← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 25787

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (521 стр.). Показаны 491–521 · переход к 496.

стр. 491

الِانْتِقَال إِلَى غَيره عِنْد تغير الِاجْتِهَاد دَلِيل على أَن الْحق وَاحِد فَلَيْسَ لَهُم أَن يتعلقوا بترك النَّقْض إِلَّا وَلنَا أَن نتعلق بِوُجُوب الِانْتِقَال عِنْد تغير الِاجْتِهَاد وعَلى أَنه إنم لم تنقض الْأَحْكَام لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يسْتَقرّ لأحد مَالك فِي الشَّرْع وَلَا يثبت بِهِ حق لِأَنَّهُ مَتى حكم لَهُ حَاكم بِملك أَو حق جَاءَ غَيره فنقض ذَلِك وَيَجِيء آخر فينقض على الثَّانِي وعَلى هَذَا أبدا فَلَا يسْتَقرّ لأحد ملك على شَيْء وَهَذَا فِيهِ فَسَاد عَظِيم قَالُوا لَو كَانَ الْحق فِي وَاحِد لما سوغ للعامي تَقْلِيد من شَاءَ من الْعلمَاء قُلْنَا نَحن لَا نسوغ لَهُ تَقْلِيد من خَالف الْحق بل نقُول لَهُ قلد عَالما بِشَرْط أَن يكون مصيبا كَمَا نقُول لَهُ قلد عَالما بِشَرْط أَن يُخَالف النَّص على أَنا لَو منعنَا الْعَاميّ أَن يُقَلّد إِلَّا من مَعَه الصَّوَاب لم يجد إِلَى معرفَة ذَلِك سَبِيلا إِلَّا بِأَن يتَعَلَّم الْفِقْه وَفِي إِيجَاب ذَلِك على كل أحد مشقة وَفَسَاد فسمح لَهُ بتقليد الأوثق فِي نَفسه قَالُوا لَو لم يكن كل مُجْتَهد مصيبا لما جَازَ اسْتِخْلَاف الْمُخَالفين فِي القضايا وَالْأَحْكَام مَعَ الْعلم بِأَنَّهُم يحكمون بِخِلَاف مَا يَعْتَقِدهُ الْمُسْتَخْلف قُلْنَا نَحن لَا نستخلف من يعْتَقد فِي قضاياه مَذْهَب نَفسه فَيحكم بِهِ وَإِنَّمَا نستخلف من هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد يجدد اجْتِهَاده فِي كل قَضِيَّة فَيحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل قَالُوا لَا خلاف أَن الْمُجْتَهد إِذا بذل وَسعه فِي الِاجْتِهَاد وَطلب الحكم وَجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد مَا أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ وَمَتى ترك ذَلِك اسْتحق الذَّم فَلَو لم يكن الْمَأْمُور بِهِ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ لما اسْتحق الذَّم على تَركه وَإِذا ثَبت أَن ذَلِك هُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَجب أَن يكون حَقًا وصوابا قُلْنَا لَا نسلم أَنه يجب عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع وَكَيف يدعى الْإِجْمَاع فِي هَذَا مَعَ إِنْكَار مُخَالفَته عَلَيْهِم ومنعهم مِنْهُ وَإِظْهَار الِاحْتِجَاج على فَسَاده

стр. 492

وَلَو سلمنَا ذَلِك تَسْلِيم نظر لم يتم الدَّلِيل لأَنا إِنَّمَا نوجب ذَلِك بِشَرْط الصِّحَّة والسلامة فَإِذا أدّى إِلَى خلاف ذَلِك الْحق نسبناه إِلَى الْخَطَأ كَمَا يجوز الرَّمْي إِلَى الهدف بِشَرْط السَّلامَة فَإِذا أدّى إِلَى الْهَلَاك نسبناه إِلَى التَّفْرِيط وَعلمنَا خطأه فِيهِ ثمَّ هَذَا يبطل بِهِ إِذا أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى خلاف النَّص مَعَ الْجَهْل بِهِ فَإِنَّهُ مَأْمُور بِمَا أدّى الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ ثمَّ لَا نقُول بِأَن ذَلِك حق وصواب وعَلى أَن هَذَا حجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ مَتى أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى شَيْء وَقَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ لم يجز لَهُ اعْتِقَاد غَيره وَلَو كَانَ الْجَمِيع حَقًا وصوابا لجَاز تَركه إِلَى غَيره كَمَا يجوز ترك الْعتْق فِي كَفَّارَة الْيَمين إِلَى الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة حَيْثُ كَانَ الْجَمِيع مَأْمُورا بِهِ وَلما لم يجز ذَلِك دلّ على أَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَن تَرْجِيح الظَّوَاهِر المتقابلة يجوز لما لَا يجوز أَن يثبت الحكم بِنَفسِهِ وَهَذَا يدل على أَن دَلِيل الحكم هُوَ الَّذِي وَقع لَهُ الْمُقَابلَة وَأَنه إِذا تعَارض ظاهران فقد قَامَ دَلِيل كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ على الحكم فَدلَّ على أَن الْجَمِيع حق قُلْنَا لَا نسلم فَإِنَّهُ لَا يرجح عندنَا أحد الدَّلِيلَيْنِ على الآخر إِلَّا بِمَا يجوز أَن يَجْعَل دَلِيلا عِنْد الْكَشْف والتقرير وعَلى أَن هَذَا هُوَ الْحجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْجَمِيع صَوَابا لما طلب تَقْدِيم أحد اللَّفْظَيْنِ على الآخر بصروف من التَّرْجِيح وَلما عدلوا عِنْد التقابل إِلَى التَّرْجِيح دلّ على أَنه لَا يجوز أَن يكون مَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِر أَن الْجَمِيع حق قَالُوا وَلِأَن أَدِلَّة الْأَحْكَام فِي مسَائِل الْخلاف تقع متكافئة لَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي الْقطع أَلا ترى أَن كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ يُمكنهُ أَن يتَأَوَّل دَلِيل خَصمه بِضَرْب من الدَّلِيل وَيصرف عَن ظَاهره بِوَجْه من الدَّلِيل بِحَيْثُ لَا يكون لأحد مِنْهُمَا على الآخر مزية فِي الْبناء والتأويل فَوَجَبَ أَن يكون الْجَمِيع حَقًا وصوابا

стр. 493

قُلْنَا لَا نسلم أَنَّهُمَا يتساويان فِي الْبناء والتأويل بل لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا على الآخر مزية فِي الْبناء وَالتَّرْتِيب والاستعمال وَالتَّرْجِيح وَلِهَذَا إِذا تناظر الخصمان بِأَن لمن يحضر مِمَّن يعْتَقد أَن كل مُجْتَهد مُصِيب أَن أحد الْكَلَامَيْنِ أظهر من الآخر وعَلى أَن هَذَا لَو كَانَ دَلِيلا على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْفُرُوع لوَجَبَ أَن يَجْعَل دَلِيلا على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْأُصُول فَإِن الأشعرية والمعتزلة إِذا تكلمُوا فِي مَسْأَلَة تخليد الْفُسَّاق اسْتدلَّ كل وَاحِد مِنْهُم بِظَاهِر الْقُرْآن ويتأول ظَاهر خَصمه بِضَرْب من الدَّلِيل وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة إِثْبَات الرُّؤْيَة وَخلق الْأَفْعَال وَكثير من مسائلهم ثمَّ لَا يُقَال إِن الْحق فِي جَمِيع ذَلِك فَإِن الظَّوَاهِر فِيهَا متعارضة والتأويلات فِيهَا متقابلة فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا قَالُوا وَلِأَن حمل النَّاس على مَذْهَب وَاحِد يُؤَدِّي إِلَى التَّضْيِيق فَوَجَبَ أَن يَجْعَل الْجَمِيع حَقًا ليتوسع النَّاس فِيهَا قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا على أَن الْجَمِيع حق لوَجَبَ على أَن لَا يلْزم الْعَمَل بِمَا ورد بِهِ النَّص وَالْإِجْمَاع من الْأَحْكَام المغلقة لِأَن فِي ذَلِك تَغْلِيظًا وتشديدا وَلما بَطل هَذَا بِالْإِجْمَاع بَطل مَا ذَكرُوهُ أَيْضا وَلِأَن الْمصلحَة فِي الشَّرْع لَا تتَعَلَّق بِمَا يمِيل إِلَيْهِ الطَّبْع حَتَّى يَبْنِي الْأَمر فِيهِ على مَا يمِيل الطَّبْع إِلَيْهِ بل الْمصلحَة مُتَعَلقَة بِمَا حكم الله بِهِ فَيجب أَن يطْلب ذَلِك بِالدَّلِيلِ وعَلى أَنا نقلب هَذَا عَلَيْهِم فَنَقُول حمل النَّاس على قَول وَاحِد نفع لَهُم وَأصْلح فَإِنَّهُم يتوافرون على طلبه وتمييزه من غَيره فيتوفر أجرهم ويعظم ثوابهم فَيجب أَن يَجْعَل الْحق فِي وَاحِد

стр. 494

مَسْأَلَة ٣ لَا يجوز أَن يتكافأ دليلان فِي الْحَادِثَة بل لَا بُد أَن يكون لأَحَدهمَا مزية على الآخر وترجيح وَقَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم يجوز أَن يتكافأ دليلان فِي الْحَادِثَة فَيتَخَيَّر الْمُجْتَهد عِنْد ذَلِك فَيعْمل بِمَا شَاءَ لنا أَن الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أَن الْحق فِي قَول الْمُجْتَهدين فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل وَقد دللنا على ذَلِك وَإِذا ثَبت هَذَا لم يجز أَن تَتَكَافَأ فِيهِ الْأَدِلَّة كالعقليات وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الْحَادِثَة قد تَأْخُذ شبها من أصلين فَيكون شبهها بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا كشبهها بِالْآخرِ من غير أَن يكون لأحد الشبهين مزية فَدلَّ على جَوَاز ذَلِك قُلْنَا لَا نسلم بل لَا بُد من ضرب من التَّرْجِيح يقْتَرن بِأَحَدِهِمَا وَدَلِيل يدل على تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر فَلَا يَصح مَا ادعوهُ

стр. 495

مَسْأَلَة ٤ تَخْرِيج الشَّافِعِي ﵁ الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ جَائِز وَذهب من لَا يعْتد بِخِلَافِهِ أَن ذَلِك لَا يجوز وَرُبمَا قَالُوا إِن ذَلِك لَا يجوز من جِهَة أَنه لَا يجوز أَن يعْتَقد الْمُجْتَهد فِي الْحَادِثَة قَوْلَيْنِ متضادين وَلَا سِيمَا على قَوْله إِن الْحق من قَول الْمُجْتَهدين فِي وَاحِد وَمَا عداهُ بَاطِل وَرُبمَا قَالُوا إِن تَخْرِيج الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ يدل على نُقْصَان الْآلَة وَقلة الْعلم حَتَّى لم يعلم الْحق من الْقَوْلَيْنِ وَيحْتَاج أَن يخرج الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وَهَذَا خطأ

стр. 496

لِأَن مَا ذكر عَن الشَّافِعِي ﵀ فِيهِ قَولَانِ على وُجُوه لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا مَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ اعْتِرَاض فَمِنْهَا أَن يذكر قولا فِي الْقَدِيم ثمَّ يذكر قولا آخر فِي الْجَدِيد فَيكون مذْهبه الثَّانِي مِنْهُمَا وَالْأول مرجوع عَنهُ وَيكون الْقَوْلَانِ لَهُ ﵀ كالروايتين عَن الْإِمَامَيْنِ أبي حنيفَة وَمَالك وَسَائِر الْفُقَهَاء ﵏ وَمِنْهَا أَن يذكر قَوْلَيْنِ ثمَّ يدل على تَصْحِيح مذْهبه مِنْهُمَا بِأَن يَقُول هَذَا أشبه بِالْحَقِّ وَأقرب إِلَى الصَّوَاب أَو يفْسد الآخر وَيَقُول هُوَ مَدْخُول فِيهِ أَو منكسر فيبين أَن مذْهبه هُوَ الآخر أَو يفرع على أَحدهمَا وَيتْرك الآخر فَيعلم أَنه هُوَ الْمَذْهَب فَمَا كَانَ مِنْهُ على هَذَا الْوُجُوه لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لم يجمع بَين الْقَوْلَيْنِ فِي الِاخْتِيَار فينسب إِلَى أَنه اعْتقد قَوْلَيْنِ متضادين فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وَلَا توقف عَن الْقطع بِأَحَدِهِمَا فَيُقَال إِنَّه قصر عَن إِدْرَاك الْحق فَإِن قيل إِذا كَانَ مذْهبه أحد الْقَوْلَيْنِ على مَا ذكرْتُمْ فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكر الْقَوْلَيْنِ قُلْنَا إِنَّمَا ذكر ذَلِك ليعلم أَصْحَابه طرق الْعِلَل واستخراجها والتمييز بَين الصَّحِيح من الْفَاسِد من الْأَقَاوِيل وَهَذِه فَائِدَة كَبِيرَة وغرض صَحِيح وَقد يكون من ذَلِك مَا ينص فِيهِ على قَوْلَيْنِ وَلَا يبين مذْهبه مِنْهُمَا قَالَ القَاضِي أَبُو حَامِد وَلَا نَعْرِف لَهُ مَا هَذَا سَبيله إِلَّا فِي سِتّ عشرَة مَسْأَلَة أَو سبع عشرَة مَسْأَلَة فَهَذَا أَيْضا لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لم يذكرهما على أَنه مُعْتَقد لَهما وَكَيف يُقَال هَذَا وهما

стр. 497

قَولَانِ منصوصان وَإِنَّمَا ذكرهمَا لِأَن الْحَادِثَة تحْتَمل عِنْده هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَلم يرجح بعد إِحْدَاهمَا على الآخر فذكرهما ليطلب مِنْهُمَا الصَّوَاب فأدركه الْمَوْت قبل الْبَيَان وَلَيْسَ فِي ذَلِك نقض على الْمُجْتَهد بل يدلك ذَلِك على غزارة علمه وَكَمَال فَضله حِين تزاحمت عِنْده الْأُصُول وترادفت الشّبَه حَتَّى احْتَاجَ إِلَى التَّوْقِيف إِلَى أَن ينْكَشف لَهُ وَجه الصَّوَاب مِنْهُمَا فَيحكم بِهِ فَإِن قيل إِذا لم يبن لَهُ الْحق من الْقَوْلَيْنِ وَلم يكن مذْهبه الْقَوْلَيْنِ فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكر الْقَوْلَيْنِ قُلْنَا فَائِدَته أَن الْحق فِي وَاحِد من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ غير خَارج مِنْهُمَا وَأَن مَا عداهما من الْأَقَاوِيل بَاطِل وَفِي ذَلِك فَائِدَة كَثِيرَة وغرض صَحِيح وَلِهَذَا جعل أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁ الْأَمر شُورَى فِي سِتَّة وَلم ينص على وَاحِد بِعَيْنِه ليبين أَن الْإِمَامَة لَا تخرج مِنْهُم وَلَا تطلب من غَيرهم فَكَذَلِك هَاهُنَا

стр. 498

مَسْأَلَة ٥ إِذا ذكر فِي الْقَدِيم قولا ثمَّ ذكر فِي الْجَدِيد غَيره فمذهبه هُوَ الثَّانِي وَالْأول مرجوع عَنهُ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يكون رُجُوعا عَن الأول مَا لم يُصَرح بِالرُّجُوعِ لنا أَنَّهُمَا قَولَانِ متضادان فَالثَّانِي مِنْهُمَا ترك الأول كَمَا تَقول فِي النصين المتضادين عَن النَّبِي ﷺ وَلِأَنَّهُ إِذا أفتى فِي الْقَدِيم بإحلال شَيْء ثمَّ أفتى فِي الْجَدِيد بِتَحْرِيمِهِ فقد أفتى بِبُطْلَان الأول فَلَا يجوز أَن يكون ذَلِك قولا لَهُ كَمَا لَو صرح بِالرُّجُوعِ عَنهُ وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ يجوز أَن يجمع بَين الْقَوْلَيْنِ فِي حَالَة وَاحِدَة ويكونا قَوْلَيْنِ لَهُ فَكَذَلِك يجوز أَن يذكر الْقَوْلَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ وَيكون ذَلِك قَوْلَيْنِ لَهُ قُلْنَا إِذا ذكر فِي مَوضِع وَاحِد قَوْلَيْنِ لم يُمكن أَن يَجْعَل أَحدهمَا رُجُوعا عَن الآخر فَيحمل ذَلِك على أَنه ذكرهمَا لينْظر بهما وَفِي مَسْأَلَتنَا ذكر أَحدهمَا بعد الآخر فَجعل الثَّانِي رُجُوعا عَن الأول يدل عَلَيْهِ أَن صَاحب الشَّرْع لَو ذكر قَوْلَيْنِ متضادين فِي وَقت وَاحِد لم يَجْعَل أَحدهمَا نَاسِخا للْآخر بل يجمع بَينهمَا ويرتب أَحدهمَا على الآخر وَلَو أَنه ذكر ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين جعل الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ كَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا

стр. 499

مَسْأَلَة ٦ إِذا نَص الشَّافِعِي ﵀ فِي مَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ ثمَّ أعَاد الْمَسْأَلَة وَذكر فِيهَا أحد الْقَوْلَيْنِ أَو فرع على أحد الْقَوْلَيْنِ كَانَ ذَلِك اخْتِيَارا لِلْقَوْلِ الْمعَاد وَالْقَوْل المفرع عَلَيْهِ فِي قَول الْمُزنِيّ ﵀ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على الِاخْتِيَار لنا أَن الظَّاهِر أَن مذْهبه هُوَ الَّذِي أَعَادَهُ أَو فرع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُقيما على الْقَوْلَيْنِ لأعادهما وَفرع عَلَيْهِمَا وَلما أفرد أَحدهمَا بِالْإِعَادَةِ والتفريع دلّ على أَنه هُوَ الَّذِي يذهب إِلَيْهِ ويختاره من الْقَوْلَيْنِ وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ يجوز أَن لَا يُعِيد أحد الْقَوْلَيْنِ اكْتِفَاء بِمَا عرف لَهُ من الْقَوْلَيْنِ وَيجوز أَن يفرع على أَحدهمَا على معنى أَن هَذَا القَوْل أوضح فَلَا يكون ذَلِك اخْتِيَارا لَهُ قطعا قُلْنَا يحْتَمل مَا ذَكرُوهُ وَلَكِن الظَّاهِر مَا قُلْنَاهُ وَلِأَن الْإِنْسَان لَا يُفْتِي إِلَّا بِمَا ذهب إِلَيْهِ وَلَا يفرع إِلَّا على مذْهبه

стр. 500

مَسْأَلَة ٧ إِذا نَص ﵀ فِي مَسْأَلَة على حكم وَنَصّ فِي غَيرهَا على حكم آخر وَأمكن الْفَصْل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ لم ينْقل جَوَاب إِحْدَاهمَا إِلَى الْأُخْرَى بل تحمل كل وَاحِدَة مِنْهُمَا على ظَاهرهَا وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ ينْقل جَوَاب كل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَيخرج الْمَسْأَلَتَيْنِ على قَوْلَيْنِ لنا أَن القَوْل إِنَّمَا يجوز أَن يُضَاف إِلَى الْإِنْسَان إِذا قَالَه أَو دلّ عَلَيْهِ بِمَا يجْرِي مجْرى القَوْل فَأَما مَا لم يقلهُ وَلم يدل عَلَيْهِ فَلَا يحل أَن ينْسب إِلَيْهِ وَلِأَن الظَّاهِر أَن مذْهبه فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ خلاف مذْهبه فِي الْأُخْرَى لِأَنَّهُ نَص فيهمَا على الْمُخَالفَة فَلَا يجوز الْجمع بَين مَا خَالف وَاحْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ لما نَص فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ على قَول وَفِي نظائرها على غَيره وَجب أَن تحمل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى أَلا ترى أَن الله تَعَالَى لما نَص فِي كَفَّارَة الْقَتْل على الْإِيمَان وَأطلق فِي كَفَّارَة الظِّهَار قسنا إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى واعتبرنا الْإِيمَان فيهمَا كَذَلِك هَاهُنَا قُلْنَا نَص على الْإِيمَان فِي إِحْدَى الكفارتين وَأطلق فِي الْأُخْرَى فقسنا مَا أطلق على مَا قيد وَفِي مَسْأَلَتنَا صرح فِي كل وَاحِدَة من الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخِلَاف الْأُخْرَى فَلَا يجوز حمل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى كَمَا تَقول فِي صِيَام الظِّهَار والتمتع لما نَص على التَّتَابُع فِي إِحْدَاهمَا وعَلى التَّفْرِيق فِي الْأُخْرَى لم يَجْعَل حمل إِحْدَاهمَا على الآخر

стр. 501

مَسْأَلَة ٨ لَا يجوز أَن ينْسب إِلَى الشَّافِعِي ﵁ مَا يخرج على قَوْله فَيجْعَل قولا لَهُ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يجوز لنا هُوَ أَن قَول الْإِنْسَان مَا نَص عَلَيْهِ أَو دلّ عَلَيْهِ بِمَا يجْرِي مجْرى النَّص وَمَا لم يقلهُ وَلم يدل عَلَيْهِ فَلَا يحل أَن يُضَاف إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ وَلَا ينْسب إِلَى سَاكِت قَول وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن مَا اقْتَضَاهُ قِيَاس قَوْله جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ كَمَا ينْسب إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله مَا دلّ عَلَيْهِ قِيَاس قَوْلهمَا قُلْنَا مَا دلّ عَلَيْهِ الْقيَاس فِي الشَّرْع لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه قَول الله وَلَا قَول رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا يُقَال إِن هَذَا دين الله وَدين رَسُوله ﵇ بِمَعْنى أَنَّهُمَا دلا عَلَيْهِ وَمثل هَذِه الْإِضَافَة لَا تصح فِي قَول إِلَى الشَّافِعِي فَسقط مَا قَالُوهُ قَالُوا لَا خلاف أَنه لَو قَالَ فِيمَن بَاعَ شِقْصا مشَاعا من دَار أَن للشَّفِيع فِيهِ الشُّفْعَة كَانَ ذَلِك قَوْله فِي الأَرْض والبستان والحانوت وَإِن لم يذكرهما فَكَذَلِك هَاهُنَا قُلْنَا إِنَّمَا جعلنَا قَوْله فِي الدَّار قَوْله فِي سَائِر مَا ذكرْتُمْ من الْعقار لِأَن طَرِيق الْجمع مُتَسَاوِيَة وَالْفرق بَين الدَّار وَغَيرهَا لَا يُمكن فَجَوَابه فِي بَعْضهَا جَوَابه فِي الْجَمِيع وكلامنا فِي مَسْأَلَتَيْنِ يُمكن الْفرق بَينهمَا فَأجَاب فِي إِحْدَاهمَا بِجَوَاب فَلَا يجوز أَن يَجْعَل ذَلِك قَوْله فِي الْأُخْرَى

стр. 502

مَسْأَلَة ٩ إِذا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي مَسْأَلَة بقول ثمَّ قَالَ وَلَو قَالَ قَائِل بِكَذَا كَانَ مذهبا لم يجز أَن يَجْعَل ذَلِك قولا لَهُ وَمن أَصْحَابنَا من جعل ذَلِك قولا لَهُ لنا أَن قَوْله وَلَو قَالَ قَائِل بكذلك كَانَ مذهبا لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَنه مذْهبه وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن بَيَان احْتِمَال الْمَسْأَلَة لما فِيهَا من وُجُوه الِاجْتِهَاد فَلَا يجوز أَن يَجْعَل لَهُ هَذَا القَوْل قولا وَاحْتَجُّوا بِأَن قَوْله وَلَو قَالَ قَائِل بِكَذَا كَانَ مذهبا ظَاهر أَنه يحْتَمل هَذَا القَوْل وَيحْتَمل مَا ذَكرُوهُ فَصَارَ كَمَا لَو قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة تحْتَمل قَوْلَيْنِ وَالْجَوَاب أَن أَكثر مَا فِيهِ أَنه دلّ على ذَلِك فَيحْتَمل فِي الِاجْتِهَاد وَهَذَا لَا يدل على أَنه مَذْهَب لَهُ أَلا ترى أَنا نقُول أبدا فِي مسَائِل الْخلاف هَذِه مَسْأَلَة يسوغ فِيهَا الِاجْتِهَاد ثمَّ لَا يَقْتَضِي ذَلِك أَن تكون تِلْكَ الْمَذْهَب أقوالا لَهُ

стр. 503

مَسْأَلَة ١٠ يجوز الِاجْتِهَاد بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز وَقَول قَول بَين الْمُتَكَلِّمين وَمن النَّاس من قَالَ يجوز بِالْإِذْنِ وَلَا يجوز لغير الْإِذْن لنا أَن النَّبِي ﷺ أَمر سعد بن معَاذ أَن يحكم فِي بني قُرَيْظَة بِاجْتِهَادِهِ وَهُوَ حَاضر وَرُوِيَ أَنه أَمر عَمْرو بن الْعَاصِ أَن يحكم بَين نفسين على أَنه من أصَاب فَلهُ عشر حَسَنَات فَقَالَ يَا رَسُول الله أجتهد وَأَنت حَاضر فَقَالَ نعم فَدلَّ على جَوَاز ذَلِك وَلِأَن مَا جَازَ الحكم فِيهِ فِي غيبَة رَسُول الله ﷺ جَازَ الحكم بِهِ فِي حَضرته كالكتاب وَالسّنة

стр. 504

وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ الِاجْتِهَاد فِي غيبَة رَسُول الله ﷺ وخطؤه لَا يسْتَدرك فبحضرته أولى لِأَنَّهُ إِذا أَخطَأ استدرك خطأه فيحضر وينبه عَلَيْهِ احْتَجُّوا بِأَن الحكم بِالِاجْتِهَادِ يعلم بغالب الظَّن فَلَا يجوز مَعَ إِمْكَان الرُّجُوع إِلَى الْعلم وَالْقطع وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يحكم الْحَاكِم بِغَلَبَة الظَّن وَإِن أمكن الرُّجُوع إِلَى الْعلم أَلا ترى أَنه يجوز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَإِن أمكنه الرُّجُوع إِلَى خبر جمَاعَة يَقع الْعلم بخبرهم فَكَذَلِك يجوز أَن يحكم بِمَا بلغه عَن رَسُول الله ﷺ قَدِيما وَإِن أمكنه الرُّجُوع إِلَى قَوْله فَيقطع بِصِحَّتِهِ وعَلى أَن الحكم بِحَضْرَتِهِ بِالِاجْتِهَادِ حكم بِالْعلمِ لِأَنَّهُ إِن أَخطَأ مَنعه فَيجب أَن يجوز ذَلِك

стр. 505

مَسْأَلَة ١١ كَانَ للنَّبِي ﷺ أَن يجْتَهد فِي الْحَوَادِث وَيحكم فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ مَا كَانَ لَهُ ذَلِك وَبِه قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة لنا قَوْله ﴿لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله﴾ وَلم يفرق بَين مَا أرَاهُ بِالنَّصِّ أَو بِالِاجْتِهَادِ وَلِأَن دَاوُد وَسليمَان ﵉ حكما باجتهادهما وَلم يُنكر الله عَلَيْهِمَا فَدلَّ على جَوَازه وَلِأَن الْقيَاس دَلِيل عَن الله فِي الْأَحْكَام فَجَاز لرَسُوله ﷺ أَن يَسْتَفِيد الحكم من جِهَته كالكتاب

стр. 506

وَلِأَن الْقيَاس استنباط معنى الأَصْل ورد الْفَرْع إِلَيْهِ وَالنَّبِيّ ﵇ أعلم بذلك من غَيره فَهُوَ أولى وَلِأَن النَّبِي ﷺ إِذا قَرَأَ الْآيَة وَعرف مِنْهَا الحكم وَعلة الحكم لم يخل أما إِنَّه يعْتَقد مَا تَقْتَضِيه الْعلَّة أَو لَا يعْتَقد ذَلِك فَإِن اعْتقد ذَلِك فَهُوَ عمل بِالِاجْتِهَادِ وَصَارَ إِلَى مَا قُلْنَاهُ وَإِن لم يعْتَقد صَار مخطئا وَذَلِكَ منفي عَنهُ وَلِأَن الِاجْتِهَاد مَوضِع لرفع الْمنَازل وَالزِّيَادَة فِي الدَّرَجَات وأحق النَّاس بذلك رَسُول الله ﷺ فَوَجَبَ أَن يكون لَهُ مدْخل فِيهِ وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فَدلَّ على أَنه لَا يحكم إِلَّا عَن وَحي وَالْجَوَاب أَن الحكم بِالِاجْتِهَادِ حكم عَن وَحي وَلَيْسَ عَن الْهوى لِأَن الْهوى مَا تهواه النَّفس وتشتهيه من غير دَلِيل فقد قُلْنَا بِمُوجب الْآيَة قَالُوا الِاجْتِهَاد طَرِيقه الظَّن وَهُوَ قَادر على إِظْهَار الحكم على جِهَة الْعلم وَالْوَحي فَلَا يجوز أَن يصير إِلَى الظَّن وَلِهَذَا لَا يجوز فِي طلب الْقبْلَة لمن عاينها حَيْثُ قدر على الْإِدْرَاك من جِهَة الْعلم قُلْنَا إِنَّمَا يحكم عِنْد انْقِطَاع الْوَحْي وَالْوَحي مُتَعَذر فِي حَالَة الحكم فَيجب أَن يجوز لَهُ الِاجْتِهَاد وعَلى أَن اجْتِهَاده ﵇ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ لِأَنَّهُ مَعْصُوم من الْخَطَأ فِي الْأَحْكَام فَلَا يكون حكمه بِالِاجْتِهَادِ غَلَبَة ظن بل هُوَ حكم عَن علم وَقطع قَالُوا وَلِأَن من خَالف رَسُول الله ﷺ فِي حكمه صَار كَافِرًا فَلَو جَوَّزنَا لَهُ أَن يحكم بِالِاجْتِهَادِ لم يُمكن تَكْفِير من خَالفه فِيهِ لِأَن الِاجْتِهَاد طَرِيقه الظَّن فَلَا يجوز أَن يكفر من خَالفه فِيهِ وَلِهَذَا لما نزل بِاجْتِهَادِهِ فِي بعض الْمنَازل خَالفه بعض

стр. 507

أَصْحَابه فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَرَحل عَنهُ وَقد أَجمعت الْأمة على تَكْفِير من خَالفه فِي الحكم فَدلَّ على أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يحكم من طَرِيق الِاجْتِهَاد الْجَواب أَنا نكفر من خَالفه فِي الْأَحْكَام وَقَوْلهمْ إِنَّه لَا يُمكن تكفيره فِيمَا طَرِيقه الظَّن غير صَحِيح لِأَن مَا يحكم بِهِ النَّبِي ﷺ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَإِن كَانَ عَن اجْتِهَاده لِأَنَّهُ مَعْصُوم فِيهِ عَن الْخَطَأ محروس عَن الزلل وَيُخَالف هَذَا مَا ذَكرُوهُ فِي أَمر الْمنزل لِأَن ذَلِك من أُمُور الدُّنْيَا وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أَنْتُم أعرف بِأَمْر دنياكم وَأَنا أعرف بِأَمْر دينكُمْ قَالُوا وَلِأَن النَّبِي ﵇ كَانَ يسْأَل عَن أَشْيَاء فَيتَوَقَّف فِيهَا إِلَى أَن يرد الْوَحْي كالظهار وَاللّعان وَلَو جَازَ الِاجْتِهَاد لما توقف وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يجْتَهد فِيمَا لَهُ أصل من الْكتاب فَيحمل غَيره عَلَيْهِ من طَرِيق الِاجْتِهَاد وَأما فِيمَا لَا أصل لَهُ فَلَا سَبِيل إِلَى الِاجْتِهَاد وَأما الظِّهَار وَاللّعان فَلم يكن لَهما أصل فِي الْقُرْآن فيجتهد فِي حكمهمَا فَلذَلِك انْتظر النَّص وعَلى أَنه إِن كَانَ قد توقف فِيمَا ذَكرُوهُ فقد اجْتهد فِي مَوَاضِع أَلا ترى أَنه قضى فِي أُسَارَى بدر بِالْفِدَاءِ من جِهَة الِاجْتِهَاد وَقضى فِي بني قُرَيْظَة بِالِاجْتِهَادِ فَقتل من أنبت مِنْهُم واسترق من لم ينْبت فَلَيْسَ لَهُم أَن يتعلقوا بِمَا ذَكرُوهُ إِلَّا وَلنَا أَن نتعلق بِمَا ذَكرْنَاهُ قَالُوا وَلِأَن الِاجْتِهَاد رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره وَلِلنَّبِيِّ ﵇ أَن يُخَالف بَين المتفقين فِي الحكم وَيتْرك مُوجب الْقيَاس وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن للْقِيَاس فِي حَقه معنى وَالْجَوَاب أَن تَقْدِير هَذَا الدَّلِيل حجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يُخَالف بَين متفقين وَيحكم بِمَا خَالف الْقيَاس فَلِأَن يجوز لَهُ أَن يحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ الْقيَاس أولى على أَنا لَا نسلم هَذَا الأَصْل فَإِنَّهُ ﵇ لَا يجمع بَين مُخْتَلفين وَلَا يفرق بَين متفقين إِلَّا عَن نَص أَو معنى مستنبط من النَّص وَإِذا ثَبت هَذَا سقط مَا قَالُوهُ

стр. 508

مَسْأَلَة ١٢ يجوز الْخَطَأ على رَسُول الله ﷺ فِي اجْتِهَاده إِلَّا أَنه لَا يقْرَأ عَلَيْهِ بل يُنَبه عَلَيْهِ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ لنا قَوْله ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ قد أَخطَأ فِي الْأذن لَهُم وَأَيْضًا قَوْله فِي أهل بدر لما فاداهم ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَقَالَ ﵇ لَو نزل من السَّمَاء عَذَاب مَا نجا مِنْهُ إِلَّا ابْن الْخطاب فَدلَّ على أَنه كَانَ أَخطَأ بِالْفِدَاءِ ولأه يجوز عَلَيْهِم السَّهْو وَالنِّسْيَان فِي أَفعاله فَجَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ فِي اجْتِهَاده كآحاد الْأمة

стр. 509

وَاحْتَجُّوا بِأَن تَجْوِيز الْخَطَأ عَلَيْهِ يُوجب التَّوَقُّف فِي قَوْله وَالشَّكّ عِنْد سَمَاعه وَذَلِكَ فسق وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَالْجَوَاب أَن تَجْوِيز الْخَطَأ لَا يُوجب التَّوَقُّف فِي قَوْله أَلا ترى أَن الْمُفْتِي منا يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده ثمَّ لَا يجوز التَّوَقُّف فِي قَوْله وَلَا الشَّك عِنْد سَمَاعه وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول إِن تَجْوِيز الْخَطَأ عَلَيْهِ يُوجب التَّوَقُّف فِي قَوْله وَلَا الشَّك عِنْد سَمَاعه فَيجب أَن يكون منزها عَن الْخَطَأ فَكَذَلِك هَاهُنَا قَالُوا إِذا كَانَت الْأمة معصومة من الْخَطَأ فَلِأَن يكون رَسُول الله ﷺ مَعْصُوما مِنْهُ أولى قُلْنَا هَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ إِذا كَانَت الْأمة معصومة عَن الْخَطَأ وَجب أَن يكون النَّبِي ﵇ بذلك أولى وَمَا الَّذِي يدل على ذَلِك ثمَّ نقُول لَهُم مَا أنكرتم على من يَقُول إِن الْأمة إِنَّمَا عصمت لانْقِطَاع الْوَحْي عَنْهَا فَلَو جَوَّزنَا عَلَيْهَا الْخَطَأ فِي اجتهادها اسْتمرّ ذَلِك وَلم يكن للنَّاس من يبين لَهُم الْخَطَأ فيحكمون فِي دين الله بِغَيْر حكمه وَهَذَا لَا يجوز وَلَيْسَ كَذَلِك الرَّسُول ﵇ فَإِن الْوَحْي غير مُنْقَطع عَنهُ فَإِذا أَخطَأ فِي اجْتِهَاده عرف ذَلِك وَنبهَ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى أَن يحكم فِي دين الله تَعَالَى بِغَيْر حكمه فَافْتَرقَا

стр. 510

مَسْأَلَة اسْتِصْحَاب حكم الْإِجْمَاع فِي مَوضِع الْخلاف لَيْسَ بِدَلِيل وَقَالَ الْمُزنِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد والصيرفي هُوَ دَلِيل لنا أَن مَوضِع الْخلاف غير مَوضِع الْإِجْمَاع فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع من غير عِلّة كَمَا لَو وَقع الْخلاف فِي مَسْأَلَة لَا يجوز الِاحْتِجَاج فِيهَا بِالْإِجْمَاع فِي مَسْأَلَة أُخْرَى

стр. 511

وَلِأَن الْإِجْمَاع غير مَوْجُود فِي مَوضِع الْخلاف وَمَا كَانَ حجَّة لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الْموضع الَّذِي لَا يُوجد فِيهِ كألفاظ صَاحب الشَّرْع إِذا تناولت موضعا خَاصّا لم يجز الِاحْتِجَاج بهَا فِي الْموضع الَّذِي تتناوله فَكَذَلِك هَاهُنَا وَلِأَن المستصحب للْحَال لَيْسَ مَعَه فِي مَوضِع الْخلاف دَلِيل من جِهَة الْعقل وَلَا من جِهَة الشَّرْع وَلَا يجوز لَهُ إِثْبَات الحكم كَمَا لَو لم يتَقَدَّم مَوضِع الْخلاف إِجْمَاع وَلِأَن الِاحْتِجَاج لاستصحاب الْحَال يُؤَدِّي إِلَى التكافؤ والتعارض وَذَلِكَ أَن مَا من أحد يستصحب حَال الْإِجْمَاع فِي مَوضِع الْخلاف فِي صِحَة فعل وَسُقُوط فرض إِلَّا ولخصمه أَن يسصحب حَال الْإِجْمَاع فِي اشْتِغَال ذمَّته بِالشَّرْعِ وَبَقَاء الْعِبَادَة فيتساويان فِي اسْتِصْحَاب حَال الْإِجْمَاع فيتكافآن وَبَيَان ذَلِك أَنه من قَالَ فِي الْمُتَيَمم إِذا رأى المَاء فِي صلَاته إِن صلَاته لَا تبطل لأَنا أجمعنا على صِحَة صلَاته فِي انْعِقَاد إِحْرَامه وَلَا يجوز إبِْطَال مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل قيل قد أجمعنا على اشْتِغَال ذمَّته بِفَرْض الصَّلَاة فَلَا يجوز إِسْقَاط مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل وَلَا يكون التَّعَلُّق بِأحد الإجماعين بِأولى من التَّعَلُّق بِالْإِجْمَاع الآخر وَمَا أدّى إِلَى مثل هَذَا كَانَ بَاطِلا وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا﴾ فَدلَّ على أَن مَا ثَبت لَا يجوز نقضه وَالْجَوَاب أَن الْآيَة تَقْتَضِي الْمَنْع من نقض مَا هُوَ ثَابت وَمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فِي مَوضِع الْخلاف غير ثَابت فَلَا يدْخل فِي الْآيَة قَالُوا وَلِأَن الْإِجْمَاع يَقِين وَالْخلاف شكّ فَلَا يجوز أَن يزَال الْيَقِين بِالشَّكِّ أَلا ترى أَن من تَيَقّن الطَّهَارَة وَشك فِي الْحَدث لم يزل الْيَقِين بِالشَّكِّ وَلِهَذَا

стр. 512

قَالَ ﵇ إِن الشَّيْطَان ليَأْتِي أحدكُم يَنْفَسِخ بَين ألييه فَلَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا فَأمر بِالْبَقَاءِ على الأَصْل وَالْبناء على الْيَقِين فَكَذَلِك هَاهُنَا الْجَواب أَنا لَا نسلم أَن الْيَقِين لَا يزَال بِالشَّكِّ غير أَنه لَيْسَ مَعنا فِي مَوضِع الْخلاف يَقِين قد زَالَ بِوُقُوع الْخلاف وَيُخَالف هَذَا مَا ذَكرُوهُ من يَقِين الطَّهَارَة فَإنَّا قد تَيَقنا الطَّهَارَة وَلم نتيقن زَوَالهَا وَالظَّاهِر بقاءها وَلَيْسَ كَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا لِأَن مَا تيقناه من الْإِجْمَاع قد تَيَقنا زَوَاله فوزانه مِمَّا قَالُوهُ أَن نتيقن زَوَال الطَّهَارَة بِالْحَدَثِ فَلَا يستصحب حكم الطَّهَارَة قَالُوا وَلِأَن مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ من الحكم لَا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط وَالْخلاف يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط فَلَا يجوز ترك مَا لَا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط بِمَا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط كَمَا نقُول فِي ترك الْإِجْمَاع بِالْقِيَاسِ قُلْنَا فَيجب على مُقْتَضى هَذَا الدَّلِيل أَن لَا يسْتَدلّ بِالْقِيَاسِ أصلا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي نقدمها فَيُقَال أَن مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لَا يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط فَلَا يجوز تَركه بِالْقِيَاسِ الَّذِي يجوز عَلَيْهِ الْغَلَط وَلما جَازَ هَذَا بِالْإِجْمَاع سقط مَا قَالُوهُ وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن الْإِجْمَاع لَا يتْرك بِالْقِيَاسِ لِأَن الْإِجْمَاع مَوْجُود وَالْقِيَاس دونه فَلَا يجوز ترك أَعلَى الدَّلِيلَيْنِ بأدونهما وَلَيْسَ كَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا لِأَن الْإِجْمَاع قد زَالَ بِوُقُوع الْخلاف فَلم يجب الْبَقَاء على حكمه من غير دَلِيل قَالُوا وَلِأَن قَول المجمعين حجَّة فَوَجَبَ استصحابه فِي مَوضِع الْخلاف وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 513

وَالْجَوَاب أَن قَول رَسُول الله ﷺ مَوْجُود فِي مَوضِع الْخلاف متناول لَهُ فَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا لِأَن الْإِجْمَاع قد زَالَ فِي مَوضِع الْخلاف فوزانه من قَوْله ﵇ أَن يرد اللَّفْظ خَاصّا فِي مَوضِع وَلَا يجب استصحابه فِي الْموضع الَّذِي لَا يتَنَاوَلهُ قَالُوا وَلِأَن الْإِجْمَاع يصدر عَن لفظ وَإِن لم يظْهر ذك فالاستدلال بِهِ كالاستدلال بِاللَّفْظِ وَقد ثَبت أَن اللَّفْظ يجب الْعَمَل بِهِ فِي مَوضِع الْخلاف فَكَذَلِك الْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن الْإِجْمَاع قد يصدر عَن لفظ فَيجب الْبَقَاء على حكمه وَقد يصدر عَن معنى فَلَا يجب الْبَقَاء على حكمه وَلَيْسَ لَهُم أَن يحملوا ذَلِك على أحد الْأَمريْنِ إِلَّا وَلنَا أَن نحمله على الْأَمر الآخر وعَلى أَنه إِن كَانَ ذَلِك عَن لفظ فَيجوز أَن يكون ذَلِك عَن لفظ مَقْصُور على مَوضِع الْإِجْمَاع لَا يتعداه فَلَا يجوز إِثْبَات حكمه فِي مَوضِع الْخلاف بِالشَّكِّ قَالُوا وَلِأَن مَا ثَبت بِالْعقلِ من بَرَاءَة الذِّمَّة يجب استصحابه فِي مَوضِع الْخلاف فَكَذَلِك مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع قُلْنَا إِنَّمَا وَجب اسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة لِأَن دَلِيل الْعقل فِي بَرَاءَة الذمم قَائِم فِي مَوضِع الْخلاف فَوَجَبَ اسْتِصْحَاب حكمه وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَن الْإِجْمَاع الَّذِي أوجب الحكم قد زَالَ فِي مَوضِع الْخلاف فَوَجَبَ طلب الدَّلِيل على إِثْبَات حكمه

стр. 514

مَسْأَلَة النَّافِي للْحكم عَلَيْهِ الدَّلِيل وَمن النَّاس من قَالَ لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا لنا قَوْله ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾ فذمهم الله تَعَالَى بِأَن قطعُوا بِالنَّفْيِ من غير دَلِيل وَلِأَن الْقطع بِالنَّفْيِ لَا يكون إِلَّا عَن طَرِيق كَمَا أَن الْقطع فِي الْإِثْبَات لَا يكون إِلَّا عَن طَرِيق فَلَمَّا وَجب على الْمُثبت إِظْهَار مَا اقْتَضَاهُ الْإِثْبَات عِنْده وَجب على النَّافِي إِظْهَار مَا اقْتَضَاهُ النَّفْي عِنْده وَاحْتَجُّوا بِأَن من أنكر النُّبُوَّة لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجب الدَّلِيل على مدعي النُّبُوَّة وَكَذَلِكَ من أنكر الْحق لَا بَيِّنَة عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْبَيِّنَة على مدعي الْحق فَكَذَلِك هَاهُنَا يجب أَن يكون الدَّلِيل على من أثبت الْحق دون من نَفَاهُ

стр. 515

وَالْجَوَاب أَن من يُنكر النُّبُوَّة إِذا انْقَطع بِالنَّفْيِ وَقَالَ لست بِنَبِي فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ إِقَامَة الدّلَالَة على نَفْيه وَهُوَ أَن يَقُول لَو كنت نَبيا مَبْعُوثًا لَكَانَ مَعَك دَلِيل على صدقك لِأَن الله تَعَالَى لَا يبْعَث نَبيا إِلَّا وَمَعَهُ مَا يدل على صدقه فَلَمَّا لم أر مَعَك دَلِيلا دلّ على أَنَّك لست بِنَبِي وَإِن لم يقطع بِالنَّفْيِ بل قَالَ لَا أعلم أَنَّك نَبِي أَو لست بِنَبِي فَهَذَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يقطع بِالنَّفْيِ بل هُوَ شَاك والشاك لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَفِي مَسْأَلَتنَا قطع بِالنَّفْيِ فَلَا يجوز أَن يقطع بذلك إِلَّا عَن طَرِيق يَقْتَضِيهِ وَدَلِيل يُوجِبهُ فَوَجَبَ إِظْهَاره وَأما مُنكر الْحق فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ إِقَامَة الْبَيِّنَة على إِنْكَاره وَهُوَ الْيَمين فَلَا نسلم مَا ذَكرُوهُ وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه إِن كَانَ الْمُدعى عينا فاليد بَيِّنَة لَهُ وَإِن كَانَ دينا فبراءة الذِّمَّة بِالْعقلِ بَيِّنَة لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا لِأَن نَفْيه لم يقم على نَفْيه مَا يدل على صِحَّته فَلم يَصح نَفْيه قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو نفى صَلَاة سادسة لم يكن عَلَيْهِ دَلِيل فَكَذَلِك هَاهُنَا قُلْنَا لَا بُد فِي نَفيهَا من دَلِيل وَهُوَ أَن يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يتعبد الْخلق بِفَرْض إِلَّا وَيجْعَل إِلَى مَعْرفَته طَرِيقا من جِهَة الدَّلِيل فَلَمَّا لم نجد مَا يدل على الْوُجُوب دلنا ذَلِك على أَنه لَا وَاجِب هُنَاكَ فيستدل بِعَدَمِ الدَّلِيل على نفي الْوُجُوب

стр. 516

مَسْأَلَة الْأَعْيَان المنتفع بهَا قبل أَن يرد الشَّرْع على الْوَقْف فِي قَول كثير من أَصْحَابنَا فَلَا نقُول إِنَّهَا مُبَاحَة وَلَا محظورة وَهُوَ قَول الصَّيْرَفِي وَأبي عَليّ الطَّبَرِيّ وَمذهب الْأَشْعَرِيّ وَقَالَ أَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة هِيَ على الْحَظْر إِلَّا أَن يرد الشَّرْع

стр. 517

بإباحتها وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة البغداديين وَقَالَ القَاضِي أَبُو حَامِد هِيَ على الْإِبَاحَة وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة الْبَصرِيين لنا أَن الْمُبَاح مَا أذن فِيهِ صَاحب الشَّرْع والمحظور مَا حرمه صَاحب الشَّرْع فَإِذا لم يرد الشَّرْع وَجب أَن لَا يكون مُبَاحا وَلَا مَحْظُورًا فَوَجَبَ أَن يكون على الْوَقْف وَلِأَن هَذِه الْأَعْيَان ملك لله تَعَالَى لَهُ أَن يمْنَع من الِانْتِفَاع بهَا وَله أَن ينْسَخ الِانْتِفَاع بهَا وَله أَن يُوجب الِانْتِفَاع بهَا وَقبل أَن يرد الشَّرْع لَا مزية لأحد هَذِه الْوُجُود على الْبَاقِي فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِي الْجَمِيع وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعقل يُوجب حكما معينا فِي هَذِه الْأَعْيَان من تَحْلِيل أَو تَحْرِيم لما جَازَ وُرُود الشَّرْع فِيهَا بِخِلَاف ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يرد الشَّرْع بِخِلَاف مَا يُوجِبهُ الْعقل ويقتضيه وَلما جَازَ وُرُود الشَّرْع بالتحليل وَالتَّحْرِيم دلّ على أَن الْعقل لم يُوجب فِيهَا حكما معينا فَإِن قيل إِن كَانَ هَذَا دَلِيلا على إبِْطَال القَوْل بالحظر وَالْإِبَاحَة فَيجب أَن يكون دَلِيلا على إبِْطَال القَوْل بِالْوَقْفِ لِأَن الشَّرْع لَا يجوز أَن يرد بِخِلَاف مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل وَلما جَازَ عنْدكُمْ أَن يكون على الْوَقْف لم يرد الشَّرْع بالتحليل وَالتَّحْرِيم جَازَ أَن يكون على الْحَظْر وَيرد الشَّرْع فِيهِ بِالْإِبَاحَةِ أَو على الْإِبَاحَة وَيرد فِيهِ الشَّرْع بالحظر قُلْنَا لَيْسَ القَوْل بِالْوَقْفِ من القَوْل بالحظر وَالْإِبَاحَة بسبيل لِأَن من قَالَ

стр. 518

بالحظر أَو بِالْإِبَاحَةِ جعل ذَلِك حكما يُوجب بِالْعقلِ فيستحيل أَن يرد الشَّرْع بِمَا يُخَالِفهُ وَلَيْسَ كَذَلِك من قَالَ بِالْوَقْفِ بِعَدَمِ الدَّلِيل الْمُقْتَضِي للحظر أَو الْإِبَاحَة وَالْوَقْف بِعَدَمِ الدَّلِيل يجوز أَن يرد عَلَيْهِ مَا يزِيل الْوَقْف بالكشف عَن الدَّلِيل وَأَيْضًا إِن الشَّرْع ورد أَيْضا بِتَحْرِيم أَشْيَاء وَتَحْلِيل أَشْيَاء فَلَو كَانَ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء قبل وُرُود الشَّرْع الْحَظْر لما ورد الشَّرْع بِالْإِبَاحَةِ لِأَن الْحَظْر مَعْلُوم بِالْعقلِ فَلَو كَانَت الْأَشْيَاء فِي الأَصْل على الْإِبَاحَة لما ورد الِاتِّبَاع إِلَّا بالحظر لِأَن الْإِبَاحَة مَعْلُومَة بِالْعقلِ وَلما ورد الشَّرْع بالحظر مرّة وبالإباحة أُخْرَى دلّ على أَن الْعقل مَا أوجب حظرا وَلَا إِبَاحَة يدل على ذَلِك أَن من قَالَ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْحَظْر لَا ينْفَصل عَمَّن قَالَ إِن الأَصْل فِيهَا الْإِبَاحَة وَإِذا عَارض أحد الْقَوْلَيْنِ الآخر بَطل الْجمع وَصَحَّ القَوْل بِالْوَقْفِ وَاحْتج من قَالَ بالحظر أَن هَذِه الْأَعْيَان ملك الله تَعَالَى وَالِانْتِفَاع بِملك الْغَيْر لَا يجوز بِغَيْر إِذْنه كَمَا نقُول فِي أَمْلَاك الْآدَمِيّين وَالْجَوَاب أَن أَمْلَاك الْآدَمِيّين إِنَّمَا لم يجز الِانْتِفَاع بهَا بِالشَّرْعِ وكلامنا فِيمَا لم يرد الشَّرْع بِهِ فَتكون مَنْزِلَته من أَمْوَال الْآدَمِيّين قبل أَن يرد الشَّرْع فَنَقُول إِنَّهَا على الْوَقْف وَلِأَن أَمْلَاك الْآدَمِيّين حجَّة عَلَيْهِم فَإِن مَا لَا ضَرَر على الْمَالِك فِيهِ لَا يمْنَع من الِانْتِفَاع بِهِ كالاستظلال بظله والأنس بِصُحْبَتِهِ والمسير فِي ضوء سراجه فَيجب أَن لَا يحرم هَا هُنَا الِانْتِفَاع بِمَا هُوَ لله من الْأَعْيَان لِأَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي الِانْتِفَاع بهَا وَفِي هَذَا إبِْطَال قَوْلهم ثمَّ نقُول إِن كَانَ الِانْتِفَاع بِهَذِهِ الْأَعْيَان لَا يجوز لِأَنَّهَا لله تَعَالَى فَلَا يجوز الْإِقْدَام عَلَيْهَا من غير إِذن اعْتِبَارا بأملاك الْآدَمِيّين وَالنَّاس عبيد الله تَعَالَى فَيجب أَن لَا يمنعوا من الِانْتِفَاع بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لصلاح أبدانهم وأحوالهم اعْتِبَارا بعبيد الْآدَمِيّين حِين لم يمنعوا من الِانْتِفَاع بِمَال الموَالِي بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لصلاح أبدانهم

стр. 519

وأحوالهم فيلزمهم نقضيه وسبيلهم أَن لَا يحظروا الِانْتِفَاع بِهَذِهِ الْأَعْيَان وَفِي ذَلِك إبِْطَال لقَولهم وإفساد مَذْهَبهم قَالُوا ولأنا إِذا أقدمنا على الِانْتِفَاع بِهَذِهِ الْأَعْيَان لم نَأْمَن أَن يعاقبنا الله تَعَالَى على ذَلِك فَيجب أَن نتجنب ذَلِك خوفًا من الْعقُوبَة على فعله قُلْنَا نقلب هَذَا عَلَيْكُم فَنَقُول إِذا لم نقدم عَلَيْهِ لم نَأْمَن أَن يعاقبنا على تَركه فَإِن لَهُ أَن يُعَاقب على التّرْك كَمَا أَن لَهُ أَن يُعَاقب على الْفِعْل فَيجب أَن يقدم على الْفِعْل على أَن هَذَا لَو كَانَ طَرِيقا صَحِيحا فِي إِثْبَات الْحَظْر لوَجَبَ أَنِّي جعل ذَلِك دَلِيلا على إِيجَاب الصَّوْم وَالْحج وَسَائِر الْعِبَادَات قبل وُرُود الشَّرْع وَيُقَال إِنَّا لَا نَأْمَن من الْعقَاب على تَركهَا فَيجب أَن يكون ذَلِك وَاجِبا قبل الشَّرْع وَلما لم يَصح هَذَا بِالْإِجْمَاع لم يَصح مَا ذَكرُوهُ وَاحْتج من قَالَ بِالْإِبَاحَةِ بقوله ﴿قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق﴾ فَدلَّ على أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة وَالْجَوَاب أَنا نحمل ذَلِك على مَا ورد الشَّرْع بإباحته من الطَّيِّبَات بِدَلِيل مَا ذَكرْنَاهُ وعَلى أَنه يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام﴾ فَمنع الله تَعَالَى من الحكم فِي الشَّيْء بِأَنَّهُ حَلَال أَو حرَام فَدلَّ على أَنه مُتَوَقف على مَا يرد الشَّرْع قَالُوا الِانْتِفَاع بِملك الْغَيْر على وَجه لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِيهِ جَائِز كالمشي فِي ضوئه والاستظلال بظله وَهَذِه الْأَعْيَان لَا ضَرَر على الله فِي الِانْتِفَاع بهَا فَوَجَبَ أَن لَا يكون الِانْتِفَاع بهَا جَائِزا قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا طَرِيقا فِي إِبَاحَة الِانْتِفَاع بهَا قبل وُرُود الشَّرْع لوَجَبَ أَن يُقَال لَا يجوز وُرُود الشَّرْع بِتَحْرِيم الِانْتِفَاع بهَا لِأَن مَا لَا ضَرَر على الْمَالِك فِيهِ

стр. 520

لَا يجوز أَن يمْنَع من الِانْتِفَاع بِهِ كَمَا لَا يجوز للْوَاحِد منا أَن يُسَمِّي غَيره من الْمَشْي فِي ضوئه والاستظلال بظله وَلما أجمعنا على جَوَاز الْمَنْع من الِانْتِفَاع بهَا دلّ على بطلَان مَا ذَكرُوهُ وَاحْتَجُّوا بِأَن الْحَكِيم لَا يخلق شَيْئا إِلَّا لغَرَض وَوجه من الْحِكْمَة يَقْتَضِي خلقه وَقد خلق هَذِه الْأَعْيَان فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون خلقهَا ليضربها وَهَذَا لَا يَلِيق بالحكيم أَو لينْتَفع بهَا فَلَو يَخْلُو إِمَّا أَن يكون قصد نفع نَفسه وَهَذَا محَال لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَى شَيْء فَثَبت أَنه إِنَّمَا خلقهَا لينْتَفع بهَا النَّاس وَإِلَّا خرج عَن أَن يكون خلقهَا بحكمة وَصَارَ عَبَثا فتعالى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وعَلى هَذَا يدل قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ فَأخْبر أَنه خلق الْجَمِيع لنا فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ الْجَواب أَنهم بنوا ذَلِك على أصلهم فِي تَعْلِيل أَفعَال الله تَعَالَى وَنحن لَا نقُول بذلك ثمَّ هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يجوز تَحْرِيم الْخمر وَالْخِنْزِير وَيُقَال إِنَّه لَا يَخْلُو من أَن يكون خلقهما ليضربهما وَهَذَا لَا يجوز فِي الْحِكْمَة بهما أَو لينفع نَفسه وَهُوَ غير مُحْتَاج إِلَى شَيْء أَو لينفع بهما النَّاس فقد حرمهما عَلَيْهِم فَيجب أَن يكون عَبَثا وَلما بَطل هَذَا بعد التَّحْرِيم بِالشَّرْعِ بَطل قبل التَّحْرِيم بِالشَّرْعِ وعَلى أَنه يجوز أَن يكون خلقهما ليمتحنهم بالكف عَنْهَا ليثبتهم على ذَلِك أَو خلقهَا ليستدل بهَا على أَن لَهَا خَالِقًا أَو خلقهَا لقوم آخَرين يأْتونَ بعدهمْ أَو خلقهَا ليوصلهم إِلَى الِانْتِفَاع بهَا على صفة مَخْصُوصَة كَمَا خلق لَهُم الْجنَّة ليوصلهم إِلَيْهَا على صفة مَخْصُوصَة وَإِذا احْتمل هَذِه الْوُجُوه لم يجز أَن يحمل الْأَمر فِيهَا على الْإِبَاحَة وَلَا على الْحَظْر وَلَا على الْعَبَث وَأما الْآيَة فَنحْن نقُول بهَا لِأَنَّهُ خلق ذَلِك لنا وَلَكِن ليوصله إِلَيْنَا على الْوَجْه الَّذِي بَيناهُ فَسقط مَا قَالُوهُ قَالُوا وَلِأَن الْمُبَاح مَا لَا ثَوَاب فِي فعله وَلَا عِقَاب فِي تَركه

стр. 521

وعندكم أَن من فعل شَيْئا قبل وُرُود الشَّرْع لم يسْتَحق عَلَيْهِ ثَوابًا وَلَا عقَابا فَهَذَا اسْم لَهُ حكم الْإِبَاحَة وَالْجَوَاب أَن الْمُبَاح مَا أخبر صَاحب الشَّرْع بِأَنَّهُ لَا ثَوَاب فِيهِ وَلَا عِقَاب عَلَيْهِ وَهُوَ وَإِن قُلْنَا إِنَّه لَا ثَوَاب عَلَيْهِ فَإنَّا لَا نقُول إِنَّه مُبَاح لِأَن الشَّرْع لم يرد فِيهِ بالثواب وَالْعِقَاب وَهَذَا كَمَا نقُول فِي أَفعَال الْبَهِيمَة إِنَّه لَا ثَوَاب فها وَلَا عِقَاب ثمَّ لَا نقُول إِن ذَلِك مُبَاح وَلَا مَحْظُور حَيْثُ لم يرد الشَّرْع فِيهَا بالثواب وَالْعِقَاب فَكَذَلِك هَاهُنَا قَالُوا وَلِأَن القَوْل بِالْوَقْفِ يُؤَدِّي إِلَى ترك الْوَقْف وَذَلِكَ أَن القَوْل بِهِ لَا يَخْلُو من أَن يكون حَقًا يجب اعْتِقَاده وَالْقَوْل بِهِ أَو بَاطِلا فَلَا يجوز اعْتِقَاده فَإِن كَانَ حَقًا يجب اعْتِقَاده بَطل القَوْل بِالْوَقْفِ لِأَنَّهُ وَجب الِاعْتِقَاد وَإِن كَانَ بَاطِلا لم يجز القَوْل بِهِ قُلْنَا الْوَقْف هُوَ الْحق وَمَعْنَاهُ أَنه لَا عِقَاب على أحد فِيهَا بِفِعْلِهِ وَلَا ثَوَاب فِي شَيْء بِفِعْلِهِ وَلَا وجوب فِي شَيْء من الْأَشْيَاء حَتَّى يرد الشَّرْع بِهِ فِي الْوَقْف الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَيْسَ إِذا كَانَ ذَلِك هُوَ الْحق وَجب فِيهِ الِاعْتِقَاد إِذا لم يكن على صفة الْوُجُوب فَيجب أَن يُقيم الدَّلِيل على ذَلِك وَأَنه إِذا كَانَ حَقًا وَجب اعْتِقَاده وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُوجب الِاعْتِقَاد وعَلى أَنه يجوز أَن يكون الشَّيْء على صفة من الصِّفَات ثمَّ لَا يجب على الْإِنْسَان فِيهِ معرفَة وَلَا اعْتِقَاد أَلا ترى أَن كثيرا من الْمَخْلُوقَات لَهَا صِفَات هِيَ عَلَيْهَا فِي الْحَقِيقَة ثمَّ لَا يجب الْبَحْث عَنْهَا والكشف عَن حَقِيقَتهَا وصفتها ثمَّ لَا يُقَال إِنَّه لما لم تجب مَعْرفَتهَا على حَقِيقَتهَا وصفاتها لم تكن تِلْكَ الصِّفَات ثَابِتَة لَهَا فِي الْحَقِيقَة فَكَذَلِك هَاهُنَا وَالله أعلم