Полный текст (521 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
مَسْأَلَة ١٩
لَا يجوز للمستدل أَن ينْقض عِلّة السَّائِل بِأَصْل نَفسه
وَمن أَصْحَابنَا من أجَاز ذَلِك وَهُوَ قَول الْجِرْجَانِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا هُوَ أَن الْعلَّة حجَّة على الْمُسْتَدلّ فِي الْموضع الَّذِي ينْقض بِهِ الْعلَّة فَلَا يجوز نقض الْحجَّة بِالدَّعْوَى
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ نقض الْعلَّة بمذهبه لجَاز أَن ينقضها بِموضع الْخلاف وَلما لم يجز هَذَا لم يجز ذَلِك
وَلِأَن قَوْله إِن هَذِه الْعلَّة تنْتَقض بأصلي مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أَقُول بِهَذِهِ الْعلَّة فِي هَذَا الْموضع وَفِي مَوضِع آخر وَهَذَا لَا يسْقط الدَّلِيل كَمَا لَو اسْتدلَّ عَلَيْهِ بِخَبَر فَقَالَ أَنا لَا أَقُول بِهَذَا الْخَبَر فِي هَذَا الْموضع وَلَا فِي مَوضِع آخر
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ لَو جَازَ للمسؤول فِي الِابْتِدَاء أَن يَبْنِي على أَصله فَيَقُول إِن سلمت هَذَا الأَصْل ثبتَتْ علته وَإِلَّا دللت عَلَيْهِ جَازَ أَن ينْقض على أَصله فَيَقُول إِن سلمت هَذَا انتقضت بِهِ الْعلَّة وَإِن لم تسلم دللت عَلَيْهِ
قُلْنَا فِي الِابْتِدَاء يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يلْزم الْكَلَام فِي مَوضِع بِعَيْنِه وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَنَّهُ قد الْتزم الْكَلَام فِي مَوضِع بِعَيْنِه وَتعين عَلَيْهِ نصرته فَلَا يجوز أَن ينْتَقل عَنهُ إِلَى غَيره يدلك عَلَيْهِ أَن فِي الِابْتِدَاء يجوز لَهُ أَن يسْتَدلّ بِمَا شَاءَ
стр. 457
وَلَو اسْتدلَّ بِشَيْء بِعَيْنِه ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَقل بعد ذَلِك إِلَى دَلِيل آخر لم يجز فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لما جَازَ أَن ينْقض على أصل السَّائِل وَحده جَازَ أَن ينْقض على أصل المسؤول وَحده
قُلْنَا إِذا نقض على أصل السَّائِل بِأَن فَسَاد الدَّلِيل على أَصله فَلَا يجوز أَن يحْتَج بِمَا يعْتَقد فَسَاده وَهَاهُنَا لم يبن فَسَاد الدَّلِيل على أَصله فَلَزِمَ الْعَمَل بِهِ يدلك عَلَيْهِ أَن السَّائِل لَو عَارضه بِخَبَر لَا يَقُول بِهِ لم تصح معارضته وَلَو عَارضه بِخَبَر لَا يَقُول بِهِ المسؤول لم يمْنَع ذَلِك معارضته فَافْتَرقَا
стр. 458
مَسْأَلَة ٢٠
لَا يجوز للسَّائِل أَن يُعَارض المسؤول بعلة منتقضة على أَصله
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يجوز ذَلِك
لنا هُوَ أَنه إِذا انتقضت الْعلَّة على قَوْله فقد اعْتقد بُطْلَانهَا وَمن اعْتقد بطلَان دَلِيل لم يجز أَن يُطَالب الْخصم بِالْعَمَلِ بِهِ كالمسؤول إِذا ذكر عِلّة منتقضة على أَصله
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ لما جَازَ أَن تنْتَقض علته بِمَا لَا يَقُول بِهِ جَازَ أَن يُعَارضهُ بِمَا لَا يَقُول بِهِ
قُلْنَا الناقض غير مُحْتَج بِالنَّقْضِ وَلَا يثبت الحكم من جِهَته وَإِنَّمَا يبين فَسَاد دَلِيل على أصل من احْتج بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ يحْتَج بِالْقِيَاسِ فَيثبت الحكم من جِهَته فَلَا يجوز أَن يثبت من جِهَة يعْتَقد بُطْلَانه
قَالُوا السَّائِل لَا مَذْهَب لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مسترشد فَلَا يعْتَبر فَسَاده عِنْده
قُلْنَا هَذَا هُوَ الْحجَّة عَلَيْكُم فَإِنَّهُ إِذا كَانَ مسترشدا يجب أَن لَا يسْأَل إِلَّا عَمَّا أشبه عَلَيْهِ وَهُوَ يعلم فَسَاد هَذَا الدَّلِيل فَلَا يجوز أَن يلتزمه
وَلِأَنَّهُ قد جَاوز رُتْبَة المسترشد بالاستدلال والمعارضة وَحصل فِي رُتْبَة الْمُسْتَدلّ فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ بِمَا يعْتَقد فَسَاده
стр. 459
مَسْأَلَة ٢١
الْقلب مُعَارضَة صَحِيحَة
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يَصح
لنا هُوَ أَن الْمُسْتَدلّ لَا يُمكنهُ الْجمع بَين حكمته وَحكم الْقلب فَصَارَ كَمَا لَو عَارضه من أصل آخر
وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يسْتَدلّ بِلَفْظ عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ يُشَارِكهُ السَّائِل فِي الِاحْتِجَاج بِهِ جَازَ أَن يسْتَدلّ بعلة ثمَّ يُشَارِكهُ السَّائِل فِي الِاسْتِدْلَال بهَا
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الْقلب لَا يُمكن إِلَّا بِفَرْض مَسْأَلَة على الْمُسْتَدلّ وَلَيْسَ للسَّائِل فرض مَسْأَلَة على المسؤول لِأَنَّهُ تَابع لَهُ
قُلْنَا هَذَا يبطل بالمشاركة فِي الْخَبَر فَإِنَّهُ يجوز وَإِن لم يُمكن ذَلِك إِلَّا بِفَرْض مَسْأَلَة على الْمُسْتَدلّ
قَالَ وَلِأَن هَذَا وَإِن كَانَ فِي حكم آخر إِلَّا أَنه فِي معنى الحكم الَّذِي فرض فِيهِ
стр. 460
الدّلَالَة أَلا ترى أَنه لَا يُمكن الْجمع بَينه وَبَين حكمه كَمَا لَا يُمكن الْجمع بَينه وَبَين ضِدّه
وَلِأَن أَوْصَاف عِلّة الْمُسْتَدلّ لَا تصلح لحكم الْقلب وَلَا تُؤثر فِيهِ فَيجب أَن لَا يَصح الْقلب
قُلْنَا إِنَّمَا يَصح الْقلب إِذا كَانَ صَلَاح الْوَصْف لأحد الْحكمَيْنِ كصلاحه الآخر وتأثيره فِي أَحدهمَا كتأثيره فِي الآخر وَأما إِذا لم يصلح الْوَصْف لحكم القالب وَلم يُؤثر فِيهِ حكمنَا بِبُطْلَانِهِ
стр. 461
مَسْأَلَة ٢٢
قلب التَّسْوِيَة صَحِيح وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول الْمُخَالف فِي مَسْأَلَة النِّيَّة فِي الْوضُوء إِنَّهَا طَهَارَة بمائع فَلم تفْتَقر إِلَى النِّيَّة كإزالة النَّجَاسَة فَيَقُول الشَّافِعِي ﵁ أقلب علته فَأَقُول طَهَارَة بمائع فَاسْتَوَى حكمهَا وَحكم الجامد فِي النِّيَّة كإزالة النَّجَاسَة
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يَصح
لنا هُوَ أَن الْمُسْتَدلّ بِالْعِلَّةِ مِنْهُمَا لايمكنه الْجمع بَين حكمه وَحكم القالب كَمَا لَو كَانَ مُصَرحًا بِهِ وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم الْمُعَلق على الْعلَّة سَوَاء وَهُوَ التَّسْوِيَة وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي التَّفْصِيل وَمَتى اتّفق الأَصْل وَالْفرع فِي حكم الْعلَّة صَحَّ الْجمع وَإِن اخْتلفَا فِي التَّفْصِيل يدل عَلَيْهِ أَنه لَو صرح بالحكم لصَحَّ الْقيَاس وَإِن كَانَ حكم الأَصْل مُخَالفا لحكم الْفَرْع فِي التَّفْصِيل فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن حكم الْفَرْع فِي مثل هَذَا مُخَالف لحكم الأَصْل
стр. 462
أَلا ترى أَن فِيمَا ذكرنَا من الْمِثَال نُرِيد التَّسْوِيَة بَين الجامد والمائع فِي الأَصْل فِي إِسْقَاط النِّيَّة وَفِي الْفَرْع فِي إِيجَابهَا وَمن حكم الْقيَاس أَن يتَعَدَّى حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع
قُلْنَا إِن حكم الأَصْل هُوَ التَّسْوِيَة وَقد تعدى ذَلِك إِلَى الْفَرْع وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي كَيْفيَّة التَّسْوِيَة وَكَيْفِيَّة التَّسْوِيَة حكم غير التَّسْوِيَة
يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه يجوز أَن يرد الشَّرْع بِوُجُوب التَّسْوِيَة ين الجامد والمائع فِي بَاب النِّيَّة فَيَنْقَطِع فِيهِ حكم الِاجْتِهَاد ثمَّ يبْقى النّظر وَالِاجْتِهَاد فِي كَيْفيَّة التَّسْوِيَة بَين الْإِيجَاب والإسقاط وَإِذا ثَبت أَن كَيْفيَّة التَّسْوِيَة غير التَّسْوِيَة لم يلْزم اسْتِوَاء الأَصْل وَالْفرع فيهمَا
قَالُوا وَلِأَن الْقَصْد من هَذَا الْقلب مُعَارضَة الْمُسْتَدلّ ومساواته فِي الدَّلِيل وقلب التَّسْوِيَة لَا يُسَاوِي عَلَيْهِ الْمُسْتَدلّ لِأَن حكم الْمُسْتَدلّ مُصَرح بِهِ وَحكم القالب مُبْهَم يحْتَاج إِلَى الْبَيَان والمصرح أبدا يقدم على الْمُبْهم كَمَا فعلنَا فِي أَلْفَاظ صَاحب الشَّرْع
قُلْنَا التَّصْرِيح إِنَّمَا يعْتَبر فِي حكم الْمَطْلُوب بِالدّلَالَةِ لَا فِي حكم آخر وَهَاهُنَا الدّلَالَة هُوَ التَّسْوِيَة وَقد صرح بهَا فِي حكم الْعلَّة كَمَا صرح الْمُعَلل بِحكمِهِ
وعَلى أَن الْمُصَرّح إِنَّمَا يقدم على الْمُبْهم إِذا احْتمل الْمُبْهم الْأَمريْنِ والمصرح بِهِ أَمر وَاحِد فَيقْضى بِمَا لَا يحْتَمل على مَا يحْتَمل كَمَا ذَكرُوهُ فِي أَلْفَاظ صَاحب الشَّرْع وَأما فِي مَسْأَلَتنَا فَإِن قلب التَّسْوِيَة لَا يحْتَمل إِلَّا إبِْطَال مَذْهَب الْمُعَلل كَمَا لَا يحْتَمل حكم الْمُعَلل إِلَّا إبِْطَال مَذْهَب القالب فَلم يكن لأَحَدهمَا على الآخر مزية كاللفظين الصريحين إِذا تَعَارضا
стр. 463
مَسْأَلَة ٢٣
جعل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا لَا يمْنَع من صِحَة الْعلَّة وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول الشَّافِعِي ﵁ فِي ظِهَار الذِّمِّيّ من صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره كَالْمُسلمِ فَيَقُول الْحَنَفِيّ الْمُسلم لم يَصح ظِهَاره لِأَنَّهُ يَصح طَلَاقه بل صَحَّ طَلَاقه لِأَنَّهُ يَصح ظِهَاره
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة يمْنَع هَذَا صِحَة الْعلَّة وَهُوَ مَذْهَب القَاضِي أبي بكر
لنا أَن علل الشَّرْع أَمَارَات على الْأَحْكَام بِجعْل جَاعل وَنصب ناصب وَهُوَ صَاحب الشَّرْع وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يمْنَع أَن يَجْعَل صَاحب الشَّرْع كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ أَمارَة للْحكم الآخر فَيَقُول مَتى رَأَيْتُمْ من صَحَّ مِنْهُ الطَّلَاق فاحكموا لَهُ بِصِحَّة الظِّهَار وَإِذا رَأَيْتُمْ من صَحَّ ظِهَاره فاحكموا لَهُ بِصِحَّة طَلَاقه فَأَيّهمَا رَأينَا صَحِيحا استدللنا بِهِ على صِحَة الآخر وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الشَّرْع قد ورد بِمثل هَذَا أَلا ترى أَن النَّبِي ﵇ أَمر من أعْطى أحد ولديه شَيْئا أَن يُعْطي الآخر مثله فَجعل عَطِيَّة كل وَاحِد مِنْهُمَا دلَالَة وأمارة لعطية الآخر فَأَيّهمَا بَدَأَ بعطيته اقْتضى ذَلِك عَطِيَّة الآخر فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن يَجْعَل صِحَة كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ دَلِيلا على صِحَة الآخر فَأَيّهمَا رَأَيْنَاهُ صَحِيحا دلنا على صِحَة الآخر
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ إِذا جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة للْآخر وقف ثُبُوت كل
стр. 464
وَاحِد مِنْهُمَا على ثُبُوت الآخر فَلَا يثبت وَاحِد مِنْهُمَا كَمَا لَو قَالَ لَا يدْخل زيد الدَّار حَتَّى يدْخل عَمْرو وَلَا يدْخل عَمْرو حَتَّى يدْخل زيد فَلَا يُمكن دُخُول وَاحِد مِنْهُمَا كَذَلِك هَاهُنَا
قُلْنَ إِنَّمَا يقف ثُبُوت كل وَاحِد مِنْهُمَا على ثُبُوت الآخر فِي العقليات لِأَن الحكم الْوَاحِد مِنْهُمَا لَا يجوز أَن يثبت بِأَكْثَرَ من عِلّة وَاحِدَة فَإِذا جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة للْآخر وقف كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر فاستحال ثبوتهما وَأما فِي أَحْكَام الشَّرْع فَإِنَّهُ يجوز أَن يثبت الحكم الْوَاحِد مِنْهُمَا بعلل فَإِذا جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة للْآخر لم يقف ثُبُوت كل وَاحِد مِنْهُمَا على ثُبُوت الآخر لجَوَاز أَن يثبت أَحدهمَا بطرِيق مستدل بِهِ على الحكم الآخر وَيُخَالف هَذَا مَا ذَكرُوهُ من الدُّخُول فَإِن هُنَاكَ منع أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيق غير دُخُول الآخر فَوقف أَحدهمَا على الآخر وَفِي مَسْأَلَتنَا يجوز أَن يكون لكل وَاحِد من الْحكمَيْنِ أَمارَة غير الآخر يثبت بهَا ثمَّ يسْتَدلّ بِهِ على ثُبُوت الحكم الآخر فوزانه أَن نقُول إِن دخل زيد الدَّار فَلْيدْخلْ عَمْرو وَإِن دخل عَمْرو فَلْيدْخلْ زيد ثمَّ دخل أَحدهمَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب فَيصير دلَالَة على دُخُول الآخر فَكَذَلِك هَاهُنَا
قَالُوا إِذا جعلتم كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة للْآخر جعلتم الْمُوجب مُوجبا وَذَلِكَ لَا يجوز
قُلْنَا إِنَّمَا لَا يجوز إِذا جعلنَا كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة مُوجبَة للْآخر فَيصير كل وَاحِد مِنْهُمَا مُوجبا وَنحن لَا نَفْعل ذَلِك وَإِنَّمَا جعلنَا صِحَة كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ أَمارَة وَدلَالَة على صِحَة الآخر وَفِي الدَّلَائِل يجوز أَن يَجْعَل كل وَاحِد من الْأَمريْنِ دَلِيلا على الآخر إِذا كَانَ طَرِيق ثبوتهما وَاحِدًا
أَلا ترى أَنه إِذا كَانَ للرجل ولدان جَازَ أَن يسْتَدلّ بِإِرْث كل وَاحِد مِنْهُمَا على إِرْث الآخر فَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا دَلِيلا على الآخر حِين كَانَ طريقهما فِي الِاسْتِحْقَاق وَاحِدًا فَكَذَلِك إِذا عرف من عَادَة الْإِنْسَان أَنه إِذا وهب لأحد بنيه شَيْئا وهب للْآخر مثل ذَلِك جَازَ أَن يسْتَدلّ بعطية كل وَاحِد مِنْهُمَا على عَطِيَّة الآخر فَكَذَلِك هَاهُنَا لما كَانَ ثُبُوت طَرِيق الطَّلَاق وَالظِّهَار النِّكَاح جَازَ أَن يَجْعَل صِحَة كل وَاحِد مِنْهُمَا دَلِيلا على صِحَة الآخر
стр. 465
مَسْأَلَة ٢٤
إِذا تَعَارَضَت فِي الأَصْل عِلَّتَانِ إِحْدَاهمَا تَقْتَضِي حمل الْفَرْع عَلَيْهِ وَالْأُخْرَى لَا تَقْتَضِي حمل الْفَرْع عَلَيْهِ جَازَ القَوْل بهما إِذا لم يتنافيا
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز
لنا هُوَ أَن الْعِلَل أَمَارَات وعلامات وأدلة فَجَاز أَن يتَّفق إِثْبَات عَام وخاص على إِثْبَات حكم وَاحِد فِي عين وَاحِدَة كالكتاب وَالسّنة
وَلِأَن الطري الَّتِي تدل على صِحَة الْعلَّة من النَّص وَالْإِجْمَاع والتأثير قد وجد فِي العلتين جَمِيعًا فَدلَّ على صحتهما
وَلِأَنَّهُ إِن كَانَت الْعلَّة هِيَ الْمَعْنى الَّتِي تعلق بهَا الصّلاح فِي الحكم كَمَا قَالَ بعض النَّاس فَيجوز أَن يتَعَلَّق الْعلَّة بِكُل وَاحِد من العلتين وَإِن كَانَت أَمارَة على
стр. 466
الحكم كَمَا قَالَ آخَرُونَ فَيجوز أَيْضا أَن تَجْتَمِع أَمَارَات فِي إِثْبَات الحكم فَوَجَبَ أَن يجوز القَوْل بالعلتين
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُمَا يتنافيان فِي الْمَعْنى لِأَن إِحْدَاهمَا تَقْتَضِي حمل الْفَرْع على الأَصْل وَالْأُخْرَى تمنع من ذَلِك فصارتا كالعلتين المتنافيتين فِي الحكم
قُلْنَا لَا نسلم أَن بَينهمَا تنافيا
وَقَوْلهمْ إِن إِحْدَاهمَا تمنع حمل الْفَرْع على الأَصْل غير حصحي لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يمْنَع حمل الْفَرْع على الأَصْل وَإِنَّمَا لَا يتَعَدَّى إِحْدَاهمَا فَأَما أَن يكون هُنَاكَ عِلّة أُخْرَى تَقْتَضِي حمل الْفَرْع على الأَصْل فَلَا يجوز
قَالُوا وَلِأَن القَوْل بهما يُؤَدِّي إِلَى تنَافِي الحكم فِي الْعلَّة لِأَنَّك إِذا عكست إِحْدَى العلتين فِي الْفَرْع أوجبت ضد حكم الْمُعَلل فَصَارَ كالعلتين المتنافيتين
قُلْنَا إِن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تَقْتَضِي وجود الحكم لوجودها وَلَا تَقْتَضِي انتفاءه بانتفائها فَلَا يُؤَدِّي إِلَى التَّنَافِي فِي الحكم فِي العلتين
стр. 467
مَسْأَلَة ٢٥
إِذا تَعَارَضَت عِلَّتَانِ إِحْدَاهمَا ناقلة وَالْأُخْرَى مبقية على الأَصْل فالناقلة أولى
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هما سَوَاء
لنا هُوَ أَن الناقلة تفِيد حكما شَرْعِيًّا وَالْأُخْرَى لَا تفِيد إِلَّا مَا كَانَ قبل ذَلِك فَكَانَ مَا تفِيد حكما شَرْعِيًّا أولى لِأَنَّهُمَا دليلان تَعَارضا فَقدم النَّاقِل مِنْهُمَا على المبقي كالخبرين
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الناقلة تفِيد تعلق الحكم بِمَعْنى لم يكن مُتَعَلقا بِهِ قبل ذَلِك فَتعلق الحكم بِمَعْنى مُخَالف لبَقَائه بِحكم الأَصْل واستصحاب الْحَال
أَلا ترى أَن بَقَاءَهُ بِحكم الأَصْل لَا يَقع بِهِ تَخْصِيص وَلَا ترك دَلِيل وَنَقله بِالتَّعْلِيلِ يُوجب تَخْصِيص مَا عَارضه من الْعُمُوم وَتَأْويل مَا عَارضه من الظَّوَاهِر
قُلْنَا يبطل بالخبرين إِذا تَعَارضا وَأَحَدهمَا ناقل وَالْآخر مبق على الأَصْل فَإِن المبقي مِنْهُمَا يُفِيد بَقَاء الحكم بِدَلِيل لَا يُوجب التَّخْصِيص والتأويل ثمَّ يقدم النَّاقِل عَلَيْهِ
وَلِأَن الناقلة ساوتها فِي جَمِيع مَا ذَكرُوهُ وانفردت بِأَنَّهَا تفِيد حكما شَرْعِيًّا لم يكن قبل ذَلِك فَوَجَبَ أَن تقدم
стр. 468
مَسْأَلَة ٢٦
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين تَقْتَضِي الْحَظْر وَالْأُخْرَى تَقْتَضِي الْإِبَاحَة فالتي تَقْتَضِي الْحَظْر أولى فِي قَول بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ قَول أبي الْحسن الْكَرْخِي
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هما سَوَاء
لنا هُوَ أَن التَّعَارُض إِذا حصل اشْتبهَ الحكم عِنْده وَمَتى اشْتبهَ الْمُبَاح بالمحظور غلب الْحَظْر كذكاة الْمَجُوسِيّ وَالْمُسلم وَالْأُخْت والأجنبية وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْحَظْر وَالْإِبَاحَة إِذا اجْتمعَا غلب الْحَظْر على الْإِبَاحَة كالجارية الْمُشْتَركَة بَين الرجلَيْن لَا يحل لوَاحِد مِنْهُمَا وَطْؤُهَا كَذَلِك هَاهُنَا
وَلِأَن الْحَظْر أحوظ لِأَن فِي الْإِقْدَام على الْمَحْظُور إِثْمًا وَلَيْسَ فِي ترك الْمُبَاح إِثْم
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن تَحْرِيم الْمُبَاح كإباحة الْمَحْظُور فَلم يكن لأَحَدهمَا على الآخر مزية
قُلْنَا هما وَإِن اسْتَويَا فِيمَا ذَكرُوهُ إِلَّا أَن للمحظور مزية وَهُوَ أَنه يَأْثَم بِفِعْلِهِ وَلَا يَأْثَم بترك الْمُبَاح فَكَانَ الْحَظْر أولى
стр. 469
مَسْأَلَة ٢٧
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين توجب الْحَد وَالْأُخْرَى تسقطه فهما سَوَاء
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ الْمسْقط للحد أولى
لنا هُوَ أَن الشهبة لَا تُؤثر فِي إِثْبَات الْحَد فِي الشَّرْع وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه يجوز إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس مَعَ وجود الشُّبْهَة فَإِذا تعَارض فِيهِ عِلَّتَانِ وَجب أَن يَكُونَا سَوَاء كَمَا تَقول فِي سَائِر الْأَحْكَام
وَاحْتج الْمُخَالف بقوله ﵇ ادرؤوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ وادرؤوا الْحَد مَا اسْتَطَعْتُم وَلِأَن يخطىء الإِمَام فِي الْعَفو خير من أَن يخطىء فِي الْعقُوبَة
قُلْنَا إِن هَذَا إِنَّمَا ورد عِنْد الْقَضَاء والاستفتاء وَلِهَذَا قَالَ فَإِن الإِمَام لِأَن يخطىء فِي الْعَفو خير من أَن يخطىء فِي الْعقُوبَة
стр. 470
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو تعَارض بينتان فِي ذَلِك سقطتا فَكَذَلِك إِذا تعَارض دليلان
قُلْنَا إِحْدَى البيئتين توجب الِاسْتِيفَاء وَالْأُخْرَى توجب الْإِسْقَاط فَجعل ذَلِك شُبْهَة فأسقطتا وَهَاهُنَا إِحْدَى الدَّلِيلَيْنِ دلّ على أَنه شرع وَالْآخر دلّ على أَنه لَيْسَ بشرع والشبهة لَا تُؤثر فِي ذَلِك فَلم يكن لأَحَدهمَا على الآخر مزية بذلك عَلَيْهِ إِذْ فِي الاتسيفاء لَا تقبل شَهَادَة وَاحِد وَفِي إِثْبَات الْحُدُود يقبل خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَافْتَرقَا
стр. 471
مَسْأَلَة ٢٨
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين تَقْتَضِي الْعتْق وَالْأُخْرَى لَا تَقْتَضِيه فهما سَوَاء
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين الَّتِي تَقْتَضِي الْعتْق أولى
لنا هُوَ أَنه لَا مزية لِلْعِتْقِ على الرّقّ فِي كَونه شرعا فَكَانَ التَّعَارُض بَينهمَا كالتعارض فِي غَيرهمَا
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الْعتْق مبناه على الْقُوَّة أَلا ترى أَنه يسري إِلَى غَيره وَإِذا وَقع لم يلْحقهُ الْفَسْخ فَوَجَبَ أَن يقدم مَا يَقْتَضِي الْعتْق على مَا يَقْتَضِي الرّقّ
قُلْنَا قُوَّة الْعتْق على الرّقّ فِي الْوُقُوع فَأَما فِي كَونه شرعا فِي إِثْبَات حكم الشَّرْع فالعتق وَالرّق وَاحِد فَلَا يقدم أَحدهمَا على الآخر
стр. 472
مَسْأَلَة ٢٩
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين أَكثر فروعا من الْأُخْرَى كَانَت أكثرهما فروعا أولى
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هما سَوَاء وَهُوَ قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا هُوَ أَن أكثرهما فروعا تفِيد من الْأَحْكَام مَالا تفِيد الْأُخْرَى فَكَانَت أولى
وَلِأَن كَثْرَة الْفُرُوع تجْرِي مجْرى شَهَادَة الْأُصُول فَيجب أَن تكون أولى
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ لَو تعَارض لفظان يدْخل فِي أَحدهمَا من المسميات أَكثر مِمَّا يدْخل فِي الآخر لم يَقع بذلك تَرْجِيح فَكَذَلِك العلتان
قُلْنَا لَو كَانَتَا كاللفظين لوَجَبَ أَن يكون مَا قل فروعه أولى كَمَا كَانَ الْأَخَص من اللَّفْظَيْنِ أولى من الْأَعَمّ مِنْهُمَا
وَلِأَن اللَّفْظ الْخَاص وَالْعَام إِذا تَعَارضا أمكن بِنَاء أَحدهمَا على الآخر وَلَا يُمكن ذَلِك فِي العلتين فَقدم أكثرهما فَائِدَة
стр. 473
مَسْأَلَة ٣٠
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين أقل أوصافا من الْأُخْرَى فالقليلة الْأَوْصَاف أولى
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هما سَوَاء
لنا هُوَ مَا قلت أوصافها أجْرى على الْأُصُول وَأسلم من الْفساد فَكَانَت أولى
وَلِأَن مَا قلت أوصافها تشابه العقليات فَكَانَت أولى
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن ذَات الْأَوْصَاف وَذَات الْوَصْف الْوَاحِد سَوَاء فِي إِثْبَات الحكم فكانتا سَوَاء عِنْد التَّعَارُض
قُلْنَا ينكسر بالْخبر وَالْقِيَاس فَإِنَّهُمَا يتساويان فِي إِثْبَات الحكم ثمَّ يقدم الْخَبَر على الْقيَاس عِنْد التَّعَارُض
стр. 474
مَسْأَلَة ٣١
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين منتزعة من أصلين وَالْأُخْرَى من أصل وَاحِد قدمت من أصلين فِي قَول بعض أَصْحَابنَا
وَمِنْهُم من قَالَ هما سَوَاء
لنا هُوَ أَنه إِذا كثرت الْأُصُول كثرت شَوَاهِد الصِّحَّة فَيجب أَن يكون أولى كَمَا لَو عاضد إِحْدَاهمَا ظَاهر وَلم يعاضد الْأُخْرَى
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ إِذا كَانَت الْعلَّة وَاحِدَة فكثرة الْأُصُول لَا تُؤثر أَلا ترى أَن الْعلَّة إِذا فَسدتْ فَسدتْ فِي الْأُصُول كلهَا وَلم تَنْفَع كَثْرَة الْأُصُول
قُلْنَا هَذَا يبطل بِهِ إِذا عاضد إِحْدَى العلتين عُمُوم فَإِنَّهَا إِذا فَسدتْ لم تَنْفَع معاضدة الْعُمُوم لَهَا ثمَّ تقدم على الْأُخْرَى
стр. 475
مَسْأَلَة ٣٢
إِذا كَانَت إِحْدَى العلتين صفة ذاتية وَالْأُخْرَى حكمِيَّة فالحكمية أولى وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ الذاتية أولى
لنا هُوَ أَن الْمَطْلُوب هُوَ الحكم وَالْحكم أخص بالحكم من الصّفة الذاتية فَكَانَت الْحكمِيَّة أولى
وَلِأَن الصّفة الذاتية قد تُوجد وَلَا يتَعَلَّق بهَا الحكم وَذَلِكَ قبل الشَّرْع وَلَا تُوجد الْحكمِيَّة إِلَّا وَالْحكم مُتَعَلق بهَا فَكَانَت الْحكمِيَّة أولى
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الصِّفَات معَان لَا يفْتَقر وجودهَا إِلَى مَا تفْتَقر إِلَيْهِ الْأَحْكَام فِي الشَّرْع فَكَانَ تَعْلِيق الحكم على الصِّفَات أولى
قُلْنَا الْأَحْكَام وَإِن افْتقر ثُبُوتهَا إِلَى الشَّرْع إِلَّا أَنَّهَا إِذا ثبتَتْ كَانَت كالصفات فِي الثُّبُوت وَلَا مزية للصفات عَلَيْهَا من هَذَا الْوَجْه وَقد بَينا تَرْجِيح الحكم على الصّفة فَوَجَبَ أَن يكون أولى
قَالُوا وَلِأَن الصِّفَات تشابه العقليات فَكَانَت أقوى
قُلْنَا فِي العقليات الْمَقْصُود طلب أَحْكَام الْعقل وَالصِّفَات أخص بهَا وَهَاهُنَا الْمَقْصُود طلب حكم الشَّرْع فَكَانَ الحكم أخص بِهِ
стр. 476
مَسْأَلَة ٣٣
القَوْل بالاستحسان بَاطِل وَهُوَ ترك الْقيَاس لما يستحسن الْإِنْسَان من غير دَلِيل
وَحكى الشَّافِعِي ﵁ وَبشر المريسي القَوْل عَن أبي حنيفَة بالاستحسان وَهُوَ ترك الْقيَاس لما استحسنه الْإِنْسَان من غير دَلِيل
стр. 477
وَأنكر الْمُتَأَخّرُونَ ذَلِك من مذْهبه
فَقَالَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي الِاسْتِحْسَان الْعُدُول بِحكم الْمَسْأَلَة عَن حكم نظائرها بِدَلِيل يَخُصهَا
стр. 478
وَقَالَ بَعضهم هُوَ القَوْل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ
وَقَالَ بَعضهم هُوَ تَخْصِيص الْعلَّة
فَإِن كَانَ الْمَذْهَب مَا حَكَاهُ الشَّافِعِي وَبشر المريسي فدليلنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَمَا يستحسن من غير دَلِيل لَا علم لَهُ بِهِ
وَلِأَن الْقيَاس دَلِيل من أَدِلَّة الشَّرْع فَلَا يجوز تَركه لما يستحسنه الْإِنْسَان من غير دَلِيل كالكتاب وَالسّنة
وَلَو جَازَ الرُّجُوع إِلَى مَا يستحسنه الْإِنْسَان من غير دَلِيل لوَجَبَ أَن يَسْتَوِي الْعلمَاء والعامة فِي ذَلِك لأَنهم يستحسنون كَمَا يستحسن الْعلمَاء
وَإِن كَانَ الْأَمر على مَا فسره أَصْحَابه فَإِنَّهُ لَا مُخَالفَة فِي مَعْنَاهُ فَإِن ترك أَضْعَف الدَّلِيلَيْنِ لأقواهما وَاجِب وَترك الْقيَاس بِدَلِيل أقوى مِنْهُ وَاجِب وَلَكنهُمْ لم يجروا على هَذَا الطَّرِيق فَإِنَّهُم تركُوا الْقيَاس فِي مَوَاضِع لَيْسَ مَعَهم فِيهَا دَلِيل أقوى مِمَّا تَرَكُوهُ وسموها مَوَاضِع الِاسْتِحْسَان فَمن ذَلِك إِيجَاب الْحَد بِشُهُود الزوايا فَإِنَّهُ ترك اخْتِلَاف الشَّهَادَات وألفاظها بِرَأْيهِ من غير دَلِيل وَأوجب فِيهَا الْحَد فَدلَّ على بطلَان مَا قَالَه الْمُتَأَخّرُونَ
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾
стр. 479
قُلْنَا هَذَا أَمر بالاتباع لما أنزل وكلامنا فِيمَا يستحسنه الْإِنْسَان من تِلْقَاء نَفسه من غير دَلِيل
فَإِن قيل روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن
قُلْنَا المُرَاد بِهِ مَا أجمع النَّاس عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه علق ذَلِك على اسْتِحْسَان جَمِيع الْمُسلمين وعندما استحسنه أهل الْإِجْمَاع فَهُوَ حسن عِنْد الله تَعَالَى فَيجب الْمصير إِلَيْهِ وَالْعَمَل بِهِ
стр. 480
مسَائِل الِاجْتِهَاد
مَسْأَلَة ١
الْحق من قَول الْمُخْتَلِفين فِي أصُول الديانَات وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل
وَحكي عَن عبد الله بن الْحسن الْعَنْبَري أَنه قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب
وَحكي عَن بَعضهم أَنه قَالَ ذَلِك فِيمَا يجْرِي مجْرى القَوْل فِي الْقدر والإرجاء والْآثَار
стр. 481
لنا هُوَ أَن مسَائِل الْأُصُول عَلَيْهَا أَدِلَّة قَاطِعَة على أَن الْأَمر فِيهَا على صفة وَاحِدَة فَمن اعْتقد فِيهَا خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ كَانَ اعْتِقَاده جهلا وَالْخَبَر عَنهُ كذبا وَالْجهل وَالْكذب قبيحان فَلَا يجوز أَن يكون صَوَابا
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن كل قَوْلَيْنِ لَا يجوز وُرُود الشَّرْع بِصِحَّة وَاحِدَة مِنْهُمَا لم يجز أَن يكون القَوْل بهما صَوَابا كَقَوْل الْمُسلمين إِن الله تَعَالَى وَاحِد لَا شريك لَهُ وَفِي قَول النَّصَارَى إِنَّه ثَالِث ثَلَاثَة
وَاحْتج بِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مصيبا جَازَ مثله فِي الْأُصُول
قُلْنَا لَا نسلم فَإِن الْحق عندنَا من قَول الْمُجْتَهدين فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل
وَإِن سلمنَا ذَلِك فَالْفرق بَينهمَا ظَاهر وَذَلِكَ أَن الْفُرُوع لَيْسَ عَلَيْهَا أَدِلَّة قَاطِعَة وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن على الْأُصُول أَدِلَّة قَاطِعَة فَلم يجز أَن يكون كل مُجْتَهد فِيهَا مصيبا وَلِأَن فِي الْفُرُوع يجوز أَن يرد الشَّرْع بحكمين متضادين فَجَاز أَن يَجْعَل وَاحِد من الْمُجْتَهدين مصيبا بِخِلَاف الْأُصُول فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يرد الشَّرْع بِهِ بحكمين متضادين فَلَا يجوز أَن يكون كل مُجْتَهد فِيهَا مصيبا
стр. 482
مَسْأَلَة ٢
الْحق من قَول الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع وَاحِد وعَلى ذَلِك دَلِيل يجب طلبه وإصابته وَمَا سواهُ بَاطِل وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ
وَذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى أَن الْحق فِي وَاحِد وَلم يُكَلف إِصَابَته وَإِنَّمَا كلفنا الِاجْتِهَاد فِي طلبه
وَذهب كثير من الأشعرية إِلَى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَهُوَ قَول أَكثر الْمُعْتَزلَة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة غير أَنهم اخْتلفُوا فِي ذَلِك
стр. 483
فَذكر الْكَرْخِي أَن هُنَاكَ أشبه مَطْلُوب فِي الْحَقِيقَة وَلم يُكَلف الْمُجْتَهد إِصَابَته وَإِنَّمَا كلف حكم اجْتِهَاده وَذكر أَنه مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه
وَقَالَ أَبُو هَاشم لَيْسَ هُنَاكَ أشبه مَطْلُوب أَكثر من أَن الحكم بِمَا هُوَ أولى عِنْده أَن يحكم بِهِ وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي عَليّ
لنا قَوْله ﵇ إِذا اجْتهد الْحَاكِم وَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وَاحِد فَدلَّ على أَنه يُصِيب مرّة ويخطىء أُخْرَى
فَإِن قيل المُرَاد بِهِ إِصَابَة النَّص وَالْإِجْمَاع وَالْخَطَأ بهما
стр. 484
قيل اللَّفْظ عَام فَوَجَبَ أَن يحمل على عُمُومه وَلِأَن اسْتِحْقَاق الأجرين لَا يخْتَص بِإِصَابَة النَّص وَالْإِجْمَاع فَإِن مَا فِيهِ نَص وَإِجْمَاع ومالا نَص فِيهِ وَلَا إِجْمَاع فِي الْأجر سَوَاء فَدلَّ على أَنه عَام فِي الْجَمِيع
وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃ رُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقُول فِيهَا برأيي فَإِن يكن صَوَابا فَمن الله وَإِن يكن خطأ فمني وَأَسْتَغْفِر الله
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه حكم بِحكم فَقَالَ لَهُ رجل حَضَره هَذَا وَالله الْحق ثمَّ حكم بِحكم آخر فَقَالَ لَهُ الرجل هَذَا وَالله هُوَ الْحق فَقَالَ لَهُ عمر ﵁ إِن عمر لَا يعلم أَنه أصَاب الْحق لكنه لَا يألو جهدا
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ لكَاتبه اكْتُبْ هَذَا مَا رأى عمر فَإِن كَانَ خطأ فَمِنْهُ وَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ
وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ فِي الْمَرْأَة الَّتِي أجهضت ذَا بَطنهَا إِن كَانَا قد اجتهدا فقد أَخطَأ
وَرُوِيَ أَنه قَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك
وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ فِي المفوضة أَقُول فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَرَسُوله وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله مِنْهُ بريئان
стр. 485
وَرُوِيَ أَن عليا ﵁ وَابْن مَسْعُود وزيدا خطؤوا ابْن عَبَّاس فِي ترك القَوْل بالعول حَتَّى قَالَ ابْن عَبَّاس من شَاءَ باهلته إِن الَّذِي أحصى رمل عالج عددا لم يَجْعَل فِي مَال وَاحِد نصفا وَنصفا وَثلثا قد ذهب النصفان بِالْمَالِ فَأَيْنَ مَوضِع الثُّلُث
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ أَلا لَا يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب أَبَا
وَهَذَا إِجْمَاع ظَاهر على تخطئة بَعضهم بَعْضًا فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد فَدلَّ على أَن الْحق من هَذِه الْأَقْوَال فِي وَاحِد وَمَا سواهُ بَاطِل
وَيدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الْأمة على وجوب النّظر وَالِاسْتِدْلَال فِي تَرْتِيب الْأَدِلَّة وَبِنَاء بَعْضهَا على بعض وَلَو كَانَ الْجَمِيع حَقًا وصوابا لم يكن للنَّظَر وَالِاجْتِهَاد معنى
وَرُبمَا عبر عَن هَذَا بِأَن النَّاس قد اتَّفقُوا على حسن النّظر وَعقد الْمجَالِس بِهِ وَلَو كَانَ الْجَمِيع حَقًا وصوابا لم يكن للنَّظَر معنى وَلَا لعقد الْمجَالِس بِسَبَبِهِ وَجه إِذْ لَا يجوز أَن يناظر بَعضهم بَعْضًا على أَمر هُوَ حق وصواب كَمَا لَا يجوز أَن يناظر بَعضهم بَعْضًا على ترك مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ من الْأَحْكَام
فَإِن قيل لَا نسلم أَن النّظر وَالِاجْتِهَاد يجب فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد بل الْإِنْسَان عندنَا بِالْخِيَارِ بَين الْأَقَاوِيل فَيَأْخُذ بِمَا شَاءَ مِنْهَا كَمَا تَقول فِي الْكَفَّارَات
قُلْنَا هَذَا خلاف الْكتاب فَإِن الله قَالَ ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَأمر بِالرُّجُوعِ إِلَى الدَّلِيل
стр. 486
وَلِأَن هَذَا خلاف الْإِجْمَاع فَإِن أحدا لم يقل بالتخيير فَالْقَوْل مُخَالف للْإِجْمَاع
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا قَالَ هَذَا الْقَائِل لاشتراك الْعَاميّ والعالم فِي جَوَاز الْفَتْوَى وَالْحكم وَهَذَا لَا يَقُوله أحد فَسقط
فَإِن قيل إِنَّمَا يتناظرون ويجتهدون فِي ذَلِك لمعْرِفَة النَّص وَالْإِجْمَاع حَتَّى لَا يقدموا على مخالفتهما
قُلْنَا هَذَا خطأ لأَنهم يجتهدون فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَلَا إِجْمَاع فَدلَّ على أَن ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ
فَإِن قيل يحْتَمل أَن يكون نظرهم فِي ذَلِك واجتهادهم لطلب الأحصلح دون معرفَة الْفَاسِد وَالصَّحِيح
قُلْنَا لَا يَصح لِأَن الْأَصْلَح فِي الْمَنْفَعَة لَا يتَعَلَّق بأدلة الشَّرْع وَالنَّظَر فِي تَرْجِيح الْأُصُول فَبَطل أَن يكون لما ذَكرُوهُ
فَإِن قيل نظرهم لطلب الْأَشْبَه
قُلْنَا إِن كَانَ الْأَشْبَه مَا قَالَه الْكَرْخِي من أشبه مَطْلُوب عِنْد الله فِي الْحَادِثَة فقد سلمتم الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ إِذا كَانَ هَاهُنَا أشبه مَطْلُوب دلّ على أَن الْحق وَاحِد وَمَا سَوَاء لَيْسَ بِحَق وَإِن كَانَ الْأَشْبَه مَا قَالَه أَبُو هَاشم وَهُوَ أَن الحكم بِمَا هُوَ أولى عِنْده فَهَذَا مَالا فَائِدَة فِيهِ فِي النّظر لأَجله لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْجَمِيع حَقًا وصوابا لم يكن للنَّظَر بِحكم دون حكم معنى أَكثر من إتعاب الْفِكر وَالنَّفس وتقطيع الزَّمَان من غير فَائِدَة
وَيدل عَلَيْهِ أَن الْقَوْلَيْنِ المتضادين فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد كالتحليل وَالتَّحْرِيم والإيجاب والإسقاط والتصحيح والإفساد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا صَحِيحَيْنِ أَو فاسدين أَو أَحدهمَا صَحِيحا وَالْآخر فَاسِدا وَلَا يجوز أَن يَكُونَا صَحِيحَيْنِ لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حَلَالا وحراما صَحِيحا فَاسِدا حسنا قبيحا وَذَلِكَ مُسْتَحِيل وَلَا يجوز أَن يَكُونَا فاسدين لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى إِجْمَاع الْأمة على الْخَطَأ فَثَبت أَن أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر بَاطِل
стр. 487
فَإِن قيل إِنَّمَا لَا يجوز أَن يَكُونَا صَحِيحَيْنِ فِي حق كل وَاحِد وَأما فِي حق اثْنَيْنِ فَلَا يمْتَنع
أَلا ترى أَنه يحل أكل الْميتَة للْمُضْطَر وَيحرم على الْمُخْتَار وَيحل الْفطر للْمُسَافِر وَيحرم على الحاظر فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حَلَالا فِي حق من أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى تَحْلِيله حَرَامًا فِي حق من أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى تَحْرِيمه
قُلْنَا هَذَا يجوز فِيمَا ورد النَّص فِيهِ على سَبِيل التَّفْصِيل والمخالفة كَمَا ذَكرُوهُ فِي الْميتَة فِي حق الْمُضْطَر وَالْمُخْتَار وَالْفطر فِي حق الْحَائِض وَالْمُسَافر وَأما فِيمَا ورد الدَّلِيل فِيهِ على سَبِيل الْإِطْلَاق والعموم فَلَا يجوز
وَمَعْلُوم أَن مَا ورد من الدَّلِيل فِي هَذِه الْمسَائِل عَام فِي حق جَمِيع النَّاس فَلَا يجوز أَن يَقْتَضِي الحكم على سَبِيل التَّخْصِيص وَالتَّفْصِيل
فَإِن قيل الدَّلِيل الَّذِي يدل على الحكم بِظَنّ الْمُجْتَهد فَأَما الأمارات فَإِنَّهَا تقع متكافئة وَظن كل مُجْتَهد يَخُصُّهُ لَا يتَنَاوَل غَيره
قُلْنَا هَذَا خطأ بل الدَّلِيل الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَرد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس وَقَالَ ﷺ لِمعَاذ لما بَعثه إِلَى الْيمن بِمَ تقضي فَذكر الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس وَلم يذكر الظَّن
وَلِأَن أهل الْعلم عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة لَا يفزعون إِلَّا إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس فَدلَّ على أَنَّهَا هِيَ الْأَدِلَّة دون الظَّن
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا الدَّلِيل هُوَ الظَّن لما صَحَّ احتجاج أحد على أحد بِالْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس لِأَن ذَلِك كُله غير الدَّلِيل الَّذِي يلْزمه حكمه
стр. 488
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الديل هُوَ الظَّن لاستوى الْعلمَاء والعامة فِي الحكم لأَنهم فِي الظَّن وَاحِد
فَإِن قيل لَو كَانَ الدَّلِيل مَا ذكرْتُمْ لوَجَبَ إِذا نظر الْحَنَفِيّ فِيمَا نظر فِيهِ الشَّافِعِي من الدَّلِيل أَن يَقع لَهُ مَا وَقع للشَّافِعِيّ
قُلْنَا هَذَا يبطل بمسائل الْأُصُول فَإِن كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ ينظر فِيمَا ينظر فِيهِ الآخر فَلَا يَقع لَهُ مَا وَقع لخصمه ثمَّ لَا يدل على أَنه لَيْسَ هُنَاكَ دَلِيل غير النّظر
وَيرد هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر وَهُوَ أَن تَحْلِيل الشَّيْء وتحريمه وإفساده وتصحيحه لَا يجوز وُرُود الشَّرْع بِهِ وَلَو جَازَ ذَلِك لورد النَّص بِهِ فَيَقُول النَّبِيذ حَلَال حرَام وَالنِّكَاح بِلَا ولي بَاطِل صَحِيح على هَذِه الصّفة ومالا يجوز وُرُود الشَّرْع بِهِ لم يجز أَن يرد عَلَيْهِ النّظر وَالِاجْتِهَاد بَين صِحَة هَذَا أَن النّظر وَالِاجْتِهَاد نتيجة النَّص وَالْإِجْمَاع فَإِذا اسْتَحَالَ أَن يدل النَّص وَالْإِجْمَاع على تَحْلِيل الشَّيْء وتحريمه على الْإِطْلَاق اسْتَحَالَ أَن يدل عَلَيْهِمَا النّظر وَالِاجْتِهَاد إِذْ لَا يجوز أَن تدل نتيجة الشَّيْء على مَالا يدل عَلَيْهِ أَصله
فَإِن قيل إِنَّمَا تسحيل وُرُود الشَّرْع من جِهَة النَّص بِالتَّحْرِيمِ والتحليل والإفساد والتصحيح فِي حق وَاحِد وَمثله يَسْتَحِيل من جِهَة النّظر وَالِاجْتِهَاد فَأَما فِي حق اثْنَيْنِ فَلَا يَسْتَحِيل أَلا ترى أَن النَّص قد ورد بتحليل الْميتَة للْمُضْطَر وتحريمها على الْمُخْتَار وإحلال الْفطر للْمُسَافِر وتحريمه على الْحَاضِر فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن يحل الشَّيْء فِي حق مُجْتَهد وَيحرم فِي حق غَيره وَيفْسد العقد فِي حق مُجْتَهد وَيصِح فِي حق غَيره
قُلْنَا نَحن لَا ننكر وُرُود الشَّيْء بِتَحْرِيم الشَّيْء على شخص وتحليله لغيره
стр. 489
فَيَقْضِي فِيهِ بِحَسب مَا تَقْتَضِيه الدّلَالَة من التَّفْصِيل والتخصيص وَإِنَّمَا ننكر وُرُود الشَّرْع بتحليل الشَّيْء وتحريمه وإفساد عقد وتصحيحه على سَبِيل الْإِطْلَاق والعموم وَذَلِكَ لَا يجوز من جِهَة النَّص وَالْإِجْمَاع فَكَذَلِك لَا يجوز من جِهَة النّظر وَالِاجْتِهَاد
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفت فِي مسَائِل كَثِيرَة وحوادث شَتَّى وَأقر بَعضهم بَعْضًا على الْخلاف وَلم يظْهر مِنْهُم فِي ذَلِك تبري وَلَا تَغْلِيظ فِي القَوْل وَلَو كَانَ الْحق فِي وَاحِد لما أقرّ بَعضهم بَعْضًا على ذَلِك كَمَا لم يقرُّوا من أَبَاحَ الْخمر مِنْهُم على قَوْله وأظهروا التَّغْلِيظ وتبرأ بَعضهم من بعض كَمَا فعلوا ذَلِك فِي مانعي الزَّكَاة وَلما لم ينْقل عَنْهُم فِي الْفُرُوع شَيْء من ذَلِك دلّ على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب
قُلْنَا إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة عَلَيْكُم فَإِنَّهُم صَرَّحُوا على أَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا سواهُ خطأ وَقد بَينا ذَلِك فأغنى عَن الْإِعَادَة
وَأما ترك التبري والتغليظ فِي القَوْل حسب مَا فعلوا فِي ترك الصَّلَاة فَلَا يدل على أَن الْجَمِيع حق كَمَا أَن ترك التبري والتغليظ بالْقَوْل على من فعل الصَّغَائِر من الذُّنُوب والمخالفة بَينه وَبَين من ارْتكب الْكَبَائِر مَعَهم فِي ذَلِك لَا يدل على أَن ذَلِك حق وصواب
وعَلى أَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفت فِي مسَائِل أَجمعُوا فِيهَا بعد الْخلاف أَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل كاختلافهم فِي معانعي الزَّكَاة وَلم يظهروا التبري فِي حَال الِاخْتِلَاف وَلَا التَّغْلِيظ فِي القَوْل على من خَالف مِنْهُم ثمَّ لَا يدل على أَن الْجَمِيع حق وصواب
وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب التبري والتغليظ فِيمَا يعلم بطرِيق مَقْطُوع بِهِ وَصرح بدليله وَانْقطع عذر من خَالف فِيهِ فَيجب التَّغْلِيظ عَلَيْهِ والتبري مِنْهُ كالأحكام الَّتِي ذكروها فَأَما فِيمَا يعلم بطرِيق لَا يقطع بِهِ وَكَثُرت فِيهِ وُجُوه الشّبَه وتزاحمت فِيهِ صروف التَّأْوِيل وَالتَّرْجِيح فَلَا يجب ذَلِك فِيهِ وَمَا اخْتلفت فِيهِ الصَّحَابَة ﵃ من هَذَا الْقَبِيل فَلهَذَا تركُوا فِيهِ التبري والتغليظ
стр. 490
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْحق فِي وَاحِد لَكَانَ الله تَعَالَى قد نصب عَلَيْهِ دَلِيلا وَلَو كَانَ فعل ذَلِك لسقط عذر الْمُخَالف فِيهِ ولوجب أَن يَجْعَل كل من خَالف ذَلِك آثِما فَاسِقًا كَمَا نقُول فِي العقليات
قُلْنَا كَذَا نقُول إِن الله تَعَالَى قد نصب على الْحق دَلِيلا وَأَبَان بِهِ خطأ الْمُخَالف وَلكنه لَا يَأْثَم وَلَا يفسق لِأَن طَرِيق المأثم وَالْفِسْق الشَّرْع وَقد ورد الشَّرْع بِإِسْقَاط الْإِثْم عَن الْمُجْتَهد وَترك تفسيقه
وعَلى أَنه يحْتَمل أَن يكون قد أسقط عَنهُ المأثم وَالْفِسْق لخفاء الْأَدِلَّة بِكَثْرَة وجود الشّبَه فأكمل الله تَعَالَى التفضل على الْمُجْتَهد بِأَن أسقط عَنهُ الْإِثْم وأثابه على قَصده واجتهاده
قَالُوا لَو كَانَ الْحق فِي وَاحِد لَكَانَ ينْقض بِهِ كل حكم يُخَالِفهُ كَمَا قَالَ الْأَصَم وَبشر المريسي وَلما قُلْتُمْ إِنَّه لَا ينْقض الحكم بِخِلَافِهِ دلّ على أَن الْجَمِيع حق وصواب
وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ إِذا لم ينْقض الحكم الْوَاقِع بِأحد الْقَوْلَيْنِ دلّ على أَنه حق وصواب
أَلا ترى أَن من بَاعَ فِي حَال النداء لم ينْقض بَيْعه وَلَا يدل أَن ذَلِك حق وصواب
وَلِأَنَّهُ إِذا لم ينْقض الحكم لجَوَاز أَن يكون هُنَاكَ آخر لم يؤده اجْتِهَاده إِلَيْهِ فَلَا يجوز الْإِقْدَام على بعضه
وعَلى أَنه إِن كَانَ الْمَنْع من نقض الحكم دَلِيلا على أَن الْكل حق فوجوب
стр. 491
الِانْتِقَال إِلَى غَيره عِنْد تغير الِاجْتِهَاد دَلِيل على أَن الْحق وَاحِد فَلَيْسَ لَهُم أَن يتعلقوا بترك النَّقْض إِلَّا وَلنَا أَن نتعلق بِوُجُوب الِانْتِقَال عِنْد تغير الِاجْتِهَاد
وعَلى أَنه إنم لم تنقض الْأَحْكَام لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يسْتَقرّ لأحد مَالك فِي الشَّرْع وَلَا يثبت بِهِ حق لِأَنَّهُ مَتى حكم لَهُ حَاكم بِملك أَو حق جَاءَ غَيره فنقض ذَلِك وَيَجِيء آخر فينقض على الثَّانِي وعَلى هَذَا أبدا فَلَا يسْتَقرّ لأحد ملك على شَيْء وَهَذَا فِيهِ فَسَاد عَظِيم
قَالُوا لَو كَانَ الْحق فِي وَاحِد لما سوغ للعامي تَقْلِيد من شَاءَ من الْعلمَاء
قُلْنَا نَحن لَا نسوغ لَهُ تَقْلِيد من خَالف الْحق بل نقُول لَهُ قلد عَالما بِشَرْط أَن يكون مصيبا كَمَا نقُول لَهُ قلد عَالما بِشَرْط أَن يُخَالف النَّص
على أَنا لَو منعنَا الْعَاميّ أَن يُقَلّد إِلَّا من مَعَه الصَّوَاب لم يجد إِلَى معرفَة ذَلِك سَبِيلا إِلَّا بِأَن يتَعَلَّم الْفِقْه وَفِي إِيجَاب ذَلِك على كل أحد مشقة وَفَسَاد فسمح لَهُ بتقليد الأوثق فِي نَفسه
قَالُوا لَو لم يكن كل مُجْتَهد مصيبا لما جَازَ اسْتِخْلَاف الْمُخَالفين فِي القضايا وَالْأَحْكَام مَعَ الْعلم بِأَنَّهُم يحكمون بِخِلَاف مَا يَعْتَقِدهُ الْمُسْتَخْلف
قُلْنَا نَحن لَا نستخلف من يعْتَقد فِي قضاياه مَذْهَب نَفسه فَيحكم بِهِ وَإِنَّمَا نستخلف من هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد يجدد اجْتِهَاده فِي كل قَضِيَّة فَيحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل
قَالُوا لَا خلاف أَن الْمُجْتَهد إِذا بذل وَسعه فِي الِاجْتِهَاد وَطلب الحكم وَجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد مَا أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ وَمَتى ترك ذَلِك اسْتحق الذَّم فَلَو لم يكن الْمَأْمُور بِهِ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ لما اسْتحق الذَّم على تَركه وَإِذا ثَبت أَن ذَلِك هُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَجب أَن يكون حَقًا وصوابا
قُلْنَا لَا نسلم أَنه يجب عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع وَكَيف يدعى الْإِجْمَاع فِي هَذَا مَعَ إِنْكَار مُخَالفَته عَلَيْهِم ومنعهم مِنْهُ وَإِظْهَار الِاحْتِجَاج على فَسَاده
стр. 492
وَلَو سلمنَا ذَلِك تَسْلِيم نظر لم يتم الدَّلِيل لأَنا إِنَّمَا نوجب ذَلِك بِشَرْط الصِّحَّة والسلامة فَإِذا أدّى إِلَى خلاف ذَلِك الْحق نسبناه إِلَى الْخَطَأ كَمَا يجوز الرَّمْي إِلَى الهدف بِشَرْط السَّلامَة فَإِذا أدّى إِلَى الْهَلَاك نسبناه إِلَى التَّفْرِيط وَعلمنَا خطأه فِيهِ
ثمَّ هَذَا يبطل بِهِ إِذا أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى خلاف النَّص مَعَ الْجَهْل بِهِ فَإِنَّهُ مَأْمُور بِمَا أدّى الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ ثمَّ لَا نقُول بِأَن ذَلِك حق وصواب
وعَلى أَن هَذَا حجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ مَتى أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى شَيْء وَقَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ لم يجز لَهُ اعْتِقَاد غَيره وَلَو كَانَ الْجَمِيع حَقًا وصوابا لجَاز تَركه إِلَى غَيره كَمَا يجوز ترك الْعتْق فِي كَفَّارَة الْيَمين إِلَى الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة حَيْثُ كَانَ الْجَمِيع مَأْمُورا بِهِ وَلما لم يجز ذَلِك دلّ على أَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَن تَرْجِيح الظَّوَاهِر المتقابلة يجوز لما لَا يجوز أَن يثبت الحكم بِنَفسِهِ وَهَذَا يدل على أَن دَلِيل الحكم هُوَ الَّذِي وَقع لَهُ الْمُقَابلَة وَأَنه إِذا تعَارض ظاهران فقد قَامَ دَلِيل كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ على الحكم فَدلَّ على أَن الْجَمِيع حق
قُلْنَا لَا نسلم فَإِنَّهُ لَا يرجح عندنَا أحد الدَّلِيلَيْنِ على الآخر إِلَّا بِمَا يجوز أَن يَجْعَل دَلِيلا عِنْد الْكَشْف والتقرير
وعَلى أَن هَذَا هُوَ الْحجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْجَمِيع صَوَابا لما طلب تَقْدِيم أحد اللَّفْظَيْنِ على الآخر بصروف من التَّرْجِيح وَلما عدلوا عِنْد التقابل إِلَى التَّرْجِيح دلّ على أَنه لَا يجوز أَن يكون مَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِر أَن الْجَمِيع حق
قَالُوا وَلِأَن أَدِلَّة الْأَحْكَام فِي مسَائِل الْخلاف تقع متكافئة لَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي الْقطع
أَلا ترى أَن كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ يُمكنهُ أَن يتَأَوَّل دَلِيل خَصمه بِضَرْب من الدَّلِيل وَيصرف عَن ظَاهره بِوَجْه من الدَّلِيل بِحَيْثُ لَا يكون لأحد مِنْهُمَا على الآخر مزية فِي الْبناء والتأويل فَوَجَبَ أَن يكون الْجَمِيع حَقًا وصوابا
стр. 493
قُلْنَا لَا نسلم أَنَّهُمَا يتساويان فِي الْبناء والتأويل بل لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا على الآخر مزية فِي الْبناء وَالتَّرْتِيب والاستعمال وَالتَّرْجِيح وَلِهَذَا إِذا تناظر الخصمان بِأَن لمن يحضر مِمَّن يعْتَقد أَن كل مُجْتَهد مُصِيب أَن أحد الْكَلَامَيْنِ أظهر من الآخر
وعَلى أَن هَذَا لَو كَانَ دَلِيلا على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْفُرُوع لوَجَبَ أَن يَجْعَل دَلِيلا على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْأُصُول فَإِن الأشعرية والمعتزلة إِذا تكلمُوا فِي مَسْأَلَة تخليد الْفُسَّاق اسْتدلَّ كل وَاحِد مِنْهُم بِظَاهِر الْقُرْآن ويتأول ظَاهر خَصمه بِضَرْب من الدَّلِيل وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة إِثْبَات الرُّؤْيَة وَخلق الْأَفْعَال وَكثير من مسائلهم ثمَّ لَا يُقَال إِن الْحق فِي جَمِيع ذَلِك فَإِن الظَّوَاهِر فِيهَا متعارضة والتأويلات فِيهَا متقابلة فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا
قَالُوا وَلِأَن حمل النَّاس على مَذْهَب وَاحِد يُؤَدِّي إِلَى التَّضْيِيق فَوَجَبَ أَن يَجْعَل الْجَمِيع حَقًا ليتوسع النَّاس فِيهَا
قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا على أَن الْجَمِيع حق لوَجَبَ على أَن لَا يلْزم الْعَمَل بِمَا ورد بِهِ النَّص وَالْإِجْمَاع من الْأَحْكَام المغلقة لِأَن فِي ذَلِك تَغْلِيظًا وتشديدا وَلما بَطل هَذَا بِالْإِجْمَاع بَطل مَا ذَكرُوهُ أَيْضا
وَلِأَن الْمصلحَة فِي الشَّرْع لَا تتَعَلَّق بِمَا يمِيل إِلَيْهِ الطَّبْع حَتَّى يَبْنِي الْأَمر فِيهِ على مَا يمِيل الطَّبْع إِلَيْهِ بل الْمصلحَة مُتَعَلقَة بِمَا حكم الله بِهِ فَيجب أَن يطْلب ذَلِك بِالدَّلِيلِ
وعَلى أَنا نقلب هَذَا عَلَيْهِم فَنَقُول حمل النَّاس على قَول وَاحِد نفع لَهُم وَأصْلح فَإِنَّهُم يتوافرون على طلبه وتمييزه من غَيره فيتوفر أجرهم ويعظم ثوابهم فَيجب أَن يَجْعَل الْحق فِي وَاحِد
стр. 494
مَسْأَلَة ٣
لَا يجوز أَن يتكافأ دليلان فِي الْحَادِثَة بل لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا مزية على الآخر وترجيح
وَقَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم يجوز أَن يتكافأ دليلان فِي الْحَادِثَة فَيتَخَيَّر الْمُجْتَهد عِنْد ذَلِك فَيعْمل بِمَا شَاءَ
لنا أَن الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أَن الْحق فِي قَول الْمُجْتَهدين فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل وَقد دللنا على ذَلِك وَإِذا ثَبت هَذَا لم يجز أَن تَتَكَافَأ فِيهِ الْأَدِلَّة كالعقليات
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الْحَادِثَة قد تَأْخُذ شبها من أصلين فَيكون شبهها بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا كشبهها بِالْآخرِ من غير أَن يكون لأحد الشبهين مزية فَدلَّ على جَوَاز ذَلِك
قُلْنَا لَا نسلم بل لَا بُد من ضرب من التَّرْجِيح يقْتَرن بِأَحَدِهِمَا وَدَلِيل يدل على تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر فَلَا يَصح مَا ادعوهُ
стр. 495
مَسْأَلَة ٤
تَخْرِيج الشَّافِعِي ﵁ الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ جَائِز
وَذهب من لَا يعْتد بِخِلَافِهِ أَن ذَلِك لَا يجوز
وَرُبمَا قَالُوا إِن ذَلِك لَا يجوز من جِهَة أَنه لَا يجوز أَن يعْتَقد الْمُجْتَهد فِي الْحَادِثَة قَوْلَيْنِ متضادين وَلَا سِيمَا على قَوْله إِن الْحق من قَول الْمُجْتَهدين فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل
وَرُبمَا قَالُوا إِن تَخْرِيج الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ يدل على نُقْصَان الْآلَة وَقلة الْعلم حَتَّى لم يعلم الْحق من الْقَوْلَيْنِ وَيحْتَاج أَن يخرج الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ
وَهَذَا خطأ
следующие страницы →