Полный текст (521 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قبل أَن يدْخل وَقتهَا وَلم يقبح جَازَ أَن يَأْمر بِفِعْلِهَا ثمَّ يسْقط ذَلِك عَنهُ قبل فعلهَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَمر من الله سُبْحَانَهُ يدل على أَن الْمَأْمُور بِهِ صَلَاح للْمَأْمُور وَمَا كَانَ صلاحا لَهُم لَا يجوز للحكيم أَن ينهاهم عَنهُ ويمنعهم مِنْهُ
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْأَمر يدل على الصّلاح مَا دَامَ الْأَمر قَائِما فَإِذا نهى عَنهُ علمنَا أَنه كَانَ الصّلاح إِلَى غَايَة
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا على الْمَنْع من النّسخ قبل الْفِعْل لوَجَبَ أَن يَجْعَل دَلِيلا على إبِْطَال النّسخ أصلا فَيُقَال إِن الْأَمر من الْحَكِيم يدل على كَونه صلاحا للعبيد وَمَا كَانَ صلاحا للعبيد لم يجز للحكيم أَن ينهاهم عَنهُ وَإِذا بَطل هَذَا فِي إبِْطَال النّسخ بَطل فِيمَا ذَكرُوهُ
وَرُبمَا قَالُوا إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي حسن الْمَأْمُور بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي قبحه وَلَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حسنا قبيحا
وَالْجَوَاب نَحْو مَا تقدم
قَالُوا لِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى البداء على الله تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يجوز
فَالْجَوَاب هُوَ أَن البداء أَن يظْهر مَا كَانَ خافيا عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى لما أَمر كَانَ عَالما بِالْوَقْتِ الَّذِي ينسخه عَنْهُم فَلَا يُؤَدِّي إِلَى مَا ذَكرُوهُ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن ينْسَخ الشَّيْء قبل وَقت الْفِعْل لجَاز أَن يرد الْأَمر مَعَ النَّهْي موضعا وَاحِد فَيَقُول افعلوا كَذَا وَكَذَا وَلَا تفعلوه وَلما لم يجز هَذَا لم يجز مَا نَحن فِيهِ
قُلْنَا إِذا ورد الْأَمر مَقْرُونا بِالنَّهْي لم يفد شَيْئا وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ إِذا ترَاخى النَّهْي كَانَ الْأَمر مُفِيدا لِأَنَّهُ يتَضَمَّن وجوب الِاعْتِقَاد والعزم على الْفِعْل فَافْتَرقَا
стр. 247
قَالُوا مُقْتَضى الْأَمر الْفِعْل فَإِذا لم يرد مُقْتَضَاهُ كَانَ لَغوا فَلم يصلح الْخطاب كَمَا لَو قَالَ اقْتُلُوا وَأَرَادَ بِهِ لَا تقتلُوا
قُلْنَا هَذَا يبطل بِالْأَمر الْمُطلق فِي الْأَزْمَان فَإِن مُقْتَضَاهُ الْفِعْل على الدَّوَام فَإِذا نسخ بعد الْفِعْل لم يرد مُقْتَضَاهُ ثمَّ لَا يصير لَغوا
وعَلى أَنا لَا نسلم أَن مُقْتَضى هَذَا الْأَمر الْفِعْل فَإِن أوَامِر صَاحب الشَّرْع مَشْرُوطَة بِمَا يقوم عَلَيْهِ الدَّلِيل من نسخ وَعجز وَغير ذَلِك فَمَتَى قَامَ الدَّلِيل على النّسخ علمنَا أَن مُقْتَضى الْأَمر مالم يرد النَّهْي عَنهُ فَإِذا نهى عَنهُ فقد أَرَادَ بِاللَّفْظِ مَا اقْتَضَاهُ فَلَا يكون هَذَا لَغوا وَيُخَالف هَذَا إِذا قَالَ اقْتُلُوا وَأَرَادَ بِهِ لَا تقتلُوا لِأَن هَذَا المُرَاد لَا يَصح شَرطه فِي الْكَلَام أَلا ترى أَنه لَا يحسن أَن يَقُول اقْتُلُوا لَا تقتلُوا وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ يَصح أَن يشْتَرط فِي الْأَمر مَا يرد بعده من النَّهْي بِأَن يَقُول افعلوا إِلَى أَن أنهاكم عَنهُ فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
стр. 248
مَسْأَلَة ٦
لَا يجوز نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ آحادا كَانَت أَو متواترة
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج يجوز بِالسنةِ المتواترة وَلكنه لم يُوجد فِي الشَّرْع
стр. 249
وَذهب أَكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين إِلَى جَوَاز ذَلِك بالأخبار المتواترة
وَذهب بعض النَّاس إِلَى جَوَاز ذَلِك بالمتواترة والآحاد وَهُوَ مَذْهَب بعض أهل الظَّاهِر
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فَأخْبر أَنه لَا ينْسَخ آيَة إِلَّا بِمِثْلِهَا أَو بِخَير مِنْهَا وَالسّنة لَيست مثل الْقُرْآن وَلَا هِيَ خير مِنْهُ فَوَجَبَ أَن لَا يجوز النّسخ بهَا
فَإِن قيل المُرَاد نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا فِي الثَّوَاب وَقد يكون فِي السّنة مَا هُوَ خير من الْمَنْسُوخ فِي الثَّوَاب
قيل هَذَا لَا يصلح لوجوه
مِنْهَا أَنه قَالَ ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ وَالسّنة إِنَّمَا يَأْتِي بهَا النَّبِي ﵇
وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي سِيَاق الْآيَة ﴿ألم تعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ وَالَّذِي يخْتَص الله بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ هُوَ الْقُرْآن
стр. 250
وَلِأَن الْمثل يَقْتَضِي أَن يكون الْمثل من جنس الْمَنْسُوخ كَمَا إِذا قَالَ لَا آخذ مِنْك ثوبا إِلَّا أَعطيتك خيرا مِنْهُ اقْتضى خيرا مِنْهُ من جنسه
وَلِأَنَّهُ قَالَ نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الْمثل من جنس الْمَنْسُوخ كَمَا إِذا قَالَ لَا أَخذ مِنْك ثوبا إِلَّا أَعطيتك خيرا مِنْهُ اقْتضى خيرا مِنْهُ من جنسه
وَلِأَن الْمثل يَقْتَضِي أَن يكون مثله من كل وَجه وَالسّنة قطّ لَا تماثل الْقُرْآن فِي الثَّوَاب فِي تِلَاوَته وَلَا فِي الدّلَالَة على صدق النَّبِي ﵇ بنظمه
فَإِذا قيل لَو كَانَت السّنة لَا تماثل الْقُرْآن فالقرآن أَيْضا لَا يكون بعضه خيرا من بعض فَيجب أَن يكون المُرَاد بِهِ الْأَحْكَام
قيل قد يكون بعض الْقُرْآن خيرا من بعض فِي الثَّوَاب أَلا ترى أَن سُورَة الْإِخْلَاص وَيس وَغَيرهمَا أفضل من غَيرهمَا من الْقُرْآن فِي الثَّوَاب وَقد يكون بَعْضهَا أظهر فِي الإعجاز من بعض أَلا ترى أَن قَوْله ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي﴾ أبلغ فِي الإعجاز من غَيره
فَإِن قيل قَوْله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ لَيْسَ فِيهِ أَن مَا يَأْتِي بِهِ هُوَ النَّاسِخ وَيجوز أَن يكون النَّاسِخ غَيره
قُلْنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ شَرط وَقَوله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ جَزَاء وَلِهَذَا جزم قَوْله ﴿مَا ننسخ﴾ وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يكون مَا يَأْتِي بِهِ لأَجله وبدلا عَنهُ كَمَا إِذا قَالَ مَا تصنع اصْنَع وَمَا آخذه أعْط مثله اقْتضى أَن يكون الْجَزَاء لأجل الشَّرْط وبدلا عَنهُ فَدلَّ على أَنه هُوَ النَّاسِخ
стр. 251
فَإِن قيل النّسخ إِنَّمَا يَقع فِي الحكم لَا فِي التِّلَاوَة وَلَا مفاضلة بَين حكم الْكتاب وَحكم السّنة وَإِنَّمَا المفاضلة بَين لفظيهما والنسخ لَا يَقع إِلَّا فِي اللَّفْظ
قيل الْخلاف فِي نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم وَاحِد فَإِن عِنْدهم لَو تَوَاتَرَتْ السّنة بنسخ التِّلَاوَة وَجب النّسخ بهَا وَلَا مماثلة بَينهمَا وعَلى أَن نسخ الحكم أَيْضا يَقْتَضِي نسخ الْآيَة أَلا ترى أَنه إِذا نسخ حكم الْآيَة قيل هَذِه آيَة مَنْسُوخَة فَيجب أَن لَا يكون ذَلِك إِلَّا بِمِثْلِهَا أَو بِخَير مِنْهَا
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن السّنة فرع لِلْقُرْآنِ أَلا ترى أَنه لَوْلَا الْقُرْآن لما ثبتَتْ السّنة فَلَو جَوَّزنَا نسخ الْقُرْآن بهَا لرفعنا الأَصْل بفرعه وَهَذَا لَا يجوز وَلِأَن السّنة دون الْقُرْآن فِي الرُّتْبَة أَلا ترى أَنَّهَا لَا تساويه فِي الإعجاز فِي لَفظه وَلَا فِي الثَّوَاب فِي تِلَاوَته فَلم يجز نسخ بهَا ويدلك عَلَيْهِ أَن الْقيَاس لما كَانَ دون الْخَبَر فِي الرُّتْبَة لم يجز نسخه بِهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ والنسخ بَيَان للمنزل فَيجب أَن يكون ذَلِك بَيَانا لَهُ
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْبَيَان يُرَاد بِهِ الْإِظْهَار والتبليغ أَلا ترى أَنه علقه على جَمِيع الْقُرْآن والنسخ لَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِجَمِيعِ الْقُرْآن فَدلَّ على أَن المُرَاد بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ
وَلِأَن النّسخ لَيْسَ بَيَانا للمنسوخ وَإِنَّمَا هُوَ إِسْقَاط وَرفع فَلَا يدْخل فِي الْآيَة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ دَلِيل مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فَجَاز نسخ الْقُرْآن بِهِ كالقرآن
стр. 252
قُلْنَا هَذَا يبطل بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهُ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ ثمَّ لَا يجوز النّسخ بِهِ
وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يتساوى الْقُرْآن وَالسّنة فِي الْقطع ثمَّ يجوز النّسخ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر أَلا ترى أَن الْخَبَر وَالْقِيَاس يتساويان فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مظنون ثمَّ يَصح النّسخ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر
ثمَّ الْمَعْنى فِي الْقُرْآن أَنه يماثل الْمَنْسُوخ فِي التِّلَاوَة والإيجاز فَجَاز نسخه بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن السّنة دون الْقُرْآن فِي الثَّوَاب والإعجاز فَلم يجز نسخه بهَا
قَالُوا وَلِأَن النّسخ إِنَّمَا يتَنَاوَل الحكم وَالْكتاب وَالسّنة المتواترة فِي إِثْبَات الحكم وَاحِد وَإِن اخْتلفَا فِي الإعجاز فَيجب أَن يتساويا فِي النّسخ
قُلْنَا هما وَإِن تَسَاويا فِي إِثْبَات الحكم إِلَّا أَن أَحدهمَا أَعلَى رُتْبَة من الآخر فَجَاز أَن يختلفا فِي النّسخ أَلا ترى أَن الْخَبَر وَالْقِيَاس يتساويان فِي إِثْبَات الحكم ثمَّ يجوز نسخ السّنة بِأَحَدِهِمَا دون الآخر لما اخْتلفَا فِي الرُّتْبَة فَكَذَلِك هَاهُنَا
قَالُوا وَلِأَن الْمَانِع من ذَلِك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون فَضله على السّنة فِي الثَّوَاب أَو فَضله عَلَيْهَا فِي الإعجاز وَلَا يجوز أَن يكون الْمَانِع بِفضل الثَّوَاب لِأَنَّهُ يجوز نسخ أَكثر الْآيَتَيْنِ ثَوابًا بأقلهما وَلَا يجوز أَن يكون الْمَانِع فضل الإعجاز لِأَنَّهُ يجوز نسخ الْآيَة المعجزة بِالْآيَةِ الَّتِي لَا إعجاز فِيهَا وَإِذا بَطل هَذَانِ الْوَجْهَانِ لم يبْق مَا يتَعَلَّق بِهِ الْمَنْع فَوَجَبَ أَن يجوز
стр. 253
قُلْنَا الْمَانِع عندنَا معنى آخر وَهُوَ رفع كَلَام الله تَعَالَى بِغَيْر كَلَامه وَهَذَا لم يدلوا على إِبْطَاله
أَو الْمَانِع من ذَلِك رفع الأَصْل بفرعه وَهَذَا أَيْضا لم يدلوا عَلَيْهِ
ولأنا لَو جعلنَا الْمَانِع مَا ذَكرُوهُ من فضل الْقُرْآن على السّنة بالإعجاز لصَحَّ وَمَا ذَكرُوهُ من نسخ الْآيَة المعجزة بِغَيْر المعجزة لَا يَصح لِأَن النَّاسِخ كالمنسوخ فِي الإعجاز أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا طَال وَكثر كَانَ معجزا وَإِذا لم يطلّ لم يكن معجزا
وَاحْتج من أجَاز النّسخ بأخبار الْآحَاد خَاصَّة أَن مَا جَازَ نسخ السّنة بِهِ جَازَ نسخ الْقُرْآن بِهِ كالقرآن
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَيْسَ إِذا أجَاز أَن يسْقط بِهِ مثله جَازَ أَن يسْقط بِهِ مَا هُوَ أقوى مِنْهُ أَلا ترى أَن الْقيَاس يجوز أَن يُعَارض مثله وَلَا يجوز أَن يُعَارض الْخَبَر
قَالُوا وَلِأَن النّسخ إِسْقَاط لبَعض مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر الْقُرْآن فَجَاز بِالسنةِ كالتخصيص
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يمْتَنع أَن يجوز التَّخْصِيص بِهِ وَلَا يجوز النّسخ بِهِ أَلا ترى أَن تَخْصِيص الْخَبَر بِالْقِيَاسِ جَائِز ونسخه بِهِ لَا يجوز
وَلِأَن التَّخْصِيص إِسْقَاط بعض مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ اللَّفْظ بِعُمُومِهِ فَجَاز تَركه بِخَبَر الْوَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك النّسخ فَإِنَّهُ إِسْقَاط اللَّفْظ بِالْكُلِّيَّةِ فَلم يجز بِمَا دونه
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ النّسخ إِلَى غير بدل فجوازه إِلَى بدل ثَبت بِلَفْظ دونه أولى
قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لوَجَبَ أَن يجوز بِالْقِيَاسِ فَيُقَال إِنَّه إِذا جَازَ رَفعه إِلَى غير بدل فَلِأَن يجوز إِلَى بدل يثبت بِالْقِيَاسِ أولى
وَلِأَن النّسخ إِلَى غير بدل لَا يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْقُرْآن بِمَا دونه لِأَنَّهُ يجوز أَن
стр. 254
يكون قد نسخ بِمثلِهِ أَو بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ والنسخ بِالسنةِ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْقُرْآن وَرَفعه بِمَا هُوَ دونه وَهَذَا لَا يجوز
قَالُوا وَلِأَنَّهُ قد وجد فِي الْقُرْآن آيَات مَنْسُوخَة بأخبار الْآحَاد وَوُجُود ذَلِك يدل على جَوَازه فَمن ذَلِك
الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين نسخه قَوْله ﵇ لَا وَصِيَّة لوَارث
وَنسخ الْحَبْس فِي حق الزَّانِي بقوله ﵇ وَالْبكْر بالبكر جلد مئة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مئة وَالرَّجم
وَنسخ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ بقوله ﵇ اقْتُلُوا ابْن خطل وَإِن كَانَ مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة
وَنسخ قَوْله ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة﴾ بِمَا رُوِيَ أَنه نهى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطُّيُور
стр. 255
وَنسخ قَوْله ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ بقوله ﵇ لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْوَصِيَّة نسخت بِآيَة الْمَوَارِيث وَلِهَذَا قَالَ ﵇ إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث
وَآيَة الْحَبْس نسخت فِي الْبكر بقوله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وَفِي الثّيّب بِآيَة الرَّجْم الَّتِي كَانَت فِي الْكتاب وَنسخ رسمها وَهِي الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة نكالا من الله
وَقَوله ﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ نسخ بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
وَقَوله ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ فَالْمُرَاد بِهِ مَا هُوَ مستطاب عِنْدهم وَلَيْسَ ذَلِك من الْخَبَائِث فَهُوَ عُمُوم دخله التَّخْصِيص
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ فَهُوَ عُمُوم دخل التَّخْصِيص بالْخبر وَإِذا أمكن الْبناء وَالْجمع لم يَصح حمله على النّسخ فَسقط مَا قَالُوهُ
стр. 256
مَسْأَلَة ٧
يجوز نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَفِيه قَول آخر أَنه لَا يجوز
لنا هُوَ أَنه قد وجد ذَلِك فِي الشَّرْع فَإِن النَّبِي ﵇ صَالح قُريْشًا على رد من جَاءَهُ من الْمُسلمين فَرد جمَاعَة ثمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَة فَمَنعه الله تَعَالَى من ردهَا وَنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ وَكَذَلِكَ كَانَت
стр. 257
الصَّلَوَات تُؤخر عَن أَوْقَاتهَا فِي حَال الْخَوْف ثمَّ نسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا﴾ فَدلَّ على جَوَازه
وَلِأَن الْقُرْآن أقوى من السّنة فَإِذا جَازَ نسخ السّنة بِالسنةِ فبالقرآن أولى
وَاحْتَجُّوا بِأَن الله تَعَالَى جعل السّنة مبينَة للْكتاب فَقَالَ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ فَلَا يجوز أَن يَجْعَل الْكتاب مُبينًا للسّنة
قُلْنَا يجوز أَن تكون السّنة مبينَة للْكتاب ثمَّ تبين السّنة بِالْكتاب كَمَا أَن السّنة تخص الْكتاب ثمَّ تخص السّنة بِالْكتاب
قَالُوا وَلِأَنَّهُ نسخ شَيْء بِغَيْر جنسه فَلَا يجوز كنسخ الْكتاب بِالسنةِ
قُلْنَا إِنَّمَا لم يجز نسخ الْكتاب بِالسنةِ لِأَن الْكتاب أَعلَى رُتْبَة من السّنة لَا لِأَنَّهُ من غير جنسه يدلك عَلَيْهِ أَن نسخ الْمُتَوَاتر بِخَبَر الْوَاحِد لَا يجوز حِين اخْتلفَا فِي الرُّتْبَة وَإِن كَانَا من جنس وَاحِد فَدلَّ على أَن الْعلَّة فِيهِ مَا ذكرنَا
стр. 258
مَسْأَلَة ٨
لَا يجوز النّسخ بِالْقِيَاسِ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأنمَاطِي يجوز بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ
لنا هُوَ أَنه قِيَاس فَلَا ينْسَخ بِهِ كالقياس الْخَفي وَلِأَن النَّص يسْقط الْقيَاس إِذا عَارضه وَمَا أسقط غَيره لم يجز نسخه بِهِ كنص الْقُرْآن لما أسقط نَص السّنة لم يجز نسخه بِالسنةِ كَذَلِك هَهُنَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقيَاس الْجَلِيّ فِي معنى النَّص بِدَلِيل أَنه ينْقض بِهِ حكم الْحَاكِم فَإِذا جَازَ النّسخ بِالنَّصِّ جَازَ بِهِ
قُلْنَا النَّص لَا يسْقط النَّص إِذا عَارضه فَجَاز النّسخ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك الْقيَاس فَإِنَّهُ لَو عَارضه أسْقطه فَلم يجز نسخه بِهِ
стр. 259
مَسْأَلَة ٩
إِذا ثَبت الحكم فِي عين لعِلَّة وَقيس عَلَيْهَا غَيرهَا ثمَّ نسخ الحكم فِي تِلْكَ الْعين بَطل الحكم فِي فروعه
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يبطل الحكم فِي فروعه وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا أَن الحكم فِي الْفَرْع إِنَّمَا ثَبت لثُبُوته فِي الأَصْل فَإِذا بَطل الحكم فِي الأَصْل وَجب أَن يبطل فِي الْفَرْع
أَلا ترى أَن الحكم إِذا ثَبت بِالنَّصِّ لما كَانَ ثُبُوته لأَجله إِذا نسخ النَّص سقط الحكم بِهِ كَذَلِك هَاهُنَا
وَلِأَن الحكم فِي الْفَرْع يفْتَقر إِلَى أصل وَإِلَى عِلّة ثمَّ ثَبت أَن زَوَال الْعلَّة يُوجب زَوَال الحكم فَكَذَلِك زَوَال الأَصْل يجب أَن يُوجب زَوَال الحكم
وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذَا إِثْبَات نسخ فِي الْفَرْع بِالْقِيَاسِ على الأَصْل والنسخ بِالْقِيَاسِ لَا يجوز
وَالْجَوَاب أَنا لَا نقُول أَن ذَلِك نسخ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا هُوَ إِزَالَة حكم لزوَال مُوجبه وَلَو كَانَ ذَلِك نسخا بِالْقِيَاسِ لوَجَبَ إِذا زَالَت الْعلَّة وَزَالَ حكمهَا أَن يُقَال إِن ذَلِك نسخ من غير نَاسخ وَهَذَا لَا يجوز وَلما لم يَصح أَن يُقَال هَذَا فِي الْعلَّة إِذا زَالَت لم يَصح أَن يُقَال ذَلِك فِي الأَصْل إِذا زَالَ
قَالُوا وَلِأَن الْفَرْع لما ثَبت فِيهِ الحكم صَار أصلا فَيجب أَن لَا يَزُول الحكم فِيهِ بزواله فِي غَيره
قُلْنَا لَا نسلم أَنه صَار أصلا بذلك وَإِنَّمَا هُوَ تَابع لغيره ثَبت الحكم فِيهِ لأَجله فَإِذا سقط حكم الْمَتْبُوع سقط حكم التَّابِع
стр. 260
مَسْأَلَة ١٠
الزِّيَادَة فِي النَّص لَيست بنسخ
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن كَانَت الزِّيَادَة توجب تَغْيِير الحكم الْمَزِيد عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبل كَانَ نسخا وَإِن لم تقتض ذَلِك لم يكن نسخا وَمنعُوا بذلك زِيَادَة التَّغْرِيب فِي آيَة الْجلد وَزِيَادَة الْغرم فِي آيَة السّرقَة وَزِيَادَة النِّيَّة وَالتَّرْتِيب فِي آيَة الْوضُوء بأخبار الْآحَاد وَالْقِيَاس
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِن كَانَت الزِّيَادَة شرطا فِي الْمَزِيد حَتَّى لَا يجزىء مَا كَانَ مجزئا إِلَّا بِالزِّيَادَةِ وَإِذا لم تنضم إِلَيْهِ وَجب
стр. 261
الِاسْتِئْنَاف كزيادة رَكْعَتَيْنِ على رَكْعَتَيْنِ كَانَ نسخا وَإِن لم تكن الزِّيَادَة شرطا فِي المز لم تكن نسخا
لنا هُوَ أَن النّسخ فِي اللُّغَة هُوَ الرّفْع والإزالة ثمَّ خص فِي الشَّرْع بِبَعْض مَا تنَاوله الِاسْم فَقيل هُوَ رفع الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وَهَذِه الْحَقِيقَة لَا تُوجد فِيمَا زيد فِيهِ لِأَن الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ بَاقٍ كَمَا كَانَ لم يزل وَلم يرْتَفع وَإِنَّمَا لزمَه زِيَادَة فَلم يكن ذَلِك نسخا يدلك عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ فِي الْكيس مئة دِرْهَم فزيد عَلَيْهِ شَيْء آخر لم يكن ذَلِك رفعا لما فِي الْكيس كَذَلِك هَاهُنَا
وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَو كَانَت الزِّيَادَة فِي الحكم نسخا لحكم الْمَزِيد عَلَيْهِ لوَجَبَ إِذا أوجب الله تَعَالَى الْخمس صلوَات ثمَّ أوجب صَوْم شهر رَمَضَان أَن يكون ذَلِك نسخا للصلوات وَلما لم يكن ذَلِك نسخا بِالْإِجْمَاع وَجب أَن لَا تكون هَذِه الزِّيَادَة نسخا لِأَن النّسخ مَا لم يُمكن الْجمع بَينه وَبَين الْمَنْسُوخ فِي اللَّفْظ كَمَا لَو قَالَ صل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَلَا تصل لم يكن كلَاما وَهنا لَو جمع بَين الزِّيَادَة والمزيد عَلَيْهِ صَحَّ وَوَجَب الْجمع بَينهمَا فَدلَّ على أَن ذَلِك لَيْسَ بنسخ
وَلِأَن النّسخ أَن يتَنَاوَل النَّاسِخ مَا تنَاوله الْمَنْسُوخ وَإِيجَاب الزَّكَاة لَا يتَنَاوَل حكم الْمَنْسُوخ فَلَا يجوز أَن يكون ذَلِك نسخا لَهُ
وَلِأَن الْغَرَض فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِثْبَات الزِّيَادَة فِي الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس
стр. 262
وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك هُوَ أَن مَا جَازَ تَخْصِيص الْقُرْآن بِهِ جَازَت الزِّيَادَة بِهِ فِيهِ كالقرآن وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ التَّخْصِيص بِهِ وَهُوَ إِسْقَاط بعض مَا تنَاوله فَالزِّيَادَة بذلك أولى
وَلِأَن الزِّيَادَة على النَّص لَا يَتَنَاوَلهَا لفظ النَّص فَكَانَ حكمهَا حكم مَا قبل وُرُود النَّص فَجَاز إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس
وَاحْتج أَصْحَاب أبي حنيفَة بِأَن النّسخ تَغْيِير الحكم عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَقد وجد التَّغْيِير بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ إِذا زَاد فِي حد الْقَذْف عشْرين فقد صَار الثَّمَانُونَ بعض الْوَاجِب وَكَانَ يتَعَلَّق بِهِ رد الشَّهَادَة وَصَارَ لَا يتَعَلَّق بِهِ رد الشَّهَادَة فَصَارَ كَسَائِر أَنْوَاع النّسخ
وَالْجَوَاب هُوَ أَنا لَا نسلم أَن النّسخ هُوَ التَّغْيِير بل النّسخ هُوَ الْإِزَالَة وَالرَّفْع من قَوْلهم نسخت الشَّمْس الظل إِذا أزالته وَنسخت الرِّيَاح الْآثَار إِذا ذهبت بهَا وَهَذَا لَا يُوجد إِلَّا فِي إِسْقَاط مَا كَانَ بتاتا
وَلَو سلمنَا أَن النّسخ هُوَ التَّغْيِير لم نسلم أَن الْوَاجِب تغير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ بل هُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ
وَأما قَوْله إِذا صَار الْوَاجِب بعض الْوَاجِب وَكَانَ ترد بِهِ الشَّهَادَة وَصَارَ لَا ترد بِهِ الشَّهَادَة يبطل بِهِ إِذا أَمر بِالصَّلَاةِ ثمَّ أَمر بِالصَّوْمِ لِأَن الأول كَانَ جَمِيع الْوَاجِب وَصَارَ بعض الْوَاجِب وَكَانَ تقبل الشَّهَادَة بِفِعْلِهَا فَصَارَ لَا تقبل الشَّهَادَة إِلَّا بِفِعْلِهَا مَعَ غَيرهَا ثمَّ لَا يكون ذَلِك نسخا
стр. 263
وَيبْطل بِهِ إِذا سقط بعض الثَّمَانِينَ من الْحَد فَإِنَّهُ قد صَار الْبَاقِي كل الْوَاجِب وَكَانَ بعض الْوَاجِب فَترد بِهِ الشَّهَادَة وَقد كَانَ لَا ترد بِهِ ثمَّ لَا يكون ذَلِك نسخا للْبَاقِي
قَالُوا إِذا ثبتَتْ الزِّيَادَة صَار جُزْءا من الْمَزِيد عَلَيْهِ وَحكمه حكمه فَيجب أَن لَا يثبت إِلَّا بِمَا ثَبت بِهِ الْمَزِيد عَلَيْهِ
قُلْنَا لعمري إِنَّه يصير جَزَاء مِنْهُ على معنى أَنه يجب ضمه إِلَيْهِ وَلَكِن لَا يجب أَن يثبت بِالطَّرِيقِ الَّذِي ثَبت بِهِ الْمَزِيد عَلَيْهِ
يدلك عَلَيْهِ أَن كَونه جُزْءا مِنْهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ من إِثْبَات صفة الْمَزِيد عَلَيْهِ وَيجوز أَن تكون الصّفة تخَالف الْمَوْصُوف فِي طَرِيقه فَيثبت الشَّيْء بطرِيق مَقْطُوع بِهِ وَصفته من الْإِيجَاب وَغَيره يثبت بطرِيق غير مَقْطُوع بِهِ
قَالُوا وَلِأَن التَّقْدِير بِالْعدَدِ مَوْضُوع للْمَنْع من الزِّيَادَة فَإِذا وَردت الزِّيَادَة أفادت إِيجَاب مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَهَذَا حَقِيقَة النّسخ وَهُوَ أَن يَجْعَل مَا كَانَ مَحْظُورًا مُبَاحا أَو وَاجِبا
قُلْنَا هَذَا على أصلكم لَا يَصح لِأَن التَّقْدِير بِالْعدَدِ لَا يَقْتَضِي الْمَنْع من الزِّيَادَة وَإِنَّمَا يَصح هَذَا على أصلنَا فَلَا جرم إِذا ورد على ذَلِك زِيَادَة جعلنَا ذَلِك نسخا للْمَنْع من الزِّيَادَة وَنحن لَا ننكر نسخ الزِّيَادَة فِيمَا أَفَادَ الْخطاب حكما فِي الزِّيَادَة وَإِنَّمَا ننكر أَن نجْعَل الزِّيَادَة ناسخة للمزيد عَلَيْهِ وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ
قَالُوا لَا خلاف أَن النُّقْصَان من النُّصُوص عَلَيْهِ يُوجب النّسخ فَكَذَلِك الزِّيَادَة
قُلْنَا قد جعل النُّقْصَان حجَّة لنا لِأَنَّهُ لَا يُوجب حكم الْبَاقِي من الْحَد
стр. 264
فَيجب أَن تكون الزِّيَادَة مثله وَإِنَّمَا جعلنَا النُّقْصَان نسخا لما نقص لِأَنَّهُ إِسْقَاط حكم ثَابت بِاللَّفْظِ وَهَاهُنَا زِيَادَة على الحكم الثَّابِت فَلم يكن نسخا
يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو أوجب الصَّلَاة ثمَّ رَفعهَا كَانَ ذَلِك نسخا لَهَا وَلَو زَاد على الصَّلَاة الصَّوْم لم يكن ذَلِك نسخا للصَّلَاة
واحتجت الطَّائِفَة الْأُخْرَى أَنه إِذا كَانَت الزِّيَادَة شرطا كَانَت مُغيرَة لحكم الْمَزِيد أَلا ترى أَنه إِذا زَاد فِي الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صلى بعد الزِّيَادَة رَكْعَتَيْنِ لم يجزه وَقد كَانَ يَجْزِي وَلَا يجوز أَن يسلم من رَكْعَتَيْنِ وَقد كَانَ يجوز ذَلِك وَهَذَا حَقِيقَة النّسخ
وَالْجَوَاب أَن الْمَزِيد عَلَيْهِ بَاقٍ كَمَا كَانَ لم يتَغَيَّر وَمَا تعلق بِالزِّيَادَةِ من الْإِجْزَاء وَعدم الْإِجْزَاء وَالصِّحَّة وَعدم الصِّحَّة لَا يُوجب النّسخ مَعَ بَقَاء الْمَزِيد عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه إِذا زيد فِي عدد الْحَد فقد تغير بِهَذِهِ الزِّيَادَة حكم وَهُوَ أَنه مَا كَانَ مطهرا صَار غير مطهر وَمَا كَانَ مكفر صَار غير مكفر ثمَّ لَا يُوجب ذَلِك نسخ الْمَزِيد عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ إِذا زيد فِي الْعدة صَار مَا كَانَ مبيحا غير مُبِيح ثمَّ لَا يعد ذَلِك نسخا فَبَطل مَا قَالُوهُ
وعَلى أَنه يبطل بِزِيَادَة شَرط فِي الصَّلَاة مُنْفَصِل عَنْهَا أَو نُقْصَان شَرط كالطهارة فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ سلم هَذَا الْقَائِل أَنه لَيْسَ نسخ للصَّلَاة وَمَعْلُوم أَنه قد صَار مَا كَانَ مجزئا غير مجزىء وَمَا كَانَ صَحِيحا غير صَحِيح فَسقط مَا قَالُوهُ
стр. 265
مَسْأَلَة ١١
إِذا نسخ بعض الْعِبَادَة لم يكن ذَلِك نسخا للْبَاقِي وَبِه قَالَ الْكَرْخِي والبصري
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن النُّقْصَان من الْعِبَادَة نسخ للْبَاقِي
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِن كَانَ ذَلِك نسخ شَرط مُنْفَصِل عَن الْجُمْلَة لم يكن نسخا للجملة
وَإِن كَانَ نسخ بعض الْجُمْلَة كالقبلة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود من الصَّلَاة كَانَ نسخا لِلْعِبَادَةِ
لنا مَا بَيناهُ فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا وَأَن الْبَاقِي من الْجُمْلَة على مَا كَانَ الحكم عَلَيْهِ لم يزل فَلم يجز أَن يكون الْجَمِيع مَنْسُوخا كَمَا لَو أَمر بِصَلَاة وَصَوْم ثمَّ نسخ أَحدهمَا
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ نسخ بَعْضهَا نسخا للْجَمِيع لَكَانَ تَخْصِيص بَعْضهَا تَخْصِيصًا للْجَمِيع وَلما بَطل أَن يُقَال هَذَا فِي التَّخْصِيص بَطل أَن يُقَال مثله فِي النّسخ
وَاحْتج المخالفون فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا بَيناهُ فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا وَقد مضى الْجَواب عَنهُ فأغنى عَن الْإِعَادَة
стр. 266
مَسْأَلَة ١٢
إِذا نزل النّسخ على رَسُول الله ﷺ ثَبت النّسخ فِي حق النَّبِي ﵇ وَفِي حق الْأمة فِي قَول بعض أَصْحَابنَا
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يثبت فِي حق الْأمة قبل أَن يتَّصل ذَلِك بهم وَهُوَ قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا هُوَ أَنه إِسْقَاط حق لَا يعْتَبر فِيهِ رِضَاء من يسْقط عَنهُ فَلَا يعْتَبر فِيهِ علمه كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق وَالْإِبْرَاء
وَلِأَنَّهُ إِبَاحَة لمحظور عَلَيْهِ فَجَاز أَن يثبت حكمه قبل الْعلم كَمَا إِذا قَالَ لزوجته إِن خرجت بِغَيْر إذني فَأَنت طَالِق وَأذن لَهَا وَهِي لَا تعلم ثمَّ خرجت فَإِنَّهُ يثبت حكم الْإِبَاحَة وَلَا يَقع الطَّلَاق فَكَذَلِك هَاهُنَا
стр. 267
وَلِأَن الْإِبَاحَة تَارَة تكون من الله تَعَالَى وَتارَة تكون من جِهَة الْآدَمِيّ ثمَّ الْإِبَاحَة من جِهَة الْآدَمِيّ يثبت حكمهَا قبل الْعلم وَهُوَ إِذا قَالَ أبحت ثَمَرَة بستاني لكل أحد فَكَذَلِك الْإِبَاحَة من جِهَة الله تَعَالَى
وَاحْتَجُّوا بِأَن أهل منى بَلغهُمْ الْقبْلَة وَقد صلوا رَكْعَة فاستداروا فِي صلَاتهم وَلم يؤمروا بِالْإِعَادَةِ وَلَو كَانَ قد ثَبت حكمه فِي حَقهم قبل أَن يتَّصل بهم لبطلت صلَاتهم ولأمروا بِالْإِعَادَةِ
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْقبْلَة يجوز تَركهَا بالأعذار أَلا ترى أَنه يجوز تَركهَا مَعَ الْعلم بهَا فِي النوفل فِي السّفر وَلِهَذَا لم يؤمروا فِيهَا بِالْإِعَادَةِ وَلَيْسَ كَذَلِك غَيرهَا من الْأَحْكَام فَإِنَّهُ لَا يجوز تَركهَا مَعَ الْعلم بهَا فَلم يجز أَن يسْقط حكمهَا بِالْجَهْلِ بهَا
قَالُوا وَلِأَن من لَا علم لَهُ بِالْخِطَابِ لَا يثبت الْخطاب فِي حَقه كالنائم وَالْمَجْنُون
وَالْجَوَاب هُوَ أَن النَّائِم وَالْمَجْنُون حجَّة لنا فَإِن الْخطاب قد ثَبت فِي حَقّهمَا وَإِن لم يعلمَا بِالْخِطَابِ أَلا ترى أَن كثيرا من الْعِبَادَات يثبت وُجُوبهَا فِي حَقّهمَا وَيجب عَلَيْهِمَا فعلهَا بعد الانتباه والإفاقة وَلَو لم يثبت الْخطاب فِي حَقّهمَا لما وَجَبت تِلْكَ الْعِبَادَات عَلَيْهِمَا بعد الانتباه والإفاقة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ ثُبُوت الْخطاب قبل الْعلم بِهِ لثبت ذَلِك قبل نزُول الْوَحْي بِهِ وَلما لم يثبت ذَلِك قبل نزُول الْوَحْي لم يثبت قبل الْعلم
стр. 268
قُلْنَا قبل نزُول الْوَحْي لم يثبت لَهُ أَحْكَام الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك بعد نزُول الْوَحْي بِهِ فَإِنَّهُ قد ثَبت كَونه شرعا فَثَبت فِي حق كل أحد
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو ثَبت حكم الْخطاب قبل الْعلم بِهِ لتَعلق المأثم بمخالفته كَمَا تعلق بِهِ بعد الْعلم وَلما لم يتَعَلَّق المأثم بمخالفته دلّ على أَنه لَا يثبت حكمه
قُلْنَا لَا يمْتَنع أَن لَا يثبت المأثم وَيثبت حكم الْخطاب أَلا ترى أَنه إِذا علم بِالْخِطَابِ ثمَّ نَسيَه أَو نَام عَنهُ لم يلْحقهُ المأثم ثمَّ حكم الْخطاب يثبت فِي حَقه
قَالُوا وَلِأَنَّهُ مُخَاطب بالمنسوخ وَإِذا تَركه صَار عَاصِيا فَلَا يجوز أَن يكون حكم النَّاسِخ ثَابتا فِي حَقه
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَيْسَ إِذا كَانَ مُخَاطبا بِالْأَمر الأول وَتعلق الْعِصْيَان بمخالفته دلّ على أَن الْخطاب الثَّانِي غير ثَابت فِي الحكم فِي حَقه
أَلا ترى أَن الْمَرْأَة بعد الطَّلَاق وَقبل أَن يتَّصل ذَلِك بهَا مُخَاطبَة بِأَحْكَام الزَّوْجِيَّة وعاصية بالمخالفة ثمَّ حكم الطَّلَاق ثَابت فِي حَقّهَا فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن يكون مُخَاطبا بِالْأَمر الأول عَاصِيا بمخالفته ثمَّ حكم الْخطاب الثَّانِي قَائِم فِي حَقه
стр. 269
مَسْأَلَة ١٣
شرع من قبلنَا شرع لنا إِلَّا مَا ثَبت نسخه
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا شرع من قبلنَا لَيْسَ بشرع لنا
وَمِنْهُم من قَالَ شرع إِبْرَاهِيم خَاصَّة شرع لنا وَمَا سواهُ لَيْسَ بشرع لنا
стр. 270
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾
فَإِن قيل المُرَاد بِهِ التَّوْحِيد وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَنه أَضَافَهُ إِلَى الْجَمِيع وَالَّذِي يشْتَرك الْجَمِيع فِيهِ هُوَ التَّوْحِيد فَأَما الْأَحْكَام فَإِن الشَّرَائِع فِيهَا مُخْتَلفَة فَلَا يُمكن اتِّبَاع الْجَمِيع فِيهِ
قيل اللَّفْظ عَام فِي التَّوْحِيد وَفِي الْأَحْكَام فَيجب أَن يحمل على الْجَمِيع إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل
وَلِأَن مَجِيء رَسُول الله ﷺ غير منَاف لما تقدم من الشَّرَائِع وكل شرع لم يرد عَلَيْهِ مَا يُنَافِيهِ وَجب الْبَقَاء عَلَيْهِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ شَرِيعَة الرَّسُول ﵇
وَلِأَنَّهُ يُمكن الْجمع بَين مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﵇ وَبَين مَا قبله وكل حكمين أمكن الْجمع بَينهمَا لم يَصح إِسْقَاط أَحدهمَا بِالْآخرِ كإيجاب الصَّوْم وَالصَّلَاة فِي شريعتنا
وَلِأَن الله تَعَالَى حكى شرع من قبلنَا وَلَو لم يقْصد التَّسْوِيَة بَيْننَا وَبينهمْ لم يكن لذكرها فَائِدَة
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ فَدلَّ على أَن كل وَاحِد مِنْهُم ينْفَرد بشرع لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره
وَالْجَوَاب هُوَ أَن مشاركتهم فِي بعض الْأَحْكَام لَا يمْنَع من أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُم شرع يُخَالف شرع الآخر كَمَا أَن مشاركتهم فِي التَّوْحِيد لَا تمنع انْفِرَاد كل وَاحِد مِنْهُم بشريعة تخَالف شَرِيعَة غَيره
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ رأى عمرا ﵁ وَمَعَهُ شَيْء
стр. 271
من التَّوْرَاة ينظر فِيهِ فَقَالَ لَو كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي فَدلَّ على نسخ مَا تقدم
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه إِنَّمَا نَهَاهُ عَن النّظر فِي التَّوْرَاة لِأَنَّهُ مبدل مغير وكلامنا فِيمَا حكى الله عَن دينهم فِي الْكتاب أَو ثَبت عَنْهُم بِخَبَر الرَّسُول ﵇
قَالُوا وَلِأَن الشَّرَائِع إِنَّمَا شرعت لمصْلحَة الْمُكَلّفين وَرُبمَا كَانَت الْمصلحَة لمن قبلنَا فِي شَيْء والمصلحة لنا فِي غَيره فَلَا يجوز إِجْرَاء حكمهم علينا
قُلْنَا فَيجب أَن تَقولُوا يَقْتَضِي هَذَا الدَّلِيل أَن مَا شرع للصحابة لَا يكون شرعا للتابعين لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْمصلحَة للصحابة فِي ذَلِك دون التَّابِعين وَلما بَطل هَذَا بِالْإِجْمَاع بَطل مَا ذَكرُوهُ
وعَلى أَن الظَّاهِر أَن الْمصلحَة لنا فِيمَا شرع لَهُم إِذْ لَو كَانَت الْمصلحَة لنا فِي غَيره لنسخ ذَلِك وَلما لم ينْسَخ ذَلِك دلّ على أننا وهم فِي الْمصلحَة سَوَاء
قَالُوا لَو كَانَ شرعا لنا لوَجَبَ اتِّبَاع أدلتهم وتتبع كتبهمْ كَمَا يجب ذَلِك فِي شرعنا وَلما لم يجب ذَلِك دلّ على أَن شرعهم لَا يلْزمنَا
قُلْنَا نَحن إِنَّمَا نجْعَل شرعهم شرعا لنا فِيمَا ثَبت بِخَبَر الله تَعَالَى وَخبر رَسُوله ﵇ وَاتِّبَاع ذَلِك وَاجِب وتتبع مَا يُوصل إِلَى مَعْرفَته وَاجِب فَأَما مالم يثبت فَلَيْسَ شرعا لنا فَلَا يلْزمنَا اتِّبَاعه والكشف عَنهُ
وَرُبمَا قَالُوا لَو كَانَ شرعهم شرعا لوَجَبَ أَن يعرف شرعهم أَو مَعَاني كَلَامهم لجَوَاز أَن يكون هُنَالك مَا هُوَ مَنْسُوخ أَو مَخْصُوص
стр. 272
وَالْجَوَاب عَنهُ أَنه إِنَّمَا يجب من شرعهم مَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ وَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ لَفظه مَعْرُوف وَالظَّاهِر أَنه غير مَنْسُوخ وَلَا مَخْصُوص فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ
قالو الْعِبَادَات فِي شريعتهم مُخْتَلفَة فَلَا يُمكن اتِّبَاع الْجَمِيع فِيهَا فَسَقَطت
قُلْنَا إِنَّمَا يجب الْمصير عندنَا إِلَى مالم يثبت فِيهِ اخْتِلَاف وَأما مَا اخْتلف فِي ذَلِك عمل بالمتأخر مِنْهُمَا كَمَا يفعل ذَلِك فِي شرعنا
قَالُوا وَلِأَن كل شَرِيعَة من الشَّرَائِع مُضَافَة إِلَى قوم وَهَذِه الْإِضَافَة تمنع أَن يكون غَيرهم مشاركا لَهُم فِيهَا
قُلْنَا مَا أنكرتم أَن يكون أضيف كل شرع من ذَلِك إِلَى قوم لأَنهم أول من خوطبوا بِهِ فَعرف الشَّرْع بهم وَأسْندَ إِلَيْهِم وَيحْتَمل أَن يكون أضيف كل شرع إِلَى قوم لأَنهم متعبدون بِجَمِيعِهِ وَغَيرهم يشاركهم فِي بعض الْأَحْكَام فَلم يضف إِلَيْهِم وَإِذا احْتمل أَن تكون الْإِضَافَة لما ذكرنَا سقط التَّعْلِيق بِهِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ النَّبِي ﵇ متعبدا بشريعة من قبلنَا لوَجَبَ أَن لَا يقف الظِّهَار وَالْمِيرَاث لانتظار الْوَحْي لِأَن هَذِه الْحَوَادِث أَحْكَامهَا فِي التَّوْرَاة ظَاهِرَة
قُلْنَا إِنَّمَا توقف لِأَن التَّوْرَاة مُغيرَة مبدلة فَلم يُمكن الرُّجُوع إِلَى مَا فِيهَا فانتظر الحكم من جِهَة الْوَحْي
وعَلى أَنه إِن كَانَ فِي بعض الْأَحْكَام توقف فَفِي بَعْضهَا عمل بِمَا ثَبت من شرع من قبله أَلا ترى أَنه صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس بشرع من قبله فَسقط مَا قَالُوا
стр. 273
مسَائِل الْأَخْبَار
مَسْأَلَة ١
للْخَبَر صِيغَة تدل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ فِي اللُّغَة
وَقَالَت الأشعرية لَيْسَ للْخَبَر صِيغَة تدل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة الْخَبَر إِنَّمَا يصير خَبرا بِشَرْط أَن يَنْضَم إِلَى اللَّفْظ قصد الْمخبر إِلَى الْإِخْبَار بِهِ كَمَا قَالُوا فِي الْأَمر وَالنَّهْي
لنا هُوَ أَن أهل اللِّسَان قسموا الْكَلَام فَقَالُوا أَمر وَنهي وَخبر واستخبار
فَالْأَمْر قَوْلك افْعَل
وَالنَّهْي قَوْلك لَا تفعل
وَالْخَبَر قَوْلك زيد فِي الدَّار
والاستخبار قَوْلك أَزِيد فِي الدَّار
وَهَذَا يدل على أَن اللَّفْظ مَوْضُوع للْخَبَر يدل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ
وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذِه الصِّيغَة ترد وَيُرَاد بهَا الْخَبَر كَمَا قُلْتُمْ وَترد وَالْمرَاد بهَا غير الْخَبَر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ فَإِذا ورد
стр. 274
مُطلقًا وَجب التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يدل الدَّلِيل عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة كاللون وَالْعين وَغَيرهمَا
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا مَوْضُوع بِإِطْلَاقِهِ للْخَبَر وَيسْتَعْمل فِي غَيره بِدَلِيل كَمَا قُلْنَا فِي الْبَحْر إِنَّه مَوْضُوع بِإِطْلَاقِهِ للْمَاء الْكثير الْمُجْتَمع وَيسْتَعْمل فِي الرجل الْجواد بِدَلِيل كَذَلِك هَاهُنَا
стр. 275
مَسْأَلَة ٢
يَقع الْعلم بالأخبار المتواترة
وَقَالَت البراهمة لَا يَقع الْعلم بالأخبار المتواترة
لنا هُوَ أَن الْإِنْسَان يجد نَفسه عَالِمَة بِمَا يسمع من أَخْبَار الْبلدَانِ النائية والأمم السالفة كَمَا يجدهَا عَالِمَة بِمَا يحس بهَا من المحسوسات وَمن أنكر ذَلِك كَانَ بِمَنْزِلَة من أنكر المشاهدات
وَاحْتَجُّوا أَن كل وَاحِد من الْعدَد الْمُتَوَاتر يجوز عَلَيْهِ الصدْق وَالْكذب فَإِذا انْضَمَّ بَعضهم إِلَى بعض لم يتَغَيَّر حَاله فِي خَبره فَوَجَبَ أَن لَا يَقع الْعلم بخبرهم
قُلْنَا لَيْسَ إِذا جَازَ ذَلِك على كل وَاحِد مِنْهُم إِذا انْفَرد جَازَ عَلَيْهِم الِاجْتِمَاع أَلا ترى أَن كل وَاحِد من الْجَمَاعَة إِذا انْفَرد يجوز أَن يعجز عَن حمل الشَّيْء الثقيل ثمَّ لَا يجوز أَن يعْجزُوا عَن ذَلِك عِنْد الِاجْتِمَاع
وَلِأَنَّهُ عِنْد الِانْفِرَاد يجوز أَن يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى الْكَذِب فيكذب وَعند الِاجْتِمَاع لَا يجوز أَن تتفق دواعيهم على الْكَذِب
стр. 276
قَالُوا وَلِأَن كل وَاحِد مِنْهُم عِنْد الِاجْتِمَاع يقدر على الْكَذِب كَمَا يقدر عِنْد الِانْفِرَاد فَإِذا لم يَقع الْعلم بخبرهم حَال الِانْفِرَاد لم يَقع على الِاجْتِمَاع
قُلْنَا وَإِن كَانُوا قَادِرين على الْكَذِب إِلَّا أَنه مَعَ كثرتهم وَاخْتِلَاف هممهم لَا يتفقون على فعله كَمَا أَن كل وَاحِد مِنْهُم يقدر على السّرقَة وَالزِّنَا وَالْقَتْل وَلَا يتفقون على فعلهَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ اتِّفَاق الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة على الْخَطَأ من حَيْثُ الِاجْتِهَاد وهم أَصْحَاب الطبائع والفلاسفة جَازَ اتِّفَاقهم على الْخَطَأ فِي خبرهم
قُلْنَا ذَاك يدْرك بِالِاجْتِهَادِ فَجَاز أَن يغلطوا فِيهِ وَالْخَبَر طَرِيقه السماع والمشاهدة فَلَا يجوز أَن يتَّفق الْخلق الْعَظِيم على الْخَطَأ فِيهِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعلم يَقع بالأخبار لوَجَبَ أَن يَقع الْعلم بِخَبَر الْيَهُود عَن مُوسَى ﵇ وَالنَّصَارَى عَن عِيسَى وَالْمَجُوس عَن إِدْرِيس وَالرَّوَافِض عَن أئمتها
قُلْنَا من شَرط التَّوَاتُر أَن يكون النقلَة عددا لَا يَصح التواطؤ مِنْهُم على الْكَذِب وَأَن يَسْتَوِي طرفاه ووسطه وَهَذِه الشُّرُوط لم تتكامل فِيمَا يَرْوُونَهُ هَؤُلَاءِ لِأَن روايتهم ترجع إِلَى عدد يسير فَلهَذَا لم يَقع الْعلم بخبرهم
قَالُوا لَو كَانَ الْعلم يَقع بالْخبر الْمُتَوَاتر لوَجَبَ إِذا تعَارض خبران على التَّوَاتُر أَن يَقع بِهِ علمَان متضادان وَهَذَا محَال
قُلْنَا لَا يتَصَوَّر أَن يتَّفق خبران فِي شَيْء وَاحِد متضادان فَسقط مَا قَالُوهُ
стр. 277
مَسْأَلَة ٣
الْعلم الَّذِي يَقع بالْخبر الْمُتَوَاتر ضَرُورَة
وَقَالَ الْبَلْخِي من الْمُعْتَزلَة الْعلم الَّذِي يَقع بِهِ اكْتِسَاب وَهُوَ قَول الدقاق
لنا هُوَ أَن مَا يعلم الْإِنْسَان بذلك من أَخْبَار الْبِلَاد النائية والأمم السالفة يُعلمهُ علما لَا يُمكنهُ نَفْيه بِالشَّكِّ والشبهة فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْعلم الْوَاقِع بالحواس
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعلم يَقع بهَا من جِهَة الِاسْتِدْلَال لوَجَبَ أَن لَا يَقع بهَا
стр. 278
للصبيان لِأَنَّهُ لَا يَصح مِنْهُم النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَلما وَقع لَهُم الْعلم بذلك دلّ على أَن الْعلم بهَا يَصح ضَرُورَة
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقع الْعلم بِهِ ضَرُورَة لاشترك النَّاس كلهم فِي إِدْرَاكه وَلما رَأينَا الْعُقَلَاء يُنكرُونَ الْعلم بِهِ دلّ على أَن الْعلم من جِهَته عَن اسْتِدْلَال
قُلْنَا نَحن لَا نعتد بِخِلَاف من خَالف فِي ذَلِك كَمَا لَا نعتد بِخِلَاف من خَالف فِي المحسوسات من السوفسطائية
ثمَّ لَو جَازَ أَن يَجْعَل ذَلِك دَلِيلا على نفي الْعلم بِهِ ضَرُورَة لجَاز أَن يَجْعَل خلاف من خَالف فِي المحسوسات دَلِيلا على أَن الْعلم لَا يَقع من جِهَة الْحَواس ضَرُورَة وَلما بَطل هَذَا بِالْإِجْمَاع بَطل مَا قَالُوهُ أَيْضا
قَالُوا وَلِأَن الْإِنْسَان يسمع الشَّيْء من الْوَاحِد والاثنين وَلَا يَقع بِهِ الْعلم إِلَى أَن يتكاثروا فيبلغوا التَّوَاتُر فَيَقَع لَهُ حِينَئِذٍ الْعلم فَكَانَ ذَلِك اسْتِدْلَالا كَالْعلمِ الْوَاقِع بِالنّظرِ فِي الْعَالم وَالِاسْتِدْلَال على حَدثهُ
قُلْنَا لَيْسَ إِذا لم يَقع الْعلم فِي ابْتِدَاء السماع لم يكن الْعلم الْحَاصِل لَهُ عِنْد الِانْتِهَاء ضَرُورَة أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يرى الشَّيْء من بعيد فَلَا يَقع لَهُ الْعلم بِهِ على التَّفْصِيل ثمَّ يقرب مِنْهُ فَيعلم حَقِيقَته على التَّفْصِيل ثمَّ لَا يُقَال إِن ذَلِك الْعلم اسْتِدْلَال
قَالُوا وَلِأَن الْعلم لَا يَقع بأخبارهم إِلَّا على صِفَات تصحبهم يسْتَدلّ بهَا على صدقهم فَصَارَ كَالْعلمِ بِحَدَث الْعَالم لما وَقع عَن الصِّفَات الَّتِي تصْحَب الْعَالم من الِاجْتِمَاع والافتراق كَانَ اكتسابا فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْأَخْبَار وَإِن اعْتبر فِيهَا صِفَات إِلَّا أَن الْعلم بصدقهم لَا يفْتَقر إِلَى اعْتِبَار الصِّفَات أَلا ترى أَنه يجوز أَن يَقع الْعلم لمن لَا ينظر فِي الصِّفَات وَيُخَالف هَذَا الْعلم الْوَاقِع عَن الْعَالم فَإِن بذلك لَا يَقع إِلَّا بعد النّظر فِي الْمعَانِي الَّتِي تصْحَب الْعَالم وَالِاسْتِدْلَال بهَا فَلذَلِك كَانَ اكتسابا وَفِي الْأَخْبَار يَقع الْعلم من غير نظر وَاعْتِبَار فَافْتَرقَا
стр. 279
مَسْأَلَة ٤
لَيْسَ فِي التَّوَاتُر عدد مَحْصُور
وَقَالَ بعض النَّاس هم خَمْسَة فَصَاعِدا ليزيدوا على عدد الشُّهُود وَهُوَ قَول الجبائي
وَقَالَ بَعضهم اثْنَا عشر بِعَدَد النُّقَبَاء
وَقَالَ بَعضهم سَبْعُونَ بِعَدَد أَصْحَاب مُوسَى
وَقَالَ بَعضهم ثَلَاثمِائَة وَكسر بِعَدَد أَصْحَاب رَسُول الله يَوْم بدر
لنا هُوَ أَن التَّوَاتُر مَا وَقع الْعلم الضَّرُورِيّ بِخَبَرِهِ وَهَذَا لَا يخْتَص بِعَدَد وَإِنَّمَا يُوجد ذَلِك فِي جمَاعَة لَا يَصح مِنْهَا التواطؤ على الْكَذِب فَوَجَبَ أَن يكون الِاعْتِبَار بذلك
стр. 280
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك يَقْتَضِي عددا محصورا لاقتضى اعْتِبَار صفتهمْ كَمَا قُلْنَا فِي الشَّهَادَة وَلما لم تعْتَبر صِفَات الروَاة وَلم تخْتَلف باخْتلَاف حَالهم من الْكفْر وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة والفسوق دلّ على أَنه لَا اعْتِبَار فِيهِ بِعَدَد مَحْصُور
وَأما المخالفون فَلَيْسَ لَهُم شُبْهَة يرجعُونَ إِلَيْهَا إِلَّا هَذِه الْأَعْدَاد الَّتِي وَردت فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذكروها وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا لَيْسَ مَعَهم أَن هَذِه الْأَعْدَاد اعْتبرت فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذكروها للتمييز بَين مَا يُوجب الْعلم وَبَين مَالا يُوجب وَإِذا لم يثبت هَذَا لم يتم الدَّلِيل
стр. 281
مَسْأَلَة ٥
لَا يعْتَبر الْإِسْلَام فِي رُوَاة التَّوَاتُر وَيَقَع الْعلم بتواتر الْكفَّار
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يَقع الْعلم بتواتر الْكفَّار
وَمِنْهُم من قَالَ إِن لم يطلّ الزَّمَان وَقع وَإِن طَال الزَّمَان وَأمكن وُقُوع المراسلة والتواطؤ لم يَقع
لنا أَن الْعلم يَقع للسامع بأخبارهم إِذا وجدت على الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة كَمَا يَقع بأخبار الْمُسلمين فَدلَّ على أَنه لَا اعْتِبَار بِالْإِسْلَامِ
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لما اخْتصَّ الْمُسلمُونَ بِالْإِجْمَاع وَجب أَن يختصوا بالتواتر أَيْضا
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا جمع من غير عِلّة فَلَا يلْزم على أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا صَار حجَّة بِالشَّرْعِ وَالشَّرْع ورد فِي الْمُسلمين دون الْكفَّار وَلَيْسَ كَذَلِك الْأَخْبَار فَإِنَّهَا توجب الْعلم من طَرِيق الْعَادة وَمَا طَرِيقه الْعَادة لَا يخْتَلف فِيهِ الْمُسلمُونَ وَالْكفَّار
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقع الْعلم بتواترهم لوقع لنا الْعلم بِمَا أخْبرت بِهِ النَّصَارَى من صلب عِيسَى ﵇ وَلما لم يَقع لنا الْعلم بذلك دلّ على أَن خبرهم لَا يُوجب الْعلم
قُلْنَا إِنَّمَا لم يَقع هُنَاكَ الْعلم لِأَن شَرَائِط التَّوَاتُر فِيهِ لم تتكامل وَهُوَ اسْتِوَاء طرفِي الْعدَد ووسطه فَإِن النَّقْل فِي الأَصْل يرجع إِلَى عدد يسير فَلم يَقع الْعلم بخبرهم وَفِي مَسْأَلَتنَا تكاملت شَرَائِط الْخَبَر من اسْتِوَاء طرفِي الْعدَد وَالْوسط فَوَقع بِهِ الْعلم
стр. 282
مَسْأَلَة ٦
أَخْبَار الْآحَاد لَا توجب الْعلم
وَقَالَ بعض أهل الظَّاهِر توجب الْعلم
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث فِيهَا مَا يُوجب الْعلم كَحَدِيث مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَمَا أشبهه
وَقَالَ النظام فِيهَا مَا يُوجب الْعلم وَهُوَ مَا قارنه سَبَب
стр. 283
لنا هُوَ أَنه لَو كَانَ خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم لأوجب خبر كل وَاحِد وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يَقع الْعلم بِخَبَر من يَدعِي النُّبُوَّة وَمن يَدعِي مَالا على غَيره وَلما لم يقل هَذَا أحد دلّ على أَنه لَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الْعلم
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم لما اعْتبر فِيهِ صِفَات الْمخبر من الْعَدَالَة وَالْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَغير ذَلِك كَمَا لم يعْتَبر ذَلِك فِي أَخْبَار التَّوَاتُر
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يُوجب الْعلم لوَجَبَ أَن يَقع التبري بَين الْعلمَاء فِيمَا فِيهِ خبر وَاحِد كَمَا يَقع التبري فِيمَا فِيهِ خبر متواتر
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ يُوجب الْعلم لوَجَبَ إِذا عَارضه خبر متواتر أَن يتعارضا وَلما ثَبت أَنه يقدم عَلَيْهِ الْمُتَوَاتر دلّ على أَنه غير مُوجب للْعلم
وَأَيْضًا هُوَ أَنه يجوز السَّهْو وَالْخَطَأ وَالْكذب على الْوَاحِد فِيمَا نَقله فَلَا يجوز أَن يَقع الْعلم بخبرهم
وَاحْتج أهل الظَّاهِر بِأَنَّهُ لَو لم يُوجب الْعلم لما وَجب الْعَمَل بِهِ إِذْ لَا يجوز الْعَمَل بِمَا لَا يُعلمهُ وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يمْتَنع أَن يجب الْعَمَل بِمَا لَا يُوجب الْعلم كَمَا يَقُولُونَ فِي شَهَادَة الشُّهُود وَخبر الْمُفْتى وترتيب الْأَدِلَّة بَعْضهَا على بعض فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك كُله وَإِن لم يُوجب الْعلم
стр. 284
وَأما قَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِهِ مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم من طَرِيق الْقطع وَلَا من طَرِيق الظَّاهِر وَمَا يخبر بِهِ الْوَاحِد وَإِن لم يقطع بِهِ فَهُوَ مَعْلُوم من طَرِيق الظَّاهِر وَالْعَمَل بِهِ عمل بِالْعلمِ
وَاحْتج أَصْحَاب الحَدِيث بِأَن أَصْحَاب هَذِه الْأَخْبَار على كثرتها لَا يجوز أَن تكون كلهَا كذبا وَإِذا وَجب أَن يكون فِيهَا صَحِيح وَجب أَن يكون ذَلِك مَا اشْتهر طَرِيقه وَعرفت عَدَالَة رُوَاته
قُلْنَا يبطل بِهِ إِذا اخْتلف عُلَمَاء الْعَصْر فِي حَادِثَة على أَقْوَال لَا يحْتَمل غَيرهَا فَإنَّا نعلم أَنه لَا يجوز أَن تكون كلهَا بَاطِلا ثمَّ لَا يُمكن أَن نقطع بِصِحَّة وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَاحْتج النظام بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم وَهُوَ إِذا أقرّ على نَفسه بِمَا يُوجب الْقَتْل وَالْقطع فَيَقَع الْعلم بِهِ لكل من سمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذا خرج الرجل من دَاره مخرق الثِّيَاب وَذكر أَن أَبَاهُ مَاتَ وَقع الْعلم لكل من سمع ذَلِك مِنْهُ فَدلَّ على أَن فِيهِ مَا يُوجب الْعلم
وَالْجَوَاب هُوَ أَن لَا نسلم أَن الْعلم يَقع بِسَمَاعِهِ لِأَنَّهُ يجوز أَن يظْهر ذَلِك لغَرَض وَجَهل يحمل عَلَيْهِ وَقد شوهد من قتل نَفسه بِيَدِهِ وصلب نَفسه وَأخْبر بِمَوْت أَبِيه لغَرَض يصل إِلَيْهِ وَأمر يلتمسه فَإِذا احْتمل مَا ذَكرْنَاهُ لم يجز أَن يَقع الْعلم بِهِ
стр. 285
مَسْأَلَة ٧
يجوز التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد
وَقَالَ بعض أهل الْبدع لَا يجوز ذَلِك من جِهَة الْعقل
لنا هُوَ أَنه إِذا جَازَ فِي الْعقل أَن يعلق وجوب الْعِبَادَات على شَرَائِط إِذا وجدت تعلق بهَا الْوُجُوب جَازَ أَن يعلق وجوب الْعِبَادَة على مَا يخبر بِهِ الْعدْل وَلَا فرق بَينهمَا
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون فرض الْإِنْسَان مَا يخبر بِهِ الْمُفْتِي وَيشْهد بِهِ الشَّاهِد وان جَازَ عَلَيْهِم السَّهْو وَالْخَطَأ وَلم يقبح ذَلِك فِي الْعقل جَازَ أَن يرد التَّعَبُّد بِالرُّجُوعِ الى قَوْله فِي احكام الشَّرْع
وَلِأَن مَا يُفْتى بِهِ الْمُفْتِي اخبار عَن دَلِيل من أَدِلَّة الشَّرْع وَرُبمَا كَانَ ذَلِك نصا وَرُبمَا كَانَ استنباطا فَإِذا جَازَ الرُّجُوع إِلَى خَبره مَعَ الِاحْتِمَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَلِأَن يجوز الرُّجُوع إِلَى خبر من روى قَول النَّبِي ﵇ أولى
وَلِأَن الشَّرْع قد ورد بالتعبد بِهِ وَنحن ندل عَلَيْهِ وَلَو لم يجز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ لما ورد
وَاحْتَجُّوا بِأَن التَّكْلِيف لَا يجوز أَن يتَعَلَّق إِلَّا بِمَا فِيهِ الْمصلحَة للمكلف
следующие страницы →