← Гариб и словари

Гариб и словари · id 2573

كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

محمد أعلى التهانوي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[الجزء الاول] المحتويات شكر وتقديم التّقديم كشاف اصطلاحات الفنون: البسملة ١ المقدّمة ٣ موسوعة المصطلحات ٧١ حرف الألف ٧١ حرف الباء ٣٠٥ حرف التاء ٣٦٠ حرف الثاء ٥٣٦ حرف الجيم ٥٤٤ حرف الجيم الفارسية ٦٠٧ حرف الحاء ٦٠٨ حرف الخاء ٧٢٩ حرف الدال ٧٧٣ حرف الذال ٨١٦ حرف الراء ٨٣٨ حرف الزاي ٩٠٢ حرف السين ٩٢٠ حرف الشين ١٠٠٠ حرف الصاد ١٠٥٣

стр. 2

حرف الضاد ١١٠٨ حرف الطاء ١١٢٣ حرف الظاء ١١٤٤ حرف العين ١٢٥٦ حرف الغين ١٢٤٥ حرف الفاء ١٢٦٠ حرف القاف ١٢٩٥ حرف الكاف ١٣٧٥ حرف الكاف الفارسيّة ١٣٩٨ حرف اللام ١٣٩٩ حرف الميم ١٤١٩ حرف النون ١٦٧٩ حرف الهاء ١٧٣٦ حرف الواو ١٧٥٠ حرف الياء ١٨١١ فهرس الفرق والاعلام والقبائل ١٨١٩ فهرس الكتب ١٨٤٥ فهرس المصطلحات ١٨٦٧ ١٩٥٧ Index Francais ٢٠٤٥ English INDEX

стр. 3

شكر وتقدير إنّ هذا العمل الذي تركه التهانوي عزّ نظيره وقلّ مثيله. وقد جاء دسما غنيا وشرحا وفيا، فغزرت مادة نصوصه وتداخلت، وتوشّت بأعلام وكتب وغيرها مما ذكرنا. وترتبت جميعها على نظم قديم معقّد. فآلينا على أنفسنا تحويل كل ذلك إلى سهل مبسط، والتعريف بكل معقد ووارد تعريفا مقتضبا مع إجزال في ذكر المراجع والمصادر ليعود إليها القارئ ما شاء استزادة وتفصيلا. ولعلّ كل هذا يحتاج إلى فرق من الباحثين وليس إلى فريق واحد: فقضي الأمر على هذا الشكل بعون الله، وأنجز العمل بعامين. وإنّ الفضل يعود إلى الكثيرين ممن ساعد مباشرة أو غير مباشرة، لهم مني ومن فريق العمل الرئيسي كل شكر وتقدير، وأخص بالذكر: - الأستاذ خليل حبيب الصائغ، الذي تبنّى المشروع بروحه العلمية النافذة، وخبرته العملية الصائبة، ومقداميّته الوثّابة، في وقت قلّت فيه رعاية العلم وتبنّي مشروعاته، وفي فترة كان الوطن يقوم فيها من بين الأنقاض. - المعهد العالي للدراسات الاسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، ففي رحابه رعينا هذا الرهط من تلامذتنا الباحثين الذي يعدّون رسائل ماجستير فاخترنا منهم جمعا من المساعدين الباحثين باتفاقات خاصة. ومن مكتبته استقينا العلم واغترفنا، هذه المكتبة المتخصّصة في العلوم العربية والاسلامية. - مكتبة يافث في الجامعة الأميركية التي تختزن زادا علميا وفيرا. ومكتبة كلية الامام الأوزاعي التي تقتني نوادر فهارس مخطوطات الهند. - جماعة المساعدين الباحثين المدقّقين وهم: الدكتور بسام عبد الحميد، الشيخ علي البقاعي. والباحثات: عاصمة رمضان وسلمى زيني وعناية عبد الله وأمينة الحلبي وإلى ولديّ محمد وماهر، وبهم جميعا تمثّلت الجدية والأمانة والدقة. وأخيرا أنوّه بزملائي وأشكرهم: د. علي دحروج والشيخ د. عبد الله الخالدي ود. جورج زيناتي، فقد كنا جميعا كلا واحدا وآلية واحدة متعاضدة متناغمة في أثناء العمل، ولولا ذلك وعون الله لما تحقّق كل ذلك. رفيق العجم

стр. 4

التّقديم نستصبح ما عزمنا عليه من عناية في المصطلح بتحقيق كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي. ونستهل بهذا العمل الموسوعي، وهذه المعلمة المعرفية، باكورة التوجه في إعادة بلورة المصطلح كما جمعه علماء العرب والمسلمين، أو كما حزمنا الأمر بعون الله تعالى على جمعه تبعا لأبسط الطرق والأساليب واستعانة بأحدث الآلات، وما توصّل إليه التوثيق والتقميش. وإننا إذ نتصدى لعمل شاق صعب وغني في حقول المعرفية العربية والاسلامية، وضعه عالم جليل ذو باع طويل ودأب مليل، وأكمله تلامذة أفاضل، حيث وجدنا العمل مغمورا وترتيبه على النهج القديم في أبواب وفصول للجذر، وبالتسلسل الالفبائي، إضافة إلى امتلائه بالمئات من أسماء الأعلام والكتب، ومعظمها مجهول من غير تعريف ولا تحقيق. فنهجنا منهجا تبسيطيا اعتمد إيراد المصطلح واللفظ كما هو، حيث تمّ إدراج كلّ هذه المصطلحات بالترتيب الألفبائي بحسب ورود الاسم، من غير التفات إلى الجذر أو أي اعتبار آخر. وعلى هذه الوتيرة مثلا: الآحاد/ الآخر/ الآخرة/ الآدم/ الآراء ... الاسراف/ الأسطرلاب الخ. الصاحب/ الصاعقة/ الصالح/ الصالحية/ الصامت/ الصّبا/ الصبائي الخ. والملاحظ هنا أن الاعتماد على الكلمة كما هي مرسومة وتبعا لتسلسل أحرفها: الأول والثاني والثالث وأحيانا الرابع والخامس، تمشيا مع النمط العام والسائد في تبسيط العلوم وتسهيلها، لتصبح في متناول اليد من غير التباس ولا تعقيد، وهو ما درجت عليه بعض المعاجم الحديثة. وكان الفضل هنا للحاسوب (الكمبيوتر). وسلكنا مسلكا توثيقيا في التعريف بالأعلام والكتب والأماكن والفرق والمصطلحات، إضافة إلى تخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، مع ذكر المرجع أو المراجع، حيث بلغ العمل مبلغ المعلمة الموسوعية. وسيتابع العمل إن شاء الله بعمل موسوعي آخر.

стр. 5

أما ما حزمنا الأمر عليه فهو بعض المصطلحات من العلوم العربية والاسلامية في موسوعات عدة تبعا لما وردت عند العلماء، صافية، بحسب المراجع من غير تدخل دخيل على أقوال قائليها. ويعتبر هذا العمل صنيعا بكرا لم يتحقّق في الحقبتين القديمة والحديثة. ويشكل- إن تمّ- قاعدة منطلق لضبط المصطلح وإحداث المستجد بالنحت والاستقبال. والبيّن في الأفق حتى الآن تناول مصطلحات: المنطق، أصول الفقه، الفلسفة، علم الكلام، التصوف. والكشّاف الذي نقدّم له ناهزت الشروح بالفارسية فيه على ربع موضوعاته، وورد الباقي باللغة العربية: فنقلنا الربع إلى العربية. زيادة في اغناء المصطلحات ووضعنا ما يقابلها بالانكليزية والفرنسية وأحيانا باللاتينية، ممّا يسهّل على الباحث المقارنة بين المفاهيم والأذهان والبنى المعرفية، إذ إن ذلك يخفي ضمنا تحاورا داخليا بين معارف العرب والمسلمين ومعارف الأوروبيين، ولا سيما إبان حقبتهم في العصور الوسطى ومطلع العصور الحديثة. ولا ضير إن وجد الباحث أو الطالب أن هناك الكثير من العلوم والمفاهيم التي عفى عنها الزمان وتخطّتها سنن التطور والترقي. ولا سيما ما حدث على مستوى العلوم البحتة والتفنين في العقود الأخيرة، إلا أنّ هناك الكثير من الشروح والمعاني، في المجالات النظرية خصوصا، باقية ثروة معرفية، ودالّات على بنية من المعارف الغنية، وموروث قابع في أذهاننا ولا وعينا الثقافي؛ لا بدّ من إحيائه واستلهام عناصره وقراءة الحاضر بضوئه، في سيرورة اتصال تمليها البنينة المعرفية السليمة والتحديث الفاعل المؤثر. والبنينة من فعلنة على وزن فعلن، وهذا الوزن يستفاد منه في أعمال الانصهار الكيميائي والتركيب العناصري والذري. وقد واءمته هنا ليفيد عملية صهر عناصر مع البنية المعرفية «١»، تلك العناصر من المعاني الوافدة التي لا بدّ أن تتراكب مع العناصر القائمة وتنطبع بخصائصها في عملية إرادية فاعلة، نقوم نحن بجزء منها عبر إحياء المصطلحات المعبّرة عن العلوم العربية والاسلامية، فتفد المعاني الحادثة العصرية بعد ذلك بالنقل والترجمة مستفيدة من هذه المصطلحات، لتأتي المرحلة الثالثة وهي شيوع

стр. 6

المصطلحات العصرية بالعربية مواكبة للعلم والمعارف الراهنة. ولنا شاهد حي على ذلك، ما حدث من نقلة في دلالات وألفاظ العربية إبّان ظهور الاسلام، حيث استعمل اللفظ قريبا من موضوعه الأصلي. وعلى الرغم من أنّه نقل عن دلالته السابقة إلا أن خيط اتصال بقي بين الأصل والحادث، مثل الواجب: السقطة مع الهدة من أعلى، كسقوط الحجر من الجبل. وذلك في الدلالات عند عرب الجاهلية. ثم غدا الواجب: الأمر الإلهي المجرد المنزّل من أعلى في الاسلام. وأمثال ذلك الكثير مما كان من خطاب الله للعرب، وما دار من علوم على جنبات كتاب الله. إذ الصلاة عبارة عن الدعاء والحج عن القصد والصوم عن الامساك والزكاة عن النمو وهكذا ... ومن ثمّ بقيت هذه الألفاظ في معانيها الحادثة قريبة من موضوعها الأصلي. ولربّ قائل: إنّ المعاني العصرية في شتى العلوم حادثة ومغايرة تماما لمعاني العلوم القديمة التي درج عليها العرب واصطلحوا عليها تعبيرا عمّا توصّلوا إليه. فإن الجواب سهل بيّن ظهر في أوروبا حيث انطلقت النهضة العلمية من ألفاظ اللاتينية والفرنسية وعليها استندت فتشعبت. والدليل على ذلك أن معظم مصطلحات الطب والطبيعة والكيمياء والمعارف النظرية نجد أصلها باليونانية واللاتينية ثم تتشعب وتتحوّل وينقطع بعضها عن دلالته الأولى. ومن شواهد ذلك: لفظ Paradigme ورد باليونانية بصوت Paradeigma بمعنى المثال أو النموذج المحتذى، ولا سيما عند أفلاطون اشارة إلى المثال القائم في عالم المثل. ثم أصبح اللفظ نفسه في الثورة العلمية عند توماس كون Kuhn النموذج على ما يتفق عليه جماعة العلماء، في عصر معيّن، من قوانين مرتبطة بنظرية محددة، مع ما يعقب ذلك من تطبيق على الملاحظات كمعادلات نيوتن في الحركة: القوة الكتلة التسارع. ق ل* ع. «١» إذ تحكّم هذا النموذج في الميكانيكا، وكصيغة ومعادلة انشتاين في ترابط السرعة بأبعاد المكان الثلاثة والزمان الخ ... ونخلص من ذلك بتوليفة مفادها: أن إحياء المصطلح وجمعه يصبّ في عملية بناء هادفة تشكّل ركيزة أساسية في التحديث العربي، نأمل أن تطال البنية الثقافية واللغوية على أصول البنية السليمة، رغبة في تشكيل بنية دلالية معرفية للعلوم بالعربية وذلك عبر

стр. 7

محطات ثلاث: ١ - إبراز وإحياء مصطلحات العلوم العربية والاسلامية بألفاظها العربية. ٢ - نقل علوم الآخر الحادثة بالارتكان والارتكاز على المحطة الأولى، وما يؤدّيه ذلك من توحيد المصطلح وغرس المعنى عند العرب قاطبة. ٣ - شيوع وتثبيت لغة علمية عربية حادثة. ولعلّ هذه المحطات الثلاث تتجاوز الأفراد والمجامع العلمية وتتطلب جهود أجيال، لكن لا بأس في الانطلاق بخطوة أولى، والله ولي التوفيق. هذا وقد تمّ جمع التقديم على ركنين اثنين: أولا: تمهيد نظري يتناول إشكالية المصطلح بين اللفظ والمعنى، المبنى والفكر أو «الاذتهان». ثانيا: دراسة وصفية لعملية التحقيق والتعريف بالمؤلف إلى جانب عرض الصعوبات وتمييز الأساليب الفنية المتّبعة في عملية التحقيق.

стр. 8

إشكاليّة المصطلح بين اللّفظ والمعنى تمهيد: إنّ التصورات الذهنية ومحصّلات الأفكار الكشفية الصادرة عن العقل والفهم، والوجدانيات المعنوية المنبعثة من النفس، لا يمكنها جميعا أن تتحقق عند صاحبها ومنه إلى غيره ببيان فراغي، كمثل القابض على الماء، بل لا بدّ لها من أن تتحقّق وتتعيّن وتتشيّأ إشارات ورموزا بنزولها وانسكابها في أنواع من الألفاظ وأنماط من الصيغ تشكل في جملتها بنيانا لغويا له خصائصه وطبعه وجبلته وسيرورة تكونه وتحوّله في بعدي التاريخ والنسق الداخلي لبنيته، علما أنّ هذه البنية قد اكتسبت وحدتها وضبطها وتعقّدها بضوء التجربة المعرفية التي خاضها الناطقون بهذه اللغة والمعبّرون بتلك الألفاظ والأسماء. ولعلّ العربية، لغة الضاد، من أشد اللغات جمعا لهذين البعدين: السيرورة التاريخية، ونسق البنية الخاص، إذ إنّ لغات العالم بمعظمها مهما غزرت تجربتها أو تحدّدت تتمتع كل منها ببنية لها ميزاتها بحسب معطيات منهج اللغويات العصري والدراسات الأنسية الحادثة. فالعربية أسوة بغيرها لها بنيتها وميزاتها، إلا أنّ للعربية خاصيّة بارزة على سواها تختص في أثر البعد التاريخي في تكوّن الأسماء والألفاظ واستمرار تأثيره على المفردات والأسماء باتصال من غير انقطاع وقطع. ولهذا كله كانت دراسة الحقل الدلالي لألفاظ العربية وأسمائها ترتدي أهمية وأهدافا معرفية عدة. إن هذه المفردات والأسماء قد استعملت قوالب للفكر والفهم والاذتهان والعرفان على امتداد عشرات القرون في مسار الناطقين بالعربية التاريخي، لهذا فهي محصّلة ونتاج جهود أجيال وحضارات عدة.

стр. 9

إنّ المفردات والأسماء في محطات دلالتها والتعبير، وإبّان النقلات الحضارية واجتياز اللفظة من مدلول إلى آخر، بقيت على اتصال في الدلالة مع ما سبقها وبخيط مشترك من المعنى بين الاثنين. بينما سارت بعض اللغات مسارا آخر تمثّل في قطع دلالي مع مراحل سبقته. وأصبحت اللفظة رمزا وشكلا يطابق معنى حدث من غير رابط مع المعنى الذي كان قائما في تجربة سبقت. ولعلّ آلية بنية الساميات، والعربية منها، في استحداث الألفاظ والمصطلحات على تفعيلات وأوزان ترتدّ جميعها إلى الثلاثي، منه تنطلق وإليه تعود، قد فعلت فعلها وتركت طبعها في الحقل الدلالي للألفاظ، ورسّخت أثر السيرورة التاريخية للأسماء في انبنائها واصطلاحها على معان مستجدة. ولم يعن ذلك أن لغات أخرى تفقد هذا الاتصال، إنّما المقصود هنا ضعف السيرورة التاريخية في الحقل الدلالي للألفاظ عند لغات واشتداد ذلك في العربية. إنّ الأبحاث التي شغلت الأمم في عصور ازدهارها وانبثاق الكشوف العلمية لديها، وتشعّب تجربتها الفكرية والوجدانية، قد أغنت لغات هذه الأمم بالألفاظ والأسماء والمصطلحات، فعبّرت اللغة تلك عن المعاني، وتحدّدت تلك المعاني بخاصية هذه اللغة من دون سواها، وبحسب الأقوام الذين تناوبت الحضارة والعلم على أيديهم. ولا مندوحة عن القول إن هذه المعاني حلقة ضرورية أدّت إلى ما بلغه العقل البشري من تطور وكشف. فسيرورة العلم حلقات متصلة بدأت بحاضرات ضفاف الأنهار لتمرّ باليونان والرومان ومن ثمّ العرب والمسلمين، ولتنتقل بعد حين إلى أوروبا الحديثة بحضارتها، وبالتالي، امتدادها إلى أميركا والعالم، في بوتقة عصرية مذهلة بلغ فيها العلم وأنماط المعرفة ووسائلها مبلغا مدهشا يرسّخ ذاك التطور والترقي للانسان واستخدامه الطبيعة لصالحه أفضل استخدام، في عمل دءوب لراحته وسعادته وطول بقائه. وعند العودة إلى ما بدأناه كيف يمكن لهذه العلوم ومعانيها الحادثة عند الآخر أن تتحقّق عند العرب من غير أن تنسكب في وسائط ترسّخها في الفهم والأذهان؟. ومن غير اللغة القومية وسائط تطال الجمهور والمثقفين وتشمل العامة والخاصة، فتحدث نقلة معرفية في الشعب، بمثل ما تغتني هي كلغة قائمة وفاعلة، إذ إن بقاء العلم منسكبا بلغة من صنع ذاك العلم يؤدّي إلى استقطاب النخب من أهل العربية، لتتحوّل لغة

стр. 10

العلوم والفكر لديهم إلى الانكليزية أو الفرنسية والألمانية واليابانية. وقد يوصل ذلك إلى تعميق الثغرة بين الشعوب فتحدّ عن المشاركة في العلم، وعن وسائله وحسن استخدامها، ممّا يجعل الانسانية في مأزق حضاري لاحق يماثل ردّات الأعراب والبرابرة على الحضارات؛ وقد يفقد الترقي الحضاري الراهن تميّزه الحر المبدع السلمي عما سبقه من تجارب انسانية عريقة. ولا غرابة أن تتمثل عظمة العرب والمسلمين فيما رافق عنفوان الحضارة عندهم ودرايتهم في شتى أشكال العلم. وقد أغنى كل ذلك مفردات العربية والأسماء والمصطلحات. فعبّرت عن ذلك الغنى في تراث بقي منه بعض المدوّنات والأعمال الموسوعية كتلك التي نبرزها ونحقّقها. كما وأنّ كسوف العلم وانتقاله إلى غيرهم ترابط مع تحوّله عنهم واضمحلال العمران وجمود المعاني التي عكست نفسها على جمود الألفاظ والمصطلحات، حيث ذكر ابن خلدون في مقدمته: «اعتبر ما قرّرناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لمّا كثر عمرانها صدر الاسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفنّنوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين، ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من الأمصار» «١». ومما لا بدّ من الوقوف عليه في طبيعة العربية وطبعها السامي، ذاك النسق الذي هو عليه حقل دلالة الفاظها، في ذاك التواصل والاتصال فيما بين الدلالات على تشعّب العلوم واختلافها واجتياز اللفظ من معنى إلى آخر ومن مصطلح إلى سواه. ولا سيما أنّ نقل المفاهيم والمعاني المستجدّة الحادثة من لدن معطيات الشعوب وتجاربها، ومن نبعات الآخر، لا ينقطع عن تجربة اللغة بألفاظها والمصطلح، إبّان سيرورتها وتجربتها العلمية واللغوية، وإلا كان تفلّتا لا يتوافق مع سنة التطور وطبع العربية وانغراس الفهم في الأذهان على قدر اللغة المعاشة المعبّرة، وعلى معطى اللاوعي المعرفي المنبث في الضمير والتجربة والعادات والمخيّلة، والتعليم والتربية «٢». إنّ الاقرار بفاعلية العودة إلى دراسة المفردات والمصطلحات المعبّرة عن علوم

стр. 11

بادت أو تمّ تخطيها، وعن تجارب معرفية ووجدانية فقدت تأثيرها، حلقة وصل ضرورية في حياة اللغة، ومرحلة تواصل ذهني مع ما هو قابع وأداة فهم استقطابا للجديد بخيط دلالي يصل الماضي بالحاضر، لا تنفك العربية عنه. حقول دلالة العربية: إنّ العربية بمفرداتها والأسماء عبّرت عن جملة معطيات ومعان، فقد كانت أداة للتعبير عن العرفان في كل معطاه الوجداني والعاطفي واللاواعي، بمثل ما كانت أداة فهم للاحساس الفطري الأول في حياة الناطقين بها. ومن ثمّ انتقلت لتشكّل اشارات وحروفا للفكر والتجريد، فاستعدّت لاستقبال معاني الغير. وهنا في خضم إعمال العقل والفهم وتلقّي المجردات من الخارج انسكبت كل تلك المعاني في قوالب اللغة بعد تلقيها في الأذهان وانطباعها بها، وبالتالي تمّ اتسامها- تصورات الغير- بطبع العربية أيضا وبنيتها، هذه العربية في مبناها لا تنفك عن ذهنية صانعيها وناطقيها. وهكذا تنجدل الأمور برباط معقّد متفاعل بين ما في الأذهان وما في اللسان انطلاقا مما في الأصوات والأعيان. ولا بدّ من تمييز الذهن عن العقل، فالذهن في اللسن: «الفهم والعقل ... وحفظ القلب» «١». إذا هو يجمع عملية الفهم والتفكير والقلب، أي الوجدان وما هو قابع في النفس بحسب المعطيات النفسية الحديثة، لذا كان العقل تبعا لدلالة العربية: الجمع للأمر والرأي، والربط والتثبّت من الأمور. وكان الذهن أوسع نطاقا من هذا، وهنا نتلاقى مع التمييز الفرنسي التقليدي بين العقل المكوّن الفاعل la raison constituante وبين العقل المكوّن المنفعل المشيّد السائد la raison constituee . الأول يمثّل النشاط المخي الذي يقوم به الفكر بالربط والجمع، حيث يستخرج الانسان تصورات من ادراك العلاقات بين الأشياء. أما الثاني فهو مجموع المبادئ والقواعد المعتمدة في التفكير أو الاستدلال «٢». هذه القواعد تتأتّى من خارج فعل الفرد وفردية نشاط مخه. لهذا هي أقرب لمعنى الذهن أي العقل المكوّن المشيّد الذي يمارس دوره كاستعداد للادراك، أي إنّه محل المدركات. وهنا يتلاقى مع معنى Mentalite بوجهته النفسية في بعض المناحي.

стр. 12

ولا ضير إن مررنا لماما على بعض هذه التوضيحات والتعريفات لتبيان علاقة المفاهيم والمعاني باللسان، وكيفية بناء الصياغة اللفظية والحكم على حقيقة من الحقائق أو تصور اصطلاح من المصطلحات فيما يخصّ الانسان، أنّى كان زمانه أو مكانه، ولا سيما أن لغة العلوم تعود للإنسانية جمعاء في سيرورتها والابداع. ومن ثمّ تنسكب في هذه اللغة أو تلك. حتى أن الاسميين بدءا بالرواقية وانتقالا إلى أهل البيان المسلمين وخاصة ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٦ هـ) وصولا إلى الأوروبيين المعاصرين، جعلوا الحقيقة العلمية ومحصلة التجارب والتصورات تقوم في الأسماء وتعرف من خلالها وبالألفاظ، وان الحقيقة المتجسدة قائمة في الألفاظ، فلا عجب أن ينكبوا انكبابا واسعا على بيان العلاقات المنطقية القائمة في قضايا اللغة وعلاقة المفردات والكلام. ولعلّ علم الدلالة أو حقل المعنى من أدق العلوم، إذ هو يبحث في العلاقة بين المعنى والمبنى، بينما ذهبت اللغويات الحديثة لدراسة العلاقة في داخل المبنى للغة. علما أن دراسة المبنى بما هو مبنى يساعد في فهم عمليات الصياغة وبناء العربية وبنيتها الشكلية. إلا أن دراسة عقل المعنى وعلم الدلالة متعلّق تعلقا مباشرا بموضوع تحقيقنا للكشاف. ولقد أدرك العرب والمسلمون أهمية هذه المباحث فاحتفلوا بعلمي أصول الفقه والمنطق احتفالا ظاهرا، وذهب بعضهم إلى اعتبار تمايز العلوم في نفسها إنّما هو بتمايز الموضوعات. فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ والمقدمات. فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزا للمفهوم، وبمعرفة الموضوع تمييزا للذات. والملفت للنظر أنّ للفظ الواحد والمصطلح الواحد أحيانا عدة مفاهيم وكثرة من المعاني، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها. وهذا الأمر يسري في معظم اللغات وبحسب اختصاص كل علم وفن وتباين حقله عن الآخر. إلا أنّ دراسة معمّقة في علم الدلالات تكشف لنا عن ذاك الخيط المشترك بين الدلالات، فتفتح الأفق أمام المحلّل والأناسي واللغوي لدراسة واسعة لطبع العربية وذهن ناطقيها وطبيعة تاريخ العلم وكيفية صدوره. ولهذا كله يمثّل كشاف المصطلحات عدة أدوار علمية، فهو حلقة وصل واتصال لنحت المصطلح المستحدث. كما أنّه أرض خصبة لدراسة تاريخ العلم والموروث

стр. 13

الثقافي برمته، وفي الوقت عينه معلمة مرجعية لعلماء ومراجع وكتب وآراء متعددة منتشرة على امتداد قرون الحضارة العربية والاسلامية. بنية العربية وقابليتها للتحديث: لقد طلع علينا زكي الأرسوزي في تصويره عبقرية العربية برأي مفاده أن تأسيس الدلالة ارتكز على عمليتين: تقليد الطبيعة وتصويرها، والتعبير عن المشاعر النفسية الداخلية للفرد. فالأصوات ثم الأسماء بالعربية حدثت من الثنائي إلى الثلاثي ونشأت من خلال هذين البعدين. ومع بداية القرن العشرين ميّزت الوضعية المنطقية «١» بين وظيفتين رئيسيتين للغة: احداهما هي الوظيفة المعرفية التي تستخدم اللغة فيها كأداة تشير إلى وقائع وأشياء موجودة في العالم الخارجي، ولا يتعدى دور اللغة غير هذا التصوير لتلك الوقائع والأشياء. أما الوظيفة الثانية للغة فهي الوظيفة الانفعالية ومؤدّاها أنّ الانسان يستعمل اللغة أحيانا للتعبير عن مشاعر وانفعالات تجول في نفسه. ويدخل في اطار هذه المشاعر العبارات التي تعالج مسائل الأخلاق والجمال والماورائيات. فلا عجب إن صنّفنا العدد الكبير من المصطلحات في الكشاف الذي بين أيدينا ضمن دائرة مسائل الأخلاق والماورائيات والمشاعر النفسية التي تبدّت عند الصوفي أو غيره.

стр. 14

والمتبحّر في فضاء العربية يجد بوضوح كيف استفاد المجتهد والفقيه والعالم والعارف من اللغة العادية ومن الأسماء العربية. فغدا الاسم مثقلا بدلالات عدة سبق للمنطق التقليدي أن أطلق عليها الأسماء المتفقة Homonymes ، وقصد بها ما كان اسما مشتركا لمعان مختلفة. أما معنى كلمة عادي فهي ما يقابل ضمنا غير المألوف والسوي والاصطلاحي والشعري والرمزي. وتعني كلمة عادي المشترك والمألوف عند العامة والمتداول على كل لسان، لكن هل كل ذلك يتعارض مع الأساليب والأسماء المعتمدة لدى قلة من الناس اصطلحوا عليها في مضمار الفنون والرموز والعلوم؟ «١» وشكلوا الخاصة وأهل النظر. فلقد حرث المصطلح ولغة العلم في العربية حرثا عميقا ومديدا. إذ تمثّل عمقه في تحويل الأسماء بدلالتها الحسية ثمّ الدينية إلى دلالة اصطلاحية عبّرت عن كل علوم من سبق على الحضارة العربية والاسلامية تقريبا مضيفة ما كان من عنديات عقول تلك الحضارة والابداعات والاضافات والتبديّات «٢» والمشاعر. وتحصّل مديد المصطلح من طول عمر تلك اللغة العربية وانتشارها الزماني، بحيث يشكل اللسن العربي تاريخيا بين اللغات لسنا معرقا قديما امتد عشرات القرون ولم يزل حيا قادرا على الاستقطاب. كل هذا يمكن أن نخلص من خلاله إلى عدم التعارض بين اللغة العادية والاصطلاحية. بيد أنّ الأقدمين تنبهوا إلى مثل هذه العملية داخل اللغة واستخرجوا منها تلك التفعيلات والأوزان الضابطة؛ التي اعتبر ابن جني في خصائصه أنّها قوالب لصياغة التصورات، ودالات لتمييز الأفكار والمعاني، ومنحوتات تقولب خلالها ابداعات المفاهيم ومستحدثاتها. ثم أبرزها العلائلي عصريا في مقدمته وخرّج بها الكثير من التفنينات والعلوم العصرية. كما أنّ ابن رشد الفيلسوف وعاها كنحت اصطلاحي وتفسير وتأويل تصوري، فقال بصحتها: على أن لا تخل بعادة لسان العرب. جاعلا من العادة الضابط التقعيدي، منعا من التفلت. ولعلّ هذا الضابط هو ذاك الجسر بين اللغة العادية واللغة الاصطلاحية.

стр. 15

وذهب حديثا مور إلى الدفاع عن اللغة العادية معتبرا إياها الأساس لكل اصطلاح جاعلا اللغة العادية ترتبط بالحس المشترك والحكم الصائب، قائلا إنّ تناقض مذاهب الفلاسفة يعود إلى عبثهم باللغة العادية، وإنّ كل ذلك يحصل عند انتقالهم من استعمال إلى آخر باللفظ ومن غير علم فيقعون بذلك في المحال «١». بينما انتقد رسل اللغة العادية لأنّها بنظره عاجزة عن التعبير الدقيق عن المفاهيم العلمية، كما أن نظمها syntax كثير ما يضلّل «٢». في حين أكّد فتغنشتين على أنّ اللغة العادية هي المعيار الذي نحكم به على صحة أو بطلان ما يقال من عبارات. يضاف إلى ذلك ميله إلى وضع لغة مثالية منطقية. وخلاصة ما ذهب إليه أنّ اللغات المثالية بالنهاية ما هي إلا مواضعات لا تعدو كونها توضيحات للغة العادية «٣». كما ذهب شليك إلى أنّ وضع العبارات الجديدة في اللغة يكون عند التعبير عن وقائع في الوجود الخارجي، وهذا يتم على مستوى اللفظ أو الجملة أي الحدّ المتصوّر- المصطلح- أو القضية. وبكلمة أبسط، أي ضرورة وجود (علامات، اشارات، أسماء) بقدر وجود وقائع وأفكار عن وقائع «٤». فهل ما ذهب إليه، إذا أخذنا به لدراسة العربية، يسائلنا: أتكمن المشكلة في الأسماء الجديدة أم في الوقائع؟ وممّا لا شك فيه أنّ تيار شليك يؤكد على فعل الوقائع، بمثل ما أكد انبناء العربية على الوقائع المجرّبة المحسوسة. وهذا أمر يجعلنا نذهب مع القائلين إلى أنّ تلبية العربية للمعرفة المعاصرة وللكشف يكمن في سر المساهمة في وقائع جديدة، أي الانخراط في علوم العصر والمشاركة في التفنين والكشف والابداع. وإن صح القول إحداث المعاني وفهمها، بهضم الجديد وتمثله وليس بالترجمة الحرفية. حينئذ تلعب اللغة العادية دورها في صياغة المصطلح والاسم الجديد مستأنسة

стр. 16

بالمصطلح السابق كمحطة في سيرورة لا تنقطع. عندها وبها يكون الكشاف ولغته أداة للتجديد، ويصبّ التهانوي في مصبه التاريخي من عمر العلم واللغة معا عند اللاسنين العرب. وفي الوقت عينه ذهبت جماعة آكسفورد اللغوية مذهبا بنيويا في عملية الارتباط بين الواقع واللفظة أو الجملة. إذ ترتكز النظرة على محور أساس مؤداه أن هناك تناظرا بين بنية الواقعة وبنية القضية التي تعبر عنها أو الحد المتصوّر المفرد «١». وهذا التناظر بين الواقع واللغة لعب دورا عند رسل وفتغنشتين وشليك. وجلّ النظرة أنّ التعبير يتوقف على امكانية ترتيب العلامات بطرق مختلفة. فالترتيب Order هذا يمكن جعله كشفا لعملية مهمة في بناء اللغات ومنها العربية. مع الاشارة إلى أنّه تم وضع شيء من هذا القبيل قبل ذلك بقرون طويلة على يد ابن جني وآخرين في دور التفعيلات ودلالتها كترتيب ونظم لتحولات الفعل الثلاثي، وكأدوات اجرائية لاختلاف المعاني التي تحصل في الواقع وتستجد، والأمر عينه عند بقية النحويين والبلاغيين في ترتيب وصياغة الجملة العربية. مع اعتبار للفارق الزماني واختصاص العرب بلغتهم وتعميم المعاصرين النظرة على كل اللغات الخ ... ولعلّ اتجاه أهل البيان في التجربة العربية والاسلامية الذي توجّه ابن تيمية في توجهه الاسمي، وتشييده منطقا يتأسّس على الاسم في بناء التصورات، قد يلتقي في كثير من الأبعاد مع ما آلت إليه أعمال جماعة الذرية المنطقية وجماعة آكسفورد حديثا، حيث قارن فتغنشتين بين: واقعة ذرية تتشكل في مجموعات موضوعات، موجودات Entities أو أشياء. وعلامات بسيطة مستخدمة في قضايا تدعى أسماء «٢». أي أن فتغنشتين حلّل العالم أو علم العالم من وقائع مركبة إلى وقائع بسيطة من غير الممكن تجزئتها إلى ما هو أبسط منها- الواقعة الذرية-، وقوامها مجموعة من صغائر الأشياء. ومماثلة مع ذلك يمضي فتغنشتين في تحليل اللغة من قضايا تنحل إلى قضايا أولية تجزّأ هي بدورها إلى أبسط منها فتغدو مجموعة من الأسماء، فالعالم ينتهي إلى صغائر الأشياء واللغة تنتهي إلى أسماء. وهنا خيط مشترك بين الاسمية القديمة وهذا التيار، يتمثل هذا الخيط في أنّ اللغة ترسم الوجود الخارجي والاسم خير معبّر عن الواقعة. والعلاقة علاقة واحد بواحد.

стр. 17

ولهذا كله ينصب الاهتمام على دراسة الأسماء أي دلالة المصطلحات لتعبيرها عن الوقائع أو فهم الوقائع- المعنى، التصور الذهني-. ولم يعن العرب والمسلمون كثيرا بدلالة القضية الجملة بل بمعناها، ووضعوا معايير مختلفة للحكم على معناها من حيث السند والصدق والكذب، النظر والتجربة الخ ... لكن غايتهم انصبت على دلالة الأسماء انصبابا هاما وانقسموا فريقين: فريق أعطى الأولوية للدلالة، علاقة الشكل بالمضمون. وفريق قدّم أولوية المعنى على الدلالة. بينما رأى فتغنشتين حديثا بأنّ الأسماء ذات دلالة فحسب وليس لها معنى، وأنّ القضايا ذات معنى فحسب وليس لها دلالة «١». وهذا الاتجاه يقارب مفهوم أهل الاصطلاح عند العرب والمسلمين. بل اعتبر الغزالي أن الواقعة والمعنى والدلالة مترابطة ترابطا تاما، إذ قال إنّ للأشياء وجودا في الأعيان والأذهان واللسان «٢». لكن تطور العلوم العصري جعل معنى الاسم يؤخذ على السياقات التي تستعمل فيها الأسماء. وهذا التوجه يخدم تشعب المصطلحات وغزارتها. بيد أنّ المصطلح العربي والاسلامي ارتكز على وظيفتين مثله مثل وظيفة اللغة عامة: وظيفة معرفية ووظيفة انفعالية. في حين ضؤل دور الوظيفة الانفعالية في المصطلح العصري الغربي لضمور الآداب والفلسفة أمام العلوم والتفنين. ولم تعد المعرفة العصرية تعنى بتبديات النفس وتخيلات الشعور عنايتها بالوقائع المجربة المصغرة والافتتان بها. ولم يحدث الأمر في اللغة العربية لعدم انسلاك المجتمعات العربية في سلك العلوم والتفنين وانخراطهم كليا في التكنولوجيا وهضم علومها. ولا عجب إن جاء الكشاف يلبّي الوظيفة المعرفية للغة، ولكن مصطلحاته الملبّية للوظيفة الانفعالية تطفو وتغزر. ولا سيما أن الدلالات الفلسفية والصوفية الدّالة على التّبديات والتمظهرات الفكرية والنفسية تكثر، وتغني القارئ بحقل واسع من

стр. 18

الموروث الثقافي العربي والاسلامي. وفي الوقت عينه تصور له تجربة انفعالية نفسية غنية في عمر الشعوب. لقد جعلت مصطلحات الكشاف القارئ أمام ألفاظ وأسماء لم تقتصر على الوصف، إنّما اصطنعت ألفاظا جديدة بألعاب في اللغة عن طريق التفعيلات تارة وعن طريق الخروج عن العادة طورا. علاقة المعنى باللفظ وثمة مسألة تتعلق في المصطلح وباتجاه خاص عند كل من أهل المعنى والمبنى، وقد أثيرت في التراث العربي والاسلامي، وكانت مجالا رحبا للنقاش العصري. وهذه المسألة ترتبط فيما سبق ذكره عن كنه العلاقة بين المعنى واللفظ أو ما سمّي قديما المفهوم والبيان، الأذهان واللسان، الماهية والاسم، وإذ باتجاه مدرسة آكسفورد يجعل تعريف المعنى في حدود الاستعمال اللغوي، أي إن معنى أية كلمة يرتبط دائما بالسياق الذي تستعمل فيه الكلمة. فإذا، المعنى يتجلّى من خلال الاستعمال «١». وكان سبب موقفهم هذا أنّه تتمة طبيعية لفلسفة الوضعية المنطقية الرافضة لأي قبليات عقلية أو معان ذهنية متباينة من خارج التجربة العينية. وقد تابعت مدرسة آكسفورد هذا فرفضت أيضا إمكانية التحقق للمعنى. أي أنّه لا يوجد منهج للتحقق من أن العشب أخضر وأنّ السماء صافية زرقاء اليوم، إذ لا يوجد من يتعلم كيفية الرؤية والشعور، بينما يوجد من تعلم معنى اسم العشب والأخضر، وارتباط ذلك في جملة إخبارية «٢». وما خلصت هذه المدرسة إليه هو أنّ المعنى لا يتحد بالكلمة اتحاد الروح بالجسد أو المعنى روح في جسد كلمة، إنّما يكشف المعنى عن ذاته في استعمال الكلمة. إذا، إذا قصد كل منا معرفة ما تعنيه الكلمة فعليه النظر وتدبر أمر وكيفية استعمالها، حيث ذهب فايزمن إلى أنّ معنى الكلمة يتغيّر تبعا لتغيّر استعمالها «٣».

стр. 19

وقد عثرنا على شيء من هذا التوجه في التراث العربي والاسلامي، مع اختلاف الأغراض والوضوح في المسألة والفضاء المعرفي. وتمثل هذا التوجه بانتصار أهل البيان لمنطق اللغة على منطق المعنى أي توخّي أوجه النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله «١». فاعتبر السكاكي في مفتاح العلوم «٢»: «أنّ من أتقن أصلا واحدا من علم البيان، ... ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب، أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل». وخير شاهد ومثال على هذه المسألة المحاورة التي تمت في مجلس الوزير ابن الفرات في بغداد عام ٣٦٦ هـ بين السيرافي وأبي بشر متى بن يونس. إذ قال السيرافي لمتى: «ما تقول في قول القائل: زيد أفضل الأخوة؟ قال متى: صحيح. قال السيرافي: فما تقول إن قال: زيد أفضل أخوته؟ قال متى: صحيح ... فقال السيرافي: أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة. المسألة الأولى جوابك عنها صحيح «والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح ... إن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم. والدليل على ذلك أنّه لو سأل سائل فقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وعمرو وبكر وخالد، وإنما تقول عمرو وبكر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم. فإذا كان زيد خارجا عن اخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: أفضل اخوته، كما لم يجز أن تقول: إنّ حمارك أفضل البغال، لأنّ الحمير غير البغال، كما أن زيدا غير اخوته. فإذا قلت: زيد خير الأخوة، جاز، لأنّه أحد الأخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره فهو بعض الأخوة ... » «٣». إن متّى انتصر لأرسطو في جعله الأخوة جوهرا له ماهيته، أي هو معنى قبلي متصوّر في الذهن. بينما نظر السيرافي من خلال سياق ترتيب الألفاظ والحروف، فهاء الضمير المتّصل في الأخوة تحدّد المعنى وليس للمعنى أسبقية وقبلية. لهذا اختلفت الجملتين فاختلف المعنيان. ورب سائل يقول: ما علاقة كل هذا من المصطلح كلفظ وتصور، كاسم ومعنى؟

стр. 20

والجواب أنّ هذا الحجاج يمدّنا بمعطيات معرفية وتوجهات فلسفية، تجعلنا ندرك تماما فعل المصطلح وأثره في تحريك المعاني في الذهن ودور اللغة في كل ذلك وأثرها. إذ إن المصطلح، على الرغم من كونه في معظم الأحيان، يأتي مفردا، ولفظا واحدا من غير سياق في الجملة؛ إلا أنه كاسم، اتفق على أن له دلالات متعدّدة ومعاني منتشرة يضع أسبقية اللفظ على المعنى من وجهة نظر المنتصرين لفعل اللغة؛ ويحرك في الذهن المعاني الوافدة والمحصّلة بالابداع في اطار بنية وسلطة اللغة. هذه اللغة المعاشة القابعة في اللاوعي المعرفي واللامفكر به. ولعلّ كل ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بعملية التحديث لأغلبية الجمهور. فالإنسان يفكر من خلال مداخل لغته ويستسيغ ويهضم ويتعلم بلغته المعاشة وبشكل أسهل وأسرع؛ من غير أن يعني ذلك عدم مشاركته في لغات العلم والابداع عند الآخر. إلا أن هذه المشاركة تبقى خارج البنية المعرفية والذهنية للجمهور، مما يضعنا أمام المأزق الحضاري الذي أثرناه سابقا. دلالة المصطلح عربيا: ولا ضير من بعض السبر والحفر في دلالة المصطلح عربيا، لعلّ ذلك يمدّ القارئ بأبعاد وآفاق ويكشف الستر عن سيرورة في عمر اللفظ وبنائه. إن جذر اللفظ (مصطلح) من: صلح: والصلاح ضد الفساد. وربما كنّوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة. فيقال: مغرت في الأرض مغرة من مطر. وهي مطرة صالحة. إن جذر اللفظة له دلالة حسية عند العربي تشير إلى المواجه للفساد والانحلال، أي التنبّت، ومن التنبّت تتشعب معاني الخصب والحياة والاستمرار والبقاء. ثم استخدم اللفظ على معنى مجرد عند ما انبرى اللغويون إلى تقعيد اللغة، لكن هذا المعنى الذي أشار إلى البقاء والاستمرار عندهم ظل له علاقة ما مع الدلالة الحسية. مثال ذلك: يقول بعض النحويين، كأنّه ابن جني، أبدلت الياء من الواو ابدالا صالحا: أي أبقى وأكثر قابلية للحياة في الاستعمال اللغوي. ومن ثمّ أخذت اللفظة مجراها في الاشتقاق فأضحت «الاصطلاح» من افتعال وزنا. ووزن افتعال يحمل في دلالته معنى تدخل الإنسان ومهارته العقلية في الفعل، إذ يقال: اصطناع، اقتسام. والاصطلاح حديثا: العرف الخاص، أي اتفاق طائفة

стр. 21

مخصوصة من القوم على وضع الشيء أو الكلمة «١». ولعلّ الجرجاني (المتوفى ٨١٦ هـ)، والذي لقّبه صاحب الكشاف بالسيد السند، خير من قدّم لنا في تعريفاته الأبعاد المعرفية التي اكتسبتها اللفظة عقب ما حملته من أس محسوس، ومن معنى بياني لغوي في سيرورتها والمآل. قال الجرجاني «٢»: الاصطلاح «عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول». وهذا القول اشارة عامة إلى طبيعة استعمال الألفاظ وكيفية استخدامها في الدلالات، بعد إحداث معان في الذهن، أو نقلها من معرفيات وافدة على القوم. ويتابع الجرجاني فيقول: «إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما». أما المناسبة بينهما بعد معرفي تصوري عقلي يربط بين الدلالة الأولى والدلالة المجازية الدينية. إنّها النقلة الكبيرة في اللغة العربية من المحسوس المجرّب إلى المجرّد الديني الشرعي، مثال ذلك شاهد مستخرج من القرآن الكريم: لفظ: الواجب. أي الذي وجب فعله لا خيار فيه، إنّه الأمر الديني. وهذا معنى جامع اتفق عليه أرباب المذاهب الأصولية والكلامية. واللفظ لغة بمعنى الوجبة: أي السقطة مع الهوة. ووجب وجبة أي سقط إلى الأرض «٣». إن بنية الاتصال بين المعنيين: السقوط من الأعلى بشدة، حيث كان المعنى السقوط من أعلى، وكان المعنى الديني السقوط والتنزيل الآمر. وما يلبث الجرجاني أن يتابع تعريفه للاصطلاح بالقول: «اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى». وهذه الوضعية شبيهة بوضعية اللغات الأوروبية المعاصرة حيث غدت اللغة بنيانا آليا، تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز، يرتبط بالمعنى عرضا واتفاقا. والأرجح أنّ قول الجرجاني السابق يشير إلى مرحلة ادخال المعاني العقلية المنطقية اليونانية إلى اللغة العربية، واضفاء دلالات على هذه المعاني، وشاهدنا على ذلك قول الفارابي (٢٥٧ - ٣٣٩ هـ/ ٨٧٣ - ٩٥٠ م) «إذا حدثت ملة في أمة ... فإذا احتاج واضع الملة إلى أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، وإما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبيها

стр. 22

بالشرائع التي وضعها ... وكذلك إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك، فيفعلون فيها أحد ذينك» «١». ومفاد عملية النطق بالمعاني الفلسفية استخدام ألفاظ مستحدثة تخصّ هذه المعاني، أو نقل أسماء قريبة الشبه في دلالاتها إلى هذه المعاني. وفي الحالين اعطاء لفظ محدد لمعنى فلسفي محدّد «٢». إلا أنّ العملية هنا تتميّز فيها العربية بخصوصياتها اللسنية، في كونها غير قابلة على احداث قطع معرفي بين اللفظ وأصله أو جذره، فعلا أو مصدرا، سيرورة دلالية أو بنية معرفية مضمرة. فهي أشبه بتكوين عضوي منها إلى آلية. وقيل بحسب ما يتابع الجرجاني في التعريفات: «والاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد». وهذا الأمر يشير إلى دخول مصطلحات الصوفية وبعض التعابير الفلسفية والحكمية بمعانيها الخاصة، وإلباسها أسماء وألفاظ عربية. وهذا الأمر حدث في العربية وضمن التاريخ الاسلامي، وكان يحمل في باطنه اسقاطات لمعاني فارسية زرادشتية ومانوية، ولمعاني أفلاطونية محدثة ملفّقة من شوائب هرمسية ويونانية قديمة وغنوصية، بيد أن العاملين في المجال العقلي أو البياني تنبّهوا للمسألة ولفتوا النظر إليها. ففي المجال البياني قيل: «لا يحل لأحد صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى في القرآن، إلى معنى غير ما وضعت له، إلا أن يأتي نص قرآن أو كلام عن رسول الله ﷺ أو إجماع من علماء الأمة كلها على أنّها مصروفة عن ذلك المعنى إلى غيره، أو يوجب صرفها ضرورة حسن أو بديهة عقل ... » «٣». وفي المجال العقلي لم يلبث ابن باجة (٤٧٥ - ٥٣٣ هـ) أن شرح بعد العقل الذي شقته التجربة المغربية العربية، فيذكر في (تدبير المتوحد)، أنّ التوحّد مميّز من التصوف. فالتوحّد سلوك عقلي يهدف إلى اكتساب المعرفة النظرية ومركز الإنسان فيه. إنّ الكشف الصوفي مجرّد وهم وحالة نفسية ناتجة عن تجنيد قوى النفس الثلاث

стр. 23

الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، بواسطة المجاهدات. وذلك كله ظن وفعل ما ظنوا أمر خارج عن الطبع «١». ويتابع ابن رشد (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ) الدرب عينه ليلخص لنا موقفا مهما، جاعلا الخطاب الديني متوافقا مع ما يقرره العقل إما بالبيان الظاهر وإما بتأويل الدلالة من غير «أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء، التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي» «٢». فالتشديد هنا يركّز على سلطتي العقل وبناء اللغة أو ما سمّي عادة لسان العرب. ولا مندوحة عن القول بأن المصطلح العربي رافق التجربة اللغوية العربية والمعرفية الاسلامية بتعدّدها، فشكّل سيرورة بنائية دلالية معرفية، إذ تضمن في مراحله والمسار محطات رئيسة بارزة: - اصطلاح على أسماء وألفاظ بين القوم لها موضع أول، أي دلالة حسية. - دلالة بيانية دينية نقلت الألفاظ إلى مضامين مجردة وحادثة. - دلالة اختصت بمعان عقلية مجرّدة حادثة ووافدة. - دلالة على معان ليس لها اتصال لغوي أو معرفي في حياة العرب. - دلالة على معاني علوم واختصاصات تطبيقية. ولا بأس، فإنّ هذه المحطات تعبّر عن مجالات الدلالة في اللسن العربي وكيفية حدوث المعاني بسبر جامع لأكثر الحالات المتعلّقة بمفاصل حدوث المصطلح. ولعلّنا نعثر في الكشاف على كل ذلك. المصطلح بين الوقف والوضع: وينقلنا ما تقدّم من تعرّف على دلالة المصطلح لغة إلى التعرّف على أصل المسألة الاصطلاحية ومنبتها. ويتمثّل ذلك في التساؤل: هل المصطلحات والألفاظ موضوعة وضعا مسبقا؟ أهي توقيف؟ وصيغ التساؤل قديما: هل وردتنا عن الله أم صنعها الانسان بعد أن خلقه الله؟ «٣»

стр. 24

إنّ الأبحاث العلمية وتبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع، وعربيا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي. مثال: (ع) تدلّ على صوت الزئير و (ا) الصوت المتكرر. ومثال الثنائي (عو) والثلاثي (عوى) «١». وفي ختام التجربة وقفت لغات وماتت لغات. ويماثل هذه العملية المغرقة في التاريخ، والموغلة في التجربة الأناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت والنطق واستعمال المحسوس ثم المجرد، والأمر يحصل عند الطفل تباعا. ولعلّ الدراسات التربوية والنفسية الحديثة والمعاصرة وافية في هذا المضمار، بحيث تقاس الإنسانية، في تطورها نحو التجريد، على الطفل في نموّه. أما القدماء فوقفوا عند قوله القائل وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة/ ٣١. فعلّق الجاحظ (١٦٠ - ٢٥٥ هـ) قائلا: «لا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي ... ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حسن فيه ... ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمّن بمعنى» «وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلا ويكون له معنى» «٢». وقيل أيضا: «إن استعمال العبارة على وجه يفيد ويصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له» «٣» فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي. فاللغة وضع في أساسها، ومن هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية، أي ما تعارف عليه القوم، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص «٤». وأعاد زكي الأرسوزي- القرن العشرين- هذا الاتجاه وتوسّع فيه، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية وسمّاه الايحاء، كفرس، من (فرّ) وصوت (س) المعبّر عن الحركة. وذهب هذا المذهب في أوروبا ( Whitney)، ومن أشهر مؤلفاته: (حياة اللغة ١٨٧٥) و (اللغة ودراستها ١٨٧٦). واهتمامه انصب على الدلالة وحقل المعنى ( Semantique)، ومنشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ والمعنى،

стр. 25

واللغة والفكر، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب، ولا من خاض أبحاثا في الألسنية المعاصرة، بالتصريح حاسما أولوية أحدهما على الآخر. فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير؟ وتلحق به أوجه البيان والنحو حيث ينتقل الفكر ويسود. أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر؟ ويرى هردر (١٨٠٣ - ١٧٤٤ Herder ) أنّ اللغة ليست أداة للفكر وحسب، بل هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر. كما «أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها، هي المنظّم لتجربتها، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي ... إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم» «١». وهذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلا ودلالات، مبنى ومعنى، وبين المعرفة بوصفها بنيانا يشيّد العالم على أساس من التصور والنظم، ويفسّر الظواهر تبعا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي والانساني. علما أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر واللغة، فعملوا على الصهر بينهما» لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة متواشجة متناسجة» «٢». ولكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل، «فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.» «٣» وعقب هذه العجالة والحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى والمبنى. أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد والميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات والآراء، والأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارا أو خفية، وعيا أو لا وعيا. وأما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبا وقوالبا، نشوءا وتقعيدا، إنشاء وعلاقات، نحوا وتفنينا- جناس بديع كناية تورية- أصواتا ودلالية ما. وإذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين، فالمعنى ينصاغ باللغة، بحيث يتقولب فيها، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى، وللذهنية التي ولّدته. ولا سيما أنّ اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها، فحملت

стр. 26

معارفهم، انها بعد تركيبي، لكنها معرفي تاريخي أيضا لم يضعه الفرد، فهي خارجة عنه فاعلة فيه. بيد أنّ التجربة السلالية التاريخية لانتماء هذا الفرد المكاني عملت على ايجادها. ولما كانت اللغة صنيعا بشريا فهي وضع، وبما أنّها تحصّلت من سير تاريخي فهي معارف شتى لها خصوصياتها، على أن ميدانها التفاعل الطبيعي الاجتماعي، أي العمل والاتصال، فهي عملية وتجريبية، إنها من العقل وفي العقل وللعقل، لأنّها بيانه. «فليس الطريق بالنهاية في إنشاء ال ( Axiome، البديهة)، بل في العمل على معرفة الوقائع اللسانية واستدراك سوء المفهومية» «١». ولا عجب أن نرى بأنّ مسألة اللفظ عند الألسنيين لها بعدان: بعد تعبيري له شكل ومادة، وبعد مضموني له شكل ومادة أيضا «٢». أما مادة التعبير فالحقل الصوتي، وشكله الاشارات الصوتية، بينما مادة المضمون الحقل الدلالي، وشكله المفهوم «٣» - المعنى- ولنبيّن الرأي المتعلّق بموضوعنا ومفاده: - إن المصطلح ينحبس في عالم اللغة بنية مبنى وبنية معنى- حقل دلالي-. - إن المصطلح يغني اللغة في حقل دلالاتها، فيحدث تأثيرا في البناء المعرفي للناطقين بها، أي ينقلهم من حال إلى حال، ويغني فكرهم، وربما أدّى تراكم هذا الاغناء إلى التأثير في مبنى اللغة، نحو مطواعيتها في التحديث المستمر. والمصطلح ينطبق عليه القول المأثور: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، حيث يخضع المصطلح في نشوئه لبنيتي المبنى والحقل الدلالي، ومن ثمّ ينقلهما نحو فهم جديد وتفعيل حادث. وقد استعملت التفعيل عوضا عن التركيب، تبعا لخصوصية العربية في الاشتقاق وليس في التركيب المقطعي.

стр. 27

المصطلح ودراسة المبنى: ولا غرو من القول إن المصطلح لا يقف عند مسألة الدلالة وارتباط الاسم بالمعنى بل يطال دراسات المعنى والتركيب اللغوي. ولعلّ لفظ المبنى مرتبط بالبنية ومفاهيم التركيب الصوري للغة. إذ إنّ اللغة أشكال عناصرها الحروف، والأصوات تتركب على نظم معين، وفي أنساق محددة، لتتميّز بنمط ما. والمبنى متعلّق بالبيان، حيث يردّ اللفظ إلى بين ويدلّ على «١»: - الظهور والوضوح. وظهور الشيء يعقب تمايزه من غيره وانفصاله عنه، ولا سيما إذا علمنا أن (بين) على وزن (عين) يفيد الفصل، والبعد، والفرقة، ومنها المباينة. - القدرة على التبليغ والفصاحة، فبعد الظهور تأتي فصاحة اللسن، والافصاح مع الذكاء، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ. - تميّز الإنسان بفصل ومقوّميّة، فقد ورد في القرآن الكريم: خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ الرحمن/ ٣ - ٤، فبعد الخلق، فصل الإنسان عن سواه بالبيان «٢». فالبيان التميّز والظهور والبلاغ فالاتصال. وقد اختصر الجاحظ دور البيان قائلا: «المعاني القائمة في صدور الناس ... مستورة خفية ... وإنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها ... وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختيار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى» «٣». ثم إن الإعراب هو الإبانة عن المعنى. إن النحو منطق العربية، ففيه يتبيّن وجه تصرف الألفاظ في المعاني «٤». إنّ العلوم البيانية العربية قد كشفت عن منطق داخلي فيها، وذلك حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه. فالتعقيدات والتفنينات التي جاءت على يد اللغويين لم تكن خنقا للحياة في اللغة، بل كان لا بدّ من الكشف عن النظم البنيوي لهذه اللغة. إنّ هذه العملية تسمّى عقل اللغة والبيان. وهذا ما حدث عند ما تم ضبط علم الصرف والاشتقاق، وعلم المعاني والبيان وعلم النحو. كما إن «تتّبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم

стр. 28

المعاني والبيان» «١». ونحن عند ما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام واستخراج منطق مجرّد، يسعفنا على توليد المصطلح، باستخدام آليات العربية، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد، عبر صياغاتها، وبالتالي في الذهن العارف لمستعملها. أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له، فنختار بعمل غير مباشر، تقاربا بين المعارف واستعدادا للاستقبال الفكري، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف. ولنا مثال مشخّص من علم الحياة. فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب والأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه. ثم يعملان سويا، وأخيرا يتجانسان تقريبا بوحدة بعد الهضم في البنية. ولعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم وللانطباع في البنية. والأرجح أن من أهم ميزات العربية وخصوصيتها البيانية طريقتي: الأوزان والحركات. فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني وتسويغها. وعند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب والابدال والاشتقاق. علما أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان والدلالة من قيمة التجاوز ( Diachronie) في اللفظ. حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي، ولا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامن synchronie ، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى والشارة «٢». وتختلف العربية في بنائها في صفتين: إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز ولم تزل تخضع له. وإنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي. وهذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل وعلى ارتباط ولو بسيط بالجديد، مما يبعد صفة التزامن. كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها. وأقصد بالوجود دلالتها على المعنى وفعلها الاشاري. إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية، وإلى اعتبار ما هي عليه اللفظة والكلمة والتركيب آنيا. ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة. بينما العربية في أشكالها وفي عملية بناء المبنى

стр. 29

تقعدت على أساس الردّ إلى الأوزان، ومن الأوزان إلى التفعيلات الأساسية ومن التفعيلات الأساسية إلى المسلّمات، أي الثلاثي البسيط فعلا أو مصدرا. وهذا يشابه تماما حركة (الاكسيوم) البديهيات في الرياضيات الحديثة، وعملية الردّ إلى مسلمات أولى يستند إليها النسق في نظم معيّن. ولا غرابة في مقارناتنا هذه لأنّ الهدف دفع الذهن نحو اكتشاف العلاقات الصورية، بالرغم من المماثلة بين منطق اللغة ومنطق العلوم. والمصطلح يرافق اللغة وبنيانها النحوي، ويلحّ مبرزا إشكالية في أثناء اتصال الثقافات ببعضها وتلاقحها كمحاولة الغزالي «١». ولنا محطات بارزة في تاريخ اللغة العربية وروادا أوائل، تابع الآخرون خطاهم، مثل الكندي والفارابي قديما، والطهطاوي والبستاني حديثا. وقد شق هؤلاء وغيرهم دربا تعزّز، ثم انجمع في معاجم اختصت بالاصطلاحات. وفي الزمن المعاصر أشير إلى إلحاح المعنى الحادث المستجدّ، وأنّه يجنّ الكثير من الفعالية وعناصر التأثير في الفكر والعمل. لكن العودة إلى الأصل الثلاثي، البعد العمقي للبنيان، لم يلق انتباها عند البعض، بمثل ما تعتم ما تحصّل من مصطلح عند هذا البعض، فغدا المصطلح العصري تفلّتا من غير ضابط، فأدّى إلى عدم تأثيره في الذهنية، بل انتشر على وضع من التباين اللفظي في المفهوم الواحد. وهذا الأمر تشهده كثيرا عمليات الترجمة والنقل الحالية. علما أنّ المصطلحات تخصّ اللسان وتطال المعنى، وهي في خاصية اللسان تكتسي صيغة العربية كسوة فتوسم بميسم أبعادها، وهي في محاولة إصابة المعنى تتعدّى كسوتها الخاصة لتنجمع على تصور يتعدّى دلالة اللسن. وكأن الفارابي وعى صعوبة ذلك والإشكالية فقال: علم اللسان ضربان: «حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم ما يدلّ على شيء شيء منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ. والقوانين في كل صناعة أقاويل كلية أي جامعة ... » «٢». وكما ذكرنا من أنّ الدلالة العربية سارت مسارا طويلا، تنبّه له علماء أفاضل، فوضعوا جوامع أو معاجم لهذه المصطلحات، بعد أنّ تخطّت دلالات اللفظ مسارا

стр. 30

محسوسا ثم مجردا فاصطلاحا. واقتصر الاصطلاح على عدة مجالات سابرا عدة قرون من العطاء الفكري والعلمي. والملفت أنّ جمع هذا الاصطلاح تم على يد غير العرب بجلّه، ولكن هؤلاء بالرغم من كونهم ليسوا عربا إلا أنّهم ممن ضمّتهم الثقافة العربية بالاسلام. فبذلوا جهدا متميّزا جمّاعا ابتداء من القرن التاسع الهجري. وأخص بالذكر الجرجاني، والكفوي التركي، والتهانوي والنكري الهنديين وغيرهم. ولما استفاق العقل على مشارف القرن الثالث عشر الهجري لم يعط أهمية لعمل هؤلاء كحلقة وصل لنحت المصطلح الحادث، فحدث التفلت في تخيّر المصطلحات، وتمثّل ذلك بسقطتين: أولاهما: عدم العناية التامة في تخيّر المصطلح بالوزن ودلالته وأبعاده. ثانيتهما: غياب الاستئناس والانطلاق ممّا جمعه الموسوعيون من المصطلحات. ضمن هذه الخلفية تحفّزت أعمالنا في إعادة نظم وتحقيق كشاف اصطلاحات العلوم والفنون وغيره من الأعمال المماثلة المقبلة التي ستلي بعون الله تعالى.

стр. 31

التّعريف بالمؤلّف والكتاب وعمليّة التّحقيق ضمّ هذا القسم الموضوعات التالية: ١ - سيرة التهانوي ٢ - أهمية الكشاف وطبيعته ٣ - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق ٤ - شكر وتقدير ١ - سيرة التهانوي حياته: يعتبر محمد أعلى بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي «١» (الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي) واحدا من العلماء المسلمين الذين لم يجزوا حظا وافرا من الدراسة والبحث والشهرة على الرغم من أنّ عطاءه الكبير المتمثّل في الكشاف ينمّ عن سعة أفق وغزارة معلومات عزّ نظيرهما، وقد أمليا عليه لقب الموسوعي الكبير الذي بزّ أقرانه في عالم الفكر الموسوعي. في حين سكتت المصادر العربية والاسلامية عنه أو أشارت إليه لماما وباقتضاب. لذا جمعنا أخباره ونشأته بجهد جهيد، وذلك من خلال العبارات المتناثرة والجمل الشاردة، التي كوّنت مجتمعة صورة عن هذا العالم الجليل. والأرجح أنّ هناك الكثير من حلقات حياته ما زالت مجهولة لم يستطع الوقوف على معرفتها، ولم يعثر على ما يهدي إليها سبيلا. من ذلك: ولادة الشيخ ووفاته تحديدا، رحلته في الحياة، شيوخه وتلاميذه والتعرّف عليهم. علما أنّ المصادر

стр. 32

التي ذكرته كثيرة العدد «١» ضئيلة التفصيل في حياته، وربما استقت معلوماتها من مصدر واحد. ومن ثمّ تباينت المصادر والمراجع في تفصيل اسمه، حيث ورد في دائرة المعارف اسمه محمد علي «٢». كما ذكر جرجي زيدان في ترجمته أنه محمد صابر الفاروقي السنّي الحنفي التهانوي «٣»، من غير أن يذكر شيئا عن أبيه أو جده مثلما فعل الحسيني. وجاء في فهرس الكتبخانة الخديوية المصرية: محمد بن محمد بن جابر «٤». وفي اكتفاء القنوع: محمد علي بن أعلى «٥». بينما ذكر الزركلي وكحالة أنّه محمد بن علي «٦». والفاروقي نسبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وإليه كانت تنسب دولة الفاروقيين في خنديش بالهند، حيث استقلت هذه الدولة عن دلهي عقب وفاة (فيروز تغلق) في أواخر القرن الثامن الهجري، واستمرت حتى أوائل القرن الحادي عشر الهجري. والسنّي نسبة إلى أهل السنة. والحنفي نسبة إلى مذهب أبي حنيفة الذي

стр. 33

كان سائدا ولم يزل في بلاد الهند وما جاورها. أما التهانوي فنسبة لبلدة صغيرة تدعى (تهانه بهون) من أعمال مظفر نكر بالهند ومن ضواحي دلهي. وإلى هذه البلدة ينسب عدد من العلماء منهم: الشيخ عبد الرحيم التهانوي (- ١٢٢٣ هـ)، الشيخ محمد بن حمد الله التهانوي (- ١٢٩٦ هـ)، وسبطه أحمد الله التهانوي وقطب الزمان إمداد الله التهانوي الفاروقي الصابري المهاجر المكي وغيرهم. هذا ولم تمدنا المصادر والمراجع التي ذكرت التهانوي صاحب الكشاف، في شيء ولو يسير عن مولده. ولكن المرجّح لدينا أنّه ولد في أواخر القرن الحادي عشر الهجري. وذلك أنّ معظم المؤرخين اتفقوا على أنّه من علماء القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وأنّ تأليف الكشاف وقع في حدود عام ١١٥٨ هـ/ ١٧٤٥ م. إضافة إلى دليل آخر مفاده ادراك التهانوي لعصر عالمكير. وعالمكير هذا هو العالم الامبراطور (أورنك ذيب) الملقّب بعالم گير (١٠٦٩ - ١١١٩ هـ/ ١٦٥٨ - ١٧٠٧ م) علما أنّ مؤرخي الحركة العلمية والثقافية في عصر المغول ذكروا هذا العالم القائد، وتحدثوا عن اهتمامه الشديد بالعلوم النقلية والعقلية، وعمله الدءوب في نشر الاسلام وعقيدة أهل السنة، فضلا عن اهتمامه بالفتاوى الفقهية، حتى أنّه طلب من بعض الفقهاء وضع كتاب في ذلك سمّي بالفتاوى العالمكيرية. ومثلما ساد الغموض والتحديد مولد التهانوي فكذلك الأمر بالنسبة لوفاته. إذ غيّبت المصادر والمراجع تاريخ الوفاة. بل كل ما يستفاد منها ومن الكشاف أنّه كان حيا عام ١١٥٨ هـ، عند انتهائه من وضع معظم نصوص الكشاف. وهذا التاريخ أيضا ترافق مع أفول دولة المغول، لذا لا نستطيع الجزم ما إذا كان قد عاش بعد هذا التاريخ لسنوات طويلة أم قليلة. ولم يذكر عبد الحي الحسيني في نزهة الخواطر شيئا عن ذلك، وهو أقدم من أرّخ للتهانوي وعنه أخذ الباقون. أمّا ما ورد في الكشاف من الارتكان إلى بعض المراجع التي ظهرت في بداية القرن الثالث عشر الهجري، فهذا من عمل واضافات تلاميذه من الذين تابعوا ضبط الكشاف ونصوصه. ثقافته ومؤلفاته: تنوعت ثقافة التهانوي وتعدّدت مشارب علومه لغة وفقها وحديثا وتاريخا وفلكا

стр. 34

وفلسفة وتصوفا وغير ذلك. وهو الذي نشأ في بيت علم حيث كان والده من كبار العلماء، لقّب بقطب الزمان. ولاقت الأسرة والابن ضمنها تبجيل وتقدير المجتمع لنسبها إلى الفاروق عمر ﵁، ممّا عكس نفسه على تنشئة الولد النابه، فزاده ذلك دافعا وزخما. والمتتبّع للحركة العلمية التي سادت الهند آنذاك، يجد أنّ هذه الحركة عميقة الجذور متأصلة في التربة منذ أيام الغزنويين قبل عدة قرون، حيث انتشرت المعاهد العلمية وتأسّست المدارس، ولا سيما ما أنشأه السلطان محمود في غزنة. أضف إلى ذلك اهتمام السلاطين المتتابع في المكتبات وإعلاء دورها وتأثيرها، ممّا وفّر المصادر والمراجع الكثيرة بين أيدي طلاب العلم والعلماء. في هذا الجو المفعم بالزاد والنشاط العلميين عاش التهانوي، فنهل من ينابيع المعرفة وبحار العلم. وجال على الحواضر يلتقي العلماء ويستمع إليهم يأخذ عنهم وينكب على بحثه. فلا عجب إن أورد في تقديمه الكشاف فيما أورد: «لما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي، شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبيعية والالهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والأسطرلاب ونحوها. فلم يتيسر لي تحصيلا من الأساتذة فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أو ان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها ... ». وما ان نشر كتاب الكشاف واطلع عليه الباحثون والمؤرخون حتى انبروا إلى تقريظ التهانوي والثناء عليه بعبارات المدح وصيغ التبجيل. ومما قالوا عنه: باحث هندي «١»، لغوي «٢»، كان إماما بارعا عالما في العلوم «٣» ومصطلحاتها «٤». والتهانوي مصنّف الكشاف حسنة من حسنات الاسلام الهندي «٥». وبعد الاطلاع على موسوعة الكشاف لا يسعنا القول أمام هذا الانجاز العظيم

стр. 35

سوى الاقرار بأعلمية وموسوعية التهانوي التي فاقت كل عمل معجمي وموسوعي في العلوم حتى عصره. ويبدو أن التهانوي قد ترك مؤلفات عدة وصلنا منها ثلاثة. ولم نعلم إن كتب سواها فضاعت أم اكتفى بها. وهي: أولا: «أحكام الأراضي». يوجد في المكتبة الهندية تحت رقم ١٧٣٠، ومكتبة بانكى پور تحت رقم ١٥٩٩. ويقع الكتاب في ١٩ ورقة، يشتمل على الأبواب التالية: أ- في بيان معنى دار الاسلام ودار الحرب. ب- في بيان أحكام أراضي دار الاسلام. ج- في بيان أنواع الأراضي وأحكامها. والكتاب لم يزل مخطوطا لم يطبع بعد. ثانيا: «سبق الغايات في نسق الآيات». وهو كتاب في تفسير القرآن الكريم، ذكر بعض المترجمين أنّه للتهانوى «١»، وطبع بالهند عام ١٣١٦ هـ. ثالثا: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، وهو الكتاب الذي نحققه بحلّة جديدة. وهو أشهر كتبه بل أشهر الأعمال الموسوعية. فقد نال حظا وفيرا لدى أهل العلم والاختصاص. طبع الكتاب مرات عدة، هي: أ- طبع بالهند لأول مرة عام ١٨٦٢ م على يد جمعية البنغال الآسيوية من سلسلة المكتبة الهندية، كلكتا، وصحّحه المولوي محمد وجيه والمولوي عبد الحق والمولوي غلام قادر. واهتم به المستشرق النمساوي لويس سبرنغر التيرولي (- ١٣١٠ هـ/ ١٨٩٣ م). والمستشرق الايرلندي وليم ناسوليس. وصدرت هذه الطبعة في مجلدين كبيرين عدد صفحاتهما ١٥٦٤ صفحة. ب- الطبعة الثانية كانت بالآستانة عام ١٣١٧ هـ، وهذه الطبعة ليست كاملة حيث انتهى الكتاب بفصل الياء من باب الصاد، في مجلد واحد كبير، عدد صفحاته ٩٥٥ صفحة كبيرة، يليها خمس صفحات تتضمن استدراكات على الأخطاء الواردة في الطباعة. ج- الطبعة الثالثة كانت بتحقيق لطفي عبد البديع وعبد المنعم محمد حسنين، وراجعه

стр. 36

أمين الخولي، وصدرت عن مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٣ م، تحت اشراف وعناية وزارة الثقافة والارشاد القومي. وكانت هذه الطبعة في أربعة أجزاء، وهي غير كاملة حيث توقفت عند حرف الصاد، كما هي حال طبعة الآستانة. د- ثم صوّر في مكتبة صادر ولدى شركة خياط في بيروت. والصورتان تحصّلتا عن طبعة كلكتا. والجدير بالذكر أنّ جميع هذه الطبعات، على تعدادها اكتفت بنشر النص فقط، باستثناء الطبعة المصرية التي حاول فيها المحققون أن يعزوا الأقوال إلى مكانها في المصادر والمراجع ويعودوا إليها أحيانا، هذه الأقوال التي اعتمد عليها التهانوي في كشافه. ولم يتبعوا هذا المنهج في كل أمكنة النص، كما أنّهم نقلوا النص الفارسي إلى العربية. ٢ - أهمية الكشاف وطبيعته . ما إن ظهرت طبعة الكشاف بكلكتا عام ١٢٧٨ هـ/ ١٨٦٢ م، حتى انبرى العلماء ينكبون على الكتاب ينهلون من معينه، يمتدحونه ويثنون على مؤلفه بخير العبارات وأفضلها. إذ وجدوا فيه برد اليقين والمرجع الرصين والعلم الواسع والزاد اللغوي الوافر. وبه جمع التهانوي اصطلاحات العلوم والفنون وعرّف بها مع شرح لموضوعاتها واطناب في تشعباتها، وايراد لأعلام المتخصصين فيها، وثبت لأمهات مصادرها. حتى كاد المصطلح أو الفن أحيانا يضج بشواهده ويسبر غوائر دلالاته، فأضحى كل ذلك تأريخا شاملا لعلوم العرب والمسلمين على امتداد حقبتهم الحضارية المزدهرة، وإبان انبلاج قرائحهم وانفتاحها، وتمثّلها علوم السابقين المتقدمين مع ملاحقة أعمال المتأخرين. فلا غرو إن مثّل الكشاف مختصرا لسبر وفير للمفردات والمعاني والمصطلحات العربية والاسلامية في تعدّد دلالاتها، التي تنمّ عن تجربة كبيرة في ميادين المعرفة وتفرّعات اللغة والعلوم النظرية والكسبية والعملية والسلوكية. هذا في طبيعته والبناء، أما في غايته والهدف فإنّه معلمة جمع لما كان ومحطة وصل لما سيكون. إذ به ومنه يستعان في وضع الاصطلاح الجديد عبر تجوّز اللفظ والتجويز، كما هي عادة لسان العرب. فعبره يمكن توظيف الكثير من الاصطلاحات لمدلولات حادثة بواسطة خيط رفيع يربط بين المعنيين القديم والجديد أو مناسبة أو قياس.

стр. 37

ولا سيما أنّه بحقله والمعاني مغروس في وعي الذهنية العربية والاسلامية، قابع في اللامفكر به داخلها، وكل نشاط مستجد لن يخرج عن أرضيتها وبنائها. ففي هذه الذهنية وبها يتمثّل المعنى وينطلق اللفظ معبّرا عمّا في الافهام بعد هضمها في الأذهان، عندها يتم الاذتهان ونتمثّل العلوم العصرية خير تمثّل وبأفضل استقلاب مماثلة لما يحدث في العضويات. قيل في الكشاف: «هو معجم عظيم النفع للمصطلحات العلمية والفنية، يغني عن مراجعه آلاف من الصفحات وعشرات من الكتب. كفى تقديرا له أنّ علماء العرب تلقوه بالقبول، وعلماء الغرب عملوا على نشره» «١». وذكر أيضا: «والكتاب لا يستغني عنه دارس لجوانب المعرفة التراثية، وبخاصة في ميادين العلوم المختلفة كالطب والفلسفة والرياضيات والتصوف والفقه ... » «٢». كما وصف أيضا بأنه: «ابتكار جديد في الكتب والأدوات المساعدة في التصنيف أكثر منه في التصنيف نفسه، إذ إنّ في تصنيف العلوم قد كتب من كتب ... ولكن كثيرا من مشكلات التصنيف نجد حلا لها في هذا الكشاف. فالصياغات اللفظية لها مدلولاتها في الذهن والواقع» «٣». ولقد وضع العلماء المسلمون عددا من الموسوعات العلمية والمعاجم الشاملة التي تعين الباحث على مبتغاه؛ مثل جامع العلوم الملقّب بدستور العلماء لأحمدنكري، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، والكليات لأبي البقاء الكفوي، والتعريفات للجرجاني وغيرها، ولعلّ أوسع هذه الكتب وأشملها كتاب الكشاف. الباعث على تأليف الكشاف: يقول التهانوي عن باعثه إلى انتهاض الجد وتشمير العزم وتوكيد الحزم وتنفيذه فيما حفزه إلى هذا العمل الشاق الواسع: «إنّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فان لكل علم اصطلاحا خاصا به، إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، ولا إلى انقسامه دليلا. فطريق علمه إما الرجوع إليهم

стр. 38

أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة ... ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها، كي لا يبقى حينئذ للمتعلم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوعا. فلما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية ... شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم من الحكمة ... فصرفت شطرا من الزمان في مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها على ترتيب حروف التهجي كي يسهل استخراجها لكل أحد. فحصّلت في بضع سنين كتابا جامعا لها. ولما حصل الفراغ من تسويده سنة ١١٥٨ هـ، جعلته موسوما وملقّبا بكشاف اصطلاحات الفنون ... » «١». إذا، كان الغرض الأساسي الذي سعى إليه التهانوي التوفير على طالب العلم الجهد والوقت اللذين يبذلهما في أثناء التعرف على معنى متشعب الدلالات متنوع الموضوعات حيث يضيع بين طيات عشرات الكتب اللغوية والعلمية وربما لا يهتدي إلى مقصوده ولا يجد إليه سبيلا. منهج الكشاف: جاء الكشاف استجابة لملء الفراغ في المكتبة العربية والاسلامية. وقد استقصى فيه التهانوي بحث المعاني وايرادها على مختلف دلالاتها متدرجا من الدلالة اللغوية إلى الدلالة النقلية فالعقلية ثم العلمية. وتوسّع أحيانا في ايراد المسائل التي اقتضاها البحث في مجال من المجالات وأسهب. وسار على المنوال نفسه في بعض الألفاظ الفارسية التي طعّمها في الكتاب ولا سيما في آخره، والتي وضعناها تبعا لرسمها ولفظها وبالتسلسل الألفبائي مع العربية. وكان يعتمد في كل شرح على الكتب المعتبرة في العلوم المختلفة فيذكرها ويذكر أحيانا أصحابها، بمثل ما يورد الثقات من العلماء والمؤلفين، ويعمد أحيانا إلى ايراد المظان التي نقل عنها بارسالها في ثنايا المادة أو في آخرها.

стр. 39

وكما ذكرنا فالكشاف موسوعة كبيرة جمعت المصطلحات والمفردات الخاصة بالعلوم المعروفة حتى زمان التهانوي، وربما قيل انه استطاع جمعها أو جمع معظمها، لكن لم يسبرها كلها. فهذا فوق طاقته، إذ الوسائل في عصره لم تكن متوفرة كما هي حال استخدام الآلات الآن، إضافة إلى المراجع. رتّب التهانوي كشافة ترتيبا هجائيا الفبائيا في أبواب بحسب أوائل الحروف، ثم رتّب مادة كل باب في فصول تتسلسل الفبائيا، ولكن تبعا لأواخر الحروف. فمثلا نجد (أدب) و (أوبة) في باب واحد هو باب الهمزة، وفي فصل واحد ضمن هذا الباب وهو فصل الباء، لأنّ كليهما ينتهي بحرف الباء. ومن ثمّ افتتح التهانوي كتابه بمقدمة بسطها خطته المنهجية في التأليف. فتصدّرت المقدمة شروح في تبيان العلوم المدوّنة وما يتعلق بها، وعرضت وجوه تقسيم العلوم إلى نظرية وعملية على عادة تصنيف الحكمة لذلك. ثم جاء استعمال كل علم وغايته. كما فرّعت العلوم إلى عربية وغير عربية، وشرعية وغير شرعية، وحقيقية وغير حقيقية، ونقلية وعقلية، وإلى علوم جزئية وغير جزئية. انتقل التهانوي عقبها إلى ذكر مباحث في فلسفة التصنيف تنمّ عن عقلية متبحّرة في هذا المضمار، وتعمّق في التعريفات من حيث الذات والعرض وأحوالهما، ومن تحديد لحيثية الموضوع. والملفت البارز في المقدمة ما سمّاه التهانوي بالرءوس الثمانية، وهي معايير ومواصفات تضبط المادة وتقيّدها وتضمن سلامتها من الزيف، وهي: ١ - الغرض من تدوين العلم أو تحصيله. ٢ - المنفعة، أو الفائدة المجتناة من العلم. ٣ - السّمة، أي التسمية، عنوان الكتاب. ٤ - المؤلف، وهو مصنف الكتاب. ٥ - من أي علم هو. ٦ - في أي مرتبة هو، أي بيان مرتبة العلم بين العلوم. ٧ - القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها. ٨ - الانحاء التعليمية، وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، كالتقسيم والتحليل والتحديد والبرهان. ولعلّ التهانوي يوزع العلوم ببعد خاص، فيجعلها على ثلاث تصنيفات عامة:

стр. 40

أولا: العلوم العربية، التي يقسمها إلى أصول وفروع، ويجمعها على عشرة علوم: اللغة والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي والنحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة. ثانيا: العلوم الشرعية الدينية، ويفصّلها على النحو التالي: علم الكلام أو الفقه الأكبر أو التوحيد والصفات، علم التفسير، علم القراءة- قراءة القرآن الكريم-، علم الاسناد، علم الحديث، علم أصول الفقه، علم الفقه، علم الفرائض، علم السلوك. ثالثا: العلوم العقلية، وهي التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، وهي: المنطق وأصوله التسعة، والحكمة وأقسامها: الإلهي والرياضي والطبيعي. وفروع ستة. والطبيعي له أصول ثمانية وفروع سبعة. وتجدر الاشارة إلى أنّ مواد الكشاف التي وردت بعد المقدمة انشطرت شطرين ضمن فنين: الفن الأول: تضمن الألفاظ المصطلحة العربية، وهو الأعظم حجما ومادة، وورد فيه بعض الألفاظ غير المصطلحة، واشتمل على أبواب والأبواب على فصول. الفن الثاني: ووردت فيه الألفاظ الأعجمية بالترتيب الهجائي، وهي ضئيلة العدد. وقد بلغ عدد المصطلحات الواردة في الكشاف من الفنين ثلاثة آلاف وخمسة وأربعون مصطلحا، تفاوتت في توزيعها بحسب نظمنا لها، فكان نصيب حرف الميم من أكثرها ثم الألف فالتاء فالحاء فالعين وهكذا. رحم الله التهانوي العالم الموسوعي والشارح المدقّق رحمة واسعة. ويكفيه فضل أنّه أدرك حاجة طلاب العلم والمكتبة العربية والاسلامية إلى هكذا عمل، فسدّ ثغرة، وتخطّى مرحلة، واختزل جهد مجموعة، حتى قورن عمله، فظنّ به صدى لما قام في أوروبا من أعمال معجمية موسوعية، دأبت عليها لتحقيقها جماعات ووحدانا، وانفرد هو بصبره وإيمانه في إنجاز مشابه، خصّ العربية وأتحف الاسلام. ندعو الله أن يجزيه جزيل الثواب والمغفرة لقاء صنيعه، ونحمده ، نعم المولى ونعم النصير.
следующие страницы →