أمين الخولي، وصدرت عن مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٣ م، تحت اشراف وعناية وزارة الثقافة والارشاد القومي. وكانت هذه الطبعة في أربعة أجزاء، وهي غير كاملة حيث توقفت عند حرف الصاد، كما هي حال طبعة الآستانة.
د- ثم صوّر في مكتبة صادر ولدى شركة خياط في بيروت. والصورتان تحصّلتا عن طبعة كلكتا.
والجدير بالذكر أنّ جميع هذه الطبعات، على تعدادها اكتفت بنشر النص فقط، باستثناء الطبعة المصرية التي حاول فيها المحققون أن يعزوا الأقوال إلى مكانها في المصادر والمراجع ويعودوا إليها أحيانا، هذه الأقوال التي اعتمد عليها التهانوي في كشافه. ولم يتبعوا هذا المنهج في كل أمكنة النص، كما أنّهم نقلوا النص الفارسي إلى العربية.
٢ - أهمية الكشاف وطبيعته .
ما إن ظهرت طبعة الكشاف بكلكتا عام ١٢٧٨ هـ/ ١٨٦٢ م، حتى انبرى العلماء ينكبون على الكتاب ينهلون من معينه، يمتدحونه ويثنون على مؤلفه بخير العبارات وأفضلها. إذ وجدوا فيه برد اليقين والمرجع الرصين والعلم الواسع والزاد اللغوي الوافر. وبه جمع التهانوي اصطلاحات العلوم والفنون وعرّف بها مع شرح لموضوعاتها واطناب في تشعباتها، وايراد لأعلام المتخصصين فيها، وثبت لأمهات مصادرها. حتى كاد المصطلح أو الفن أحيانا يضج بشواهده ويسبر غوائر دلالاته، فأضحى كل ذلك تأريخا شاملا لعلوم العرب والمسلمين على امتداد حقبتهم الحضارية المزدهرة، وإبان انبلاج قرائحهم وانفتاحها، وتمثّلها علوم السابقين المتقدمين مع ملاحقة أعمال المتأخرين.
فلا غرو إن مثّل الكشاف مختصرا لسبر وفير للمفردات والمعاني والمصطلحات العربية والاسلامية في تعدّد دلالاتها، التي تنمّ عن تجربة كبيرة في ميادين المعرفة وتفرّعات اللغة والعلوم النظرية والكسبية والعملية والسلوكية. هذا في طبيعته والبناء، أما في غايته والهدف فإنّه معلمة جمع لما كان ومحطة وصل لما سيكون.
إذ به ومنه يستعان في وضع الاصطلاح الجديد عبر تجوّز اللفظ والتجويز، كما هي عادة لسان العرب. فعبره يمكن توظيف الكثير من الاصطلاحات لمدلولات حادثة بواسطة خيط رفيع يربط بين المعنيين القديم والجديد أو مناسبة أو قياس.
стр. 37
ولا سيما أنّه بحقله والمعاني مغروس في وعي الذهنية العربية والاسلامية، قابع في اللامفكر به داخلها، وكل نشاط مستجد لن يخرج عن أرضيتها وبنائها. ففي هذه الذهنية وبها يتمثّل المعنى وينطلق اللفظ معبّرا عمّا في الافهام بعد هضمها في الأذهان، عندها يتم الاذتهان ونتمثّل العلوم العصرية خير تمثّل وبأفضل استقلاب مماثلة لما يحدث في العضويات.
قيل في الكشاف: «هو معجم عظيم النفع للمصطلحات العلمية والفنية، يغني عن مراجعه آلاف من الصفحات وعشرات من الكتب. كفى تقديرا له أنّ علماء العرب تلقوه بالقبول، وعلماء الغرب عملوا على نشره» «١».
وذكر أيضا: «والكتاب لا يستغني عنه دارس لجوانب المعرفة التراثية، وبخاصة في ميادين العلوم المختلفة كالطب والفلسفة والرياضيات والتصوف والفقه ... » «٢».
كما وصف أيضا بأنه: «ابتكار جديد في الكتب والأدوات المساعدة في التصنيف أكثر منه في التصنيف نفسه، إذ إنّ في تصنيف العلوم قد كتب من كتب ... ولكن كثيرا من مشكلات التصنيف نجد حلا لها في هذا الكشاف. فالصياغات اللفظية لها مدلولاتها في الذهن والواقع» «٣».
ولقد وضع العلماء المسلمون عددا من الموسوعات العلمية والمعاجم الشاملة التي تعين الباحث على مبتغاه؛ مثل جامع العلوم الملقّب بدستور العلماء لأحمدنكري، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، والكليات لأبي البقاء الكفوي، والتعريفات للجرجاني وغيرها، ولعلّ أوسع هذه الكتب وأشملها كتاب الكشاف.
الباعث على تأليف الكشاف:
يقول التهانوي عن باعثه إلى انتهاض الجد وتشمير العزم وتوكيد الحزم وتنفيذه فيما حفزه إلى هذا العمل الشاق الواسع:
«إنّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فان لكل علم اصطلاحا خاصا به، إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، ولا إلى انقسامه دليلا. فطريق علمه إما الرجوع إليهم
стр. 38
أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة ... ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها، كي لا يبقى حينئذ للمتعلم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوعا. فلما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية ... شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم من الحكمة ... فصرفت شطرا من الزمان في مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها على ترتيب حروف التهجي كي يسهل استخراجها لكل أحد.
فحصّلت في بضع سنين كتابا جامعا لها. ولما حصل الفراغ من تسويده سنة ١١٥٨ هـ، جعلته موسوما وملقّبا بكشاف اصطلاحات الفنون ... » «١».
إذا، كان الغرض الأساسي الذي سعى إليه التهانوي التوفير على طالب العلم الجهد والوقت اللذين يبذلهما في أثناء التعرف على معنى متشعب الدلالات متنوع الموضوعات حيث يضيع بين طيات عشرات الكتب اللغوية والعلمية وربما لا يهتدي إلى مقصوده ولا يجد إليه سبيلا.
منهج الكشاف:
جاء الكشاف استجابة لملء الفراغ في المكتبة العربية والاسلامية. وقد استقصى فيه التهانوي بحث المعاني وايرادها على مختلف دلالاتها متدرجا من الدلالة اللغوية إلى الدلالة النقلية فالعقلية ثم العلمية. وتوسّع أحيانا في ايراد المسائل التي اقتضاها البحث في مجال من المجالات وأسهب. وسار على المنوال نفسه في بعض الألفاظ الفارسية التي طعّمها في الكتاب ولا سيما في آخره، والتي وضعناها تبعا لرسمها ولفظها وبالتسلسل الألفبائي مع العربية.
وكان يعتمد في كل شرح على الكتب المعتبرة في العلوم المختلفة فيذكرها ويذكر أحيانا أصحابها، بمثل ما يورد الثقات من العلماء والمؤلفين، ويعمد أحيانا إلى ايراد المظان التي نقل عنها بارسالها في ثنايا المادة أو في آخرها.
стр. 39
وكما ذكرنا فالكشاف موسوعة كبيرة جمعت المصطلحات والمفردات الخاصة بالعلوم المعروفة حتى زمان التهانوي، وربما قيل انه استطاع جمعها أو جمع معظمها، لكن لم يسبرها كلها. فهذا فوق طاقته، إذ الوسائل في عصره لم تكن متوفرة كما هي حال استخدام الآلات الآن، إضافة إلى المراجع.
رتّب التهانوي كشافة ترتيبا هجائيا الفبائيا في أبواب بحسب أوائل الحروف، ثم رتّب مادة كل باب في فصول تتسلسل الفبائيا، ولكن تبعا لأواخر الحروف. فمثلا نجد (أدب) و (أوبة) في باب واحد هو باب الهمزة، وفي فصل واحد ضمن هذا الباب وهو فصل الباء، لأنّ كليهما ينتهي بحرف الباء.
ومن ثمّ افتتح التهانوي كتابه بمقدمة بسطها خطته المنهجية في التأليف. فتصدّرت المقدمة شروح في تبيان العلوم المدوّنة وما يتعلق بها، وعرضت وجوه تقسيم العلوم إلى نظرية وعملية على عادة تصنيف الحكمة لذلك. ثم جاء استعمال كل علم وغايته.
كما فرّعت العلوم إلى عربية وغير عربية، وشرعية وغير شرعية، وحقيقية وغير حقيقية، ونقلية وعقلية، وإلى علوم جزئية وغير جزئية.
انتقل التهانوي عقبها إلى ذكر مباحث في فلسفة التصنيف تنمّ عن عقلية متبحّرة في هذا المضمار، وتعمّق في التعريفات من حيث الذات والعرض وأحوالهما، ومن تحديد لحيثية الموضوع.
والملفت البارز في المقدمة ما سمّاه التهانوي بالرءوس الثمانية، وهي معايير ومواصفات تضبط المادة وتقيّدها وتضمن سلامتها من الزيف، وهي:
١ - الغرض من تدوين العلم أو تحصيله.
٢ - المنفعة، أو الفائدة المجتناة من العلم.
٣ - السّمة، أي التسمية، عنوان الكتاب.
٤ - المؤلف، وهو مصنف الكتاب.
٥ - من أي علم هو.
٦ - في أي مرتبة هو، أي بيان مرتبة العلم بين العلوم.
٧ - القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها.
٨ - الانحاء التعليمية، وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، كالتقسيم والتحليل والتحديد والبرهان.
ولعلّ التهانوي يوزع العلوم ببعد خاص، فيجعلها على ثلاث تصنيفات عامة:
стр. 40
أولا: العلوم العربية، التي يقسمها إلى أصول وفروع، ويجمعها على عشرة علوم: اللغة والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي والنحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة.
ثانيا: العلوم الشرعية الدينية، ويفصّلها على النحو التالي:
علم الكلام أو الفقه الأكبر أو التوحيد والصفات، علم التفسير، علم القراءة- قراءة القرآن الكريم-، علم الاسناد، علم الحديث، علم أصول الفقه، علم الفقه، علم الفرائض، علم السلوك.
ثالثا: العلوم العقلية، وهي التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، وهي:
المنطق وأصوله التسعة، والحكمة وأقسامها: الإلهي والرياضي والطبيعي.
وفروع ستة. والطبيعي له أصول ثمانية وفروع سبعة.
وتجدر الاشارة إلى أنّ مواد الكشاف التي وردت بعد المقدمة انشطرت شطرين ضمن فنين:
الفن الأول: تضمن الألفاظ المصطلحة العربية، وهو الأعظم حجما ومادة، وورد فيه بعض الألفاظ غير المصطلحة، واشتمل على أبواب والأبواب على فصول.
الفن الثاني: ووردت فيه الألفاظ الأعجمية بالترتيب الهجائي، وهي ضئيلة العدد.
وقد بلغ عدد المصطلحات الواردة في الكشاف من الفنين ثلاثة آلاف وخمسة وأربعون مصطلحا، تفاوتت في توزيعها بحسب نظمنا لها، فكان نصيب حرف الميم من أكثرها ثم الألف فالتاء فالحاء فالعين وهكذا.
رحم الله التهانوي العالم الموسوعي والشارح المدقّق رحمة واسعة. ويكفيه فضل أنّه أدرك حاجة طلاب العلم والمكتبة العربية والاسلامية إلى هكذا عمل، فسدّ ثغرة، وتخطّى مرحلة، واختزل جهد مجموعة، حتى قورن عمله، فظنّ به صدى لما قام في أوروبا من أعمال معجمية موسوعية، دأبت عليها لتحقيقها جماعات ووحدانا، وانفرد هو بصبره وإيمانه في إنجاز مشابه، خصّ العربية وأتحف الاسلام. ندعو الله أن يجزيه جزيل الثواب والمغفرة لقاء صنيعه، ونحمده ، نعم المولى ونعم النصير.
стр. 41
٣ - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق .
توزّعت أعمال الفريق على ثلاث شعب رئيسية هي:
تحقيق النص ونظمه، نقل النصوص الفارسية إلى العربية، اختيار الألفاظ الأوروبية المقابلة للمصطلحات.
قام بتحقيق النص وضبطه الدكتور علي دحروج يساعده فريق كبير من الباحثين سنأتي على ذكرهم لاحقا، وتولّيت توزيع العمل بينهم مع المشاركة والمراجعة خطوة خطوة.
أنجز الشيخ د. عبد الله الخالدي نقل النصوص والعبارات الفارسية جميعها إلى العربية. وأشرفت على المادة توزيعا وضبطا فقط.
وضع الدكتور جورج زيناتي الألفاظ المقابلة لمصطلحات الكشاف في الانكليزية والفرنسية وأحيانا في اللاتينية. أما في الالمانية فهي لغة حديثة نسبيا وبعيدة عن مقابلة علوم المسلمين التي ظهرت في فترة سابقة عليها. وشاركت في توزيع العمل والمراجعة.
تدرّج التحقيق وترتّب على مراحل عدة نوجزها بما يلي:
- إعادة تبويب المادة على أساس المصطلح المستقل.
- ايراد المصطلحات وموادها متتالية تبعا للتسلسل الألفبائي وبحسب رسم كل مصطلح وتتابع حروفه كما أشرنا، وذلك من غير اعتبار لأل التعريف وللجذر اللغوي. وقد قام بذلك «الكمبيوتر» الحاسوب، بعد أن أعددنا له لوائح المصطلحات منظّمة على أحرف الألفباء للحرف الأول فيها.
- بقي مضمون مادة المصطلح أو ما سنتعارف عليه بالنص والمتن كما هو من غير مسّ. وضبطت بعض حركاته بالتنوين عند الاقتضاء، تحاشيا للإشكال فقط، من غير قاعدة واحدة، والغرض التيسير على القارئ.
- ولقد اعتمد نص الطبعة الهندية في المتن، وإن وجد فيه نقص أضيفت كلمة أو عبارة من طبعتي: العثمانية والمصرية، وذلك بعد مقارنة كل طبعة على المتن الأصلي.
وإن عثر على فارق أشير في الهامش إلى ذلك الفارق. وفي جميع الأحوال عند وجود النقص أو الفارق أشير في الهامش إلى كل ذلك، مع تثبيت الكلام المختلف ووضع أمامه رمز الطبعة وعلامة زائد عند الزيادة وناقص عند النقص. كما رمز
стр. 42
للطبعة العثمانية (ع) وللمصرية (م). لكن من المعلوم أن الطبعتين وقفتا عند نهاية حرف الصاد وداخلهما بعض من حرف الميم.
- نقل النص الفارسي المنبث في ثنايا المادة إلى الهامش كما هو، ووضع مكانه معناه في العربية حسبما آلت إليه الترجمة. وتم الاكتفاء بتعريبه من دون التعريف بالأعلام وبأسماء الكتب الواردة في متنه لتعذّر ذلك مرجعيا. كما ميّز الكلام العربي المترجم في المتن لفصله عن كلام التهانوي بخط أشد سوادا.
- سبرت وحصرت في النص العربي العناصر التالية: آيات القرآن، أحاديث الرسول ﷺ ، الاعلام، أسماء الكتب، المصطلحات الغريبة، الفرق، القبائل، الأمكنة.
- ولقد تم بعد حصر هذه العناصر الآتي:
* تخريج آيات القرآن بايراد السورة ورقم الآية في الهامش. ووضعت الآية بين هلالين متوجين في المتن.
* اسناد الأحاديث وتصويبها عند الاقتضاء في الهامش انطلاقا من الصحاح والمسانيد وكتب الحديث المعهودة. ووضع الحديث في المتن بين «».
* التعريف بالاعلام في الهامش بالاعتماد على أكثر من مرجع مع ذكر المراجع مختصرة.
* التعريف بأسماء الكتب وأصحابها مع ذكر تاريخ وفاتهم بوضع علامة (-) قبل السنة، والارتكاز في ذلك على مرجع أو أكثر مختصر. كل ذلك في الهامش.
* شرح بعض المصطلحات والتعليق عليها، ولا سيما تلك التي تحمل أبعادا فلسفية. كذلك الأمر في الهامش.
* التعريف بالفرق والقبائل والأمكنة.
اعتمدنا في جل شروحنا بالهامش، معظم الأحيان، على التاريخين الهجري والميلادي. وممّا يلفت إليه كثرة الأخطاء الواردة في النص وفي كل النسخ على اختلاف طبعتها. وربما كان مرد الأمر النسخ أو الطباعة. وتجلّى ذلك في ورود عدد من أسماء الأعلام والكتب مصحّفة، فصوبنا ما استطعنا إليه سبيلا عن قاعدة ومرجع. وقد زاد كل ذلك في الصعوبات.
كما ورد عدد من الأحاديث النبوية بالمعنى دون اللفظ، فاقتضانا ذلك الاشارة وايراد الحديث أحيانا.
وإن قصرنا عن التعريف ببعض الاعلام وأسماء الكتب التي لا تتجاوز العشرة فمرد الأمر التصحيف أو عدم وجودها في المراجع المتوفرة.
стр. 43
وتبيّن أنّ التهانوي كثيرا ما ينتقل في شرحه من العربية إلى الفارسية، لكن الجلي في شروحه الفارسية أنّه قد تعلم هذه اللغة وليس هو ابنها، ويستدل ذلك من بعض الأخطاء أحيانا أو المبالغة أو البساطة تارة والتعقيد طورا. بل حوّرت أحيانا بعض الألفاظ، والمعروف أنّ أصلها هندي، ولا سيما أن الكاتب هندي. فيستفاد من ذلك أن التهانوي غريب عن الفارسية وأتقنها كما حاله مع العربية، ومع الفارق بين اللغتين لجهة تملكه نواصي العربية.
لكن النقل من الفارسية إلى العربية تحصّل يسيرا من غير صعوبات لتشارك اللغتين في المعنى ومساهمتهما معا في الحضارة الاسلامية.
أما الصعوبات المتعددة فقد تأتّت عند نقل المصطلح من العربية إلى الأوروبية.
فعلى الرغم من أنّ جزءا من ذاكرة الحضارة الغربية جاء من الحضارة العربية، حين كانت هذه تحتضن شتى العلوم، إلا أنّ هوة شاسعة زادت من الفصل بينهما تباعا.
حيث تغيرت كثيرا المعطيات العلمية، وطريقة فهم الأشياء. ففي الطب مثلا بقي عدد من أسماء الأمراض على حاله وتغيّر العديد، أما في الأدوية وتصنيفها، وإن احتفظت بشيء من قدمها، فقد تغيرت كثيرا. وفي علم الهيئة والفلك أخذ التنجيم حيّزا هاما في الموسوعة، بينما لم يعد مهما في أوروبا، حيث ظهرت مصطلحاته. وتبدّلت النظريات الفلكية وقياس أبعاد الكواكب كليا. وممّا تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد مثلا أنّ علمي الرمل والجفر قد اختفيا تماما من المصطلح العلمي المعاصر، بينما كان لهما اعتبار مرموق في الكشاف.
ولم يخل الأمر من مفاجآت إبّان الترجمة، إذ يوجد مرض ما أو انحراف حسابي لا وجود لمقابل له في الأوروبية، ممّا يدفع إلى جهد جهيد للتفتيش والاستنباط أحيانا. وربما وجد مصطلح متعارف عليه كلفظ محمولات الذي درج في المنطق عند العرب، لكن اصطلح عليه آنذاك على غير ما تعارفنا عليه. حيث دلّ على دواء خاص وطريقة استعمال، وربما قابل ما ندعوه اليوم «تحميلة».
وأخيرا فمن صعوبات الترجمة ما أدخله المتصوفة بقوة على المصطلحات الشرعية والعلمية من دلالات لا تخصّ معناها الأصلي. حيث استخدموا المصطلحات عينها بعد تحويرها جزئيا أو كليا عن حقلها الدلالي واعطائها معنى من عندياتهم ومن لدن تبدّياتهم. وليس أمام الناقل إلا التمعّن في ذلك وعدم تجاهله وتخيّر المقابل السليم المعبّر.
стр. 44
وقد خلصنا بعد اتمام العمل هذا إلى جملة فهارس زادت العمل اغناء، وستيسر على طالب العلم والقارئ تيسيرا، وتساعده في الوصول إلى مبتغاه ومطلوبه سريعا.
وقد جمعت هذه الفهارس على:
- فهرس أسماء الاعلام تبعا لتسلسلها الألفبائي وبحسب ورودها في صفحاتها.
- فهرس أسماء الكتب ألفبائيا أيضا، مع ذكر ورودها في صفحاتها.
- فهرس للمصطلحات الأوروبية اعتمادا على ذكر المصطلح الأول الانكليزي الفبائيا ومقابله الفرنسي والعربي، تبعا لورودها في صفحاتها.
- فهرس مصطلحات الكشاف كما وردت ألفبائيا مع ذكر صفحاتها. وهذا الفهرس هو بمثابة فهرس المحتويات.
كما لا بدّ من ذكر مختصر للرموز المعتمدة في عملنا:
الهلالان المتوجان: خاص بالآيات القرآنية.
«» المحصوران: خاص بالأحاديث النبوية الشريفة.
ع رمز النسخة العثمانية.
م رمز النسخة المصرية.
(+) رمز يشير إلى لفظة أو عبارة زائدة.
(-) رمز يشير إلى لفظة أو عبارة ناقصة.
- ... هـ يشير إلى وفاة علم أو صاحب كتاب.
[] المعقوفان خاص بكلام ورد ضمنهما زيادة على نسخة الهند.
بيروت
الأول من محرم ١٤١٦ هـ - ٣٠ أيار ١٩٩٥ م
رفيق العجم
стр. 45
[الجزء الأول]
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان، وخصّصه بروائع الإحسان، وميّزه بالعقل الغريزي وأتم العرفان. والصلاة على من وجوده رحمة للعالمين، محمد رسول الملائكة والثّقلين أجمعين، أفضل مجموع الملائكة والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الذين بهم طلع شمس الحقّ وأشرق وجه الدين، واضمحلّ ظلام الباطل، ولمع نور اليقين.
وبعد، يقول العبد الضعيف محمد على «١» بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي انّ أكثر ما يحتاج به في تحصيل العلوم المدوّنة والفنون المروّجة إلى الأساتذة هو اشتباه الاصطلاح، فإنّ لكل [علم] «٢» اصطلاحا خاصا به إذا لم يعلم بذلك لا يتيسّر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلا، وإلى انغمامه «٣» دليلا.
فطريق علمه إمّا الرجوع إليهم أو إلى الكتب التي جمع فيها اللغات المصطلحة كبحر الجواهر «٤» وحدود الأمراض «٥» في علم الطب واللطائف الأشرفية «٦» ونحوه في علم التصوّف، ولم أجد كتابا حاويا لاصطلاحات جميع العلوم المتداولة بين الناس وغيرها. وقد كان يختلج في صدري أوان التحصيل أن أؤلّف كتابا وافيا لاصطلاحات جميع العلوم، كافيا للمتعلم من الرجوع إلى الأساتذة العالمين بها كي لا يبقى حينئذ للمتعلّم بعد تحصيل العلوم العربية حاجة إليهم إلّا من حيث السّند عنهم تبركا وتطوّعا.
فلمّا فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي شمّرت عن ساق الجدّ إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبعية «٧» والإلهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والاسطرلاب ونحوها، فلم يتيسّر تحصيلها من الأساتذة، فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي فكشفها الله تعالى عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة وسطّرتها على حدة، في كل باب باب يليق بها على ترتيب حروف التهجّي كي يسهل استخراجها لكل أحد، وهكذا اقتبست من سائر العلوم فحصّلت في بضع سنين
стр. 46
كتابا جامعا لها.
ولمّا حصل الفراغ من تسويدها سنة ألف ومائة وثمانية وخمسين جعلته موسوما وملقبا بكشّاف اصطلاحات الفنون، ورتّبته على فنّين: فن في الألفاظ العربية، وفنّ في الألفاظ العجمية.
ولمّا كان للعلوم المدوّنة نوع تقدّم على غيرها من حيث إنّا إذا قلنا هذا اللفظ في اصطلاح النحو موضوع لكذا مثلا وجب لنا أن نعلم النحو أولا، وكان ذكرها مجموعة موجبا للإيجاز والاختصار والتسهيل على النّظار ذكرتها في المقدمة، فنقول مستعينا بالوهّاب العلّام.
стр. 47
المقدّمة في بيان العلوم المدوّنة وما يتعلّق بها
العلوم المدوّنة: وهي العلوم التي دوّنت في الكتب كعلم الصرف والنحو المنطق والحكمة ونحوها.
اعلم أنّ العلماء اختلفوا؛ فقيل: لا يشترط في كون الشخص عالما بعلم أن يعلمه بالدليل؛ وقيل:
يشترط ذلك حتى لو علمه [أحد] «١» بلا أخذ «٢» دليل يسمّى حاكيا لا عالما، وإليه يشير كلام المحقق عبد الحكيم «٣» في حاشية فوائد الضيائية «٤» حيث قال: من قال العلم عبارة عن العلم بالمسائل المدلّلة جعل العلم بالمسائل المجرّدة حكاية لمسائل العلوم، ومن قال إنه عبارة عن المسائل جعله علما انتهى.
وبالنظر إلى المذهب الأول ذكر المحقّق المذكور في حواشي الخيالي «٥» من «٦» أنّ العلم قد يطلق على التصديق بالمسائل، وقد يطلق على نفس المسائل، وقد يطلق على الملكة الحاصلة منها.
وأيضا مما يقال كتبت علم فلان أو سمعته، أو يحصر في ثمانية أبواب مثلا هو المعنى الثاني، ويمكن حمله على المعنى الأول أيضا بلا بعد، لأن تدوين المعلوم بعد تدوين العلم عرفا، وأمّا تدوين الملكة فممّا يأباه الذوق السليم انتهى. وما يقال فلان يعلم النحو مثلا لا يراد به أن جميع مسائله حاضرة في ذهنه، بل يراد به أنّ له حالة بسيطة إجمالية هي مبدأ لتفاصيل مسائله، بها يتمكّن من استحضارها، فالمراد بالعلم المتعلّق بالنحو هاهنا هو الملكة وإن كان النحو عبارة عن المسائل، هكذا يستفاد من المطوّل وحواشيه «٧».
стр. 48
وبالنظر إلى المذهب الثاني قال صاحب الأطول «١» في تعريف علم المعاني: أسماء العلوم المدوّنة نحو علم المعاني تطلق على إدراك القواعد عن دليل، حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم بل حاك، ذكره السيّد السند «٢» في شرح المفتاح «٣».
وقد تطلق على معلوماتها التي هي القواعد، لكن إذا علمت عن دليل وإن أطلقوا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، أعني ملكة استحضارها متى أريد، لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل وإن أطلقوا كما يقتضيه تخصيص الاسم بالإدراك عن دليل كما لا يخفى.
وكذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة، لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة، وفي الملكة التي هي تابعة للإدراك في الحصول ووسيلة إليه في البقاء، وفي متعلّق الإدراك الذي هو المسائل إمّا حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور. وفي كونه حقيقة الإدراك نظر، لأنّ المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا حتى يكون حقيقة انتهى. وقال أبو القاسم «٤» في حاشية المطول:
إن جعل أسماء العلوم المدوّنة مطلقة على الأصول والقواعد وإدراكها والملكة الحاصلة على سواء، وكذا لفظ العلم صحّ.
ثم إنهم ذكروا أن المناسب أن يراد بالملكة هاهنا كيفية للنفس بها يتمكن من معرفة جميع المسائل، يستحضر بها ما كان معلوما مخزونا منها، ويستحصل ما كان مجهولا، لا ملكة الاستحضار فقط المسمّاة بالعقل بالفعل إذ الظاهر أنّ من تمكّن من معرفة جميع مسائل علم بأن يكون عنده ما يكفيه في تحصيلها يعدّ عالما بذلك العلم من غير اشتراط العلم بجميعها فضلا عن صيرورتها «٥» مخزونة، ولا ملكة الاستحصال فقط المسمّاة بالعقل بالملكة، لأنه يلزم حينئذ أن يعدّ عالما من له تلك الملكة مع عدم حصول شيء من المسائل، فالمراد بالملكة أعم من ملكة الاستحضار والاستحصال؛ قال في
стр. 49
الأطول: المراد الاستحضار لا الملكة المطلقة، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد وهو يتزايد يوما فيوما ليس بممتنع ولا بمستبعد، فإنّ استحالة معرفة الجميع لا ينافي كون العلم سببا لها، وتسمية البعض فقيها أو نحويا أو حكيما كناية عن علوّ شأنه في العلم بحيث كأنه حصل له الكلّ، وبالجملة فملكة الاستحصال ليست علما وإنما الكلام في أن ملكة استحضار أكثر المسائل مع ملكة استحصال الباقي هل هو العلم أم لا؟ فمن أراد أن يكون إطلاق الفقيه على الأئمة حقيقة مع عجزهم عن جواب بعض الفتاوى التزم ذلك، وأمّا على ما سلكنا من أنّ الإطلاق مجازي فلا يلزمه.
التقسيم
اعلم أن هاهنا، أي في مقام تقسيم العلوم المدوّنة التي هي إمّا المسائل أو التصديق بها، تقسيمات على ما في بعض حواشي شرح المطالع «١». وقال السيّد السّند إن [العلم] «٢» بمعنى ملكة الإدراك يتناول العلوم النظرية.
الأول: العلوم إمّا نظرية أي غير متعلّقة بكيفية عمل، وإمّا عمليّة أي متعلّقة بها. فالمنطق والحكمة العملية والطب العملي وعلم الخياطة كلّها داخلة في العملي لأنها بأسرها متعلّقة بكيفية عمل: إمّا ذهني كالمنطق أو خارجي كالطّب مثلا؛ توضيحه أن العملي والنظري يستعملان لمعان: أحدها في تقسيم العلوم مطلقا كما عرفت. وثانيها في تقسيم الحكمة، فإن العملي هناك علم بما يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا، والنظري علم بما لا يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا. وثالثها ما ذكر في تقسيم الصناعات من أنها [إمّا] «٣» عملية أي يتوقّف حصولها على ممارسة العمل أو نظرية [أي] «٤» لا يتوقف حصولها عليها، وعلى هذا فعلم الفقه والنحو والمنطق والحكمة العملية والطبّ العملي خارجة عن العملي إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال، بخلاف علوم الخياطة والحياكة والحجامة لتوقفها على الممارسة والمزاولة. والعملي بالمعنى الأول أعم من العملي المذكور في تقسيم الحكمة، لأنه يتناول ما يتعلّق بكيفية عمل ذهني كالمنطق ولا يتناوله العملي المذكور في تقسيم الحكمة لأنه هو الباحث عن أحوال ما لاختيارنا مدخل في وجوده مطلقا، أو الخارجي.
وموضوع المنطق معقولات ثانية لا يحاذى بها أمر في الخارج، ووجودها الذهني لا يكون مقدورا لنا فلا يكون داخلا في العملي بهذا المعنى.
وأما العملي المذكور في تقسيم الصناعات فهو أخصّ من العملي بكلا المعنيين لأنه قسم من الصناعة المفسرة بعلم متعلّق بكيفية العمل سواء حصل بمزاولة العمل أولا، فالعملي بالمعنى الأول نفس الصناعة، وبالمعنى الثاني أخصّ من الأول لكنه أعمّ من هذا المعنى الثالث لعدم المزاولة ثمة بخلافها هاهنا.
стр. 50
الثاني: العلوم إمّا آلية أو غير آلية، لأنها إمّا أن لا تكون في أنفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها، أو تكون آلة له غير مقصودة في أنفسها، الثانية تسمّى آلية والأولى تسمّى غير آلية.
ثم إنه ليس المراد بكون العلم في نفسه آلية أنّ الآليّة ذاتية لأنّ الآليّة للشيء تعرض له بالقياس إلى غيره، وما هو كذلك ليس ذاتيا بل المراد أنه في حدّ ذاته بحيث إذا قيس إلى ما هو آلة يعرض له الآلية ولا يحتاج في عروضها له إلى غيره، كما أنّ الإمكان الذاتي لا يعرض للشيء إلّا بالقياس إلى وجوده؛ والتسمية بالآلية بناء على اشتمالها على الآلة فإنّ العلم الآلي مسائل كلّ منها ممّا يتوسّل به إلى ما هو آلة له، وهو الأظهر إذ لا يتوسل بجميع علم إلى علم.
ثمّ اعلم أنّ مؤدى التقسيمين واحد إذ التقسيمان متلازمان؛ فإنّ ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بدّ أن يكون متعلّقا بكيفية تحصيله فهو متعلّق بكيفية عمل، وما يتعلّق بكيفية عمل لا بدّ أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره، فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي، وكذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن متعلّقا بكيفية عمل، وما لم يتعلّق بكيفية عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره، فقد رجع معنى النظري وغير الآلي إلى شيء واحد.
ثم اعلم أنّ غاية العلوم الآلية أي العلّة الغائية لها حصول غيرها، وذلك لأنها متعلّقة بكيفية العمل ومبيّنة لها، فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو مقصودا لأمر آخر يكون هو غاية أخيرة لتلك العلوم، وغاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها وذلك لأنها في حدّ أنفسها مقصودة بذواتها وإن أمكن أن يترتّب عليها منافع أخرى، فإنّ إمكان الترتّب الاتفاقي بل وقوعه لا ينافي كون المرتّب عليه مقصودا بالذات إنّما المنافي له قصد الترتّب. والحاصل أنّ المراد بالغاية هي الغاية الذاتية التي قصدها المخترع الواضع لا الغاية التي كانت حاملة للشارع على الشروع، فإنّ الباعث للشارع في الشروع في العلوم الآلية يجوز أن يكون حصولها أنفسها، وفي العلوم الغير الآلية يجوز أن يكون زائدا على أنفسها.
فإن قيل: غاية الشيء علّة له ولا يتصوّر كون الشيء علّة لنفسه، فكيف يتصوّر كون غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها؟ قيل: الغاية تستعمل على وجهين: أحدهما أن تكون مضافة إلى الفعل وهو الأكثر، يقال غاية هذا الفعل كذا، وحينئذ تكون الغاية مترتّبة على نفس ذي الغاية وتكون علّة لها. الثاني أن تكون مضافة إلى المفعول، يقال غاية ما فعل كذا، وحينئذ تكون الغاية مترتّبة على فعله وعلّة له لا لذي الغاية، أعني ما أضيف إليه الغاية؛ والغاية فيما نحن فيه من القسم الثاني لأن المضاف إليه للغاية هاهنا المفعول وهو المحصل، أعني العلوم دون الفعل الذي هو التحصيل، فالمراد بغايتها ما يترتّب على تحصيلها ويكون علّة له لا لها، هذا كله خلاصة ما في شرح المطالع وحواشيه. الثالث إلى عربية وغير عربية. الرابع إلى شرعية وغير شرعية. الخامس إلى حقيقية وغير حقيقية. السادس إلى عقلية ونقلية، فالعقلية ما لا يحتاج فيه إلى النقل والنقلية بخلاف ذلك. السابع إلى العلوم الجزئية وغير الجزئية، فالعلوم التي موضوعاتها أخصّ من موضوع علم آخر تسمّى علوما جزئية كعلم الطب فإن موضوعه وهو الإنسان أخصّ من موضوع الطّبعي، والتي موضوعاتها أعمّ يسمّى بالعلم الأقدم لأن الأعمّ أقدم للعقل من الأخصّ، فإن إدراك الأعم قبل إدراك الأخصّ كذا في بحر الجواهر.
стр. 51
اجزاء العلوم
قالوا: كل علم من العلوم المدوّنة لا بدّ فيه من أمور ثلاثة: الموضوع والمسائل والمبادئ، وهذا القول مبني على المسامحة، فإنّ حقيقة كل علم مسائله، وعدّ الموضوع والمبادئ من الأجزاء إنّما هو لشدّة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم.
أمّا الموضوع فقالوا: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية؛ وتوضيحه أن كمال الإنسان بمعرفته أعيان الموجودات من تصوّراتها والتصديق بأحوالها على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية، ولمّا كانت معرفتها بخصوصها متعذّرة مع عدم إفادتها كمالا معتدّا بها لتغيّرها وتبدّلها أخذوا المفهومات الكليّة الصادقة عليها، ذاتية كانت أو عرضية، وبحثوا عن أحوالها من حيث انطباقها عليها، ليفيد علمها بوجه كلّي علما باقيا أبد الدهر. ولمّا كانت أحوالها متكثّرة وضبطها منتشرة مختلفة متعسّرا، اعتبروا الأحوال الذاتية لمفهوم مفهوم، وجعلوها علما منفردا بالتدوين وسمّوا ذلك المفهوم موضوعا لذلك العلم، لأن موضوعات مسائله راجعة إليه، فصارت كلّ طائفة من الأحوال المتشاركة في موضوع علما منفردا ممتازا في نفسه عن طائفة أخرى متشاركة في موضوع آخر، فجاءت علومهم متمايزة في أنفسها بموضوعاتها؛ وهذا أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من أن يعد كل مسئلة علما برأسه ويفرد بالتعليم، ولا بدّ من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد علما واحدا ويفرد بالتدوين، فالامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنّما هو للمعلومات بالأصالة، وللعلوم بالتبع.
والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم، وإن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع.
ثم إنهم عمّموا الأحوال الذاتية وفسّروها بما يكون محمولا على ذلك المفهوم، إمّا لذاته أو لجزئه الأعم أو المساوي؛ فإنّ له اختصاصا بالشيء من حيث كونه من أحوال مقوّمه أو للخارج المساوي له، سواء كان شاملا لجميع أفراد ذلك المفهوم على الإطلاق، أو مع مقابله مقابلة التّضاد، أو العدم، والملكة دون مقابلة السلب والإيجاب، إذ المتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا اختصاص لهما بمفهوم دون مفهوم، ضبطا للانتشار بقدر الإمكان، فأثبتوا الأحوال الشاملة على الإطلاق لنفس الموضوع والشاملة مع مقابلتها لأنواعه، واللاحقة للخارج المساوي لعرضه الذاتي، ثم إنّ تلك الأعراض الذاتية لها عوارض ذاتية شاملة لها على الإطلاق، أو على التقابل، فأثبتوا العوارض الشاملة على الإطلاق لنفس الأعراض الذاتية، والشاملة على التقابل لأنواع تلك الأعراض، وكذلك عوارض تلك العوارض، وهذه العوارض في الحقيقة قيود للأعراض المثبتة للموضوع ولأنواعه إلّا أنّها لكثرة مباحثها جعلت محمولات على الأعراض، وهذا تفصيل ما قالوا: معنى البحث عن الأعراض الذاتية أن تثبت تلك الأعراض لنفس الموضوع أو لأنواعه أو لأعراضه الذاتية أو لأنواعها، أو لأعراض أنواعها، وبهذا يندفع ما قيل إنه ما من علم إلّا ويبحث فيه عن الأحوال المختصّة بأنواعه فيكون بحثا عن الأعراض الغريبة، للحوقها بواسطة أمر أخصّ كما يبحث في الطبعي «١» عن الأحوال
стр. 52
المختصة بالمعادن والنباتات والحيوانات، وذلك لأن المبحوث عنه في العلم الطبعي «١» أن الجسم إمّا ذو طبيعة أو ذو نفس، آلي أو غير آلي، وهي من عوارضه الذاتية، والبحث عن الأحوال المختصّة بالعناصر وبالمركّبات التامة وغير التامة، كلّها تفصيل لهذه العوارض وقيود لها.
ولاستصعاب هذا الإشكال قيل: المراد بالبحث عن الأعراض الذاتية حملها على موضوع العلم، كقول صاحب علم أصول الفقه: الكتاب يثبت الحكم قطعا، أو على أنواعه كقوله: الأمر يفيد الوجوب، أو على أعراضه الذاتية كقوله: يفيد القطع، أو على أنواع أعراضه الذاتية كقوله: العام الذي خصّ منه يفيد الظنّ. وقيل معنى قولهم: يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أنه يرجع البحث فيه إليها، بأن يثبت أعراضه الذاتية له أو يثبت لنوعه ما هو عرض ذاتي لذلك النوع أو لعرضه الذاتي ما هو عرض ذاتي لذلك العرض او يثبت لنوع العرضي الذاتي ما هو عرض ذاتي لذلك النوع. ولا يخفى عليك أنه يلزم دخول العلم الجزئي في العلم الكلّي كعلم الكرة المتحرّكة في علم الكرة وعلم الكرة في العلم الطبعي «٢»، لأنه يبحث فيها عن العوارض الذاتية لنوع الكرة أو الجسم الطبعي «٣»، أو لعرضه الذاتي، أو لنوع عرضه الذاتي.
ثم اعلم أنّ هذا الذي ذكر من تفسير الأحوال الذاتية إنّما هو على رأي المتأخرين الذاهبين إلى أنّ اللاحق للشيء بواسطة جزئه الأعم من أعراضه الذاتية المبحوث عنها في العلم، فإنّهم ذكروا أنّ العرض هو المحمول على الشيء الخارج عنه، وان العرض الذاتي هو الخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته، بأن يكون منتهاه الذات كلحوق إدراك الأمور الغريبة للإنسان بالقوة، أو يلحقه بواسطة جزئه الأعم كلحوق التحيّز له لكونه جسما، أو المساوي كلحوق التكلّم له لكونه ناطقا، أو يلحقه بواسطة أمر خارج مساو كلحوق التعجّب له لإدراكه الأمور المستغربة؛ وأما ما يلحق الشيء بواسطة أمر خارج أخصّ أو أعم مطلقا أو من وجه أو بواسطة أمر مباين فلا يسمّى عرضا ذاتيا بل عرضا غريبا.
والتفصيل أنّ العوارض ستة: لأن ما يعرض للشيء إمّا أن يكون عروضه لذاته أو لجزئه أو لأمر خارج عنه سواء كان مساويا له أو أعمّ منه أو أخصّ أو مباينا، فالثلاثة الأول تسمّى أعراضا ذاتية لاستنادها إلى ذات المعروض أي لنسبتها إلى الذات نسبة قوية وهي كونها لا حقة بلا واسطة أو بواسطة لها خصوصية بالتقديم أو بالمساواة، والبواقي تسمّى أعراضا غريبة لعدم انتسابها إلى الذات نسبة قوية. أمّا المتقدمون فقد ذهبوا إلى أن اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة التي لا يبحث عنها في ذلك العلم، وعرّفوا العرض الذاتي بالخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته أو لما يساويه، سواء كان جزءا لها أو خارجا عنها.
قيل هذا هو الأولى إذ الأعراض اللاحقة بواسطة الجزء الأعم تعمّ الموضوع وغيره، فلا تكون آثارا مطلوبة له لأنها هي الأعراض المعيّنة المخصوصة التي تعرضه بسبب استعداده المختص، ثم في عدّ العارض بواسطة المباين مطلقا من الأعراض الغريبة نظر، إذ قد يبحث في العلم الذي موضوعه
стр. 53
الجسم الطبعي «١» عن الألوان مع كونها عارضة له بواسطة مباينة، وهو السطح.
وتحقيقه أن المقصود في كل علم مدوّن بيان أحوال موضوعه: أعني أحواله التي توجد فيه ولا توجد في غيره ولا يكون وجودها فيه بتوسّط نوع مندرج تحته، فإن ما يوجد في غيره لا يكون من أحواله حقيقة بل هو من أحوال ما هو أعم منه؛ والذي يوجد فيه فقط لكنه لا يستعد لعروضه ما لم يصر نوعا مخصوصا من أنواعه، كان من أحوال ذلك النوع حقيقة، فحقّ هاتين الحالين أن يبحث عنهما في علمين موضوعهما ذلك الأعم والأخص، وهذا أمر استحساني كما لا يخفى.
ثم الأحوال الثابتة للموضوع على الوجه المذكور على قسمين: أحدهما ما هو عارض له، وليس عارضا لغيره إلّا بتوسّطه، وهو العرض الأولى. وثانيهما ما هو عارض لشيء آخر وله تعلّق بذلك الموضوع بحيث يقتضي عروضه له بتوسّط ذلك الآخر، الذي يجب أن لا يوجد في غير الموضوع، سواء كان داخلا فيه أو خارجا عنه، إمّا مساويا له في الصدق، أو مباينا له فيه ومساويا في الوجود، فالصواب أن يكتفى في الخارج بمطلق المساواة، سواء كانت في الصدق أو في الوجود، فإن المباين إذا قام بالموضوع مساويا له في الوجود ووجد له عارض قد عرض له حقيقة لكنه يوصف به الموضوع كان ذلك العارض من الأحوال المطلوبة في ذلك العلم، لكونها ثابتة للموضوع على الوجه المذكور.
واعلم أيضا أنّ المطلوب في العلم بيان إنّية «٢» تلك الأحوال، أي ثبوتها للموضوع، سواء علم لمّيتها «٣» أي علّة ثبوتها له أو لا.
واعلم أيضا أنّ المعتبر في العرض الأولي هو انتفاء الواسطة في العروض دون الواسطة في الثبوت التي هي أعم، يشهد بذلك أنهم صرّحوا بأنّ السطح من الأعراض الأولية للجسم التعليمي مع أن
стр. 54
ثبوته [له] «١» بواسطة انتهائه وانقطاعه، وكذلك الخط للسطح والنقطة للخط، وصرّحوا بأنّ الألوان ثابتة للسطوح أولا وبالذات، مع أنّ هذه الأعراض قد فاضت على محالها من المبدأ الفيّاض «٢»، وعلى هذا فالمعتبر فيما يقابل العرض الأولي، أعني سائر الأقسام، ثبوت الواسطة في العروض.
وإن شئت الزيادة على ما ذكرنا فارجع إلى شرح المطالع وحواشيه وغيرها من كتب المنطق.
فائدة
قالوا يجوز أن تكون الأشياء الكثيرة موضوعا لعلم واحد، لكن لا مطلقا بل بشرط تناسبها، بأن تكون مشتركة في ذاتي كالخط والسطح والجسم التعليمي للهندسة، فإنها تتشارك في جنسها وهو المقدار، أو في عرضي كبدن الإنسان وأجزائه والأغذية والأدوية والأركان والأمزجة، وغير ذلك إذا جعلت موضوعات للطب، فإنها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحة التي هي الغاية القصوى في ذلك العلم.
فائدة
قالوا الشيء الواحد لا يكون موضوعا للعلمين، وقال صدر الشريعة «٣» هذا غير ممتنع، فإنّ الشيء الواحد له أعراض متنوعة، ففي كل علم يبحث عن بعض منها، ألا ترى أنهم جعلوا أجسام العالم وهي البسائط موضوع علم الهيئة، من حيث الشكل، وموضوع علم السماء والعالم، من حيث الطبيعة، وفيه نظر. أمّا أولا فلأنهم لمّا حاولوا معرفة أحوال أعيان الموجودات وضعوا الحقائق أنواعا وأجناسا، وبحثوا عمّا أحاطوا به من أعراضها الذاتية، فحصلت لهم مسائل كثيرة متّحدة في كونها بحثا عن أحوال ذلك الموضوع، وإن اختلفت محمولاتها فجعلوها بهذا الاعتبار علما واحدا، يفرد بالتدوين والتسمية، وجوّزوا لكل أحد أن يضيف إليه ما يطّلع عليه من أحوال ذلك الموضوع؛ فإنّ المعتبر في العلم هو البحث عن جميع ما تحيط به الطاقة الإنسانية من الأعراض الذاتية للموضوع، فلا معنى للعلم الواحد إلّا أن يوضع شيء أو أشياء متناسبة فيبحث عن جميع عوارضه، ولا معنى لتمايز العلوم إلّا أنّ هذا ينظر في أحوال شيء، وذلك في أحوال شيء آخر مغاير له بالذات أو بالاعتبار، بأن يؤخذ في أحد العلمين مطلقا وفي الآخر مقيّدا أو يؤخذ في كل منهما مقيّدا بقيد آخر، وتلك الأحوال مجهولة مطلوبة، والموضوع معلوم بيّن الوجود وهو الصالح سببا للتمايز. وأمّا ثانيا فلأنه ما من علم إلّا ويشتمل موضوعه على أعراض ذاتية متنوّعة، فلكل أحد أن يجعله علوما متعددة بهذا الاعتبار، مثلا يجعل البحث عن فعل المكلّف من حيث الوجوب علما، ومن حيث الحرمة علما آخر، إلى غير ذلك فيكون الفقه علوما متعددة موضوعها فعل المكلّف، فلا ينضبط الاتحاد والاختلاف.
стр. 55
فائدة
قال صدر الشريعة: قد يذكر الحيثية في الموضوع وله معنيان: أحدهما أنّ الشيء مع تلك الحيثية موضوع، كما يقال: الموجود من حيث إنه موجود، أي من هذه الجهة وبهذا الاعتبار موضوع العلم الالهي، فيبحث فيه عن الأحوال التي تلحقه من حيث إنّه موجود كالوحدة، والكثرة، ونحوهما، ولا يبحث فيه عن تلك الحيثية أي حيثية الوجود لأن الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية لا ما يبحث عنه وعن أجزائه. وثانيهما أن الحيثية تكون بيانا للأعراض الذاتية المبحوث عنها فإنه يمكن أن يكون للشيء عوارض ذاتية متنوعة، وإنّما يبحث في علم من «١» نوع منها، فالحيثية بيان لذلك النوع، فيجوز أن يبحث عنها، فقولهم: موضوع الطبّ بدن الإنسان من حيث إنّه يصحّ ويمرض، وموضوع الهيئة أجسام العالم من حيث إنّ لها شكلا يراد به المعنى الثاني لا الأول، إذ في الطب يبحث عن الصحة والمرض، وفي الهيئة من «٢» الشكل، فلو كان المراد الأول لم يبحث عنها.
قيل: ولقائل أن يقول: لا نسلّم أنها في الأول جزء من الموضوع، بل قيد لموضوعيته، بمعنى أن البحث يكون عن الأعراض التي تلحقه من تلك الحيثية؛ وبذلك الاعتبار وعلى هذا لو جعلنا في القسم الثاني أيضا قيدا للموضوع لا بيانا للأعراض الذاتية على ما هو ظاهر كلام القوم لم يكن البحث عنها في العلم بحثا عن أجزاء الموضوع ولم يلزم للقوم ما لزم لصدر الشريعة من تشارك العلمين في موضوع واحد بالذات والاعتبار.
وأمّا الإشكال بلزوم عدم كون الحيثية من الأعراض المبحوث عنها في العلم ضرورة أنها ليست ممّا يعرض للموضوع من جهة نفسها، وإلّا لزم تقدّم الشيء على نفسه، مثلا ليست الصحّة والمرض مما يعرض لبدن الإنسان من حيث يصحّ ويمرض، فالمشهور في جوابه أن المراد من حيث إمكان الصحة والمرض وهذا ليس من الأعراض المبحوث عنها.
والتحقيق أن الموضوع لمّا كان عبارة عن المبحوث عنها في العلم عن أعراضه الذاتية قيّد بالحيثية، على معنى أن البحث عن العوارض إنّما يكون باعتبار الحيثية وبالنظر إليها أي يلاحظ في جميع المباحث هذا المعنى الكلّي لا على معنى أن جميع العوارض المبحوث عنها يكون لحوقها للموضوع بواسطة هذه الحيثية البتة. وتحقيق هذه المباحث يطلب من التوضيح «٣» والتلويح «٤».
وأمّا المسائل فهي القضايا التي يطلب بيانها في العلوم وهي في الأغلب نظريات، وقد تكون ضرورية فتورد في العلم إمّا لاحتياجها إلى تنبيه يزيل عنها خفاءها، أو لبيان لمّيتها، لأن القضية قد تكون بديهية دون لمّيتها ككون النار محرقة فإنه معلوم الإنيّة أي الوجود مجهول اللمّية، كذا في شرح
стр. 56
المواقف «١» وبعض حواشي تهذيب المنطق «٢»؛ وقال المحقق التفتازاني «٣»: المسألة لا تكون إلّا.
نظرية، وهذا ممّا لا اختلاف فيه لأحد، وما قيل من احتمال كونها غير كسبية فسهو ظاهر.
ثم للمسائل موضوعات ومحمولات، أمّا موضوعها فقد يكون موضوع العلم، كقولنا كلّ مقدار إمّا مشارك للآخر أو مباين، والمقدار موضوع علم الهيئة، وقد يكون موضوع العلم مع عرض ذاتي كقولنا: كل مقدار وسط في النسبة فهو ضلع ما يحيط به الطرفان. فقد أخذ في المسألة المقدار مع كونه وسطا في النسبة وهو عرض ذاتي، وقد يكون نوع موضوع العلم كقولنا: كل خط يمكن تنصيفه، فإن الخط نوع من المقدار، وقد يكون نوعا مع عرض ذاتي كقولنا: كل خط قام على خط فإنّ زاويتي جنبتيه قائمتان أو مساويتان لهما، فالخط نوع من المقدار، وقد أخذ في المسألة مع قيامه على خط وهو عرض ذاتي، وقد يكون عرضا ذاتيا كقولنا: كل مثلّث فإن زواياه مثل القائمتين، فالمثلث عرض ذاتي للمقدار؛ وقد يكون نوع عرض ذاتي كقولنا: كل مثلّث متساوي الساقين فإن زاويتي قاعدته متساويتان. وبالجملة فموضوعات المسائل هي موضوعات العلم أو أجزاؤها أو أعراضها الذاتية أو جزئياتها، وأمّا محمولاتها فالأعراض الذاتية لموضوع العلم فلا بدّ أن تكون خارجة عن موضوعاتها، لامتناع أن يكون جزء الشيء مطلوبا بالبرهان، لأن الأجزاء بيّنة الثبوت للشيء، كذا في شرح الشمسية «٤».
اعلم أنّ من عادة المصنّفين أن يذكروا عقيب الأبواب ما شذّ منها من المسائل فتصير مسائل من أبواب متفرّقة، فتترجم تارة بمسائل منشورة وتارة بمسائل شتّى، كذا في فتح القدير «٥»، وأكثر ما يوجد ذلك في كتب الفقه.
وأمّا المبادئ فهي التي تتوقّف عليها مسائل العلم، أي تتوقف على نوعها مسائل العلم، أي التصديق بها إذ لا توقّف للمسألة على دليل مخصوص؛ وهي إمّا تصوّرات أو تصديقات. أمّا التصورات فهي حدود الموضوعات، أي ما يصدق عليه موضوع العلم لا مفهوم الموضوع كالجسم الطبعي «٦»، وحدود أجزائها كالهيولى والصورة وحدود جزئياتها كالجسم البسيط، وحدود أعراضها
стр. 57
الذاتية كالحركة للجسم الطبعي «١»، وخلاصته تصوّر الأطراف على وجه هو مناط للحكم.
وأمّا التصديقات فهي مقدمات إمّا بيّنة بنفسها وتسمّى علوما متعارفة كقولنا: في علم الهندسة المقادير المساوية لشيء واحد متساوية، وإمّا غير بيّنة بنفسها سواء كانت مبيّنة هناك أو في محل آخر أو في علم آخر يتوقف عليها الأدلة المستعملة في ذلك العلم سواء كانت قياسات أو غيرها من الاستقراء والتمثيل، وحصرها في المبيّنة فيه والمبيّنة في علم آخر وفي أجزاء القياسات كما توهم محلّ نظر.
ثم الغير البيّنة بنفسها إمّا مسلّمة فيه أي في ذلك العلم على سبيل حسن الظن، وتسمّى أصولا موضوعة، كقولنا في علم الهندسة: لنا أن نصل بين كل نقطتين بخط مستقيم، أو مسلّمة في الوقت أي وقت الاستدلال مع استنكار وتشكّك إلى أن تستبين «٢» في موضعها، وتسمّى مصادرات، لأنه تصدّر بها المسائل التي تتوقف عليها كقولنا فيه: لنا أن نرسم على كل نقطة وبكلّ بعد دائرة؛ ونوقش في المثال بأنه لا فرق بينه وبين قولنا لنا أن نصل الخ في قبول المتعلّم بهما بحسن الظن. وأورد مثال المصادرة قول اقليدس «٣» إذا وقع خط على خطّين وكانت الزاويتان الداخلتان أقلّ من قائمتين فإنّ الخطين إذا أخرجا بتلك الجهة التقيا، لكن لا استبعاد في ذلك، إذ المقدمة الواحدة قد تكون أصلا موضوعا عند شخص، مصادرة عند شخص آخر. ثم الحدود والأصول الموضوعة والمصادرات يجب أن يصدّر بها العلم. وأما العلوم المتعارفة فعن تصدير العلم بها غنية لظهورها، وربما تخصص العلوم المتعارفة بالصناعة إن كانت عامة، وتصدّر بها في جملة المقدمات كما فعل اقليدس في كتابه.
واعلم أنّ التصدير قد يكون بالنسبة إلى العلم نفسه بأن يقدّم عليه جميع ما يحتاج إليه، وقد يكون بالنسبة إلى جزئه المحتاج، لكن الأول أولى.
هذا وقد تطلق المبادئ عندهم على المعنى الأعم وهو ما يبدأ به قبل الشروع في مقاصد العلم كما يذكر في أوائل الكتب قبل الشروع في العلم، لارتباطه به في الجملة، سواء كان خارجا من العلم، بأن يكون من المقدمات، وهي ما يكون خارجا يتوقف عليه الشروع فيه ولو على وجه البصيرة، أو على وجه كمال البصيرة ووفور الرغبة في تحصيله بحيث لا يكون عبثا عرفا، أو في نظره، كمعرفة العلم برسمه المفيد لزيادة البصيرة، ومعرفة غايته، أو لم يكن خارجا عنه، بل داخلا فيه، بأن يكون
стр. 58
من المبادئ المصطلحة السابقة من التصوّرات والتصديقات؛ وعلى هذا تكون المبادئ أعم من المقدمات أيضا، فإنّ المقدمات خارجة عن العلم لا محالة بخلاف المبادئ. والمبادئ بهذا المعنى قد تعدّ أيضا من أجزاء العلم تغليبا، وإن شئت تحقيق هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه «١». ومنهم من فسّر المقدمة بما يعين في تحصيل الفنّ فتكون المقدمات أعم، كذا قيل، يعني تكون المقدمات بهذا المعنى أعمّ من المبادئ بالمعنى الأول لا من المبادئ بالمعنى الثاني وإن اقتضاه ظاهر العبارة إذ بينها وبين المبادئ بالمعنى الثاني هو المساواة، إذ ما يستعان به في تحصيل الفنّ يصدق عليه أنه مما يتوقف عليه الفنّ إمّا مطلقا، أو على وجه البصيرة، أو على وجه كمال البصيرة، وبالجملة فالمعتبر في المبادئ التوقّف مطلقا. قال السيد السند: مبادئ العلم ما يتوقف عليه ذات المقصود فيه «٢»، أعني التصوّرات التي يبتنى عليها إثبات مسائله، وهي قد تعدّ جزءا منه، وأمّا إذا أطلقت على ما يتوقف عليه المقصود ذاتا أو تصوّرا أو شروعا فليست بتمامها من أجزائه؛ فإنّ تصوّر الشيء ومعرفة غايته خارجان عنه، ولا من جزئيات ما يتضمنه حقيقة لدخوله في العلم قطعا، انتهى.
الرءوس الثمانية
قالوا الواجب على من شرع في شرح كتاب ما أن يتعرّض في صدره لأشياء قبل الشروع في المقصود، يسمّيها قدماء الحكماء الرءوس الثمانية.
أحدها الغرض من تدوين العلم أو تحصيله، أي الفائدة المترتبة عليه لئلّا يكون تحصيله عبثا في نظره.
وثانيها المنفعة وهي ما يتشوّقه الكلّ طبعا وهي الفائدة المعتدّ بها ليتحمل المشقّة في تحصيله، ولا يعرض له فتور في طلبه، فيكون عبثا عرفا؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية «٣». وفي شرح التهذيب «٤» وشرح إشراق الحكمة «٥» أنّ المراد بالغرض هو العلّة الغائية، فإنّ ما يترتب على فعل يسمّى فائدة ومنفعة وغاية فإن كان باعثا للفاعل على صدور ذلك الفعل منه يسمّى غرضا وعلّة غائية، وذكر المنفعة إنّما يجب إن وجدت لهذا العلم منفعة ومصلحة سوى الغرض الباعث، وإلّا فلا.
وبالجملة فالمنفعة قد تكون بعينها الغرض الباعث.
стр. 59
وثالثها السّمة وهي عنوان الكتاب، ليكون عند الناظر إجمال ما يفصّله الغرض، كذا في شرح اشراق الحكمة. وفي تكملة الحاشية الجلالية السّمة هي عنوان العلم؛ وكأنّ المراد منه تعريف العلم برسمه أو بيان خاصّة من خواصه ليحصل للطالب علم إجمالي بمسائله ويكون له بصيرة في طلبه؛ وفي شرح التهذيب السّمة العلامة، وكأنّ المقصود الإشارة إلى وجه تسمية العلم؛ وفي ذكر وجه التسمية إشارة إجمالية إلى ما يفصل العلم من المقاصد.
ورابعها المؤلّف وهو مصنّف الكتاب ليركن قلب المتعلّم إليه في قبول كلامه، والاعتماد عليه لاختلاف ذلك باختلاف المصنّفين؛ وأما المحقّقون فيعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال، ولنعم ما قيل: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. ومن شرط المصنفين أن يحترزوا عن الزيادة على ما يجب والنقصان عمّا يجب وعن استعمال الألفاظ الغريبة المشتركة وعن رداءة الوضع، وهي تقديم ما يجب تأخيره وتأخير ما يجب تقديمه.
وخامسها أنه من أيّ علم هو، أي من اليقينيات أو الظنّيات، من النظريات أو العمليات، من الشرعيات أو غيرها، ليطلب المتعلّم ما تليق به المسائل المطلوبة.
وسادسها أنه أيّة مرتبة هو، أي بيان مرتبته فيما بين العلوم، إمّا باعتبار عموم موضوعه أو خصوصه، أو باعتبار توقّفه على علم آخر، أو عدم توقّفه عليه، أو باعتبار الأهمية أو الشرف، لتقدّم تحصيله على ما يجب، أو يستحسن تقديمه عليه، ويؤخّر تحصيله عما يجب أو يستحسن تأخيره عنه.
وسابعها القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها ليطلب المتعلّم في كل باب منها ما يتعلّق به، ولا يضيّع وقته في تحصيل مطالب لا تتعلّق به، كما يقال: أبواب المنطق تسعة، كذا وكذا؛ وهذا قسمة العلم، وقسمة الكتاب كما يقال: كتابنا هذا مرتّب على مقدمة، وبابين وخاتمة، وهذا الثاني كثير شائع لا يخلو عنه كتاب.
وثامنها الأنحاء التعليمية وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، أحدها التقسيم، وهو التكثير من فوق إلى أسفل، أي من أعم إلى ما هو أخصّ، كتقسيم الجنس إلى الأنواع، والنوع إلى الأصناف، والصنف إلى الأشخاص. وثانيها التحليل، وهو عكسه أي التكثير من أسفل إلى فوق، أي من أخصّ إلى ما هو أعم، كتحليل زيد إلى الإنسان والحيوان، وتحليل الإنسان إلى الحيوان والجسم؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية، وشرح إشراق الحكمة. وفي شرح التهذيب كأنّ المراد من التقسيم ما يسمّى بتركيب القياس، وذلك بأن يقال: إذا أردت تحصيل مطلب من المطالب التصديقية ضع طرفي المطلوب واطلب جميع موضوعات كل واحد منهما، وجميع محمولات كل واحد منهما سواء كان حمل الطرفين عليها، أو حملها على الطرفين، بواسطة، أو بغير واسطة، وكذلك اطلب جميع ما سلب عنه الطرفان أو سلب هو عن الطرفين، ثم انظر إلى نسبة الطرفين إلى الموضوعات والمحمولات، فإن وجدت من محمولات موضوع المطلوب ما هو موضوع المحمول فقد حصل المطلوب عن «١» الشكل الأول، أو ما هو محمول على محموله فمن الشكل الثاني، أو من موضوعات موضوعه «٢» ما هو موضوع لمحموله فمن الشكل الثالث، أو محمول لمحموله فمن
стр. 60
الرابع، كلّ ذلك بحسب تعدّد اعتبار الشرائط بحسب الكيفية والكمية والجهة، كذا في شرح المطالع. فمعنى قولهم: وهو التكثير من فوق أي من النتيجة لأنها المقصود الأقصى بالنسبة إلى الدّليل، وأما التحليل فقد قيل في شرح المطالع: كثيرا ما تورد في العلوم قياسات منتجة للمطالب لا على الهيئات المنطقية، اعتمادا على الفطن العارف بالقواعد، فإن أردت أن تعرف أنه على أيّ شكل من الأشكال فعليك بالتحليل وهو عكس التركيب فحصّل المطلوب فانظر إلى القياس المنتج له، فإن كان فيه مقدمة يشاركها المطلوب بكلا جزئيه فالقياس استثنائي، وإن كانت مشاركة للمطلوب بأحد جزئيه فالقياس اقتراني، ثم انظر إلى طرفي المطلوب فتتميّز عندك الصغرى عن الكبرى لأن ذلك الجزء إن كان محكوما عليه في النتيجة فهي الصغرى، أو محكوما به فهي الكبرى، ثم ضم الجزء الآخر من المطلوب إلى الجزء الآخر من تلك المقدمة، فإن تألّفا على أحد التأليفات الأربع، فما انضمّ إلى جزئي المطلوب هو الحدّ الأوسط، وتتميّز لك المقدمات والأشكال، وإن لم يتألّفا كان القياس مركبا، فاعمل بكلّ واحد منهما العمل المذكور، أي ضع الجزء الآخر من المطلوب والجزء الآخر من المقدمة كما وضعت طرفي المطلوب أولا، أي في التقسيم، فلا بد أن يكون لكل منهما نسبة إلى شيء «١» ما في القياس وإلّا لم يكن القياس منتجا للمطلوب، فإن وجدت حدّا مشتركا بينهما فقد تمّ القياس، وإلّا فكذا تفعل مرّة بعد أخرى إلى أن تنتهي إلى القياس المنتج للمطلوب بالذات، وتتبيّن لك المقدمات والشكل والنتيجة. فقولهم التكثير من أسفل إلى فوق، أي إلى النتيجة انتهى.
وثالثها التحديد أي فعل الحدّ، أي إيراد حدّ الشيء، وهو ما يدلّ على الشيء دلالة مفصّلة بما به قوامه بخلاف الرسم فإنه يدلّ عليه دلالة مجملة، كذا في شرح إشراق الحكمة، وفي شرح التهذيب:
كأنّ المراد بالحدّ المعرّف مطلقا، وذلك بأن يقال إذا أردت تعريف شيء فلا بدّ أن تضع ذلك الشيء وتطلب جميع ما هو أعمّ منه وتحمل عليه بواسطة أو بغيرها، وتميّز الذاتيات عن العرضيات، بأن تعدّ ما هو بين الثبوت أو ما يلزم من مجرّد ارتفاعه ارتفاع نفس الماهية ذاتيا، وما ليس كذلك عرضيا، وتطلب جميع ما هو مساو له، فيتميّز عندك الجنس من العرض العام، والفصل من الخاصّة، ثم تركّب أي قسم شئت من أقسام المعرّف بعد اعتبار الشرائط المذكورة في باب المعرّف. ورابعها البرهان، أي الطريق إلى الوقوف على الحق، أي اليقين إن كان المطلوب نظريا، وإلى الوقوف عليه والعمل به إن كان عمليا، كأن يقال إذا أردت الوصول إلى اليقين فلا بدّ أن تستعمل في الدليل بعد محافظة شرائط صحّة الصورة، إمّا الضروريات الستّ، أو ما يحصل منها بصورة صحيحة، وهيئة منتجة، وتبالغ في التفحّص عن ذلك، حتى لا يشتبه بالمشهورات والمسلّمات والمشبّهات وغيرها، بعضها ببعض، وعدّ الأنحاء التعليمية بالمقاصد أشبه، فينبغي أن تذكر في المقاصد، ولذا ترى المتأخّرين كصاحب المطالع «٢» يعدّون ما سوى التحديد من مباحث الحجة ولواحق القياس، وأمّا التحديد فشأنه أن يذكر في مباحث المعرّف، كذا في شرح التهذيب.
واعلم أنهم إنّما اقتصروا على هذه الثمانية لعدم وجدانهم شيئا آخر يعين في تحصيل الفن، ومن وجد ذلك فليضمه إليها، وهذا أمر استحساني لا يلزم من تركه فساد على ما لا يخفى، هكذا في
стр. 61
تكملة الحاشية الجلالية.
واعلم أنهم قد يذكرون وجه الحاجة إلى العلم، ولا شكّ أنه هاهنا بعينه بيان الغرض منه، وقد يذكرون وجه شرف العلم، ويقولون شرف الصناعة إما بشرف موضوعها، مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة التي هي الجلد «١»، وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما بشدّة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطبّ، إذ ما من واقعة في الكون إلّا وهي مفتقرة إلى الفقه، إذ به انتظام صلاح الدنيا والدين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. والمراد بذلك بيان مرتبة العلم على ما يفهم مما سبق، ويؤيده ما قال السيّد السّند في شرح المواقف، وأما مرتبة علم الكلام أي شرفه فقد عرفت أن موضوعه أعمّ الأمور وأعلاها الخ.
العلوم العربية
في شرح المفتاح: اعلم أنّ علم العربية المسمّى بعلم الأدب علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة، وينقسم على ما صرّحوا به إلى اثني عشر قسما، منها أصول هي العمدة في ذلك الاحتراز، ومنها فروع.
أما الأصول فالبحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادّها فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيئاتها فعلم الصرف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصلية والفرعية فعلم الاشتقاق، وإمّا عن المركّبات على الإطلاق، فإمّا باعتبار هيئاتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية فعلم النحو، وإمّا باعتبار إفادتها لمعان زائدة على أصل المعنى فعلم المعاني، أو باعتبار كيفية تلك الفائدة في مراتب الوضوح فعلم البيان، وإمّا عن المركّبات الموزونة، فإمّا من حيث وزنها فعلم العروض، أو من حيث أواخر أبياتها فعلم القافية.
وأمّا الفروع فالبحث فيها إمّا أن يتعلّق بنقوش الكتابة فعلم الخط، أو يختصّ بالمنظوم فعلم عروض الشعراء، أو بالمنثور فعلم إنشاء النثر من الرسائل، أو من الخطب، أو لا يختص بشيء منهما فعلم المحاضرات ومنه التواريخ؛ وأمّا البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه.
وفي إرشاد القاصد «٢» للشيخ شمس الدين الاكفاني السنجاري «٣»: الأدب وهو علم يتعرّف منه التفاهم عمّا في الضمائر بأدلة الألفاظ والكتابة، وموضوعه اللفظ والخط من جهة دلالتهما على
стр. 62
المعاني، ومنفعته إظهار ما في نفس الإنسان من المقاصد وإيصاله إلى شخص آخر من النوع الإنساني، حاضرا كان أو غائبا، وهو حلية اللسان والبنان، وبه تميّز ظاهر الإنسان على سائر أنواع الحيوان. وإنما ابتدأت به لأنه أوّل أدوات الكمال. ولذلك من عري عنه لم يتم بغيره من الكمالات الإنسانية.
وتنحصر مقاصده في عشرة علوم وهي: علم اللغة وعلم التصريف وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وعلم العروض وعلم القوافي وعلم النحو وعلم قوانين الكتابة وعلم قوانين القراءة، وذلك لأن نظره إمّا في اللفظ أو الخط، والأول فإمّا في اللفظ المفرد أو المركب، أو ما يعمهما.
وأمّا نظره في المفرد فاعتماده إمّا على السماع وهو اللغة أو على الحجة وهو التصريف، وأمّا نظره في المركّب فإما مطلقا أن مختصّا بوزن، والأول إن تعلّق بخواص تراكيب الكلام وأحكامه الإسنادية فعلم المعاني، وإلّا فعلم البيان، والمختص بالوزن فنظره إمّا في الصورة أو في المادة، الثاني علم البديع، والأول إن كان بمجرد الوزن فهو علم العروض، وإلّا فعلم القوافي؛ وما يعمّ المفرد والمركب فهو علم النحو، والثاني فإن تعلّق بصور الحروف فهو علم قوانين الكتابة، وإن تعلّق بالعلامات فعلم قوانين القراءة. وهذه العلوم لا تختصّ بالعربية بل توجد في سائر لغات الأمم الفاضلة من اليونان وغيرهم.
واعلم أنّ هذه العلوم في العربية لم تؤخذ عن العرب قاطبة بل عن الفصحاء البلغاء منهم، وهم الذين لم يخالطوا غيرهم، كهذيل «١» وكنانة «٢» وبعض تميم «٣» وقيس عيلان «٤» ومن يضاهيهم من عرب الحجاز «٥» وأوساط نجد «٦»؛ فأما الذين صابوا «٧» العجم في الأطراف فلم تعتبر لغاتهم
стр. 63
وأحوالها في أصول هذه العلوم، وهؤلاء كحمير «١» وهمدان «٢» وخولان «٣» والازد «٤» لمقاربتهم الحبشة «٥» والزنج «٦»، وطيّ «٧» وغسان «٨» لمخالطتهم الروم بالشام، وعبد القيس «٩» لمجاورتهم
стр. 64
أهل الجزيرة «١» وفارس «٢»، ثم أتى ذوو العقول السليمة والأذهان المستقيمة ورتّبوا أصولها وهذّبوا فصولها حتى تقررت على غاية لا يمكن المزيد عليها، انتهى.
علم الصرف:
ويسمّى بعلم التصريف أيضا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب ولا بناء، هكذا قال ابن الحاجب «٣». فقوله علم بمنزلة الجنس، لأنه شامل للعلوم كلها، وقوله تعرف بها أحوال أبنية الكلم يخرج الجميع سوى النحو، وقوله ليست بإعراب ولا بناء يخرج النحو.
وفائدة اختيار «تعرف» على «تعلم» تذكر في تعريف علم المعاني. ثم المراد من بناء الكلمة وكذا من صيغتها ووزنها هيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها، وهي عدد حروفها المرتّبة، وحركاتها المعيّنة، وسكونها مع اعتبار حروفها الزائدة والأصلية، كلّ في موضعه؛ فرجل مثلا على هيئة وصفة يشاركه فيها عضد، وهي كونه على ثلاثة أحرف، أولها مفتوح، وثانيها مضموم، وأما الحرف الأخير فلا تعتبر حركاته وسكونه في البناء، فرجل ورجلا ورجل على بناء واحد، وكذا جمل على بناء ضرب، لأن الحرف الأخير متحرّك بحركة الإعراب وسكونه وحركة البناء وسكونه. وإنما قلنا يمكن أن يشاركها لأنه قد لا يشاركها في الوجود كالحبك بكسر الحاء وضم الباء، فإنه لم يأت له نظير، وإنما قلنا حروفها المرتبة لأنه إذا تغيّر النظم والترتيب تغيّر الوزن، كما تقول يئس على وزن فعل وأيس على وزن عفل، وإنما قلنا مع اعتبار الحروف الزائدة والاصلية لانه يقال ان كرّم مثلا على وزن فعّل لا على وزن فعلل [أو أفعل] «٤» أو فاعل، مع توافق الجميع في الحركات المعيّنة والسكون،
стр. 65
وقولنا كل في موضعه لأنّ نحو درهم ليس على وزن قمطر لتخالف مواضع الفتحتين والسكونين، وكذا نحو بيطر مخالف لشريف في الوزن لتخالف موضعي الياءين، وقد يخالف ذلك في أوزان التصغير فيقال: أوزان التصغير فعيل وفعيعل وفعيعيل، ويدخل في فعيل رجيل وحمير وغير ذلك، وفي فعيعل اكيلب وحميّر ونحوها، وفي فعيعيل مفيتيح وتميثيل، ونحو ذلك، ويعرف وجهه في لفظ الوزن. فعلى هذا لا حاجة إلى تقييد الأحوال بكونها لا تكون إعرابا ولا بناء إذ هما طارئان على آخر حروف الكلمة، فلم يدخلا في أحوال الأبنية. لكن بقي هاهنا شيء وهو أنه يخرج من الحدّ معظم أبواب التصريف، أعني الاصول التي تعرف بها أبنية الماضي والمضارع والأمر والصفة وأفعل التفضيل والآلة والموضع والمصغّر والمصدر لكونها أصولا تعرف بها أبنية الكلم لا أحوال أبنيتها، فإن أريد أن الماضي والمضارع مثلا حالان طارئان على بناء المصادر ففيه بعد، لأنهما بناءان مستأنفان بنيا بعد هدم بناء المصدر، ولو سلّم فلم عدّ المصادر في أحوال الأبنية ثم الماضي والمضارع والأمر وغير ذلك مما مرّ، كما أنها ليست بأحوال الأبنية على الحقيقة، بل هي أشياء ذوات أبنية على ما مرّ، من تفسير البناء. بلى قد يقال: لضرب مثلا هذا بناء حاله كذا مجازا، ولا يقال أبدا إنّ ضرب حال بناء، وإنّما يدخل في أحوال الأبنية الابتداء، والوقف، والإمالة، وتخفيف الهمزة، والإعلال [والإبدال، والحذف] «١» وبعض الإدغام، وهو إدغام بعض حروف الكلمة في بعض، وكذا بعض التقاء الساكنين، وهو ما إذا كان «٢» الساكنان في كلمة [كما في قل وأصله قول] «٣»، فهذه المذكورات أحوال الأبنية، ثم الوقف والتقاء الساكنين في كلمتين، والإدغام فيهما ليست بأبنية ولا أحوال أبنية لعدم اعتبار حركة الحرف الأخير وسكونها، اللهم إلّا أن يقال: أريد بالبناء الحروف المرتّبة بلا اعتبار الحركات والسكنات، كذا ذكر المحقّق الرّضي «٤» في شرح الشافية «٥».
والجواب عن ذلك بأنه أريد بأبنية الكلم ما يطرأ عليها، أي على الكلم من الهيئات والأحوال كما عرفت، فهي نفس أحوال الكلم، فالإضافة بيانية كما في قولهم شجر أراك، فمعنى أحوال أبنية الكلم على هذا أحوال هي أبنية الكلم، فلا يخرج من الحدّ معظم أبواب التصريف من أبنية الماضي والمضارع ونحوهما. وبالجملة فعلم الصرف علم بأصول تعرف بها أبنية الكلم، ثم إنه كما يبحث في العلم عن العوارض الذاتية لموضوعه كذلك يبحث فيه عن أعراض تلك الأعراض، فدخل في أبنية الكلم الابتداء والإمالة ونحوهما ممّا هو من أحوال الأبنية، ويؤيّده ما وقع في الأصول من أنّ الصرف علم تعرف به أحوال الكلمة بناء وتصرّفا فيه، أي في ذلك البناء، لا إعرابا وبناء، وكذا يدخل في الحدّ الوقف لأنه من أحوال الأبنية يعرضها باعتبار قطعها عمّا بعدها، لا باعتبار حركة
стр. 66
الحرف الأخير أو سكونه، وإلّا لخرج بعض أقسام الوقف من الوقف، كالحذف والإبدال والزيادة فتدبر. وذكر التقاء الساكنين في الكلمتين والإدغام فيهما استطرادي كذكر الجزئي في علم المنطق، وهذا الجواب مما استخرجته مما ذكروه في هذا المقام. فعلى هذا موضوع الصّرف هو الكلمة من حيث أنّ لها بناء وقد عرفت أنه لا محذور في البحث عن قيد الحيثية إذا كانت بيانا للموضوع، فلا محذور في البحث عن الأبنية في هذا العلم. ويؤيّد هذا ما مرّ في تقسيم العلوم العربية من أنّ الصرف يبحث فيه عن المفردات من حيث صورها وهيئاتها، وكذا ما ذكر المحقق عبد الحكيم في حاشية الفوائد الضيائية من أنّ التصريف والمعاني والبيان والبديع والنحو، بل جميع العلوم الأدبية، تشترك في أنّ موضوعها الكلمة والكلام، إنّما الفرق بينها بالحيثيات، انتهى. وفي شرح الشافية «١» للجار بردي «٢» أنّ موضوعه الأبنية من حيث تعرض الأحوال لها، والأبنية عبارة عن الحروف والحركات والسكنات الواقعة في الكلمة، فيبحث عن الحروف من حيث أنها ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ومن حيث أنها زائدة أو أصلية، وكيف يعرف الزائد من الأصلي، وعن الحركات والسكنات من حيث أنها خفيفة أو ثقيلة، فيخرج عن هذا العلم معرفة الأبنية، ويدخل فيه معرفة أحوالها، لأن الصرف علم بقواعد تعرف بها أحوال الأبنية، أي تعرف بها الماضي والمضارع والأمر الحاضر إلى غير ذلك؛ فإنّ جميع ذلك أحوال راجعة إلى أحوال الأبنية، لا إلى نفس الأبنية، انتهى. فعلى هذا إضافة أحوال الأبنية ليست بيانية، ويرد عليه أنّ الماضي ونحوه ليس بناء ولا حال بناء، بل هو شيء ذو بناء كما مرّ، وأضعف منه ما وقع في بعض كتب الصرف من أن موضوعه الأصول والقواعد، حيث قال:
موضوع علم الصّرف هو تلك الأصول المتعدّدة التي بحثوا فيها في هذا العلم، وأثبتوا له أحوالا.
والمراد بالأصول هي تلك المسائل الكلّية التي تتفرّع عنها مسائل جزئية. فمثلا إليك إحدى هذه القواعد الكلية «٣»: إذا اجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية. وأمّا جزئيّات هذا الأصل فمثل كلمتي مرميّ ومرويّ، فإن أصلهما مرموي، ومرووي، وهذه المسألة الكلية المذكورة جعلت مسألة مستقلة: وهذان المثالان فرعان عن تلك المسألة الكلية التي تحقّقت بالمثالين، حيث لاحظ المتكلم في هذه المسألة الآلة، وإن ذكره الموضوع المشار إليه هو لإثبات الأحوال لذلك الأصل، أي أنه بعبارة أخرى: حيث أنّ الأصل قد تحقّق من خلال الفرع الذي هو مرمي ومروي فهو يصدق عليه «٤». ومباديه حدود ما تبتنى عليه مسائله، كحدّ الكلمة والاسم والفعل والحرف ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم: إنما يوقع الإعلال في الكلمة لإزالة الثقل منها، ومسائله الأحكام المتعلّقة بالموضوع، كقولهم: الكلمة إمّا مجرّد أو مزيد،
стр. 67
أو جزئه كقولهم: ابتداء الكلمة لا يكون ساكنا، أو جزئية كقولهم: الاسم إمّا ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو عرضه كقولهم: الإعلال إمّا بالقلب أو الحذف أو الإسكان.
وغايته غاية الجدوى حيث يحتاج إليه جميع العلوم العربية والشرعية، كعلم التفسير والحديث والفقه والكلام؛ ولذا قيل: إنّ الصرف أمّ العلوم والنحو أبوها. قال الرضي: اعلم أنّ التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصنعة، والتصريف على ما حكى سيبويه «١» عنهم هو أن تبني من الكلمة بناء لم تبنه العرب على وزن ما بنيته، ثم تعمل في البناء الذي بنيته ما يقتضيه قياس كلامهم، كما يتبيّن في مسائل التمرين. والمتأخّرون على أنّ التصريف علم بأبنية الكلمة وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وحذف وصحّة وإعلال وإدغام وإمالة، وبما يعرض لآخرها مما ليس بإعراب ولا بناء من الوقف وغير ذلك، انتهى. فالصرف والتصريف عند المتأخّرين مترادفان، والتصريف على ما حكى سيبويه عنهم جزء من الصرف الذي هو جزء من أجزاء النحو [لأنه من مبادئ النحو، والمبادئ من الأجزاء كما عرفت] «٢».
علم النحو:
ويسمّى علم الإعراب أيضا، على ما في شرح اللبّ «٣»، وهو علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقاما، وكيفية ما يتعلّق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه، من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه؛ كذا في الإرشاد. فقوله: علم، جنس، وقوله كيفية التركيب العربي فصل، يخرج علم أصول الفقه والفقه وغيرهما، فإنه لا يعرف بها كيفية التركيب العربي وهو أي التركيب العربي لا يستلزم كون جميع أجزائه عربيا، فيشتمل أحوال المركّبات وأحوال الأسماء الأعجمية، ولو قيل كيفية الكلم العربية، كما قال البعض لخرج العجمية، إلّا أن يقال إنها ملحقة بالعربية بعد النقل إلى العرب. وقوله صحة وسقاما تمييز لقوله كيفية التركيب، أي تعرف به صحة التركيب العربي وسقمه، إذ يعرف منه أنّ نحو ضرب غلامه زيد صحيح، وضرب غلامه زيدا فاسد، وخرج به علم المعاني والبيان والبديع والعروض، فإنها تعرف بها كيفية التركيب من حيث الفصاحة والبلاغة ونحوها، لا من حيث الصحة والسقم؛ ويتناول أحكام ضرورة الشعر لأنها أيضا تبحث من حيث الصحة والسقام؛ وما في قوله ما يتعلّق عبارة عن الأحوال، أي تعرف به أحوال الألفاظ لكن لا مطلقا، بل من حيث وقوعها في التركيب العربي من حيث هو هو أو لا وقوعها فيه، كتقديم المبتدأ وتأخيره، وتذكير الفعل وتأنيثه، لا مثل الأحوال التي هي الحركات والسكنات ونحوها، فخرج علم الصرف.
فالحاصل أنّ تلك الأحوال من حيث هي هي تتعلّق بالألفاظ فقط، ومن حيث أنها باستعمالها يصحّ التركيب، مثل ابن زيد، وبتركها يفسد التركيب، مثل زيد ابن تتعلّق بالتركيب، هذا خلاصة ما
стр. 68
في حواشي الإرشاد. فعدّهم الصرف من أجزاء النحو بناء على كونه من مبادئ النحو لأنه يتوقّف عليه مسائل النحو، أي التصديق بها، وهذا كما عدّ صاحب مختصر الأصول «١» علم الكلام والعلوم العربية من مبادئ أصول الفقه لتوقف مسائله عليهما تصورا أو تصديقا، وإن شئت توضيح هذا فارجع إلى شرح مختصر الأصول وحواشيه.
وموضوع النحو اللفظ الموضوع مفردا كان أو مركّبا، وهو الصواب، كذا قيل؛ يعني موضوع النحو اللفظ الموضوع باعتبار هيئته التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية لا مطلقا، فإنه موضوع العلوم العربية على ما مرّ قبل هذا. وقيل الكلمة والكلام، وفيه أنه لا يشتمل المركّبات الغير الإسنادية مع أنها أيضا موضوع النحو. وقيل هو المركب بإسناد أصلي، وفيه أنه لا يشتمل الكلمة والمركّبات الغير الإسنادية؛ ومباديه حدود ما تبتنى عليه مسائله كحدّ المبتدأ والخبر ومقدمات حججها، أي أجزاء علل المسائل، كقولهم في حجة رفع الفاعل إنه أقوى الأركان، والرفع أقوى الحركات؛ ومسائله الأحكام المتعلقة بالموضوع، كقولهم الكلمة إما معرب أو مبني، أو جزئه كقولهم آخر الكلمة محلّ الإعراب، أو جزئيه كقولهم الاسم بالسببين يمتنع عن الصرف، أو عرضه كقولهم الخبر إما مفرد أو جملة، أو خاصته كقولهم الإضافة تعاقب التنوين ولو بواسطة، أو وسائط، أي ولو كان تعلّق الأحكام بأحد هذه الأمور ثابتا بواسطة أو وسائط كقولهم الأمر يجاب بالفاء، فالأمر جزئي من الإنشاء والإنشاء جزئي من الكلام، والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في التأليف والاقتدار على فهمه والإفهام به، هكذا في الإرشاد وحواشيه وغيرها.
علم المعاني:
وهو علم تعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال، هكذا ذكر الخطيب «٢» في التلخيص «٣». فالعلم جنس يشتمل جميع العلوم المدوّنة. ثم إنه إن حمل العلم على الأصول والقواعد والإدراك المتعلّق بها فعدم شموله لعلم أرباب السليقة ظاهر، لأنهم لا يعلمون القواعد مفصّلة، وإن كانوا يعتبرون مقتضياتها في المواد بسليقتهم، وإن حمل على الملكة فعدم شموله لعلمهم بناء على أن الملكة إنّما تحصل من إدراك القواعد مرة بعد أخرى، وعدم شموله على التقدير الأول لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل غير ظاهر. وأمّا على التقدير الثاني، أي على تقدير حمله
стр. 69
على الملكة فظاهر فتدبّر، كذا ذكر الفاضل الچلپي «١». هذا، وأمّا على ما اختاره صاحب الأطول من أنّ المعتبر في جميع العلوم المدوّنة حصول العلم عن دليل على ما سبق في تعريف العلوم المدوّنة، فعدم شموله لعلم الله تعالى وعلم جبرائيل على جميع التقادير واضح، لأنّ علم الله تعالى وكذا علم جبرائيل ليس استدلاليا، وكذا الحال في علم الصرف والنحو والبيان والبديع ونحو ذلك.
واختار «تعرف» دون «تعلم» لأن المعرفة إدراك الجزئي، فكأنّه قال: هو علم تستنبط منه إدراكات جزئية، هي معرفة كل فرد فرد من جزئيات الأحوال المذكورات في هذا العلم، بمعنى أنّ أي فرد يوجد منها أمكننا أن نعرفه بذلك، لا أنّها تحصل جملة بالفعل، لأن وجود ما لا نهاية له محال، فلا يرد ما قيل إن أريد الكلّ فلا يكون هذا العلم حاصلا لأحد، أو الجنس، أو البعض، فيكون حاصلا لكل من عرف مسئلة منه. وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يجاب بأنّ المراد معرفة الكل واستحالة معرفة الكل لا ينافي كون العلم سببا لها، كما أنّ استحالة عدم صفات الواجب لا ينافي سببية عدم الواجب، وعدم حصول العلم المدوّن لأحد ليس بمستبعد ولا بممتنع، وتسمية البعض فقيها مجاز، وقد سبق إلى هذا إشارة في تعريف العلوم المدوّنة.
والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة المتغيّرة كما يقتضيه لفظ الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك، وأحوال الإسناد أيضا من أحوال اللفظ باعتبار أنّ كون الجملة مؤكّدة أو غير مؤكّدة اعتبار راجع إليها؛ ويجيء تحقيق قوله: التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال في لفظ الحال، واحترز به عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة كالإعلال والإدغام والرّفع والنصب وما أشبه ذلك من المحسّنات البديعية، فإنّ بعضها ممّا يتقدم على المطابقة وبعضها مما يتأخر منها «٢»، فإن الإعلال والإدغام ونحوهما مما لا بدّ منه في تأدية أصل المعنى مقدّم على المطابقة، والمحسّنات البديعية من التجنيس والترصيع ونحوهما مما يكون بعد رعاية المطابقة متأخّر عن المطابقة، ولا بدّ من اعتبار قيد الحيثية المستفادة من تعليق الحكم [بالمشتق ثمّ] «٣» بالموصول الذي صلته مشتقّة، أي التي بها يطابق اللفظ لمقتضى الحال من حيث هو كذلك، ليتم أمر الاحتراز، وإلّا ادخل فيه بعض المحسّنات والأحوال النحوية والبيانية التي ربما يقتضيها الحال، فإن الحال ربما يقتضي تقديما أو تأخيرا يبحث عنه النحوي، وربما يقتضي السجع وغيره، وربما يقتضي إيراد المجاز والتشبيه. فلولا قيد الحيثية لدخلت هذه الأمور التي تعلّقت بعلوم أخر في المعاني.
ثم موضوع العلم ليس مطلق اللفظ العربي كما توهمه العبارة، بل الكلام من حيث أنه يفيد زوائد المعاني. فلو قال أحوال الكلام العربي لكان أوفق، إلّا أنه راعى أن أكثر تلك الأحوال من عوارض أجزاء الكلام بالذات، وإنّ صاحب المعاني يرجعه إلى الكلام، فاختار اللفظ ليكون صحيحا في
стр. 70
بادئ الرأي. وقد نبّه بتقييد اللفظ بالعربي وإطلاقه في قوله: يطابق اللفظ، على أنّ تخصيص البحث باللفظ العربي مجرّد اصطلاح، وإلّا فيطابق بها مطلق اللفظ لمقتضى الحال، وبها يرتفع شأن كلّ مقال؛ ولهذا لم يضمر فاعل المطابقة، فاتجه أنّ الأحوال الشاملة بغير اللفظ العربي، كيف تكون من الأحوال التي تبحث في العلم، ولا تبحث فيه إلّا عن الأعراض الذاتية، ولا يندفع إلّا بما ذكره المحقق التفتازاني في بعض تصانيفه من أنّ اشتراط البحث عن الأعراض الذاتية إنّما هو عند الفلسفي. وأما أرباب تدوين العربية فربّما لا يتم في علومهم هذا إلّا بمزيد تكلّف، كذا في الأطول؛ ولا يخفى أنّ هذا الإيراد إنما هو على مذهب المتقدّمين الذاهبين إلى أنّ اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الغريبة، وأمّا على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنه من الاعراض الذاتية فلا إيراد.
وقد عرّف صاحب المفتاح «١» [علم] «٢» المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتّصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق ما يقتضي الحال ذكره، والتعريف الأول أخصر وأوضح كما لا يخفى. وأيضا التعريف بالتتبّع تعريف بالمباين إذ التتبّع ليس بعلم ولا صادق عليه، وإن شئت التوضيح فارجع إلى المطول والاطول.
علم البيان:
وهو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، كذا ذكر الخطيب في التلخيص. فالعلم جنس، وقوله يعرف به إيراد المعنى الواحد، أي علم يعرف به إيراد كلّ معنى واحد يدخل في قصد المتكلّم، على أن اللام في المعنى للاستغراق العرفي، وهذا هو العرف في وصف العلوم بمعرفة الجزئيات بها، فلو عرف من ليس له هذه الملكة أو الأصول أو الإدراك على اختلاف معاني العلم كالعربي المتكلّم بالسليقة إيراد معنى قولنا: زيد جواد بطرق مختلفة، لم يكن عالما بعلم البيان، وفسّر القوم المعنى الواحد بما يدلّ عليه الكلام الذي روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال، واعترض عليه بأنه مما لا يفهم من العبارة، ويخرج البحث عن المجاز المفرد مع أنه من البيان، ويمكن دفعه بأنّ تخصيص المعنى الواحد بمعنى الكلام البليغ لاشتهار أنّ موضوع الفن اللفظ البليغ، على أنّ وصف المعنى بالواحد يحتمل أن يكون باعتبار وحدة تحصل للمعنى باعتبار ترتيبه في النفس بحيث لا يصحّ تقديم جزء على جزء، فهذا هو الوحدة المعتبرة في نظر البليغ. وأمّا المجاز المفرد وأمثاله، فالبحث عنه راجع إلى البحث عن الكلام البليغ، وقد احترز به عن ملكة الاقتدار على إيراد المعنى العاري عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة، فإنها ليست من علم البيان. وهذه الفائدة أقوى مما ذكره السيّد السّند من أنّ فيما ذكره القوم تنبيه على أن علم البيان ينبغي أن يتأخّر عن علم المعاني في الاستعمال، وذلك لأنه يعلم منه هذه الفائدة أيضا، فإن رعاية مراتب الدلالة في الوضوح والخفاء على المعنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال، فإنّ هذه كالأصل في المقصودية وتلك فرع وتتمة لها؛ وكذا خرج به ملكة الاقتدار على معنى الشّجاع بألفاظ مختلفة [في الوضوح] «٣» كالأسد والغضنفر والليث
стр. 71
والحارث؛ وقوله بطرق مختلفة، أي في طرق مختلفة؛ والمراد بالطرق التراكيب، ويستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن تكون بالنسبة إلى كل معنى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، ولا بعد فيه لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسند ومسند إليه، ونسبة لكل منها دال يجري فيه المجاز سيّما باعتبار المعنى الالتزامي المعتبر في هذا الفن، فتحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة. ولا يشكل عليك أنه وإن تتحقق الطرق الثلاثة بالاعتبار المذكور، وأزيد لكن كيف يجزم بتحقق الاختلاف في الوضوح وهو خفي جدّا، فإنّ الأمر هيّن إذ الاختلاف في الوضوح والخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي وبعده من المعنى الحقيقي، يكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها فلا محالة تتحقق «١» المعاني المختلفة وضوحا وخفاء ولو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرّف البليغ؛ فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على تقدير أن يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه.
بقي هاهنا شيء وهو أنه كما أنّ الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من «٢» مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلّا أن يقال هذا تعريف بخاصة شاملة للمعرف ولا يلزم منه ان يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجا عن وظائف البيان. ثم المختلفة تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركّب والمختلفة في وضوح الدلالة، فالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان فأخرجه بقوله في وضوح الدلالة، إمّا لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية لما أنّه تقرّر من أنّ الاختلاف المذكور لا يجري إلّا في الدلالات العقلية، وإمّا لأنّ الاختلاف في وضوح الدلالة يخصّ الدلالة العقلية، فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة، وترك في التعريف ذكر الخفاء، وإن ذكر في المفتاح للاختصار ولاستلزام الاختلاف في الوضوح الاختلاف في الخفاء. وقوله عليه، أي على المعنى الواحد، وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى.
علم البديع:
وهو علم تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وبعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ والمتلفّظ به على ما في الأطول. وليس المراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، والخلو عن التعقيد المعنوي، وغير ذلك مما يورث الكلام حسنا، سواء كان داخلا في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني والبيان واللغة والصرف والنحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر ومخالفة القياس وضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه
стр. 72
على أن الوجوه المحسنة البديعية لا تحسّن بدون البلاغة، وإلّا لكان كتعليق الدّرر على أعناق الخنازير. فقوله بعد متعلّق بالمصدر وهو التحسين، وللتنبيه على أنه يجب تأخير علم البديع عن المعاني والبيان، وأنها تورث حسنا عرضيا غير داخل في حدّ البلاغة، وأنها إنما تكون من البديع إذا لم يقتض الحال لها إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة. ولذا ذكر في شرح المفتاح وأما البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه من أقسام العلوم العربية على ما سبق. هذا خلاصة «١» ما في المطول وحواشيه. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع.
بيان الغرض من تلك العلوم:
اعلم أنّ البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلّم رجوعها إلى امرين: أحدهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أي ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقا. والثاني تمييز الفصيح عن غيره، ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح، فمنه ما يبيّن في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحسّ، وهو أي ما يبيّن في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي، فمسّت الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، والاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم آخر، فوضعوا لهما علمي المعاني والبيان، وسموهما علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر، فوضعوا له علم البديع، فما يحترز به عن الأوّل أي الخطأ في التأدية علم المعاني، وما يحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع.
علم العروض:
وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث الميزان والتقطيع، والقيد الأخير احتراز عن علم القافية . وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له وزنا.
علم القافية:
وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث التقفية، والقيد الأخير احتراز عن علم العروض.
وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له قافية.
العلوم الشرعية
وتسمّى العلوم الدينية، وهي العلوم المدوّنة التي تذكر فيها الأحكام الشرعية العملية أو الاعتقادية، وما يتعلّق بها تعلّقا معتدا به، ويجيء تحقيقه في الشرع، وهي أنواع فمنها.
стр. 73
علم الكلام:
ويسمّى بأصول الدين، أيضا، وسماه أبو حنيفة «١» رحمه الله تعالى بالفقه الاكبر. وفي مجمع السلوك «٢»: ويسمّى بعلم النظر والاستدلال أيضا، ويسمّى أيضا، بعلم التوحيد والصفات. وفي شرح العقائد «٣» للتفتازاني: العلم المتعلّق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمّى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمّى علم التوحيد والصفات، انتهى. وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يقال علم أي معلوم يقتدر معه، أي مع العلم به الخ. وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التّامة، وبإطلاق المعيّة تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة وردّ الشّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صور الدلائل فقط، ودون علم الجدل الذي يتوسّل إلى حفظ أي وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك، وإن سلّم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلا إذ ليس تترتّب عليه تلك القدرة دائما على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتّب العادي أصلا.
وفي اختيار يقتدر على يثبت إشارة إلى أنّ الإثبات بالفعل غير لازم، وفي اختيار معه على به مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببيّة الحقيقية المتبادرة من الباء، إذ المراد الترتّب العادي، وفي اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه، ولا يجوز حمل الإثبات هاهنا على التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا عن علم الكلام ثمرة له ولا خفاء في بطلانه.
والمتبادر من الباء في قولنا بإيراد هو الاستعانة دون السببية، ولئن سلّم وجب حملها على السببيّة العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق. وليس المراد بالحجج والشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناء على تناول المخطئ، ولا يراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرا معيّنا حتى يرد أنّها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعا، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحدّ أنه علم بأمور يقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائما عاديا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشّبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذ قد
стр. 74
دوّن للعمليات الفقه.
والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد ﵊ سواء كانت صوابا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها «١»، فلا يتعذّر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها، وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتّى الإحاطة بكلّها، وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام.
وموضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقا قريبا أو بعيدا، وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقا قريبا، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقا بعيدا.
وللبعد مراتب متفاوتة؛ وقد يقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضا، فأولى أن يقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. وقال القاضي الارموي «٢»: موضوعه ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله إمّا في الدنيا كحدوث العالم، وإمّا في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أو لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا، وفيه بحث، وهو أنّ موضوع العلم لا يبيّن وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إمّا كون إثبات الصانع بيّنا بذاته وهو باطل، أو كونه مبيّنا في علم آخر سواء كان شرعيا أو لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضا باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. وأيضا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علما شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر جدا. وقال طائفة ومنهم حجّة الإسلام «٣»: موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيّد بشيء؛ ويمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أنّ البحث فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل، وافق الإسلام أو لا، كما في الإلهي، وفيه أيضا بحث إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعا، مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام.
стр. 75
و فائدة علم الكلام وغايته الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة لهم، والزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن ان يزلزلها شبهة المبطلين، وأن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصوّر علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس، وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين.
ومن هذا تبيّن «١» مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، وأيضا دلائله يقينية، يحكم بها صريح العقل وقد تأيّدت بالنقل، وهي أي شهادة العقل مع تأيّدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل. وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كلّ حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. والكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلّها، وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مباد تبين في علم آخر شرعيا أو غيره، بل مباديه إمّا مبيّنة بنفسها أو مبيّنة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقّف عليها، لئلّا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقّف عليها إثبات العقائد أصلا ولا دفع الشّبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيرا للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمدّ غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلا، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الإسلام قد دوّنوا لإثبات العقائد الدينية المتعلّقة بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يتفرّع عليها من مباحث النبوّة والمعاد، علما يتوصّل به إلى إعلاء كلمة الحقّ فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد، والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقّفها عليها باعتبار موادّ أدلتها أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علما مستغنيا في نفسه عمّا عداه، ليس له مباد تبين في علم آخر.
وأمّا وجه تسميته بالكلام فلأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، أو لأنّ أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل. وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه؛ وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف، ومنها:
علم التفسير:
وهو علم يعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيها ومدنيّها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وأمثالها وغيرها. وقال أبو حيان «٢»: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية