← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 25787

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (521 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قطعه بِظَاهِر الْآيَة وَإِذا أخرج من آيَة الصَّلَاة من لَيْسَ بِمُرَاد لم يُمكن أَن يحمل على المُرَاد بِالْآيَةِ فَافْتَرقَا وَرُبمَا احْتج بِأَن الْقطع يحْتَاج إِلَى أَوْصَاف سوى السّرقَة من النّصاب والحرز وَغير ذَلِك فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو احْتَاجَ إِلَى فعل غير السّرقَة وَلَو افْتقر إِيجَاب الْقطع إِلَى فعل غير السّرقَة لم يُمكن التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ فَكَذَلِك إِذا افْتقر إِلَى أَوْصَاف سوى السّرقَة وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يبطل بِآيَة الْقَتْل فَإِنَّهَا تفْتَقر إِلَى أَوْصَاف غير الشّرك كالبلوغ وَالْعقل وَغير ذَلِك ثمَّ لَا يضر ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا لَو احْتَاجَ الْقَتْل إِلَى فعل آخر فِي إِجْمَال الْآيَة وَالْمَنْع من التَّعَلُّق بهَا وَيُخَالف هَذَا إِذا افْتقر الحكم إِلَى فعل آخر فَإِن هُنَاكَ لَو خلينا وَظَاهر الْآيَة لم يُمكن لنفيد شَيْئا من الْأَحْكَام فافتقر أَصْلهَا إِلَى الْبَيَان وَهَاهُنَا لَو خلينا وَالظَّاهِر لم نخطىء إِلَّا فِي ضم مَا لم يرد إِلَى مَا أُرِيد بِاللَّفْظِ فَعلمنَا أَنه ظَاهر فِي الْبَاقِي

стр. 177

مَسْأَلَة ٥ يَصح الِاحْتِجَاج بِعُمُوم اللَّفْظ وَإِن اقْترن بِذكر الْمَدْح أَو الذَّم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون﴾ وَقَوله ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا إِذا قرن بِذكر الْمَدْح أَو الذَّم صَار مُجملا فَلَا يحْتَج بِعُمُومِهِ لنا هُوَ أَن صِيغَة الْعُمُوم قد وجدت متجردة عَن دلَالَة التَّخْصِيص فَأشبه إِذا تجردت عَن ذكر الْمَدْح أَو الذَّم وَلِأَن اقتران الْمَدْح بِهِ لَا يُنَافِي الْقَصْد إِلَى بَيَان الحكم فَلم يمْنَع التَّعَلُّق بِعُمُومِهِ كاقتران حكم آخر بِهِ

стр. 178

وَلِأَن اقتران الْمَدْح بِهِ يُؤَكد حكم الْإِبَاحَة واقتران الذَّم يُؤَكد حكم التَّحْرِيم فَهُوَ بِجَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ أولى وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اقتران ذكر الْمَدْح بِهِ يمْنَع من حملهَا على الْعُمُوم لَكَانَ اقتران ذكر الْعقَاب بِهِ يمْنَع من ذَلِك وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال التَّعَلُّق بِآيَة السّرقَة والربا وَغَيرهمَا من العمومات وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقَصْد من هَذِه الْآيَات الْمَدْح والذم على الْفِعْل دون بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم من الشَّرَائِط والأوصاف فَلَا يجوز التَّعَلُّق بعمومها فِيمَا يستباح وَفِيمَا تجب فِيهِ الزَّكَاة كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ لما كَانَ الْقَصْد بِهَذَا بَيَان إِيجَاب حق من الزَّرْع لم يجز الِاحْتِجَاج بِعُمُومِهِ بالمقدار وَالْجِنْس وَالْجَوَاب هُوَ أَن لَا نسلم أَن الْقَصْد بهَا هُوَ الْمَدْح دون الحكم بل الْقَصْد بهَا بَيَان الْجَمِيع لِأَن الْمَقَاصِد إِنَّمَا تعلم بالألفاظ وَقد وجدنَا اللَّفْظ فيهمَا وَالظَّاهِر أَنه قصدهما وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يُقَال أَن ذكر الْمَدْح يمْنَع من كَون الحكم مَقْصُودا جَازَ أَن يقلب ذَلِك عَلَيْهِم فَيُقَال أَن ذكر الحكم يمْنَع كَون الْمَدْح مَقْصُودا وَهَذَا بَاطِل بِالْإِجْمَاع فَبَطل مَا قَالُوهُ

стр. 179

مَسْأَلَة ٦ الْوضُوء وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج أَسمَاء منقولة من اللُّغَة إِلَى معَان وَأَحْكَام شَرْعِيَّة إِذا أطلقت حملت على تِلْكَ الْأَحْكَام والمعاني وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِنَّه لم ينْقل شَيْء من ذَلِك عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا ورد الشَّرْع بشرائط وَأَحْكَام مُضَافَة إِلَى مَا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَهُوَ قَول الأشعرية

стр. 180

لنا هُوَ أَن هَذِه الْأَسْمَاء إِذا أطلقت لم يعقل مِنْهَا إِلَّا هَذِه الْعِبَادَات فِي الشَّرْع وَلِهَذَا يُقَال أحرم فلَان بِالصَّلَاةِ إِذا كبر وَأحرم بِالْحَجِّ إِذا نوى الْحَج وَإِن لم يَأْتِ بِشَيْء مِمَّا وضع لَهُ الِاسْم فِي اللُّغَة وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة عبارَة عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة من الدُّعَاء لوَجَبَ إِذا عرى عَن ذَلِك أَن لَا تسمى صَلَاة وَلما أجمعنا على تَسْمِيَة صَلَاة الْأَخْرَس صَلَاة وَإِن لم يَأْتِ فِيهَا بِشَيْء من الدُّعَاء دلّ على أَنه اسْم مَنْقُول وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الزَّكَاة فِي اللُّغَة هِيَ الزِّيَادَة والنماء وَلِهَذَا يَقُول الْعَرَب إِذا كثرت الْمُؤْتَفِكَات زكى الزَّرْع أَي إِذا كثرت الرِّيَاح زَاد الزَّرْع ثمَّ جعل فِي الشَّرْع اسْما لإِخْرَاج جُزْء من المَال وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَة نُقْصَان وَلَيْسَ بِزِيَادَة فَدلَّ على أَنه مَنْقُول وَأَيْضًا هُوَ أَنه لما حدث فِي الشَّرْع عبادات وهيئات وأفعال وَلم يكن لَهَا اسْم فِي اللُّغَة دعت الْحَاجة إِلَى أَن يوضع لَهَا اسْم فِي الشَّرْع يعرف بهَا كَمَا وضع أهل الصَّنَائِع لكل مَا استحدثوه من الأدوات اسْما يعرفونها بِهِ عِنْد الْحَاجة إِلَى ذكرهَا وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَالصَّلَاة بِلِسَان الْعَرَب هِيَ الدُّعَاء وَالصَّوْم هُوَ الْإِمْسَاك وَالْحج هُوَ الْقَصْد فَإِذا ورد الشَّرْع وَجب أَن تحمل على مَا يَقْتَضِيهِ لِسَان الْعَرَب وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذِه الْآيَات تَقْتَضِي أَنه خاطبها بِلِسَان الْعَرَب وَنحن نقُول بذلك لِأَن هَذِه الْأَسْمَاء كلهَا عَرَبِيَّة وَالْخطاب بهَا خطاب بلغَة الْعَرَب وَلَيْسَ إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي غير مَا وَضعته الْعَرَب يخرج عَن أَن يكون خطابا بِلِسَان الْعَرَب أَلا ترى أَن الْحمار قد اسْتعْمل فِي غير مَا وَضعه الْعَرَب وَهُوَ الرجل البليد وَالْبَحْر فِي

стр. 181

غير مَا وَضعته الْعَرَب وَهُوَ الرجل الْجواد وَلَا يخرج الْخطاب بذلك عَن أَن يكون خطابا بِلِسَان الْعَرَب فَكَذَلِك هَاهُنَا قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْأَسْمَاء شَيْء مَنْقُول لبينه النَّبِي ﷺ بَيَانا يَقع بِهِ الْعلم وَلَو فعل ذَلِك لعلمناه كَمَا علمْتُم وَلما لم يعلم ذَلِك دلّ على أَنه لم ينْقل قُلْنَا قد بَين النَّبِي ﷺ ذَلِك بَيَانا تَاما أَلا ترى أَن كل مَوضِع ذكر الصَّلَاة لم يرد بِهِ إِلَّا هَذِه الْأَفْعَال وَلَكِن لَيْسَ من شَرط الْبَيَان أَن يَقع بِهِ الْعلم لكل أحد أَلا ترى أَنه بَين الْحَج بَيَانا تَاما ثمَّ لم يَقع الْعلم بِهِ لكل أحد حَتَّى اخْتلف الْعلمَاء فِي إِحْرَامه فَقَالَ بَعضهم كَانَ مُفردا وَقَالَ بَعضهم كَانَ قَارنا فَكَذَلِك هَاهُنَا

стр. 182

مَسْأَلَة ٧ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ آيَة مجملة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هِيَ عَامَّة فَتحمل الصَّلَاة على كل دُعَاء وَالْحج على كل قصد إِلَّا مَا أخرجه الدَّلِيل لنا هُوَ أَن الْمُجْمل مَالا يعقل مَعْنَاهُ من لَفظه وَهَذِه الْآيَات لَا يعقل مَعْنَاهَا من لَفظهَا لِأَن الصَّلَاة فِي اللُّغَة هِيَ الدُّعَاء وَالزَّكَاة هِيَ الزِّيَادَة وَالْحج هُوَ الْقَصْد وَالْمرَاد بذلك هِيَ أَفعَال مَخْصُوصَة لَا ينبىء اللَّفْظ عَنْهَا فَكَانَ مُجملا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾

стр. 183

وَاحْتَجُّوا بِأَن الصَّلَاة هِيَ الدُّعَاء فِي اللُّغَة وَالزَّكَاة هِيَ الزِّيَادَة وَالْحج هُوَ الْقَصْد فَوَجَبَ أَن تحمل الصَّلَاة على كل دُعَاء وَالزَّكَاة على كل زِيَادَة وَالْحج على كل قصد إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل كَسَائِر العمومات وَالْجَوَاب أَنا قد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَنه لَيْسَ المُرَاد بِالصَّلَاةِ الدُّعَاء وَلَا بِالزَّكَاةِ الزِّيَادَة وَلَا بِالْحَجِّ الْقَصْد وَإِنَّمَا المُرَاد بهَا معَان أخر لَا ينبىء اللَّفْظ عَنْهَا فَلَا يَصح حملهَا على الْعُمُوم فِيمَا لَيْسَ بِمُرَاد

стр. 184

مَسْأَلَة ٨ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ آيَة عَامَّة يَصح الِاحْتِجَاج بظاهرها وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هِيَ مجملة لنا أَن البيع مَعْقُول فِي اللُّغَة وَمَا كَانَ مَعْقُول المُرَاد من لَفظه فِي اللُّغَة لم يكن مُجملا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الله تَعَالَى حَكَاهُ عَن الْعَرَب وهم أهل اللِّسَان بِأَن البيع مثل الرِّبَا ثمَّ أحل الله البيع وَحرم الرِّبَا فَصَارَ الْحَلَال مشتبها بالحرام فافتقر إِلَى الْبَيَان وَالْجَوَاب أَنهم وَإِن شبهوا البيع بالربا إِلَّا أَن البيع متميز عَن الرِّبَا فَإِن الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَة وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي كل بيع فَوَجَبَ أَن يحمل قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع﴾ على كل بيع إِلَّا مَا أخرجه الدَّلِيل قَالُوا وَلِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع﴾ يقْضِي إحلال البيع وَالْبيع يجوز فِي أَشْيَاء مَعَ التَّفَاضُل وَقَوله ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيم التَّفَاضُل فأجملت إِحْدَى اللفظتين بِالْأُخْرَى وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا بَيَان تَخْصِيص دخل فِي الْآيَة وَمَتى كَانَ اللَّفْظ مَعْقُول المُرَاد فِي اللُّغَة لم يجز أَن يصير مُجملا بِدُخُول التَّخْصِيص فِيهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا أَلا ترى أَن قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ لما كَانَ مَعْقُول المُرَاد فِي اللُّغَة لم يصر مُجملا بِدُخُول التَّخْصِيص فِيهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا

стр. 185

مَسْأَلَة ٩ الْأَلْفَاظ الَّتِي علق التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم فِيهَا على الْأَعْيَان كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ و ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ ظَاهِرَة فِي تَحْرِيم التَّصَرُّف وَلَيْسَت بمجملة وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هِيَ مجملة فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بهَا وَهُوَ قَول أبي عبد الله الْبَصْرِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة لنا هُوَ أَن التَّحْرِيم إِذا أطلق فِي مثل هَذَا فهم مِنْهُ تَحْرِيم الْأَفْعَال فِي اللُّغَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لما بلغ الصَّحَابَة ﵃ تَحْرِيم الْخمر أراقوها وكسروا ظروفها وَلما أَبَاحَ النَّبِي ﷺ الِانْتِفَاع بإهاب الْميتَة قيل لَهُ إِنَّهَا ميتَة فَقَالَ إِنَّمَا حرم من الْميتَة أكلهَا فَدلَّ على أَنهم فَهموا من تَحْرِيم الْميتَة تَحْرِيم الِانْتِفَاع بهَا

стр. 186

وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن رجلا لَو قَالَ لغيره أبحت لَك طَعَامي أَو حرمت عَلَيْك طَعَامي فهم الْمُخَاطب مِنْهُ تَحْرِيم الِانْتِفَاع بِهِ وَالتَّصَرُّف فِيهِ وَمَا فهم المُرَاد من لَفظه فِي اللُّغَة لم يكن مُجملا كَسَائِر الظَّوَاهِر وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَا خلاف لَو علق حكما على مَا ملكه الْإِنْسَان من الْأَعْيَان كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ لم يكن مُجملا وَإِن كَانَ لَا يملك إِلَّا الْأَفْعَال فِي الْأَعْيَان وَالتَّصَرُّف فِيهَا بالمنافع وَدفع المضار وَلَكِن لما تعورف اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ فِي التَّصَرُّف الْمَعْرُوف فِي المَال حمل إِطْلَاقه عَلَيْهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَعْيَان لَا تدخل فِي الْمَقْدُور لِأَنَّهَا مَوْجُودَة كائنة وَمَا لَا يدْخل فِي الْمَقْدُور لَا يجوز أَن يَقع التَّعَبُّد بِهِ فَوَجَبَ أَن يكون التَّحْرِيم فِيهَا رَاجعا إِلَى الْأَفْعَال الَّتِي تدخل تَحت الْمَقْدُور وَذَلِكَ غير مَذْكُور فَجرى مجْرى قَوْله ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يبطل بِملك الْأَعْيَان فَإِن الْأَعْيَان لَا تدخل فِي ملك الْمَقْدُور على مَا ذَكرُوهُ وَمَا لَا يدْخل فِي الْمَقْدُور لَا يجوز أَن يملكهُ الْإِنْسَان ثمَّ إِذا أطلق لفظ الْملك حمل على مَا يتعارف من التَّصَرُّف وَيُخَالف هَذَا قَوْله ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ لِأَن الْقرْيَة لَا يعبر بهَا عَن أَهلهَا فِي الْعرف وَالْعَادَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَعْيَان فَإِنَّهَا تسْتَعْمل فِي مَوضِع الْأَفْعَال فِي عرف أهل اللِّسَان فَصَارَ كَسَائِر الْحَقَائِق قَالُوا وَلِأَن أَنْوَاع التَّصَرُّف فِي الْعين كَثِيرَة وَالْحمل على الْجَمِيع لَا يجوز لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا ذكر لَهُ والعموم من صِفَات اللَّفْظ وَالْحمل على الْبَعْض لَا يجوز لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضهَا بِأولى من بعض فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يرد الْبَيَان وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بِمَا ذَكرْنَاهُ من ملك الْعين فَإِن مَا يملك من الْعين كثير وَالْحمل على الْجَمِيع دَعْوَى فِيمَا لَا ذكر لَهُ ثمَّ كَانَ اللَّفْظ ظَاهرا فِي بَيَانه

стр. 187

مَسْأَلَة ١٠ إِذا علق النَّفْي فِي شَيْء على صفة كَقَوْلِه ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب وَقَوله لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَغير ذَلِك من الْأَلْفَاظ الَّتِي تسْتَعْمل فِي نفي وَإِثْبَات أَو رفع وَإِسْقَاط حمل ذَلِك على نفي الشَّيْء وَمنع الِاعْتِدَاد بِهِ فِي الشَّرْع وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِن ذَلِك مُجمل فَلَا يحمل على شَيْء إِلَّا بِدَلِيل وَهُوَ قَول الْبَصْرِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة

стр. 188

لنا هُوَ أَن هَذَا اللَّفْظ عِنْد أهل اللِّسَان مَوْضُوع للتَّأْكِيد فِي نفي الصِّفَات وَرفع الْأَحْكَام أَلا ترى أَنه يُقَال لَيْسَ فِي الْبَلَد سُلْطَان وَلَيْسَ فِي النَّاس نَاظر وَلَيْسَ لَهُم مُدبر وَالْمرَاد فِي ذَلِك كُله نفي الصِّفَات الَّتِي تقع بهَا الْكِفَايَة وَمنع الِاعْتِدَاد بِهِ فِيمَا لَهُم من الْأُمُور وَإِذا كَانَ هَذَا مُقْتَضَاهُ وَجب إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي عبَادَة أَو غَيرهَا أَن يحمل على نفي الْكِفَايَة وَمنع الِاعْتِدَاد بهَا وَأَيْضًا هُوَ أَن النَّبِي ﵇ لَا يقْصد بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ النَّفْي من طَرِيق اللُّغَة والمشاهدة وَإِنَّمَا يقْصد بِبَيَان الشَّرْع لِأَنَّهُ بعث مُبينًا للشَّرْع فَيجب أَن يحمل على نفي كل مَا يحملهُ الشَّرْع من كَامِل أَو جَائِز كَمَا إِذا قَالَ لَا رجل فِي الدَّار لما كَانَ الْقَصْد نفي مَا يُسمى رجلا فِي اللُّغَة حمل على كل مَا يحْتَملهُ الرجل من طَوِيل أَو قصير فَكَذَلِك هَاهُنَا وَلِأَن قَوْله لَا صَلَاة نفي لنَفس الصَّلَاة فِي الشَّرْع فَمَتَى صححنا الصَّلَاة فقد أثبتنا مَا نَفَاهُ وَذَلِكَ خلاف الظَّاهِر وَاحْتَجُّوا بِأَن النَّفْي فِي هَذِه الْأَلْفَاظ لَا يجوز أَن يكون رَاجعا إِلَى الْمَذْكُور من النِّكَاح وَالْعَمَل فَإِن ذَلِك كُله مَوْجُود فَوَجَبَ أَن يكون رَاجعا إِلَى غَيره وَذَلِكَ الْغَيْر يحْتَمل الْجَوَاز والفضيلة وَلَيْسَ أَحدهمَا بِأولى من الآخر وَالْحمل عَلَيْهِمَا لَا يجوز لِأَنَّهُ دَعْوَى عُمُوم فِي الْمُضمر والعموم من أَحْكَام اللَّفْظ وَصِفَاته وَلِأَن الْحمل عَلَيْهِمَا لَا يجوز لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُض لِأَن حمله على نفي الْفَضِيلَة والكمال يَقْتَضِي صِحَة الْفِعْل وجوازه وَحمله على نفي الْجَوَاز يمْنَع صِحَة الْفِعْل

стр. 189

وَلِأَن الْفَضِيلَة وَالْجَوَاز مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يجوز حمل اللَّفْظ الْوَاحِد على مَعْنيين مُخْتَلفين فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يرد الْبَيَان وَالْجَوَاب أَن من أَصْحَابنَا من قَالَ النَّفْي رَاجع إِلَى نفس الْمَذْكُور وَهُوَ النِّكَاح الشَّرْعِيّ وَالْعَمَل الشَّرْعِيّ وَنحن ننفي ذَلِك على سَبِيل الْحَقِيقَة فَنَقُول إِن النِّكَاح الشَّرْعِيّ مَا وجد وَالْعَمَل الشَّرْعِيّ مَا وجد وَمَتى سلكنا هَذَا الطَّرِيق استغنينا عَن ادِّعَاء الْعُمُوم فِي الْمُضمر وَحمل الْكَلَام على التَّنَاقُض وعَلى مَعْنيين مُخْتَلفين وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِن النَّفْي يرجع إِلَى أَحْكَام الْمَذْكُور وَصِفَاته وَهِي وَإِن لم تكن مَذْكُورَة إِلَّا أَنَّهَا معقولة مِنْهُ من ظواهر اللَّفْظ أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ الرجل لغيره رفعت عَنْك جنايتك عقل من ذَلِك أَحْكَام الْجِنَايَة وَمَا يتَعَلَّق بهَا وَمَا كَانَ معقولا من اللَّفْظ كَانَ بِمَنْزِلَة الْمَنْطُوق بِهِ أَلا ترى أَن فحوى الْخطاب لما كَانَ معقولا من ظَاهر اللَّفْظ حمل الْكَلَام عَلَيْهِ وَإِن لم يكن مَذْكُورا وَقَوْلهمْ إِن الْحمل على الْجَمِيع دَعْوَى عُمُوم فِي الْمُضمر وَذَلِكَ لَا يجوز غير مُسلم لِأَن الْمُضمر كالمظهر وَيجوز دَعْوَى الْعُمُوم فِيهِ كَمَا يجوز فِي الْمظهر وَقَوله إِن الْحمل عَلَيْهَا يُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُض غلط لِأَنَّهُ لَو كَانَ متناقضا لما صَحَّ الْجمع بَينهمَا بِصَرِيح النُّطْق كَمَا لَا يجوز فِي سَائِر الْمعَانِي المتناقضة وَلما صَحَّ أَن يَقُول لَا نِكَاح كَامِل وَلَا جَائِز إِلَّا بولِي دلّ على أَنه غير متناقض وَقَوْلهمْ إنَّهُمَا مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِمَا لَا يسلم أَيْضا فَإِن عندنَا يجوز حمل اللَّفْظ الْوَاحِد على مَعْنيين مُخْتَلفين وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم فأغنى عَن الْإِعَادَة

стр. 190

قَالُوا أَحْكَام الْعين غير معقولة عِنْد الْعَرَب ومالا يعقل فِي اللُّغَة من ظَاهر اللَّفْظ لم يجز حمل الْكَلَام عَلَيْهِ من غير دَلِيل كَسَائِر المجملات قُلْنَا لَا نسلم أَن الْأَحْكَام لَا تعقل بل ذَلِك مَعْقُول عِنْدهم أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ لعَبْدِهِ رفعت عَنْك جريرتك وأسقطت عَنْك جنايتك عقل من ذَلِك أَحْكَام الْفِعْل فَبَطل مَا قَالُوهُ

стр. 191

مَسْأَلَة ١١ يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة فِي قَول الْمُزنِيّ وَأبي الْعَبَّاس وَعَامة أَصْحَابنَا وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز ذَلِك وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَقَالَ بعض شُيُوخنَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل وَلَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم

стр. 192

وَقَالَ بَعضهم يجوز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم وَلَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل وَمن النَّاس من قَالَ يجوز ذَلِك فِي الْأَخْبَار دون الْأَمر وَالنَّهْي وَمِنْهُم من عكس ذَلِك فَأجَاز فِي الْأَمر وَالنَّهْي دون الْأَخْبَار لنا قَوْله تَعَالَى ﴿الر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت﴾ وَقَوله ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَثمّ تَقْتَضِي المهلة والتراخي فَدلَّ على أَن التَّفْصِيل وَالْبَيَان يجوز أَن يتَأَخَّر عَن الْخطاب وَأَيْضًا هُوَ أَن الله تَعَالَى أوجب الصَّلَوَات الْخمس وَلم يبين أَوْقَاتهَا وَلَا أفعالها حَتَّى نزل جِبْرِيل ﵇ فَبين للنَّبِي ﷺ كل صَلَاة فِي وَقتهَا وَبَين النَّبِي ﷺ أفعالها للنَّاس فِي أَوْقَاتهَا وَقَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَكَذَلِكَ أَمر بِالْحَجِّ وَأخر النَّبِي ﷺ بَيَانه إِلَى أَن حج ثمَّ قَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَلَو لم يجز التَّأْخِير لما أخر عَن وَقت الْخطاب وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْبَيَان إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ كَمَا يحْتَاج إِلَى

стр. 193

الْقُدْرَة لفعل الْمَأْمُور بِهِ ثمَّ يجوز تَأْخِير الاقتدار عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة فَكَذَلِك تَأْخِير الْبَيَان وَأَيْضًا هُوَ أَن النّسخ تَخْصِيص الْأَزْمَان كَمَا أَن التَّخْصِيص تَخْصِيص الْأَعْيَان ثمَّ تَأْخِير بَيَان النّسخ يجوز عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة وَكَذَلِكَ تَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص فَإِن قيل لَا نسلم النّسخ فَإِنَّهُ لَا يجوز تَأْخِير بَيَانه حَتَّى يشْعر عِنْد الْخطاب بنسخه قيل إِن أردتم بذلك أَنه لَا يجوز حَتَّى يشْعر بِوَقْت النّسخ فَهَذَا لَا يَقُوله أحد وَمَتى قرن بِالْخِطَابِ بَيَان الْوَقْت لم يعد ذَلِك نسخا وَلِهَذَا لم يقل أحد إِن قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ يصير مَنْسُوخا بِدُخُول اللَّيْل وَإِن أردتم بِهِ أَنه لَا بُد من أَن يشْعر بالنسخ فِي الْجُمْلَة فخطأ لِأَن الله تَعَالَى أَمر بأَشْيَاء ثمَّ نسخهَا كالتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَغَيرهَا وَلم يقرن بِشَيْء مِنْهَا الْأَشْعَار بِأَنَّهُ ينسخه فِيمَا بعد فَدلَّ على أَن ذَلِك لَا يجب وعَلى أَن وَقت النّسخ لَا يجب بَيَانه عِنْد الْخطاب فَيجب أَن يكون الْمَخْصُوص من الْعُمُوم لَا يجب بَيَانه عِنْد الْخطاب فَإِن قيل تَأْخِير بَيَان النّسخ لَا يخل بِصِحَّة الْأَدَاء فِيمَا مضى من الزَّمَان وَتَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص يخل بِصِحَّة الْأَدَاء قُلْنَا لَا يخل بِصِحَّة الْأَدَاء لِأَنَّهُ بَينه عِنْد الْحَاجة إِلَى الْفِعْل فيتأدى الْفِعْل على حسب المُرَاد وَاحْتَجُّوا بِأَن المُرَاد يخص مرّة بِالِاسْتِثْنَاءِ وَمرَّة بِالدَّلِيلِ ثمَّ التَّخْصِيص بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يجوز أَن يتَأَخَّر عَن الْعُمُوم وَكَذَلِكَ التَّخْصِيص بِالدَّلِيلِ

стр. 194

قُلْنَا الِاسْتِثْنَاء لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَا يُفِيد معنى فَلم يجز تَأْخِيره والتخصيص بِالدَّلِيلِ يسْتَقلّ بِنَفسِهِ مُفِيدا فَجَاز تَأْخِيره ويدلك عَلَيْهِ أَن الِاسْتِثْنَاء لَو تقدم على الْخطاب لم يجز وَلَو تقدم الدَّلِيل الْمُوجب للتخصيص جَازَ فَافْتَرقَا قَالُوا وَلِأَن الْبَيَان مَعَ الْمُبين بِمَنْزِلَة الْجُمْلَة الْوَاحِدَة أَلا ترى أَنَّهُمَا لمجموعهما يدلان على الْمَقْصُود فهما كالمبتدأ وَالْخَبَر وَلَا خلاف أَنه لَا يحسن تَأْخِير الْخَبَر عَن الْمُبْتَدَأ بِأَن يَقُول زيد ثمَّ يَقُول بعد حِين قَائِم فَكَذَلِك تَأْخِير الْبَيَان قُلْنَا فِيمَا ذكرْتُمْ إِنَّمَا لم يَصح لِأَن التَّفْرِيق بَينهمَا لَيْسَ من أَقسَام الْخطاب وأنواع كَلَامهم وَلَيْسَ كَذَلِك إِطْلَاق الْعُمُوم والمجمل فَإِنَّهُ من أَقسَام خطابهم وأنواع جوابهم لأَنهم يتكملون بِالْعُمُومِ والمجمل وَإِن افْتقر إِلَى الْبَيَان فَافْتَرقَا قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا ورد اللَّفْظ الْعَام وَتَأَخر بَيَانه اعْتقد السَّامع عُمُومه وَذَلِكَ اعْتِقَاد جهل فَيجب أَن لَا يجوز قُلْنَا يبطل بِهِ إِذا أخر بَيَان النّسخ فَإِن السَّامع يعْتَقد عُمُومه وَهُوَ اعْتِقَاد جهل وَقد جوزناه على أَن عندنَا يعْتَقد عُمُومه بِشَرْط أَن لَا يكون هُنَاكَ مَا يَخُصُّهُ وَإِذا ورد التَّخْصِيص علمنَا أَن الْمَخْصُوص لم يدْخل فِي الْعُمُوم قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا خُوطِبَ بِلَفْظ وَالْمرَاد بِهِ غير ظَاهره فقد خَاطب بِغَيْر مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا لَو قَالَ اقْتُلُوا الْمُسلمين وَالْمرَاد بِهِ الْمُشْركين أَو قَالَ قومُوا وَالْمرَاد اقعدوا قُلْنَا هَذَا يبطل بِتَأْخِير بَيَان النّسخ فَإِنَّهُ خَاطب بِغَيْر مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ لِأَن اللَّفْظ يَقْتَضِي التَّأْبِيد ثمَّ يجوز

стр. 195

وَأما إِذا قَالَ اقْتُلُوا الْمُسلمين وَالْمرَاد بِهِ الْمُشْركين وَقومُوا وَالْمرَاد بِهِ اقعدوا فَإِنَّمَا لم يجز لِأَن أحد هذَيْن اللَّفْظَيْنِ لَا يسْتَعْمل فِي مَوضِع الآخر بِوَجْه من وُجُوه الِاسْتِعْمَال لَا على وَجه الْحَقِيقَة وَلَا على وَجه الْمجَاز وَالْخطاب بِأَحَدِهِمَا فِي مَوضِع الآخر خَارج عَن أَقسَام كَلَامهم وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَام الْمَخْصُوص والمجمل المفتقر إِلَى الْبَيَان فَإِنَّهُ مُعْتَاد فِي كَلَامهم جَار فِي خطابهم فَافْتَرقَا قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا أخر الْبَيَان لم يدل الْكَلَام على الْمَقْصُود وَلَا يجوز أَن يُخَاطب بِشَيْء وَلَا يدل على الْمَقْصُود بِهِ كَمَا لَو خَاطب الْعَرَبِيّ بالعجمية والفارسي بالتركية قُلْنَا هَذَا يبطل بِهِ إِذا أطلق الْخطاب وَلم يبين وَقت النّسخ فَإِنَّهُ لم يدل على الْمَقْصُود وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ يجوز وَأما خطاب الْعَرَبِيّ بالعجمية والفارسي بالتركية فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِم لِأَن الله تَعَالَى خَاطب الْعَجم بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِن لم يدلهم على الْمَقْصُود حَال الْخطاب فَيجب أَن يجوز بِالْعَام والمجمل وَإِن لم يدل فيهمَا على الْمَقْصُود قَالُوا وَلِأَن الْمُجْمل إِذا تَأَخّر بَيَانه لم يفد شَيْئا فَصَارَ كالخطاب بِلَفْظ مهمل قُلْنَا لَا نسلم أَنه لَا يُفِيد شَيْئا بل يُفِيد فَائِدَة صَحِيحَة أَلا ترى أَن الْعَرَبِيّ إِذا سمع قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ عقل من ذَلِك تعلق حق بالزرع فِي يَوْم الْحَصاد وَإِن لم يعرف جنسه وَقدره وَيُخَالف اللَّفْظ المهمل فَإِنَّهُ لَا يُفِيد معنى أصلا فَلم يجز الْخطاب بِهِ قَالُوا لَو جَازَ تَأْخِير الْبَيَان لجَاز للرسول ﵇ تَأْخِير الْبَلَاغ عَن الله تَعَالَى وَقد أمره الله بالتبليغ فَقَالَ ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَالْجَوَاب أَن عندنَا تَأْخِير الْبَلَاغ جَائِز وَالْأَمر الْوَارِد فِي ذَلِك لَا يَقْتَضِي الْفَوْر بِإِطْلَاقِهِ

стр. 196

مسَائِل الْمُطلق والمقيد مَسْأَلَة ١ لَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد فِي حكمين مُخْتَلفين كآية الظِّهَار وَالْقَتْل من غير دَلِيل وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد بِنَفس اللَّفْظ لنا هُوَ أَن اللَّفْظ الْمُقَيد لَا يتَنَاوَل الْمُطلق فَلَا يجوز أَن يحكم فِيهِ بِحكمِهِ من غير عِلّة أَلا ترى أَن الْبر لما لم يتَنَاوَل الْأرز لم يجز أَن يحكم فِيهِ بِحكمِهِ من غير عِلّة فَكَذَلِك هَاهُنَا وَلِأَن اللَّفْظ الْمُطلق لَا يتَنَاوَل الْمُقَيد فَلَو جَازَ أَن يَجْعَل الْمُطلق مُقَيّدا لتقييد

стр. 197

غَيره لجَاز أَن يَجْعَل الْقَيْد مُطلقًا لإِطْلَاق غَيره وَلما لم يجز أَحدهمَا لم يجز الآخر وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَو جَازَ أَن يَجْعَل مَا أطلق مُقَيّدا لتقييد غَيره لجَاز أَن يَجْعَل الْعَام خَاصّا لتخصيص غَيره ولوجب أَن يَجْعَل الْمُطلق مَشْرُوطًا لدُخُول الشَّرْط فِي غَيره وَهَذَا يمْنَع التَّقْيِيد بالْكلَام وَيبْطل الْفرق بَين الْعَام وَالْخَاص وَهَذَا لَا يجوز وَاحْتَجُّوا بِأَن حمل الْمُطلق على الْمُقَيد من جِهَة اللَّفْظ لُغَة الْعَرَب أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿ولنبلونكم بِشَيْء من الْخَوْف والجوع وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس والثمرات﴾ وَأَرَادَ نقص من الْأَنْفس وَنقص من الثمرات وَلكنه لما قَيده بالأنفس اكْتفى بِهِ فِي الْبَاقِي وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ فقيافي أحد الجنسين وَاكْتفى بِهِ فِي الْجِنْس الآخر وَقَالَ الشَّاعِر وَمَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني هُوَ الْخَيْر الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر وَقَالَ الآخر

стр. 198

أَنا الرجل الحامي الذمار وَإِنَّمَا ... يدافع عَن أحسابهم أَنا أَو مثلي فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر وَالْجَوَاب أَن فِيمَا ذَكرُوهُ إِنَّمَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد لِأَنَّهُ لَو لم يحمل الثَّانِي على الأول لالتبس الْكَلَام وَلم يفد فَحمل أَحدهمَا على الآخر لموْضِع الضَّرُورَة وَلَيْسَ هَاهُنَا ضَرُورَة تَقْتَضِي الْحمل وَلَفظ أَحدهمَا لَا يتَنَاوَل الآخر فَحمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على ظَاهره وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقُرْآن من فاتحته إِلَى خاتمته كالكلمة الْوَاحِدَة فَوَجَبَ ضم بعضه إِلَى بعض قُلْنَا هَذَا دَعْوَى فَكيف يكون كَذَلِك وَهُوَ يشْتَمل على معَان مُخْتَلفَة وأصناف شَتَّى من الْقَصَص والأمثال وَالْأَحْكَام وَغير ذَلِك ثمَّ لَو كَانَ هَذَا يُوجب حمل بعضه على بعض لوَجَبَ أَن يخص كل عَام فِيهِ لِأَن فِيهِ مَا هُوَ مَخْصُوص وَيجْعَل كل أَمر فِيهِ ندبا لِأَن فِيهِ مَا هُوَ مَنْدُوب وللزم أَن يَجْعَل مَا قَيده فِيهِ مُطلقًا وَلم يكن حمل الْمُطلق على الْمُقَيد بِأولى من حمل الْمُقَيد على الْمُطلق وَلما بَطل هَذَا بَطل مَا قَالُوهُ

стр. 199

مَسْأَلَة ٢ يجوز حمل الْمُطلق فِي أحد الْحكمَيْنِ على الْمُقَيد فِي الحكم الآخر

стр. 200

من جِهَة الْقيَاس كالرقبة الْمُطلقَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار على الرَّقَبَة الْمقيدَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل بِالْإِيمَان وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يجوز لنا هُوَ أَن هَذَا تَخْصِيص عُمُوم لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ عَام فِي الرَّقَبَة المؤمنة والكافرة فَإِذا قُلْنَا إِن الْكَافِرَة لَا تجوز خصصنا الْكَافِرَة من الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ وَتَخْصِيص الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ جَائِز كَسَائِر العمومات وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذِه زِيَادَة فِي النَّص وَالزِّيَادَة فِي النَّص نسخ عندنَا والنسخ بِالْقِيَاسِ لَا يجوز وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَيْسَ بِزِيَادَة وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَان بِالْحَقِيقَةِ لِأَن اللَّفْظ الْمُطلق يَقْتَضِي جَوَاز كل رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت أَو كَافِرَة فَإِذا منعنَا الْكَافِرَة فقد أخرجنَا بعض مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر وَذَلِكَ نُقْصَان وَتَخْصِيص فَأَما أَن يكون زِيَادَة فَلَا فَإِن قيل التَّخْصِيص هُوَ أَن يخرج من اللَّفْظ بعض مَا تنَاوله وَقَوله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ لَا يتَنَاوَل الْإِيمَان فَمن اعْتبر ذَلِك فقد زَاد شرطا لَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ فَدلَّ على أَنه زِيَادَة قُلْنَا اللَّفْظ وَإِن لم يتَنَاوَل الْإِيمَان فقد تنَاول الْكَافِرَة فَإِذا قُلْنَا إِن الْكَافِرَة لَا تجزي فقد أخرجنَا من اللَّفْظ بعض مَا تنَاوله بِعُمُومِهِ فَكَانَ ذَلِك تَخْصِيصًا وعَلى أَن الزِّيَادَة عندنَا لَيست بنسخ فَلَا يَصح مَا بنوا عَلَيْهِ من الدَّلِيل

стр. 201

قَالُوا وَلِأَن الرَّقَبَة فِي الظِّهَار مَنْصُوص عَلَيْهَا وَفِي الْقَتْل مَنْصُوص عَلَيْهَا وَقِيَاس الْمَنْصُوص على الْمَنْصُوص لَا يجوز وَلِهَذَا لم يجز قِيَاس صَوْم التَّمَتُّع على صَوْم الظِّهَار فِي إِيجَاب التَّتَابُع وَلَا صَوْم الظِّهَار على صَوْم التَّمَتُّع فِي إِيجَاب التَّفْرِيق وَلِهَذَا لم يجز قِيَاس حد السّرقَة على حد قَاطع الطَّرِيق فِي إِيجَاب قطع الرجل وَلِهَذَا لم يجز قِيَاس التَّيَمُّم على الْوضُوء فِي إِيجَاب مسح الرَّأْس وَالرجل وَالْجَوَاب أَن فِي صَوْم التَّمَتُّع وَصَوْم الظِّهَار نَص على حكمين متضادين فَحمل أَحدهمَا على الآخر إبِْطَال للنَّص وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن اللَّفْظ فِي الظِّهَار مُطلق وَفِي الْقَتْل مُقَيّد وَفِي أَحدهمَا عَام مُطلق وَفِي الآخر خَاص مُبين فَيحمل أَحدهمَا على الآخر وَأما حد السّرقَة فَإِنَّمَا لم يحمل على قطاع الطَّرِيق وَلَا آيَة التَّيَمُّم على آيَة الْوضُوء فِي مسح الرَّأْس وَالرجل لِأَن الْإِجْمَاع منع مِنْهُ وَمن شَرط الْقيَاس أَن لَا يُعَارضهُ إِجْمَاع وَهَاهُنَا لم يُعَارضهُ إِجْمَاع وَلَا غَيره فَجَاز قِيَاس أَحدهمَا على الآخر كقياس التَّيَمُّم على الْوضُوء فِي إِيجَاب الْمرْفقين لما لم يُعَارضهُ إِجْمَاع وَلَا غَيره أجزناه

стр. 202

مسَائِل دَلِيل الْخطاب مَسْأَلَة ١ إِذا علق الحكم فِي الشَّيْء على صفة من صِفَاته دلّ على أَن مَا عَداهَا يُخَالِفهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج وَأَبُو بكر الْقفال وَالْقَاضِي أَبُو حَامِد ﵏ وَقوم من الْمُتَكَلِّمين لَا يدل على الْمُخَالفَة وَهُوَ قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة

стр. 203

وَحكي عَن بَعضهم أَنه فرق بَين الْمُعَلق على غَايَة وَالْمُعَلّق على غير غَايَة وَحكي عَن بَعضهم أَنه فرق بَين أَن يكون بِلَفْظ الشَّرْط وَبَين أَن لَا يكون بِلَفْظ الشَّرْط لنا مَا رُوِيَ أَن يعلى بن أُميَّة قَالَ لعمر بن الْخطاب ﵁ مَا بالنا نقصر وَقد أمنا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ فَقَالَ عمر عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته وَهَذَا دَلِيل على أَن تَعْلِيق الْقصر بالخوف اقْتضى أَن حَال الْأَمْن لَا يجوز حَتَّى عجب مِنْهُ عمر ويعلى وأقرهم النَّبِي ﷺ على ذَلِك وَرُوِيَ أَن ابْن عَبَّاس خَالف الصَّحَابَة فِي تَوْرِيث الْأُخْت مَعَ الْبِنْت وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك﴾ وَهَذَا تعلق بِدَلِيل الْخطاب وَأَنه لما ثَبت مِيرَاث الْأُخْت عِنْد عدم الْوَلَد دلّ على أَن عِنْد وجوده لَا تستحقه وَهُوَ من فصحاء الصَّحَابَة وعلمائهم وَلم يُنكر أحد استدلاله فَدلَّ على أَن ذَلِك مُقْتَضى اللُّغَة

стр. 204

وَأَيْضًا هُوَ من الْأَنْصَار قَالُوا لَا غسل من التقاء الختانين وَاحْتَجُّوا بقوله ﵇ المَاء من المَاء وَهَذَا اسْتِدْلَال بِدَلِيل الْخطاب وَمن قَالَ مِنْهُم أَنه يجب الْغسْل أجَاب بِأَن المَاء من المَاء مَنْسُوخ وَهَذَا اتِّفَاق مِنْهُم على دَلِيل الْخطاب فَإِن قيل لَا نسلم أَنهم رجعُوا فِي هَذِه الْمَوَاضِع إِلَى دَلِيل الْخطاب وَإِنَّمَا رجعُوا إِلَى الأَصْل وَذَلِكَ أَنهم أثبتوا الْقصر وَالْمِيرَاث وَالْغسْل فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تنَاولهَا الْخطاب بالنطق وَرَجَعُوا فِيمَا لَا خطاب فِيهِ إِلَى الأَصْل وَهُوَ أَنه لَا قصر وَلَا مِيرَاث وَلَا غسل قُلْنَا لم يرجِعوا فِي هَذِه الْمَوَاضِع إِلَّا إِلَى مُوجب النُّطْق وَدَلِيل الْخطاب أَلا ترى أَن يعلى بن أُميَّة قَالَ لعمر مَا بالنا نقصر وَقد أمنا وَقد قَالَ الله تعلى ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ فَتعلق بِمُوجب النُّطْق وَلم يقل وَالْأَصْل هُوَ الْإِتْمَام وَقَالَت الصَّحَابَة ﵃ قَوْله المَاء من المَاء كَانَ رخصَة وَقد نسخ وَأَرَادُوا دَلِيل الْخطاب وَلَو رجعُوا فِي ذَلِك إِلَى الأَصْل لما وصفوه بالنسخ لِأَن النّسخ رفع مَا ثَبت بِالشَّرْعِ فَأَما مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الأَصْل وَنقل إِلَى غَيره فَلَا يُقَال إِنَّه مَنْسُوخ فَدلَّ على أَن المحتج مِنْهُم إِنَّمَا احْتج بِدَلِيل الْخطاب وَأَيْضًا هُوَ أَن ضم الصّفة إِلَى الِاسْم يَقْتَضِي الْمُخَالفَة والتمييز فِي كَلَام الْعَرَب أَلا ترى أَنهم لَا يَقُولُونَ أعْط زيدا الطَّوِيل وعمرا الْقصير والطويل والقصير عِنْدهم وَاحِد فَدلَّ على أَن مَوْضُوع اللَّفْظ الْمُخَالفَة والتمييز

стр. 205

وَلِأَن تَقْيِيد الِاسْم الْعَام بِالصّفةِ يَقْتَضِي التَّخْصِيص أَلا ترَاهُ لَو لم يُقيد الْغنم بالسوم اقْتضى السَّائِمَة والمعلوفة فَإِذا قيدها بالسوم منع هَذَا التَّقْيِيد دُخُول المعلوفة وَاقْتضى اخْتِصَاص الزَّكَاة بالسائمة وكل مَا اقْتضى تَخْصِيص الِاسْم الْعَام وَجب أَن يَقْتَضِي الْمُخَالفَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ سَائِر الْأَلْفَاظ الَّتِي يخص بهَا الْعُمُوم وَلِأَنَّهُ قيد الحكم بِمَا لَو انتزع مِنْهُ لعم فَوَجَبَ أَن يتَضَمَّن النَّفْي وَالْإِثْبَات كالاستثناء والغاية وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا قَالَ طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ الْكَلْب فِيهِ أَن يغسلهُ سبعا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ أَفَادَ تَعْلِيق الطَّهَارَة بالسبع فَمَتَى طهرناه بِمَا دون السَّبع خرج السَّبع عَن أَن يكون مطهرا لِأَن الغسلة السَّابِعَة ترد وَالْمحل مَحْكُوم بِطَهَارَتِهِ وَهَكَذَا إِذا قَالَ فِي سَائِمَة الْغنم زَكَاة أَفَادَ تعلق الْوُجُوب بالسائمة فَمَتَى أَوجَبْنَا الزَّكَاة فِي المعلوفة أخرجنَا السَّائِمَة عَن أَن يتَعَلَّق بهَا الْوُجُوب وَاحْتَجُّوا بِأَن إِثْبَات الحكم بِدَلِيل الْخطاب إِمَّا أَن يكون بِالْعقلِ وَلَا مجَال لَهُ فِيهِ أَو بِالنَّقْلِ وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون ذَلِك تواترا أَو آحادا وَلَا يجوز أَن يكون تواترا لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ تَوَاتر لعلمناه كَمَا علمْتُم وَلَا يجوز أَن يكون آحادا لِأَنَّهُ من مسَائِل الْأُصُول وَلَا يَكْفِي فِي إِثْبَاتهَا خبر الْوَاحِد قُلْنَا قد أثبتناها بِالنَّقْلِ وَهُوَ مَا روينَاهُ عَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم

стр. 206

فَإِن قيل إِلَّا أَنه من طَرِيق الْآحَاد فَلَا تثبت بِهِ مسَائِل الْأُصُول قيل هُوَ وَإِن كَانَ من أَخْبَار الْآحَاد إِلَّا أَنه يجْرِي مجْرى التَّوَاتُر لِأَن الْأمة تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ فاتفقت على صِحَّته وَإِن اخْتلفت فِي الْعَمَل بِهِ قَالُوا وَأَيْضًا هُوَ أَن الصِّفَات وضعت للتمييز بَين الْأَنْوَاع كَمَا وضعت الْأَسْمَاء للتمييز بَين الْأَجْنَاس ثمَّ تَعْلِيق الحكم على الِاسْم لَا يَقْتَضِي نَفْيه عَمَّا عداهُ فَكَذَلِك تَعْلِيقه على الصّفة وَالْجَوَاب أَن من أَصْحَابنَا من قَالَ أَن تَعْلِيق الحكم على الِاسْم يَقْتَضِي نَفْيه عَمَّا عداهُ وَهُوَ قَول أبي بكر الدقاق فعلى هَذَا لَا نسلم وَإِن سلمنَا ذَلِك على ظَاهر الْمَذْهَب فَالْفرق بَينهمَا من وُجُوه أَحدهَا هُوَ أَن الْعَرَب قد تجمع بَين الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة فِي الحكم وتنص على اسْم كل وَاحِد مِنْهَا أَلا ترَاهَا تَقول اشْتَرِ لَحْمًا وَتَمْرًا وخبزا وَلَا تقيد الحكم بِالصّفةِ والموصوف بِتِلْكَ الصّفة وضدها وَاحِد أَلا ترَاهَا لَا تَقول اشْتَرِ لَحْمًا مشويا والمشوي والنيء عِنْدهَا سَوَاء وَلَا اشْتَرِ تَمرا برنيا والبرني وَغَيره عِنْدهم سَوَاء وَالثَّانِي أَن تَعْلِيق الحكم على بعض الْأَسْمَاء لَا يمْنَع تَعْلِيقه بغَيْرهَا من الْأَسْمَاء أَلا ترى أَنه إِذا أجب الزَّكَاة فِي الْغنم ثمَّ أوجبهَا فِي الْبَقر لم يمْنَع تعلقهَا بالبقر من تعلقهَا بالغنم وَتَعْلِيق الحكم على أحد صِفَتي الشَّيْء يمْنَع تعلقه بضدها أَلا ترى أَنه إِذا علق الزَّكَاة على سَائِمَة الْغنم ثمَّ أوجبهَا فِي المعلوفة خرج عَن أَن يكون الْوُجُوب مُتَعَلقا بالسائمة وَبقيت الزَّكَاة معلقَة على الِاسْم فَقَط

стр. 207

وَالثَّالِث هُوَ أَن تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيص اسْم عَام فَلم يقتض الْمُخَالفَة وتعليقه بِالصّفةِ يَقْتَضِي تَخْصِيص اسْم عَام والتخصيص لَا يكون إِلَّا بِمَا يَقْتَضِي الْمُخَالفَة كالاستثناء والغاية وَلِأَن الِاسْم لَا يجوز أَن يكون عِلّة فِي الحكم فتعليق الحكم عَلَيْهِ لَا يَقْتَضِي الْمُخَالفَة وَالصّفة يجوز أَن تكون عِلّة فِي الحكم فتعليق الحكم عَلَيْهِ يَقْتَضِي الْمُخَالفَة قَالُوا لَو كَانَ إِيجَاب الزَّكَاة فِي السَّائِمَة يُوجب نفي الزَّكَاة عَن المعلوفة لَكَانَ التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي إِيجَاب الزَّكَاة مناقضة وَلما جَازَ أَن يَقُول فِي سَائِمَة الْغنم زَكَاة وَفِي معلوفتها الزَّكَاة دلّ على أَن الْإِيجَاب فِي أحد النَّوْعَيْنِ لَا يَقْتَضِي النَّفْي عَن النَّوْع الآخر قُلْنَا يبطل بالغاية فَإِنَّهَا تَقْتَضِي الْمُخَالفَة على قَول كثير مِنْهُم وَإِن جَازَ أَن يُصَرح فِيمَا بعْدهَا بِحكم مَا قبلهَا وعَلى أَن اللَّفْظ يجوز أَن يدل بِظَاهِرِهِ على معنى ثمَّ يتْرك ظَاهره بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ كالأمر يدل ظَاهره على الْإِيجَاب ثمَّ يدل الدَّلِيل على أَن المُرَاد بِهِ الِاسْتِحْبَاب فَيتْرك ظَاهره وَلَا يدل على أَن فِي الأَصْل لَا يَقْتَضِي الْوُجُوب فَكَذَلِك هَاهُنَا اللَّفْظ بِظَاهِرِهِ يدل على النَّفْي وَالْإِثْبَات ثمَّ إِذا صرح فِي الْوَجْهَيْنِ بالتسوية ترك الظَّاهِر وَحمل على مَا اقْتَضَاهُ التَّصْرِيح قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة تدل على شَيْئَيْنِ متضادين وعندكم أَن هَذَا اللَّفْظ يدل على إِثْبَات الحكم ونفيه وَهَذَا خلاف اللُّغَة قُلْنَا هَذَا يبطل بِلَفْظ الْغَايَة وَأَنه قد دلّ على إِثْبَات الحكم فِيمَا قبل الْغَايَة ونفيه عَمَّا بعْدهَا وهما متضادان فَكَذَلِك الْأَمر بالشَّيْء يدل على وجوب الْمَأْمُور والانتهاء عَن ضِدّه وهما متضادان قَالُوا وَلِأَن دَلِيل الْخطاب مَفْهُوم الْخطاب وَمَفْهُوم الْخطاب مَا وَافقه كالتنبيه وَالْقِيَاس وَدَلِيل الْخطاب ضد الْخطاب فَلَا يجوز أَن يكون مفهوما مِنْهُ

стр. 208

قُلْنَا هَذَا يبطل بِالْأَمر بالشَّيْء فَإِنَّهُ يفهم مِنْهُ النَّهْي عَن ضِدّه وَإِن كَانَ ضد اللَّفْظ وَأما الْقيَاس والتنبيه فَإِنَّهُمَا وافقا الْخطاب لِأَنَّهُمَا مفهومان من مَعْنَاهُ وَالدَّلِيل مَفْهُوم من جِهَة التَّخْصِيص فَكَانَ مُخَالفا لَهُ كَحكم مَا بعد الْغَايَة قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ للنطق دَلِيل لَكَانَ مَعَه بِمَنْزِلَة الخطابين وَلَو كَانَ كَذَلِك لما جَازَ تَركه بِالْقِيَاسِ كَمَا لَا يجوز ترك الْخطاب ولوجب إِذا نسخ الْخطاب أَن يبْقى الدَّلِيل كَمَا إِذا نسخ أحد الخطابين بَقِي الْخطاب الآخر قُلْنَا لَا نقُول إِن الدَّلِيل مَعَ الْخطاب بِمَنْزِلَة الخطابين بل هُوَ بعض مُقْتَضَاهُ وَإِذا كَانَ ذَلِك بعض مُقْتَضَاهُ جَازَ تَركه بِالْقِيَاسِ كَمَا يجوز ترك بعض مَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم بِالْقِيَاسِ وَأما إِذا نسخ الْخطاب فَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يبْقى حكم الدَّلِيل وَالصَّحِيح أَنه يسْقط الدَّلِيل لِأَن الدَّلِيل مُقْتَضى الْخطاب وَمَفْهُومه فَإِذا بَطل الْخطاب بَطل الْمَفْهُوم كَمَا تَقول الْأَمر بالشَّيْء لما كَانَ النَّهْي عَن ضِدّه مُقْتَضَاهُ وَمَفْهُومه فَمَتَى سقط الْأَمر سقط النَّهْي كَذَلِك هَاهُنَا وَيُخَالف النطقين إِذا نسخ أَحدهمَا لِأَن أَحدهمَا غير مُتَعَلق بِالْآخرِ فنسخ أَحدهمَا لَا يُوجب نسخ الآخر وَهَاهُنَا الدَّلِيل تَابع للنطق ومستفاد مِنْهُ فَإِذا سقط الأَصْل سقط تَابعه كَمَا قُلْنَا فِي النَّهْي الْمُسْتَفَاد من الْأَمر قَالُوا لَو كَانَ دَلِيل الْخطاب يَقْتَضِي الحكم لَكَانَ ذَلِك مستنبطا من اللَّفْظ وَمَا استنبط من اللَّفْظ لَا يجوز تَخْصِيصه كالعلة قُلْنَا لَا نقُول أَن الدَّلِيل مستنبط من اللَّفْظ بل اللَّفْظ يدل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ فِي

стр. 209

اللُّغَة وَمَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ فِي اللُّغَة جَازَ تَخْصِيصه كَسَائِر الْأَلْفَاظ قَالُوا لَو كَانَ تَعْلِيق الحكم على صفة الشَّيْء يدل على نَفْيه عَمَّا عَداهَا لوَجَبَ أَن لَا يحسن فِيهِ الِاسْتِفْهَام كَمَا لَا يحسن فِي نفس النُّطْق قُلْنَا إِنَّمَا حسن فِيهِ الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون قد علق الحكم على أحد صفتيه ليدل على الْمُخَالفَة وَيجوز أَن يكون قد خص أحد وَصفيه بالحكم للشرف والفضيلة فَحسن الِاسْتِفْهَام ليزول هَذَا الِاحْتِمَال وَيُخَالف هَذَا النُّطْق لِأَنَّهُ لَا احْتِمَال فِيهِ فَلم يحسن فِيهِ الِاسْتِفْهَام

стр. 210

مَسْأَلَة ٢ إِذا علق الحكم على صفة فِي جنس كَقَوْلِه ﵇ فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة دلّ على نَفْيه عَمَّا عَداهَا فِي ذَلِك الْجِنْس وَلَا يدل على النَّفْي عَمَّا عَداهَا فِي سَائِر الْأَجْنَاس وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يدل على نَفْيه عَمَّا عَداهَا فِي الْأَجْنَاس كلهَا لنا هُوَ أَن الدَّلِيل يَقْتَضِي النُّطْق فَإِذا تنَاول النُّطْق فِي سَائِمَة الْغنم وَجب أَن يكون دَلِيله يتَنَاوَل معلوفة الْغنم فَقَط وَاحْتَجُّوا بِأَن السّوم يجْرِي مجْرى الْعلَّة فِي تَعْلِيق الحكم عَلَيْهَا وَالْعلَّة حَيْثُ وجدت تعلق الحكم بهَا فَكَذَلِك هَذَا قُلْنَا لَا نسلم أَن السّوم بِمَنْزِلَة الْعلَّة أَلا ترى أَنه علق الحكم على مجموعها وَمَتى تعلق الحكم بوصفين كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بعض الْعلَّة فَلَا يجوز تعلق الحكم على أَحدهمَا على الِانْفِرَاد

стр. 211

مَسْأَلَة ٣ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ يدل على الْمَنْع من الضَّرْب من نَاحيَة الْمَعْنى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ يدل على مَا زَاد عَلَيْهِ من نَاحيَة الْمَعْنى وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يدل على ذَلِك من نَاحيَة اللُّغَة وَهُوَ قَول عَامَّة المتكملين وَبَعض أهل الظَّاهِر لنا هُوَ أَن التأفيف فِي اللُّغَة غير مَوْضُوع للضرب والذرة غير مَوْضُوعَة لما زَاد عَلَيْهَا فَوَجَبَ أَن يكون الْمَنْع مِمَّا زَاد مفهوما من طَرِيق الْمَعْنى وَاحْتَجُّوا بِأَن أهل اللِّسَان يفهمون من هَذَا الْكَلَام الْمَنْع مِمَّا زَاد عَلَيْهِ وَلِهَذَا

стр. 212

إِذا قَالَ لعَبْدِهِ إياك أَن تَقول لفُلَان عقل مِنْهُ الْمَنْع عَمَّا زَاد عَلَيْهِ وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَنهم يفهمون ذَلِك من اللَّفْظ وَكَيف يفهم ذَلِك من اللَّفْظ وَاللَّفْظ غير مَوْضُوع لَهُ وَإِنَّمَا يفهم ذَلِك من طَرِيق الْمَعْنى لَكِن الْمَعْنى إِذا كَانَ جليا اشْترك الْخَاص وَالْعَام فِي إِدْرَاكه وَحكى أَن ابْن دَاوُد قَالَ لأبي الْعَبَّاس بن سُرَيج أَن ذرتين فَصَاعِدا ذرة وذرة فَكل ذرة مِنْهُمَا دَاخِلَة تَحت الِاسْم فَيكون اللَّفْظ دَالا على مَا زَاد فألزمه أَبُو الْعَبَّاس نصف ذرة وَقَالَ لَا يُسمى نصف ذرة ذرة على أَن الْمَعْنى دلّ عَلَيْهِ

стр. 213

مَسْأَلَة ٤ الِاسْتِدْلَال بالقران لَا يجوز وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يجوز وَهُوَ قَول المزنى لنا هُوَ أَن كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ المقترنين يَقْتَضِي غير مَا يَقْتَضِيهِ الآخر فَلَا يحمل أَحدهمَا على مَا يحمل عَلَيْهِ الآخر من جِهَة اللَّفْظ كَمَا لَو وردا غير مقترنين وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه إِذا جمعت بَين شَيْئَيْنِ عِلّة فِي حكم لم يجب أَن يستويا فِي جَمِيع الْأَحْكَام فَكَذَلِك إِذا جَمعهمَا لفظ صَاحب الشَّرْع لم يجب أَن يستويا فِي جَمِيع الْأَحْكَام وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ لَا يفرق بَين مُجْتَمعين وَلم يفرق وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا وَارِد فِي بَاب الزَّكَاة وَأَن النّصاب الْمُجْتَمع فِي ملك رجلَيْنِ لَا يفرق بَينهمَا وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن أبي الصّديق ﵁ أَنه قَالَ فِي قتال

стр. 214

مانعي الزَّكَاة لَا أفرق بَين مَا جمع الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَبِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي الْعمرَة إِنَّهَا لقَرِينَة الْحَج فِي كتاب الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ وَالْجَوَاب هُوَ أَن أَبَا أَنا بكر ﵁ أَرَادَ لَا أفرق بَين مَا جمع الله فِي الْإِيجَاب بِالْأَمر وَكَذَلِكَ ابْن عَبَّاس إِنَّهَا لقَرِينَة الْحَج فِي الْأَمر وَالْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب فَكَانَ الِاحْتِجَاج فِي الْحَقِيقَة بِظَاهِر الْأَمر لَا بالاقتران

стр. 215

مَسْأَلَة ٥ الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب فِي قَول بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ مَذْهَب ثَعْلَب وَأبي عمر الزَّاهِد غُلَام ثَعْلَب
следующие страницы →