Полный текст (521 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز إِجْرَاء الْعلَّة فِي كل مَوضِع وجدت حَتَّى يدل الدَّلِيل على ذَلِك وَهُوَ قَول الْبَصْرِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا هُوَ أَنه إِذا قَالَ لَا تَأْكُل السكر لِأَنَّهُ حُلْو عقل مِنْهُ تَحْرِيم كل مَا هُوَ حُلْو وَإِذا قَالَ لَا تَأْكُل الْعَسَل لِأَنَّهُ حَار عقل مِنْهُ تَحْرِيم كل مَا كَانَ حارا وَلِهَذَا إِذا سمع النَّاس ذَلِك من رجل ثمَّ لم يطردوه أَسْرعُوا إِلَى مناقضته فَدلَّ على أَن مُقْتَضَاهُ الطَّرْد والجريان
وَلِأَنَّهُ لَو لم يقْصد إِثْبَات الحكم فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ الْعلَّة لم يفد ذكر التَّعْدِيل شَيْئا وَصَارَ لَغوا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَحْكَام إِنَّمَا شرعت لمصْلحَة الْمُكَلّفين فَيجوز أَن تكون حلاوة السكر تَدْعُو الْإِنْسَان إِلَى تنَاوله وحلاوة غَيره لَا تَدْعُو إِلَى تنَاوله لِأَن الدَّاعِي إِذا دَعَا إِلَى شَيْء لَا يجب أَن يَدْعُو إِلَى كل مَا شَاركهُ فِي ذَلِك الْمَعْنى وَلِهَذَا يجوز أَن تَدعُوهُ الشَّهْوَة إِلَى أكل السكر وَلَا تَدعُوهُ إِلَى أكل الْعَسَل وَإِن اشْتَركَا فِي الْحَلَاوَة فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك جَازَ أَن يُعلل تَحْرِيم السكر فِي الْحَلَاوَة لما فِي تَحْرِيمه من
стр. 422
الْمصلحَة إِلَّا أَنه جعله أَمارَة على التَّحْرِيم حَيْثُ وجدت فَلَا يجوز قِيَاس غَيره عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل
قُلْنَا لَو كَانَ الْقَصْد بِهِ مَا ذكرْتُمْ لاقتصر على بَيَان الحكم وَلما ذكر الحكم وعلته دلّ على أَنه قصد إجراءها حَيْثُ وجدت
قَالُوا لَو كَانَ ذكر التَّعْلِيل فِي شَيْء يَقْتَضِي الطَّرْد والجريان لوَجَبَ إِذا قَالَ الرجل أعتقت عَبدِي فلَانا لِأَنَّهُ أسود أَن يعْتق عَلَيْهِ كل عبد أسود وَلما بَطل أَن يُقَال هَذَا دلّ على أَن ذكر الْعلَّة لَا يَقْتَضِي الطَّرْد والجريان
وَلِأَنَّهُ لَو لم يقْصد إِثْبَات الحكم فِي كل مَوضِع وجدت فِيهِ الْعلَّة لم يفد ذكر التَّعْدِيل شَيْئا وَصَارَ لَغوا
قُلْنَا إِنَّمَا لم يلْزم من ذَلِك فِي حق الْوَاحِد منا لِأَنَّهُ تجوز عَلَيْهِ المناقضة فِي أَقْوَاله وأفعاله فَأَما صَاحب الشَّرْع فَلِأَنَّهُ لَا تجوز عَلَيْهِ المناقضة فِي أَقْوَاله وأفعاله فَإِذا علل بعلة وَجب طردها
قَالُوا وَلَكِن مَا جعل عِلّة فِي الحكم غير مُوجب للْحكم بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ قد كَانَ مَوْجُودا قبل ذَلِك وَلم يُوجد الحكم
وَأَيْضًا صَار مُوجبا بِجعْل جَاعل فَيجب أَن لَا يكون عِلّة إِلَّا حَيْثُ جعلهَا عِلّة
قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لوَجَبَ أَن لَا يكون عِلّة إِلَّا فِي الزَّمَان الَّذِي جعله فِيهِ عِلّة لِأَنَّهُ صَار عِلّة بجعله فَيجب أَن يكون مَقْصُورا على الزَّمَان الَّذِي جعله فِيهِ عِلّة وَلما لم يَصح أَن يُقَال هَذَا فِي الزَّمَان لم يَصح أَن يُقَال ذَلِك فِي الْأَعْيَان
قَالُوا لَو كَانَ ذكر الْعلَّة فِي عين يُوجب ثُبُوت الحكم فِي كل عين لوَجَبَ إِذا قَالَ حرمت السكر لحلاوته وأحللت الْعَسَل أَن يكون ذَلِك مناقضة فَلَمَّا جَازَ أَن يَقُول ذَلِك وَلم يقبح دلّ على أَن الْعلَّة لَا تَقْتَضِي الطَّرْد
стр. 423
قُلْنَا إِذا قَالَ حرمت السكر لِأَنَّهُ حُلْو فَالظَّاهِر أَن ذَلِك جَمِيع الْعلَّة فَإِذا قَالَ بعد ذَلِك وأحللت الْعَسَل علمنَا أَنه ذكر بعض الْعلَّة وَأَنه أَرَادَ الْحَلَاوَة مَعَ الْجِنْس وَلَيْسَ إِذا حمل اللَّفْظ على غير الظَّاهِر بِدلَالَة اقترنت بِهِ دلّ على بطلَان ظَاهره إِذا تجرد
стр. 424
مَسْأَلَة ٥
يجوز إِثْبَات الْحُدُود وَالْكَفَّارَات والمقدرات بِالْقِيَاسِ
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يجوز
لنا مَا رُوِيَ عَن معَاذ أَنه قَالَ للنَّبِي ﷺ حِين بَعثه إِلَى الْيمن أجتهد رَأْيِي فصوبه رَسُول الله ﷺ على ذَلِك وَلم يفرق بَين هَذِه الْأَحْكَام وَبَين غَيرهَا
стр. 425
وَلِأَنَّهُ حكم لَيْسَ فِيهِ دَلِيل قَاطع فَجَاز إثْبَاته بِالْقِيَاسِ أَصله سَائِر الْأَحْكَام
وَلِأَن كل دَلِيل ثَبت فِيهِ غير هَذِه الْأَحْكَام ثَبت فِيهِ هَذِه الْأَحْكَام كَخَبَر الْوَاحِد
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْقيَاس فِي معنى خبر الْوَاحِد أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقْتَضِي الحكم من طَرِيق الظَّن وَيجوز السَّهْو وَالْخَطَأ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِذا جَازَ إِثْبَات هَذِه الْأَحْكَام بِخَبَر الْوَاحِد جَازَ إِثْبَاتهَا بِالْقِيَاسِ
وَلِأَنَّهُم أوجبوا الْكَفَّارَة على الْأكل فِي رَمَضَان قِيَاسا على المجامع
وأوجبوا الْحَد فِي الْمُحَاربَة قِيَاسا على الردء فِي اسْتِحْقَاق الْغَنِيمَة فَدلَّ على جَوَاز ذَلِك
فَإِن قيل الْكَفَّارَة فِي رَمَضَان وَاجِبَة بِالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ الْحَد فِي الْمُحَاربَة وَإِنَّمَا أثبتنا موضعهَا بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ جَائِز وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يجوز إِيجَاب ذَلِك فِي غير الْبَاب الَّذِي ثَبت فِيهِ كإيجاب الْقطع على المختلس وَالْحَد على اللائط
قيل هُوَ وَإِن كَانَ إِيجَابا فِي الْبَاب الَّذِي وَجب فِيهِ إِلَّا أَن الْمَانِع عِنْدهم من إِيجَاب ذَلِك بِالْقِيَاسِ هُوَ أَن مِقْدَار المأثم وَمَا يفْتَقر إِلَى الْحَد فِي الردع لَا يدْرك بِالْقِيَاسِ وَلَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَهَذَا مَوْجُود فِيمَا ألزمناهم فَيجب أَن لَا يُقَاس فِيهِ
فَإِن قيل نَحن لم نوجب ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا أوجبناه بالتنبيه وَالِاسْتِدْلَال بِالْأولَى فَإِن مأثم الْأكل أَكثر من مأثم الْجِمَاع فَإِذا وَجَبت الْكَفَّارَة فِي الْجِمَاع فَفِي الْأكل أولى
стр. 426
قيل الِاسْتِدْلَال بِالْأولَى لَا يُوجد فِي إِيجَاب الْحَد على الردء لِأَن الردء لَيْسَ بِأَكْثَرَ إِثْمًا من الْمُبَاشرَة وَقد أوجبتموه
وعَلى أَن مثل هَذَا مَوْجُود فِي اللواط فَإِن إثمه أعظم من مأثم الزِّنَا لِأَنَّهُ لَا يستباح بِحَال وَقد منعتم من إِيجَاب الْحَد فِيهِ بِالْقِيَاسِ على الزِّنَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْحَد شرع للزجر والردع عَن الْمعاصِي وَالْكَفَّارَة وضعت لتكفير المأثم وَمَا يَقع بِهِ الردع والزجر من الْمعاصِي وَيتَعَلَّق بِهِ التَّكْفِير عَن المأثم لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى فَكَذَلِك اخْتِصَاص الحكم بِقدر دون قدر لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَلَا يجوز إِثْبَات شَيْء من ذَلِك بِالْقِيَاسِ
الْجَواب هُوَ أَن هَذَا لَو كَانَ طَرِيقا فِي نفي الْقيَاس فِي هَذِه الْأَحْكَام لوَجَبَ أَن يَجْعَل مثل ذَلِك طَرِيقا فِي نفي الْقيَاس فِي سَائِر الْأَحْكَام كَمَا فعله نفاة الْقيَاس فَقَالُوا إِن الْأَحْكَام شرعت لمصْلحَة الْمُكَلّفين والمصلحة لَا يعلمهَا إِلَّا الله تَعَالَى فَيجب أَن لَا يعْمل فِيهَا بِالْقِيَاسِ وَلما بَطل هَذَا فِي نفي الْقيَاس فِي سَائِر الْأَحْكَام بَطل فِي نفي الْقيَاس فِي هَذِه الْأَحْكَام
على أَنا إِنَّمَا نقيس إِذا علمنَا معنى الأَصْل بِدَلِيل وَإِذا ثَبت ذَلِك بِالدَّلِيلِ صَار بِمَنْزِلَة التَّوْقِيف
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقيَاس مَوضِع شُبْهَة لِأَنَّهُ إِلْحَاق فرع بأشبه الْأَصْلَيْنِ فَيكون الأَصْل الآخر شُبْهَة فَلَا يجوز إِيجَاب الْحَد مَعَ الشُّبُهَات
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يبطل بِخَبَر الْوَاحِد وَشَهَادَة الشُّهُود فَإِنَّهَا لموْضِع شُبْهَة لِأَنَّهُ يجوز الْخَطَأ والسهو فِيهَا ثمَّ يجوز إِثْبَات الْحُدُود بهما
وعَلى أَنا إِنَّمَا نوجب إِذا ترجح أحد الْأَصْلَيْنِ فَيبْطل الأَصْل الآخر وَيصير وجوده كَعَدَمِهِ
ثمَّ هَذَا يبطل بِإِيجَاب ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي وضع فِيهِ فَإِنَّهُم جوزوه بِالْقِيَاسِ وَإِن كَانَ مَوضِع شُبْهَة
стр. 427
مَسْأَلَة ٦
يجوز ابْتِدَاء الْأَحْكَام بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يكن عَلَيْهَا نقل فِي الْجُمْلَة
وَقَالَ أَبُو هَاشم لَا يجوز أَن يثبت بِالْقِيَاسِ إِلَّا مَا نَص عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ ثمَّ يثبت تَفْصِيله بِالْقِيَاسِ
لنا قَول معَاذ بن جبل للنَّبِي ﷺ أجتهد رَأْيِي وَلم يفصل بَين إِثْبَات الْجُمْلَة وَبَين إِثْبَات التَّفْصِيل
وَلِأَن الصَّحَابَة ﵃ ابتدؤوا الحكم فِي قَوْلهم أَنْت حرَام بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يكن مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة وَلِأَن كل حكم جَازَ إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد جَازَ إثْبَاته بِالْقِيَاسِ كَالْحكمِ فِي التَّفْصِيل
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ إِثْبَات الْجمل بِالْقِيَاسِ لجَاز إِثْبَات صَلَاة سادسة بِالْقِيَاسِ فَلَمَّا لم يجز ذَلِك بِالْإِجْمَاع دلّ على أَنه لَا يجوز إِثْبَات الْجمل بِالْقِيَاسِ
وَالْجَوَاب أَن الْقيَاس فِيمَا ذَكرُوهُ إِنَّمَا لم يَصح لِأَنَّهُ يُخَالف النَّص وَالْإِجْمَاع وَلَيْسَ إِذا لم يَصح الْقيَاس عِنْد مُخَالفَة النَّص وَالْإِجْمَاع لم يَصح مَعَ عدم مخالفتهما
أَلا ترى أَن الْقيَاس فِي أَحْكَام التَّفْصِيل إِذا خَالف النَّص وَالْإِجْمَاع لم يَصح ثمَّ لَا يدل على أَنه لَا يَصح مَعَ عدم الْمُخَالفَة فَكَذَلِك هَاهُنَا
стр. 428
مَسْأَلَة ٧
يجوز إِثْبَات الْأَسَامِي بِالْقِيَاسِ فِي قَول كثير من أَصْحَابنَا
وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجوز وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَكثير من الْمُتَكَلِّمين
لنا أَنا رَأينَا الْعَرَب قد سموا أعيانا بأسامي كالإنسان وَالْفرس وَالْحمار وَغير ذَلِك ثمَّ انقرضوا وانقرضت تِلْكَ الْأَعْيَان واتفقت النَّاس على تَسْمِيَة أَمْثَالهَا بِتِلْكَ الْأَسْمَاء فَدلَّ على أَنهم قاسوا على المسموع
стр. 429
فَإِن قيل لَيْسَ هَذَا من جِهَة الْقيَاس وَإِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْوَضع فَإِنَّهُم وضعُوا هَذِه الْأَسْمَاء لهَذِهِ الْأَجْنَاس
قُلْنَا لم يحفظ عَنْهُم أَنهم قَالُوا إِن هَذِه الْأَسْمَاء لهَذِهِ الْأَجْنَاس وَلَا سَبِيل لأحد إِلَى نقل ذَلِك عَنْهُم فَسقط مَا قَالُوهُ
وَأَيْضًا هُوَ أَن أهل النَّحْو أَجمعُوا على أَن كل فَاعل مَرْفُوع وكل مفعول بِهِ مَنْصُوب وَلم يسمع ذَلِك من الْعَرَب وَإِنَّمَا عرف ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَال وَذَلِكَ أَنهم لما استمروا فِي كل فَاعل ذَكرُوهُ على الرّفْع وَفِي كل مفعول على النصب علم أَنهم إِنَّمَا رفعوا فِي مَوضِع الرّفْع لكَونه فَاعِلا ونصبوا فِي مَوضِع النصب لكَونه مَفْعُولا فحملوا عَلَيْهِ كل فَاعل وكل مفعول قِيَاسا فَهَكَذَا فعلوا فِي جَمِيع وُجُوه الْإِعْرَاب فَدلَّ على مَا ذَكرْنَاهُ
وَلِأَن الطَّرِيق الَّذِي يعلم بِهِ الحكم من جِهَة الْقيَاس هُوَ أَن ينظر القائس فِيمَا تعلق بِهِ الحكم من النُّصُوص ويستدل عَلَيْهِ بالسلب والوجود ثمَّ يجد ذَلِك فِي غَيره فَيحمل عَلَيْهِ وَهَذَا مَوْجُود فِي الِاسْم فَإنَّا إِذا رَأينَا عصير الْعِنَب قبل الشدَّة لَا نُسَمِّيه خمرًا ثمَّ تحدث الشدَّة فيسمى خمرًا ثمَّ تَزُول الشدَّة فَلَا يُسمى خمرًا علمنَا أَن الْمُوجب لهَذِهِ التَّسْمِيَة وجود الشدَّة المطربة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي النَّبِيذ فَيجب أَن يُسمى خمرًا
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ وَقيل فِي الْخَبَر أَنه علمه حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة فَدلَّ على أَن الرُّجُوع فِي الْأَسْمَاء إِلَى التَّوْقِيف
قُلْنَا لَيْسَ فِيهِ أَنه علمه كلهَا بِالنَّصِّ وَيجوز أَن يكون قد علمه الْبَعْض بِالنَّصِّ وَالْبَعْض بالتنبيه وَالْقِيَاس
وعَلى أَن هَذَا خَاص لآدَم ﵇ وَيجوز أَن يكون قد علمه ذَلِك كُله نصا وَنحن نعرفه قِيَاسا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا وَله اسْم فِي اللُّغَة فَلَا يجوز أَن يثبت لَهُ اسْم آخر
стр. 430
بِالْقِيَاسِ كَمَا إِذا ثَبت للشَّيْء حكم بِالنَّصِّ لَا يجوز أَن يثبت لَهُ حكم آخر بِالْقِيَاسِ
قُلْنَا الْأَحْكَام تتنافى فَإِذا ثَبت للشَّيْء حكم لم يجز أَن يثبت لَهُ حكم آخر يُخَالِفهُ والأسماء لَا تتنافى فَيكون للشَّيْء اسْم وَيجْعَل لَهُ اسْم آخر يدلك عَلَيْهِ أَنه يجوز أَن يكون للشَّيْء الْوَاحِد اسمان وَثَلَاثَة وَأكْثر من طَرِيق التَّوْقِيف وَلَا يجوز أَن يكون للشَّيْء الْوَاحِد حكمان متضادان من طَرِيق النَّص فَافْتَرقَا
قَالُوا الْقيَاس إِنَّمَا يَصح فِي اللُّغَة إِذا ثَبت أَنهم وضعُوا ذَلِك على الْمَعْنى ثمَّ أذنوا فِي الْقيَاس عَلَيْهِ وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته فَيجب أَن لَا يَصح الْقيَاس فِيهَا
قُلْنَا نَحن إِنَّمَا نقيس فِيمَا وضعُوا على الْمَعْنى وَذَلِكَ يعلم باستقراء كَلَامهم واستمرارهم فِي الشَّيْء على طَريقَة وَاحِدَة فَيعلم بذلك قصدهم كَمَا يعلم قصد صَاحب الشَّرْع
وَأما الْإِذْن فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ الْعلم بِالْمَعْنَى إِذْ لَا فرق بَين أَن يَقُول سميتها خمرًا للشدة المطربة وَبَين أَن يَقُول كل شَدِيد مطرب فَهُوَ خمر
قَالُوا وَلِأَن الِاسْم لم يوضع على الْقيَاس أَلا ترى أَنهم خالفوا بَين المتشاكلين فِي الِاسْم فسموا الْفرس الْأسود أدهم وَلم يسموا الْحمار الْأسود أدهم ويسمون الْفرس الْأَبْيَض أَشهب وَلم يسموا الْحمار الْأَبْيَض أَشهب فَدلَّ على أَنه لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ
قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا طَرِيقا فِي إبِْطَال الْقيَاس فِي الْأَسَامِي فِي اللُّغَة لَكَانَ طَرِيقا فِي إبِْطَال الْقيَاس فِي الشرعيات فَيُقَال إِنَّهَا وضعت على غير الْقيَاس أَلا ترى أَنه فرق بَين المتشاكلين وَهُوَ الْمَذْي والمني فَأوجب الْغسْل بِأَحَدِهِمَا دون الآخر فَيجب أَن يبطل الْقيَاس وَلما بَطل هَذَا فِي الشرعيات بَطل مَا قَالُوهُ فِي الْأَسْمَاء واللغات
قَالُوا لَو جَازَ إِثْبَات الْأَسْمَاء المشتبهة بِالْقِيَاسِ لجَاز إِثْبَات الألقاب وَلما لم يجز ذَلِك لم يجز هَذَا
قُلْنَا الألقاب لم تُوضَع على الْمَعْنى وَلَا يُمكن قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا والمشتقة وضعت على الْمَعْنى فَأمكن قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا فَافْتَرقَا
стр. 431
مَسْأَلَة ٨
يجوز إِثْبَات الْقيَاس على مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا لَا يجوز إِلَّا على مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة
لنا هُوَ أَن الْإِجْمَاع أصل فِي إِثْبَات الْأَحْكَام فَجَاز الْقيَاس على مَا ثَبت بِهِ كالنص
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ الْقيَاس على مَا ثَبت بِخَبَر الْوَاحِد وَهُوَ مظنون فَلِأَن يجوز على مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع وَهُوَ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ أولى
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأمة لَا تشرع وَإِنَّمَا تجمع عَن دَلِيل فَيجب طلب ذَلِك الدَّلِيل فَإِنَّهُ رُبمَا يكون لفظا يتَنَاوَل الْفَرْع فيغني عَن الْقيَاس وَرُبمَا كَانَ معنى لَا يتَعَدَّى مَوضِع الْإِجْمَاع فَيمْنَع الْقيَاس
قُلْنَا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى النّظر فِي الدَّلِيل لِأَنَّهُ إِن كَانَ الدَّلِيل نطقا بَينا بتناول الْفَرْع لم يمْنَع ذَلِك من الْقيَاس لِأَن أَكثر مَا فِيهِ أَن يكون قد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بِالْقِيَاسِ مَعَ إِمْكَان الِاسْتِدْلَال بِالنَّصِّ وَذَلِكَ جَائِز وَإِن كَانَ الدَّلِيل معنى لَا يتَعَدَّى مَوضِع الْإِجْمَاع لم يمْنَع أَيْضا الْقيَاس لِأَن الْإِجْمَاع عَن معنى لَا يتَعَدَّى لَا يمْنَع أَن يكون هُنَاكَ معنى آخر يتَعَدَّى إِلَى الْفَرْع فيقاس عَلَيْهِ وَإِذا لم يكن فِي وَاحِد من الْحَالين مَا يمْنَع الْقيَاس لم يجب طلب الدَّلِيل
стр. 432
مَسْأَلَة ٩
يجوز الْقيَاس على مَا ورد بِهِ الْخَبَر مُخَالفا للْقِيَاس وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أَصْحَاب أبي حنيفَة مَوضِع الِاسْتِحْسَان
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يجوز إِلَّا أَن يرد الْخَبَر مُعَللا أَو مجمعا على تَعْلِيله أَو هُنَاكَ أصل آخر يُوَافقهُ فَيجوز الْقيَاس
لنا هُوَ مَا ورد بِهِ الْخَبَر أصل يجوز الْعَمَل بِهِ فَجَاز أَن يستنبط مِنْهُ معنى وَيُقَاس
الدَّلِيل عَلَيْهِ إِذا لم يكن مُخَالفا للْقِيَاس
وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَن الْمَخْصُوص من الْعُمُوم يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع مِنْهُ الْعُمُوم فَكَذَلِك الْمَخْصُوص من الْأُصُول يجب أَن يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَلَا تمنع مِنْهُ الْأُصُول
стр. 433
وَلِأَن مَا ورد بِهِ الْخَبَر لَو نَص على تَعْلِيله جَازَ الْقيَاس عَلَيْهِ فَإِذا ثَبت تَعْلِيله بِدَلِيل من جِهَة الاستنباط وَجب أَن يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَن مَا ثَبت بِالدَّلِيلِ بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهِ
وَأَيْضًا فَإِن مَا ورد بِهِ الْخَبَر أصل كَمَا أَن مَا ثَبت بِالْقِيَاسِ أصل وَلَيْسَ رد هَذَا الأَصْل لمُخَالفَته ذَلِك الأَصْل بِأولى من رد ذَلِك الأَصْل لمُخَالفَته هَذَا الأَصْل فَوَجَبَ إِجْرَاء كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْقيَاس عَلَيْهِ على مَا يَقْتَضِيهِ
وَاحْتَجُّوا بِأَن مَا ثَبت بِقِيَاس الْأُصُول مَقْطُوع بِهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْقيَاس مظنون فَلَا يجوز إبِْطَال الْمَقْطُوع بِهِ بِأَمْر مظنون
قُلْنَا هَذَا يبطل الْمَخْصُوص من عُمُوم الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهِ إبِْطَال مَقْطُوع بِهِ بِأَمْر مظنون وَيبْطل أَيْضا بالْخبر إِذا ورد مُخَالفا لِلْأُصُولِ وَهُوَ مُعَلل فَإِنَّهُ يثبت من طَرِيق الظَّن ثمَّ يُقَاس غَيره عَلَيْهِ وَيتْرك لَهُ قِيَاس الْأُصُول الَّذِي طَرِيقه الْقطع
стр. 434
مَسْأَلَة ١٠
إِذا ثَبت الحكم فِي الْفَرْع بِالْقِيَاسِ على أصل جَازَ أَن يَجْعَل هَذَا الْفَرْع أصلا لفرع آخر يُقَاس عَلَيْهِ بعلة أُخْرَى فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَول أبي عبد الله الْبَصْرِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز وَهُوَ قَول أبي الْحسن الْكَرْخِي
لنا هُوَ أَن الْفَرْع لما ثَبت الحكم بِهِ بِالْقِيَاسِ صَار أصلا بِنَفسِهِ فَجَاز أَن يستنبط مِنْهُ معنى وَيُقَاس عَلَيْهِ غَيره كالأصل الثَّابِت بِالنَّصِّ
стр. 435
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْعلَّة الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِي الْفَرْع هُوَ الْمَعْنى الَّذِي انتزع من الأَصْل وَقيس عَلَيْهِ الْفَرْع وَهَذَا الْمَعْنى غير مَوْجُود فِي الْفَرْع الثَّانِي فَلَا يجوز إِثْبَات الحكم فِيهِ بِالْقِيَاسِ
قُلْنَا لَيْسَ إِذا لم يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي مَا ثَبت بِهِ الحكم فِي الْفَرْع الأول لم يجز قِيَاسه عَلَيْهِ أَلا ترى أَن مَا ثَبت بِهِ الحكم فِي الأَصْل من النَّص غير مَوْجُود فِيمَا يُقَاس عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع ذَلِك صِحَة الْقيَاس عَلَيْهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن لَا يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي معنى الْفَرْع الأول ثمَّ يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ
قَالُوا ولأنكم إِذا عللتم السكر بِأَنَّهُ مطعوم فَيحرم فِيهِ الرِّبَا كالبر ثمَّ عللتم السكر بِأَنَّهُ مَوْزُون وقستم عَلَيْهِ الرصاص خَرجْتُمْ عَن أَن تكون الْعلَّة فِي السكر أَنه مطعوم
قُلْنَا لَا يخرج عَن أَن يكون الطّعْم عِلّة فِيهِ بل الطّعْم عِلّة فِيهِ وَالْوَزْن عِلّة وَيجوز أَن يثبت الحكم فِي الْعين الْوَاحِدَة بعلتين
стр. 436
مَسْأَلَة ١١
الْعلَّة الواقفة صَحِيحَة
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة هِيَ بَاطِلَة وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا
لنا هُوَ أَن الْقيَاس أَمارَة شَرْعِيَّة فَجَاز أَن تكون خَاصَّة وَعَامة
دَلِيله النَّص
وَلِأَن كل عِلّة جَازَ أَن تكون متعدية جَازَ أَن تكون واقفة كَمَا لَو نَص عَلَيْهَا صَاحب الشَّرْع
وَلِأَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة آكِد من الْعِلَل الشَّرْعِيَّة بِدَلِيل أَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة يعْتَبر فِيهَا الطَّرْد وَالْعَكْس وَلَا تعْتَبر فِي الشَّرْعِيَّة فَإِذا جَازَ أَن تكون الْعَقْلِيَّة واقفة فالشرعية بذلك أولى
стр. 437
وَاحْتَجُّوا بِأَن الواقفة لَا تفِيد شَيْئا لِأَن حكمهَا ثَابت بِالنَّصِّ وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لم يكن لانتزاعه معنى
قُلْنَا يبطل بالواقفة إِذا نَص عَلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تفِيد شَيْئا وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا تصح
وعَلى أَنَّهَا وَإِن لم تفد فِي فرع يلْحق بِأَصْل أفادت بَيَان عِلّة الأَصْل وَوجه الْحِكْمَة وَالْمعْنَى الَّذِي تتَعَلَّق بِهِ الْمصلحَة
وَأَيْضًا رُبمَا حدث فرع يُوجد فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى فَيلْحق بِهِ
وَلِأَنَّهُ إِذا عرف أَن الْعلَّة واقفة على الأَصْل منع من قِيَاس غَيره عَلَيْهِ كَمَا إِذا عرف أَنَّهَا متعدية اسْتُفِيدَ بِهِ قِيَاس غَيره وَهَذِه فَائِدَة صَحِيحَة
стр. 438
مَسْأَلَة ١٢
يجوز أَن يَجْعَل الِاسْم عِلّة للْحكم
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز
وَمِنْهُم من قَالَ يجوز أَن يَجْعَل الِاسْم الْمُشْتَقّ عِلّة وَلَا يجوز أَن يَجْعَل الِاسْم اللقب عِلّة
لنا هُوَ أَنه إِن مَا جَازَ أَن يعلق الحكم عَلَيْهِ نطقا جَازَ أَن يستنبط ويعلق الحكم عَلَيْهِ كالصفات والمعاني
وَلِأَن بالاستنباط يتَوَصَّل إِلَى معرفَة قصد صَاحب الشَّرِيعَة وَإِذا جَازَ أَن ينص صَاحب الشَّرِيعَة على تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ جَازَ أَن يستنبط ذَلِك بِالدَّلِيلِ ويعلق عَلَيْهِ الحكم
وَاحْتَجُّوا بِأَن الِاسْم لَا يحْتَاج إِلَى الاستنباط فَلَا يجوز أَن يَجْعَل عِلّة الحكم
стр. 439
وَالْجَوَاب أَن هَذَا خطأ لِأَن تَعْلِيق الحكم على الِاسْم وجعلة عِلّة للْحكم يفْتَقر إِلَى الاستنباط كَمَا تفْتَقر سَائِر الصِّفَات فَسقط مَا قَالُوهُ
وَرُبمَا قَالُوا إِن الحكم إِنَّمَا يتَعَلَّق بالمعاني والأسماء لَيست بمعان
وَالْجَوَاب أَن هَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا
قَالُوا وَلِأَن الْعِلَل لَا تكون إِلَّا حَقِيقَة والأسماء تدْخلهَا الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَلَا يجوز أَن تجْعَل عِلّة
قُلْنَا هَذَا يبطل بِهِ إِذا نَص عَلَيْهِ صَاحب الشَّرْع فَإِنَّهُ يَجْعَل عِلّة ويعلق الحكم عَلَيْهِ وَإِن دخله الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَسقط مَا قَالُوهُ
стр. 440
مَسْأَلَة ١٣
يجوز أَن يَجْعَل نفي صفة عِلّة الحكم
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز وَحكى ذَلِك عَن القَاضِي أبي حَامِد ﵀
لنا هُوَ أَن مَا جَازَ أَن ينص عَلَيْهِ فِي التَّعْلِيل جَازَ أَن يستنبط بِالدَّلِيلِ ويعلق الحكم عَلَيْهِ كالإثبات
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون الحكم مرّة إِثْبَاتًا وَمرَّة نفيا جَازَ أَن تكون الْعلَّة مرّة إِثْبَاتًا وَمرَّة نفيا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الَّذِي يُوجب الحكم وجود معنى فَأَما إِذا عدم الْمَعْنى فَلَا يجوز أَن يُوجب الحكم وَالنَّفْي عدم معنى فَلَا يجوز أَن يُوجب الحكم
стр. 441
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا مُجَرّد الدَّعْوَى فَلَا يقبل من غير دَلِيل
قَالُوا وَلِأَن من شَرط الْعلَّة أَن يشْتَرك فِيهَا الأَصْل وَالْفرع والاشتراك فِي النَّفْي لَا يَصح
قُلْنَا لَا نسلم فَإِن الِاشْتِرَاك يَصح فِي النَّفْي كَمَا يَصح فِي الْإِثْبَات على أَن النَّفْي يتَضَمَّن الْإِثْبَات والاشتراك فِيهِ فصح
стр. 442
مَسْأَلَة ١٤
لَا يَصح رد الْفَرْع إِلَّا الأَصْل إِلَى بعلة مقتضية للْحكم أَو شبه يدل عَلَيْهِ
وَقَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة يَصح رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل بِضَرْب من الشّبَه
لنا هُوَ أَنه إِثْبَات حكم من جِهَة الْقيَاس فَاعْتبر فِيهِ معنى مَخْصُوصًا كالقياس فِي العقليات
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل من غير عِلّة مَخْصُوصَة لما احْتِيجَ إِلَى النّظر والفكر وَلَو كَانَ كَذَلِك لاشترك الْعلمَاء والعامة فِي الْقيَاس وَهَذَا لَا يَقُوله أحد فَدلَّ على أَنه لَا بُد من شبه مَخْصُوص للْحكم بِهِ يعلق
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل بِمُجَرَّد الشّبَه لم يكن حمل الْفَرْع على بعض الْأُصُول بِأولى من حمله على الْبَعْض لِأَنَّهُ مَا من فرع تردد بَين أصلين إِلَّا وَفِيه شبه من كل وَاحِد من الْأَصْلَيْنِ
стр. 443
وَاحْتَجُّوا بِأَن الصَّحَابَة ﵃ لم يعتبروا فِيمَا نقل عَنْهُم من الْقيَاس أَكثر من مُجَرّد الشّبَه فَدلَّ على أَن هَذَا الْقدر يَكْفِي
وَالْجَوَاب أَن هَذَا غير مُسلم بل اعتبروا الْمعَانِي والعلل أَلا ترى أَن عمر ﵁ قَالَ لأبي بكر ﵉ رضيك رَسُول الله ﷺ لديننا أَفلا نرضاك لدنيانا
وَقَالَ عَليّ فِي شَارِب الْخمر إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى فَأرى أَن يحد حد المفتري فَدلَّ على أَنهم اعتبروا الْمَعْنى الْمُقْتَضِي للْحكم والشبه الْمُؤثر فِيهِ
стр. 444
مَسْأَلَة ١٥
الطَّرْد والجريان شَرط فِي صِحَة الْعلَّة وَلَيْسَ بِدَلِيل على صِحَّتهَا
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ طردها وجريانها يدل على صِحَّتهَا وَهُوَ قَول أبي بكر الصَّيْرَفِي
стр. 445
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا إِذا لم يردهَا نَص وَلَا أصل دلّ على صِحَّتهَا
لنا هُوَ أَن الْعلَّة هُوَ الْمَعْنى الْمُقْتَضى للْحكم فِي الشَّرْع مَأْخُوذ من قَوْلهم فِي الْمَرَض إِنَّه عِلّة لِأَنَّهَا تَقْتَضِي تغير حَال الْمَرِيض وَلَا نعلم كَونهَا مقتضية للْحكم بِمُجَرَّد الطَّرْد لِأَنَّهُ قد يطرد مَعَ الحكم وَيجْرِي مَعَه مَا لَيْسَ بعلة فَلم يكن ذَلِك دَلِيلا على كَونه عِلّة
وَلِأَن الطَّرْد فعل القائس لِأَنَّهُ يزْعم أَنه يطرد ذَلِك حَيْثُ وجد وَلَا يتناقض وَفعله لَا يدل على أَحْكَام الشَّرْع
وَلِأَن الجريان فرع الْعلَّة وموجبها فَلَا يجوز أَن يَجْعَل دَلِيلا على صِحَّتهَا لِأَن الدَّلِيل يجب أَن يتَقَدَّم الْمَدْلُول عَلَيْهِ
ويعبر عَن هَذَا بِعِبَارَة أُخْرَى وَهُوَ أَن الجريان فِي الْفُرُوع إِنَّمَا ثَبت بِالْعِلَّةِ إِذا صَحَّ أَنَّهَا عِلّة فِي الأَصْل وَلِهَذَا إِذا قيل لَهُ لم جعلت ذَلِك عِلّة فِي هَذَا الْفَرْع قَالَ لِأَنَّهُ تعلق الحكم بهَا فِي الأَصْل فَثَبت كَونهَا عِلّة فِي الْفَرْع بِثُبُوتِهِ فِي الأَصْل وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجزه أَن يَجْعَل الدَّلِيل على صِحَّتهَا فِي الأَصْل ثُبُوتهَا فِي الْفَرْع فَيكون الدَّلِيل على صِحَّتهَا فِي الْفَرْع ثُبُوتهَا فِي الأَصْل وَالدَّلِيل على صِحَّتهَا فِي الأَصْل ثُبُوتهَا فِي الْفَرْع وَالدَّلِيل على صِحَّتهَا فِي الأَصْل ثُبُوتهَا فِي الْفَرْع كَمَا أَن شَهَادَة الشَّاهِدين لما ثبتَتْ بتزكية المزكين لم يجز إِذا جهل الْحَاكِم حَال المزكين أَن يثبت عدالتهما بتزكية الشَّاهِدين وَيثبت عَدَالَة الشَّاهِدين بالمزكين وعدالة المزكين بالشاهدين فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَلِأَن الطَّرْد زِيَادَة فِي الدَّعْوَى لِأَنَّهُ ادّعى الْعلَّة فِي الأَصْل فَلَمَّا طُولِبَ بِصِحَّتِهَا دلّ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا عِلّة فِي الأَصْل وَحَيْثُ وجدت فَلم ترد إِلَّا دَعْوَى على دَعْوَى
стр. 446
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الطَّرْد دَلِيلا على صِحَة الْعلَّة لتكافأت الْأَدِلَّة لِأَنَّهُ مَا من أحد يذكر عِلّة مطردَة إِلَّا وَيُمكن مُقَابلَته بِمِثْلِهَا فَلَا يكون مَا ذَكرُوهُ أولى مِمَّا قابله بِهِ الْخصم
وَلِأَن أدنى أَحْوَال الدَّلِيل أَن يُوجب الظَّن وَقد رَأينَا الطَّرْد فِي علل لَا يغلب على الظَّن تعلق الحكم بهَا واتباعه لَهَا كَقَوْل من قَالَ فِي إِزَالَة النَّجَاسَة إِنَّه مَائِع لَا تبنى عَلَيْهِ القناطر وَلَا يصاد فِيهِ السّمك فَأشبه الدّهن والمرقة
وكقول من قَالَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي مس الذّكر إِنَّه طَوِيل مشقوق فاشبه البوق أَو مُعَلّق منكوس فَأشبه الدبوس وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يحسن الِاشْتِغَال بِذكرِهِ فَدلَّ على أَن الطَّرْد لَيْسَ بِدَلِيل على الصِّحَّة
وَاحْتج الْمُخَالف بقوله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَدلَّ على أَن مَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف فَهُوَ من عِنْد الله وَالْعلَّة إِذا اطردت فَهِيَ متفقة لَا اخْتِلَاف فِيهَا فَوَجَبَ أَن تكون من عِنْد الله
قُلْنَا إِن الْآيَة تدل على أَن مَا فِيهِ اخْتِلَاف فَلَيْسَ من عِنْد الله وَنحن نقُول بِهِ فَإِن الِاخْتِلَاف فِي الْعِلَل هُوَ الناقض وَذَلِكَ يدل على أَنه لَيْسَ من عِنْد الله وَلَيْسَ فِيهِ أَن مَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف فَهُوَ من عِنْد الله فَلَا حجَّة فِيهَا
قَالُوا عدم الطَّرْد يدل على فَسَادهَا وَهُوَ النَّقْض فَوَجَبَ أَن يكون وجود الطَّرْد يدل على صِحَّتهَا
قُلْنَا عَدمه إِنَّمَا يدل على فَسَاد الْعلَّة لِأَن وجوده شَرط فِي صِحَّتهَا وَهَذَا لَا يدل على أَن وجوده يدل على الصِّحَّة أَلا ترى أَن الطَّهَارَة لما كَانَت شرطا فِي صِحَة الصَّلَاة دلّ عدمهَا على فَسَاد الصَّلَاة ثمَّ لَا يدل وجودهَا على صِحَة الصَّلَاة حَتَّى يَنْضَم إِلَيْهَا غَيرهَا فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَلِأَن الشَّيْء يجوز أَن يثبت بِمَعْنى وَلَا يثبت ضِدّه بِعَدَمِ ذَلِك الْمَعْنى
стр. 447
أَلا ترى أَن الحكم تثبت صِحَّته بِالْإِجْمَاع ثمَّ لَا يثبت فَسَاده بِعَدَمِهِ فَكَذَلِك يجوز أَن يثبت فَسَاد الْعلَّة لعدم الطَّرْد وَلَا تثبت صِحَّتهَا لوُجُوده
قَالُوا وَلِأَن الطَّرْد والجريان هُوَ الِاسْتِمْرَار على الْأُصُول من غير أَن يردهُ أصل وَهَذَا شَهَادَة من الْأُصُول لَهَا بِالصِّحَّةِ فَوَجَبَ أَن يدل على صِحَّتهَا
قُلْنَا بِهَذَا الْقدر لَا يعلم كَونه عِلّة لِأَنَّهُ قد يجْرِي وَيسْتَمر مَعَ الحكم مَا لَيْسَ بعلة
أَلا ترى أَن الْعلم يكون المتحرك متحركا يجْرِي مَعَ التحرك وَيسْتَمر مَعَه ثمَّ لَا يدل على أَن ذَلِك عِلّة فِي كَونه متحركا
قَالُوا وَلِأَنَّهَا إِذا اطردت فقد عدم مَا يُفْسِدهَا وَإِذا علم مَا يُوجب فَسَادهَا وَجب أَن يحكم بِصِحَّتِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين الصَّحِيح وَالْفَاسِد قسم آخر
قُلْنَا لَا نسلم أَنه عدم مَا يُفْسِدهَا فَإِن عدم مَا يصححها أحد مَا يُفْسِدهَا ثمَّ نقلب عَلَيْهِم ذَلِك فَنَقُول إِذا لم يدل على صِحَّتهَا فقد عدم مَا يُوجب صِحَّتهَا وَإِذا عدم مَا يُوجب صِحَّتهَا دلّ على فَسَادهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين الصَّحِيح وَبَين الْفَاسِد قسم
وعَلى أَنه لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا على صِحَة الْعلَّة لوَجَبَ إِذا ادّعى رجل النُّبُوَّة من غير دَلِيل أَن يحكم بِصِحَّة نبوته فَيُقَال أَنه عدم مَا يفْسد دَعْوَاهُ فَوَجَبَ أَن يحكم بِصِحَّتِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين الصَّحِيح وَبَين الْفَاسِد قسم آخر وَلما بَطل هَذَا بِالْإِجْمَاع بَطل مَا قَالُوهُ أَيْضا
стр. 448
مَسْأَلَة ١٦
إِذا أثرت الْعلَّة فِي مَوضِع من الْأُصُول دلّ على صِحَّتهَا وَإِن لم يكن ذَلِك أصل الْعلَّة
стр. 449
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يعْتَبر تأثيرها فِي الأَصْل
لنا هُوَ أَن الْعلَّة هِيَ الْمَعْنى الْمُقْتَضِي للْحكم فَفِي أَي مَوضِع من الْأُصُول أثرت علم أَنَّهَا مقتضية للْحكم
وَلِأَنَّهُ إِذا علم تأثيرها فِي مَوضِع من الْأُصُول علمنَا أَنَّهَا مُؤثرَة فِي الأَصْل حَيْثُ وجدت لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون عِلّة فِي مَوضِع وَلَا تكون عِلّة فِي مَوضِع آخر
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ إِذا لم تُؤثر فِي الأَصْل لم يكن ذَلِك عِلّة فِي الأَصْل ورد الْفَرْع إِلَى الأَصْل بِغَيْر عِلّة الأَصْل لَا يجوز
قُلْنَا لَا نسلم أَنَّهَا إِذا لم تُؤثر فِي الأَصْل لم يكن ذَلِك عِلّة فِي الأَصْل بل إِذا أثرت فِي مَوضِع من الْأُصُول دلّ على أَنَّهَا عِلّة فِي الأَصْل وَفِي كل مَوضِع وجدت وَلَكِن رُبمَا لم يظْهر تأثيرها فِي الأَصْل لاجتماعها مَعَ عِلّة أُخْرَى وَهَذَا لَا يدل على أَنه لَيْسَ بعلة
أَلا ترى أَن الْحيض إِذا صَادف الْإِحْرَام أَو الرِّدَّة أَو الْعدة وَلم يظْهر تَأْثِيره فِي إِثْبَات التَّحْرِيم لَا يدل على أَنه لَيْسَ بعلة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا ذكر وصفين لم يُؤثر أَحدهمَا فِي الأَصْل صَار ذَلِك حَشْوًا فِي الأَصْل وَزِيَادَة فِي علته فَيجب إِسْقَاطه وَإِذا سقط انتقضت الْعلَّة
قُلْنَا إِذا أثر فِي مَوضِع من الْأُصُول وَدلّ الدَّلِيل على تَأْثِيره بَان بِأَنَّهُ لَيْسَ بحشو فِي الأَصْل وَحَيْثُ وجد فَلَا يجب إِسْقَاطه من الْعلَّة يدلك عَلَيْهِ أَن الْحيض لما ثَبت تَأْثِيره فِي تَحْرِيم الْوَطْء كَانَ عِلّة فِي تَحْرِيمه حَيْثُ وجد فَلَا يجب أَن يظْهر ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع كَذَلِك هَاهُنَا إِذا ثَبت الْوَصْف فِي الحكم وَجب أَن يكون مؤثرا حَيْثُ وجد وَإِن لم يظْهر الأَصْل
стр. 450
مَسْأَلَة ١٧
لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة المستنبطة وتخصيصها نقض لَهَا
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة وَبَعض أَصْحَاب مَالك يجوز وتخصيصها لَيْسَ بِنَقْض لَهَا وَهُوَ قَول أَكثر الْمُتَكَلِّمين
стр. 451
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَجعل وجود الِاخْتِلَاف دَلِيلا على أَنه لَيْسَ من عِنْد الله وَإِذا وجدت الْعلَّة من غير حكم فقد وجد الِاخْتِلَاف فَدلَّ على أَنه لَيْسَ من عِنْد الله
وَلِأَنَّهُ عِلّة مستنبطة فَكَانَ تخصيصها نقضا لَهَا كالعلل العقليات
فَإِن قيل الْعِلَل الْعَقْلِيَّة توجب الحكم بِنَفسِهَا فَلم يجز وجودهَا غير مُوجبَة للْحكم وَعلل الشَّرْع غير مُوجبَة للْحكم بِنَفسِهَا أَلا ترى أَنَّهَا مَوْجُودَة قبل الشَّرْع غير مُوجبَة للْحكم وَإِنَّمَا صَارَت بِالشَّرْعِ عللا فَجَاز أَن توجب فِي مَوضِع دون مَوضِع
قُلْنَا هِيَ وَإِن صَارَت عللا بِالشَّرْعِ إِلَّا أَنَّهَا قد صَارَت عللا بِمَنْزِلَة الْعَقْلِيَّة فِي إِيجَاب الحكم بوجودها فَوَجَبَ أَن تكون بمنزلتها فِي ان تخصيصها يُوجب فَسَادهَا
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ وجود الْعلَّة من غير حكم لَكَانَ تعلق الحكم فِي الْعلَّة فِي الأَصْل لَا يُوجب تعلقه بهَا فِي الْفَرْع إِلَّا بِدَلِيل مُسْتَأْنف يدل على تعلقه بهَا لِأَنَّهُ مَا من فرع نُرِيد أَن نثبت فِيهِ حكم الْعلَّة إِلَّا وَيجوز أَن يكون مَخْصُوصًا وَإِذا افْتقر ذَلِك إِلَى دَلِيل خرج عَن أَن يكون عِلّة
وَلِأَن وجود التَّخْصِيص فِي الْعلَّة يدل على أَن الْمُسْتَدلّ لما لم يذكر الدّلَالَة على الصّفة تعلق الحكم بهَا فِي الشَّرْع وَمَتى لم يذكر الدّلَالَة على الْوَجْه الَّذِي علق الحكم
стр. 452
عَلَيْهِ فِي الشَّرْع لم يجب الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ لم يذكر دَلِيل الحكم فَلَا يجوز أَن يثبت الْمَدْلُول
وَلِأَن القَوْل بتخصيص الْعلَّة يُؤَدِّي إِلَى تكافؤ الْأَدِلَّة وَأَن يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَة حكمان متضادان وَذَلِكَ أَنه إِذا وجدت الْعلَّة فِي أصلين واقتضت التَّحْلِيل فِي أَحدهمَا دون الآخر لم ينْفَصل من علق عَلَيْهَا التَّحْلِيل فِي الْفَرْع اعْتِبَارا بِأحد الْأَصْلَيْنِ مِمَّن علق عَلَيْهَا التَّحْرِيم فِي ذَلِك الْفَرْع اعْتِبَارا بِالْأَصْلِ الآخر فيتكافأ الدليلان وَيَسْتَوِي الْقَوْلَانِ وَهَذَا لَا يجوز
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن هَذِه أَمارَة شَرْعِيَّة فَجَاز تخصيصها كالعموم
قُلْنَا الْعُمُوم لَا تسْقط دلَالَته بالتخصيص لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ دَلِيلا لِأَنَّهُ قَول صَاحب الشَّرْع فَإِذا خص بعضه بَقِي الْبَاقِي على ظَاهره وَلَيْسَ كَذَلِك الْعلَّة فَإِن تخصيصها يسْقط دلالتها لِأَنَّهَا تعرف من جِهَة الْمُسْتَدلّ فَإِذا وجدت مَعَ عدم الحكم علمنَا أَنه لم يسْتَوْف الأمارة الَّتِي يتَعَلَّق الحكم بهَا فِي الشَّرْع فَسقط الِاحْتِجَاج بهَا
وَلِأَن صَاحب الشَّرْع لَا يُطلق اللَّفْظ الْعَام إِلَّا وَقد دلّ على مَا يُوجب التَّخْصِيص وَالْبَيَان فَأمكن التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُجْتَهد فَإِنَّهُ قد يُطلق لفظ الْعلَّة وَقد أخل بِمَا يقف ثُبُوت الحكم عَلَيْهِ وَلَعَلَّ ذَلِك يمْنَع دُخُول الْفَرْع فِيمَا أطلق من الْعلَّة فَلم يَصح التَّعَلُّق بِهِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ عِلّة شَرْعِيَّة فَجَاز تخصيصها كالعلة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا
قُلْنَا من أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَمَتى وجدناها مَعَ عدم الحكم علمنَا أَنه بعض الْعلَّة غير أَن إِطْلَاقهَا يجوز لِأَن صَاحب الشَّرْع قد ثبتَتْ حكمته أَنه لَا يتناقض بِإِطْلَاقِهِ فَإِذا أطلق وَصفا علمنَا أَنه أَرَادَ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص والمعلل مَتى لم تثبت حكمته وَيجوز أَن يتناقض فَإِذا أطلق وَصفا ودخله التَّخْصِيص علمنَا أَنه لم يسْتَوْف دلَالَة الحكم
وَمن أَصْحَابنَا من أجَاز تَخْصِيص الْعِلَل المنصوصة وَفرق بَينهَا وَبَين الْعِلَل المستنبطة بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْعُمُوم فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
стр. 453
قَالُوا الْعِلَل الشَّرْعِيَّة غير مُوجبَة للْحكم بأنفسها وَإِنَّمَا صَارَت أَمَارَات على الْأَحْكَام بِجعْل جَاعل وَقصد قَاصد فَجَاز أَن يَجْعَلهَا أَمارَة للْحكم فِي عين دون عين كَمَا جَازَ أَن يَجْعَلهَا أَمارَة للْحكم فِي وَقت دون وَقت
قُلْنَا هَذَا هُوَ الْحجَّة عَلَيْكُم وَذَلِكَ أَنه إِذا صَارَت أَمارَة بِقصد قَاصد لم يجز التَّعَلُّق بهَا إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي جعله أَمارَة وَمَتى أخل بِبَعْض الْأَوْصَاف لم يَأْتِ بِمَا جعله أَمارَة عَن الحكم فَيجب أَن لَا يَصح
وعَلى أَنه إِذا تعلق الحكم بالعلل بِقصد القاصد وَهُوَ يخص مرّة ويعم أُخْرَى لم يَأْمَن أَن يكون مَوضِع الْخلاف مَخْصُوصًا من الْعلَّة فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق الحكم بهَا على الْإِطْلَاق
قَالُوا إِذا جَازَ أَن يصل بِالْمَعْنَى مَا يمْنَع الْبَعْض جَازَ أَيْضا أَن يُؤَخِّرهُ عَنهُ كبيان الْمدَّة الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الْعِبَادَة
قُلْنَا بَيَان الْمدَّة إِنَّمَا يُرَاد لإِسْقَاط الحكم فَلَا حَاجَة إِلَى بَيَانه عِنْد الْإِيجَاب وَلَيْسَ كَذَلِك الْوَصْف المضموم إِلَى الْوَصْف لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا شَرط لإِيجَاب الحكم فَلَا يجوز تَأْخِير أَحدهمَا عَن الآخر
قَالُوا لما جَازَ تَأْخِير الحكم من غير عِلّة جَازَ وجود الْعلَّة أَيْضا من غير حكم
أَلا ترى أَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة لما لم يجز وجود الْعلَّة من غير حكم لم يجز وجود الحكم من غير عِلّة وَلما جَازَ هَاهُنَا أَحدهمَا وَجب أَن يجوز الآخر
قُلْنَا وجود الحكم من غير عِلّة لَا يمْنَع كَون الْعلَّة عِلّة فِي الْموضع الَّذِي جعله عِلّة وَوُجُود الْعلَّة من غير حكم يمْنَع أَن يكون مَا ذكره عِلّة حَتَّى يُضَاف إِلَيْهِ وصف آخر لِأَن وجود الحكم من غير عِلّة يدل على أَن للْحكم عِلّة أُخْرَى وَثُبُوت عِلّة لَا يمْنَع ثُبُوت عِلّة أُخْرَى لِأَن الْعلَّة تخلف الْعلَّة فِي إِثْبَات الحكم ووجودها من غير الحكم يدل على أَنه ذكر بعض الْعلَّة وَبَعض الْعلَّة لَا يخلف جَمِيعهَا فِي إِثْبَات الحكم فَافْتَرقَا
стр. 454
مَسْأَلَة ١٨
التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع فِي مَسْأَلَة النَّقْض لَا يدْفع النَّقْض
وَقَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة يدْفع النَّقْض
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِن كَانَ قد صرح بالحكم لم يدْفع النَّقْض وَإِن كَانَ جعل حكم الْعلَّة التَّشْبِيه دفعت من النَّقْض
لنا هُوَ أَن النَّقْض وجود الْعلَّة وَلَا حكم وَهَذَا العنى يُوجد وَإِن اسْتَوَى الْفَرْع وَالْأَصْل فِيهِ فَوَجَبَ أَن تنْتَقض الْعلَّة
وَلِأَن مَا أفسد الْعلَّة إِذا لم يستو فِيهِ الأَصْل وَالْفرع أفسدها وَإِن اسْتَويَا فِيهِ الأَصْل وَالْفرع كالممانعة وَعدم التَّأْثِير
وَلِأَن التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع زِيَادَة نقض على نقض وَهَذَا يَقْتَضِي تَأْكِيد الْفساد
وَاحْتج أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن من أصلنَا أَن تَخْصِيص الْعلَّة جَائِز وَأَن وجود الْعلَّة وَلَا حكم لَا يُفْسِدهَا إِلَّا فِي الْقدر الَّذِي التزمنا فِيهِ الِاحْتِرَاز وَمَا لم نلتزمه يجب أَن يبْقى على الأَصْل فِي جَوَاز التَّخْصِيص
стр. 455
قُلْنَا أما هَذَا الأَصْل فقد دللنا على بُطْلَانه فَلَا وَجه لإعادته
وعَلى أَنكُمْ قد تركْتُم هَذِه الطَّرِيقَة ودخلتم مَعنا فِي اعْتِبَار الطَّرْد والاحتراز من النَّقْض وَلِهَذَا احترزتم من كثير من النقوض فَلَا يجوز الرُّجُوع إِلَى التَّخْصِيص بعد القَوْل بالطرد والجريان
قَالُوا وَلِأَن قصد الْمُعَلل هُوَ التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وإجراء أَحدهمَا مجْرى الآخر وَقد سوى بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِيمَا الْتزم فَلَا يلْزمه شَيْء
قُلْنَا الَّذِي نقصد إِيجَاب الحكم بِوُجُود الْعلَّة دون التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع وَقد وجدت الْعلَّة وَلم يُوجد الحكم فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَلِأَنَّهُ إِذا كَانَ قَصده التَّسْوِيَة بَين الأَصْل وَالْفرع افْتقر إِلَى أصل آخر يَسْتَوِي فِيهِ حكم الْمَوْضِعَيْنِ
وَاحْتج الْقَائِل الآخر بِأَن النَّقْض وجود الْعلَّة وَلَا حكم وَإِذا كَانَ حكم الْعلَّة الشّبَه بِالْأَصْلِ فقد وجدت الْعلَّة مَعَ الحكم فِي مَسْأَلَة النَّقْض فَإِن الْفَرْع قد شابهه الأَصْل فِي ذَلِك وَلم تُوجد حَقِيقَة النَّقْض
قُلْنَا إِن كَانَ حكم الْعلَّة تَشْبِيه الْفَرْع بِالْأَصْلِ فقد صَار الأَصْل عَن تَمام الحكم ونقيض الْعلَّة من غير أصل وَهَذَا لَا يجوز
стр. 456
مَسْأَلَة ١٩
لَا يجوز للمستدل أَن ينْقض عِلّة السَّائِل بِأَصْل نَفسه
وَمن أَصْحَابنَا من أجَاز ذَلِك وَهُوَ قَول الْجِرْجَانِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا هُوَ أَن الْعلَّة حجَّة على الْمُسْتَدلّ فِي الْموضع الَّذِي ينْقض بِهِ الْعلَّة فَلَا يجوز نقض الْحجَّة بِالدَّعْوَى
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ نقض الْعلَّة بمذهبه لجَاز أَن ينقضها بِموضع الْخلاف وَلما لم يجز هَذَا لم يجز ذَلِك
وَلِأَن قَوْله إِن هَذِه الْعلَّة تنْتَقض بأصلي مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أَقُول بِهَذِهِ الْعلَّة فِي هَذَا الْموضع وَفِي مَوضِع آخر وَهَذَا لَا يسْقط الدَّلِيل كَمَا لَو اسْتدلَّ عَلَيْهِ بِخَبَر فَقَالَ أَنا لَا أَقُول بِهَذَا الْخَبَر فِي هَذَا الْموضع وَلَا فِي مَوضِع آخر
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ لَو جَازَ للمسؤول فِي الِابْتِدَاء أَن يَبْنِي على أَصله فَيَقُول إِن سلمت هَذَا الأَصْل ثبتَتْ علته وَإِلَّا دللت عَلَيْهِ جَازَ أَن ينْقض على أَصله فَيَقُول إِن سلمت هَذَا انتقضت بِهِ الْعلَّة وَإِن لم تسلم دللت عَلَيْهِ
قُلْنَا فِي الِابْتِدَاء يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يلْزم الْكَلَام فِي مَوضِع بِعَيْنِه وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَنَّهُ قد الْتزم الْكَلَام فِي مَوضِع بِعَيْنِه وَتعين عَلَيْهِ نصرته فَلَا يجوز أَن ينْتَقل عَنهُ إِلَى غَيره يدلك عَلَيْهِ أَن فِي الِابْتِدَاء يجوز لَهُ أَن يسْتَدلّ بِمَا شَاءَ
стр. 457
وَلَو اسْتدلَّ بِشَيْء بِعَيْنِه ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَقل بعد ذَلِك إِلَى دَلِيل آخر لم يجز فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لما جَازَ أَن ينْقض على أصل السَّائِل وَحده جَازَ أَن ينْقض على أصل المسؤول وَحده
قُلْنَا إِذا نقض على أصل السَّائِل بِأَن فَسَاد الدَّلِيل على أَصله فَلَا يجوز أَن يحْتَج بِمَا يعْتَقد فَسَاده وَهَاهُنَا لم يبن فَسَاد الدَّلِيل على أَصله فَلَزِمَ الْعَمَل بِهِ يدلك عَلَيْهِ أَن السَّائِل لَو عَارضه بِخَبَر لَا يَقُول بِهِ لم تصح معارضته وَلَو عَارضه بِخَبَر لَا يَقُول بِهِ المسؤول لم يمْنَع ذَلِك معارضته فَافْتَرقَا
стр. 458
مَسْأَلَة ٢٠
لَا يجوز للسَّائِل أَن يُعَارض المسؤول بعلة منتقضة على أَصله
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يجوز ذَلِك
لنا هُوَ أَنه إِذا انتقضت الْعلَّة على قَوْله فقد اعْتقد بُطْلَانهَا وَمن اعْتقد بطلَان دَلِيل لم يجز أَن يُطَالب الْخصم بِالْعَمَلِ بِهِ كالمسؤول إِذا ذكر عِلّة منتقضة على أَصله
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ لما جَازَ أَن تنْتَقض علته بِمَا لَا يَقُول بِهِ جَازَ أَن يُعَارضهُ بِمَا لَا يَقُول بِهِ
قُلْنَا الناقض غير مُحْتَج بِالنَّقْضِ وَلَا يثبت الحكم من جِهَته وَإِنَّمَا يبين فَسَاد دَلِيل على أصل من احْتج بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ يحْتَج بِالْقِيَاسِ فَيثبت الحكم من جِهَته فَلَا يجوز أَن يثبت من جِهَة يعْتَقد بُطْلَانه
قَالُوا السَّائِل لَا مَذْهَب لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مسترشد فَلَا يعْتَبر فَسَاده عِنْده
قُلْنَا هَذَا هُوَ الْحجَّة عَلَيْكُم فَإِنَّهُ إِذا كَانَ مسترشدا يجب أَن لَا يسْأَل إِلَّا عَمَّا أشبه عَلَيْهِ وَهُوَ يعلم فَسَاد هَذَا الدَّلِيل فَلَا يجوز أَن يلتزمه
وَلِأَنَّهُ قد جَاوز رُتْبَة المسترشد بالاستدلال والمعارضة وَحصل فِي رُتْبَة الْمُسْتَدلّ فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ بِمَا يعْتَقد فَسَاده
стр. 459
مَسْأَلَة ٢١
الْقلب مُعَارضَة صَحِيحَة
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يَصح
لنا هُوَ أَن الْمُسْتَدلّ لَا يُمكنهُ الْجمع بَين حكمته وَحكم الْقلب فَصَارَ كَمَا لَو عَارضه من أصل آخر
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يسْتَدلّ بِلَفْظ عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ يُشَارِكهُ السَّائِل فِي الِاحْتِجَاج بِهِ جَازَ أَن يسْتَدلّ بعلة ثمَّ يُشَارِكهُ السَّائِل فِي الِاسْتِدْلَال بهَا
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الْقلب لَا يُمكن إِلَّا بِفَرْض مَسْأَلَة على الْمُسْتَدلّ وَلَيْسَ للسَّائِل فرض مَسْأَلَة على المسؤول لِأَنَّهُ تَابع لَهُ
قُلْنَا هَذَا يبطل بالمشاركة فِي الْخَبَر فَإِنَّهُ يجوز وَإِن لم يُمكن ذَلِك إِلَّا بِفَرْض مَسْأَلَة على الْمُسْتَدلّ
قَالَ وَلِأَن هَذَا وَإِن كَانَ فِي حكم آخر إِلَّا أَنه فِي معنى الحكم الَّذِي فرض فِيهِ
стр. 460
الدّلَالَة أَلا ترى أَنه لَا يُمكن الْجمع بَينه وَبَين حكمه كَمَا لَا يُمكن الْجمع بَينه وَبَين ضِدّه
وَلِأَن أَوْصَاف عِلّة الْمُسْتَدلّ لَا تصلح لحكم الْقلب وَلَا تُؤثر فِيهِ فَيجب أَن لَا يَصح الْقلب
قُلْنَا إِنَّمَا يَصح الْقلب إِذا كَانَ صَلَاح الْوَصْف لأحد الْحكمَيْنِ كصلاحه الآخر وتأثيره فِي أَحدهمَا كتأثيره فِي الآخر وَأما إِذا لم يصلح الْوَصْف لحكم القالب وَلم يُؤثر فِيهِ حكمنَا بِبُطْلَانِهِ
следующие страницы →