاهِرِ. (وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ) : أَيْ مَصْبُوغَانِ بِلَوْنِ الْخُضْرَةِ بِتَمَامِهَا، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ أَكْثَرُ لِبَاسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا كَانَا مَخْطُوطَيْنِ بِخُطُوطٍ خُضْرٍ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «بُرْدَانِ» بَدَلَ «ثَوْبَانِ» ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْبُرُودَ ذَوَاتُ الْخُطُوطِ، قَالَ الْعِصَامُ:
الْمُرَادُ بِالثَّوْبَيْنِ الرِّدَاءُ وَالْإِزَارُ، وَمَا قِيلَ فِيهِ أَنَّ لُبْسَ الثَّوْبِ الْأَخْضَرِ سُنَّةٌ ضَعْفُهُ ظَاهِرٌ إِذْ غَايَةُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ، انْتَهَى. وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ إِذِ الْأَشْيَاءُ مُبَاحَةٌ عَلَى أَصْلِهَا، فَإِذَا اخْتَارَ الْمُخْتَارُ شَيْئًا مِنْهَا بِلُبْسِهِ لَا شَكَّ فِي إِفَادَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ رَأَيْتُهُ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: مِنْ فَاعِلِ «رَأَيْتُ» وَهُوَ بَعِيدٌ، أَوْ فَاعِلِ «قُلْتُ» وَهُوَ أَبْعَدُ، وَقَالَ الْعِصَامُ: حَالٌ مِنْ «نَبِيِّ اللَّهِ» ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ مَعْنًى وَإِنْ قَرُبَ لَفْظًا، وَأَمَا قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَمَعْمُولِهِ بِأَجْنَبِيٍّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةُ أَصْلٍ نَحْوِيٍّ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُسَمَّى أَجْنَبِيًّا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ، فِي حُكْمِ التَّقْرِيرِ. (وَلَهُ شَعْرٌ) : أَيْ قَلِيلٌ مِنْ نَعْتِهِ أَنَّهُ (قَدْ عَلَاهُ) : أَيْ غَلَبَهُ وَشَمِلَهُ. (الشَّيْبُ) : فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ: شَيْبَهُ لَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ شَعْرَةً. (وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ) : أَيْ حَالَ كَوْنِهِ يُخَالِطُ شَيْبَهُ حُمْرَةٌ فِي أَطْرَافِ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَوَّلُ مَا يَشِيبُ أُصُولُ الشَّعْرِ، وَأَنَّ الشَّعْرَ إِذَا قَرُبَ شَيْبُهُ صَارَ أَحْمَرَ ثُمَّ أَبْيَضَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّيْبِ الْبَيَاضُ، وَمَعْنَى أَحْمَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْبَيَاضُ صُبِغَ بِحُمْرَةٍ فَيُوَافِقُ مَا مَرَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ أَيْضًا
стр. 96
أَنَّ شَيْبَهُ أَحْمَرُ مَصْبُوغٌ بِالْحِنَّاءِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ أَنَّهُ ﷺ هَلْ خَضَبَ أَمْ لَا؟ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِمِيرَكَ شَاهْ فِي هَذَا الْمَقَامِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الطِّيبِيِّ مِمَّا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ. (أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ) : مُصَغَّرُ سَرْجٍ بِالْجِيمِ. (بْنُ النُّعْمَانِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ الْجَوْهَرِيُّ، أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَرْبَعَةُ. (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ. (بْنُ سَلَمَةَ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ، وَالْخَمْسَةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ) : تَقَدَّمَ. (قَالَ: قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكَانَ) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ «هَلْ كَانَ» . (فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْبٌ) : هَكَذَا فِي أَصْلِنَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَعَلَيْهِ الشُّرَّاحُ أَيْضًا، وَقَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ وَفِي أَكْثَرِهَا هَكَذَا. (قَالَ لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا شَعَرَاتٌ) : بِدُونِ لَفْظِ شَيْبٍ، وَالتَّنْوِينُ فِي شَعَرَاتٍ لِلتَّقْلِيلِ، أَيْ شَعَرَاتٌ مَعْدُودَةٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: قَوْلُهُ شَيْبٌ أَيْ بَيَاضُ شَعْرٍ أَوْ شَعْرٌ أَبْيَضُ فَإِنَّ الشَّيْبَ يَكُونُ بِالْمَعْنَيَيْنِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ فِي قَوْلِهِ إِلَّا شَعَرَاتٌ إِلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ إِلَّا بَيَاضُ شَعَرَاتٍ. (فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ مَحَلِّ تَفَرُّقِ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْحَنَفِيِّ بِوَسَطِهِ فَغَيْرُ مُطَابِقٍ مَعَ إِيهَامِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ مُقَدَّمِهِ، فَلَعَلَّهُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. (إِذَا ادَّهَنَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيِ اسْتَعْمَلَ الدُّهْنَ وَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ. (وَارَاهُنَّ) : مِنَ الْمُوَارَاةِ أَيْ غَيَّبَهُنَّ. (الدُّهْنُ) : وَأَخْفَاهُنَّ وَسَتَرَهُنَّ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا إِلَّا بِتَدْقِيقِ نَظَرٍ وَتَعْمِيقِ بَصَرٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قِلَّتِهِنَّ، وَالدُّهْنِ بِضَمِّ الدَّالِ فِي أَصْلِنَا، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ بِضَمِّهَا وَفَتْحِهَا، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: صُحِّحَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ إِلَى السَّبَبِ وَإِنْ قُرِئَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ فَهُوَ أَوْفَقُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى وَظُهُورِ السَّبَبِيَّةِ
فِيهِ أَقْوَى كَمَا لَا يَخْفَى، انْتَهَى. فَزَعْمُ الْعِصَامِ أَنَّ الْفَتْحَ وَالضَّمَّ كِلَاهُمَا رِوَايَةٌ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ غَيْرُ الدِّرَايَةِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فِي الْقَامُوسِ: الْخِضَابُ كَكِتَابٍ مَا يُخْتَضَبُ بِهِ أَيْ يُلَوَّنُ بِهِ، وَفِي الشُّرُوحِ أَنَّ الْخِضَابَ كَالْخَضَبِ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّلْوِينِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَنْسَبُ بِالْبَابِ ; لِأَنَّ مُعْظَمَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا جَاءَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ يُنَاسِبُ الْأَوَّلَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ لَازِمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ جَعْلَهُ مَصْدَرًا بَعِيدٌ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، ثُمَّ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (عَنْ إِيَادِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. (بْنِ لَقِيطٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ. (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو رِمْثَةَ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ. (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ ابْنٍ لِي) : ظَرْفُ لَغْوٍ لِأَتَيْتُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " مَعِي " بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا " ابْنٌ لِي " بِرَفْعِ ابْنٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَتَيْتُ لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِالضَّمِيرِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ " مَعَ ابْنٍ لِي " حَالٌ، أَيْ
стр. 97
كَائِنًا مَعَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (فَقَالَ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (ابْنُكَ هَذَا؟) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفَةٌ وَأُظْهِرَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ: وَلِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَسَاغٌ فَيُغْنِي عَنْ حَذْفِ الْهَمْزَةِ. فَغَفْلَةٌ عَنْ قَاعِدَةِ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدِّرَايَةِ، وَلِذَا قِيلَ: ثَبِّتِ الْعَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ، وَفِي تَأْخِيرِ هَذَا إِشْكَالٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِهِ هَذَا، وَالْمُطَابِقُ لَهُ " أَهَذَا ابْنُكَ؟ " لَا عَنْ هَذِيَّةِ ابْنِهِ الْمُطَابِقِ لَهُ مَا فِي الْمَتْنِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ الشَّاهِدَةِ بِأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْأَوَّلِ وَبِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ أَنَّ لَهُ ابْنًا، فَكَانَ الْمَطْلُوبُ هَذِيَّةَ الِابْنِ الْمَعْهُودِ، وَلِذَا قَالَ: " ابْنُكَ هَذَا " أَيِ الْمَعْهُودُ ذِهْنًا. (فَقُلْتُ: نَعَمْ) : الرِّوَايَةُ بِفَتْحَتَيْنِ وَقُرِئَ فِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَحُكِيَ فِي اللُّغَةِ بِكَسْرِهَا. (أَشْهَدُ بِهِ) : هَذِهِ جُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِقَوْلِهِ " نَعَمْ " قَالَ مِيرَكُ: يُرْوَى بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ أَيْ كُنْ شَاهِدًا عَلَى اعْتِرَافِي بِأَنَّهُ ابْنِي مِنْ صُلْبِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُجَرَّدِ أَيْضًا، أَيْ أُقِرُّ بِهِ وَأَعْتَرِفُ بِذَلِكَ، انْتَهَى. فَقَوْلُ الْحَنَفِيِّ رُوِيَ عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ، وَعَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْضًا مِنَ الشَّهَادَةِ أَوْ مِنَ الشُّهُودِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مِيرَكَ، أَوْ بِنَاءً عَلَى وَهْمِهِ مِنْ عَدَمِ فَرْقِهِ بَيْنَ النُّسْخَةِ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ، ثُمَّ مِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُ قَدَّمَ النُّسْخَةَ عَلَى الرِّوَايَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِ أَصِلٍ لَهُ أَصْلًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِنَ الشُّهُودِ مَعَ أَنَّهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ مِنَ الْمَعْنَى. فَقَدْ رَدَّهُ الْعِصَامُ بِقَوْلِهِ: وَجَعْلُهُ مِنَ الشُّهُودِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، يُقَالُ شَهِدَهُ أَيْ حَضَرَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لِبَيَانِ أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِجِنَايَتِهِ عَلَى مَا اعْتَادَهُ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ مُؤَاخَذَةِ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ بِجِنَايَةِ الْآخَرِ وَقَدْ أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ بِقَوْلِهِ : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
. (قَالَ) : أَيْ ﷺ . (لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) : أَيْ لَا يُؤْخَذُ هَذَا بِذَنْبِكَ وَلَا تُؤْخَذُ أَنْتَ بِذَنْبِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " أَلَا لَا يَجْنِيَ جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ "، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ قَالَ: " ابْنُكَ هَذَا؟ " فَقُلْتُ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: " ابْنُ نَفْسِكَ؟ " قُلْتُ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: " فَإِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ". وَمِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ مُنْقِذٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي: " ابْنُكَ هَذَا؟ " قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: " حَقًّا؟ " قَالَ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا مِنْ تَبَيُّنِ شَبِهِي فِي أَبِي وَمِنْ حَلِفِ أَبِي، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ " قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، انْتَهَى. وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالِاحْتِمَالِ الْعَقْلِيِّ الْمُخَالِفِ لِلدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَهُمَا أَوْ يَكُونُ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ. (قَالَ) : أَيْ أَبُو رِمْثَةَ إِعَادَةً لِفَصْلِ الْكَلَامِ وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمُ رُجُوعُ ضَمِيرِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يُوجَدْ كَلِمَةُ " قَالَ ". (وَرَأَيْتُ الشَّيْبَ أَحْمَرَ) : أَيْ لِقُرْبِهِ مِنَ الْبَيَاضِ أَوْ بِسَبَبِ الْخِضَابِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْبَابِ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ مِيرَكَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ " وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ " زَادَ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ " وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ "، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ: " وَكَانَ قَدْ لَطَّخَ لِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ: فَإِذَا رَجُلٌ لَهُ وَفْرَةٌ بِهَا رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَأَيْتُ بِرَأْسِهِ رَدْعَ حِنَّاءٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ غَيْلَانَ بْنِ جَامِعٍ، عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي خِضَابِهِ ﷺ . (قَالَ أَبُو عِيسَى) : هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُصَحَّحَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ كُنْيَتِهِ عَلَى اسْمِهِ إِذِ التَّكْنِيَةُ عَنْ صَاحِبِهَا غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ تَبَعٌ لِشَيْخِهِ وَمُقْتَدَاهُ وَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَيْثُ عَبَّرَ فِي صَحِيحِهِ وَسَائِرِ تَصَانِيفِهِ أَيْضًا عَنْ نَفْسِهِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ احْتِمَالًا بَعِيدًا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ التَّلَامِذَةِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَقَالَ الْعِصَامُ: لَمْ يَقُلْ " قُلْتُ " لِئَلَّا يُشْتَبَهَ بِقُلْتُ سَابِقًا، وَلَمْ يَقُلْ " قَالَ " بِالْإِضْمَارِ لِخَفَاءِ الْمَرْجِعِ وَالِاشْتِبَاهِ بَقَالَ سَابِقًا. فَمَنْ قَالَ: هُوَ مُدْرَجٌ عَنْ رَاوِي الْكِتَابِ فَكَأَنَّهُ بَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ، قُلْتُ: كَلَامُهُ مَعَ بُعْدِهِ أَقْرَبُ مِنَ التَّعْلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالتَّأْوِيلَيْنِ
стр. 98
الْمَسْطُورَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ تَوْجِيهِ كَلَامِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (هَذَا) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثِ. (أَحْسَنُ شَيْءٍ) : أَيْ أَرْجَحُ حَدِيثٍ. (رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ) : أَيْ بَابِ الْخِضَابِ. (وَأَفْسَرُ) : مِنَ الْفَسْرِ بِالْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَوْضَحُ رِوَايَةً وَأَظْهَرُ دَلَالَةً. (لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ) : أَيْ لَمْ يَصِلْهُ وَلَمْ يَظْهَرِ الْبَيَاضُ فِي شَعْرِهِ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ شَيْبُهُ بِالْحُمْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ أَبُو رِمْثَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةَ بِالْخِضَابِ فِي طَرِيقِ حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ أَوْ هِيَ مُؤَوَّلَةٌ كَمَا سَيَجِيءُ، انْتَهَى. يَعْنِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حُمْرَةُ الشَّيْبِ بِحُمْرَةِ الْخِضَابِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:
كَذَا قِيلَ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَائِلٌ بِالْخِضَابِ بِدَلِيلِ سِيَاقِهِ لِأَحَادِيثِهِ الْآتِيَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُرَادُهُ لَمْ يَسُقْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصْلًا بَلْ كَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى سِيَاقِهِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَوْنَهُ أَحْمَرَ أَيْضًا فَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ ثَمَّ أَوْلَى، وَذِكْرُ كَوْنِهِ أَحْمَرَ لَا يَضُرُّهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ حُمْرَتَهُ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةٌ لِلشَّيْبِ فَذِكْرُهُ لَهُ بِتَمَامِهِ فِي الْبَابَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُنَاسَبَةً بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَهِيَ أَنَّ فِيهَا إِثْبَاتَ الشَّيْبِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْبَابِ السَّابِقِ وَأَنَّهُ كَانَ أَحْمَرَ بِالْخِضَابِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِهَذَا الْبَابِ، وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَمْ يَشِبْ فَمَعْنَاهَا لَمْ يَكْثُرْ شَيْبُهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتُرُهُ بِالْحُمْرَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَائِلٌ بِالْخِضَابِ لِإِمْكَانِ تَرْجِيحِ عَدَمِهِ عِنْدَهُ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا اضْطِرَابٌ وَتَرَدُّدٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ وَمَنْشَؤُهُ عَدَمُ اطِّلَاعِ قَوَاعِدِ هَذَا الْفَنِّ لَدَيْهِ، وَقَدْ قَالَ الْعِصَامُ بِالرَّدِّ الْبَلِيغِ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ. (أَبُو رِمْثَةَ اسْمُهُ رِفَاعَةُ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ. (بْنُ يَثْرِبِيٍّ) : نِسْبَةً إِلَى يَثْرِبَ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ. (التَّيْمِيُّ) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ نِسْبَةً إِلَى تَيْمٍ قَبِيلَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَلَا شَكَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَيْضًا مَقُولُ قَوْلِ أَبِي عِيسَى، لَكِنْ وَجْهُ تَأْخِيرِهِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ خَفِيٌّ، انْتَهَى. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْحَنَفِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ لَمَّا كَانَ مَآلُهُمَا وَاحِدًا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ بَعْدَ تَمَامِ كَلَامِهِ وَفَرَاغِ مَرَامِهِ.
(حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي) : أَيْ وَكِيعٌ. (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغْنِي، قَالَ الْعِصَامُ: فَمَا فِي الشَّرْحِ هُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ فَكَأَنَّهُ سَهْوٌ، ثُمَّ هَذَا نَسَبُهُ إِلَى جَدِّهِ وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ «الْآتِي» ، وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ إِلَخْ، ثُمَّ إِنَّهُ تَيْمِيٌّ مَوْلَاهُمْ، مَدَّنِيٌّ، شَهِيرٌ بِالْأَعْرَجِ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَوْهَبٍ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْأَبِ مِنَ الطَّبَقَةِ الْخَامِسَةِ لَمْ يُخَرِّجْ مِنْ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ حَدِيثَهُ إِلَّا النَّسَائِيُّ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ. (قَالَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟) : بِفَتْحِ الضَّادِ، أَيْ هَلْ صَبَغَ شَعْرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 99
خَضَبَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. (قَالَ أَبُو عِيسَى، وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ الْوَضَّاحُ الْوَاسِطِيُّ الْبَزَّارُ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ. (هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، فَقَالَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : قَالَ الْعِصَامُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ «أَبِي هُرَيْرَةَ» ، «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ» . وَفِي الشَّرْحِ لَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا الظَّاهِرَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَاءَ خِضَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ تَرْكِ الظَّاهِرِ بَلْ ذَكَرَ مَا لَا يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنِ الظَّاهِرِ. قُلْتُ: وَجْهُهُ يَتَبَيَّنُ مِنْ كَلَامِ مِيرَكَ حَيْثُ وَجَدْتُ بِخَطِّهِ فِي هَامِشِ نُسْخَةِ أَصْلِهِ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ سَنَدِ أَبِي عَوَانَةَ بَيَانُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَوْهَبٍ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ وَتَقْرِيرٌ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ وَهْمِ شَرِيكٍ بِقَوْلِهِ «سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ» وَأَنَّ الْخَبَرَ مَرْوِيٌّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ أَكْثَرِ الطُّرُقِ الْمَرْوِيَّةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى. فَالشَّارِحُ اخْتَارَ الشِّقَّ الثَّانِي، وَالْعِصَامُ وَقَعَ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْمَشَاقُّ، وَحَصَلَ بِهَذَا النَّقْلِ وَجْهُ الْوِفَاقِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مِيرَكَ بَسَطَ فِي شَرْحِهِ بِتَأْيِيدِ هَذَا الْمَقَالِ فَقَالَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ وَابْنُ سَعْدٍ قَالَا: سَمِعْنَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَخْضُوبًا. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ «بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ» ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ: كَانَ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ شَعْرِ لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ مَا فِيهِ أَثَرُ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ نُصَيْرِ بْنِ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَرَتْهُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْمَرَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا أَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ الشَّعْرَ مَخْضُوبًا سَأَلَ مِنْهَا: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. وَلَمْ يُخَرِّجِ ابْنُ سَعْدٍ وَلَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ أَنَّهُمَا اسْتَوْعَبَا طُرُقَ أَخْبَارِ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِخِضَابِهِ ﷺ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ بِرِوَايَتِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ بَلْ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفَ بِإِيرَادِ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ شَرِيكٍ شَاذَّةٌ بَلْ مُنْكَرَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ) : أَيِ الْبَلْخِيُّ الْعَابِدُ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ. (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ زُرَارَةَ) : بِزَايٍ مَضْمُومَةٍ وَرَائِينَ، أَبُو الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ، نَزِيلُ بَلْخَ مَسْتُورٌ. (عَنْ أَبِي جَنَابٍ) : بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَنُونٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَغَيْرُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ غَلَطٌ. وَفِي أُخْرَى بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ فَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ، وَهُوَ مُحَدِّثٌ مَشْهُورٌ رُبَّمَا ضَعَّفُوهُ لِكَثْرَةِ تَدْلِيسِهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ. (عَنِ الْجَهْذَمَةِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مِيمٌ. (امْرَأَةُ بَشِيرِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى وَزْنِ بَدِيعٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ شِينٍ
مُعْجَمَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ سَهْوٌ وَغَلَطٌ. (بْنِ الْخَصَاصِيَةِ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ، وَالتَّشْدِيدُ فِيهَا لَحْنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَعَالِيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّخْفِيفِ كَكَرَاهِيَةٍ وَعَلَانِيَةٍ وَطَوَاعِيَةٍ، كَذَا نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ الْفَيْرُوزَابَادِيِّ، وَزَآبَادِي رَدًّا عَلَى ابْنِ الْأَثِيرِ وَغَيْرِهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ مِنْ أَوْزَانِ الْمَصْدَرِ، وَتَعَقَّبَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْخَصَاصِيَةُ مَصْدَرًا، وَإِنَّمَا وُجِدَ الْخَصَاصُ وَالْخَصَاصَةُ بِمَعْنَى الْفَقْرِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ لِلنِّسْبَةِ فَتَكُونُ مُشَدَّدَةً فَالتَّعْوِيلُ عَلَى النَّقْلِ لَا عَلَى الْعَقْلِ،
стр. 100
وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَفِي تَخْطِئَةِ التَّشْدِيدِ بِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَعْلَامِ وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لَا يُوَافِقُ الْأَوْزَانَ الْمَعْرُوفَةَ. هَذَا وَهِيَ اسْمُ أُمِّهِ، وَهِيَ صَحَابِيَّةُ، وَأَبُوهُ مَعْبَدٌ، وَيُقَالُ غَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَهَا وَجَعَلَهُ لَيْلَى. (قَالَتْ: أَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَدَّمَ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ لِإِفَادَةِ تَفَرُّدِهَا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. (يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ. (يَنْفُضُ) : بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ يَمْسَحُ. (رَأْسَهُ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَدِهِ لِيُقَطِّرَ عَنْهُ الْمَاءَ، وَالنَّفْضُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى التَّحْرِيكِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (قَدِ اغْتَسَلَ) : وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْوَاوِ الْحَالِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِئْنَافًا وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: (وَبِرَأْسِهِ) : إِمَّا حَالِيَّةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ. (رَدْغٌ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمْعُ رَدَغَةٍ بِالتَّحْرِيكِ أَوِ التَّسْكِينِ وَهُوَ الْوَحْلُ الشَّدِيدُ، فَعَلَى هَذَا الْكَلَامُ عَلَى التَّشْبِيهِ أَيْ فِي رَأْسِهِ لَطْخَاتٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الصَّبْغِ الَّذِي هُوَ الْحِنَّاءُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ أَوْ غَيْرُهُ، وَلِخَفَاءِ دَلَالَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى: وَالصَّحِيحُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى. يَعْنِي الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ قَالَ) : أَيْ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ. (رَدْعٌ) : بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ لَطْخٌ مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَأَثَرُ الطِّيبِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ الصِّبْغُ وَبِالْمُعْجَمَةِ الطِّيبُ الْكَثِيرُ، وَقِيلَ الَّذِي مَعَهُ وَسَخٌ، وَقِيلَ أَعَمُّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. (مِنْ حِنَّاءٍ) : بِالْمَدِّ. (شَكَّ فِي هَذَا) : أَيْ فِي أَنَّهُ رَدْغٌ أَوْ رَدْعٌ. (الشَّيْخُ) : أَيْ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ الشَّكُّ هُوَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَارُونَ وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ، وَضَمِيرُ قَالَ لِلشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : أَبِي الْفَضْلِ بْنِ بَهْرَامَ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعِصَامُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ أَنَّهُ الْحَافِظُ عَالِمُ سَمَرْقَنْدَ، رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَعَنْهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ. (أَخْبَرَنَا عَمْرُو) : بِالْوَاوِ. (بْنُ عَاصِمٍ) : أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيُّ الْقَيْسِيُّ أَبُو عُثْمَانَ الْمِصْرِيُّ، صَدُوقٌ
، فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ.
(أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الطَّوِيلُ. (عَنْ أَنَسٍ) : أَيِ ابْنِ مَالِكٍ. (قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ. ﷺ مَخْضُوبًا) : قَدْ مَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَخْضِبْ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ ﷺ وَبِالْإِثْبَاتِ - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - الْأَقَلَّ مِنْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الشَّعْرَ لَمَّا كَانَ مُتَغَيِّرًا لَوْنُهُ بِسَبَبِ وَضْعِ الْحِنَّاءِ عَلَى الرَّأْسِ لِدَفْعِ الصُّدَاعِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّطَيُّبِ سَمَّاهُ مَخْضُوبًا، أَوْ سَمَّى مُقَدِّمَةَ الشَّيْبِ مِنَ الْحُمْرَةِ خِضَابًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. (قَالَ حَمَّادٌ) : أَيِ الْمَذْكُورُ. (وَأَخْبَرَنَا) : بِوَاوٍ عَاطِفَةٍ. (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ) : أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ ﵁، وَعَبْدُ اللَّهِ صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لَهُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَخْضُوبًا) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سَلَّامٌ - وَهُوَ ابْنُ
стр. 101
أَبِي مُطِيعٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَوِ ابْنُ مِسْكِينٍ عِنْدَ أَبِي نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ -، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا. وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ: مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَكَذَا لِأَحْمَدَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سَلَّامٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - شَعْرًا أَحْمَرَ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ: كَانَ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَثَرُ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي خَضَبَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ احْمَرَّ بَعْدَهُ لِمَا خَالَطَهُ مِنْ طِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ فَغَلَبَتْ بِهِ الصُّفْرَةُ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْضِبْ أَصَحُّ. كَذَا وَقَالَ الَّذِي أَبْدَاهُ احْتِمَالًا قَدْ ثَبَتَ مَعْنَاهُ مَوْصُولًا إِلَى أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ، قُلْتُ: وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّعُورِ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنِ الْجَسَدِ إِذْ طَالَ الْعَهْدُ يَؤُولُ سَوَادُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ مِنَ التَّرْجِيحِ خِلَافُ مَا جَمَعَ بِهِ الطَّبَرِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ خَضَبَ كَابْنِ عُمَرَ حَكَى مَا شَاهَدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَأَنَسٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ مِنْ حَالِهِ ﷺ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْخِضَابَ شَاهَدُوا الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ ثُمَّ لَمَّا وَرَّاهُنَّ الدُّهْنُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ظَنُّوا أَنَّهُ خَضَبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْضِبْ وَلَمْ يَبْلُغْ شَيْبُهُ إِلَى الْخِضَابِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَأَمَّا أَنْ يُحْكَمَ بِشُذُوذِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ رِوَايَةَ حُمَيْدٍ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَهُوَ مُدَلِّسٌ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ
سَمِعَهُ مِنْ ثَابِتٍ فَدَلَّسَهُ. وَمَعَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَثَابِتٍ وَقَتَادَةَ، وَأَحَادِيثُهُمْ عَنْ أَنَسٍ فِي نَفْيِ الْخِضَابِ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ وَاحِدٌ وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلِذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَقِيبَهُ عَنْ حَمَّادٍ رَاوِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَنَسٍ مَخْضُوبًا. إِشَارَةً إِلَى شُذُوذِ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي رِجَالِ مَالِكٍ، وَفِي غَرَائِبِ مَالِكٍ لَهُ أَيْضًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ شَعَرَاتِهِ الْمُطَهَّرَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةِ زَوْجِ أُمِّ أَنَسٍ أَوْ عِنْدَ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَخَضَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ أَوْ أُمُّهُ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ أَنَسٍ فَرَآهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عِنْدَهُ، أَوْ يُحْمَلُ رِوَايَةُ أَنَسٍ " كَانَ شَعْرُهُ مَخْضُوبًا "، عَلَى أَنَّهُ رَآهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ. فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ لَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ حُسْنِهِ ﷺ ، هَذَا وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ إِنْكَارَ أَنَسٍ أَنَّهُ خَضَبَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَافَقَ مَالِكٌ أَنَسًا فِي إِنْكَارِ الْخِضَابِ وَتَأَوَّلَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﷺ خَضَبَ فِي وَقْتٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ وَلَا تَأْوِيلُهُ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ مَا رَأَى وَهُوَ صَادِقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ مِيرَكُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ سَلَفًا وَخَلَفًا فِي أَنَّهُ هَلِ الْخِضَابُ أَحَبُّ أَمْ تَرْكُهُ أَوْلَى؟ فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى الْأَوَّلِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: " إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ ". أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَبِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا أَوْ صَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ; وَلِهَذَا خَضَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْخِضَابِ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: " مَنْ شَابَ شَيْبَةً فَهِيَ لَهُ نُورٌ إِلَّا أَنْ يَنْتِفَهَا أَوْ يَخْضِبَهَا ". هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَيْضًا وَقَالَ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ تَغَيُّرَ الشَّيْبِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَخْضِبْ عَلِيٌّ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَجَمْعٌ جَمٌّ
стр. 102
مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ. وَجَمَعَ الطَّبَرِيُّ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَةِ عَلَى الْخَضْبِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَةِ عَلَى خِلَافِهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِمَنْ يَكُونُ شَيْبُهُ مُسْتَبْشَعًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْخِضَابُ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنَّ الْخِضَابَ مُطْلَقًا أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَفِيهِ صِيَانَةٌ لِلشَّعْرِ عَنْ تَعَلُّلِ الْغُبَارِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ تَرْكُ الصَّبْغِ فَالتَّرْكُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى، انْتَهَى. وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِاسْتِحْبَابِ الْخِضَابِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ الْخَضْبُ بِالسَّوَادِ وَالْأَفْضَلُ الْخِضَابُ بِالْحُمْرَةِ أَوِ الصُّفْرَةِ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ، وَجَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَادِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ، وَاسْتَحَبُّوا الْخِضَابَ بِالْحُمْرَةِ أَوِ الصُّفْرَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضْعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَرَأَسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا إِلَى آخِرِهِ. وَزَادَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ: فَذَهَبُوا بِهِ وَحَمَّرُوهُ. وَالثُّغَامَةُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ نَبَاتٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ زَهْرُهُ وَثَمَرُهُ. وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ: " إِنْ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ ". أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّبْغَ بِهِمَا يَخْرُجُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ.
وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ: " مَا أَحْسَنَ هَذَا " قَالَ فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ: " هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا: يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.
وَلِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: " مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَأَجَازَهُ لَهَا دُونَ الرَّجُلِ وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ، وَأَمَّا خَضْبُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيُحَرَّمُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ إِلَّا لِلتَّدَاوِي.
هَذَا وَأَوَّلُ مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ. ثُمَّ إِنَّ نَتْفَ الشَّيْبِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: " لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ ". رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ نَتْفَ الرَّجُلِ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّزْيِينِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنِ النَّتْفِ دُونَ الْخَضْبِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرُ الْخِلْقَةِ مِنْ أَصْلِهَا بِخِلَافِ الْخَضْبِ فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْخِلْقَةَ عَلَى النَّاظِرِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ لِلصَّوَابِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي كُحْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
الْكَحْلُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْتِعْمَالِ الْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلَّذِي يُكْتَحَلُ بِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْمَسْمُوعُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ الضَّمُّ وَإِنْ كَانَ لِلْفَتْحِ وَجْهٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى إِذْ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ التَّصْرِيحُ بِمَا يُكْتَحَلُ بِهِ إِلَّا فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ اكْتِحَالِهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (الرَّازِّيُّ) : وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَوَى عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى اخْتُلِفَ فِيهِ، وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يَقُولُ: حَسَنُ
الرَّأْيِ. وَقِيلَ حَافِظٌ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى الطَّيَالِسَةِ وَهِيَ جَمْعُ الطَّيْلَسَانِ. (عَنْ عَبَّادِ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ. (بْنِ مَنْصُورٍ) : وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي بِهَا، صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ وَتَغَيَّرَ بِآخِرِهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي صِحَاحِهِمْ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ. (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ) :
стр. 103
أَيْ دُومُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَمِيمٍ مَكْسُورَةٍ، حَجَرٌ يُكْتَحَلُ بِهِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ الْحَجَرُ الْمَعْدِنِيُّ، وَقِيلَ هُوَ الْكُحْلُ الْأَصْفَهَانِيُّ، يُنَشِّفُ الدَّمْعَةَ وَالْقُرُوحَ وَيَحْفَظُ صِحَّةَ الْعَيْنِ وَيُقَوِّي عِصَابَتِهَا لَا سِيَّمَا لِلشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ.
وَفِي تَاجِ الْأَسَامِي: الْإِثْمِدُ تُوتْيَا، وَفِي رِوَايَةٍ «بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ» ، وَهُوَ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ الْمِسْكُ الْخَالِصُ كَذَا قَالَ الدَّمِيرِيُّ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ. وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِثْمِدٌ يَكْتَحِلُ بِهِ عِنْدَ مَنَامِهِ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثًا. (فَإِنَّهُ) : أَيِ الْإِثْمِدَ أَوِ الِاكْتِحَالَ. (يَجْلُو الْبَصَرَ) : مِنَ الْجِلَاءِ، أَيْ يُحَسِّنُ الْعَيْنَ لِدَفْعِهِ الْمَوَادَّ الرَّدِيئَةَ النَّازِلَةَ إِلَيْهَا مِنَ الرَّأْسِ. (وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ) : مِنَ الْإِنْبَاتِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالشَّعَرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الرِّوَايَةِ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مُرَاعَاةُ الْبَصَرِ، ثُمَّ الْمُرَادُ شَعُرُ أَهْدَابِ الْعَيْنِ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى أَشْفَارِهَا. وَعِنْدَ أَبِي عَاصِمٍ وَالطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشَّعْرِ، مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى، مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ» . (وَزَعَمَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَيُصَرِّحُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْآتِيَةُ، وَهُوَ أَقْرَبُ وَبِالِاسْتِدْلَالِ أَنْسَبُ. وَقِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «فَزَعَمَ» بِالْفَاءِ، وَالزَّعْمُ قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُشَكُّ فِيهِ قَالَ تَعَالَى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَفِي الْحَدِيثِ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا» فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنَ السِّيَاقِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَوْلُ الْمُحَقَّقُ كَقَوْلِ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ أَخِيهَا عَلِيٍّ ﵄ لِلنَّبِيِّ ﷺ : زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِاثْنَيْنِ مِنْ أَصْهَارِهَا أَجَارَتْهُمَا. وَإِنْ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَلَى مَا جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فَالزَّعْمُ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ إِشَارَةً إِلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ بِإِسْقَاطِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَائِلُ ابْنَ عَبَّاسٍ لَقِيلَ: وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ . وَلَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ زَعَمَ فَائِدَةٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ أَتَى لِطُولِ الْفَصْلِ كَمَا يَقَعُ إِعَادَةُ قَالَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْأَوَّلَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَالثَّانِي مَوْقُوفٌ وَالْأَوَّلُ قَوْلِيٌّ وَالثَّانِي فِعْلِيٌّ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ: وَالْأَوْجَهُ نِسْبَةُ الزَّعْمِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ
نِسْبَةُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي إِلَى يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي حَدِيثِهِ. أَيْ حَدِيثِهِ الَّذِي يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا أَنَّهُ فِي حَدِيثِ نَفْسِهِ، وَالْمَقْصُودُ الْمُغَايَرَةُ اللَّفْظِيَّةِ بَيْنَ الرُّوَاةِ فِي الْأَسَانِيدِ الْمُخْتَلِفَةِ هَذَا. وَلَمَّا كَانَ زَعَمَ يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا بِمَعْنَى ظَنَّ وَرَدَ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ: (كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ، اسْمُ آلَةِ الْكُحْلِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا مَا فِي الْكُحْلِ. (يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ) : بِالنَّصْبِّ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ - كَمَا سَيَأْتِي - وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ أَبْقَى لِلْعَيْنِ وَأَمْكَنُ فِي السِّرَايَةِ إِلَى طَبَقَاتِهَا. (ثَلَاثَةً) : أَيْ مُتَوَالِيَةً. (فِي هَذِهِ) : أَيِ الْيُمْنَى. (وَثَلَاثَةً) : أَيْ مُتَتَابِعَةً. (فِي هَذِهِ) : أَيِ الْيُسْرَى، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ عَيْنُ الرَّاوِي بِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «
стр. 104
مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي الْإِيتَارِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكْتَحِلَ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثًا كَمَا فِي أَحَادِيثَ الْبَابِ لِيَكُونَ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَتَحَقَّقُ الْإِيتَارُ، وَالثَّانِي أَنْ يَكْتَحِلَ فِيهِمَا خَمْسَةً ثَلَاثَةً فِي الْيُمْنَى وَاثْنَيْنِ فِي الْيُسْرَى عَلَى مَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ بِالْيَمِينِ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الْيَسَارِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ، وَجَوَّزَ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَوَاحِدَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا مُتَعَاقِبَةً وَفِي الْيُسْرَى ثِنْتَيْنِ فَيَكُونُ الْوِتْرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَأَرْجَحُهَا الْأَوَّلُ لِحُصُولِ الْوِتْرِ شَفْعًا مَعَ أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ أَنْ يُكْتَحَلَ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَاحِدَةً ثَمَّ وَثَمَّ وَيَئُولُ أَمْرَهُ إِلَى الْوِتْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُضْوَيْنِ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) : حَدِيثُهُ بِصِيغَةِ النِّسْبَةِ مِنَ الصُّبْحِ. (الْهَاشِمِيُّ الْبَصْرِيُّ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتُكْسَرُ، أَخْرَجَ
الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ. (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) : بِالتَّصْغِيرِ. (بْنُ مُوسَى) : أَيِ الْعَبْسِيُّ مَوْلَاهُمْ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) : أَيِ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، ثِقَةٌ، تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ. (عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ) : كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا وَبَعْضِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ. (ح) : وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحْوِيلِ مِنَ السَّنَدِ الَّذِي ذُكِرَ إِلَى سَنَدٍ آخَرَ فَيُنْطَقُ بِهَا حَاءٌ مَمْدُودَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مَقْصُورًا، فَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ حَالَةَ الْوَقْفِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَوْ عَلَامَةُ صَحَّ ; لِيُعْلَمَ أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَصِلْ إِلَى مُنْتَهَاهُ وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْإِسْنَادِ سَقَطَ وَلِئَلَّا يُرَكَّبَ الْإِسْنَادُ الثَّانِي عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ إِسْنَادًا وَاحِدًا أَوِ اخْتِصَارًا مِنْ قَوْلِهِمُ الْحَدِيثُ يَعْنُونَ إِلَى آخِرِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْمُعَظَّمِينَ، شَيْخُ الْقُرَّاءِ وَالْمُحَدِّثَيْنِ، مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَزَرِيُّ ﵀ فِي الْبِدَايَةِ: إِذَا كَانَ لِلْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ أَوْ أَكْثَرُ كَتَبُوا. (ح) عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ ; إِشَارَةً إِلَى التَّحْوِيلِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ فَيَتَلَفَّظُ بِهَا الْمُحَدِّثُ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا فَيَقُولُ حَاءٌ وَيَمُدُّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ هِيَ مِنَ الْحَيْلُولَةِ لِأَنَّهُ يُحَوِّلُ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ وَلَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ فَلَا يُتَلَفَّظُ بِشَيْءٍ مَكَانِهَا، وَقِيلَ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِنَا: الْحَدِيثُ فَلِذَلِكَ يَقُولُهُ الْمَغَارِبَةُ مَكَانَهَا. وَكَتَبَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْحُفَّاظِ مَكَانَهَا صَحَّ، وَهَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّهَا رَمْزُهَا وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا خَاءً مُعْجَمَةً وَيَتَلَفَّظُ بِهَا كَذَلِكَ، يُرِيدُ أَنَّهُ إِسْنَادٌ آخَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ الْوَاسِطَةَ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُصَنِّفِ وَبَيْنَ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ اثْنَانِ، وَفِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي ثَلَاثٌ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَبْلَهُ نَازِلٌ بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ، لَكِنَّ شَيْخَهُ الْأَوَّلَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فَيَكُونُ الثَّانِي أَعْلَى مِنَ الْأَوَّلِ عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا - أَعْنِي بِاعْتِبَارِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ - فَلَا يَضُرُّهُ كَثْرَةُ الْعَدَدِ، وَبِمُلَاحَظَةِ النُّزُولِ الْمَذْكُورِ تَحَوَّلَ مِنْ سَنَدِ ابْنِ الصَّبَّاحِ إِلَى سَنَدِ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ فَإِنَّ الْوَاسِطَةَ فِيهِ بَيْنَ عَبَّادٍ وَبَيْنَهُ اثْنَانِ. (وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ «وَحَدَّثَنَا» ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: «قَالَ وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ» بِزِيَادَةِ «قَالَ» وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْوَاقِعُ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا، وَالضَّمِيرُ فِيهِ إِلَى الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّهُ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ.
(حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «قَالَ أَخْبَرَنَا» . (عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) : أَيْ عِنْدِ النَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي. (بِالْإِثْمِدِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي حَدِيثِهِ) : أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (
стр. 105
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ نَظَرًا إِلَى «قَالَ» ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا نَظَرًا إِلَى حَدِيثِهِ وَرِوَايَتِهِ. (كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ) قِيلَ: حَتَّى فِي السَّفَرِ. قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ إِلَى آخِرِهِ، هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ وَلَا مُرْسَلٍ كَمَا تَوَهَّمَ، وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ بَيْنَ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ
وَرِوَايَةِ يَزِيدَ، يَعْنِي رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ وَرَوَاهُ يَزِيدُ بِهَذَا اللَّفْظِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبَّادِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْجَامِعِ طَرِيقَ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْعِصَامِ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ) : أَيِ الْكَلَاعِيُّ، شَامِيٌّ، ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) : أَيِ ابْنِ يَسَارٍ، إِمَامُ أَهْلِ الْمَغَازِي، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (عَنْ جَابِرٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ» ) : وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذُوهُ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: «اكْتَحِلُوا بِهِ» . (عِنْدَ النَّوْمِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ إِجْمَاعًا. (فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ) : وَتَعْلِيلُهُ بِالْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَمْرِ لِلسُّنِّيَّةِ لَاسِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَتْ مُوَاظَبَتُهُ الْفِعْلِيَّةُ وَتَرْغِيبَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ، وَتِلْكَ الْمَنَافِعُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ كَمَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ وَتَوَجُّهِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنَافِعِ الْبَصَرِ حَتَّى فَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى السَّمْعِ، مَتَّعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ غَالِبُ مَا يَأْمُرُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، نَبَّهْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ مِنْهَا بَلْ لِمَصْلَحَةِ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ، وَأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الِائْتِمَارِ بِهِ عَلَى تَفَاوُتِ حَاجَتِهِمْ. لَكِنَّ هَذِهِ النُّكْتَةَ تُنَافِي مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الِاكْتِحَالَ سُنَّةٌ وَالْإِيتَارُ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ لِنَفْعِ الْبَدَنِ كَوْنُهُ سُنَّةً أَوْ فَرْضًا، انْتَهَى. وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا وَالْأَمْرَ بِالسُّحُورِ سُنَّةٌ مَعَ أَنَّ نَفْعَهُ رَاجِعٌ إِلَى الْبَدَنِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَوِ امْتَنَعَ الْمُضْطَرُّ أَوِ الْمُرْتَاضُ عَنِ الْأَكْلِ بَلْ عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا مَاتَ عَاصِيًا. وَاتَّفَقُوا عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِ التُّرَابِ وَالطِّينِ وَنَحْوِهِمَا لِأَجْلِ ضَرَرِ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْخَمْرُ لِضَرَرِ الْعَقْلِ، فَتَعَقَّلْ وَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ وَجْهُ الْخَلَلِ فَتَجْتَنِبَ دُخُولَ الْوَحْلِ وَتَتَخَلَّصَ مِنَ الْخَطَلِ، نَعَمْ، فِي التَّعْلِيلِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُكْتَحِلَ إِذَا أَرَادَ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ بِالِاكْتِحَالِ الْمُعَالَجَةَ وَالدَّوَاءَ لَا مُجَرَّدَ الزِّينَةَ كَالنِّسَاءِ، وَلِذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ إِلَى كَرَاهَةِ الِاكْتِحَالِ لِلرِّجَالِ مُطْلَقًا إِلَّا لِلتَّدَاوِي، وَاللَّهُ هُوَ الْهَادِي.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) : أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ
وَبَقِيَّةُ السِّتَّةِ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) : أَيِ الْأَسَدِيِّ، مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيِّ،
стр. 106
ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيهٌ، رِوَايَتُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى مُرْسَلَةٌ، قُتِلَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، بَلْ قِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِثْمِدَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنَ الْكُحْلِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَيْرُ أَكْحَالِكُمْ لِحِفْظِ صِحَّةِ الْعَيْنِ لَا فِي مَرَضِهَا لِأَنَّ الِاكْتِحَالَ لَا يُوَافِقُ الرَّمَدَ. (يَجْلُو الْبَصَرَ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ) .
(حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ. (الْبَصْرِيُّ) : صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (عَنْ سَالِمٍ) : أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، مِنَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ» ) : اعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مُكَرَّرًا بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ تَقْوِيَةُ أَصْلِ الْخَبَرِ وَتَأْكِيدُ مَضْمُونِهِ، فَإِنَّ عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا، وَكَانَ يُدَلِّسُ، وَرُمِيَ بِالْقَدَرِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
اللِّبَاسُ بِالْكَسْرِ مَا يُلْبَسُ. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «حَدَّثَنَا» . (مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ) : مَرَّ قَرِيبًا. (أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) : أَيْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (وَأَبُو تُمَيْلَةَ) : بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ مُصَغَّرًا، يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ الْمَرْوَزِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، مَوْلَاهُمْ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (وَيَزِيدُ بْنُ حُبَابٍ) :
стр. 107
بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ) : أَيِ الْحَنَفِيِّ الْمَرْوَزِيِّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) : سَبَقَ تَرْجَمَتَهُ فِي بَابِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ. (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : أَيْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. (قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ) : بِالرَّفْعِ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ لِأَجْلِ لُبْسِهِ وَلُبْسِ غَيْرِهِ. (الْقَمِيصَ) : بِالنَّصْبِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ، وَإِلَّا لَقَالَتْ: كَانَ الْقَمِيصُ أَحَبَّ الثِّيَابِ. قَالَ مِيرَكُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الْقَمِيصُ» مَرْفُوعًا بِالِاسْمِيَّةِ وَ «أَحَبُّ» مَنْصُوبًا بِالْخَبَرِيَّةِ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَعْيِينُ الْأَحَبِّ فَالْقَمِيصُ خَبَرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانُ حَالِ الْقَمِيصِ عِنْدَهُ ﷺ فَهُوَ اسْمُهُ. وَرَجَّحَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّ «أَحَبَّ» وَصَفٌ فَهُوَ أَوْلَى بِكَوْنِهِ حُكْمًا. وَأَمَّا تَرْجِيحُهُ بِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالْبَابِ لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ لِإِثْبَاتِ أَحْوَالِ اللِّبَاسِ فَجَعْلُ الْقَمِيصِ مَوْضُوعًا وَإِثْبَاتُ الْحَالِ لَهُ أَنْسَبُ مِنَ الْعَكْسِ، فَلَيْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمْ تَذْكُرِ الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ الْمُنْعَقِدِ لِلِّبَاسِ. ثُمَّ الثِّيَابُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ جَمْعُ ثَوْبٍ، وَهُوَ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْخَزِّ وَالْقَزِّ وَأَمَّا السُّتُورُ فَلَيْسَتْ مِنَ الثِّيَابِ، انْتَهَى. وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَسْتُرُ بِهِ الشَّخْصُ نَفْسَهَ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالْقَمِيصُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: ثَوْبٌ مَخِيطٌ بِكُمَّيْنِ غَيْرُ مُفَرَّجٍ يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَمِيصُ مَعْلُومٌ وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَلَا يَكُونُ مِنَ الْقُطْنِ وَأَمَّا الصُّوفُ فَلَا، انْتَهَى. وَكَانَ حَصَرُهُ الْمَذْكُورُ لِلْغَالِبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْقُطْنِ مُرَادًا
فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ الصُّوفَ يُؤْذِي الْبَدَنَ وَيَدِرُّ الْعَرَقَ وَرَائِحَتُهُ يُتَأَذَّى بِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الدِّمْيَاطِيُّ: كَانَ قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُطْنًا، قَصِيرُ الطُّولِ وَالْكُمَّيْنِ. قِيلَ: وَوَجْهُ أَحَبِّيَةِ الْقَمِيصِ إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْأَعْضَاءِ مِنَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ، وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ مُؤْنَةً وَأَخَفُّ عَلَى الْبَدَنِ، وَلَابِسُهُ أَكْثَرُ تَوَاضُعًا.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ. (حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ) : الْمَتْنُ وَاحِدٌ وَالْإِسْنَادُ مُتَعَدِّدٌ فَذِكْرُهُ لِلْحُكْمِ مُؤَكِّدٌ.
(حَدَّثَنَا زِيَادُ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ. (بْنُ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَدَالٌّ مُهْمَلَةٌ مُعْجَمَةٌ، هُوَ الْأَصَحُّ مِنَ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنَ الْأَشْهَرِ فِيهِ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ فَخِلَافُ مَا حَقَّقَهُ شُرَّاحُ الشَّاطِبِيَّةِ، وَقِيلَ: رِوَايَةُ الْكِتَابِ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي السُّنَّةِ الْعَامَّةِ. وَهُوَ أَبُو هَاشِمٍ، طُوسِيُّ الْأَصْلِ، مُلَقَّبٌ بِدَلَّوَيْهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أُمِّهِ) : وَهِيَ لَمْ تُسَمَّ فَغَايَرَ هَذَا
стр. 108
الْإِسْنَادُ الْإِسْنَادَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعَ مُغَايَرَةِ بَعْضِ رِجَالِ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وُجِدَ فِي الْأَخِيرِ " يَلْبَسُهُ " وَزِيدَ فِيهِ " عَنْ أُمِّهِ "، فَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ " عَنْ أُمِّهِ " مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِي الْإِسْنَادِ الْأَخِيرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي زِيَادَةِ يَلْبَسُهُ فِي مَتْنِهِ. (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : قِيلَ اسْمُهَا هِنْدٌ. (قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ بِثَلَاثَةِ أَسَانِيدَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ جُمْلَةُ " يَلْبَسُهُ قَبْلَ الْقَمِيصِ " وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ عَنْ " أَحَبُّ الثِّيَابِ " وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الثَّوْبِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَا لِأَجْلِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ، فِإنَّهُ كَانَ يُحِبُّهُ لِلُبْسِهِ لَا لِنَحْوِ إِهْدَائِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ لُبْسًا، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي أَنَّ " الْحِبَرَةِ كَانَتْ أَحَبُّ إِلَيْهِ " فَبِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الثِّيَابِ الْمَخِيطَةِ وَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) : أَيْ أَبُو عِيسَى الْمُؤَلِّفُ: وَحُذِفَ لِظُهُورِهِ وَدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي نُسْخَةٍ " قَالَ أَبُو عِيسَى "، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النُّسَّاخِ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّ وَلَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ " قَالَ " قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ مَرَّةً يَنْقُصُونَ وَأُخْرَى يَزِيدُونَ، وَالْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ. ثُمَّ الْمَقُولُ (هَكَذَا) : أَيْ بِزِيَادَةِ " عَنْ أُمِّهِ " فِي السَّنَدِ فَالْإِشَارَةُ إِلَى السَّابِقِ أَوِ اللَّاحِقِ. (قَالَ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ) : وَمَا أَحْسَنَ خُصُوصِيَّةَ زِيَادٍ بِالزِّيَادَةِ فِي الْإِسْنَادِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ: رَوَى عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أُمِّهِ، وَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْهُ وَذَكَرَ عَنْ أُمِّهِ. (فِي حَدِيثِهِ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ " قَالَ "، قَالَ الْعِصَامُ: ذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الْإِسْنَادِ مِنْ قَوْلِهِ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : وَلَمْ يَكْتَفِ بِتَحْدِيثِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ هَكَذَا إِلَى آخِرِهِ
دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ زِيَادَةَ " عَنْ أُمِّهِ " مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ سَقَطَ عَنْ إِسْنَادِ زِيَادٍ، فَدَفَعَ نُقْصَانَ الْإِسْنَادِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمَعْلُومَةِ لَهُ مِنْ تَحْقِيقِ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِطَرِيقِ عَطْفِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّ صِفَةَ اسْمِ الْإِشَارَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ " هَكَذَا " إِشَارَةٌ إِلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ بِالْمَعْنَى لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ " زِيَادٍ ". وَقَوْلُهُ (وَهَكَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. (رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ) : قَالَ مِيرَكُ: أَيْ مِنْ مَشَايِخِي مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ. (عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ) : وَالْمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: قَوْلُهُ: وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ إِلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَيْرُ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ رَوَوْا أَيْضًا عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ زِيَادٍ عَنْهُ. وَقَالَ الْعِصَامُ: وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: هَكَذَا، فَقَالَ: عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ إِلَى آخِرِهِ ; لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ أَبِي تُمَيْلَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ أَبَا تُمَيْلَةَ يُرَجِّحُ زِيَادَةَ " عَنْ أُمِّهِ " فَقَالَ: (وَأَبُو تُمَيْلَةَ هَذَا يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) : أَيْ فِي ذِكْرِهِ. (عَنْ أُمِّهِ وَهُوَ أَصَحُّ) : يَعْنِي تَعَقَّبَ قَوْلَهُ " عَنْ أُمِّهِ " بِقَوْلِهِ " وَهُوَ أَصَحُّ "، فَمَقُولُ يَزِيدَ قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنَّمَا زَادَ قَوْلَهُ " عَنْ أُمِّهِ " تَعْيِينًا لِمَوْقِعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ وَجَعَلَ الْمَزِيدَ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ " عَنْ أُمِّهِ " رَأَى قَوْلَهُ " وَأَبُو تُمَيْلَةَ " يَزِيدُ إِلَى آخِرِهِ زِيَادَةً لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ تَأْكِيدُ مَا سَبَقَ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: وَهُوَ أَصَحُّ، قَوْلَ أَبِي عِيسَى دُونَ أَبِي تُمَيْلَةَ، فَقَدْ أَوْضَحْتُ لَكَ الْمَرَامَ، وَقَدْ كَانَ فِي غَايَةِ الْإِبْهَامِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: قَوْلُهُ " وَأَبُو تُمَيْلَةَ إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرِ أَبِي تُمَيْلَةَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِثْلِ: الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى بِطَرِيقَيْهِ، وَزَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، بِطَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الرَّازِيِّ لَا يَزِيدُونَ " عَنْ أُمِّهِ "، وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَزِدْ مِنْ بَيْنِ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَّا أَبُو تُمَيْلَةَ، وَلَمْ يَزِدْ مِنْ بَيْنِ رُوَاةِ أَبِي تُمَيْلَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، وَزَادَ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةُ " أُمُّهِ " أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْقَاطِهَا، وَفِي شَرْحِ مِيرَكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ أَيْ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ، تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ مَرْوَزِيٌّ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِيهِ أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ أُمِّهِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَصَحُّ. وَإِنَّمَا حُكِمَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مُطْلَقًا أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُصُوصِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ أَبَا تُمَيْلَةَ أَوْثَقُ وَأَحْفَظُ مِنْ رَفِيقَيْهِ وَهُمَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ قَدَّمَ أَبَا تُمَيْلَةَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، وَقَالَ: رَوَى الْفَضْلُ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ صَدُوقٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ. وَأَمَّا أَبُو
стр. 109
تُمَيْلَةَ فَثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْأُولَى، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ فَقَطْ. (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (حَدَّثَنِي أَبِي) : أَيْ هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ أَيْ هِشَامٌ. . .
(عَنْ بُدَيْلٍ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ دَالٍّ مُهْمَلَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ. (يَعْنِي ابْنَ صُلَيْبٍ) : بِضَمِّ صَادٍ وَفَتْحِ لَامٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ الْعِصَامُ: فَسَّرَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ هُوَ ابْنُ مَيْسَرَةَ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا فِي الشَّرْحِ، انْتَهَى. قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ، وَفِي بَعْضِهَا بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ كَالْمِزِّيِّ وَالذَّهَبِيِّ وَالْعَسْقَلَانِيِّ. (الْعَقِيلِيَّ) : بِالتَّصْغِيرِ مَنْصُوبًا. (عَنْ شَهْرِ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ. (بْنِ حَوْشَبٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، صَدُوقٌ، كَثِيرُ الْإِرْسَالِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْخَمْسَةُ فِي صِحَاحِهِمْ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَثَّقَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. (عَنْ أَسْمَاءَ) : صَحَابِيَّةٌ لَهَا أَحَادِيثُ. (بِنْتُ يَزِيدَ) : أَيِ الْأَنْصَارِيِّ. (قَالَتْ: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، رُدْنُهُ وَاصِلَةٌ (إِلَى الرُّسْغِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالصَّادِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالْمُصَنِّفِ، وَبِالسِّينِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي جَامِعِهِ، وَإِلَّا فَنُسَخُ الشَّمَائِلِ بِالسِّينِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَالصَّادُ بَدَلَ السِّينِ لُغَةٌ فِيهِ، وَهُوَ مَفْصِلُ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ وَيُسَمِّي الْكُوعُ، انْتَهَى. مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ فِي حَاشِيَةِ كِتَابِهِ، كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا وَقَعَ
стр. 110
فِي الْمَصَابِيحِ قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادُ لُغَةٌ فِيهِ. وَوَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ: الطِّيبِيُّ هَكَذَا هُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ بِالسِّينِ، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ، وَفِي الْقَامُوسِ: الرُّسْغُ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: بِالضَّمِّ الرُّسْغُ. قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ كُمُّ الْقَمِيصِ الرُّسْغَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَمِيصِ فَقَالُوا السُّنَّةُ فِيهِ لَا يَتَجَاوَزُ رُءُوسَ الْأَصَابِعِ مِنْ جُبَّةٍ وَغَيْرِهَا، انْتَهَى. وَنُقِلَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّ أَبَا الشَّيْخِ ابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: كَانَ يَدُ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْفَلَ مِنَ الرُّسْغِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ قَمِيصًا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوَى الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ حِبَّانَ فَإِنْ
كَانَ لَفْظُ الْخَبَرِ كَمَا ذَكَرَ فَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَجَاوَزَ بِكُمِّ الْقَمِيصِ إِلَى رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنِ حَدِيثِ الْبَابِ إِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَمِيصِ أَوْ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الْكِتَابِ عَلَى التَّقْرِيبِ وَالتَّخْمِينِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْعِصَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْكُمِّ فَعَقِيبَ غَسْلِ الْكُمِّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَثَنٍّ فَيَكُونُ أَطْوَلَ وَإِذَا بَعُدَ عَنِ الْغَسْلِ وَوَقَعَ فِيهِ التَّثَنِّي كَانَ أَقْصَرَ، انْتَهَى. وَبُعْدُهُ لَا يُخْفِي.
(حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ. (الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ. (أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَمَرَّ ذِكْرُهُ. (أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ) : كَزُبَيْرٍ. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُشَيْرٍ) : بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، مَرَّ مِرَارًا، وَفِي نُسْخَةِ «قُتَيْبَةَ» وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ. (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) : بِضَمِّ قَافٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ) : بِسُكُونِ الْهَاءِ، أَيْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَفِي الْقَامُوسِ بِالسُّكُونِ وَيُحَرَّكُ: قَوْمُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ، أَوْ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: وَقِيلَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ. وَلَا يُنَافِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَسْلَمُوا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُمْ رَهْطًا رَهْطًا، أَوْ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الْقَوْمِ كَمَا قَدَّمَهُ الْقَامُوسُ، وَفِي يَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ) . (مِنْ مُزَيْنَةَ) : بِضَمِّ مِيمٍ وَفَتْحِ زَايٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ، قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ مُضِرَ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِرَهْطٍ. (لِنُبَايِعُهُ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَتَيْتُ. (وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ) : أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزِرٍّ، قَالَ مِيرَكُ: أَيْ غَيْرُ مَشْدُودِ الْأَزْرَارِ. الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ غَيْرُ مَزْرُورٍ، انْتَهَى. وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. (أَوْ قَالَ زِرُّ قَمِيصِهِ) : بِالْإِضَافَةِ. (مُطْلَقٌ) : بِلَا لَامٍ، أَيْ غَيْرُ مَرْبُوطٍ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: الشَّكُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْعِصَامُ وَقَالَ: الشَّكُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ فَقَدِ ارْتَابَ وَالصُّبْحُ يُسْفِرُ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجْرٍ وَرَدَّهُمَا مِيرَكُ بِقَوْلِهِ: الشَّكُّ مِنْ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَشُكَّ، بَلْ قَالَ: إِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ وَالْحَسَنِ بْنِ مُوسَى جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِغَيْرِ شَكٍّ أَيْضًا، فَوَهِمَ مَنْ قَالَ الشَّكُّ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، زَادَ هُوَ وَابْنُ سَعْدٍ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ
وَلَا أَبَاهِ إِلَّا مُطْلَقِي الْأَزْرَارِ فِي شِتَاءٍ وَلَا خَرِيفٍ وَلَا يَزِرَّانِ أَزْرَارَهُمَا. وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ، بِغَيْرِ شَكٍّ أَيْضًا، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ. قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: كَذَا وَقَعَ فِي أُصُولِنَا، وَرِوَايَاتِنَا الْإِزَارُ بِغَيْرِ رَاءٍ بَعْدَ زَايٍ، وَهُوَ جَمْعُ الْإِزَارِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الثَّوْبُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَوْ أَكْثَرِهَا الْأَزْرَارُ جَمْعُ زِرٍّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَشَدِّ الرَّاءِ وَهُوَ خَزِيرَةُ الْجَيْبِ، وَبِهِ شَرَحَ شُرَّاحُهُ: وَجَيْبُ الْقَمِيصِ طَوْقُهُ الَّذِي يَخْرُجُ الرَّأْسُ مِنْهُ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَجْعَلُوهُ وَاسِعًا وَلَا يَزِرُّونَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَزْرَارَ لَا غَيْرَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ، انْتَهَى. أَقُولُ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى:
следующие страницы →