← Гариб и словари

Гариб и словари · id 2573

كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

محمد أعلى التهانوي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والحارث؛ وقوله بطرق مختلفة، أي في طرق مختلفة؛ والمراد بالطرق التراكيب، ويستفاد منه أنه لا بد في البيان من أن تكون بالنسبة إلى كل معنى طرق ثلاثة على ما هو أدنى الجمع، ولا بعد فيه لأن المعنى الواحد الذي نحن فيه له مسند ومسند إليه، ونسبة لكل منها دال يجري فيه المجاز سيّما باعتبار المعنى الالتزامي المعتبر في هذا الفن، فتحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة. ولا يشكل عليك أنه وإن تتحقق الطرق الثلاثة بالاعتبار المذكور، وأزيد لكن كيف يجزم بتحقق الاختلاف في الوضوح وهو خفي جدّا، فإنّ الأمر هيّن إذ الاختلاف في الوضوح والخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازي وبعده من المعنى الحقيقي، يكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها فلا محالة تتحقق «١» المعاني المختلفة وضوحا وخفاء ولو باعتبار القرائن التي نصبها في تصرّف البليغ؛ فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على تقدير أن يكون لها طرق مختلفة مما لا حاجة إليه. بقي هاهنا شيء وهو أنه كما أنّ الاقتدار على إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من «٢» مزايا البلاغة، كذلك الاقتدار على إيراده بطرق متساوية في الوضوح، فلا معنى لإدخال الأول تحت البيان دون الثاني إلّا أن يقال هذا تعريف بخاصة شاملة للمعرف ولا يلزم منه ان يكون كل ما يغاير هذه الخاصة خارجا عن وظائف البيان. ثم المختلفة تشتمل المختلفة في الكلمات التي هي أجزاء المركّب والمختلفة في وضوح الدلالة، فالطرق المختلفة في الأول ليس من البيان فأخرجه بقوله في وضوح الدلالة، إمّا لأنه أراد بالدلالة الدلالة العقلية لما أنّه تقرّر من أنّ الاختلاف المذكور لا يجري إلّا في الدلالات العقلية، وإمّا لأنّ الاختلاف في وضوح الدلالة يخصّ الدلالة العقلية، فلا حاجة إلى تقييد الدلالة بالعقلية لإخراج الطرق المختلفة بالعبارة، وترك في التعريف ذكر الخفاء، وإن ذكر في المفتاح للاختصار ولاستلزام الاختلاف في الوضوح الاختلاف في الخفاء. وقوله عليه، أي على المعنى الواحد، وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى. علم البديع: وهو علم تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وبعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ والمتلفّظ به على ما في الأطول. وليس المراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، والخلو عن التعقيد المعنوي، وغير ذلك مما يورث الكلام حسنا، سواء كان داخلا في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني والبيان واللغة والصرف والنحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر ومخالفة القياس وضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه

стр. 72

على أن الوجوه المحسنة البديعية لا تحسّن بدون البلاغة، وإلّا لكان كتعليق الدّرر على أعناق الخنازير. فقوله بعد متعلّق بالمصدر وهو التحسين، وللتنبيه على أنه يجب تأخير علم البديع عن المعاني والبيان، وأنها تورث حسنا عرضيا غير داخل في حدّ البلاغة، وأنها إنما تكون من البديع إذا لم يقتض الحال لها إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة. ولذا ذكر في شرح المفتاح وأما البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه من أقسام العلوم العربية على ما سبق. هذا خلاصة «١» ما في المطول وحواشيه. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع. بيان الغرض من تلك العلوم: اعلم أنّ البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلّم رجوعها إلى امرين: أحدهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أي ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقا. والثاني تمييز الفصيح عن غيره، ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح، فمنه ما يبيّن في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحسّ، وهو أي ما يبيّن في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي، فمسّت الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، والاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم آخر، فوضعوا لهما علمي المعاني والبيان، وسموهما علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر، فوضعوا له علم البديع، فما يحترز به عن الأوّل أي الخطأ في التأدية علم المعاني، وما يحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع. علم العروض: وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث الميزان والتقطيع، والقيد الأخير احتراز عن علم القافية . وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له وزنا. علم القافية: وهو علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث التقفية، والقيد الأخير احتراز عن علم العروض. وموضوعه اللفظ المركّب من حيث أن له قافية. العلوم الشرعية وتسمّى العلوم الدينية، وهي العلوم المدوّنة التي تذكر فيها الأحكام الشرعية العملية أو الاعتقادية، وما يتعلّق بها تعلّقا معتدا به، ويجيء تحقيقه في الشرع، وهي أنواع فمنها.

стр. 73

علم الكلام: ويسمّى بأصول الدين، أيضا، وسماه أبو حنيفة «١» رحمه الله تعالى بالفقه الاكبر. وفي مجمع السلوك «٢»: ويسمّى بعلم النظر والاستدلال أيضا، ويسمّى أيضا، بعلم التوحيد والصفات. وفي شرح العقائد «٣» للتفتازاني: العلم المتعلّق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمّى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمّى علم التوحيد والصفات، انتهى. وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقا، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يقال علم أي معلوم يقتدر معه، أي مع العلم به الخ. وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التّامة، وبإطلاق المعيّة تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة وردّ الشّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صور الدلائل فقط، ودون علم الجدل الذي يتوسّل إلى حفظ أي وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تامّ على ذلك، وإن سلّم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به، ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلا إذ ليس تترتّب عليه تلك القدرة دائما على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتّب العادي أصلا. وفي اختيار يقتدر على يثبت إشارة إلى أنّ الإثبات بالفعل غير لازم، وفي اختيار معه على به مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببيّة الحقيقية المتبادرة من الباء، إذ المراد الترتّب العادي، وفي اختيار إثبات العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه، ولا يجوز حمل الإثبات هاهنا على التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا عن علم الكلام ثمرة له ولا خفاء في بطلانه. والمتبادر من الباء في قولنا بإيراد هو الاستعانة دون السببية، ولئن سلّم وجب حملها على السببيّة العادية دون الحقيقية بقرينة ذلك التنبيه السابق. وليس المراد بالحجج والشّبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناء على تناول المخطئ، ولا يراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيرا معيّنا حتى يرد أنّها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعا، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحدّ أنه علم بأمور يقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائما عاديا قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشّبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذ قد

стр. 74

دوّن للعمليات الفقه. والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد ﵊ سواء كانت صوابا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها «١»، فلا يتعذّر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها، وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتّى الإحاطة بكلّها، وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام. وموضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقا قريبا أو بعيدا، وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينية كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقا قريبا، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقا بعيدا. وللبعد مراتب متفاوتة؛ وقد يقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضا، فأولى أن يقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. وقال القاضي الارموي «٢»: موضوعه ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله إمّا في الدنيا كحدوث العالم، وإمّا في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أو لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا، وفيه بحث، وهو أنّ موضوع العلم لا يبيّن وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إمّا كون إثبات الصانع بيّنا بذاته وهو باطل، أو كونه مبيّنا في علم آخر سواء كان شرعيا أو لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضا باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. وأيضا كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علما شرعيا مع كونه أعلى منه مما يستنكر جدا. وقال طائفة ومنهم حجّة الإسلام «٣»: موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيّد بشيء؛ ويمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أنّ البحث فيه على قانون الإسلام لا على قانون العقل، وافق الإسلام أو لا، كما في الإلهي، وفيه أيضا بحث إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعا، مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام.

стр. 75

و فائدة علم الكلام وغايته الترقّي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجّة لهم، والزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن ان يزلزلها شبهة المبطلين، وأن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصوّر علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس، وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين. ومن هذا تبيّن «١» مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، وأيضا دلائله يقينية، يحكم بها صريح العقل وقد تأيّدت بالنقل، وهي أي شهادة العقل مع تأيّدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل. وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كلّ حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. والكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلّها، وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مباد تبين في علم آخر شرعيا أو غيره، بل مباديه إمّا مبيّنة بنفسها أو مبيّنة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقّف عليها، لئلّا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقّف عليها إثبات العقائد أصلا ولا دفع الشّبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيرا للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمدّ غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلا، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الإسلام قد دوّنوا لإثبات العقائد الدينية المتعلّقة بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يتفرّع عليها من مباحث النبوّة والمعاد، علما يتوصّل به إلى إعلاء كلمة الحقّ فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد، والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقّفها عليها باعتبار موادّ أدلتها أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علما مستغنيا في نفسه عمّا عداه، ليس له مباد تبين في علم آخر. وأمّا وجه تسميته بالكلام فلأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، أو لأنّ أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل. وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه؛ وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف، ومنها: علم التفسير: وهو علم يعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيها ومدنيّها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وأمثالها وغيرها. وقال أبو حيان «٢»: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية

стр. 76

والتركيبية، ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب وتتمّات ذلك. قال: فقولنا علم جنس، وقولنا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هو علم القراءة، وقولنا ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا متن علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم. وقولنا وأحكامها الإفرادية والتركيبية يشتمل «١» علم الصرف والنحو والبيان والبديع، وقولنا ومعانيها التي يحمل عليها حالة التركيب يشتمل ما دلالته بالحقيقة وما دلالته بالمجاز، فإنّ التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا ويصدّ عن الحمل عليه صادّ، فيحمل على غيره وهو المجاز، وقولنا وتتمّات ذلك هو مثل معرفة النسخ وسبب النزول «٢» وتوضيح ما أبهم في القرآن ونحو ذلك. وقال الزركشي «٣»: التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزّل على محمد ﷺ ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النّزول والناسخ والمنسوخ، كذا في الاتقان «٤»، فموضوعه القرآن. وأما وجه الحاجة إليه فقال بعضهم اعلم أنّ من المعلوم أن الله تعالى إنّما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وانزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لما سيذكر بعد تقرير قاعدة، وهي أنّ كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة: أحدها كمال فضيلة المصنف، فإنه بقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده فقصد بالشروح ظهور تلك المعاني الدقيقة؛ ومن هاهنا كان شرح بعض الأئمة لتصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له. وثانيها إغفاله بعض متمّمات المسألة أو شروطها اعتمادا على وضوحها، أو لأنها من علم آخر، فيحتاج الشارح لبيان المتروك ومراتبه. وثالثها احتمال اللفظ لمعان مختلفة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السّهو والغلط، أو تكرار الشيء، أو حذف المهمّ، وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك. وإذا تقرر هذا، فنقول: إنّ القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن فصحاء العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كانت تظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر، كسؤالهم لما نزل [قوله] «٥» وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «٦» فقالوا وأيّنا لم يظلم نفسه، ففسّره

стр. 77

النبي ﷺ بالشّرك، واستدل عليه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «١»، وغير ذلك مما سألوا عنه ﵊. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه مع أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد احتياجا إلى التفسير. وأما شرفه فلا يخفى، قال الله تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «٢». وقال الأصبهاني «٣»: شرفه من وجوه: أحدها من جهة الموضوع، فإن موضوعه كلام الله تعالى الذي [هو] «٤» ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة. وثانيها من جهة الغرض، فإنّ الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى. وثالثها من جهة شدّة الحاجة، فإنّ كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى. فائدة اختلف الناس في تفسير القرآن هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما أديبا متّسعا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلّا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي ﷺ في ذلك. ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسّر إليها وهي خمسة عشر علما: اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع وعلم القراءات، لأنه يعرف به كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يرجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، وأصول الدين أي الكلام وأصول الفقه وأسباب النزول والقصص إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه، والناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره والفقه والأحاديث المبيّنة لتفسير المبهم والمجمل، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث «من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم» «٥». وقال البغوي «٦» والكواشي «٧» وغيرهما: التأويل، وهو صرف الآية إلى معنى موافق لما

стр. 78

قبلها وما بعدها تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنّة، غير محظور على العلماء بالتفسير، كقوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «١» قيل شبابا وشيوخا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل نشّاطا وغير نشّاط، وقيل أصحاء ومرضى، وكل ذلك سائغ، والآية تحتمله. وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور، لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض قوله تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ «٢» انهما علي وفاطمة، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٣» يعني الحسن والحسين. فائدة: وأما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. وقال النسفي «٤» في عقائده «٥»: النصوص محمولة على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد. وقال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنية لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلّا المعلّم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان «٦». فإن قلت: قال رسول

стр. 79

الله ﷺ «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع» «١». قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني ما من آية إلّا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود «٢» فيما أخرجه. والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع وهو أقرب إلى الصواب أنّ القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم. والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنه من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله ولكل حرف حدّ أي منتهى فيما أراد من معناه، وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. ومعنى قوله ولكل حدّ مطلع، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصّل به إلى معرفته ويوقف على المراد به، وقيل كلّ ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدلّ على أنّ في فهم المعاني للقرآن مجالا متسعا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع [بل] «٣»، لا بدّ منه في ظاهر التفسير لتتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لا بدّ منه أوّلا، إذ لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. هذا كله نبذ مما وقع في الاتقان، وإن شئت الزيادة فارجع إليه. علم القراءة: وهو علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، وموضوعه القرآن من حيث إنه كيف يقرأ.

стр. 80

علم الإسناد: ويسمّى بأصول الحديث أيضا، وهو علم بأصول تعرف بها أحوال حديث رسول الله ﷺ ، من حيث صحة النقل وضعفه والتحمّل والأداء، كذا في الجواهر «١»؛ وفي شرح النخبة «٢» هو علم يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء انتهى. فموضوعه الحديث بالحيثية المذكورة. علم الحديث: ويسمّى بعلم الرواية والأخبار والآثار أيضا على ما في مجمع السلوك، حيث قال ويسمّى جملة علم الرواية والأخبار والآثار علم الأحاديث، انتهى. فعلى هذا علم الحديث يشتمل علم الآثار أيضا، بخلاف ما قيل، فإنه لا يشتمله، والظاهر أن هذا مبني على عدم إطلاق الحديث على أقوال الصحابة وأفعالهم على ما عرف. وعلم الحديث علم تعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله. أما أقواله ﵊ فهي الكلام العربي، فمن لم يعرف حال الكلام العربي فهو بمعزل عن هذا العلم، وهو كونه حقيقة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيّدا ومنطوقا ومعنويا ونحو ذلك، مع كونه على قانون العربية الذي بيّنه النحاة بتفاصيله، وعلى قواعد استعمال العرب، وهو المعبر بعلم اللغة. وأما أفعاله ﵊ فهي الأمور الصادرة عنه التي أمرنا باتباعه فيها أولا كالأفعال الصادرة عنه طبعا أو خاصة، كذا في العيني «٣» شرح صحيح البخاري «٤»، وزاد الكرماني «٥» وأحواله. ثم في العيني: وموضوعه ذات رسول الله ﷺ من حيث أنه رسول الله، ومباديه هي ما تتوقف عليه المباحث، وهي أحوال الحديث وصفاته، ومسائله هي الأشياء المقصودة منه، وغايته الفوز بسعادة الدارين.

стр. 81

فائدة لأهل الحديث مراتب: أولها الطالب، وهو المبتدئ الراغب فيه، ثم المحدّث وهو الأستاذ الكامل، وكذا الشيخ والإمام بمعناه، ثم الحائط «١» وهو الذي أحاط علمه بمائة ألف حديث متنا وإسنادا، وأحوال رواة «٢» جرحا وتعديلا وتاريخا، ثم الحجّة وهو الذي أحاط علمه بثلاثمائة ألف حديث كذلك قاله ابن المطري «٣». وقال الجزري «٤» ﵀: الراوي ناقل الحديث بالإسناد والمحدّث من تحمّل بروايته واعتنى بدرايته، والحافظ من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج إليه. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين الاكفاني السنجاري: دراية الحديث علم تتعرف منه أنواع الرواية وأحكامها وشروط الرواية وأصناف المرويات، واستخراج معانيها، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه علم التفسير من اللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع والأصول، ويحتاج إلى تاريخ النقلة، انتهى. علم أصول الفقه: ويسمّى هو وعلم الفقه بعلم الدراية أيضا على ما في مجمع السلوك، وله تعريفان: أحدهما باعتبار الإضافة، وثانيهما باعتبار اللّقب، أي باعتبار أنه لقب لعلم مخصوص. وأما تعريفها باعتبار الإضافة فيحتاج إلى تعريف المضاف وهو الأصول والمضاف إليه وهو الفقه، والإضافة التي هي بمنزلة الجزء الصّوري للمركّب الإضافي. فالأصول هي الأدلة، إذ الأصل في الاصطلاح يطلق على الدّليل أيضا، وإذا أضيف إلى العلم يتبادر منه هذا المعنى، وقيّد المراد المعنى اللغوي، وهو ما يبتنى عليه الشيء فإنّ الابتناء يشتمل الحسّي، وهو كون الشيئين حسّيين كابتناء السقف على الجدران، والعقلي كابتناء الحكم على دليله. فلمّا أضيف الأصول إلى الفقه الذي هو معنى عقلي، يعلم أن الابتناء هاهنا عقلي، فيكون أصول الفقه ما يبتنى هو عليه ويستند إليه، ولا معنى لمستند العلم ومبتناه إلّا دليله. وأما الفقه فستعرف معناه. وأما الإضافة فهي تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار مفهوم المضاف إذا كان المضاف مشتقّا أو ما في معناه، مثلا دليل المسألة ما يختصّ بها باعتبار كونه دليلا عليها، فأصول الفقه ما يختصّ به من حيث إنه مبنى له ومسند إليه، ثم نقل إلى المعنى العرفي اللّقبي الآتي ليتناول الترجيح والاجتهاد أيضا. وقيل لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلته ثم النقل إلى المعنى اللّقبي أي العلم بالقواعد المخصوصة، بل يحمل على معناه اللّغوي أي ما يبتنى الفقه عليه ويستند إليه ويكون شاملا لجميع معلوماته من الأدلة والاجتهاد والترجيح لاشتراكها في ابتناء الفقه عليها، فيعبّر عن

стр. 82

معلوماته بلفظه وهو أصول الفقه، وعنه بإضافة العلم إليه، فيقال علم أصول الفقه، أو يكون إطلاقها على العلم المخصوص على حذف المضاف أي علم الأصول الفقه. لكن يحتاج إلى اعتبار قيد الإجمال، ومن ثمّة قيل في المحصول «١»: أصول الفقه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدلّ بها. وفي الإحكام: هي أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدلّ من جهة الجملة، كذا ذكر السيّد السّند في حواشي شرح مختصر الأصول. وأما تعريفه باعتبار اللقب، فهو العلم بالقواعد التي يتوصّل بها إلى الفقه على وجه التحقيق، والمراد بالقواعد القضايا الكليّة التي تكون إحدى مقدمتي الدليل على مسائل الفقه، والمراد بالتوصّل التوصّل القريب الذي له مزيد اختصاص بالفقه إذ هو المتبادر من الباء السببية، ومن توصيف القواعد بالتوصّل فخرج المبادئ كقواعد العربية والكلام، إذ يتوصّل بقواعد العربية إلى معرفة الألفاظ وكيفية دلالتها على المعاني الوضعية وبواسطة ذلك يقتدر على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والاجماع، وكذا يتوصّل بقواعد الكلام إلى ثبوت الكتاب والسنة ووجوب صدقهما، ويتوصل بذلك إلى الفقه، وكذا خرج علم الحساب، إذ التوصّل بقواعده في مثل: له عليّ خمسة في خمسة، إلى تعيّن مقدار المقرّ به لا إلى وجوبه الذي هو حكم شرعي كما لا يخفى، وكذا خرج المنطق إذ لا يتوصّل بقواعده إلى الفقه توصلا قريبا مختصا به، إذ نسبته إلى الفقه وغيره على السوية. والتحقيق في هذا المقام أنّ الإنسان لم يخلق عبثا ولم يترك سدى، بل تعلّق بكل من أعماله حكم من قبل الشارع منوط بدليل يختصه ليستنبط منه عند الحاجة، ويقاس على ذلك الحكم ما يناسبه لتعذّر الإحاطة بجميع الجزئيات، فحصلت قضايا موضوعاتها أفعال المكلّفين، ومحمولاتها أحكام الشارع على التفصيل، فسمّوا العلم بها الحاصل من تلك الأدلة فقها. ثم نظروا في تفاصيل الأدلة والأحكام فوجدوا الأدلّة راجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأحكام راجعة إلى الوجوب والنّدب والحرمة والكراهة والإباحة. وتأمّلوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالا من غير نظر إلى تفاصيلها، إلّا على طريق ضرب المثل، فحصل لهم قضايا كليّة متعلّقة بكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالا، وبيان طرقه وشرائطه، يتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من تلك الأحكام الجزئية عن أدلّتها، فضبطوها ودوّنوها وأضافوا إليها من اللواحق والمتمّمات وبيان الاختلافات وما يليق بها، وسمّوا العلم بها أصول الفقه، فصار عبارة عن العلم بالقواعد التي يتوصّل بها إلى الفقه. ولفظ القواعد مشعر بقيد الإجمال. وقيد التحقيق للاحتراز عن علم الخلاف والجدل، فإنه وإن شمل «٢» على القواعد الموصلة إلى الفقه، لكن لا على وجه التحقيق، بل الغرض منه إلزام الخصم. ولقائل أن يمنع كون قواعده مما يتوصّل به إلى الفقه توصلا قريبا، بل إنما يتوصّل بها إلى محافظة الحكم المستنبط أو مدافعته، ونسبته إلى الفقه وغيره على السوية، فإن الجدلي إمّا مجيب يحفظ وضعا أو معترض يهدم وضعا، إلّا أنّ الفقهاء أكثروا فيه من مسائل الفقه وبنوا نكاته عليها، حتى يتوهّم أن له اختصاصا بالفقه.

стр. 83

ثم اعلم أنّ المتوصّل بها إلى الفقه إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلة، وليس دليل المقلد منها، فلذا لم يذكر مباحث التقليد والاستفتاء في كتب الحنفية. وأما من ذكرهما فقد صرّح بأن البحث عنهما إنما وقع من جهة كونه مقابلا للاجتهاد. تنبيه بعد ما تقرر أنّ أصول الفقه لقب للعلم المخصوص لا حاجة إلى إضافة العلم إليه إلّا أن يقصد زيادة بيان وتوضيح كشجر الأراك. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: أصول الفقه علم يتعرّف منه تقرير مطلب الأحكام الشرعية العملية وطرق استنباطها وموادّ حججها واستخراجها بالنظر، انتهى. وموضوعه الأدلة الشرعية والأحكام؛ توضيحه أنّ كل دليل من الأدلة الشرعية إنما يثبت به الحكم إذا كان مشتملا على شرائط وقيود مخصوصة، فالقضية الكليّة المذكورة إنما تصدق كلية إذا اشتملت على هذه الشرائط والقيود، فالعلم بالمباحث المتعلّقة بهذه الشرائط والقيود يكون علما بتلك القضية الكلية، فتكون تلك المباحث من مسائل أصول الفقه. هذا بالنظر إلى الدليل، وأمّا بالنظر إلى المدلول وهو الحكم، فإن القضية المذكورة إنما يمكن إثباتها كلية إذا عرف أنواع الحكم، وأنّ أي نوع من الأحكام يثبت بأيّ نوع من الأدلة بخصوصية ثابتة من الحكم، ككون هذا الشيء علّة لذلك الشيء، فإنّ هذا الحكم لا يمكن إثباته بالقياس. ثم المباحث المتعلّقة بالمحكوم به، وهو فعل المكلف ككونه عبادة أو عقوبة ونحو ذلك مما يندرج في كليّة تلك القضية، فإن الأحكام مختلفة باختلاف أفعال المكلّفين، فإن العقوبات لا يمكن إيجابها بالقياس. ثم المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه وهو المكلّف كمعرفة الأهلية ونحوها مندرجة تحت تلك القضية الكلية أيضا، لاختلاف الأحكام باختلاف المحكوم عليه، وبالنظر إلى وجود العوارض وعدمها. فيكون تركيب الدليل على إثبات مسائل الفقه بالشكل الأول هكذا: هذا الحكم ثابت لأنه حكم هذا شأنه، متعلق بفعل هذا شأنه، وهذا الفعل صادر من مكلّف هذا شأنه، ولم توجد العوارض المانعة من ثبوت هذا الحكم، ويدل على ثبوت هذا الحكم قياس هذا شأنه. هذا هو الصغرى، ثم الكبرى وهو قولنا: وكل حكم موصوف بالصفات المذكورة ويدلّ على ثبوته القياس الموصوف فهو ثابت، فهذه القضية الأخيرة من مسائل أصول الفقه؛ وبطريق الملازمة هكذا كلما وجد قياس موصوف بهذه الصفات دالّ على حكم موصوف بهذه الصفات يثبت ذلك الحكم، لكنه وجد القياس الموصوف الخ، فعلم أن جميع المباحث المتقدمة مندرجة تحت تلك القضية الكلية «١» المذكورة، فهذا معنى التوصّل القريب المذكور. وإذا علم أن جميع مسائل الأصول راجعة إلى قولنا كل حكم كذا يدلّ على ثبوته دليل كذا فهو ثابت، أو كلما وجد دليل كذا دالّ على حكم كذا يثبت ذلك الحكم، علم أنه يبحث في هذا العلم عن الأدلة الشرعية والأحكام الكليتين من حيث إنّ الأولى مثبتة للثانية، والثانية ثابتة بالأولى، والمباحث

стр. 84

التي ترجع إلى أنّ الأولى مثبتة للثانية بعضها ناشئة عن الأدلة وبعضها عن الأحكام؛ فموضوع هذا العلم هو الأدلة الشرعية والأحكام إذ يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية، وهي إثباتها للحكم، وعن العوارض الذاتية للأحكام، وهي ثبوتها بتلك الأدلة. وان شئت زيادة التحقيق فارجع إلى التوضيح والتلويح. علم الفقه: ويسمى هو وعلم أصول الفقه بعلم الدراية أيضا على ما في مجمع السلوك. وهو معرفة النفس ما لها وما عليها، هكذا نقل عن أبي حنيفة. والمراد بالمعرفة إدراك الجزئيات عن دليل، فخرج التقليد، قال المحقق التفتازاني: القيد الأخير في تفسير المعرفة مما لا دلالة عليه أصلا لا لغة ولا اصطلاحا، وقوله: ما لها وما عليها يمكن أن يراد به ما ينتفع به «١» النفس وما يتضرر به «٢» في الآخرة، على أن اللام للانتفاع، وعلى للضرر. وفي التقييد بالأخروي احتراز عما ينتفع به أو يتضرر به في الدنيا من اللذات والآلام؛ والمشعر بهذا التقييد شهرة أن علم الفقه من العلوم الدينية. فإن أريد بهما الثواب والعقاب، فاعلم أنّ ما يأتي به المكلّف إما واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه كراهة تنزيه أو تحريم أو حرام، فهذه ستة، ولكل واحد طرفان: طرف الفعل وطرف الترك، فصارت اثنتي عشرة؛ ففعل الواجب مما يثاب عليه، وفعل الحرام والمكروه تحريما مما يعاقب عليه، والباقي لا يثاب ولا يعاقب عليه، فلا يدخل في شيء من القسمين. وإن أريد بالنفع الثواب وبالضرر عدمه، ففعل الواجب والمندوب من الأول، والبواقي من الثاني. ويمكن أن يراد بما لها وما عليها ما يجوز لها وما يجب عليها، ففعل ما سوى الحرام والمكروه تحريما وترك ما سوى الواجب يجوز، وفعل الواجب وترك الحرام والمكروه تحريما مما يجب عليها، فبقي فعل الحرام وترك الواجب وفعل المكروه تحريما خارجا عن القسمين. ويمكن أن يراد بهما ما يجوز لها وما يحرم عليها، فيشتملان جميع الأقسام. إذا عرفت هذا فالحمل على وجه لا تكون بين القسمين واسطة أولى. ثم ما لها وما عليها يتناول الاعتقاديات كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات أي الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية والعمليات كالصوم والصلاة والبيع ونحوها. فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات هي علم الكلام، ومعرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوّف، كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك. ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أريد بالفقه هذا المصطلح زيد عملا على قوله ما لها وما عليها. وإن أريد ما يشتمل الأقسام الثلاثة فلا يزاد قيد عملا. وأبو حنيفة إنما لم يزد قيد عملا لأنه أراد الشمول أي أطلق الفقه على العلم بما لها وما عليها، سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات، ولذا سمّى الكلام فقها أكبر. وذكر الإمام الغزالي أن الناس تصرّفوا في اسم الفقه، فخصّوه بعلم الفتاوى والوقوف على دلائلها وعللها. واسم الفقه في العصر الأول كان مطلقا على علم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا، ولذا قيل: الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة،

стр. 85

البصير بذنبه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين. قال أصحاب الشافعي «١»: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والمراد بالحكم النسبة التامة الخبرية التي العلم بها تصديق وبغيرها تصوّر، فالفقه عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية المتعلّقة بكيفية العمل تصديقا حاصلا من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا، وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. اعلم أنّ متعلّق العلم إمّا حكم أو غير حكم، والحكم إمّا مأخوذ من الشرع أو لا، والمأخوذ من الشرع إمّا أن يتعلق بكيفية عمل أو لا، والعملي إمّا أن يكون العلم حاصلا من دليله التفصيلي الذي ينوط به الحكم أو لا. فالعلم المتعلّق بجميع الأحكام الشرعية العملية الحاصلة من الأدلة هو الفقه. فخرج العلم بغير الأحكام من الذوات والصفات، وبالأحكام الغير المأخوذة من الشرع بل من العقل كالعلم بأن العالم حادث، أو من الحسّ كالعلم بأن النار محرقة، أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع. وخرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية المسماة بالاعتقادية والأصلية، ككون الإجماع حجة والإيمان به واجبا. وخرج علم الله تعالى وعلم جبرائيل وعلم الرسول ﵊، وكذا علم المقلّد لأنه لم يحصل من الأدلة التفصيلية. والتقييد بالتفصيلية لإخراج الإجمالية كالمقتضي والنافي، فإن العلم بوجوب الشيء لوجود المقتضي أو بعدم وجوبه لوجود النافي ليس من الفقه. والمراد بالعلم المتعلق بجميع الأحكام المذكورة تهيؤه للعلم بالجميع بأن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه، بأن يرجع إليه فيحكم، وعدم العلم في الحال لا ينافيه «٢» لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال لاستدعائه زمانا، وقد سبق مثل هذا في بيان العلوم المدوّنة وعلم المعاني. ثم إنّ إطلاق العلم على الفقه وإن كان ظنيا باعتبار أنّ العلم قد يطلق على الظنيات كما يطلق على القطعيات كالطب ونحوه. ثم إن أصحاب الشافعي جعلوا للفقه أربعة أركان: فقالوا الأحكام الشرعية إمّا أن تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات، أو بأمر الدنيا، وهي إمّا أن تتعلّق ببقاء الشخص وهي المعاملات، أو ببقاء النوع باعتبار المنزّل وهي المناكحات، أو باعتبار المدينة وهي العقوبات. وهاهنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب، فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى التوضيح والتلويح. و موضوعه فعل المكلف من حيث الوجوب والندب والحلّ والحرمة وغير ذلك كالصحة والفساد. وقيل موضوعه أعمّ من الفعل، لأن قولنا: الوقت سبب لوجوب الصلاة من مسائله وليس موضوعه الفعل. وفيه أن ذلك راجع إلى بيان حال الفعل بتأويل أنّ الصلاة تجب بسبب الوقت، كما أن قولهم النية في الوضوء مندوبة، في قوة أنّ الوضوء يندب فيه النية. وبالجملة تعميم موضوع الفقه مما لم يقل به أحد، ففي كل مسألة ليس موضوعها راجعا إلى فعل المكلّف يجب تأويله حتى يرجع

стр. 86

موضوعها إليه، كمسألة المجنون والصبي فإنه راجع إلى فعل الولي، هكذا في الخيالي «١» وحواشيه. و مسائله الأحكام الشرعية العملية كقولنا الصلاة فرض، وغرضه النجاة من عذاب النار ونيل الثواب في الجنة. وشرفه مما لا يخفى لكونه من العلوم الدينية. علم الفرائض: وهو علم يبحث فيه عن كيفية قسمة تركة الميّت بين الورثة، وموضوعه قسمة التركة بين المستحقين. وقيل موضوعه التركة ومستحقّوها، والأول هو الصحيح، لأنهم عدوّا الفرائض بابا من الفقه، وموضوع الفقه هو عمل المكلّف، والتركة ومستحقوها ليس من قبيل العمل، كذا في الخيالي. علم السلوك: وهو معرفة النفس ما لها وما عليها من الوجدانيات على ما عرفت قبيل هذا، ويسمّى بعلم الأخلاق وبعلم التصوّف أيضا. وفي مجمع السلوك: وأشرف العلوم علم الحقائق والمنازل والأحوال، وعلم المعاملة والإخلاص في الطاعات والتوجّه إلى الله تعالى من جميع الجهات، ويسمّى هذا العلم بعلم السلوك. فمن غلط في علم الحقائق والمنازل والأحوال المسمّى بعلم التصوّف فلا يسأل عن غلطه إلّا عالما منهم كامل العرفان، ولا يطلب ذلك من البزدوي «٢» والبخاري «٣» والهداية «٤» وغير ذلك. وعلم الحقائق ثمرة العلوم كلها وغايتها، فإذا انتهى السالك إلى علم الحقائق وقع في بحر لا ساحل له، وهو أي علم الحقائق علم القلوب وعلم المعارف وعلم الأسرار، ويقال له علم الإشارة. وفي موضع آخر منه. ويقول كبار مشايخ أهل الباطن: إنه يجب بعد تحصيل علم المعرفة والتوحيد والفقه والشرائع أن يتعلّم (السّالك) علم آفات النّفس ومعرفتها وعلم الرياضة، ومكايد الشيطان للنفس وسبل الاحتراز منها. ويقال لهذا العلم علم الحكمة، ذلك أن نفس السالك متى استقامت على الواجبات. وصلح طبع السّالك. وتأدّب بآداب الله. أمكنه حينئذ أن يراقب خواطره وأن يطهّر سريرته؛ وهذا العلم يقال له علم المعرفة. وأمّا مراقبة الخواطر فهي أن يتفكّر في الحق ولا يمكنه أن يشغل كل خواطره بذات الحق، بل بالأعراض، أي فيما سوى الله تعالى.

стр. 87

وأما تطهير السّرائر فهو أن يتطهر من كل ما يلوّثه، حتى إذا وصل إلى علم المعرفة أصبح بمقدوره أن يصل إلى علم المكاشفة والمشاهدة، وهذا ما يطلق عليه الإشارة. انتهى «١». وموضوعه أخلاق النفس إذ يبحث فيه عن عوارضها الذاتية، مثلا حبّ الدنيا في قولهم: حبّ الدنيا رأس كل خطيئة، خلق من أخلاق النفس حكم عليه بكونه رأس الخطايا ورأس الأخلاق الرذيلة التي تتضرر بسببها النفس، وكذا الحال في قولهم: بغض الدنيا رأس الحسنات؛ وغرضه التقرّب والوصول إلى الله تعالى. فائدة ورد في مجمع السلوك، أيّها الاخ العزيز: بما أنّ مقامات الناس وأفهامها مختلفة، وقد قال النبي ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» «٢». لذا اتفق الصوفية على اصطلاحات وألفاظ فيما بينهم، وأشاروا إلى تلك الألفاظ بالمصالح، لكي يدرك عنهم كلّ من كان له حظّ من الفهم؛ وأمّا من كان غير أهل لذلك فإنه يبقى بعيدا «٣». العلوم الحقيقية هي العلوم التي لا تتغيّر بتغيّر الملل والأديان، كذا ذكر السيّد السّند في حواشي شرح المطالع، وذلك كعلم الكلام إذ جميع الأنبياء ﵈ كانوا متّفقين في الاعتقاديات، وكعلم المنطق وبعض أنواع الحكمة. وعلم الفقه ليس منها لوقوع التغير فيه بالنسخ.

стр. 88

علم المنطق: ويسمّى علم الميزان إذ به توزن الحجج والبراهين. وكان أبو علي «١» يسمّيه خادم العلوم إذ ليس مقصودا بنفسه، بل هو وسيلة إلى العلوم، فهو كخادم لها. وأبو نصر «٢» يسمّيه رئيس العلوم لنفاذ حكمه فيها، فيكون رئيسا حاكما عليها. وإنّما سمّي بالمنطق لأن النطق يطلق على اللفظ وعلى إدراك الكليّات وعلى النفس الناطقة. ولما كان هذا الفن يقوّي الأول ويسلك بالثاني مسلك السّداد، ويحصل بسببه كمالات الثالث، اشتق له اسم منه وهو المنطق. وهو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر. فالقانون يجيء بيانه في محله. والمعلومات تتناول الضرورية والنظرية. والمجهولات تتناول التصوّرية والتصديقية. وهذا أولى مما ذكره صاحب الكشف «٣»: تفيد معرفة طرق الانتقال من الضروريات إلى النظريات، لأنه يوهم بالانتقال الذاتي على ما يتبادر من العبارة، والمراد الأعمّ من أن يكون بالذات أو بالواسطة. والمراد بقولنا بحيث لا يعرض الغلط في الفكر عدم عروضه عند مراعاة القوانين كما لا يخفى، فإنّ المنطقي ربما يخطئ في الفكر بسبب الإهمال، هذا مفهوم التعريف. واما احترازاته فالعلم كالجنس، وباقي القيود كالفصل احتراز عن العلوم التي لا تفيد معرفة طرق الانتقال، كالنحو والهندسة، فإن النحو إنما يبيّن قواعد كلية متعلقة بكيفية التلفّظ بلفظ العرب على وجه كلي، فإذا أريد أن يتلفظ بكلام عربي مخصوص على وجه صحيح احتيج إلى أحكام جزئية تستخرج من تلك القواعد كسائر الفروع من أصولها. فتقع هناك انتقالات فكرية من المعلوم إلى المجهول لا يفيد النحو معرفتها أصلا. وكذلك الهندسة يتوصل بمسائلها القانونية إلى مباحث الهيئة بأن تجعل تلك المسائل مبادئ الحجج التي تستدلّ «٤» بها على تلك المباحث، وأما الأفكار الجزئية الواقعة في تلك الحجج فليست الهندسة مفيدة لمعرفتها قطعا. قيل التعريف دوري لأن معرفة طرق الاكتساب جزء من المنطق، فيتوقف تحققه على معرفة طرق الاكتساب؛ فلو كانت معرفتها مستفادة من المنطق توقفت عليه فلزم الدور. وأجيب بأنّ جزء المنطق هو العلم بالطرق الكلية وشرائطها، لا العلم بجزئياتها المتعلّقة بالمواد

стр. 89

المخصوصة، وهذا هو الذي جعل مستفادا من المنطق والمشعر على ذلك استعمال المعرفة في إدراك الجزئيات. ثم هذا التعريف مشتمل على العلل الأربع، فإنّ مادته هي القوانين، تحتمل هذا الفن وغيره، كما أن المادة أمر مبهم في نفسها تحتمل أمورا ولا تصير شيئا معيّنا منها، إلّا بأن ينضم إليها ما يحصله وما يعينه. وقولنا تفيد معرفة طرق الانتقال إشارة إلى الصورة لأنه المخصّص لها، أي للقوانين بالمنطق، وقد أشير أيضا إلى العلّة الفاعلية بالالتزام، وهو العارف بتلك الطرق الجزئية المفادة العالم بتلك القوانين المفيدة إياها. وقولنا بحيث لا يعرض الغلط إشارة إلى العلّة الغائية. اعلم أنّ المنطق من العلوم الآليّة لأنّ المقصود منه تحصيل المجهول من المعلوم، ولذا قيل الغرض من تدوينه العلوم الحكمية، فهو في نفسه غير مقصود؛ ولذا قيل المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فالآلة بمنزلة الجنس والقانونية بمنزلة الفصل تخرج الآلات الجزئية لأرباب الصنائع، وقوله تعصم مراعاتها الخ يخرج العلوم القانونية التي لا تعصم مراعاتها عن الضلال في الفكر بل في المقال «١» كالعلوم العربية. والموضوع، قيل موضوعه التصوّرات والتصديقات، أي المعلومات التصوّرية والتصديقية لأن بحث المنطقي عن أعراضها الذاتية، فإنه يبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى تصوّر مجهول إيصالا قريبا أي بلا واسطة كالحدّ والرسم أو إيصالا بعيدا ككونها كلية وجزئية وذاتية وعرضية ونحوها، فإن مجرد أمر من هذه الأمور لا يوصل إلى التصوّر ما لم ينضم إليه آخر يحصل منهما حدّ أو رسم، ويبحث عن التصديقات من حيث أنها توصل إلى تصديق مجهول إيصالا قريبا كالقياس والاستقراء والتمثيل، أو بعيدا ككونها قضية وعكس قضية ونقيضها، فإنها ما لم تنضم إليها ضميمة لا توصل إلى التصديق، ويبحث عن التصوّرات من حيث أنها توصل إلى التصديق إيصالا أبعد ككونها موضوعات ومحمولات. ولا خفاء في أن إيصال التصوّرات والتصديقات إلى المطالب، قريبا أو بعيدا، من العوارض الذاتية لها، فتكون هي موضوع المنطق. وذهب أهل التحقيق إلى أن موضوعه المعقولات الثانية لا من حيث أنها ما هي في أنفسها ولا من حيث أنها موجودة في الذهن، فإن ذلك وظيفة فلسفية بل من حيث أنها توصل إلى المجهول، أو يكون لها نفع في الإيصال، فإن المفهوم الكلّي إذا وجد في الذهن وقيس إلى ما تحته من الجزئيات فباعتبار دخوله في ماهياتها يعرض له الذاتية، وباعتبار خروجه عنها العرضية، وباعتبار كونه نفس ماهياتها النوعية. وما عرض له الذاتية جنس باعتبار اختلاف أفراده وفصل باعتبار آخر. وكذلك ما عرض له العرضية إمّا خاصة أو عرض عام باعتبارين مختلفين. وإذا ركبت الذاتيات والعرضيات إمّا منفردة أو مختلطة على وجوه مختلفة عرض لذلك المركّب الحدّية والرّسمية. ولا شك أن هذه المعاني، أعني كون المفهوم الكلي ذاتيا أو عرضيا أو نوعا ونحو ذلك، ليست من الموجودات الخارجية بل هي مما يعرض للطبائع الكلية، إذا وجدت في الأذهان، وكذا الحال في كون القضية حملية أو شرطية، وكون الحجة قياسا او استقراء أو تمثيلا، فإنها بأسرها عوارض تعرض لطبائع النسب الجزئية في الأذهان إما وحدها أو مأخوذة مع غيرها، فهي أي المعقولات الثانية موضوع المنطق. ويبحث المنطقي عن المعقولات الثالثة وما بعدها من المراتب، فإنها عوارض ذاتية للمعقولات

стр. 90

الثانية، فالقضية مثلا معقول ثان يبحث عن انقسامها وتناقضها وانعكاسها وإنتاجها إذا ركّبت بعضها مع بعض، فالانعكاس والإنتاج والانقسام والتناقض معقولات واقعة «١» في الدرجة الثالثة من التعقّل، وإذا حكم على أحد الأقسام أو أحد المتناقضين مثلا في المباحث المنطقية بشيء كان ذلك الشيء في الدرجة الرابعة من التعقّل، وعلى هذا القياس. وقيل موضوعه الألفاظ من حيث أنها تدل على المعاني، وهو ليس بصحيح لأن نظر المنطقي ليس إلّا في المعاني، ورعاية جانب اللفظ إنما هي بالعرض. اعلم أن الغرض من المنطق التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال والخير، والشرّ في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات. ومنفعته القدرة على تحصيل العلوم النظرية والعملية. وأما شرفه فهو أن بعضه فرض وهو البرهان، لأنه لتكميل الذات، وبعضه نفل «٢» وهو ما سوى البرهان «٣» من أقسام القياس، لأنه للخطاب مع الغير، ومن اتقن المنطق فهو على درجة من سائر العلوم، ومن طلب العلوم الغير المتّسقة وهي ما لا يؤمن فيها من الغلط ولا يعلم المنطق فهو كحاطب الليل وكرامد العين، لا يقدر على النظر إلى الضوء لا لبخل من الموجد بل لنقصان في الاستعداد. والصواب الذي يصدر من غير المنطقي كرمي من غير رام. وقد يندر للمنطقي خطأ في النوافل دون المهمّات، لكنه يمكنه استدراكه بعرضه على القوانين المنطقية. و مرتبته في القراءة أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب. أما الأول فلما قال ابقراط «٤»: البدن الذي ليس ينقّى كلّما غذوته إنما يزيده شرّا ووبالا، ألا ترى أنّ الذين لم يهذّبوا أخلاقهم إذا شرعوا في المنطق سلكوا منهج الضلال، وانخرطوا في سلك الجهّال، وأنفوا أن يكونوا مع الجماعة، ويتقلّدوا ذلّ الطاعة، فجعلوا الأعمال الطاهرة والأقوال الظاهرة من البدائع التي وردت بها الشرائع وقر «٥» آذانهم، والحق تحت أقدامهم وأما الثاني فلتستأنس طبائعهم إلى البرهان، كذا في شرح إشراق الحكمة. ومؤلّف المنطق ومدوّنه أرسطو «٦».

стр. 91

وأما القسمة فاعلم أنّ المنطقي إما ناظر في الموصل إلى التصوّر ويسمّى قولا شارحا ومعرّفا، وإمّا ناظر في الموصل إلى التصديق ويسمّى حجة. والنظر في المعرّف إمّا في مقدماته وهو باب إيساغوجي وإمّا في نفسه وهو باب التعريفات. وكذلك النظر في الحجة، إمّا فيما يتوقف عليه وهو باب «١» ارمينياس وهو باب القضايا وأحكامها، وإمّا في نفسها باعتبار الصورة وهو باب القياس، أو باعتبار المادّة وهو باب من أبواب الصناعات الخمس، لأنه إن أوقع ظنا فهو الخطابة، أو يقينا فهو البرهان، وإلّا فإن اعتبر فيه عموم الاعتراف والتسليم فهو الجدل وإلّا فهو المغالطة. وأمّا الشعر فلا يوقع تصديقا ولكن لإفادته التخييل الجاري مجرى التصديق من حيث إنه يؤثر في النفس قبضا أو بسطا، عدّ في الموصل إلى التصديق. وربما يضم إليها باب الألفاظ فتحصل الأبواب عشرة، تسعة منها مقصودة بالذات وواحد بالعرض. له تعريفات، فقيل: هو علم باحث عن أحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية. ولفظ على متعلّق بقوله باحث. والبحث عن أحوال أعيان الموجودات، أي أحوال الموجودات العينية الخارجية، حمل تلك الأحوال عليها، يعني علم تحمل فيه أحوال أعيان الموجودات عليها على وجه هي أي أعيان الموجودات عليه، أي على ذلك الوجه من الإيجاب والسلب والكلية والجزئية في نفس الأمر. وقوله بقدر الطاقة البشرية متعلّق أيضا بقوله باحث، لكن بعد اعتبار تقييده بقوله على ما هي عليه، يعني بذل جهده الإنساني بتمامه في أن يكون بحثه مطابقا لنفس الأمر، فدخلت في التعريف المسائل المخالفة لنفس الأمر المبذولة الجهد بتمامه في تطبيقها على نفس الأمر، ولما كان في توصيف العلم بالباحث مسامحة قيل: هو علم بأعيان الموجودات الخ. وإن قيل التعريف لا يشتمل العلوم التصوّرية، قلت: هذا على رأي الأكثرين القائلين بأنها ليست داخلة في الحكمة. وقيل المراد بالأحوال المبادئ فقط وهي التي تتوقف عليها المسائل تصورات كانت أو تصديقات أو هي والمحمولات. وإن قيل يخرج عن الحكمة العلم بأحوال الأعراض النسبية إذ النسبة ليست موجودة في الخارج، قلت: هي موجودة عند الحكماء. ولو سلّم عدم وجودها فالبحث عنها استطرادي، أو نقول: البحث عنها في الحقيقة بحث عن أحوال العرض الذي هو موجود خارجي، وإن لم يكن بعض أنواعه أو أفراده موجودا، كما يبحث في الحكمة عن الحيوان وبعض أنواعه كالعنقاء، وبعض أفراده غير موجود ولا يخرج الحيوان عن الموجودات الخارجية فتأمل. ولا يرد أنّ قيد ما هي عليه يغني عن قيد

стр. 92

نفس الأمر لأن العلوم العربية علم بأحوال الموجود كالألفاظ على وجه يكون الموجود على ذلك الوجه، ككون اللفظ مفردا أو مركبا ونحو ذلك، لكنها ليست بنفس أمرية بل باعتبار المعتبر وضع الواضع فلا بدّ من تقييده. ولا يلزم من عدم كونها نفس أمرية كذبها، إذ لزوم الكذب إنما يلزم لو حكم على مسائلها كذلك في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوضع، وليس كذلك، فإنهم يحكمون بأن بعض الألفاظ مفرد وبعضها مركّب بحسب وضع الواضع، وهذا الحكم مطابق لنفس الأمر فلا يكون كاذبا. ولا يتوهّم دخولها على هذا في الحكمة لأن معنى نفس الأمر هاهنا هو الواقع مع غير ملاحظة الوضع. إن قيل: قوله بقدر الطاقة البشرية يخرج علمه تعالى من الحكمة، إذ علمه فوق طوق البشر فلا يكون هو حكيما، قلت: علمه تعالى حاصل مع الزيادة، والتقييد يفيد أن هذا القدر ضروري لأن الزائد على هذا القيد مضرّ. أو يقال: هذا تعريف حكمة المخلوق لا حكمة الخالق. ثم إنه لا ضير في كون الحكمة أعلى العلوم الدينية، وكونه صادقا على الكلام والفقه، إذ التحقيق أنّ الكلام والفقه من الحكمة. قال المحقق التفتازاني: إن الحكمة هي الشرائع، وهذا لا ينافي ما ذكروا من أنّ السالكين بطريق أهل النظر والاستدلالات وطريقة أهل الرياضة والمجاهدات، إن اتبعوا ملة فهم المتكلمون والصوفيون، وإلّا فهم الحكماء المشّائيون والإشراقيون، إذ لا يلزم منه أن لا يكون المتكلّم والصوفي حكيما، بل غاية ما لزم منه أن لا يكون حكيما مشّائيا وإشراقيا. إن قلت: فعلى هذا ينبغي أن تذكر العلوم الشرعية في أنواع الحكمة. قلت: لا امتناع في ذلك، لكونها شاملة للعلوم الشرعية بحسب المفهوم، إلّا أنّ الحكمة لما دوّنها الحكماء الذين لا يبالون بمخالفة الشرائع، فالأليق أن لا تعدّ العلوم الشرعية منها. وأيضا العلوم الشرعية أشرف العلوم، فذكرها على حدة إشارة إلى أنها بشرفها بالغة إلى حدّ الكمال، كأنها منفردة من الحكمة، وأنواعها غير داخلة فيها. إن قيل: الحدّ لا يصدق على علم الحساب الباحث عن العدد الذي ليس بموجود، ولا على الهيئة الباحثة عن الدوائر الموهومة، قلت: العدد عندهم قسم من الكمّ الذي هو موجود عندهم. نعم عند المتكلمين ليس من الموجودات، والتعريف للحكماء، والبحث عن الدوائر الهيئية من حيث إنها من المبادئ، وليست موضوعاتها، بل موضوعها الأجرام العلويّة والسفليّة، من حيث مقاديرها وحركاتها وأوضاعها اللازمة لها. إن قيل: يصدق التعريف على علم العقول مع أنهم لا يطلقون أن العقل حكيم، وعلى علم الأفلاك والكواكب على رأي من يثبت النفوس الناطقة لها، فيكون الفلك والكوكب حكيما، ولا قائل به. قلت: هذا التعريف لحكمة البشر كما عرفت. أو نقول بتخصيص العلم بالحصولي الحادث. ويجاب أيضا عن الأخير بأن هذا التعريف على رأي من لا يثبت النفوس الناطقة لها. إن قيل: يصدق التعريف على العلم بالأحوال الجزئية المتعلقة بالأعيان كالعلم بقيام زيد، قلت: إنّ المراد بالأحوال ما له دخل في استكمال النفس وهذه الأحوال ليست كذلك، أو المراد ما يعتدّ به من الأحوال. ثم المراد من الأحوال جميع ما يمكن لأوساط الناس العلم به أو البعض المعيّن المعتدّ به مع القدرة على العلم بالباقي بقدر الطاقة على ما هو شأن جميع العلوم المدوّنة. فحاصل

стр. 93

التعريف على تقدير شموله للعلوم التصورية أنّ الحكمة علم متعلّق بجميع أحوال الموجودات العينية المكمّلة للنفس بحسب ما يمكن، أو بعضها المعتدّ به تصوريا أو تصديقيّا محتاجا إلى التنبيه، أو نظريا على وجه تكون الموجودات وأحوالها على ذلك الوجه في الواقع لا بالوضع، والاعتبار بقدر الطاقة البشرية من أوساط الناس، فيصير مآل هذا التعريف، وما قيل إنّ الحكمة علم بأعيان الموجودات وأحوالها على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية واحدا. وإذا قلنا بعدم شموله للتصورات حذفنا عن هذا الحاصل القيد الذي به يلزم الشّمول. ومنهم من ترك قيد الأحوال لشمول العلم التصوّر والتصديق، وترك قيد نفس الأمر لأن التقييد به مستدرك، فقال: الحكمة علم بأعيان الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية. اعلم أنهم اختلفوا في أنّ المنطق من العلم أم لا . فمن قال إنه ليس بعلم فليس بحكمة عنده إذ الحكمة علم. ومن قال بأنه علم اختلفوا في أنه من الحكمة أم لا. والقائلون بأنه من الحكمة يمكن الاختلاف بينهم بأنه من الحكمة النظرية جميعا أم لا، بل بعضه منها وبعضه من العملية، إذ الموجود الذهني قد يكون بقدرتنا واختيارنا وقد لا يكون كذلك. والقائلون بأنه من الحكمة النظرية يمكن الاختلاف بينهم بأنه من أقسامها الثلاثة أم قسم آخر، فمن أخذ في تعريفها قيد الأعيان، كما في التعريفات المذكورة، لم يعدّه من الحكمة، لأن موضوعه المعقولات الثانية التي هي من الموجودات الذهنية. وإنما أخذ قيد الأعيان لأن كمال الإنسان هو إدراك الواجب تعالى، والأمور المستندة إليه في سلسلته العليّة بحسب الوجود الأصلي، أي الخارجي، ولا كمال معتدّا به في إدراك أحوال المعدومات، وإذا بحث عنها في الحكمة كان على سبيل التبعية. والبحث عن الوجود الذهني بحث عن أحوال الأعيان أيضا من حيث إنها هل لها نوع آخر من الوجود أو لا. ومن حذف قيد الأعيان فقال: هي علم بأحوال الموجودات الخ، عدّه من الحكمة النظرية إذ لا يبحث في المنطق إلّا عن المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا. ومنهم من فسّر الحكمة بالكمال الحاصل للنفس الخارج من القوة إلى الفعل بحسب القوانين «١»، اي النظرية والعملية، ولا حاجة إلى التقييد بالخارج من القوة إلى الفعل لأنه معتبر في الكمال. ومنهم من فسّرها بما يكون تكمّلا للنفس الناطقة كمالا معتدّا به. وقيل هي خروج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل، أما في جانب العلم فبأن تكون متصوّرة للموجودات كما هي ومصدّقة بالقضايا كما هي، وأما في جانب العمل فبأن تحصل لها الملكة التّامة على الأفعال المتوسّطة بين الإفراط والتفريط. والمراد بالخروج ما يخرج به النفس، إذ الخروج ليس بحكمة. قيل الحكمة ليست ما تخرج به النفس إلى كمالها بل هي الكمال الحاصل الخ فمؤدّى التعريفات الثلاثة واحد. والمنطق على هذه التعاريف من الحكمة أيضا. ويقرب من التعريف الأخير من هذه التعاريف الثلاثة ما وقع في شرح حكمة العين من أن الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الوجود في نفسه، وما عليه الواجب مما ينبغي أن يعمل من الأعمال، وما لا «٢» ينبغي، لتصير كاملة مضاهية للعالم العلوي، وتستعد بذلك للسعادة القصوى الأخروية بحسب الطاقة البشرية.

стр. 94

الموضوع: موضوع الحكمة على القولين أي القول بأن المنطق منها والقول بأنه ليس منها، فليس شيئا واحدا هو الموجود مطلقا أو الموجود الخارجي، بل موضوعها أشياء متعدّدة متشاركة في أمر عرضي هو الوجود المطلق أو الخارجي، وإلّا لم يجز أن يبحث في الحكمة عن الأحوال المختصة بأنواع الموجود إذ البحث عن العارض لأمر أخصّ الذي هو من الأعراض الغريبة غير جائز. فإذا لم يكن موضوعها شيئا واحدا فالأحسن أن تقيّد الأحوال المشتركة فيها بقيود مخصّصة لها بواحد واحد من تلك الأشياء لئلّا تكون تلك الأحوال من الأعراض العامة الغريبة، كتقييد الوجود الذي يحمل على الواجب بكونه مبدأ لغيره ليكون مختصّا بالواجب وهكذا. والغرض من الفلسفة الوقوف على حقائق الأشياء كلّها على قدر ما يمكن للإنسان أن يقف عليه ويعمل بمقتضاه ليفوز بسعادة الدارين. الأعيان الموجودة إما الأفعال والأعمال ووجودها بقدرتنا واختيارنا، أو لا. فالعلم بأحوال الأول من حيث إنه يؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد يسمّى حكمة عمليّة لأن غايتها ابتداء الأعمال التي لقدرتنا مدخل فيها، فنسبت إلى الغاية الابتدائية. والعلم بأحوال الثاني يسمّى حكمة نظرية. وذكر الحركة والسكون والمكان في الحكمة الطبعية «١» بناء على كونها من أحوال الجسم الطبعي «٢» الذي ليس وجوده بقدرتنا، وإن كانت تلك مقدورة لنا. وإنّما سمّيت حكمة نظرية لأن غايتها الابتدائية ما حصل بالنظر وهو الإدراكات التصوّرية والتصديقية المتعلّقة بالأمور التي لا مدخل لقدرتنا واختيارنا فيه. ولا يرد أنّ الحكمة العملية أيضا منسوبة إلى النظر لأن النظر ليس غايتها، ولأن وجه التسمية لا يلزم اطراده. وإنما قيدت الأحوال بالحيثية المذكورة لأنهم كما لا يعدّون من الكمال المعتدّ به النظر في الجزئيات المتغيّرة من حيث خصوصها، كذلك لا يعدّون من الكمال النظر في الأعمال لا من هذه الحيثية. قيل إن أريد بالأحوال ما لا يوجد إلّا بقدرتنا واختيارنا، فيخرج عن الحكمة العملية بعض الأخلاق كالشجاعة والسخاوة الذاتيتين، وإن أريد بها ما يوجد بقدرتنا واختيارنا في الجملة فيدخل فيها بعض مباحث الحكمة النظرية كالأصوات والنغمات. ويجاب باختيار الشقّ الأول: ولا بأس بخروج الأخلاق الذاتية لأنها ليست من تهذيب الأخلاق. وعدم دخولها في السياسة المدنية وتدبير المنزل ظاهر، وباختيار الشقّ الثاني وارتكاب كون الأصوات من الحكمة العملية. لا يقال الأعيان قد تكون ذواتا وهي خارجة من التقسيم، لأنّا نقول هي داخلة في القسم الثاني أي قولنا أو لا. ثم الحكمة العملية ثلاثة أقسام، لأنها إمّا علم بمصالح شخص بانفراده ويسمّى تهذيب الأخلاق، وعلم الأخلاق والحكمة الخلقية. وفائدتها تهذيب الأخلاق، أي تنقيح الطبائع بأن تعلم الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكى بها النفس، وأن تعلم الرذائل وكيفية توقّيها لتطهّر عنها النفس. وإمّا علم بمصالح جماعة متشاركة في المنزل كالولد والوالد والمالك والمملوك ونحو ذلك ويسمّى تدبير

стр. 95

المنزل. وفي بعض الكتب ويسمّى علم تدبير المنزل والحكمة المنزلية. وفائدتها أن تعلم المشاركة التي ينبغي أن تكون بين أهل منزل واحد لتنتظم بها المصلحة المنزلية التي تهمّ بين زوج وزوجة، ومالك ومملوك، ووالد ومولود. وإمّا علم بمصالح جماعة متشاركة في المدينة «١» ويسمّى السياسة المدنية، بفتح الميم والدّال المهملة لا بضمهما، سمّيت بها لحصول السياسة المدنية أي مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببها. وفي بعض الكتب ويسمّى علم السياسة والحكمة السياسية والحكمة المدنية وسياسة الملك. وفائدتها أن تعلم كيفية المشاركة التي بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ومصالح بقاء نوع الإنسان. واعلم أنّ فائدة الحكمة الخلقية عامة شاملة الجميع أقسام الحكمة العملية. ثم مبادئ هذه الثلاثة من جهة الشريعة وبها تتبيّن كمالات حدودها، أي بعض هذه الأمور معلومة من صاحب الشرع على ما يدلّ عليه تقسيمهم الحكمة المدنية إلى ما يتعلّق بالملك والسلطنة إذ ليس العلم بهما من عند صاحب الشرع، كذا ذكر السيّد السّند في حواشي شرح حكمة العين «٢». ومنهم من قسّم المدنية إلى علم بمصالح جماعة متشاركة في المدينة تتعلّق بالملك والسلطنة ويسمّى علم السياسة، وإلى علم بمصالح مذكورة تتعلّق بالنبوّة والشريعة ويسمّى علم النواميس. وتربيع القسمة لا يناقض التثليث لدخول قسمين منها في قسم واحد عند من يثلّث القسمة. قيل في تربيع القسمة نظر، لأن التعلّق بالشريعة كما يجري في المدينة «٣» كذلك يجري في الآخرين. فالوجه في التقسيم على هذا أن يقال كلّ واحد من الأقسام الثلاثة إمّا أن يعتبر تعلّقه بالشريعة أو لا، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين. ثم اعلم أنّ موضوع الحكمة العملية الأفعال الاختيارية؛ فالمراد بقولهم علم بمصالح شخص أو جماعة أنه علم بأحوال أفعال اختيارية صالحة تتعلّق بكل شخص أو جماعة. وفي الصدري «٤» موضوع الحكمة العملية النفس الإنسانية من حيث اتصافها بالأخلاق والملكات انتهى. ثم توضيح الحصر في الأقسام الثلاثة أنّ الأفعال الاختيارية لا بدّ لها من غاية وفائدة، وتلك الفائدة عائدة إلى كمال القوّة العملية للشخص، إما بالقياس إلى نفسه أو إلى الاجتماع مع جماعة خاصة أو عامة. فالعلم بأحوال الأفعال بالقياس إلى الأول تهذيب الأخلاق وبالقياس إلى الثاني تدبير المنزل وبالقياس إلى الثالث السياسة المدنية. فلا يرد أنه يتداخل الأقسام إذا كان لفعل واحد فائدة راجعة إلى الكلّ. ولا يرد أيضا أن أكثر مباحث الحكمة الخلقية غير مخصوص بشخص بانفراده، بل يصلح لمصالح الجماعة. ولا يرد أيضا أنه يخرج عن الحكمة العملية العلم بمصالح جماعة متشاركة في غير المنزل والمدينة كالقرية وأمثالها.

стр. 96

والحكمة النظرية أيضا ثلاثة أقسام لأنها إما علم بأحوال ما لا يفتقر في الوجود الخارجي والتعقّل، أي الإدراك والوجود الذهني إلى المادّة كالإله، ويسمّى بالإلهي، إذ مسائلها منسوبة إلى. الإله، وبالعلم الأعلى إذ لا يبحث فيه إلّا عن الربّ الأعلى وعن العقول وهي الملأ الأعلى، وأيضا لتنزّهه عن المادة وعوارضها التي هي مبدأ للنقصان، أليق بهذا الاسم وبالفلسفة الأولى تسمية للشيء باسم سببه، إذ هذا العلم سبب للفلسفة؛ وهي في اللغة اليونانية التشبّه بحضرة واجب الوجود. و توصيفها بالأولى لحصولها من العلّة الأولى وهي الإله، وبالعلم الكليّ للعلم بالأمور العامة التي هي الكليات الشاملة لجميع الموجودات أو أكثرها. وبما بعد الطبيعة وقد يطلق عليه على سبيل الندرة ما قبل الطبيعة أيضا، وذلك لأن لمعلوماته قبلية وتقدّما على معلومات الحكمة الطبيعة «١» باعتبار الذات والعليّة والشرف، وبعدية وتأخّرا باعتبار الوضع لكون المحسوسات أقرب إلينا، فسمّي بهما بالاعتبارين. وإمّا علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي دون التعقّل كالكرة، ويسمّى بالعلم الأوسط لتنزّهه عن المادة بوجه، وهو التعقّل، وبالرياضي لرياضة النفوس بهذا العلم أوّلا، إذ الحكماء كانوا يفتتحون به في التعلّم، وبالتعليمي لتعليمهم به أولا، ولأنه يبحث فيه عن الجسم التعليمي. وإمّا علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي والتعقل كالإنسان، ويسمّى بالعلم الأدنى لدناءته وخساسته من حيث الاحتياج إلى المادة في الوجودين، وبالعلم الأسفل وهو ظاهر، وبالطبعي «٢» لأنه يبحث فيه عن الجسم من حيث اشتماله على الطبيعة. والحصر في الأقسام الثلاثة استقرائي، إذ لم يجدوا موجودا في الأعيان يكون مفتقرا إلى المادّة في التعقّل دون الوجود الخارجي، فلا يكون العلم بأحواله من الحكمة. ومنهم من ربّع القسمة فجعل ما لا يفتقر إلى المادّة قسمين: ما لا يقارنها مطلقا كالإله والعقول، وما يقارنها لا على وجه الافتقار، فسمّي العلم بأحوال الأول إليها، وبأحوال الثاني علما كليّا والفلسفة الأولى، ولا منافاة بين هذين التقسيمين، كما أنه لا منافاة بين تقسيمي الحكمة العملية. ويمكن أن يجعل ما يقارن المادة لا على وجه الافتقار قسمين أحدهما ما يقارنها، وقد يفارقها كمباحث الأمور العامة، وثانيهما ما يقارنها ولا يفارقها كمباحث الصورة. ولعلهم لم يعتبروا أفراد هذا القسم لقلة مباحثه. ومبادئ هذه الأقسام مستفادة من أرباب الشريعة على سبيل التنبيه، ومتصرفة على تحصيلها بالكمال بالقوّة العقلية على سبيل الحجة. اعلم أنّ أقسام الحكمة النظرية أصولا وفروعا مع أقسام المنطق على ما يفهم من رسالة تقسيم الحكمة «٣» للشيخ الرئيس أربعة وأربعون، وبدون أقسام المنطق خمسة وثلاثون. فأصول الإلهي خمسة: الأول الأمور العامة. الثاني إثبات الواجب وما يليق به. الثالث إثبات الجواهر الروحانية. الرابع بيان ارتباط الأمور الأرضية بالقوى السماوية. الخامس بيان نظام الممكنات، وفروعه قسمان: الأول البحث عن كيفية الوحي وصيرورة المعقول محسوسا، ومنه تعريف الإلهيات، ومنه الروح الأمين. الثاني العلم بالمعاد الروحاني. وأصول الرياضي أربعة: الأول علم العدد. الثاني

стр. 97

علم الهندسة. الثالث علم الهيئة. الرابع علم التأليف الباحث عن أحوال النغمات. ويسمّى بالموسيقى. وفروعه ستة الأول علم الجمع والتفريق. الثاني علم الجبر والمقابلة. الثالث علم المساحة. الرابع علم جرّ الأثقال. الخامس علم الزيجات والتقاويم. السادس علم الأرغنوة، وهو اتخاذ الآلات الغريبة. وأصول الطبعي «١» ثمانية: الأول العلم بأحوال الأمور العامة للأجسام. الثاني العلم بأركان العالم وحركاتها وأماكنها المسمّى بعلم السماء والعالم. الثالث العلم بكون الأركان وفسادها. الرابع العلم بالمركبات الغير التامة ككائنات الجوّ. الخامس العلم بأحوال المعادن. السادس العلم بالنفس النباتية. السابع العلم بالنفس الحيوانية. الثامن العلم بالنفس الناطقة. وفروعه سبعة الأول الطب. الثاني النجوم. الثالث علم الفراسة [وهو ما يستدلّ فيه من خلق رجل على خلقه، يعني من الشكل] «٢». الرابع علم التعبير. الخامس علم الطلسمات وهو مزج القوى السماوية بالقوى الأرضية. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى الجواهر الأرضية بعضها ببعض. السابع علم الكيميات وهو تبديل قوى الأجرام المعدنية بعضها ببعض. وأصول المنطق تسعة على المشهور: الأول باب الكليّات الخمس. الثاني باب التعريفات. الثالث باب التصديقات. الرابع باب القياس. الخامس البرهان. السادس الخطابة. السابع الجدل. الثامن المغالطة. التاسع الشعر. هذا خلاصة ما في العلمي حاشية شرح هداية الحكمة الميبدية «٣» وشرح حكمة العين وغيرهما. اعلم أنّ موضوع الحكمة النظرية هو الموجود الذي ليس وجوده بقدرتنا واختيارنا على ما لا يخفى. العلم الإلهي: هو علم بأحوال ما لا يفتقر في الوجودين، أي الخارجي والذهني، إلى المادة، ويسمّى أيضا بالعلم الأعلى وبالفلسفة الأولى وبالعلم الكلّي وبما بعد الطبيعة وبما قبل الطبيعة. والبحث فيه عن الكميّات المتّصلة والكيفيات المحسوسة والمختصّة بالكميات وأمثالها، مما يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي، استطرادي. وكذا البحث عن الصورة مع أن الصورة تحتاج إلى المادة في التشكّل، كذا في العلمي، وفي الصدري من الحكمة النظرية ما يتعلّق بأمور غير مادية مستغنية القوام في نحوي الوجود العيني والذهني عن اشتراط المادة كالإله الحق، والعقول الفعّالة، والأقسام الأوّلية للموجود كالواجب والممكن والواحد والكثير، والعلّة والمعلول والكلّي والجزئي، وغير ذلك، فإن خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون على سبيل الافتقار والوجوب، وسمّوا هذا القسم العلم الأعلى، فمنه العلم الكلّي المشتمل على تقاسيم الوجود المسمّى بالفلسفة الأولى، ومنه الإلهي الذي هو فنّ من المفارقات. وموضوع هذين الفنين أعمّ الأشياء وهو الموجود المطلق من حيث هو هو، انتهى. وأصول الإلهي وفروعه قد سبقت.

стр. 98

العلم الرياضي: هو علم بأحوال ما يفتقر في الوجود الخارجي دون التعقّل إلى المادة كالتربيع والتثليث والتدوير والكروية والمخروطية والعدد وخواصه، فإنها أمور تفتقر إلى المادة في وجودها لا في حدودها، ويسمّى أيضا بالعلم التعليمي وبالعلم الأوسط وبالحكمة الوسطى كما مرّ. وأصوله أربعة على ما مرّ أيضا، وذلك لأن موضوعه الكمّ وهو إما متّصل أو منفصل. والمتّصل إمّا متحرّك أو ساكن، فالمتحرك هو الهيئة والساكن هو الهندسة. والمنفصل إمّا أن يكون له نسبة تأليفية أو لا، فالأول هو الموسيقي والثاني هو الحساب. ثم إنه يرد على التعريف أنّ العدد الذي هو موضوع علم الحساب لا يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي أيضا، فإن المفارقات ذوات أعداد؛ ولذا عدّ صاحب الإشراق «١» الحساب من الإلهي فإن موضوعه وهو العدد من الأقسام الأولية للموجود، لأن الموجود بما هو موجود صالح لأن يوصف بوحدة وكثرة من غير أن يصير رياضيا أو طبعيا «٢». وأيضا أنه يبحث في الهيئة عن الأفلاك مع أنها محتاجة إلى المادة في كلا الوجودين. وأجيب عن الأول بأنه إذا [كان] «٣» يبحث عن العدد من حيث هو في أذهان الناس وفي الموجودات المادية فهو علم العدد وإلّا فلا. وفيه أنّ العدد المأخوذ بهذه الحيثية لا ينفكّ في كلا الوجودين من المادة. ودفعه بأن يراد بالمادّة المادّة المخصوصة كالذهب والخشب ونحوهما على ما تدلّ عليه عبارة الصدري من أنّ الرياضي علم بأمور ماديّة بحيث لا تحتاج في فرضها موجودة إلى خصوص مادة واستعداد لا ينفع، وإلّا لزم دخول الطبعي «٤» في الرياضي، إذ موضوعه الجسم الطبعي وهو لا يفتقر «٥» إلى مادة مخصوصة. وأجيب عن الثاني بأنّ البحث عن الأفلاك في الحقيقة بحث عن الكرة التي لا تحتاج في التعقّل إلى مادة مخصوصة وفيه ما مرّ. ولهذا قال صاحب الصدري: الأجود أن تقسم العلوم إلى ما موضوعه نفس الوجود وإلى ما ليس موضوعه نفس الوجود، فالأول العلم الإلهي، والذي ليس موضوعه نفس الوجود إمّا أن يشترط في فرض وقوعه صلوح مادة متخصصة الاستعداد أم لا. الاول الطبعي «٦» والثاني الرياضي. وهذه طريقة حسنة لا يلزم منها دخول الحساب في الإلهي. فائدة قد اختلف قدماء الفلاسفة في ترجيح أحد من الرياضي والطبعي «٧» على الآخر في الشرف والفضل، وكلّ قد مال إلى طرف بحجج مذكورة فيما بينهم. والحق أنّ الحكم بجزم فضيلة أحدهما على الآخر غير سديد، بل كلّ واحد أفضل من الآخر من وجه. فالطبعي «٨» أفضل من الرياضي من

стр. 99

جهة أنّ موضوعه جسم طبعي «١» وهو جوهر، والرياضي موضوعه كمّ وهو عرض، والجوهر أشرف من العرض. وأيضا الطبعي «٢» في الأغلب معطي اللّمّ والرياضي الإنّ، ومعطي اللّم أفضل، وأيضا هو يشتمل على علم النفس وهو أمّ الحكمة وأصل الفضائل. والرياضي أفضل من الطبعي «٣» من جهة أنّ الأحوال الوهمية والخيالية غير متناهية القسمة، فهناك لا تقف عند حدّ، فهو أفضل مما هو محصور بين الحواصر؛ وأيضا الأمور الرياضية أصفى وألطف وألذّ وأتمّ عن «٤» الأمور المكدرة الجسمانية، وأيضا يقلّ التشويش والغلط في براهينه العددية والهندسية بخلاف الطبعي «٥»، بل الإلهي؛ ومن أجل ذلك قيل إدراك الإلهي والطبعي «٦» من جهة ما هو أشبه وأحرى لا باليقين، كذا في الصدري. العلم الطبعي: «٧» ويسمّى أيضا بالعلم الأدنى وبالعلم الأسفل، وهو علم بأحوال ما يفتقر إلى المادة في الوجودين وتحقيقه قد سبق. وموضوعه الجسم الطبعي «٨» من حيث أن «٩» يستعد للحركة والسكون. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين الأكفاني العلم الطبعي «١٠» وهو علم يبحث فيه عن أحوال الجسم المحسوس من حيث هو معرّض للتغيّر في الأحوال والثبات فيها، فالجسم من هذه الحيثية موضوعه. وأما العلوم التي تتفرّع عليه وتنشأ منه فهي عشرة: علم الطب وعلم البيطرة وعلم البيزرة «١١» وعلم الفراسة وعلم تعبير الرؤيا وعلم أحكام النجوم وعلم السحر وعلم الطلسمات وعلم السيميا وعلم الكيمياء وعلم الفلاحة، وذلك لأن نظره إمّا يكون فيما يتفرّع على الجسم البسيط أو الجسم المركّب أو ما يعمهما. والأجسام البسيطة إمّا الفلكية فأحكام النجوم وإمّا العنصرية فالطلسمات. والأجسام المركّبة إمّا ما لا يلزمه مزاج وهو علم السيميا وما يلزمه مزاج، فإمّا بغير ذي نفس فالكيميا أو بذي نفس، فإمّا غير مدركة فالفلاحة وإمّا مدركة، فإمّا لها مع ذلك أن يعقل أو لا، الثاني البيطرة والبيزرة وما يجري مجراهما، والذي بذي النفس العاقلة هو الإنسان، وذلك إمّا في حفظ صحته واسترجاعها وهو الطبّ أو أحواله الظاهرة الدالة على أحواله الباطنة وهو الفراسة، أو أحوال نفسه حال غيبته عن حسّه وهو تعبير الرؤيا. والعام للبسيط والمركّب السحر، فلنذكر هذه العلوم على النهج المتقدم.

стр. 100

علم الطب: وهو علم يبحث فيه عن بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض لالتماس حفظ الصحة وإزالة المرض. وموضوعه بدن الإنسان وما يشتمل عليه من الأركان والأمزجة والأخلاط والأعضاء والأرواح والقوى والأفعال، وأحواله من الصحة والمرض، وأسبابها من المأكل والمشرب، والأهوية المحيطة بالأبدان والحركات والسكنات والاستفراغات والاحتقانات والصناعات والعادات والواردات الغريبة، والعلامات الدالة على أحواله من ضرر أفعاله، وحالات بدنه وما يبرز منه والتدبير بالمطاعم والمشارب واختيار الهواء وتقدير الحركة والسكون والأدوية البسيطة والمركّبة وأعمال اليد لغرض حفظ الصحة وعلاج الأمراض بحسب الإمكان وسيجيء تفصيله. علم البيطرة والبيزرة: الحال فيه بالنسبة إلى هذه الحيوانات كالحال في الطبّ بالنسبة إلى الإنسان، وعني بالخيل «١» دون غيرها من الأنعام لمنفعتها للإنسان في الطلب والهرب ومحاربة الأعداء وجمال صورها وحسن أدوانها، وعني بالجوارح «٢» أيضا لمنفعتها وأدبها في الصيد وإمساكه. علم الفراسة: وهو علم تتعرّف منه أخلاق الإنسان من هيئته ومزاجه وتوابعه، وحاصله الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن، ويجيء في الفراسة. علم تعبير الرؤيا: وهو علم يتعرّف منه الاستدلال من المتخيّلات الحلميّة على ما شاهدته النفس حالة النوم من عالم الغيب، فخيّلته القوة المتخيّلة مثالا يدلّ عليه في عالم الشهادة، وقد جاء أن الرؤيا الصالحة [جزء] «٣» من ستة وأربعين جزءا من النبوّة، وهذه النسبة تعرفها من مدة الرسالة ومدة الوحي قبلها مناما، وربما طابقت الرؤيا مدلولها دون تأويل، وربما اتصل الخيال بالحسّ كالاحتلام، ويختلف مأخذ التأويل بحسب الأشخاص وأحوالهم. ومنفعته البشرى بما يرد على الإنسان من خير والإنذار بما يتوقّعه من شرّ، والاطلاع على الحوادث في العالم قبل وقوعها، ويجيء تفصيله في لفظ الرؤيا. علم أحكام النجوم: وهو علم يتعرّف منه الاستدلال بالتشكّلات الفلكية على الحوادث السفلية، ويجيء في لفظ النجوم أيضا.

стр. 101

علم السحر: وهو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأشياء خفية. ومنفعته أن يعلم ليحذر لا ليعمل، ولا نزاع في تحريم عمله. أمّا مجرّد علمه فظاهر الإباحة، بل قد ذهب بعضهم إلى أنه فرض كفاية لجواز ظهور ساحر يدّعي النبوّة فيكون في الأمة من يكشفه ويقطعه، ويجيء في لفظ السحر «١». علم الطلسمات: وهو علم يتعرّف منه كيفية تمزج «٢» القوى العالية الفعّالة بالقوى السافلة المنفعلة ليحدث عنها فعل غريب في عالم الكون والفساد، ويجيء في لفظ الطلسم. علم السيميا: وهو قد يطلق على غير الحقيقي من السحر وهو الأشهر، وحاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحسّ، وقد يطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحسّ وتكون صورا في جوهر الهواء، وسبب سرعة زوالها «٣» سرعة تغيّر جوهر الهواء؛ ولفظة سيميا عبراني معرّب أصله سيم يه، ومعناه اسم الله، ويجيء في الفن الثاني «٤». علم الكيمياء: وهو علم يراد به سلب الجواهر المعدنية خواصّها وإفادتها خواصّا لم تكن لها، والاعتماد فيه على الفلزّات كلّها، مشتركة في النوعية، والاختلاف الظاهر بينها إنما هو باعتبار أمور عرضية يجوز انتقالها، ويجيء في الفن الثاني. علم الفلاحة: وهو علم تتعرف منه كيفية تدبير النبات من بدء كونه إلى تمام نشوئه، وهذا التدبير إنما هو بإصلاح الأرض بالماء وبما يخلخلها ويحميها كالسّماد والرّماد ونحوه، مع مراعاة الأهوية، فيختلف باختلاف الأماكن، انتهى. علم العدد هو من أصول الرياضي ويسمّى بعلم الحساب أيضا وهو نوعان: نظري وهو علم يبحث فيه عن «٥»

стр. 102

ثبوت الأعراض الذاتية للعدد وسلبها عنه، وهو المسمّى بأرتماطيقى، وتشتمل عليه المقالات الثلاث: السابعة والثامنة والتاسعة من كتاب الأصول «١»، وموضوعه العدد مطلقا. وعملي وهو علم تعرف به طرق استخراج المجهولات العددية من المعلومات العددية. والمراد بالمجهولات العددية مجهولات لها نسبة إلى العدد، نسبة الجزئي إلى الكلّي، أي مجهولات هي من أفراد العدد، وكذا الحال في المعلومات العددية، مثلا في الضرب المضروب والمضروب فيه معلومان، ومنهما يستخرج الحاصل الذي هو عدد مجهول بالطريق المعيّن، وكذا في سائر الأعمال. فهو علم تعرف به الطرق التي يستخرج بها عدد مجهول من عدد معلوم. وقيد من المعلومات العددية احتراز عمّا إذا استخرج المجهول العددي بغير علم الحساب، كاستخراج عدد الدراهم من علم الرّمل، ولا يخرج عنه علم المساحة لأنها علم بطرق استخراج المجهولات المقدارية من حيث عروض العدد لها، فيئول إلى المجهولات العددية عند التأمّل. ثم اعلم أن الحساب العملي نوعان: أحدهما هوائي تستخرج منه المجهولات العددية بلا استعمال الجوارح، كالقواعد المذكورة في كتاب البهائية «٢»، وثانيهما غير هوائي وهو المسمّى بالتّخت والتراب يحتاج إلى استعمال الجوارح كالشّبكة وضرب المحاذاة. ثم النظري والعملي هاهنا بمعنى ما لا يتعلق بكيفية العمل وما يتعلق بها. فتسمية النوع الأول بالنظري ظاهرة، وكذا تسمية القسم الثاني من النوع الثاني بالعملي. وأما تسمية القسم الأول منه بالعملي فعلى تشبيه الحركات الفكرية بالحركات الصّادرة عن الجوارح، أو يقال المراد بالعمل في تعريفي النظري والعملي أعمّ من العمل الذهني والخارجي كما مرّ. واعلم أيضا أنّ لاستخراج المجهولات العددية من معلوماتها طرقا مختلفة وهي إمّا محتاجة إلى فرض المجهول شيئا وهو الجبر والمقابلة، وإمّا غير محتاجة إليه وهو علم المفتوحات وهي كمقدمات الحساب التي سوى المساحة، أو مما يحصل ببعض من تلك المقدمات واستعانة بعض القوانين من النسبة وهو شامل لمسألة الخطائين أيضا. وموضوعه العدد مطلقا كما هو المشهور. والتحقيق أنّ موضوعه العدد المعلوم تتعقل عوارضه من حيث إنه كيف يمكن التأدّي منه إلى بعض عوارضه المجهولة. وأما العدد المطلق فإنما هو موضوع علم الحساب النظري، هذا كله خلاصة ما في شرح خلاصة الحساب «٣». علم الهندسة: هو من أصول الرياضي، وهو علم يبحث فيه عن أحوال المقادير من حيث التقدير على ما في شرح أشكال التأسيس. فقوله من حيث التقدير أي لا من حيث كون المقدار موجودا أو معدوما،

стр. 103

عرضا أو جوهرا، ونحو ذلك. والهندسة معرّب [اندازه] «١»، فأبدلت الألف الأولى بالهاء والزاء بالسين وحذفت الألف الثانية فصار هندسة. ووجه التسمية ظاهر. وموضوعه المقدار الذي هو الكمّ المتصل من حيث التقدير. وفي إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: الهندسة وهو علم تعرف به أحوال المقادير ولواحقها وأوضاع بعضها عند بعض، ونسبها وخواصّ أشكالها، والطرق إلى عمل ما سبيله أن يعمل بها، واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينية. وموضوعه المقادير المطلقة أعني الجسم التعليمي والسطح والخطّ ولواحقها من الزاوية والنقطة والشكل. وأما العلوم المتفرعة عليه فهي عشرة: علم عقود الأبنية ، و علم المناظر ، و علم المرايا المحرفة ، وعلم مراكز الأثقال، وعلم المساحة، وعلم إنباط «٢» المياه، وعلم جرّ الأثقال، وعلم البنكامات، وعلم الآلات الحربية، وعلم الآلات الروحانية، وذلك لأنه إما يبحث عن إيجاد ما يتبرهن عليه في الأصول الكلية بالفعل، أو لا، والثاني إمّا يبحث عما ينظر إليه، أو لا، الثاني علم عقود الأبنية، والباحث عن المنظور إليه إن اختص بانعكاس الأشعّة فهو علم المرايا المحرفة، وإلّا فهو علم المناظر، وأمّا الأول وهو ما يبحث عن إيجاد المطلوب من الأصول الكلية بالفعل فإمّا من جهة تقديرها أو لا، والأول منهما إن اختص بالثقل فهو علم مراكز الأثقال وإلّا فهو علم المساحة، والثاني منهما فإمّا إيجاد الآلات، أو لا، الثاني علم إنباط «٣» المياه، والآلات، إمّا تقديرية، أو لا، والتقديرية إمّا ثقيلة وهو جرّ الأثقال، أو زمانية وهو علم البنكامات، والتي ليست تقديرية فإمّا حربية، أو لا، الثاني علم الآلات الروحانية، والأول علم الآلات الحربية، فلنرسم هذه العلوم على الرسم المتقدم. علم عقود الأبنية: وهو علم تتعرّف منه أحوال أوضاع الأبنية وكيفية شق الأنهار وتنقية القني وسدّ البثوق «٤» وتنضيد المساكن، ومنفعته عظيمة في عمارة المدن والقلاع والمنازل وفي الفلاحة. علم المناظر: وهو علم تتعرّف منه أحوال المبصرات في كميتها وكيفيتها باعتبار قربها وبعدها عن المناظر، واختلاف أشكالها وأوضاعها، وما يتوسّط بين المناظر والمبصرات وعلل ذلك. ومنفعته معرفة ما يغلط فيه البصر عن أحوال المبصرات، ويستعان به على مساحة الأجرام البعيدة والمرايا المحرفة أيضا. علم المرايا المحرّفة: وهو علم تتعرّف منه أحوال الخطوط الشعاعيّة المنعطفة والمنعكسة والمنكسرة، ومواقعها

стр. 104

وزواياها ومراجعها، وكيفية عمل المرايا المحرّفة بانعكاس أشعّة الشمس عنها ونصبها ومحاذاتها، ومنفعته بليغة في محاصرات المدن والقلاع. علم مراكز الأثقال: وهو علم تتعرّف منه كيفية استخراج مركز ثقل الجسم المحمول، والمراد بمركز الثقل حدّ في الجسم عنده يتعادل بالنسبة إلى الحامل، ومنفعته كيفية معادلة الأجسام العظيمة بما هو دونها لتوسّط المسافة. علم المساحة: وهو علم تتعرّف منه مقادير الخطوط والسطوح والأجسام، وما يقدرها من الخطّ والمربع والمكعّب، ومنفعته جليلة في أمر الخراج وقسمة الأرضين وتقدير المساكن وغيرها. علم إنباط المياه: «١» وهو علم تتعرّف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها، ومنفعته إحياء الأرضين الميتة وإفلاحها. علم جر الأثقال: وهو علم تتبيّن منه كيفية إيجاد الآلات الثقيلة، ومنفعته نقل الثّقل العظيم بالقوّة اليسيرة. علم البنكامات: وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات المقدّرة للزمان، ومنفعته معرفة أوقات العبادات واستخراج الطوالع من الكواكب وأجزاء فلك البروج. علم الآلات الحربية: وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات الحربية كالمجانيق وغيرها، ومنفعته شديدة العنا «٢» في دفع الأعداء وحماية المدن. علم الآلات الروحانية: وهو علم تتبين منه كيفية إيجاد الآلات المرتّبة على ضرورة عدم الخلاء ونحوها من آلات الشراب وغيرها، ومنفعته ارتياض النفس بغرائب هذه الآلات، انتهى.

стр. 105

علم الهيئة: هو من أصول الرياضي وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلويّة والسفليّة من حيث الكميّة والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها. فالكمية إمّا منفصلة كأعداد الأفلاك، وبعض الكواكب دون أعداد العناصر فإنها مأخوذة من الطبعيات «١»، وإمّا متّصلة كمقادير الأجرام والأبعاد واليوم وأجزائه، وما يتركّب منها. وأمّا الكيفية فكالشّكل إذ تتبين فيه استدارة هذه الأجسام، وكلون الكواكب وضوئها. وأمّا الوضع فكقرب الكواكب وبعدها عن دائرة معينة وانتصاب دائرة وميلانها بالنسبة إلى سمت رءوس سكان الأقاليم وحيلولة الأرض بين النيرين، والقمر بين الشمس والإبصار ونحو ذلك. وأما الحركة فالمبحوث عنه في هذا الفن منها هو قدرها وجهتها. وأمّا البحث عن أصل الحركة وإثباتها للأفلاك فمن الطبعيات «٢». والمراد باللازمة الدائمة على زعمهم وهي حركات الأفلاك والكواكب، واحترز بها عن حركات العناصر كالرياح والأمواج والزلازل، فإن البحث عنها من الطبعيات «٣». وأما حركة الأرض من المغرب إلى المشرق وحركة الهواء بمشايعتها وحركة النار بمشايعة الفلك، فممّا لم يثبت، ولو ثبت فلا يبعد أن يجعل البحث عنها من حيث القدر والجهة من مسائل الهيئة. والمراد بما يلزم من الحركة الرجوع والاستقامة والوقوف والتعديلات، ويندرج فيه بعض الأوضاع. ولم يذكر صاحب التذكرة «٤» هذا القيد، أعني قيد ما يلزم منها، والظاهر أنّه لا حاجة إليه. والغرض من قيد الحيثية الاحتراز عن علم السماء والعالم، فإن موضوعه البسائط المذكورة أيضا، لكن يبحث فيه عنها لا عن «٥» الحيثية المذكورة، بل من حيث طبائعها ومواضعها والحكمة في ترتيبها ونضدها وحركاتها لا باعتبار القدر والجهة. وبالجملة فموضوع الهيئة الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات المخصوصة ونحوها، وموضوع علم السماء والعالم الذي هو من أقسام الطبعي «٦» الجسم البسيط أيضا، لكن من حيث إمكان عروض التغيّر والثبات. وإنما زيد لفظ الإمكان إشارة إلى أنّ ما هو من جزء الموضوع إمكان العروض، لا العروض بالفعل الذي هو المحمول، فإن ما يكون جزء الموضوع ينبغي أن يكون مسلّم الثبوت، وهو إمكان العروض لا العروض بالفعل. وقيل موضوع كل من العلمين الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات والتمايز بينهما، إنما هو بالبرهان، فإن أثبت المطلوب بالبرهان الإنّي يكون من الهيئة، وإن أثبت بالبرهان اللّمّي يكون من علم السماء والعالم؛ فإنّ تمايز العلوم كما يكون بتمايز الموضوعات كذلك قد يقع بالمحمولات. والقول بأن التمايز في العلوم إنما هو بالموضوع فأمر لم يثبت بالدليل، بل هو مجرد رعاية مناسبة. اعلم أنّ الناظر في حركات الكواكب وضبطها وإقامة البراهين على أحوالها يكفيه الاقتصار على

стр. 106

اعتبار الدوائر، ويسمّى ذلك هيئة غير مجسّمة. ومن أراد تصوّر مبادئ تلك الحركات على الوجه المطابق لقواعد الحكمة فعليه تصوّر الكرّات على وجه تظهر حركات مراكز الكواكب وما يجزي مجراها في مناطقها، ويسمّى ذلك هيئة مجسّمة؛ وإطلاق العلم على المجسّمة مجاز. ولهذا قال صاحب التذكرة: إنها ليست بعلم تام لأنّ العلم هو التصديق بالمسائل على وجه البرهان، فإذا لم يورد بالبرهان يكون حكاية للمسائل المثبتة بالبرهان في موضع آخر. هذا كله خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في حواشي شرح الملخص «١». فائدة المذكور في علم الهيئة ليس مبنيا على المقدمات الطبيعية والإلهية وما جرت به العادة من تصدير المصنفين كتبهم بها، إنما هو بطريق المتابعة للفلاسفة وليس ذلك أمرا واجبا، بل يمكن إثباته من غير ملاحظة الابتناء عليها، فإنّ المذكور فيه بعضه مقدمات «٢» هندسية لا يتطرّق إليها شبهة، مثلا مشاهدة التشكّلات البدرية والهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، وبعضه مقدمات يحكم بها العقل بحسب الأخذ لما هو الأليق والأحرى كما يقولون إن محدّب الحامل يماس محدّب الممثل على نقطة مشتركة، وكذا مقعّره بمقعّره، ولا مستند لهم، غير أن الأولى أن لا يكون في الفلكيات فصل لا يحتاج إليه، وكذا الحال في أعداد الأفلاك من أنها تسعة، وبعضه مقدمات يذكرونها على سبيل التردّد دون الجزم، كما يقولون إنّ اختلاف حركة الشمس بالسرعة والبطوء إمّا بناء على أصل الخارج أو على أصل التدوير من غير جزم بأحدهما، فظهر أنّ ما قيل من أنّ إثبات مسائل هذا الفن مبني على أصول فاسدة مأخوذة من الفلاسفة من نفي القادر المختار وعدم تجويز الخرق والالتئام على الأفلاك وغير ذلك ليس بشيء، ومنشئوه عدم الاطلاع على مسائل هذا الفن ودلائله، وذلك لأن مشاهدة التشكّلات البدرية والهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأنّ نور القمر حاصل من نور الشمس، وأنّ الخسوف إنما هو بسبب حيلولة الأرض بين النيرين، والكسوف إنما هو بسبب حيلولة القمر بين الشمس والبصر، مع القول بثبوت القادر المختار ونفي تلك الأصول المذكورة؛ فإن ثبوت «٣» القادر المختار وانتفاء تلك الأصول لا ينفيان أن يكون الحال ما ذكر. غاية الأمر أنهما يجوّزان الاحتمالات الأخر، مثلا على تقدير ثبوت القادر المختار يجوز أن يسوّد القادر بحسب إرادته وينوّر وجه القمر على ما يشاهد من التشكّلات البدرية والهلالية. وأيضا يجوز على تقدير الاختلاف في حركات الفلكيات وسائر أحوالها أن يكون أحد نصفي كلّ من النيرين مضيئا والآخر مظلما، ويتحرك النّيران على مركزيهما بحيث يصير وجهاهما المظلمان مواجهين لنا في حالتي الخسوف والكسوف، إمّا بالعام إذا كانا تامين أو بالبعض إن كانا ناقصين. وعلى هذا القياس حال التشكّلات البدرية والهلالية، لكنّا نجزم مع قيام الاحتمالات المذكورة أنّ

стр. 107

الحال على ما ذكر من استفادة القمر النور من الشمس، وأن الخسوف والكسوف بسبب الحيلولة، ومثل هذا الاحتمال قائم في العلوم العادية والتجربية «١» أيضا، بل في جميع الضروريات، مع أن القادر المختار يجوز أن يجعلها كذلك بحسب إرادته؛ بل على تقدير أن يكون المبدأ موجبا يجوز أن يتحقق وضع غريب من «٢» الأوضاع الفلكية، فيقتضي ظهور ذلك الأمر الغريب على مذهب القائلين بالإيجاب من استناد الحوادث إلى الأوضاع الفلكية، وغير ذلك مما هو مذكور في شبه القادحين في الضروريات. ولو سلم أنّ إثبات مسائل هذا الفن يتوقّف على تلك الأصول الفاسدة فلا شك أنه إنما يكون ذلك إذا ادّعى أصحاب هذا الفن أنه لا يمكن إلّا على الوجه الذي ذكرنا. أمّا إذا كان دعواهم أنه يمكن أن يكون على ذلك الوجه ويمكن أن يكون على الوجوه الأخر، فلا يتصوّر التوقف حينئذ، وكفى بهم فضلا أنهم تخيّلوا من الوجوه الممكنة ما تنضبط به أحوال تلك الكواكب مع كثرة اختلافاتها على وجه تيسّر لهم أن يعيّنوا مواضع تلك الكواكب واتصالات بعضها ببعض في كل وقت أرادوا، بحيث يطابق الحسّ والعيان مطابقة تتحيّر فيها العقول والأذهان، كذا في شرح التجريد. وهكذا يستفاد من شرح المواقف في موقف الجواهر في آخر بيان محدد الجهات. وفي إرشاد القاصد [علم] «٣» الهيئة وهو علم تعرف به أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية وأشكالها وأوضاعها وأبعاد ما بينها، وحركات الأفلاك والكواكب ومقاديرها. وموضوعه الأجسام المذكورة من حيث كميتها وأوضاعها وحركاتها اللازمة لها. وأما العلوم المتفرعة عليه فهي خمسة: علم الزيجات، و علم المواقيت ، وعلم كيفية الأرصاد، وعلم تسطيح الكرات والآلات الحادثة عنه، وعلم الآلات الظليّة؛ وذلك لأنه إمّا أن يبحث عن إيجاد ما تبرهن بالفعل، أو لا، الثاني كيفية الأرصاد، والأول إمّا حساب الأعمال أو التوصّل إلى معرفتها بالآلات، فالأول منهما إن اختصّ بالكواكب المجرّدة فهو علم الزيجات والتقاويم ، وإلّا فهو علم المواقيت، والآلات إمّا شعاعية أو ظلّية، فإن كانت شعاعية فهو علم تسطيح الكرة، وإن كانت ظليّة فعلم الآلات الظليّة، فلنرسم هذه العلوم كما تقدم. علم الزيجات والتقاويم: علم تتعرّف منه مقادير حركات الكواكب السيّارة منتزعا من الأصول الكلية. ومنفعته معرفة موضع كلّ واحد من الكواكب السبعة بالنسبة إلى فلكه وإلى فلك البروج، وانتقالاتها ورجوعها واستقامتها وتشريقها وتغريبها وظهورها واختفائها في كل زمان ومكان، وما أشبه ذلك من اتصال بعضها ببعض، وكسوف الشمس وخسوف القمر وما يجري هذا المجرى. علم المواقيت: وهو علم تتعرّف منه أزمنة الأيام والليالي وأحوالها وكيفية التوصّل إليها. ومنفعته معرفة أوقات العبادات وتوخّي جهتها، والطوالع والمطالع من أجزاء البروج، والكواكب الثابتة التي منها منازل القمر، ومقادير الظلال والارتفاعات، وانحراف البلدان بعضها عن بعض وسموتها.

стр. 108

علم كيفية الأرصاد: وهو علم تتعرّف منه كيفية تحصيل مقادير الحركات الفلكية والتوصل إليها بالآلات الرصدية. ومنفعته علم الهيئة وحصول عمله بالفعل. علم تسطيح الكرة: وهو علم تتعرّف منه كيفية إيجاد الآلات الشّعاعية. ومنفعته الارتياض بعلم هذه الآلات وعملها، وكيفية انتزاعها من أمور ذهنية مطابقة للأوضاع الخارجية والتوصل بها إلى استخراج المطالب الفلكية. علم الآلات الظلية: وهو علم تتعرّف منه مقادير ظلال المقايس وأحوالها والخطوط التي سمتها أطرافها. ومنفعته معرفة ساعات النهار بهذه الآلات. وهذه الآلات كالبسائط والقائمات والمائلات من الرخامات ونحوها، انتهى. علم السماء والعالم: هو من أصول الطبعي «١»، وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجسام التي هي أركان العالم وهي السموات وما فيها، والعناصر الأربعة من حيث طبائعها وحركاتها ومواضعها، وتعرف «٢» الحكمة في صنعها وترتيبها. وموضوعه الجسم المحسوس من حيث هو معرّض للتغيّر في الأحوال والثبات فيها، ويبحث فيه عما يعرض له من حيث هو كذلك، كذا في التلويح. وقيد الحيثية احتراز عن علم الهيئة. وموضوعها كما مرّ. علم الطبّ: هو من فروع الطبعي «٣» وهو علم بقوانين تتعرف منها أحوال أبدان الإنسان من جهة الصحة وعدمها، لتحفظ حاصلة وتحصّل غير حاصلة ما أمكن. وفوائد القيود ظاهرة، فإنّ العلم جنس، وقولنا تتعرّف الخ فصل يخرج ما لا تتعرّف منه أحوال بدنه كالهيئة وغيرها. وقولنا من جهة الصحة وعدمها يخرج العلم الذي تعرف منه أحوال بدنه لا من الجهتين كعلم الأخلاق والكلام. وقولنا لتحفظ الخ بيان لغاية الطبّ لا للاحتراز. ثم إن هذا أولى ممّن قال من جهة ما يصح ويزول عنه الصحة فإنه يرد عليه أنّ الجنين الغير الصحيح من أول الفطرة لا يصلح عليه أنه زال عن الصحة أو صحته زائلة، كذا في السديدي شرح الموجز «٤». فالمراد بالعلم هاهنا التصديق بالمسائل ويمكن أن

стр. 109

يراد به الملكة، أي ملكة حاصلة بقوانين الخ. وفي شرح القانونچهـ هو علم بأحوال بدن الإنسان من جهة الصحة والمرض لتحفظ الصحة أو تعاد ما أمكن، ومآل التعريفين واحد. وموضوعه بدن الإنسان وما يتركّب منه من حيث الصحة والمرض، وقد سبق الإشارة إليه في بحث الموضوع. علم النجوم: هو من فروع الطبعي «١» وهو علم بأصول تعرف بها أحوال الشمس والقمر وغيرهما من بعض النجوم، كذا في بعض حواشي الشافية «٢». والمراد بالأحوال الآثار الصادرة منها في العالم السفلي، فلا يكون من أجزاء الهيئة وعلم السماء والعالم. وخرج منه علم الرّمل والجفر ونحوهما مما يدلّ على صدور أثر في العالم إذ لا يبحث فيها عن أحوال النجوم. وموضوعه النجوم من حيث يمكن أن تعرف بها أحوال العالم. ومسائله كقولهم: كلّما كانت الشمس على هذا الوضع المخصوص فهي تدلّ على حدوث أمر كذا في هذا العالم. فصل في بيان العلوم المحمودة والمذمومة أما المحمودة فبعضها من فرض العين وبعضها من فرض الكفاية. أمّا الأول فقال ﵊: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» «٣»، واختلف العلماء في أنّ أيّ علم طلبه فرض. فقال المتكلمون علم الكلام. وقال الفقهاء علم الفقه. وقال المفسّرون والمحدّثون هو علم الكتاب والسنّة إذ بهما يتوصّل إلى سائر العلوم. وقال بعضهم هو علم العبد بحاله ومقامه من الله تعالى. وقيل بل هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس. وقيل بل هو علم الباطن. وقال المتصوفة هو علم التصوّف. وقيل هو العلم بما شمل «٤» عليه قوله ﵊: «بني الإسلام على خمس» «٥» الحديث؛ والذي ينبغي أن يقطع ما هو مراد به هو علم بما كلّف الله تعالى عباده من الأحكام الاعتقادية والعملية. وقال في السراجية طلب العلم فريضة بقدر ما يحتاج إليه لأمر لا بدّ منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع، ولأمور معاشه، وما وراء ذلك ليس بفرض، فإن تعلّمها فهو الأفضل وإن تركها فلا إثم عليه.

стр. 110

وأما الثاني فقد ذكره في منتخب الإحياء «١»: اعلم أنّ علم الطب في تصحيح الأبدان من فروض الكفاية، لكن في السراجية «٢». يستحب أن يتعلم الرجل من الطبّ قدر ما يمتنع به عما يضرّ بدنه. وكذا من فروض الكفاية علم الحساب في الوصايا والمواريث. وكذا الفلاحة والحياكة والحجامة والسياسة. أما التعمّق في الطبّ فليس بواجب وان كان فيه زيادة قوة على قدر الكفاية. فهذه العلوم كالفروع فإن الأصل هو العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة وآثار الصحابة، والتعلّم بعلم اللغة التي هي آلة لتحصيل العلم بالشرعيات. وكذا العلم بالناسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ، مما في علم الفقه، وعلم القراءة ومخارج الحروف، والعلم بالأخبار وتفاصيلها، والآثار وأسامي رجالها ورواتها، ومعرفة المسند والمرسل والقوي والضعيف منها، كلها من فروض الكفاية. وكذا معرفة الأحكام لقطع الخصومات وسياسة الولاة. وهذه العلوم إنما تتعلّق بالآخرة لأنها سبب استقامة الدنيا، وفي استقامتها استقامتها، فكان هذا علم الدنيا بواسطة صلاح الدنيا، بخلاف علم الأصول من التوحيد وصفات الباري. وهكذا علم الفتوى من فروض الكفاية. أما العلم بالعبادات والطاعات ومعرفة الحلال والحرام فإنه أصل فوق العلم بالغرامات والحدود والحيل. وأما علم المعاملة فهو على المؤمن المتقي كالزهد والتقوى والرّضاء والشكر والخوف والمنّة لله في جميع أحواله، والإحسان وحسن النظم وحسن الخلق والإخلاص، فهذه علوم نافعة أيضا. وأما علم المكاشفة فلا يحصل بالتعليم والتعلّم، وإنّما يحصل بالمجاهدة التي جعلها الله تعالى مقدّمة للهداية، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا «٣». وأما علم الكلام فالسّلف لم يشتغلوا به حتى إنّ من اشتغل به نسب إلى البدعة والاشتغال بما لا يغنيه «٤»، هذا كله خلاصة ما في التاتارخانية «٥». وقال في خزانة الرواية في السراجية: تعلّم الكلام والمناظرة فيه قدر ما يحتاج إليه غير منهيّ [عنه] «٦». قال شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي «٧» في أعلام الهدى «٨» بأنّ عدم الاشتغال بعلم
следующие страницы →