Полный текст (521 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مَسْأَلَة ١٦
يجب بِنَاء الْعَام على الْخَاص وَإِن كَانَ الْعَام مُتَّفقا على اسْتِعْمَاله وَالْخَاص مُخْتَلفا فِيهِ
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة الْعَام الْمُتَّفق على اسْتِعْمَاله يقدم على الْخَاص الْمُخْتَلف فِيهِ
لنا هُوَ أَنه تعَارض دليلان عَام وخاص فَبنِي الْعَام على الْخَاص دَلِيله إِذا اتّفق على استعمالهما
وَلِأَن فِيمَا ذَكرْنَاهُ جمعا بَين دَلِيلين فَكَانَ أولى من إِسْقَاط أَحدهمَا كَمَا لَو كَانَا مُتَّفقا عَلَيْهِمَا
وَلِأَن الْخَاص يتَنَاوَل الحكم بصريحه على وَجه لَا احْتِمَال فِيهِ وَالْعَام يتَنَاوَلهُ بِعُمُومِهِ لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ غير مَا تنَاوله الْخَاص فَوَجَبَ أَن يقْضى بِمَا لَا يحْتَمل على الْمُحْتَمل
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْعَام الْمُتَّفق على اسْتِعْمَاله أقوى من الْخَاص الْمُخْتَلف فِيهِ فَوَجَبَ تَقْدِيمه عَلَيْهِ
قُلْنَا لَا نسلم أَنه مُتَّفق على اسْتِعْمَاله فِي الْقدر الَّذِي تنَاوله الْخَاص مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَّفق على اسْتِعْمَاله فِيمَا لَا يتَنَاوَلهُ الْخَاص بِخُصُوصِهِ وَهَذَا لَا يمْنَع من جَوَاز تَخْصِيصه أَلا ترى أَن اسْتِصْحَاب الْحَال فِي بَرَاءَة الذِّمَّة مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة
стр. 142
فِيمَا يتَنَاوَلهُ دَلِيل شَرْعِي ثمَّ إِذا ورد دَلِيل شَرْعِي نقل عَنهُ وَإِن كَانَ الدَّلِيل مُخْتَلفا فِيهِ
وَلِأَنَّهُم ناقضوا فِي هَذَا فَإِنَّهُم قضوا بِالنَّهْي فِي أكل السّمك الطافي وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ على قَوْله ﷺ أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ وَإِن كَانَ مجمعا عَلَيْهِ
стр. 143
مَسْأَلَة ١٧
إِذا تعَارض خبران وَأمكن استعمالهما بني أَحدهمَا على الآخر
وَقَالَ أهل الظَّاهِر إِذا تعَارض خبران سقطا
لنا هُوَ أَنَّهُمَا لفظان عَام وخاص يُمكن استعمالهما فَوَجَبَ استعمالهما وَبِنَاء أَحدهمَا على الآخر
دَلِيله الْآيَتَانِ وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ يسْأَلُون فِي مَوضِع وَلَا يسْأَلُون فِي مَوضِع آخر
وَلِأَنَّهُمَا دليلان يُمكن بِنَاء أَحدهمَا على الآخر فَوَجَبَ استعمالهما وَلَا يجوز إسقاطهما
دَلِيله عُمُوم خبر الْوَاحِد إِذا ورد مُخَالفا لدَلِيل الْعقل
فَإِن قيل أَدِلَّة الْعقل لَا تحْتَمل التَّأْوِيل وَالظَّاهِر يحْتَمل التَّأْوِيل فرتب وَفِي مَسْأَلَتنَا تَأْوِيل كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ كتأويل الآخر فَلم يكن أَحدهمَا بِأولى من الآخر
стр. 144
قُلْنَا هَذَا يبطل بالآيتين فَإِنَّهُمَا مستعملتان وَإِن كَانَ تَأْوِيل أَحدهمَا كتأويل الْأُخْرَى وَيدل عَلَيْهِ أَن مَا زَاد من الْعُمُوم على الْخُصُوص لَا يُعَارضهُ مثله وَلَا مَا هُوَ أقوى مِنْهُ فَوَجَبَ أَن لَا يتَوَقَّف فِيهِ كَمَا لَو رُوِيَ فِي أحد الْخَبَرَيْنِ مَا فِي الآخر وَزِيَادَة حكم
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَهَذَا التَّعَارُض اخْتِلَاف فَدلَّ على أَنه لَيْسَ من عِنْد الله
قُلْنَا لَا نسلم أَن بَينهمَا اخْتِلَافا بل هما متفقان عِنْد الْبناء وَالتَّرْتِيب
وعَلى أَنه لَو كَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف يُوجب أَن لَا يكون ذَلِك من عِنْد الله لوَجَبَ أَن يُقَال مثل ذَلِك فِي الْآيَات إِذا تَعَارَضَت وَلما أجمعنا على أَن ذَلِك لَا يعد اخْتِلَافا فِي الْآيَات لِإِمْكَان الْبناء كَذَلِك فِي الْإِخْبَار
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا تعَارض لفظان وَأمكن فِيهِ وَجْهَان من الِاسْتِعْمَال كنهيه عَن الصَّلَاة فِي أَوْقَات النَّهْي وَأمره فِي الْقَضَاء لمن نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا لم يكن أحد الْوَجْهَيْنِ فِي الِاسْتِعْمَال بِأولى من الآخر فَوَجَبَ إِسْقَاط الْجَمِيع
قُلْنَا نَحن إِنَّمَا نستعملهما إِذا أمكن وَجها وَاحِدًا فِي الِاسْتِعْمَال فَأَما إِذا أمكن وَجْهَان لم يقدم أحد الْوَجْهَيْنِ على الآخر إِلَّا بِضَرْب من التَّرْجِيح
قَالُوا لِأَن الْبناء وَالْجمع إِنَّمَا يكون بِنَفس اللَّفْظ وَاللَّفْظ لَا يدل عَلَيْهِ أَو بِدَلِيل آخر وَلَيْسَ مَعكُمْ فِي الْجمع دَلِيل فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ
قُلْنَا هَذَا يبطل بِبِنَاء أحد الْآيَتَيْنِ على الآخر فَإِنَّهُ يجوز وَإِن لم يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَلَا دَلِيل آخر يَقْتَضِي الْجمع بَينهمَا
стр. 145
وعَلى أَن الدَّلِيل اقْتضى الْجمع بَينهمَا قد دلّ على وجوب الْعَمَل بِكُل وَاحِد من الدَّلِيلَيْنِ وَكَلَام صَاحب الشَّرْع لَا يتناقض فَلم يبْق إِلَّا الْجمع وَالتَّرْتِيب
قَالُوا وَلِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا مَنْسُوخا بِالْآخرِ وَيحْتَمل أَن يكون مُرَتبا عَلَيْهِ فَلَا يجوز تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر كَمَا لَو احْتمل وَجْهَيْن من التَّرْتِيب لَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر
قُلْنَا هَذَا يبطل بالآيتين فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن تكون إِحْدَاهمَا مَنْسُوخَة بِالْأُخْرَى وَيحْتَمل أَن تكون مرتبَة عَلَيْهَا ثمَّ قدمنَا الِاسْتِعْمَال وَالْبناء على النّسخ وَلم يَجْعَل ذَلِك بِمَنْزِلَة آيَتَيْنِ تعَارض فيهمَا ترتيبان مُخْتَلِفَانِ
وَلِأَنَّهُ وَإِن احْتمل النّسخ إِلَّا أَن التَّرْتِيب وَالْبناء أظهر لِأَن فِيهِ اسْتِعْمَال دَلِيل والنسخ إِسْقَاط دَلِيل والاستعمال أولى لِأَن الْخَبَر إِنَّمَا ورد للاستعمال وَالظَّاهِر بَقَاء حكمه
قَالُوا وَلِأَن أَدِلَّة الشَّرْع فروع لأدلة الْعقل ثمَّ التَّعَارُض فِي أَدِلَّة الْعقل لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب فَكَذَلِك التَّعَارُض فِي أَدِلَّة الشَّرْع
قُلْنَا التَّرْتِيب فِي أَدِلَّة الْعقل لَا يُمكن لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل التَّأْوِيل فَهِيَ بِمَنْزِلَة نصين تَعَارضا وَفِي مَسْأَلَتنَا يحْتَمل أحد اللَّفْظَيْنِ التَّأْوِيل وَأَن يكون المُرَاد بِهِ بعض مَا تنَاوله الآخر فَجَاز فِيهِ الْبناء وَالتَّرْتِيب وَلِهَذَا الْمَعْنى جَوَّزنَا التَّرْتِيب فِي الْآيَتَيْنِ وَلم يجز ذَلِك فِي أَدِلَّة الْعقل
قَالُوا وَلِأَن الشَّهَادَتَيْنِ إِذا تَعَارَضَتَا سقطتا فَكَذَلِك الخبران
قُلْنَا إِن أمكن اسْتِعْمَال الشَّهَادَتَيْنِ استعملناهما وَهِي إِذا شهد شَاهِدَانِ بِمِائَة وَشهد آخرَانِ بِقَضَاء خمسين مِنْهَا فَيجمع بَينهمَا كَمَا يجمع بَين الْخَبَرَيْنِ وَإِن لم يُمكن سقطتا كالخبرين إِذْ لم يُمكن استعمالهما
стр. 146
مسَائِل الِاسْتِثْنَاء
مَسْأَلَة ١
لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء إِلَّا إِذا اتَّصل الْكَلَام
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ يَصح الِاسْتِثْنَاء إِلَى سنة
стр. 147
وَرُوِيَ عَن الْحسن وَعَطَاء أَنه يَصح مَا دَامَ الْمجْلس
لنا هُوَ أَن أهل اللِّسَان لَا يسمون مَا انْفَصل عَن الْكَلَام وتراخى عَنهُ اسْتثِْنَاء فِي عرفهم وعادتهم
أَلا ترى أَنه لَو قَالَ رَأَيْت النَّاس ثمَّ قَالَ بعد شهر إِلَّا زيدا لَكَانَ ذَلِك لَغوا فَدلَّ على أَن ذَلِك لَا يجوز
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ هَذَا لم يوثق بِأحد فِي وعد وَلَا وَعِيد لجَوَاز أَن يسْتَثْنى بعد زمَان مَا يسْقط حكم الْكَلَام وَفِي اتِّفَاق أهل اللِّسَان على خلاف هَذَا دَلِيل على بطلَان هَذَا القَوْل
وَلِأَن من جوز الِاسْتِثْنَاء إِلَى سنة لم ينْفَصل عَن من جوزه إِلَى سنتَيْن وَثَلَاث فَوَجَبَ أَن يكون الْجَمِيع بَاطِلا
стр. 148
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَخْصِيص عُمُوم فَجَاز أَن يتَأَخَّر عَن الْعُمُوم كالتخصيص بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء
قُلْنَا لَا نسلم الأَصْل على قَول من لم يجوز من أَصْحَابنَا تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب
فَإِن سلمنَا ذَلِك فَإنَّا نقلب عَلَيْهِم فَنَقُول تَخْصِيص عُمُوم فَاسْتَوَى فِيهِ السّنة وَمَا زَاد دَلِيله التَّخْصِيص بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء
стр. 149
مَسْأَلَة ٢
الِاسْتِثْنَاء من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَا يكون اسْتثِْنَاء حَقِيقَة
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يكون حَقِيقَة وَهُوَ قَول بعض الْمُتَكَلِّمين
لنا هُوَ أَنه أحد مَا يخْتَص بِهِ اللَّفْظ الْعَام فَلم يَصح فِيمَا لم يدْخل فِي الْعُمُوم كالتخصيص بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء
وَلِأَنَّهُ قيل إِن الِاسْتِثْنَاء مَأْخُوذ من قَوْلهم ثنيت فلَانا عَن رَأْيه وثنيت عنان الدَّابَّة إِذا صرفتها
وَقيل إِنَّه مَأْخُوذ من تَثْنِيَة الْخَبَر بعد الْخَبَر وَهَذَا لَا يُوجد إِلَّا فِيمَا دخل فِي الْكَلَام حَتَّى يثنيه على القَوْل الأول ويثني فِيهِ الْخَبَر على القَوْل الثَّانِي
стр. 150
وَلِأَن أَلْفَاظ الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِه إِلَّا وَغير وَسوى لَا تستقل بأنفسها وَلَا يَصح الِابْتِدَاء بهَا فَدلَّ على أَنه يتَعَلَّق بالمستثنى مِنْهُ وَلَيْسَ لتَعَلُّقه بِهِ وَجه أَكثر من أَنَّهَا تخرج بعض مَا اقْتَضَاهُ
وَلِأَنَّهُ يقبح فِي الْكَلَام أَن يُقَال خرج النَّاس إِلَّا الْحمير وَرَأَيْت النَّاس إِلَّا الْكلاب فَدلَّ على أَنه لَيْسَ بِحَقِيقَة
وَاحْتَجُّوا بِأَن الِاسْتِثْنَاء من غير جنسه لُغَة الْعَرَب وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ وَهَذَا كُله اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس
وَقَالَ الشَّاعِر
وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس
فاستثنى اليعافير والعيس من الأنيس
وَقَالَ الآخر
وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب
стр. 151
والفلول من قراع الْكَتَائِب لَيْسَ بِعَيْب وَقد اسْتَثْنَاهُ من الْعَيْب
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ اسْتثِْنَاء من جنسه لِأَن إِبْلِيس من جنس الْمَلَائِكَة
فَإِن قيل فَكيف يكون من جُمْلَتهمْ وَقد قَالَ إِنَّه من الْجِنّ
قيل رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ هُوَ من جملَة الْمَلَائِكَة
وَقيل إِنَّه كَانَ من خزان الْجنَّة وَكَانَ رئيسهم وَإِنَّمَا سمي بذلك اشتقاقا من الْجنَّة فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَأما قَوْله ﴿إِلَّا رب الْعَالمين﴾ فَالْمُرَاد بِهِ لَكِن رب الْعَالمين
وَأما قَول الشَّاعِر: إِلَّا اليعافير وَلَا العيس
فَهُوَ اسْتثِْنَاء من جنسه لِأَن ذَلِك كُله مِمَّا يسْتَأْنس بِهِ
وَأما قَوْله وَلَا عيب فيهم فَهُوَ أَيْضا اسْتثِْنَاء من جنسه لِأَن الفلول عيب فِي نَفسه وَإِن كَانَ قد جعل ذَلِك نسيبا يمدح بِهِ قراع الْكَتَائِب
стр. 152
مَسْأَلَة ٣
يَصح الِاسْتِثْنَاء الْأَكْبَر من الْجُمْلَة
وَقَالَ أَحْمد لَا يَصح اسْتثِْنَاء النّصْف فَمَا زَاد عَلَيْهِ وَبِه قَالَ ابْن درسْتوَيْه
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾
стр. 153
ثمَّ قَالَ ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ فاستثنى الغاوين من الْعباد والعباد من الغاوين وَأيهمَا كَانَ أَكثر فقد اسْتَثْنَاهُ من الآخر فَدلَّ على جَوَازه
وَلِأَنَّهُ معنى يخرج من الْعُمُوم مَا لولاه لدخل فَجَاز فِي الْأَكْثَر كالتخصيص وَلِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء بعض مَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم فصح كالأقل
وَاحْتَجُّوا بِأَن طَرِيق الِاسْتِثْنَاء اللُّغَة وَلم يسمع ذَلِك فِي الْأَكْثَر فَوَجَبَ أَن لَا يجوز
قُلْنَا لَا نسلم بل قد سمع ذَلِك فِي اللُّغَة قَالَ الشَّاعِر
أَدّوا الَّتِي نقضت تسعين من مائَة ... ثمَّ ابْعَثُوا حكما بِالْحَقِّ قوالا
وَهَذَا فِي معنى الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ تَقْدِيره مائَة إِلَّا تسعين
وَلِأَنَّهُ وَإِن لم يسمع من أهل اللُّغَة إِلَّا أَن الْقُرْآن قد نزل بِهِ على مَا بَيناهُ وَالْقُرْآن أقوى مَا رَجَعَ إِلَيْهِ فِي معرفَة اللُّغَة
وَلِأَنَّهُ لَو لم يسمع لَكَانَ ذَلِك فِي معنى المسموع لِأَن الْقَصْد من الِاسْتِثْنَاء الِاسْتِدْرَاك على نَفسه فِيمَا أوردهُ من القَوْل وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْقَلِيل وَالْكثير فَكَانَ حكم أَحدهمَا كَحكم الآخر يبين صِحَة هَذَا هُوَ أَنا لم نسْمع مِنْهُم الِاسْتِثْنَاء فِي كل جنس وَفِي كل عدد لَكِن لما عرفنَا غرضهم فِيمَا سمعناه من كَلَامهم حملنَا عَلَيْهِ كل عدد وكل جنس فَكَذَلِك هَاهُنَا
قَالُوا وَلِأَن كَلَام الْعَرَب مَوْضُوع على الِاخْتِصَار وَلَيْسَ من الِاخْتِصَار أَن يَقُول لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا تِسْعَة وَنصفا ويمكنه أَن يَقُول عَليّ نصف دِرْهَم
قُلْنَا هم يبسطون الْكَلَام تَارَة ويختصرونه أُخْرَى وَلَهُم بِالْجَمِيعِ عَادَة فَلَا يجوز إِسْقَاط إِحْدَى العادتين بِالْأُخْرَى
стр. 154
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي هَذَا دَلِيل على أَنه لَا يجوز اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر لم يجز أَن يَجْعَل دَلِيلا على أَنه يجوز اسْتثِْنَاء الْأَقَل لِأَنَّهُ لَيْسَ من الِاخْتِصَار أَنه يجمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات وَيذكر عددين فَيَقُول عَليّ عشرَة إِلَّا أَرْبَعَة ويمكنه أَن يقْتَصر على الْإِثْبَات فَيَقُول لَهُ عَليّ سِتَّة وَلما أجمعنا على جَوَاز ذَلِك دلّ على بطلَان مَا قَالُوهُ
قَالُوا وَلِأَن عَادَة الْعَرَب فِي الْكَلَام إِذا ضمُّوا مَجْهُولا إِلَى مَعْلُوم أَن يبنوا الْأَمر على التَّقْرِيب فَإِذا كَانَ الْمَجْهُول قَرِيبا من العقد ذكرُوا العقد واستثنوا الْمَجْهُول وَإِن كَانَ بَعيدا مِنْهُ ضموه إِلَى مَا قبله من الْعدَد وَلم يستثنوه فَيَقُولُونَ فِيمَا قرب من العقد كران إِلَّا شَيْئا وَفِيمَا بعد من العقد كرّ حِنْطَة وَشَيْء وَلِهَذَا حمل الشَّافِعِي ﵀ قَول ابْن جريج فِي تَقْدِير الْقلَّة بالقربتين وَشَيْء الشَّيْء على دون النّصْف ثمَّ بلغ بِهِ النّصْف احْتِيَاطًا للْمَاء فَدلَّ على أَنه لَا يَسْتَثْنِي إِلَّا الْأَقَل
قُلْنَا هَذَا هُوَ الدَّلِيل عَلَيْكُم لأَنهم إِذا ضمُّوا مَجْهُولا إِلَى عقد ثمَّ فسر ذَلِك بِمَا يُقَارب العقد الثَّانِي جَازَ وَهُوَ أَن يَقُول لَهُ عَليّ كرّ وَشَيْء ثمَّ يُفَسر الشَّيْء بِأَكْثَرَ من النّصْف
وَإِن كَانَت الْعَادة أَن لَا يضم الْمَجْهُول إِلَى العقد الأول إِلَّا إِذا كَانَ أقل من
стр. 155
النّصْف فَكَذَلِك يجوز اسْتثِْنَاء الْمَجْهُول من العقد الثَّانِي ثمَّ يُفَسر ذَلِك بِمَا زَاد على النّصْف وَإِن كَانَت الْعَادة فِيهِ خلاف ذَلِك
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ جَوَاز الِاسْتِثْنَاء يعْتَبر بِمَا يعتادونه من كَلَامهم من ضم الْمَجْهُول إِلَى الْجُمْلَة واستثنائه مِنْهَا لوَجَبَ أَن لَا يجوز اسْتثِْنَاء الشَّيْء الْيَسِير من الْجُمْلَة فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ فِي الْعَادة عَليّ عشرَة إِلَّا شَيْئا ويريدون بِهِ اسْتثِْنَاء أَرْبَعَة مِنْهَا وَلما أجمعنا على جَوَاز اسْتثِْنَاء أَرْبَعَة من الْعشْرَة دلّ على بطلَان مَا ذَكرُوهُ
стр. 156
مَسْأَلَة ٤
إِذا تعقب الِاسْتِثْنَاء جملا عطف بَعْضهَا على بعض رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجَمِيع
стр. 157
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة يرجع إِلَى أقرب الْمَذْكُور فَقَط
وَقَالَ الأشعرية هُوَ مَوْقُوف على الدَّلِيل
لنا هُوَ أَن الِاسْتِثْنَاء معنى يَقْتَضِي التَّخْصِيص لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَإِذا تعقب جملا رَجَعَ إِلَى الْجَمِيع كالشرط وَهُوَ إِذا قَالَ امْرَأَتي طَالِق وعبدي حر وَمَالِي صَدَقَة إِن شَاءَ الله كَانَ هَذَا الشَّرْط يرجع إِلَى الْجَمِيع فَكَذَلِك الِاسْتِثْنَاء
وَلِأَن مَا جَازَ أَن يرجع إِلَى كل وَاحِدَة من الْجمل إِذا انْفَرَدت عَاد إِلَى جَمِيعهَا إِذا عطف بَعْضهَا على بعض كالشرط الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَيبين صِحَة هَذَا هُوَ أَن الِاسْتِثْنَاء فِي معنى الشَّرْط أَلا ترى أَنه لَا فرق بَين قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ وَإِنَّمَا اخْتلف لَفْظهمَا فَإِذا رَجَعَ الشَّرْط إِلَى الْجَمِيع وَجب أَن يرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجَمِيع
стр. 158
وَلِأَنَّهُ يصلح عوده إِلَى كل وَاحِدَة من الْجمل وَلَيْسَ بَعْضهَا بِأولى من الْبَعْض فَوَجَبَ أَن يرجع إِلَى الْجَمِيع كالعموم لما صلح لَفظه لكل وَاحِد من الجنسين وَلم يكن بعضهما بِأولى من الْبَعْض حمل على الْكل كَذَلِك هَاهُنَا
وَلِأَن الْمَعْطُوف بِالْوَاو كالمذكور جملَة وَاحِدَة يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَا فرق بَين أَن يَقُول اقْتُلُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَبَين أَن يَقُول اقْتُلُوا الْمُشْركين
ثمَّ ثَبت أَن الِاسْتِثْنَاء إِذا تعقب الْمَذْكُور جملَة عَامَّة رَجَعَ إِلَى الْجَمِيع مثل أَن يَقُول اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا من أدّى الْجِزْيَة فَكَذَلِك إِذا أفرد بَعْضهَا عَن بعض وَعطف بِالْوَاو
فَإِن قيل فرق بَين الْمَذْكُور جملَة وَاحِدَة وَبَين الْمَعْطُوف بِالْوَاو أَلا ترى لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَة يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِلَّا تَطْلِيقَة لم يَصح
قُلْنَا هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا وَجْهَان فَلَا نسلم على أَحدهمَا
وَإِن سلمنَا فَلِأَن هُنَاكَ لَا يجوز أَن ترد إِلَى كل وَاحِد من الْجُمْلَة عِنْد الِانْفِرَاد فَكَذَلِك لَا يجوز عِنْد الِاجْتِمَاع وَفِي مَسْأَلَتنَا بِخِلَافِهِ
فَإِن قيل إِذا ذكر جملَة عَامَّة ثمَّ اسْتثِْنَاء لم يفصل بَين الِاسْتِثْنَاء والمستثنى مِنْهُ بِمَا يمْنَع الرُّجُوع وَإِذا عطف بَعْضهَا على بعض فقد فصل بَين الِاسْتِثْنَاء وَالْجُمْلَة الأولى بِمَا يمْنَع الرُّجُوع وَهُوَ الْجُمْلَة المعطوفة
قيل الْوَاو تَقْتَضِي الْجمع والتشريك وَالْمَذْكُور بالْعَطْف كالمجموع بِلَفْظ عَام فَإِذا رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء فِي أَحدهمَا إِلَى الْجَمِيع فَكَذَلِك فِي الآخر
стр. 159
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ فصل بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَة بَين الْجُمْلَة الأولى وَبَين الِاسْتِثْنَاء فَلم يرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا كَمَا لَو فصل بَينهمَا بِقطع الْكَلَام وإطالة السُّكُوت
قُلْنَا الْفَصْل بَين الْجُمْلَة وَالِاسْتِثْنَاء بالْكلَام لَا يمْنَع من عود الِاسْتِثْنَاء وَإِن كَانَ الْفَصْل بالإطالة وَالسُّكُوت يمْنَع أَلا ترى أَنه لَو فصل بَين الْجُمْلَة وَالِاسْتِثْنَاء بالْخبر بِأَن يَقُول أعْط بني تَمِيم وَبني طَيء كل وَاحِد دِينَارا إِلَّا الْكفَّار لم يمْنَع ذَلِك من رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجَمِيع وَلم يَجْعَل ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا لَو فصل بَينهمَا بِالسُّكُوتِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء تعقب جملتين فَلم يرجع بِظَاهِرِهِ إِلَيْهِمَا كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا ثَلَاثًا إِلَّا أَرْبعا
قُلْنَا إِنَّمَا يرجع فِيمَا ذَكرُوهُ إِلَى الْجَمِيع لِأَن الِاسْتِثْنَاء يرفع الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهَاهُنَا لَا يرفع الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يدلك عَلَيْهِ أَن فِيمَا ذَكرُوهُ لَو انْفَرَدت كل وَاحِدَة من هَذِه الْجمل وتعقبها الِاسْتِثْنَاء لم يرجع إِلَيْهَا وَهَاهُنَا لَو انْفَرَدت كل وَاحِدَة من هَذِه الْجمل وتعقبها الِاسْتِثْنَاء رَجَعَ إِلَيْهَا فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
قَالُوا وَلِأَن الْعُمُوم قد ثَبت فِي كل وَاحِدَة من هَذِه الْجمل وتعقبها الِاسْتِثْنَاء وَتَخْصِيص جَمِيعهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِالشَّكِّ
قُلْنَا لَا نسلم ثُبُوت الْعُمُوم مَعَ اتِّصَال الِاسْتِثْنَاء بالْكلَام ثمَّ هَذَا يبطل بِالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَة إِذا تناولت أَشْيَاء ثمَّ تعقبها اسْتثِْنَاء بِأَن الْعُمُوم قد ثَبت لكل وَاحِدَة من الْجمل على زعمهم ثمَّ الِاسْتِثْنَاء يعود إِلَى الْجَمِيع
وعَلى أَنا نعارضهم بِمثلِهِ فَنَقُول الْقدر الَّذِي حصل عَلَيْهِ الْوِفَاق أصل دَاخل فِي عُمُوم الجملتين بِيَقِين وَهُوَ لم يتَنَاوَلهُ الِاسْتِثْنَاء بِالْإِجْمَاع وَمَا زَاد عَلَيْهِ مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ
стр. 160
قَالُوا وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا رد إِلَى مَا تقدم لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَإِذا رد إِلَى مَا يَلِيهِ اسْتَقل فَلم تجز الزِّيَادَة عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل
قُلْنَا هَذَا بَاطِل بِالشّرطِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا علق على مَا يتَّصل بِهِ من الْكَلَام لِأَنَّهُ لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَإِذا رد إِلَى مَا يَلِيهِ اسْتَقل ثمَّ لَا يقْتَصر عَلَيْهِ
قَالُوا لِأَنَّهُ لَو قَالَ امْرَأَتي طَالِق وَأعْطِ فلَانا عشرَة دَرَاهِم إِن دخل الدَّار لم يرجع إِلَى الطَّلَاق فَكَذَلِك هَاهُنَا
قُلْنَا فِيمَا ذكرْتُمْ عدل عَن لفظ الْخَبَر إِلَى الْأَمر وَقطع حكم الْكَلَام الأول فروعي حكم الشَّرْط فِيمَا اسْتَأْنف وَلَيْسَ كَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا فَإِنَّهُ لم يقطع مَا تقدم بِغَيْرِهِ فوزانه من الشَّرْط أَن يَقُول امْرَأَتي طَالِق وَلفُلَان على عشر دَرَاهِم إِن دخلا الدَّار فَيرجع الشَّرْط إِلَى الْجَمِيع
وَاحْتج من ذهب إِلَى الْوَقْف بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون عَائِدًا إِلَى الْبَعْض وَيجوز أَن يكون عَائِدًا إِلَى الْجَمِيع فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ
قُلْنَا هُوَ وَإِن احْتمل أَن يكون عَائِدًا إِلَى الْبَعْض إِلَّا أَن عوده إِلَى الْكل هُوَ الظَّاهِر وَقد دللنا عَلَيْهِ فَوَجَبَ حمل الْكَلَام عَلَيْهِ وَإِن احْتمل غَيره
стр. 161
مسَائِل الْمُجْمل والمفصل
مَسْأَلَة ١
فِي الْقُرْآن مجَاز
وَقَالَ بعض أهل الظَّاهِر لَيْسَ فِي الْقُرْآن مجَاز
стр. 162
لنا هُوَ أَن الْمجَاز مَا تجوز عَن مَوْضُوعه إِمَّا بِزِيَادَة أَو نُقْصَان أَو تَقْدِيم أَو تَأْخِير أَو اسْتِعَارَة وَقد وجد جَمِيع ذَلِك فِي الْقُرْآن
فَالزِّيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَالْمرَاد لَيْسَ مثله شَيْء
وَالنُّقْصَان كَقَوْلِه ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَالْمرَاد بِهِ أهل الْقرْيَة
والتقديم وَالتَّأْخِير كَقَوْلِه ﴿وَالَّذِي أخرج المرعى فَجعله غثاء أحوى﴾ وَالْمرَاد بِهِ أخرج المرعى أحوى فَجعله غثاء
والاستعارة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَعبر عَن شدَّة الْحَال بكشف السَّاق لِأَن عِنْد الشدائد يكْشف عَن السَّاق
وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن أَكثر من أَن يُحْصى
وَقد ألزم أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج ابْن دَاوُد فِي المناظرة لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لهدمت صوامع وَبيع وصلوات ومساجد﴾ فَعبر عَن الصَّلَوَات بالمساجد لِأَن الصَّلَوَات لَا يَتَأَتَّى هدمها
стр. 163
وألزمه قَوْله تَعَالَى ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ والإرادة لَا تصح من الْجِدَار فَلم يجد عَن ذَلِك محيصا
وَاحْتَجُّوا بِأَن اسْتِعْمَال الْمجَاز لموْضِع الضَّرُورَة وَتَعَالَى الله بِأَن يُوصف بالاضطرار
وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن اسْتِعْمَال الْمجَاز لموْضِع الضَّرُورَة بل ذَلِك عَادَة الْعَرَب فِي الْكَلَام وَهُوَ عِنْدهم مستحسن وَلِهَذَا تراهم يستعملون ذَلِك فِي كَلَامهم مَعَ الْقُدْرَة على الْحَقِيقَة وَالْقُرْآن نزل بلغتهم فَجرى الْأَمر فِيهِ على عَادَتهم
قَالُوا الْقُرْآن كُله حق وَلَا يجوز أَن يكون حَقًا وَلَا يكون حَقِيقَة
وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ الْحق من الْحَقِيقَة بسبيل بل الْحق فِي الْكَلَام أَن يكون صدقا وَأَن يجب الْعَمَل بِهِ والحقيقة أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ فِيمَا وضع لَهُ سَوَاء كَانَ ذَلِك صدقا أَو كذبا وَيدل عَلَيْهِ أَن قَول النَّصَارَى ﴿الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَهُوَ حَقِيقَة فِيمَا أرادوه وَقَوله ﵇ لرجاله يَا أَنْجَشَة ارْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ وَلَيْسَ بِحَقِيقَة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ وَهُوَ صدق وَحقّ فَدلَّ على أَن أَحدهمَا غير الآخر
стр. 164
مَسْأَلَة ٢
لَيْسَ فِي الْقُرْآن شَيْء غير الْعَرَبيَّة
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين فِي الْقُرْآن كَلِمَات بِغَيْر الْعَرَبيَّة كالمشكاة
стр. 165
والقسطاس والسجيل والإستبرق وَغير ذَلِك
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي﴾ وَهَذَا نَص فِي أَنه لَيْسَ فِيهِ غير الْعَرَبِيّ
وَلِأَن الله تَعَالَى جعل الْقُرْآن معْجزَة نبيه ﷺ وَدلَالَة صدقه ليتحداهم بِهِ فَلَو كَانَ فِيهِ غير الْعَرَبِيّ لما صَحَّ التحدي بِهِ لِأَن الْكفَّار يَجدونَ إِلَى رده طَرِيقا بِأَن يَقُولُوا أَن فِيمَا أتيت بِهِ غير الْعَرَبِيّ وَنحن لَا نقدر على كَلَام بعضه عَرَبِيّ وَبَعضه عجمي وَإِنَّمَا نقدر على مُعَارضَة الْعَرَبِيّ الْمَحْض
وَاحْتَجُّوا بِأَنا وجدنَا فِي كتب الله تَعَالَى ألفاظا بِغَيْر الْعَرَبيَّة كالمشكاة كوَّة بالهندبة والإستبرق والسجيل بِالْفَارِسِيَّةِ وَرُبمَا قَالُوا إِن فِيهِ مَا لَا يعرفهُ الْعَرَب وَهُوَ الْأَب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ فَدلَّ على أَن فِيهِ غير الْعَرَبِيّ
стр. 166
وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم فِيهِ كَلِمَات بِغَيْر الْعَرَبيَّة بل كل ذَلِك بلغَة الْعَرَب وَإِنَّمَا وافقتها الْفرس والهند فِي النُّطْق بهَا كَمَا وافقوا فِي كثير من كَلَامهم فَيَقُولُونَ حراج مَكَان السراج والشراويل مَكَان السَّرَاوِيل وَالْفرس يَقُولُونَ فِي السَّمَاء اسمان وَفِي الْجبَال أوجبا وَغير ذَلِك من الْأَسْمَاء
وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الله تَعَالَى أضَاف ذَلِك إِلَيْهِم فَدلَّ على أَنهم سبقوا إِلَى ذَلِك وتبعهم الْفرس والهند
وَقَوْلهمْ إِن فِيهِ مَا لَا تعرفه الْعَرَب وَهُوَ الْأَب غلط فَإِن الْأَب الْحَشِيش فَلَيْسَ إِذا لم يعرفهُ بَعضهم خرج أَن يكون ذَلِك لُغَة الْعَرَب
لِأَن لُغَة الْعَرَب أوسع اللُّغَات فَيجوز أَن يخفى بَعْضهَا على بعض لكثرتها وَلِهَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ لم أعلم أَن معنى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ حَتَّى سَمِعت امْرَأَة تَقول أَنا فطرته فَعلمت أَنه أَرَادَ بِهِ منشىء السَّمَوَات وَالْأَرْض
قَالُوا وَأَيْضًا فَإِن النَّبِي ﷺ مَبْعُوث إِلَى الكافة فَيجب أَن يكون فِي الْكتاب من كل لُغَة
قُلْنَا فَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون فِيهِ من جَمِيع اللُّغَات من الزنجية والتركية والرومية وَفِي إجماعنا على خلاف هَذَا دَلِيل على بطلَان مَا قَالُوهُ
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ يجب أَن يكون فِيهِ من هَذِه اللُّغَات قدرا يعلم بِهِ المُرَاد وَيَقَع بِهِ التَّبْلِيغ فَأَما هَذِه الْكَلِمَات الشاذة فَلم يعلم بهَا شَيْء وَلَا يَقع بهَا بَيَان
وَلِأَنَّهُ وَإِن كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الكافة إِلَّا أَن الْقَصْد إعجاز الْعَرَب فَإِنَّهُم أهل
стр. 167
اللِّسَان والفصاحة وَالْبَيَان فَإِذا ظهر عجزهم عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ دلّ على أَن غَيرهم عَن ذَلِك أعجز وَثَبت صدقه فِي حق الْجَمِيع وعَلى هَذَا التَّرْتِيب أجْرى الله تَعَالَى أَمر معجزات الْأَنْبِيَاء فَبعث مُوسَى إِلَى أحذق النَّاس بِالسحرِ فِي زمَان كَانُوا يدعونَ السحر فَجعل معجزته من جنس يَدعُونَهُ حَتَّى إِذا عجزوا عَن مثله دلّ على أَن غَيرهم أعجز
وَبعث عِيسَى ﷺ فِي زمن الْأَطِبَّاء وَجعل معجزته من جنس مَا يتعاطونه حَتَّى إِذا اعْتَرَفُوا بِالْعَجزِ عَن مثله دلّ على أَن غَيرهم عَن ذَلِك أعجز
فَكَذَلِك هَاهُنَا لما أَن كَانَت الْعَرَب فِي ذَلِك الزَّمَان أفْصح النَّاس لِسَانا وَأَحْسَنهمْ بَيَانا جعل المعجزة من جنس مَا كَانُوا يَدعُونَهُ ليَكُون ذَلِك أظهر فِي الإعجاز وَأبين فِي الدَّلِيل
стр. 168
مَسْأَلَة ٣
يجوز أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ الْوَاحِد مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ كالأقراء يُرَاد بِهِ الْحيض وَالطُّهْر واللمس يُرَاد بِهِ الْجِمَاع واللمس بِالْيَدِ وَبِه قَالَ أَبُو عَليّ الجبائي
وَقَالَ أَصْحَاب أَبُو حنيفَة لَا يجوز أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ الْوَاحِد مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ وَهُوَ قَول أبي هَاشم
стр. 169
لنا أَن كل مَعْنيين جَازَ إرادتهما بلفظين جَازَ إرادتهما بِلَفْظ يصلح لَهما كالمعنيين المتفقين وَذَلِكَ أَن تَقول إِذا أحدثت فَتَوَضَّأ تُرِيدُ بِهِ الْبَوْل وَالْغَائِط
وَلِأَن الْمَنْع من ذَلِك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاعهمَا فِي الْإِرَادَة كاستحالة الْعُمُوم وَالْخُصُوص والإيجاب والإسقاط أَو لِأَن اللَّفْظ لَا يصلح لَهما وَلَا يجوز أَن يكون للْوَجْه الأول لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيل أَن يُرِيد بقوله ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ الملامستين وَلَا أَن يُرِيد بقوله ثَلَاثَة أَقراء كلا الْقُرْأَيْنِ وَلِهَذَا يَصح أَن يُصَرح بهما فَيَقُول إِذا لمست بِالْيَدِ وجامعت فَتطهر وَإِذا طلقت فاعتدي بِثَلَاثَة أَقراء من الْحيض وَالطُّهْر
وَلَا يجوز أَن يكون لِأَن اللَّفْظ لَا يصلح لَهما لِأَن اللَّفْظ يصلح لَهما إِمَّا على سَبِيل الْحَقِيقَة أَو على سَبِيل الْمجَاز فَلم يكن للْمَنْع مِنْهُ وَجه
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْعبارَة الْوَاحِدَة لَا يجوز أَن يُرَاد بهَا مَا وضعت لَهُ حَقِيقَة وَمَا لم تُوضَع لَهُ حَقِيقَة وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُرَاد بِلَفْظ الْأَمر الْإِيجَاب والتهديد فَكَذَلِك هَاهُنَا
قُلْنَا هَذَا يبطل بِالْمَاءِ الْمَذْكُور فِي آيَة التَّيَمُّم فَإِن الْمُخَالف لنا فِي هَذَا حمله على المَاء والنبيذ وَهُوَ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا دون الآخر
فَأَما الْإِيجَاب والتهديد فَلَا يجوز اجْتِمَاعهمَا فِي الْإِرَادَة فِي شَيْء وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة بل عَلَيْهِ أَنه لَا يصلح أَن يُصَرح بهما جَمِيعًا وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ يصلح اجْتِمَاعهمَا فِي الْإِرَادَة على مَا بَيناهُ وَاللَّفْظ يصلح لَهما فصح إرادتهما كالمعنيين المتفقين
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يُرَاد بِلَفْظ وَاحِد مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ لجَاز أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ الْوَاحِد تَعْظِيم الرجل وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ وَلما لم يجز ذَلِك لم يجز هَذَا
قُلْنَا التَّعْظِيم وَالِاسْتِخْفَاف مَعْنيانِ متضادان وَلَا تصح إرادتهما بِاللَّفْظِ
стр. 170
الْوَاحِد وَلِهَذَا لَو صرح بِمَا يَقْتَضِي الاستخفاف والتعظيم فِي حَالَة وَاحِدَة لما صَحَّ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُمَا لَا يتضادان فِي الْإِرَادَة أَلا ترى أَنه لَو صرح بهما فِي لفظين جَازَ ذَلِك فَبَان الْفرق بَينهمَا
قَالُوا وَلِأَن طَرِيق هَذَا اللُّغَة وَلم نر أهل اللُّغَة استعملوا اللَّفْظ الْوَاحِد فِي مَعْنيين مُخْتَلفين فِي أَحدهمَا حَقِيقَة وَفِي الآخر مجَازًا وَفِي أَحدهمَا صَرِيحًا وَفِي الآخركناية فَدلَّ على أَن ذَلِك لَا يجوز
قُلْنَا لَا نسلم فَإِن ذَلِك فِي الِاسْتِعْمَال ظَاهر أَلا ترى أَنه يَصح أَن يَقُول من لم يلمس امْرَأَته فَلَا طهر عَلَيْهِ وَيُرِيد بِهِ نفي جنس اللَّمْس فِي الْجِمَاع وَمَا دونه وَإِذا صَحَّ ذَلِك فِي النَّفْي صَحَّ فِي الْإِثْبَات إِذْ لَا فرق بَينهمَا
وَيدل عَلَيْهِ أَنه يجوز أَن يَقُول نهيتك عَن مَسِيس النِّسَاء وَيُرِيد بِهِ اللَّمْس بِالْيَدِ وَالْجِمَاع وَإِن كَانَ لمعنيين مُخْتَلفين فَدلَّ أَن ذَلِك جَائِز
стр. 171
مَسْأَلَة ٤
الْعُمُوم إِذا دخله التَّخْصِيص لم يصر مُجملا وَيصِح الِاحْتِجَاج بِهِ فِيمَا بَقِي من اللَّفْظ وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة
وَقَالَ عِيسَى بن أبان إِذا دخله التَّخْصِيص صَار مُجملا فَلَا يجوز التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ وَحكى ذَلِك عَن أبي ثَوْر
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي إِذا خص بِالِاسْتِثْنَاءِ أَو بِكَلَام مُتَّصِل
стр. 172
صَحَّ التَّعَلُّق بِهِ وَإِن خص بِدَلِيل مُنْفَصِل لم يَصح التَّعَلُّق بِهِ وَقَالَ أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ إِن كَانَ الحكم الَّذِي يتَنَاوَلهُ الْعُمُوم يحْتَاج إِلَى شَرَائِط وأوصاف لَا ينبىء اللَّفْظ عَنْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ صَار مُجملا وَجرى فِي الْحَاجة إِلَى الْبَيَان مجْرى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ فَلَا يحْتَج بِهِ إِلَّا بِدَلِيل
لنا أَن فَاطِمَة ﵂ احتجت على أبي بكر الصّديق ﵁ بقوله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وَلم يُنكر أَبُو بكر وَلَا أحد من الصَّحَابَة احتجاجها بِالْآيَةِ وَإِن كَانَ قد دَخلهَا التَّخْصِيص فِي الرَّقِيق وَالْكَافِر وَالْقَاتِل
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ دُخُول التَّخْصِيص فِي اللَّفْظ يمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ لوَجَبَ التَّوَقُّف فِي
стр. 173
كل مَا يرد من أَلْفَاظ الْعُمُوم لِأَنَّهُ مَا من خطاب إِلَّا وَقد اعْتبر فِي إِثْبَات حكمه صِفَات فِي الْمُخَاطب من تَكْلِيف وإيمان وَغير ذَلِك فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى قَول أهل الْوَقْف وَقد أجمعنا على بطلَان قَول أهل الْوَقْف
فَإِن قيل أَنْتُم أَيْضا توقفتم فِي الْعُمُوم على تعرف مَا يُوجب تَخْصِيصه وَلم يصر ذَلِك فِي معنى قَول أهل الْوَقْف
قُلْنَا نَحن نتوقف فِي الْخطاب إِلَى غَايَة وَهُوَ إِلَى أَن ينظر فِي الْأُصُول فَإِذا لم نجد مَا يخصصه حملناه على الْعُمُوم وَأَنْتُم تتوقفون فِي كل مَا يرد من الْعُمُوم فَلَا تَعْمَلُونَ بِهِ إِلَّا بأدلة فَصَارَ ذَلِك كَقَوْل أهل الْوَقْف
وَأما الدَّلِيل على الْبَصْرِيّ فَهُوَ أَن الْمُجْمل مَا لَا يعقل المُرَاد من لَفظه وَمَا يُرَاد بِآيَة السّرقَة مَعْقُول من ظَاهر اللَّفْظ فَصَارَ بِمَنْزِلَة قَوْله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾
وَلِأَن هَذَا الْخطاب لَو حملناه على ظَاهره لم نخطىء إِلَّا فِي ضم مَا لم يرد على مَا أُرِيد فَإِذا بَين مَا لم يرد بَقِي على ظَاهره فِي الْبَاقِي فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ وَالْعَمَل بِهِ كَمَا تَقول فِي سَائِر العمومات
وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذَا مَبْنِيّ على أصلنَا وَهُوَ أَن الْعُمُوم إِذا خص صَار مجَازًا وَقد دللنا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه فَإِذا ثَبت هَذَا لم يكن حمله على بعض الْوُجُوه بِأولى من الْبَعْض فَوَجَبَ أَن يفْتَقر إِلَى الْبَيَان
стр. 174
وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم هَذَا الأَصْل وَقد بَينا الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه فأغنى عَن الْإِعَادَة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا دخله التَّخْصِيص لم يُوجب حكمه فَبَطل الِاحْتِجَاج بِهِ كَمَا قُلْتُمْ فِي الْعِلَل
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا علينا فَهُوَ دَلِيل عَلَيْكُم فَإِن تَخْصِيص الْعِلَل لَا يمْنَع الِاحْتِجَاج بهَا عِنْدهم فَيجب أَن يكون تَخْصِيص الْعُمُوم لَا يمْنَع من الِاحْتِجَاج بِهِ
وعَلى أَن عندنَا إِنَّمَا لم يجز الِاحْتِجَاج بِمَا خص من الْعِلَل لِأَنَّهَا تظهر من جِهَة الْمُسْتَدلّ وَلَا يعلم صِحَّتهَا إِلَّا بِدَلِيل وَلَا شَيْء يدل عَلَيْهِ إِلَّا السَّلامَة والجريان وَلَيْسَ كَذَلِك الْعُمُوم فَإِنَّهُ يظْهر من جِهَة صَاحب الشَّرْع فَلَا يحْتَاج فِي صِحَّته إِلَى دَلِيل فَافْتَرقَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا دخل التَّخْصِيص صَار كَأَنَّهُ أورد لفظ الْعُمُوم ثمَّ قَالَ أردْت بِهِ بعض مَا يتَنَاوَلهُ وَمَا هَذَا سَبيله لَا يحْتَج بِهِ فِيمَا أُرِيد بِهِ كَمَا تَقول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن بعض الظَّن إِثْم﴾ فَإِنَّهُ لَا يعلم من لَفظه مَا فِيهِ إِثْم إِلَّا بِدَلِيل
قُلْنَا إِنَّمَا لم يعلم المُرَاد من الْآيَة الَّتِي ذكروها لِأَنَّهُ علق ذَلِك على بعض مَجْهُول فاحتيج فِي مَعْرفَته إِلَى دَلِيل آخر وَفِي مَسْأَلَتنَا علق الحكم على لفظ يعلم مِنْهُ الْجِنْس فَإِذا تبين مَا لَيْسَ بِمُرَاد بَقِي الْبَاقِي على ظَاهره
وَاحْتج الْبَصْرِيّ بِأَن آيَة السّرقَة لَا يُمكن الْعَمَل بهَا حَتَّى تنضم إِلَيْهَا شَرَائِط لَا ينبىء اللَّفْظ عَنْهَا وَالْحَاجة إِلَى بَيَان الشَّرَائِط الَّتِي يتم بهَا الحكم كالحاجة إِلَى بَيَان الحكم وَقد ثَبت أَن مَا يفْتَقر إِلَى بَيَان الحكم مُجمل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ فَكَذَلِك مَا يفْتَقر إِلَى شَرَائِط الحكم
стр. 175
وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ فَإِنَّهُ لَا يُمكن الْعَمَل بهَا حَتَّى يَنْضَم إِلَيْهَا شَرَائِط لَا ينبىء اللَّفْظ عَنْهَا كالعقل وَالْبُلُوغ وَغير ذَلِك ثمَّ لَا يَجْعَل الْحَاجة إِلَى ذَلِك كالحاجة إِلَى بَيَان المُرَاد فِي الْإِجْمَال
فَإِن قيل تِلْكَ الْآيَة إِنَّمَا تفْتَقر إِلَى بَيَان من لَا يُرَاد بهَا من الصّبيان والمجانين فَحملت فِي الْبَاقِي على ظَاهرهَا وَهَاهُنَا تفْتَقر إِلَى بَيَان مَا أُرِيد بِالْآيَةِ من شَرَائِط الْقطع وَلِهَذَا اشْتغل الْفُقَهَاء بِذكر شَرَائِط الْقطع دون مَا يسْقط الْقطع فَافْتَرقَا
قيل لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ فَإِن آيَة السّرقَة أَيْضا تفْتَقر إِلَى بَيَان مَا لَا يُرَاد وَهُوَ من سرق دون النّصاب أَو سرق من غير حرز أَو كَانَ والدا أَو ولدا
وَأما مَا ذكر الْفُقَهَاء فِيهِ شَرَائِط الْقطع فَلَا اعْتِبَار بِهِ فَإِنَّهُم يسلكون فِي ذَلِك طَرِيق الِاخْتِصَار فَيذكرُونَ الشَّرَائِط الَّتِي يتَعَلَّق بهَا الْقطع لتعرف بذلك من لَا يجب عَلَيْهِ الْقطع وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بِمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ وَمَا أخرج مِنْهُ وَمَعْلُوم أَن الظَّاهِر يَقْتَضِي وجوب الْقطع على كل من سرق وَدلّ الدَّلِيل إِنَّمَا دلّ على إِخْرَاج من لَيْسَ بِمُرَاد من صبي أَو مَجْنُون ووالد وَولد وَغير ذَلِك فَصَارَ ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا ذَكرْنَاهُ من آيَة الْقَتْل الَّتِي تَقْتَضِي بظاهرها إِيجَاب الْقَتْل على كل مُشْرك ثمَّ دلّ على الدَّلِيل على من لَيْسَ بِمُرَاد مِنْهَا
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ فَفِيهِ وَجْهَان من أَصْحَابنَا من قَالَ هِيَ عَامَّة فَتحمل على كل دُعَاء إِلَّا مَا أخرجه الدَّلِيل وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا مجملة وتفتقر إِلَى بَيَان فعلى هَذَا الْفرق بَينهمَا أَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ لَا يصلح لَهُ اللَّفْظ وَلَا يدل عَلَيْهِ وَمَا يُرَاد بالسارق يصلح لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَيعْقل مِنْهُ
أَلا ترى أَنه إِذا أخرج من آيَة السّرقَة من لَا يُرَاد قطعه أمكن قطع من أُرِيد
стр. 176
قطعه بِظَاهِر الْآيَة وَإِذا أخرج من آيَة الصَّلَاة من لَيْسَ بِمُرَاد لم يُمكن أَن يحمل على المُرَاد بِالْآيَةِ فَافْتَرقَا
وَرُبمَا احْتج بِأَن الْقطع يحْتَاج إِلَى أَوْصَاف سوى السّرقَة من النّصاب والحرز وَغير ذَلِك فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو احْتَاجَ إِلَى فعل غير السّرقَة وَلَو افْتقر إِيجَاب الْقطع إِلَى فعل غير السّرقَة لم يُمكن التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ فَكَذَلِك إِذا افْتقر إِلَى أَوْصَاف سوى السّرقَة
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يبطل بِآيَة الْقَتْل فَإِنَّهَا تفْتَقر إِلَى أَوْصَاف غير الشّرك كالبلوغ وَالْعقل وَغير ذَلِك ثمَّ لَا يضر ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا لَو احْتَاجَ الْقَتْل إِلَى فعل آخر فِي إِجْمَال الْآيَة وَالْمَنْع من التَّعَلُّق بهَا وَيُخَالف هَذَا إِذا افْتقر الحكم إِلَى فعل آخر فَإِن هُنَاكَ لَو خلينا وَظَاهر الْآيَة لم يُمكن لنفيد شَيْئا من الْأَحْكَام فافتقر أَصْلهَا إِلَى الْبَيَان وَهَاهُنَا لَو خلينا وَالظَّاهِر لم نخطىء إِلَّا فِي ضم مَا لم يرد إِلَى مَا أُرِيد بِاللَّفْظِ فَعلمنَا أَنه ظَاهر فِي الْبَاقِي
стр. 177
مَسْأَلَة ٥
يَصح الِاحْتِجَاج بِعُمُوم اللَّفْظ وَإِن اقْترن بِذكر الْمَدْح أَو الذَّم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون﴾ وَقَوله ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا إِذا قرن بِذكر الْمَدْح أَو الذَّم صَار مُجملا فَلَا يحْتَج بِعُمُومِهِ
لنا هُوَ أَن صِيغَة الْعُمُوم قد وجدت متجردة عَن دلَالَة التَّخْصِيص فَأشبه إِذا تجردت عَن ذكر الْمَدْح أَو الذَّم
وَلِأَن اقتران الْمَدْح بِهِ لَا يُنَافِي الْقَصْد إِلَى بَيَان الحكم فَلم يمْنَع التَّعَلُّق بِعُمُومِهِ كاقتران حكم آخر بِهِ
стр. 178
وَلِأَن اقتران الْمَدْح بِهِ يُؤَكد حكم الْإِبَاحَة واقتران الذَّم يُؤَكد حكم التَّحْرِيم فَهُوَ بِجَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ أولى
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اقتران ذكر الْمَدْح بِهِ يمْنَع من حملهَا على الْعُمُوم لَكَانَ اقتران ذكر الْعقَاب بِهِ يمْنَع من ذَلِك وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال التَّعَلُّق بِآيَة السّرقَة والربا وَغَيرهمَا من العمومات
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقَصْد من هَذِه الْآيَات الْمَدْح والذم على الْفِعْل دون بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم من الشَّرَائِط والأوصاف فَلَا يجوز التَّعَلُّق بعمومها فِيمَا يستباح وَفِيمَا تجب فِيهِ الزَّكَاة كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ لما كَانَ الْقَصْد بِهَذَا بَيَان إِيجَاب حق من الزَّرْع لم يجز الِاحْتِجَاج بِعُمُومِهِ بالمقدار وَالْجِنْس
وَالْجَوَاب هُوَ أَن لَا نسلم أَن الْقَصْد بهَا هُوَ الْمَدْح دون الحكم بل الْقَصْد بهَا بَيَان الْجَمِيع لِأَن الْمَقَاصِد إِنَّمَا تعلم بالألفاظ وَقد وجدنَا اللَّفْظ فيهمَا وَالظَّاهِر أَنه قصدهما
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يُقَال أَن ذكر الْمَدْح يمْنَع من كَون الحكم مَقْصُودا جَازَ أَن يقلب ذَلِك عَلَيْهِم فَيُقَال أَن ذكر الحكم يمْنَع كَون الْمَدْح مَقْصُودا وَهَذَا بَاطِل بِالْإِجْمَاع فَبَطل مَا قَالُوهُ
стр. 179
مَسْأَلَة ٦
الْوضُوء وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج أَسمَاء منقولة من اللُّغَة إِلَى معَان وَأَحْكَام شَرْعِيَّة إِذا أطلقت حملت على تِلْكَ الْأَحْكَام والمعاني
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِنَّه لم ينْقل شَيْء من ذَلِك عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا ورد الشَّرْع بشرائط وَأَحْكَام مُضَافَة إِلَى مَا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَهُوَ قَول الأشعرية
стр. 180
لنا هُوَ أَن هَذِه الْأَسْمَاء إِذا أطلقت لم يعقل مِنْهَا إِلَّا هَذِه الْعِبَادَات فِي الشَّرْع وَلِهَذَا يُقَال أحرم فلَان بِالصَّلَاةِ إِذا كبر وَأحرم بِالْحَجِّ إِذا نوى الْحَج وَإِن لم يَأْتِ بِشَيْء مِمَّا وضع لَهُ الِاسْم فِي اللُّغَة
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة عبارَة عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة من الدُّعَاء لوَجَبَ إِذا عرى عَن ذَلِك أَن لَا تسمى صَلَاة وَلما أجمعنا على تَسْمِيَة صَلَاة الْأَخْرَس صَلَاة وَإِن لم يَأْتِ فِيهَا بِشَيْء من الدُّعَاء دلّ على أَنه اسْم مَنْقُول
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الزَّكَاة فِي اللُّغَة هِيَ الزِّيَادَة والنماء وَلِهَذَا يَقُول الْعَرَب إِذا كثرت الْمُؤْتَفِكَات زكى الزَّرْع أَي إِذا كثرت الرِّيَاح زَاد الزَّرْع ثمَّ جعل فِي الشَّرْع اسْما لإِخْرَاج جُزْء من المَال وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَة نُقْصَان وَلَيْسَ بِزِيَادَة فَدلَّ على أَنه مَنْقُول
وَأَيْضًا هُوَ أَنه لما حدث فِي الشَّرْع عبادات وهيئات وأفعال وَلم يكن لَهَا اسْم فِي اللُّغَة دعت الْحَاجة إِلَى أَن يوضع لَهَا اسْم فِي الشَّرْع يعرف بهَا كَمَا وضع أهل الصَّنَائِع لكل مَا استحدثوه من الأدوات اسْما يعرفونها بِهِ عِنْد الْحَاجة إِلَى ذكرهَا
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَالصَّلَاة بِلِسَان الْعَرَب هِيَ الدُّعَاء وَالصَّوْم هُوَ الْإِمْسَاك وَالْحج هُوَ الْقَصْد فَإِذا ورد الشَّرْع وَجب أَن تحمل على مَا يَقْتَضِيهِ لِسَان الْعَرَب
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذِه الْآيَات تَقْتَضِي أَنه خاطبها بِلِسَان الْعَرَب وَنحن نقُول بذلك لِأَن هَذِه الْأَسْمَاء كلهَا عَرَبِيَّة وَالْخطاب بهَا خطاب بلغَة الْعَرَب وَلَيْسَ إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي غير مَا وَضعته الْعَرَب يخرج عَن أَن يكون خطابا بِلِسَان الْعَرَب أَلا ترى أَن الْحمار قد اسْتعْمل فِي غير مَا وَضعه الْعَرَب وَهُوَ الرجل البليد وَالْبَحْر فِي
следующие страницы →