← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 25787

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (521 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مَسْأَلَة ٥ لَا يعْتَبر الْإِسْلَام فِي رُوَاة التَّوَاتُر وَيَقَع الْعلم بتواتر الْكفَّار وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يَقع الْعلم بتواتر الْكفَّار وَمِنْهُم من قَالَ إِن لم يطلّ الزَّمَان وَقع وَإِن طَال الزَّمَان وَأمكن وُقُوع المراسلة والتواطؤ لم يَقع لنا أَن الْعلم يَقع للسامع بأخبارهم إِذا وجدت على الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة كَمَا يَقع بأخبار الْمُسلمين فَدلَّ على أَنه لَا اعْتِبَار بِالْإِسْلَامِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لما اخْتصَّ الْمُسلمُونَ بِالْإِجْمَاع وَجب أَن يختصوا بالتواتر أَيْضا وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا جمع من غير عِلّة فَلَا يلْزم على أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا صَار حجَّة بِالشَّرْعِ وَالشَّرْع ورد فِي الْمُسلمين دون الْكفَّار وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَخْبَار فَإِنَّهَا توجب الْعلم من طَرِيق الْعَادة وَمَا طَرِيقه الْعَادة لَا يخْتَلف فِيهِ الْمُسلمُونَ وَالْكفَّار قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقع الْعلم بتواترهم لوقع لنا الْعلم بِمَا أخْبرت بِهِ النَّصَارَى من صلب عِيسَى ﵇ وَلما لم يَقع لنا الْعلم بذلك دلّ على أَن خبرهم لَا يُوجب الْعلم قُلْنَا إِنَّمَا لم يَقع هُنَاكَ الْعلم لِأَن شَرَائِط التَّوَاتُر فِيهِ لم تتكامل وَهُوَ اسْتِوَاء طرفِي الْعدَد ووسطه فَإِن النَّقْل فِي الأَصْل يرجع إِلَى عدد يسير فَلم يَقع الْعلم بخبرهم وَفِي مَسْأَلَتنَا تكاملت شَرَائِط الْخَبَر من اسْتِوَاء طرفِي الْعدَد وَالْوسط فَوَقع بِهِ الْعلم

стр. 282

مَسْأَلَة ٦ أَخْبَار الْآحَاد لَا توجب الْعلم وَقَالَ بعض أهل الظَّاهِر توجب الْعلم وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث فِيهَا مَا يُوجب الْعلم كَحَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَمَا أشبهه وَقَالَ النظام فِيهَا مَا يُوجب الْعلم وَهُوَ مَا قارنه سَبَب

стр. 283

لنا هُوَ أَنه لَو كَانَ خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم لأوجب خبر كل وَاحِد وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يَقع الْعلم بِخَبَر من يَدعِي النُّبُوَّة وَمن يَدعِي مَالا على غَيره وَلما لم يقل هَذَا أحد دلّ على أَنه لَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الْعلم وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم لما اعْتبر فِيهِ صِفَات الْمخبر من الْعَدَالَة وَالْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَغير ذَلِك كَمَا لم يعْتَبر ذَلِك فِي أَخْبَار التَّوَاتُر وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يُوجب الْعلم لوَجَبَ أَن يَقع التبري بَين الْعلمَاء فِيمَا فِيهِ خبر وَاحِد كَمَا يَقع التبري فِيمَا فِيهِ خبر متواتر وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يُوجب الْعلم لوَجَبَ إِذا عَارضه خبر متواتر أَن يتعارضا وَلما ثَبت أَنه يقدم عَلَيْهِ الْمُتَوَاتر دلّ على أَنه غير مُوجب للْعلم وَأَيْضًا هُوَ أَنه يجوز السَّهْو وَالْخَطَأ وَالْكذب على الْوَاحِد فِيمَا نَقله فَلَا يجوز أَن يَقع الْعلم بخبرهم وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِأَنَّهُ لَو لم يُوجب الْعلم لما وَجب الْعَمَل بِهِ إِذْ لَا يجوز الْعَمَل بِمَا لَا يُعلمهُ وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل بِمَا لَا يُوجب الْعلم كَمَا يَقُولُونَ فِي شَهَادَة الشُّهُود وَخبر الْمُفْتى وترتيب الْأَدِلَّة بَعْضهَا على بعض فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك كُله وَإِن لم يُوجب الْعلم

стр. 284

وَأما قَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِهِ مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم من طَرِيق الْقطع وَلَا من طَرِيق الظَّاهِر وَمَا يخبر بِهِ الْوَاحِد وَإِن لم يقطع بِهِ فَهُوَ مَعْلُوم من طَرِيق الظَّاهِر وَالْعَمَل بِهِ عمل بِالْعلمِ وَاحْتج أَصْحَاب الحَدِيث بِأَن أَصْحَاب هَذِه الْأَخْبَار على كثرتها لَا يجوز أَن تكون كلهَا كذبا وَإِذا وَجب أَن يكون فِيهَا صَحِيح وَجب أَن يكون ذَلِك مَا اشْتهر طَرِيقه وَعرفت عَدَالَة رُوَاته قُلْنَا يبطل بِهِ إِذا اخْتلف عُلَمَاء الْعَصْر فِي حَادِثَة على أَقْوَال لَا يحْتَمل غَيرهَا فَإنَّا نعلم أَنه لَا يجوز أَن تكون كلهَا بَاطِلا ثمَّ لَا يُمكن أَن نقطع بِصِحَّة وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه فَبَطل مَا قَالُوهُ وَاحْتج النظام بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم وَهُوَ إِذا أقرّ على نَفسه بِمَا يُوجب الْقَتْل وَالْقطع فَيَقَع الْعلم بِهِ لكل من سمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذا خرج الرجل من دَاره مخرق الثِّيَاب وَذكر أَن أَبَاهُ مَاتَ وَقع الْعلم لكل من سمع ذَلِك مِنْهُ فَدلَّ على أَن فِيهِ مَا يُوجب الْعلم وَالْجَوَاب هُوَ أَن لَا نسلم أَن الْعلم يَقع بِسَمَاعِهِ لِأَنَّهُ يجوز أَن يظْهر ذَلِك لغَرَض وَجَهل يحمل عَلَيْهِ وَقد شوهد من قتل نَفسه بِيَدِهِ وصلب نَفسه وَأخْبر بِمَوْت أَبِيه لغَرَض يصل إِلَيْهِ وَأمر يلتمسه فَإِذا احْتمل مَا ذَكرْنَاهُ لم يجز أَن يَقع الْعلم بِهِ

стр. 285

مَسْأَلَة ٧ يجوز التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد وَقَالَ بعض أهل الْبدع لَا يجوز ذَلِك من جِهَة الْعقل لنا هُوَ أَنه إِذا جَازَ فِي الْعقل أَن يعلق وجوب الْعِبَادَات على شَرَائِط إِذا وجدت تعلق بهَا الْوُجُوب جَازَ أَن يعلق وجوب الْعِبَادَة على مَا يخبر بِهِ الْعدْل وَلَا فرق بَينهمَا وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون فرض الْإِنْسَان مَا يخبر بِهِ الْمُفْتِي وَيشْهد بِهِ الشَّاهِد وان جَازَ عَلَيْهِم السَّهْو وَالْخَطَأ وَلم يقبح ذَلِك فِي الْعقل جَازَ أَن يرد التَّعَبُّد بِالرُّجُوعِ الى قَوْله فِي احكام الشَّرْع وَلِأَن مَا يُفْتى بِهِ الْمُفْتِي اخبار عَن دَلِيل من أَدِلَّة الشَّرْع وَرُبمَا كَانَ ذَلِك نصا وَرُبمَا كَانَ استنباطا فَإِذا جَازَ الرُّجُوع إِلَى خَبره مَعَ الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَلِأَن يجوز الرُّجُوع إِلَى خبر من روى قَول النَّبِي ﵇ أولى وَلِأَن الشَّرْع قد ورد بالتعبد بِهِ وَنحن ندل عَلَيْهِ وَلَو لم يجز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ لما ورد وَاحْتَجُّوا بِأَن التَّكْلِيف لَا يجوز أَن يتَعَلَّق إِلَّا بِمَا فِيهِ الْمصلحَة للمكلف

стр. 286

والمصلحة لَا يعلمهَا إِلَّا الله وَرَسُوله ﷺ وَإِذا كَانَ الْمخبر عَنْهُمَا وَاحِدًا لم نعلم الْمصلحَة لِأَنَّهُ يجوز عَلَيْهِ السَّهْو وَالْخَطَأ فَوَجَبَ أَن لَا يقبل قُلْنَا الْمصلحَة تتَعَلَّق بِمَا علق التَّكْلِيف عَلَيْهِ وَهُوَ خبر الْعدْل وَإِذا وجدنَا ذَلِك علمنَا مَا تعلق بِهِ الْمصلحَة وَإِن لم نعلم حَقِيقَة الْحَال فِيمَا أخبر بِهِ وَهَذَا كَمَا تَقول فِي الْحَاكِم إِذا شهد عِنْده شَاهِدَانِ بِحَق ثَبت عِنْده عدالتهما جَازَ لَهُ أَن يحكم بِهِ وَكَانَ ذَلِك الحكم الَّذِي أوجب الله تَعَالَى وَإِن لم يعلم حَال الْمَشْهُود بِهِ فِي الْبَاطِن وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ هَذَا طَرِيقا فِي رد الْخَبَر لوَجَبَ أَن يَجْعَل ذَلِك طَرِيقا فِي رد الْفَتْوَى فَيُقَال إِن التَّعَبُّد لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِمَا فِيهِ مصلحَة الْمُكَلف وَذَلِكَ لَا يعلم بقول الْوَاحِد فَيجب أَن لَا يقبل وَلما لم يَصح أَن يُقَال هَذَا فِي الْفَتْوَى لم يَصح أَن يُقَال ذَلِك فِي الْأَخْبَار وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف لجَوَاز السَّهْو وَالْخَطَأ على الْمخبر لوَجَبَ أَن لَا يجوز التَّعَبُّد بطرِيق الِاجْتِهَاد وَبِنَاء دَلِيل على دَلِيل وترتيب لفظ على لفظ لِأَن السَّهْو وَالْخَطَأ فِي ذَلِك كُله يجوز وَهَذَا لَا يَقُوله أحد فَبَطل مَا قَالُوهُ قَالُوا لَو جَازَ التَّعَبُّد بِمَا يخبر بِهِ الْوَاحِد وَإِن لم يَقع الْعلم بِخَبَرِهِ لجَاز أَن يقبل خبر الْفَاسِق وَالْمَجْنُون قُلْنَا لَو ورد التَّعَبُّد بقبوله لقبلناه ثمَّ لَيْسَ إِذا لم يقبل من الْفَاسِق وَالْمَجْنُون لم يقبل مِمَّن لَا يَقع الْعلم بِخَبَرِهِ كَمَا تَقول فِي الشَّهَادَة وَالْفَتْوَى لَا تقبل من الْفَاسِق وَالْمَجْنُون ثمَّ تقبل مِمَّن لَا يَقع الْعلم بِخَبَرِهِ وَلِأَن الْعُقَلَاء يرجعُونَ إِلَى من يوثق بِخَبَرِهِ فِي أُمُورهم وَلَا يرجعُونَ إِلَى من لَا يوثق بِهِ من المجانين والفساق فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا

стр. 287

مَسْأَلَة ٨ يجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد من جِهَة الشَّرْع وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يجب الْعَمَل بِهِ من جِهَة الْعقل وَالشَّرْع وَقَالَ القاساني لَا يجب الْعَمَل بِهِ وَهُوَ قَول ابْن دَاوُد والرافضة

стр. 288

لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدَّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فَأوجب الحذر مِمَّا تنذر بِهِ الطَّائِفَة فَإِن قيل وجوب الْإِنْذَار لَا يدل على وجوب الرُّجُوع إِلَى قَول الْمُنْذر وَحده بل يجوز أَن يفْتَقر الرُّجُوع إِلَى آخر كَمَا يجب على الشَّاهِد أَن يشْهد بِمَا عِنْده ثمَّ لَا يجب الْعَمَل بقوله حَتَّى يشْهد مَعَه غَيره قيل قد أوجب الْإِنْذَار وَأوجب الحذر من الْمُخَالفَة وَهَذَا يَقْتَضِي وجوب الحذر بِمُجَرَّد الْإِنْذَار فَإِن قيل الحذر هُوَ أَن ينظر وَيعْمل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل لَا أَن يعْمل بِمَا أخبر بِهِ قيل إِذا تعلق الْوَعيد بترك أَمر فالحذر عَن مُخَالفَته هُوَ أَن يفعل ذَلِك الشَّيْء فَأَما إِذا لم يفعل فَلم يحذر فَلم يكن ممتثلا لما اقْتَضَاهُ الظَّاهِر وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَدلَّ على أَنه إِذا جَاءَهُ عدل لم يتَبَيَّن فِي خَبره وَأَيْضًا فَإِن النَّبِي ﵇ كَانَ بعث أَصْحَابه إِلَى الْبلدَانِ أُمَرَاء وعمالا وقضاة وَاحِدًا وَاحِدًا وَلَو لم يجز الْعَمَل بِخَبَر كل وَاحِد مِنْهُم لما بَعثهمْ آحادا فَإِن قيل يجوز أَن يكون قد بَعثهمْ إِلَى قوم فِي أَحْكَام علموها بالتواتر قبل بعثة الرَّسُول كَمَا علمُوا فِي قَوْلكُم وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد قبل بعث الرُّسُل قيل لَو كَانَ نقل إِلَيْهِم فِي ذَلِك تَوَاتر لنقل إِلَيْنَا وعلمناه كَمَا علمنَا كل مَا تَوَاتر بِهِ الْخَبَر وَأما وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فقد علموه بِمَا تَوَاتر بِهِ الْخَبَر من بعثة الرُّسُل إِلَى كل جِهَة

стр. 289

فَإِن قيل فقد كَانَ أَيْضا يبْعَث وَيَدْعُو إِلَى الْإِيمَان وَإِن لم يكن مَعْلُوما من جِهَة الرُّسُل فَكَذَلِك فِي الْأَحْكَام قيل عندنَا لم يعلم وجوب الْإِيمَان إِلَّا من جِهَة الشَّرْع وَعِنْدهم يعلم ذَلِك بِالْعقلِ فَبعث من ينبههم على أَعمال الْفِكر وَالنَّظَر فِي الدَّلِيل وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃ فَإِنَّهُم عمِلُوا بأخبار الْوَاحِد فِي مسَائِل مُخْتَلفَة وَأَحْكَام شَتَّى روى أَن أَبَا بكر ﵁ عمل بِخَبَر الْمُغيرَة وَمُحَمّد بن مسلمة فِي مِيرَاث الْجدّة وَعمل عمر ﵁ بِخَبَر عبد الرَّحْمَن فِي أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وبخبر حمل بن مَالك فِي دِيَة الْجَنِين وَقَالُوا لَوْلَا هَذَا لقضينا بِغَيْرِهِ

стр. 290

وَبِحَدِيث الضَّحَّاك بن سُفْيَان فِي تَوْرِيث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا وَعمل عُثْمَان ﵁ بِخَبَر فريعة بنت مَالك فِي سُكْنى الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ كَانَ إِذا حَدثنِي أحد عَن رَسُول الله ﷺ بِشَيْء أحلفته فَإِن حلف صدقته إِلَّا أَن أَبَا بكر ﵁ فَإِنَّهُ حَدثنِي وَصدق أَبُو بكر وَعمل ابْن عمر فِي ترك المخابرة بِحَدِيث رَافع بن خديج وَعمل ابْن عَبَّاس ﵁ بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي الرِّبَا فِي النَّقْد وَعمل زيد بن ثَابت ﵁ بِخَبَر امْرَأَة من الْأَنْصَار أَن الْحَائِض تنفر بِغَيْر وداع

стр. 291

وَعَلمُوا كلهم بِحَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ إِن الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَبِحَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي التقاء الختانين فَدلَّ على وجوب الْعَمَل بِهِ فَإِن قيل هَذِه أَخْبَار آحَاد فَلَا يحْتَج بهَا فِي إِثْبَات خبر الْوَاحِد قيل هَذَا تَوَاتر من طَرِيق الْمَعْنى فَإِنَّهَا وَإِن وَردت فِي قصَص مُخْتَلفَة فَهِيَ متفقة على إِثْبَات خبر الْوَاحِد فَصَارَ ذَلِك كالأخبار المتواترة فِي سخاء حَاتِم وشجاعة عَليّ كرم الله وَجهه فَإِن قيل يجوز أَن يكون قد علمُوا بذلك لأسباب اقترنت بهَا قيل لم ينْقل غير الْأَخْبَار وَالرُّجُوع إِلَيْهَا فَمن ادّعى زِيَادَة على ذَلِك احْتَاجَ إِلَى دَلِيل وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هُنَاكَ سَبَب آخر يُوجب الْعَمَل بِهِ لنقل وَلم يخل بِهِ فَإِن قيل إِنَّمَا رجعُوا إِلَى تِلْكَ الْأَخْبَار لِأَنَّهَا نقلت بِحَضْرَة الصَّحَابَة ﵃ وَلم يُنكر على رواتها فَصَارَ ذَلِك إِجْمَاعًا مِنْهُم على قبُولهَا فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهَا لأجل الْإِجْمَاع قيل لَو كَانَت تِلْكَ الْأَخْبَار عِنْد جَمَاعَتهمْ لما أشكلت عَلَيْهِم الْأَحْكَام قبل رِوَايَتهَا فَإِن قيل إِن كَانَ قد نقل عَنْهُم الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فقد نقل عَنْهُم أَيْضا الرَّد لخَبر الْوَاحِد

стр. 292

أَلا ترى أَن أَبَا بكر ﵁ لم يقبل خبر الْمُغيرَة حَتَّى شهد مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة ورد عمر ﵁ خبر أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي الاسْتِئْذَان حَتَّى شهد مَعَه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ورد عَليّ ﵇ حَدِيث أبي سِنَان فِي المفوضة قيل قبولهم على مَا بَيناهُ دَلِيل على وجوب الْعَمَل بِهِ وردهم لَا يدل على أَنه لَا يجوز الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ يجوز الرَّد إِذا وجد عِلّة تَقْتَضِي الرَّد أَلا ترى أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر يجب الْعَمَل بِهِ بِالْإِجْمَاع ثمَّ رددنا تَوَاتر النَّصَارَى أَن الْمَسِيح صلب وَلَا يمْنَع ذَلِك الْعَمَل بالمتواتر لَا سِيمَا وَقد روى فِي بعض الْمَوَاضِع الَّتِي ذكروها الْعلَّة الَّتِي اقْتَضَت الرَّد والتوقف فَروِيَ عَن عمر أَنه قَالَ فِي الاسْتِئْذَان لأبي مُوسَى فعلت ذَلِك لكَي لَا يجترأ على رَسُول الله ﷺ وَقَالَ عَليّ ﵇ فِي خبر أبي سِنَان أَعْرَابِي بوال على عَقِبَيْهِ أَي لَا يعرف الْأَحْكَام فَلَا يعول على رِوَايَته

стр. 293

وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه إِخْبَار عَن حكم شَرْعِي فَوَجَبَ قبُول خبر الْوَاحِد فِيهِ كالفتوى وَلِأَنَّهُ لَو لم يجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد لوَجَبَ أَن يكون مَا بَين النَّبِي ﵇ طول عمره يخْتَص بِهِ من سمع ذَلِك مِنْهُ لَا يلْزم غَيره اعْتِقَاده وَالْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ لم ينْقل إِلَى غَيره نقل تَوَاتر وَهَذَا لَا يَقُوله أحد وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَمَا أخبر بِهِ الْوَاحِد لَا علم لَهُ بِهِ فَيجب أَن لَا يقفو قُلْنَا إِن كَانَ الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عملا بِمَا لَا علم لَهُ بِهِ فَرده أَيْضا عمل بِمَا لَا علم لَهُ بِهِ فَيجب أَن لَا يرد وعَلى أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عندنَا عمل لما يُعلمهُ لِأَن الَّذِي دلّ على وجوب الْعَمَل بِهِ مُوجب للْعلم قَاطع للْعُذْر وَإِن كَانَ مَا يخبر بِهِ يجوز فِيهِ الصدْق وَالْكذب وَهَذَا كَمَا تَقول فِي الرُّجُوع إِلَى قَول الشَّاهِد وَقَول الْمُفْتِي إِنَّه رُجُوع إِلَى الْعلم وَالْعَمَل بِهِ وَإِن كَانَ مَا يشْهد بِهِ الشَّاهِد ويفتى بِهِ الْمُفْتِي يجوز أَن يكون صَحِيحا وَيجوز أَن يكون بَاطِلا قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يقبل من غير دَلِيل لوَجَبَ أَن يقبل قَول من ادّعى النُّبُوَّة من غير دَلِيل قُلْنَا نعارضكم بِمثلِهِ فَنَقُول وَلَو جَازَ رد خبر الْوَاحِد من غير دَلِيل لجَاز رد قَول النَّبِي ﵇ من غير دَلِيل وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يقبل قَول الْمُفْتِي وَخبر الشَّاهِد من غير حجَّة وَإِن لم تقبل دَعْوَى النُّبُوَّة من غير حجَّة جَازَ أَيْضا أَن يقبل خبر الْوَاحِد وَإِن لم تقبل دَعْوَى النُّبُوَّة من غير حجَّة وعَلى أَن خبر الْوَاحِد لَا يقبل إِلَّا بِدَلِيل وَهُوَ مَا دللنا بِهِ على وجوب الْعَمَل بِهِ من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَيُخَالف دَعْوَى النُّبُوَّة فَإِن هُنَاكَ لَو نعلم نبوته إِلَّا من جِهَته وَلم يقم دَلِيل على صِحَّته فَلم يثبت وَهَاهُنَا الشَّرْع قد ثَبت قبله وَعلم من جِهَته قبُوله فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ

стр. 294

قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ قبُول خبر الْوَاحِد فِي فروع الدَّين لجَاز قبُوله فِي الْأُصُول من التَّوْحِيد وَإِثْبَات الصِّفَات قُلْنَا فِي مسَائِل الْأُصُول أَدِلَّة توجب الْقطع من طَرِيق الْعقل فَلَا يعدل عَنْهَا إِلَى خبر الْوَاحِد كَمَا أَن من عاين الْقبْلَة لَا يرجع إِلَى الِاجْتِهَاد فِي طلبَهَا وَلَيْسَ كَذَلِك الْفُرُوع فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا طَرِيق يُوجب الْقطع فَجَاز الرُّجُوع فِيهَا إِلَى الظَّن كَمَا نقُول فِي الْغَائِب عَن الْقبْلَة قَالُوا وَلِأَن بَرَاءَة الذِّمَّة متيقنة وَخبر الْوَاحِد مَوضِع شكّ فَلَا يجوز إِزَالَة الْيَقِين بِالشَّكِّ قُلْنَا نَحن لَا نزيل الْيَقِين إِلَّا بِيَقِين مثله وَوُجُوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد يَقِين وَإِن كَانَ مَا تضمنه غير مُتَيَقن وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا فِي رد الْخَبَر لوَجَبَ أَن يَجْعَل طَرِيقا فِي إبِْطَال الشَّهَادَة والفتاوى فَيُقَال بَرَاءَة الذِّمَّة متيقنة وَالشَّهَادَة وَالْفَتْوَى مَوضِع شكّ وشبهة فَلَا يتْرك الْيَقِين بِالشَّكِّ وعَلى أَن حكم الأَصْل غير مُتَيَقن بعد وُرُود الْخَبَر بل هُوَ حَال شكّ وشبهة لأَنا نجوز أَن يكون الْأَمر قد تغير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الأَصْل فَلَا يكون الْعَمَل بالْخبر إِزَالَة يَقِين بِالشَّكِّ قَالُوا وَلِأَن الْمخبر كالمفتي ثمَّ ثَبت أَن مَا يُفْتِي بِهِ الْمُفْتِي لَا يلْزم الْعَالم الْعَمَل بِهِ حَتَّى يعلم صِحَّته فَكَذَلِك مَا يخبر الْمخبر يجب أَن لَا يلْزم الْعَمَل بِهِ حَتَّى تعلم صِحَّته قُلْنَا إِن كَانَ لَا يجوز للْعَالم أَن يعْمل بفتواه قبل الْعلم بِصِحَّتِهِ فَيجوز للعامي أَن يعْمل بِهِ قبل الْعلم بِصِحَّتِهِ فَلَيْسَ لَهُم أَن يتعلقوا بِأحد الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا وَلنَا أَن نتعلق بالفريق الآخر وَلِأَن الْعَالم لَا مشقة عَلَيْهِ فِي معرفَة مَا أفتى بِهِ لِأَن لَهُ اجْتِهَادًا يرجع إِلَيْهِ

стр. 295

وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإنَّا لَو ألزمنا النَّاس أَن يعرفوا مَا سَمِعُوهُ من الْأَخْبَار من طَرِيق التَّوَاتُر لشق على النَّاس فَصَارَ بمنزلتهم فِي ذَلِك من الْفَتْوَى منزلَة الْعَاميّ لما شقّ عَلَيْهِم الِانْقِطَاع إِلَى الْفِقْه جوز لَهُم التَّقْلِيد فِي الْفَتْوَى وَإِن لم يعلمُوا صِحَة مَا أفتوا بِهِ قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَاجِبا لوَجَبَ التَّوَقُّف عَنهُ وَعَن سَائِر أَدِلَّة الشَّرْع لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد جوز أَن يكون هُنَاكَ مَا هُوَ أولى من أَخْبَار الْآحَاد فَيحْتَاج أَن يتَوَقَّف عَن الْعَمَل بِهِ حَتَّى يُحِيط علمه بِجَمِيعِ مَا روى عَن النَّبِي ﷺ وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ فَوَجَبَ أَن يكون الْعَمَل بِهِ بَاطِلا قُلْنَا لَو كَانَ تَجْوِيز مَا هُوَ أولى مِنْهُ من الْأَدِلَّة يجوز أَن يمْنَع الْعَمَل بِمَا وَقع إِلَيْهِ مِنْهَا لوَجَبَ أَن لَا يجوز للْحَاكِم أَن يحكم بِشَهَادَة شَاهد وَلَا للعامي أَن يعْمل بفتوى فَقِيه لجَوَاز أَن يكون هُنَاكَ مَا هُوَ أولى مِنْهُ وَلما بَطل هَذَا بَطل مَا ذَكرُوهُ وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون هَذَا طَرِيقا للْمَنْع من الْأَخْبَار لوَجَبَ أَن يَجْعَل طَرِيقا إِلَى الْمَنْع من الْعَمَل بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّهُ مَتى رتب دَلِيلا على دَلِيل بِاجْتِهَادِهِ جوز أَن يكون هُنَاكَ مَا هُوَ أولى مِنْهُ فَيُؤَدِّي إِلَى إِبْطَاله وَلما لم يجز أَن يُقَال هَذَا فِي إبِْطَال الِاجْتِهَاد لم يجز أَن يُقَال فِي إبِْطَال الْأَخْبَار

стр. 296

مَسْأَلَة ٩ يجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَإِن انْفَرد الْوَاحِد بروايته وَقَالَ أَبُو عَليّ الجبائي لَا يجوز حَتَّى يرويهِ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ بعض النَّاس لَا يقبل أقل من أَرْبَعَة لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَدلَّ على أَنهم إِذا جَاءَهُم عدل لم يتبينوا وَأَيْضًا هُوَ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يبْعَث عماله وقضاته إِلَى الْبِلَاد آحادا فَبعث معَاذًا إِلَى الْيمن وَبعث عتاب بن أسيد إِلَى مَكَّة وَبعث مُصعب بن عُمَيْر إِلَى الْمَدِينَة وَبعث عمر وَأبي بن كَعْب وَأَبا هُرَيْرَة على الصَّدقَات وَاحِدًا وَاحِدًا

стр. 297

وَأَيْضًا فَإِن الصَّحَابَة رجعت فِي التقاء الختانين إِلَى حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَحدهَا وَلِأَنَّهُ خبر عَن حكم شَرْعِي فَلم يعْتَبر فِيهِ الْعدَد كالفتوى وَلِأَن مَالا يشْتَرط فِي الْفَتْوَى لَا يشْتَرط فِي قبُول الْخَبَر كالحرية والذكورة وَلِأَنَّهُ خبر لَا تشْتَرط فِيهِ الْحُرِّيَّة فَلَا يعْتَبر فِيهِ لاعدد كالخبر فِي الْأذن فِي دُخُول الدَّار وَقبُول الْهَدِيَّة وَلِأَنَّهُ طَرِيق لإِثْبَات الحكم فَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد دَلِيله الْأُصُول الَّتِي يُقَاس عَلَيْهَا ولأنا لَو اعْتبرنَا رِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى أَن يتَّصل بِالنَّبِيِّ ﷺ لشق ذَلِك فَوَجَبَ أَنِّي سقط اعْتِبَاره وَاحْتَجُّوا بِأَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ لم يعْمل بِخَبَر الْمُغيرَة فِي مِيرَاث الْجدّة حَتَّى شهد عِنْده مُحَمَّد بن مسلمة وَعمر لم يعْمل بِخَبَر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان حَتَّى شهد مَعَه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فَدلَّ على أَنه لَا بُد من الْعدَد وَالْجَوَاب هُوَ أَنه يجوز أَن يَكُونَا طلبا الزِّيَادَة احْتِيَاطًا وَلِهَذَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَا أتهمك وَلَكِنِّي أردْت أَن لَا يجترىء أحد على رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَنا روينَا عَن عمر ﵁ الرُّجُوع إِلَى خبر الْوَاحِد فَدلَّ على أَن التَّوَقُّف كَانَ لما ذَكرْنَاهُ قَالُوا وَلِأَنَّهُ خبر شَرط فِيهِ الْعَدَالَة فَاعْتبر فِيهِ الْعدَد أَصله الشَّهَادَات قُلْنَا هَذَا يبطل بالفتوى فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهِ الْعَدَالَة وَلَا يعْتَبر فِيهِ الْعدَد على أَنه لَو كَانَ بِمَنْزِلَة الشَّهَادَات لوَجَبَ أَن لَا يقبل من العبيد وَالنِّسَاء فِي الْحُدُود ولوجب أَن يخْتَلف عدده باخْتلَاف الْأَحْكَام كَمَا اخْتلفت الشَّهَادَات باخْتلَاف الْحُقُوق وَلما قبل ذَلِك من العبيد وَالنِّسَاء وَلم يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْكَام دلّ على أَنه بِمَنْزِلَة الْفَتْوَى

стр. 298

مَسْأَلَة ١٠ يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يقبل لنا هُوَ أَن الصَّحَابَة ﵃ رجعت إِلَى حَدِيث عَائِشَة فِي التقاء الختانين وَهُوَ مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى وَقَالَ ابْن عمر كُنَّا نخاير أَرْبَعِينَ سنة وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى أَتَانَا رَافع ابْن خديج فَأخْبر أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن ذَلِك فتركناه لقَوْل رَافع وَلِأَنَّهُ حكم شَرْعِي يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد فَجَاز إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد دَلِيله مَا لَا تعم بِهِ الْبلوى وَلِأَنَّهُ كل دَلِيل ثَبت بِهِ مَا لَا تعم بِهِ الْبلوى ثَبت بِهِ مَا تعم بِهِ الْبلوى كالسنة المتواترة وَلِأَن كل حكم ثَبت بِالْقِيَاسِ ثَبت بِخَبَر الْوَاحِد دَلِيله مَا لَا تعم بِهِ الْبلوى

стр. 299

وَلِأَن الْقيَاس فرع مستنبط من خبر الْوَاحِد فَإِذا جَازَ إِثْبَات مَا تعم بِهِ الْبلوى بِالْقِيَاسِ فَلِأَن يجوز بِخَبَر الْوَاحِد الَّذِي هُوَ أَصله أولى وَلِأَن وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد ثَبت بِدَلِيل قَاطع وَهُوَ إِجْمَاع الصَّحَابَة فَصَارَ كالقرآن الْمَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فَإِذا جَازَ إِثْبَات مَا تعم بِهِ الْبلوى بِالْقُرْآنِ جَازَ إثْبَاته أَيْضا خبر الْوَاحِد وَاحْتَجُّوا بِأَن مَا تعم بِهِ الْبلوى يكثر السُّؤَال عَنهُ وَإِذا كثر السُّؤَال عَنهُ كثر الْجَواب وَإِذا كثر الْجَواب كثر النَّقْل فَلَمَّا رَأينَا النَّقْل قد قل دلّ على أَنه لَا أصل لَهُ وَلِهَذَا الْمَعْنى رددنا حَدِيث الرافضة فِي النَّص على إِمَامَة عَليّ ﵇ وَقُلْنَا أَنه لَو كَانَ صَحِيحا لكثر النَّقْل فِيهِ وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نسلم أَنه إِذا كثر الْجَواب كثر النَّقْل بل يجوز أَن يكثر الْجَواب وَلَا يكثر النَّقْل وَذَلِكَ أَن نقل الْأَخْبَار على حسب الدَّوَاعِي وَلِهَذَا حج النَّبِي ﵇ فِي الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير وَبَين الْمَنَاسِك بَيَانا عَاما ثمَّ لم يروه إِلَّا نفر مِنْهُم وَلِهَذَا كَانَ كثير من الصَّحَابَة لَا يؤثرون رِوَايَة الْأَخْبَار فَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يكثر الْجَواب وَلَا يكثر النَّقْل وَيُخَالف هَذَا مَا ذَكرُوهُ من جِهَة الْإِمَامَة فَإِن ذَلِك عِنْدهم يجب على كل أحد أَن يُعلمهُ وَيقطع بِهِ فَلَا يجوز أَن يثبت بِنَقْل خَاص وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيجوز أَن ينْفَرد بِهِ الْبَعْض بِعِلْمِهِ وَيكون فرض البَاقِينَ الِاجْتِهَاد أَو التَّقْلِيد فَافْتَرقَا

стр. 300

مَسْأَلَة ١١ يقبل خبر الْوَاحِد وَإِن كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس وَيقدم عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَاب مَالك إِذا كَانَ مُخَالفا للْقِيَاس لم يقدم وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن كَانَ مُخَالفا لقياس الْأُصُول لم يقبل

стр. 301

لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِمعَاذ بِمَ تحكم قَالَ بِكِتَاب الله تَعَالَى قَالَ فَإِن لم تَجِد قَالَ بِسنة رَسُول الله ﷺ قَالَ فَإِن لم تَجِد قَالَ أجتهد رَأْيِي وَلَا آلو فَقَالَ النَّبِي ﵇ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله ﷺ لما يُحِبهُ ويرضاه رَسُول الله فرتب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ على السّنة فَدلَّ على أَن السّنة مُقَدّمَة وَيدل عَلَيْهِ أَن عمر ﵁ ترك الْقيَاس فِي الْجَنِين لحَدِيث حمل بن مَالك بن النَّابِغَة وَقَالَ لَوْلَا هَذَا لقضينا بِغَيْرِهِ وَرُوِيَ أَنه كَانَ يقسم ديات الْأَصَابِع على قدر مَنَافِعهَا ثمَّ ترك ذَلِك بقوله عَلَيْهِ

стр. 302

السَّلَام فِي كل إِصْبَع مِمَّا هُنَالك عشر من الْإِبِل وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد وَلِأَن الْقيَاس يدل على قصد صَاحب الشَّرْع من طَرِيق الظَّن وَالْخَبَر يدل على قَصده من طَرِيق الصَّرِيح فَكَانَ الرُّجُوع إِلَى الصَّرِيح أولى وَلِأَن الِاجْتِهَاد فِي الْخَبَر فِي عَدَالَة الرَّاوِي فَقَط وَفِي الْقيَاس عِلّة الأَصْل ثمَّ فِي إِلْحَاق الْفَرْع بِهِ لِأَن من النَّاس من منع إِلْحَاق الْفَرْع بِهِ إِلَّا بِدَلِيل آخر فَكَانَ الْمصير فِي مَا قل فِيهِ من جِهَة الِاجْتِهَاد أولى لِأَنَّهُ أسلم من الْغرَر وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَو سمع الْقيَاس وَالنَّص الْمُخَالف لَهُ من رَسُول الله ﷺ لقدم النَّص فِيمَا يتَنَاوَلهُ على الْقيَاس فَلِأَن يقدم على قِيَاس لم يسمع من رَسُول الله ﷺ أولى وَلِأَن النَّص ينْقض بِهِ حكم الْحَاكِم فِيمَا فِيهِ خلاف وَالْقِيَاس لَا ينْقض بِهِ فَدلَّ على أَن النَّص أقوى فَلَا يجوز تَركه لما هُوَ دونه وَأما أَصْحَاب أبي حنيفَة فَيُقَال لَهُم مَا الَّذِي تُرِيدُونَ بمخالفة الْأُصُول فَإِن قَالُوا نُرِيد بِهِ مَعَاني الْأُصُول فَهُوَ كَقَوْل أَصْحَاب مَالك وَقد بَينا فَسَاده وَلِأَنَّهُم ناقضوا فِي هَذَا فَإِنَّهُم يتركون الْقيَاس بِخَبَر الْوَاحِد ويسمونه مَوضِع الِاسْتِحْسَان وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة الْقيَاس أَن من أكل نَاسِيا بَطل صَوْمه إِلَّا أَنِّي أتركه لحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَقَالُوا الْقيَاس أَنه لَا يجوز التَّوَضُّؤ بنبيذ التَّمْر وَلَكنَّا تَرَكْنَاهُ لحَدِيث ابْن مَسْعُود وأمثال ذَلِك على أصلهم كثير

стр. 303

وَإِن أَرَادوا بالأصول الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وافقناهم عَلَيْهِ إِلَّا أَنهم يذكرُونَ ذَلِك فِي مَوَاضِع لَا كتاب فِيهَا وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَهُوَ فِي خبر الْمُصراة والتفليس والقرعة فَبَطل مَا قَالُوهُ ١ وَاحْتج أَصْحَاب مَالك بِأَن الْقيَاس يتَعَلَّق باستدلاله وَالْخَبَر رُجُوع إِلَى قَول الْغَيْر وَهَذَا بِفِعْلِهِ أوثق مِنْهُ بِفعل غَيره فَكَانَ الرُّجُوع إِلَيْهِ أولى وَلِهَذَا قدمنَا اجْتِهَاده على اجْتِهَاد غَيره من الْعلمَاء قُلْنَا لَا فرق بَينهمَا لِأَنَّهُ يرجع فِي عَدَالَة الرَّاوِي وَمَعْرِفَة صدقه إِلَى أَفعاله الَّتِي قد شَاهدهَا مِنْهُ كَمَا يرجع إِلَى الْمَعْنى الَّذِي أودعهُ صَاحب الشَّرِيعَة فِي الأَصْل فَيحكم بِهِ فِي الْفَرْع بل طَرِيق معرفَة الْعَدَالَة أظهر لِأَنَّهُ رُجُوع إِلَى العيان والمشاهدة وَطَرِيق معرفَة الْعلَّة الْفِكر وَالنَّظَر فَكَانَ الرُّجُوع إِلَى الْخَبَر أولى قَالُوا وَلِأَن الْأُصُول وَإِن اتّفقت على إِيجَاب حكم لم تحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا وَخبر الْوَاحِد يحْتَمل السَّهْو على رُوَاته فَلَا يجوز ترك مَالا يحْتَمل بِمَا هُوَ مُحْتَمل كنص الْقُرْآن بِالسنةِ إِذا تَعَارضا قُلْنَا إِنَّمَا يجوز تَرْجِيح أحد الْأَمريْنِ على الآخر بِنَفْي الِاحْتِمَال إِذا ثَبت أَنَّهُمَا دليلان وَفِي مَسْأَلَتنَا الْقيَاس لَيْسَ بِدَلِيل إِذا عَارضه النَّص فَلَا يجوز أَن يرجع على النَّص بِنَفْي الِاحْتِمَال على أَن هَذَا يبطل بِنَصّ السّنة إِذا عَارضه مُقْتَضى الْعقل فِي بَرَاءَة الذِّمَّة فَإِن بَرَاءَة الذِّمَّة فِي الْعقل لَا تحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا وَنَصّ السّنة يحْتَمل السَّهْو على رُوَاته ثمَّ يقدم على مُقْتَضى الْعقل الَّذِي لَا احْتِمَال فِيهِ قَالُوا إِذا اتّفقت الْأُصُول على شَيْء وَاحِد دلّت على صِحَة الْعلَّة قطعا ويقينا فَلَو قبلنَا خبر الْوَاحِد فِي مُخَالفَته لنقضنا الْعلَّة وَصَاحب الشَّرْع لَا يتناقض فِي علله فَيجب أَن يحمل الْخَبَر على أَن الرَّاوِي سَهَا فِيهِ وَلِهَذَا رددنا مَا خَالف أَدِلَّة الْعُقُول من الْأَخْبَار المروية فِي السّنة لما أوجب نقض أَدِلَّة قَاطِعَة

стр. 304

قُلْنَا لَا نسلم أَنه إِذا خَالف النَّص كَانَ ذَلِك عِلّة لصَاحب الشَّرْع حَتَّى لَا يجوز أَن يتناقض فِيهِ فَيجب أَن يثبتوا عِلّة حَتَّى يَصح هَذَا الدَّلِيل ثمَّ يبطل بِهِ إِذا عَارضه نَص كتاب أَو خبر متواتر فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نقض عِلّة صَاحب الشَّرْع على زعمهم ثمَّ يقبل وَيقدم على الْقيَاس وعَلى أَنه مَتى خَالف النَّص زِدْنَا فِيهِ وَصفا آخر فَمنع من دُخُول النَّقْض وَيُخَالف هَذَا إِذا ورد النَّص مُخَالفا لأدلة الْعقل فَإِنَّهُ لَا يُمكن الزِّيَادَة فِي أَدِلَّة الْعقل وَهَاهُنَا يُمكن فَافْتَرقَا وَلِأَن الشَّرْع لَا يجوز أَن يرد بِمَا يُخَالف أَدِلَّة الْعُقُول فَعلمنَا أَنه خطأ من الرَّاوِي وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ يجوز أَن يرد النَّص بِمَا يُخَالف الْقيَاس فَافْتَرقَا

стр. 305

إِذا روى الْخَبَر اثْنَان وَتفرد أَحدهمَا بِزِيَادَة قبلت الزِّيَادَة

стр. 306

وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث لَا تقبل الزِّيَادَة أصلا لنا هُوَ أَن هَذِه الزِّيَادَة لَا تنَافِي الْمَزِيد عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَو انْفَرد أَحدهمَا بِزِيَادَة حَدِيث لَا يرويهِ الآخر وَلِأَنَّهُ يجوز أَن يكون أَحدهمَا سمع الحَدِيث من أَوله إِلَى آخِره وَالْآخر سمع بعضه أَو أَحدهمَا ذكر الحَدِيث كُله وَالْآخر نسي بعضه فَلَا يجوز رد الزِّيَادَة بِالشَّكِّ وَلِأَن الْخَبَر كَالشَّهَادَةِ ثمَّ فِي الشَّهَادَة لَو شهد شَاهِدَانِ على رجل أَنه أقرّ بِأَلف وَشهد آخرَانِ أَنه أقرّ بِأَلف وَخَمْسمِائة فَإِنَّهُ تثبت الزِّيَادَة فَكَذَلِك فِي الْخَبَر وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا مِمَّا لَا يقبل لوَجَبَ أَن لَا يقبل مَا انْفَرد بِهِ أبي وَابْن مَسْعُود فِي الْقرَاءَات لِأَنَّهَا رِوَايَات انفردوا بهَا عَن الصَّحَابَة وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمَا مشتركان فِي السماع فَلَو كَانَت الزِّيَادَة صَحِيحَة لاشتركا فِيهَا قُلْنَا تبطل بِمَا ذَكرْنَاهُ من الشُّهُود على أَنا بَينا أَنه يجوز سَماع الْبَعْض دون الْبَعْض وَيجوز أَن يشتركا فِي الْجَمِيع وينسى أَحدهمَا بعضه وَإِذا احْتمل هَذَا لم يجز رد الزِّيَادَة قَالُوا وَلِأَن فِي التَّقْوِيم يقدم قَول من قوم بِالنُّقْصَانِ فَكَذَلِك فِي الْخَبَر قُلْنَا هَذَا مُخَالف للتقويم فَإِن شَهَادَة الْمُقَوّم مُعَارضَة فِي الزِّيَادَة أَلا ترى أَن من قوم بِالنُّقْصَانِ يذكر أَنه عرف السّلْعَة وسعر السُّوق وَلَا تَسَاوِي إِلَّا

стр. 307

كَذَا وَمن قوم بِالزِّيَادَةِ يذكر أَنه عرف السّلْعَة وسعر السُّوق وَهُوَ يُسَاوِي كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الْخَبَر فَإِن من روى الْخَبَر نَاقِصا لَا يمْنَع الزِّيَادَة فَلَا يقْدَح فِي صِحَّتهَا فَوَجَبَ الْأَخْذ بهَا قَالُوا مَا اتفقنا عَلَيْهِ من الْخَبَر يَقِين وَالزِّيَادَة مَشْكُوك فِيهَا فَلَا يتْرك الْيَقِين بِالشَّكِّ قُلْنَا فَيجب إِذا انْفَرد أَحدهمَا بِخَبَر لم يروه الآخر أَن لَا يقبل فَيُقَال أحد الْخَبَرَيْنِ يَقِين وَالْآخر مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يتْرك الْيَقِين بِالشَّكِّ على أَنا لَا نقُول إِن الزِّيَادَة مَشْكُوك فِيهَا بل هِيَ ثَابِتَة على مُقْتَضى الظَّاهِر لِأَنَّهُ ثِقَة فَلَو لم يسمع لما ذكر وَالْأَخْذ بِالظَّاهِرِ من الْأَخْبَار وَاجِب قَالُوا إِذا انْفَرد وَاحِد من الْجَمَاعَة بِزِيَادَة فقد خَالف إِجْمَاع أهل الْعَصْر فَهُوَ كالواحد إِذا خَالف الْإِجْمَاع قُلْنَا الْمَعْنى هُنَاكَ أَن أهل الِاجْتِهَاد أَجمعُوا على خطئه فوزانه من مَسْأَلَتنَا أَن يجمع أهل الِاجْتِهَاد على إبِْطَال الزِّيَادَة فَتسقط وَأما هَاهُنَا فَإِنَّهُم لم يقطعوا بِإِبْطَال الزِّيَادَة فَوَجَبَ الْأَخْذ بهَا قَالُوا لَو كَانَ لهَذِهِ الزِّيَادَة أصل لما خص رَسُول الله ﷺ بَعضهم بهَا لِأَن فِي ذَلِك ترعيضا للباقين للخطأ قُلْنَا لَا نقُول إِنَّه خص بَعضهم بِالزِّيَادَةِ بل حدث الْجَمِيع بِالْحَدِيثِ كُله وَلَكِن نسي بَعضهم بعض الحَدِيث أولم يحضر بَعضهم من أول الحَدِيث إِلَى آخِره وعَلى أَنه يجوز أَن لَا يحدث بَعضهم بِجَمِيعِ الحَدِيث على التَّفْصِيل إِذا لم تدع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان وَإِنَّمَا لَا يجوز ذَلِك عِنْد الْحَاجة فَسقط مَا قَالُوهُ قَالُوا وَلِأَنَّهُ قد جرت عَادَة الروَاة بتفسير الْأَحَادِيث وإدراج ذَلِك فِي جملَة الْخَبَر فَلَا يُؤمن أَن تكون هَذِه الزِّيَادَة من هَذَا الْجِنْس فَيجب أَن لَا تقبل

стр. 308

قُلْنَا إِذا أسْندهُ إِلَى النَّبِي ﷺ فَالظَّاهِر أَن الْجَمِيع من قَوْله ﷺ على أَنه لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا فِي إبِْطَال الزِّيَادَة لوَجَبَ أَن يَجْعَل ذَلِك طَرِيقا فِي رد الْأَخْبَار أصلا فَيُقَال إِن الروَاة يغلطون فيروون عَن النَّبِي ﷺ مَا لَيْسَ عَنهُ فَلَا يُؤمن أَن تكون هَذِه الْأَخْبَار من ذَلِك الْجِنْس فَلَمَّا بَطل هَذَا فِي رد الْخَبَر أصلا بَطل فِي رد الزِّيَادَة

стр. 309

مَسْأَلَة ١٣ إِذا روى الثِّقَة حَدِيثا مُسْندًا وأرسله غَيره لم يقْدَح ذَلِك فِي الرِّوَايَة وَكَذَلِكَ إِذا رَفعه أَحدهمَا ووقه الآخر على الصَّحَابِيّ وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث إِن ذَلِك يقْدَح فِي رِوَايَة من وَصله وأسنده لنا هُوَ أَنه من أرسل ذَلِك مِنْهُمَا يجوز أَن يكون قد أغفل من سمع مِنْهُ وَاخْتَارَ إرْسَاله لغَرَض وَالَّذِي وَقفه يجوز أَن يكون قد سمع فَتْوَى الصَّحَابِيّ عَن نَفسه فَإِن من عِنْده حَدِيث يجوز أَن يرويهِ مرّة ويفتي بِهِ أُخْرَى فَلَا يجوز رد مَا أسْندهُ الثِّقَة وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ أَحدهمَا مُسْندًا أَو مَرْفُوعا لشاركه الآخر فِي إِسْنَاده وَرَفعه كَمَا شَاركهُ فِي سَمَاعه وَالْجَوَاب هُوَ أَنه يجوز أَن يكون قد أرْسلهُ وَوَقفه لما بَيناهُ فَلَا يجوز أَن يَجْعَل ذَلِك قدحا فِي رِوَايَته

стр. 310

مَسْأَلَة ١٤ مَرَاسِيل غير الصَّحَابَة لَيست بِحجَّة وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة هُوَ حجَّة وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَقَالَ عِيسَى بن أبان تقبل مَرَاسِيل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابع التَّابِعين وَلَا تقبل مَرَاسِيل من بعدهمْ إِلَّا أَن يكون إِمَامًا لنا مَا اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي ﵁ وَهُوَ أَن الْخَبَر كَالشَّهَادَةِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْعَدَالَة مُعْتَبرَة فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ ثَبت أَن الْإِرْسَال فِي الشَّهَادَة يمْنَع صِحَّتهَا فَكَذَلِك هَاهُنَا فِي الْخَبَر

стр. 311

فَإِن قيل الشَّهَادَة آكِد من الْخَبَر أَلا ترى أَن الشَّهَادَة لَا تقبل من العَبْد وَلَا من شُهُود الْفَرْع مَعَ حُضُور شُهُود الأَصْل وَالْأَخْبَار تقبل من العَبْد وَتقبل من الرَّاوِي مَعَ حُضُور الْمَرْوِيّ عَنهُ فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا قيل هما وَإِن افْتَرقَا فِيمَا ذكرْتُمْ إِلَّا أَنَّهُمَا يتساويان فِي اعْتِبَار الْعَدَالَة والإرسال يمْنَع ثُبُوت الْعَدَالَة فيهمَا فَيجب أَن يمْنَع صحتهما وَأَيْضًا هُوَ أَن من شَرط الْخَبَر عَدَالَة الرَّاوِي فَإِذا روى مُرْسلا جهلت عَدَالَة الرَّاوِي فَيجب أَن لَا يقبل فَإِن قيل الظَّاهِر أَنه لم يرو إِلَّا عَن عدل قيل لَيْسَ الظَّاهِر مَا ذكرْتُمْ بل يجوز أَن يرْوى عَن عدل وَغير عدل وَقد جرت عَادَة أَصْحَاب الحَدِيث بالرواية عَن كل أحد وَلِهَذَا قَالَ ابْن سِيرِين لَا تَأْخُذُوا بمراسيل الْحسن وَأبي الْعَالِيَة فَإِنَّهُمَا لَا يباليان مِمَّن أخذا وعَلى أَن عِنْدهم لَو أرسل عَمَّن لَا يعرفهُ وَلَا يعرف عَدَالَته لجَاز الْعَمَل بِهِ فَسقط مَا قَالُوهُ وَاحْتَجُّوا بِأَن الرَّاوِي لَا يُرْسل الحَدِيث إِلَّا مِمَّن يقطع بِصِحَّتِهِ وَثُبُوت طَرِيقه وَلِهَذَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم أَنه قَالَ إِذا رويت عَن عبد الله وأسندت فقد حَدثنِي وَاحِد وَإِذا أرْسلت فقد حَدثنِي جمَاعَة

стр. 312

وَقَالَ الْحسن وَقد أرسل حَدِيثا فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ حَدثنِي بِهِ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا فَدلَّ على أَن الْمُرْسل كالمسند وَأقوى مِنْهُ قُلْنَا يجوز أَن يكون قد أرسل لما ذكرْتُمْ وَيجوز أَن يكون قد أرسل لِأَنَّهُ نسي الْمَرْوِيّ عَنهُ وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَر لِأَنَّهُ جرت الْعَادة أَنهم يَقُولُونَ عِنْد النسْيَان قَالَ النَّبِي ﵇ وَعند الذّكر وَالْحِفْظ يذكرُونَ الْإِسْنَاد وَيجوز أَن يكون قد أرسل لِأَنَّهُ لم يرض الرِّوَايَة عَنهُ أَو يستنكف عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَإِذا احْتمل هَذَا سقط مَا ذَكرُوهُ وعَلى أَن أَكثر مَا فِي هَذَا أَن يكون الْمَرْوِيّ عَنهُ عِنْده ثِقَة فَأرْسل عَنهُ وَبِهَذَا الْقدر لَا يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ حَتَّى يُبينهُ لنا فَنَنْظُر فِي عَدَالَته قَالُوا وَلِأَن الظَّاهِر أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عِنْد صِحَة الحَدِيث لِأَنَّهُ مَتى شكّ بَين إِسْنَاده حَتَّى تلْزمهُ عهدته فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ أرسل دلّ على صِحَة الحَدِيث وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَنه يحْتَمل إرْسَاله لما ذَكرُوهُ وَيحْتَمل مَا بَيناهُ والجميع مُعْتَاد مُتَعَارَف فَلَا يَصح حمل الْأَمر على أحد الْوَجْهَيْنِ دون الآخر وعَلى أَن هَذَا كُله يبطل بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة فَإِنَّهُ إِذا لم يسم شَاهد الْفَرْع شَاهد الأَصْل لم يَصح وَإِن كَانَ الظَّاهِر أَنه مَا ترك تَسْمِيَته إِلَّا لصِحَّة الْأَمر عِنْده قَالُوا وَلِأَن الْمَرْوِيّ عَنهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون على صفة يقبل خَبره أَو لَا يقبل خَبره وَلَا يجوز أَن يكون على صفة لَا يقبل خَبره لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يكون الْإِرْسَال عَنهُ يقْدَح فِي دين الرَّاوِي عَنهُ حَتَّى لَا يقبل مُسْنده وَلما ثَبت أَن مُسْنده يقبل دلّ على أَن الْمَرْوِيّ عَنهُ على صفة يقبل خَبره فَوَجَبَ قبُول الْمُرْسل عَنهُ قُلْنَا يجوز أَن يكون على صفة لَا يقبل خَبره وَلَكِن لَا يقْدَح ذَلِك فِي سَنَد الرَّاوِي عَنهُ لِأَنَّهُ يجوز أَن لَا يعرفهُ وَهُوَ مِمَّن يعْتَقد جَوَاز الرِّوَايَة عَن المجاهيل وَيجوز أَن يكون قد نسي اسْمه فَلَا يجب أَن الْقدح فِي عَدَالَته

стр. 313

وعَلى أَن أَكثر مَا فِيهِ أَن يكون الْمَرْوِيّ عَنهُ عدلا عِنْده فَأرْسلهُ لذَلِك وعدالته عِنْده لَا تَكْفِي فِي وجوب الْعَمَل حَتَّى ينظر فِي حَاله وعَلى أَنه لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا فِي إرْسَال الْخَبَر لوَجَبَ أَن يَجْعَل دَلِيلا فِي إرْسَال الشَّهَادَة فَيُقَال الْمَشْهُود على شَهَادَته لَا يَخْلُو من أَن يكون مَرْدُود الشَّهَادَة فَيجب أَن يُوجب ذَلِك قدحا فِي عَدَالَة هَذَا الشَّاهِد فَلَا تقبل شَهَادَته فِي شَيْء أَو مَقْبُول الشَّهَادَة فَيجب قبُول الشَّهَادَة عَلَيْهِ مَعَ الْإِرْسَال وَلما بَطل هَذَا فِي الشَّهَادَة بَطل فِي الْأَخْبَار قَالُوا من قبل مُسْنده قبل مرسله كالصحابة وَالْجَوَاب أَن أَبَا إِسْحَق الإِسْفِرَايِينِيّ لم يسلم هَذَا لَا تقبل مَرَاسِيل الصَّحَابَة كَمَا لَا تقبل مَرَاسِيل التَّابِعين وَالْمذهب أَنه تقبل مراسيلهم لأَنهم لَا يرسلون إِلَّا عَن الصَّحَابَة وَقد ثبتَتْ عدالتهم فَلَا يحْتَاج إِلَى النّظر فِي أَحْوَالهم والتابعون يروي بَعضهم عَن بعض وعدالتهم غير ثَابِتَة فَوَجَبَ الْكَشْف عَن حَالهم قَالُوا وَلِأَنَّهُ إرْسَال فَأشبه إرْسَال ابْن الْمسيب قُلْنَا من أَصْحَابنَا من قَالَ مراسيله ومراسيل غَيره سَوَاء وَالشَّافِعِيّ ﵁ اسْتحْسنَ مراسيله فِي التَّرْجِيح بهَا وَمِنْهُم من سلم لِأَنَّهَا تتبعت فَوجدت مسانيدا عَن الصَّحَابَة وَهَذَا الْمَعْنى لم يثبت فِي مَرَاسِيل غَيره فَافْتَرقَا قَالُوا لَو لم يكن الْمُرْسل حجَّة لما اشْتغل النَّاس بروايته وَكتبه

стр. 314

قُلْنَا يجوز أَن يكون قد اشتغلوا بروايته وَكتبه للترجيح بِهِ أَو ليعرف كَمَا كتب أَخْبَار الْفُسَّاق وَمن لَا يثبت بروايته حَدِيث وَلِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ حَدثنِي الْحَارِث الْأَعْوَر وَكَانَ وَالله كذابا ولأنا نشتغل بِرِوَايَة النسوخ من الْأَحْكَام وَإِن لم يتَعَلَّق بهَا حكم

стр. 315

مَسْأَلَة ١٥ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا أَو من السّنة كَذَا فَهُوَ كالمسند إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي لَا حجَّة فِي ذَلِك وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة لنا هُوَ أَن إِطْلَاق الْأَمر وَالنَّهْي وَالسّنة يرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أنس بن مَالك كَانَ يَقُول أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة وَلم يقل لَهُ أحد من الْآمِر بذلك فَدلَّ على أَن إِطْلَاق الْأَمر يَقْتَضِي مَا ذَكرْنَاهُ وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لَو قَالَ أرخص لنا فِي كَذَا لرجع ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ فَكَذَلِك إِذا قَالَ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا وَلَا فرق بَينهمَا وَاحْتَجُّوا بِأَن السّنة قد تطلق وَالْمرَاد بهَا سنة رَسُول الله ﷺ وَتطلق وَالْمرَاد بهَا سنة غَيره وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول عَليّ ﵇ فِي الْخمر جلد النَّبِي ﷺ فِي الْخمر أَرْبَعِينَ وَجلد أَبُو بكر ﵁ أَرْبَعِينَ وَجلد عمر

стр. 316

ثَمَانِينَ وكل سنة فَأطلق السّنة على مَا فعله رَسُول الله ﷺ وعَلى مَا فعله أَبُو بكر وعَلى مَا فعله عمر ﵄ وَقَالَ ﵇ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدين أبي بكر وَعمر وَالْجَوَاب أَن عليا ﵇ أَرَادَ بِالسنةِ سنة النَّبِي ﷺ لِأَن الزِّيَادَة على الْأَرْبَعين كَانَت تعزيرا وَالضَّرْب بالتعزير ثَبت بِالسنةِ وَأما قَوْله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي فَهِيَ سنة مُقَيّدَة منسوبة إِلَى أبي بكر وَعمر وكلامنا فِي السّنة الْمُطلقَة وَحكم الْمُطلق مُخَالف لحكم الْمُقَيد قَالُوا وَلِأَن الصَّحَابِيّ قد يجْتَهد فِي الْحَادِثَة فيؤديه اجْتِهَاده إِلَى حكم ويضيف ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ يقيس على مَا سمع مِنْهُ ويستنبط مِمَّا أَخذ عَنهُ وَإِذا احْتمل هَذَا لم يجز أَن يَجْعَل ذَلِك سنة مُسندَة كَمَا لَو قَالَ هَذَا حكم الله تَعَالَى لم يجز أَن يصير ذَلِك كآية من الْقُرْآن وَالْجَوَاب هُوَ أَنه وَإِن جَازَ أَن يُسمى مَا عرف بِالْقِيَاسِ سنة إِلَّا أَن الظَّاهِر من السّنة مَا حفظ عَن رَسُول الله ﷺ وَاللَّفْظ يجب أَن يحمل على الظَّاهِر فَبَطل مَا قَالُوهُ وَالله أعلم

стр. 317

مَسْأَلَة ١٦ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل على عهد رَسُول الله ﷺ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كالمسند إِلَى رَسُول الله وَقَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة لَيْسَ كالمسند لنا أَن الظَّاهِر من حَال الصَّحَابَة أَن لَا يقدموا على أَمر من أُمُور الدَّين وَالنَّبِيّ ﷺ بَين أظهرهم إِلَّا عَن أمره فَصَارَ ذَلِك كالمسند إِلَيْهِ وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُضَاف ذَلِك إِلَى عهد رَسُول الله ﷺ لفائدة وَهُوَ أَن يبين أَن النَّبِي ﷺ علم بذلك وَلم يُنكره فَوَجَبَ أَن يصير كالمسند وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي عهد النَّبِي ﵇ مَالا يكون مُسْندًا أَلا ترى أَنهم لما اخْتلفُوا فِي التقاء الختانين قَالَ بَعضهم كُنَّا نجامع على عهد رَسُول الله ﷺ ونكسل فَلَا نغتسل فَقَالَ لَهُ عمر أَو علم النَّبِي ﷺ ذَلِك فأقركم عَلَيْهِ فَقَالَ لَا فَقَالَ فَمه وَقَالَ جَابر كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 318

قُلْنَا أما التقاء الختانين فَمَا كَانَ يجب بِهِ الْغسْل فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام وَكَانُوا يُجَامِعُونَ وَلَا يغتسلون ثمَّ نسخ ذَلِك فَكَانَ ذَلِك مَفْعُولا فِي زمن النَّبِي ﷺ فَلَمَّا نسخ لم يعلم بَعضهم بالنسخ وَاسْتمرّ على ذَلِك وَحَال الاستدامة والاستمرار يجوز أَن يخفى أمره فَأَما الْإِقْدَام على ابْتِدَاء الشَّيْء فَلَا يفعل إِلَّا عَن إِذن النَّبِي ﵇ وَأما حَدِيث جَابر فَالْمُرَاد بِهِ أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي غير ملك الْيَمين وَهُوَ أَن يتَزَوَّج جَارِيَة لَهُم وَذَلِكَ جَائِز

стр. 319

مَسْأَلَة ١٧ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كالمسند إِلَيْهِ سَمَاعا مِنْهُ وَذهب بعض النَّاس إِلَى أَنه لَيْسَ كالمسند إِلَيْهِ سَمَاعا وَهُوَ قَول الأشعرية لنا هُوَ أَن الظَّاهِر أَنه مَا قطع بِأَنَّهُ قَالَ النَّبِي ﵇ إِلَّا وَقد سمع مِنْهُ فَوَجَبَ أَن يحمل الْأَمر على السماع وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ يجوز أَن تكون بَينهمَا وَاسِطَة فيضيف إِلَى النَّبِي ﷺ من جهتهم وَلِهَذَا قَالَ أنس مَا كل مَا نحدثكم بِهِ سمعناه من رَسُول الله ﷺ وَقيل إِنَّه لَيْسَ مِمَّا يرويهِ ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث وَالْجَوَاب أَنه يحْتَمل مَا ذكرْتُمْ وَلَكِن الظَّاهِر مَا ذَكرْنَاهُ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أنسا قَالَ لَيْسَ كل مَا نحدثكم بِهِ سمعناه عَن رَسُول الله ﷺ وَهَذَا يدل على أَن ظَاهر الرِّوَايَة يَقْتَضِي السماع وَلَوْلَا ذَلِك مَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الْبَيَان فَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَجب أَن يحمل الْخَبَر عَلَيْهِ

стр. 320

مَسْأَلَة ١٨ إِذا قَالَ حَدثنِي فلَان عَن فلَان فَالظَّاهِر أَنه مُتَّصِل وَمن النَّاس من قَالَ حكمه حكم الْمُرْسل لنا هُوَ أَن الظَّاهِر أَنه سمع كل وَاحِد مِنْهُم مِمَّن يرْوى عَنهُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ بَينهمَا وَاسِطَة لبين ذَلِك وَاحْتَجُّوا أَن الرِّوَايَة عَنهُ لَا تَقْتَضِي السماع مِنْهُ أَلا ترى أَنه يُقَال روى فلَان عَن فلَان وَإِن كَانَ بَينهمَا وَاسِطَة كَمَا يُقَال روى عَنهُ وَإِن لم يكن بَينهمَا وَاسِطَة وَإِذا كَانَ اللَّفْظ يُطلق على الْأَمريْنِ لم يكن حمله على الِاتِّصَال بِأولى من حمله على الْإِرْسَال قُلْنَا اللَّفْظ وَإِن كَانَ يسْتَعْمل فِي فِي الْأَمريْنِ جَمِيعًا إِلَّا أَن الظَّاهِر مِنْهُ السماع والاتصال لِأَن الأَصْل عدم الوسائط فَوَجَبَ أَن يحمل الْأَمر عَلَيْهِ
следующие страницы →