← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْأَقْتَابُ الْأَمْعَاءُ وَاحِدُهَا قِتْبٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّاءِ وَتَنْدَلِقُ أَيْ تَخْرُجُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جُنْدُبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيَحْرُقُ نَفْسَهُ» وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «مَثَلُ الْفَتِيلَةِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَزَّارُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُبْصِرُ أَحَدُكُمْ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ» . وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ لِبَعْضِهِمْ: عَجِبْت لِمَنْ يَبْكِي عَلَى مَوْتِ غَيْرِهِ ... دُمُوعًا وَلَا يَبْكِي عَلَى مَوْتِهِ دَمَا وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنْ يَرَى عَيْبَ غَيْرِهِ ... عَظِيمًا وَفِي عَيْنَيْهِ عَنْ عَيْبِهِ عَمَى وَأَنْشَدَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ فِي ابْنِ السَّمَّاكِ الْوَاعِظِ: يَا وَاعِظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْت مُتَّهَمًا ... إذْ عِبْت مِنْهُمْ أُمُورًا أَنْتَ آتِيهَا كَالْمُلْبِسِ الثَّوْبَ مِنْ عُرْيٍ وَعَوْرَتُهُ ... لِلنَّاسِ بَادِيَةٌ مِنْ أَنْ يُوَارِيَهَا وَأَعْظَمُ الْإِثْمِ بَعْدَ الشِّرْكِ تَعْلَمُهُ ... فِي كُلِّ نَفْسٍ عَمَاهَا عَنْ مُسَاوِيهَا عِرْفَانُهَا بِعُيُوبِ النَّاسِ تُبْصِرُهَا ... مِنْهُمْ وَلَا تُبْصِرُ الْعَيْبَ الَّذِي فِيهَا وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ يُنْشِدُ فِي مَجْلِسِهِ: مَوَاعِظُ الْوَاعِظِ لَنْ تُقْبَلَا ... حَتَّى تَعِيَهَا نَفْسُهُ أَوَّلَا يَا قَوْمِ مَنْ أَظْلَمُ مِنْ وَاعِظٍ ... خَالَفَ مَا قَدْ قَالَهُ فِي الْمَلَا أَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ إحْسَانَهُ ... وَبَارَزَ الرَّحْمَنَ لَمَّا خَلَا

стр. 212

وَأَنْشَدَ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ قَوْلَهُ: وَبَّخْت غَيْرَك بِالْعَمَى فَأَفَدْتَهُ ... بَصَرًا وَأَنْتَ مُحْسِنٌ لِعَمَاكَا وَفَتِيلَةُ الْمِصْبَاحِ تَحْرِقُ نَفْسَهَا ... وَتُضِيءُ لِلْأَعْشَى وَأَنْتَ كَذَاكَا وَذَكَرَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ السَّالِفَةِ: إذَا أَرَدْت أَنْ تَعِظَ النَّاسَ فَعِظْ نَفْسَك، فَإِنْ اتَّعَظَتْ وَإِلَّا فَاسْتَحِ مِنِّي، ثُمَّ أَنْشَدَ: وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْشَدَ أَيْضًا: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُقَوِّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّقْوِيمُ فَابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالْقَوْلِ مِنْك وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ وَلَمَّا جَلَسَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الْوَاعِظُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الصَّالِحَاتِ فَأَنْشَدَتْهُ: يَا وَاعِظًا قَامَ لِاحْتِسَابِ ... يَزْجُرُ قَوْمَهُ عَنْ الذُّنُوبِ تَنْهَى وَأَنْتَ الْمُرِيبُ حَقًّا ... هَذَا سَنُّ الْمُنْكَرِ الْعَجِيبِ لَوْ كُنْت أَصْلَحْت قَبْلَ هَذَا ... عَيْبَك أَوْ تُبْت مِنْ قَرِيبِ كَانَ لِمَا قُلْت يَا حَبِيبِي ... مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنْ الْقُلُوبِ تَنْهَى عَنْ الْغَيِّ وَالتَّمَادِي ... وَأَنْتَ فِي النَّهْيِ كَالْمُرِيبِ قَالَ فِي اللَّطَائِفِ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ إنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْضَحَك هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فَافْعَلْ وَإِلَّا فَابْدَأْ بِنَفْسِك، ثُمَّ تَلَا ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] . فَإِنْ قَلْت: هَذِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَوْ الْآثَارُ الصَّرِيحَةُ تُعَيِّنُ اعْتِبَارَ عَدَالَةِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ. وَنَحْنُ نَقُولُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَكُونَ تَقِيًّا عَدْلًا، وَلَكِنْ فَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ

стр. 213

الْمُنْكَرِ. وَلَوْ لَمْ يَعِظْ النَّاسَ إلَّا مَعْصُومٌ أَوْ مَحْفُوظٌ لَتَعَطَّلَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعَ كَوْنِهِ دِعَامَةَ الدِّينِ، وَقَدْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَعِظْ النَّاسَ مَنْ هُوَ مُذْنِبٌ ... فَمَنْ يَعِظُ الْعَاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مُرُوا النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَتَنَاهَوْا عَنْهُ كُلِّهِ» . وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إنَّ فُلَانًا لَا يَعِظُ وَيَقُولُ أَخَافُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ؟ وَدَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَوْ فَاسِقًا أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّ أَمْرٍ حَتَّى عَلَى جُلَسَائِهِ وَشُرَكَائِهِ فِي الْمَعْصِيَةِ وَعَلَى نَفْسِهِ فَيُنْكِرُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ النَّاسَ مُكَلَّفُونَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَسَنَذْكُرُ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . وَقَدْ ذَكَرْنَا عَدَمَ اعْتِبَارِ الْعِلْمِ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي، فَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَ) لَوْ كَانَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي ذَا (جَهْلٍ) ضِدُّ الْعِلْمِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ وَيُسَمَّى الْجَهْلَ الْبَسِيطَ، وَأَمَّا الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ فَهُوَ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ لِأَنَّهُ جَهْلُ الْمُدْرَكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ كَاعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ قِدَمَ الْعَالَمِ. وَلَوْ كَانَ ذَا جَهْلٌ بَسِيطٍ عَذَرْته ... وَلَكِنَّهُ يُدْلِي بِجَهْلٍ مُرَكَّبِ (وَ) الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (فِي سِوَى) أَيْ فِي غَيْرِ الْآمِرِ (الَّذِي قِيلَ) عَنْهُ إنَّهُ (فَرْضٌ) أَيْ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَظْرِ وَالْفِعْلِ آمِنًا وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (بِ) فَرْضِ (الْكِفَايَةِ) وَهُوَ مَا إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، فَالْمَقْصُودُ حُصُولُهُ قَصْدًا ذَاتِيًّا، وَقَصْدُ الْفَاعِلِ فِيهِ تَبَعٌ لَا ذَاتِيٌّ، فَفَرْضُ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى النَّاسِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ لَا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ، وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَتُهُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَإِذَا فَعَلَهُ الْجَمِيعُ مِنْهُمْ كَانَ فَرْضًا فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِعَدَمِ

стр. 214

مَا يَقْتَضِي تَمْيِيزَ بَعْضِهِمْ. وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ عَكْسُهُ لِكَوْنِهِ يَسْقُطُ بِهِ الطَّلَبُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ بِالْكِفَايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (فَاحْدُدْ) وَهُوَ فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ. وَالْحَدُّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْوَصْفُ الْمُحِيطُ بِمَوْصُوفِهِ الْمُمَيِّزِ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مُطَّرِدًا وَهُوَ الْمَانِعُ كُلَّمَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ مُنْعَكِسًا وَهُوَ الْجَامِعُ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ، وَقَدْ عُلِمَ بِمَا ذَكَرْنَا حَدُّ فَرْضِ الْكِفَايَةِ. فَتَحَقَّقَ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يَدُورَانِ بَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ. فَإِنْ عَلِمَ بِالْمَحْظُورِ وَعَلِمَ بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَقُمْ سِوَاهُ بِإِزَالَتِهِ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ فِي حَقِّهِ فَرْضُ عَيْنٍ. وَإِنْ عَلِمَ أَوْ أَمِنَ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَقُومُ بِهِ سِوَاهُ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ. وَظَاهِرُ نِظَامِهِ ﵀ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ. نَعَمْ إذَا كَانَ فِي حَالَةٍ لَا يَجِبُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِأَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا يَكُونُ فَضِيلَةً لَا وَاجِبًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَتِمَّةٌ) فِي أَحَادِيثَ وَرَدَتْ عَنْ خَيْرِ الْبَشَرِ، فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، غَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَرَّ، وَمَا سَيَأْتِي عَلَى الْأَثَرِ. أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ يَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ يَرَى أَمْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا مَنَعَك أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ خَشِيَتْ النَّاسَ، فَيَقُولُ فَإِيَّايَ كُنْت أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَك، ثُمَّ يَلْقَاهُ

стр. 215

مِنْ الْغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: ٧٩ - ٨٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] ثُمَّ قَالَ كَلًّا وَاَللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ لَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُرْسَلًا. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَمَعْنَى تَأْطُرُوهُمْ أَيْ تَعْطِفُوهُمْ وَتَقْهَرُوهُمْ وَتُلْزِمُوهُمْ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ. انْتَهَى وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَطْرُ عَطْفُ الشَّيْءِ. وَفِي مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ لِابْنِ قُرْقُولٍ: وَالْأَطْرُ الْعَطْفُ، وَيُقَالُ مِنْهُ أَطَرْت الشَّيْءَ آطِرُهُ أَطْرًا إذَا عَطَفْته. وَفِي الْحَدِيثِ «فَيَأْطُرُهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ» . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُ النَّسَائِيّ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ الْقَوْمَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ

стр. 216

«مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ» . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الرَّجُلَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ لَهُ مَالَك إلَيَّ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَك مَعْرِفَةٌ، فَيَقُولُ كُنْت تَرَانِي عَلَى الْخَطَأِ أَوْ عَلَى الْمُنْكَرِ وَلَا تَنْهَانِي» ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ. قَالَ ذَكَرَهُ رَزِينٌ وَلَمْ أَرَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. . وَبِالْعُلَمَا يَخْتَصُّ مَا اخْتَصَّ عِلْمُهُ ... بِهِمْ وَبِمَنْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ قَدْ (وَبِالْعُلَمَا) بِالْأَحْكَامِ، الْقَائِمِينَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. الْحَافِظِينَ شَرِيعَةَ خَيْرِ الْأَنَامِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، مِنْ مَنْدُوبٍ وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ، وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ. وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (يَخْتَصُّ) مِنْ عُمُومِ وُجُوبِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (مَا) أَيْ مُنْكَرٌ (اخْتَصَّ عِلْمُهُ) أَيْ عِلْمُ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ (بِهِمْ) أَيْ بِالْعُلَمَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ: وَمَا اخْتَصَّ عِلْمُهُ بِالْعُلَمَاءِ اخْتَصَّ إنْكَارُهُ بِهِمْ وَبِمَنْ يَأْمُرُونَهُ بِهِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْعَوَامِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ النَّاظِمِ ﵀ (وَ) يَخْتَصُّ إنْكَارُهُ أَيْضًا (بِمَنْ) أَيْ بِاَلَّذِي (يَسْتَنْصِرُونَ) أَيْ يَطْلُبُونَ النَّصْرَ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْمُسْتَنْصَرِ بِهِ عَلَى إزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، يُقَالُ نَصَرَهُ يَنْصُرُهُ نَصْرًا إذَا أَعَانَهُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَنَصَرَهُ مِنْهُ نَجَّاهُ وَخَلَّصَهُ، وَالنَّصِيرُ النَّاصِرُ. وَقَوْلُهُ (قَدْ) هِيَ اسْمٌ مُرَادِفٌ لِحَسْبِ تُسْتَعْمَلُ مَبْنِيَّةً غَالِبًا عَلَى السُّكُونِ وَتُسْتَعْمَلُ مُعْرَبَةً (قَدْ زِيدَ دِرْهَمٌ) بِالرَّفْعِ، وَفِي كَلَامِ النَّاظِمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ وَحُرِّكَتْ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ أَيْ يَخْتَصُّ إنْكَارُهُ بِالْعُلَمَاءِ أَوْ بِمَنْ يَأْمُرُونَهُ بِهِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْعَوَامِّ دُونَ غَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَمَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ الْحِسْبَةَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ وَلَهُ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ سَمَاعُهَا وَإِنْ دَعَا الْإِمَامُ أَعْنِي السُّلْطَانَ الْعَامَّةَ إلَى شَيْءٍ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ لَزِمَهُمْ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ أَفْتَوْا بِوُجُوبِهِ قَامُوا بِهِ، وَإِنْ

стр. 217

أَخْبَرُوا بِتَحْرِيمِهِ امْتَنَعُوا مِنْهُ، وَإِنْ قَالُوا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَالَ السُّلْطَانُ يَجِبُ لَزِمَهُمْ طَاعَتُهُ كَمَا يَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُعْتَقَدِهِ: وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ أَمْ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ وَلَا يَنْهَى، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَلَا يُشَدِّدَ عَلَيْهِمْ، وَرُوِيَ عَنْهُ ﵁ بِخِلَافِ ذَلِكَ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ فِي الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْقَوْمِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ: يَنْهَاهُمْ وَيَعِظُهُمْ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَنَهَاهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَأَخَذَ الشِّطْرَنْجَ فَرَمَى بِهِ، فَقَالَ قَدْ أَحْسَنَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ يَمُرُّ بِالْقَوْمِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ: يَقْلِبُهَا عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يُغَطُّوهَا وَيَسْتُرُوهَا. وَصَلَّى سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ يَوْمًا إلَى جَنْبِ رَجُلٍ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَقَالَ: يَا هَذَا، أَقِمْ صُلْبَك وَأَحْسِنْ صَلَاتَك، نَقَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ رِضْوَانَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ إبْطَالِ التَّحْلِيلِ: قَوْلُهُمْ وَمَسَائِلُ الْخِلَافِ لَا إنْكَارَ فِيهَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْإِنْكَارَ إمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْقَوْلِ بِالْحُكْمِ أَوْ الْعَمَلِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ يُخَالِفُ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا قَدِيمًا وَجَبَ إنْكَارُهُ وِفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُنْكِرُ بِمَعْنَى بَيَانِ ضَعْفِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَهُمْ عَامَّةُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ. وَأَمَّا الْعَمَلُ إذَا كَانَ عَلَى خِلَافِ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ وَجَبَ إنْكَارُهُ أَيْضًا بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الْإِنْكَارِ، كَمَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ سُنَّةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبِعَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهَا مَسَاغٌ فَلَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهَا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا، وَإِنَّمَا دَخَلَ هَذَا اللَّبْسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَائِلَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ هِيَ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ، كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ، قَالَ وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّ مَسَائِلَ الِاجْتِهَادِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وُجُوبًا ظَاهِرًا مِثْلَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِي جِنْسِهِ فَيَسُوغُ

стр. 218

إذَا عُدِمَ ذَلِكَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ الْمُقَارِبَةِ أَوْ لِخَفَاءِ الْأَدِلَّةِ فِيهَا، وَلَيْسَ فِي ذِكْرِ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً طَعْنٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَسَائِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ. وَقَدْ تَيَقَّنَّا صِحَّةَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهَا، مِثْلَ كَوْنِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَأَنَّ الْجِمَاعَ الْمُجَرَّدَ عَنْ إنْزَالٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَأَنَّ رِبَا الْفَضْلِ وَالْمُتْعَةِ حَرَامٌ. وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: يُعِيدُ مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ وَمَنْ لَمْ يُوَقِّتْ الْمَسْحَ نَصَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مُتَأَوِّلٍ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَالْآثَارِ فِيهِ، فَأَفْهَمَنَا ﵁ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَدَمُ الْإِنْكَارِ فِي مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا صَرِيحًا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ وَإِجْمَاعٍ قَدِيمٍ. وَأَمَّا مَتَى خَالَفَتْ ذَلِكَ سَاغَ الْإِنْكَارُ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ مَتَى تَعَارَضَ سُنَّتَانِ فَلَا يَخْلُو، فَإِمَّا أَنْ تُقَارِبَهَا فِي الصِّحَّةِ بِحَيْثُ يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهَا، وَتَصْلُحَ أَنْ تَكُونَ دَلِيلًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَا يَسُوغُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهَا وَإِلَّا سَاغَ الْإِنْكَارُ، فَلَاعِبُ الشِّطْرَنْجِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَتَارِكُ الطُّمَأْنِينَةِ، لِصِحَّةِ السُّنَّةِ فِي الثَّانِيَةِ وَكَثْرَتِهَا فِي الْأُولَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: فِيمَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا وَخَالَفَهُ بِلَا دَلِيلٍ (تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ الْكُبْرَى: مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرُ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ وَلَا عُذْرٍ. كَذَا ذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَلْزَمُ كُلَّ مُقَلِّدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَشْهَرِ وَلَا يُقَلِّدَ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَقِيلَ بَلَى، وَقِيلَ ضَرُورَةٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا ثُمَّ فَعَلَ خِلَافَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ، وَعَامِلًا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، فَاعِلًا لِلْمُحَرَّمِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَهَذَا مُنْكَرٌ، قَالَ وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ الشَّيْءَ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا ثُمَّ يَعْتَقِدَهُ غَيْرَ وَاجِبٍ وَلَا حَرَامٍ بِمُجَرَّدِ هَوَاهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِشُفْعَةِ الْجِوَارِ فَيَعْتَقِدَ أَنَّهَا حَقٌّ لَهُ ثُمَّ إذَا طُلِبَتْ مِنْهُ شُفْعَةُ الْجِوَارِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا

стр. 219

لَيْسَتْ ثَابِتَةً. أَوْ مِثْلُ مَنْ يَعْتَقِدُ إذَا كَانَ أَخًا مَعَ جَدٍّ أَنَّ الْإِخْوَةَ تُقَاسِمُ الْجَدَّ فَإِذَا صَارَ جَدًّا مَعَ أَخٍ اعْتَقَدَ أَنَّ الْجَدَّ لَا يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ. وَإِذَا كَانَ لَهُ عَدُوٌّ يَفْعَلُ بَعْضَ الْأُمُورِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ وَحُضُورِ السَّمَاعِ إنَّ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْجَرَ وَيُنْكَرَ عَلَيْهِ. فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَدِيقُهُ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَا تُنْكَرُ، فَمِثْلَ هَذَا مِمَّنْ يَكُونُ فِي اعْتِقَادِهِ حِلَّ الشَّيْءِ وَحُرْمَتُهُ، وَوُجُوبُهُ وَسُقُوطُهُ بِحَسَبِ هَوَاهُ مَذْمُومٌ مَجْرُوحٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَدَالَةِ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ لَهُ رُجْحَانُ قَوْلٍ عَلَى قَوْلٍ إمَّا بِالْأَدِلَّةِ الْمُفَصَّلَةِ إنْ كَانَ يَفْهَمُهَا وَيَعْلَمُهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَرَى أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ أَعْلَمَ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْآخَرِ وَهُوَ أَتْقَى لِلَّهِ فِيمَا يَقُولُهُ فَيَرْجِعَ عَنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ لِمِثْلِ هَذَا، فَهَذَا يَجُوزُ بَلْ يَجِبُ، وَفْد نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُفِعَتْ فَتْوَى لِلْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ وَالْقُدْوَةِ الْفَهَّامَةِ خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ وَوَاسِطَةِ عِقْدِ الْمُرَجَّحِينَ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمِرْدَاوِيِّ صَاحِبِ الْإِنْصَافِ ﵁ وَهِيَ: هَلْ لِلْحَاكِمِ الْحَنْبَلِيِّ أَنْ يَحْكُمَ فِي مَسْأَلَةٍ الْخِلَافُ فِيهَا مُطْلَقٌ بِالصِّحَّةِ تَارَةً عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَبِالْبُطْلَانِ أُخْرَى عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ؟ أَجَابَ ﵁: أَمَّا الْحُكْمُ بِالتَّشَهِّي فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بَلْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ قَالَ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ بِالتَّشَهِّي، وَهَذَا لَا يَسُوغُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ سَاغَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، ثُمَّ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي. وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالتَّشَهِّي فَزَنْدَقَةٌ، وَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ وَلَا تَوْلِيَتُهُ الْقَضَاءَ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وَبِمِثْلِهِ أَفْتَى الشَّبْشِينِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: فِي مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ: وَأَضْعَفُهُ بِالْقَلْبِ ثُمَّ لِسَانِهِ وَأَقْوَاهُ ... إنْكَارُ الْفَتَى الْجَلْدِ بِالْيَدِ (وَأَضْعَفُهُ) أَيْ أَضْعَفُ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ يَكُونُ (بِالْقَلْبِ) دُونَ اللِّسَانِ وَالْيَدِ فَإِنْ قِيلَ أَيُّ تَغْيِيرٍ حَصَلَ بِإِنْكَارِ الْقَلْبِ؟ فَالْجَوَابُ الْمُرَادُ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ

стр. 220

وَلَا يَرْضَاهُ، وَيَشْتَغِلَ بِذِكْرِ مَوْلَاهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَامِلِينَ بِذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِنْعَامًا، فَقَالَ ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] فَإِذَا كَرِهَ الْمُؤْمِنُ الْمُنْكَرَ وَنَوَى بِقَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِهِ لَغَيَّرَهُ كَانَ فِي قُوَّةِ تَغْيِيرِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إيجَابُ عَيْنِ كَرَاهَةِ مَا كَرِهَهُ مَوْلَاهُ وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ. وَقَدْ قَالَ ﵊ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (ثُمَّ) أَرْقَى مِنْ الْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ فَقَطْ الْإِنْكَارُ بِ (لِسَانِهِ) أَيْ أَنْ يُنْكِرَ الْمُنْكَرَ بِلِسَانِهِ بِأَنْ يَصِيحَ عَلَيْهِمْ فَيَتْرُكُونَهُ أَوْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُغَيِّرُهُ (وَأَقْوَاهُ) أَيْ أَقْوَى مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ (إنْكَارُ الْفَتَى) أَيْ الشَّخْصِ الْمُؤْمِنِ (الْجَلْدِ) بِسُكُونِ اللَّامِ أَيْ الْقَوِيِّ الشَّدِيدِ، وَيُقَالُ لَهُ جَلِيدٌ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «كَانَ أَجْوَفَ جَلِيدًا» أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا، فَهُوَ صِفَةٌ لِلْفَتَى (بِالْيَدِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِنْكَارِ الْفَتَى، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ قَبْلِي إلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يَقُولُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» . وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا «يُوشِكُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَهْلَكَ إلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، رَجُلٌ أَنْكَرَ بِيَدِهِ وَبِلِسَانِهِ وَبِقَلْبِهِ، فَإِنْ جَبُنَ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، فَإِنْ جَبُنَ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَبِقَلْبِهِ» . وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا «سَتَكُونُ بَعْدِي فِتَنٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ فِيهَا أَنْ يُغَيِّرَ بِيَدٍ وَلَا بِلِسَانٍ. قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ يُنْكِرُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ. قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يُنْقِصُ ذَلِكَ إيمَانَهُمْ شَيْئًا؟ قَالَ لَا إلَّا كَمَا يُنْقِصُ الْقَطْرُ مِنْ الصَّفَا»

стр. 221

وَخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا. فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَنَحْوُهَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ " إنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ نُكِسَ فَجَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ. وَسَمِعَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ رَجُلًا يَقُولُ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ. يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ. وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا عُمِلَتْ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: فَمَنْ شَهِدَ الْخَطِيئَةَ فَكَرِهَهَا بِقَلْبِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا إذَا عَجَزَ عَنْ إنْكَارِهَا بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا وَقَدَرَ عَلَى إنْكَارِهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا، لِأَنَّ الرِّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَفُوتُ بِهِ إنْكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ مَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ. فَأَفْهَمَنَا كَلَامُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي عَلَى مَا أَسْلَفْنَا بِأَنَّ مُرَادَهُمْ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّهُ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَأَحَبَّهَا فَكَأَنَّهُ حَضَرَهَا» وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ الْحَافِظُ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ حَالٍ. فَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ بِمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ

стр. 222

يَجِبُ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِ إنْكَارُ مَا يُغْضِبُ الْجَبَّارَ جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْت الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ. فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ رَجَوْتُك وَفَرَقْت النَّاسَ» . وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَيَقُولُ اللَّهُ مَا مَنَعَك أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا فَيَقُولَ خَشْيَةُ النَّاسِ فَيَقُولُ إيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى» . وَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إذَا عَلِمَهُ» وَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ قَدْ وَاَللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا. وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَزَادَ فِيهِ «فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يُقَالَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ» فَمَحْمُولَاتٌ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ الْإِنْكَارِ مُجَرَّدُ الْهَيْبَةِ دُونَ الْخَوْفِ الْمُسْقِطِ لِلْإِنْكَارِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: مُرَادُهُ ﷺ فِي قَوْلِهِ يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ» أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا الْإِنْكَارِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ حَتَّى يَفْعَلَهُ الْمُؤْمِنُ بَلْ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ آخِرُ حُدُودِ الْإِيمَانِ، لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُنْكِرْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ، وَلِهَذَا قَالَ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ فَعَلَ الْإِيمَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ. قَالَ وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ مَعَ بُلُوغِ الْخِطَابِ إلَيْهِمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵁: كَيْفَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَبِالْقَلْبِ وَهُوَ أَضْعَفُ. قُلْت: كَيْفَ بِالْيَدِ؟ قَالَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ. وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَرَّ عَلَى صِبْيَانِ الْكُتَّابِ يَقْتَتِلُونَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ لَيْسَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ. قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ بِلَا عُذْرٍ. زَادَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: بِلَا عُذْرٍ ظَاهِرٍ وَجَبَ الْإِنْكَارُ

стр. 223

عَلَيْهِ وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ الْمَطْلُوبَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ. وَلَا يُنْكِرُ سَيْفٌ إلَّا مَعَ سُلْطَانٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الضَّرْبُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ إشْهَارُ سِلَاحٍ أَوْ سَيْفٍ يَجُوزُ لِلْآحَادِ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَعْوَانٍ يُشْهِرُونَ السِّلَاحَ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ السُّلْطَانِ عَلَى الصَّحِيحِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْفِتَنِ وَهَيَجَانِ الْفَسَادِ وَالْمِحَنِ. . [تَنْبِيهَاتٌ مُهِمَّةٌ: فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ] (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ تَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَتَارَةً خَوْفَ الْعِقَابِ فِي تَرْكِهِ، وَتَارَةً الْغَضَبُ لِلَّهِ عَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، وَتَارَةً النَّصِيحَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ وَرَجَاءَ إنْقَاذِهِمْ مِمَّا أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ إجْلَالُ اللَّهِ وَإِعْظَامُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَأَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُفْتَدَى مِنْ انْتِهَاك مَحَارِمِهِ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَدِدْت أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَأَنَّ لَحْمِي قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ وَتَقَدَّمَ. فَمَنْ لَحَظَ هَذَا الْمَقَامَ، هَانَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْ الْآلَامِ، وَرُبَّمَا دَعَا لِمَنْ آذَاهُ، لِكَوْنِ ذَلِكَ فِي اللَّهِ، كَمَا «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» . . (الثَّانِي) : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ. وَفِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ وَفِعْلِ الْمَكْرُوهِ مَنْدُوبٌ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْإِرْشَادِ. وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْضًا كَمَا فِي الْآدَابِ: فَمِنْ الْقَبِيحِ مَا يَصْلُحُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، كَالرَّمْيِ بِالسِّهَامِ وَاِتِّخَاذِ الْحَمَامِ وَالْعِلَاجِ بِالسِّلَاحِ، لِأَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ الْحَرْبِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الْعَدُوِّ، وَلَيُرْسِلَ عَلَى الْحَمَامِ الْكُتُبَ وَالْمُهِمَّاتِ لِحَوَائِجِ السُّلْطَانِ وَالْمُسْلِمِينَ حَسَنٌ لَا يَجُوزُ إنْكَارُهُ. وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الِاجْتِمَاعَ عَلَى السُّخْفِ وَاللَّهْوِ وَمُعَاشَرَةِ ذَوِي الرِّيَبِ وَالْمَعَاصِي فَذَلِكَ قَبِيحٌ يَجِبُ إنْكَارُهُ.

стр. 224

وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَقِيلٍ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ عَنْ حَبْسِ الطَّيْرِ لِطِيبِ نَغْمَتِهَا، فَقَالَ طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ: سَفَهٌ وَبَطَرٌ يَكْفِينَا أَنْ نَقْدُمَ عَلَى ذَبْحِهَا لِلْأَكْلِ فَحَسْبُ، لِأَنَّ الْهَوَاتِفَ مِنْ الْحَمَامِ رُبَّمَا هَتَفَتْ نِيَاحَةً عَلَى الطَّيَرَانِ وَذِكْرِ فِرَاخِهَا، أَفَيَحْسُنُ بِعَاقِلٍ أَنْ يُعَذِّبَ حَيًّا لِيَتَرَنَّمَ فَيَلْتَذَّ بِنِيَاحَتِهِ، فَقَدْ مَنَعَ مِنْ هَذَا أَصْحَابُنَا وَسَمَّوْهُ سَفَهًا. انْتَهَى. وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ أَنَّ كَثْرَةَ تَرَنُّمِ الطُّيُورِ عَلَى تَذَكُّرِهَا إلْفَهَا مِنْ الْأَمَاكِنِ الشَّاسِعَةِ، وَالْأَغْذِيَةِ النَّاصِعَةِ، وَالْقَرِينِ الْمُصَافِي، وَالْمَاءِ الْعَذْبِ الصَّافِي، وَالْإِطْلَاقِ الرَّحِيبِ، وَمُخَالَطَةِ الْحَبِيبِ، مَعَ الْوَكْرِ الْمُشْتَهَى لَدَيْهَا، وَالْأَغْصَانِ وَالْعُكُوفِ عَلَيْهَا. وَيُعْجِبُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا حُبِسَ فِي قَلْعَةِ جِلِّقِ الْمَحْرُوسَةِ فَضَاقَ بِهِ الْخِنَاقُ، وَبَلَغَتْ مِنْهُ الرُّوحُ التَّرَاقِ، فَدَخَلَتْ إلَيَّ عِنْدَ الْمَحَابِيسِ، وَكَانَ فِي الْحَبْسِ اثْنَانِ مِنْ الدَّيْرَةِ فَقَالَ لِي الْأَعْرَابِيُّ يَا سَيِّدِي أَنَا أَقُولُ قَاتَلَ اللَّهُ حَابِسَ الطَّيْرِ فِي الْأَقْفَاصِ فَإِنَّهُ لِشَجْوِهِ وَغُرْمِهِ يَتَرَنَّمُ وَالْحَابِسُ لَهُ بِشَجْوِهِ وَعَذَابِهِ وَبِلْبَالِهِ يَتَنَعَّمُ، وَلَوْ عَرَفَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ اللَّهِيبِ النَّاشِئِ عَنْ فِرَاقِ الْإِلْفِ الْحَبِيبِ وَالْمَكَانِ الرَّحِيبِ، لَكَانَ إلَى اُلْبُكَا وَالْوَصَبِ، أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى التَّنَعُّمِ وَالطَّرَبِ، وَلَكِنْ هَانَ عَلَى الْخَلِيِّ، مَا يَلْقَى الْمَلِيُّ. فَقُلْت لَهُ وَمِنْ أَيْنَ عَرَفْت أَنْتَ هَذَا؟ فَقَالَ قِسْته عَلَى نَفْسِي، وَشَبَّهْت حَبْسَهُ بِحَبْسِي، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنَّا نَشَأَ فِي الْفَلَاةِ الْوَاسِعَةِ، وَالْأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ. فَانْظُرْ حَالَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ مَعَ جَفَائِهِ وَغَبَاوَتِهِ، وَعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ لِذَوِي الْعُلُومِ وَقِلَّةِ دِرَايَتِهِ، كَيْفَ أَدْرَكَ هَذَا الْمُدْرَكَ، تَجِدْهُ قَدْ أَصَابَ فِي قِيَاسِهِ وَأَدْرَكَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. . (الثَّالِثُ) : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى سُلْطَانٍ إلَّا وَعْظًا وَتَخْوِيفًا لَهُ، أَوْ تَحْذِيرًا مِنْ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَجِبُ. قَالَ الْقَاضِي وَيَحْرُمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَالْمُرَادُ وَلَمْ يَخَفْ مِنْهُ بِالتَّخْوِيفِ وَالتَّحْذِيرِ وَإِلَّا سَقَطَ، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ. قَالَ حَنْبَلٌ: اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ فِي وِلَايَةِ الْوَاثِقِ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَقَالُوا لَهُ إنَّ الْأَمْرَ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا، يَعْنُونَ إظْهَارَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا نَرْضَى بِإِمَارَتِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ، فَنَاظَرَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْإِنْكَارِ بِقُلُوبِكُمْ

стр. 225

وَلَا تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ وَلَا تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ وَدِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَكُمْ، وَانْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكُمْ، وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحُ مِنْ فَاجِرٍ. وَقَالَ لَيْسَ هَذَا يَعْنِي نَزْعَهُمْ أَيْدِيَهُمْ مِنْ طَاعَتِهِ صَوَابًا، هَذَا خِلَافُ الْآثَارِ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُرُ بِالْكَفِّ عَنْ الْأُمَرَاءِ وَيُنْكِرُ الْخُرُوجَ إنْكَارًا شَدِيدًا. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: الْكَفُّ أَيْ يَجِبُ الْكَفُّ لِأَنَّا نَجِدُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَا صَلُّوا فَلَا» أَيْ فَلَا تُنْزَعُ يَدُ طَاعَتِهِمْ مُدَّةَ دَوَامِهِمْ يُصَلُّونَ. خِلَافًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ فِي جَوَازِ قِتَالِهِمْ كَالْبُغَاةِ. وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا الظَّاهِرُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] الْآيَةَ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَمْرٌ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَئِمَّةِ بِالْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ. وَأَمَّا مَعْنًى فَإِنَّ الْخَوَارِجَ يُقَاتِلُونَ بِالْإِمَامِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَحْصُلُ قِتَالُهُمْ بِغَيْرِ إمَامٍ انْتَهَى. قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ﵁: إنَّ الْجَمَاعَةَ حَبْلُ اللَّهِ فَاعْتَصِمُوا ... مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانَا كَمْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ مُعْضِلَةً ... فِي دِينِنَا رَحْمَةً مِنْهُ وَدُنْيَانَا لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ ... وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا وَفِي وَصِيَّةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي مَا أُوصِيك بِهِ: " إمَامٌ عَدْلٌ خَيْرٌ مِنْ مَطَرٍ وَبْلٍ. وَأَسَدٌ خَطُومٌ خَيْرٌ مِنْ إمَامٍ ظَلُومٍ. وَإِمَامٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ خَيْرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تَدُومُ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْجَائِزُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ السَّلَاطِينِ التَّعْرِيفُ وَالْوَعْظُ. فَأَمَّا تَخْشِينُ الْقَوْلِ نَحْوُ يَا ظَالِمُ يَا مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُحَرِّكُ فِتْنَةً يَتَعَدَّى شَرُّهَا إلَى الْغَيْرِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ وَاَلَّذِي أَرَاهُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ وَحَمْلُ السُّلْطَانِ بِالِانْبِسَاطِ عَلَيْهِ أَيْ حَمْلُهُ السُّلْطَانَ عَلَى أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ فِي التَّعَدِّي عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَرِ الَّذِي قَصَدَ إزَالَتَهُ. وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا يُتَعَرَّضُ بِالسُّلْطَانِ، فَإِنَّ سَيْفَهُ مَسْلُولٌ، وَعَصَاهُ. فَأَمَّا مَا جَرَى لِلسَّلَفِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِأُمَرَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الْعُلَمَاءَ، فَإِذَا انْبَسَطُوا عَلَيْهِمْ احْتَمَلُوهُمْ فِي الْأَغْلَبِ.

стр. 226

وَلِأَحْمَدَ ﵁ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ﵁ «إذَا اسْتَشَاطَ السُّلْطَانُ، تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ» . وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ فِيهِ جَهَالَةٌ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ رَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَقَتَلَهُ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَقَدْ رَوَى مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ كُلِّهَا فِيهَا ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ. . قِصَّةُ الْإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ مَعَ تَيْمُورَ قُلْت: قَدْ سَنَحَ فِي خَلَدِي أَنْ أَذْكُرَ هُنَا قِصَّةً صَدَرَتْ مِنْ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ الْهُمَامِ شَمْسِ الدِّينِ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بْنِ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ مُفْلِحٍ الرَّامِينِيِّ الْأَصْلِ ثُمَّ الدِّمَشْقِيِّ وَلَدِ صَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَذَلِكَ أَنَّ تَيْمُورَ كَوْرُكَانَ وَيُقَالُ لَهُ (تَيْمُورْ لَنْك) لَمَّا فَعَلَ بِالشَّامِ وَأَهْلِهَا مَا فَعَلَ، وَعَمَّ بِظُلْمِهِ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ وَالسَّهْلَ وَالْجَبَلَ، وَكَانَ قَدْ طَلَبَ الصُّلْحَ، وَاجْتَمَعَ بِهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ الْحِلْمَ وَالصَّفْحَ، وَكَانَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ إمَامَهُ. وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ زِمَامَهُ، يُنَاظِرُ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ بِحَضْرَةِ تَيْمُورَ. وَلَا يُمَكِّنُهُمْ الْجَوَابَ عَنْ أَكْثَرِ الْأُمُورِ. فَطَلَبَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كِتَابَةَ سُؤَالٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْإِنْكَارِ وَالضَّلَالِ وَهُوَ أَنْ يَكْتُبُوا وَيَخْتِمُوا الْكِتَابَ، بِأَنَّ فَضِيلَةَ النَّسَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ بِلَا ارْتِيَابٍ، فَتَقَاعَسُوا وَأَحْجَمُوا، وَعَلَى الْجَوَابِ وَجَمُوا، وَعَلِمَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ اُبْتُلِيَ، فَابْتَدَرَ بِالْجَوَابِ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ فَقَالَ: دَرَجَةُ الْعِلْمِ أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ النَّسَبِ، وَمَرْتَبَتُهَا عِنْدَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ أَسْنَى الرُّتَبِ، وَالْهَجِينُ الْفَاضِلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْهَجَّانِ الْجَاهِلِ، وَالدَّلِيلُ فِي هَذَا جَلِيٌّ. وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُهُمْ. وَأَثْبَتُهُمْ قَدَمًا فِي الْإِسْلَامِ وَأَقْدَمُهُمْ، وَإِثْبَاتُ هَذِهِ الدَّلَالَةِ، مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» . ثُمَّ أَخَذَ الْقَاضِي

стр. 227

شَمْسُ الدِّينِ فِي نَزْعِ ثِيَابِهِ، مُصِيخًا لِتَيْمُورْ وَمَا يَصْدُرُ مِنْ جَوَابِهِ، فَفَكَّك أَزْرَارَهُ، وَقَالَ لِنَفْسِهِ إنَّمَا أَنْتَ إعَارَةٌ. وَكَأْسُ الْمَوْتِ لَا بُدَّ مِنْ شُرْبِهَا، فَسَوَاءٌ مَا بَيْنَ بُعْدِهَا وَقُرْبِهَا، وَالْمَوْتُ عَلَى الشَّهَادَةِ، مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ، وَأَفْضَلِ أَحْوَالِهَا لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إلَى اللَّهِ صَائِرٌ، كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ. فَقَالَ لَهُ تَيْمُورُ مَا حَمَلَك عَلَى نَزْعِ ثِيَابِك؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ بَذْلًا لِنَفْسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا لِعِقَابِك. فَقَالَ لَهُ قَدْ وَسِعَك حِلْمُنَا. فَلَا تُعْدَمُ سِلْمَنَا. فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا السُّلْطَانُ الْجَلِيلُ: حَيْثُ مَنَنْت بِالْحِلْمِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الذَّلِيلِ، فَلْيَكُنْ الْأَمَانُ مَصْحُوبًا بِالتَّفْضِيلِ، مِنْ صَوْلَةِ بَعْضِ الْعَسْكَرِ الَّذِي عِدَّةُ مِلَلِهِ تَفُوقُ عَلَى أُمَمِ بَنِي إسْرَائِيلَ. فَفِيهِمْ مَنْ ابْتَدَعُوا بِدَعًا، وَقَطَعُوا فِي مَذَاهِبِهِمْ قَطْعًا، وَمَزَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَجَالِسَ حَضْرَتِك تُنْقَلُ، وَتَخُصُّ فِي سَرَيَانِهَا وَتَشْمَلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْجَوَابُ عَنِّي، وَوَعَاهُ أَحَدٌ عَنْ سِنِّي خُصُوصًا مَنْ ادَّعَى مُوَالَاةَ عَلِيٍّ، وَيُسَمَّى فِي رَفْضِهِ مَنْ وَالَى أَبَا بَكْرٍ بِالنَّاصِبِيِّ، وَتَحَقَّقَ مِنِّي يَقِينِي، وَأَنَّهُ لَا نَاصِرَ لِي يَقِينِي، فَإِنَّهُ يَقْتُلُنِي جِهَارًا، وَيُرِيقُ دَمِي نَهَارًا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَنَا أَسْتَعِدُّ لِهَذِهِ السَّعَادَةِ، وَأَخْتِمُ أَحْكَامَ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ. فَقَالَ لَهُ تَيْمُورُ: لِلَّهِ دَرُّك مَا أَفْصَحَك، وَأَنْصَرَك لِمَقَالَتِك، وَأَنْصَحَك، فَأَمَرَ بِجَمَاعَةٍ يُشَيِّعُونَهُ، وَيَحْرُسُونَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ فِي ذَهَابِهِ لِدَارِهِ وَيَحْفَظُونَهُ فَأَحَاطَتْ بِهِ الْجُنْدُ إحَاطَةَ الْهَالَةِ بِالْقَمَرِ، وَصَارُوا حَوْلَهُ كَالسُّوَرِ حَوْلَ الْمِسْوَرِ. وَمَعَ هَذَا فَقَدْ وَكَزَهُ بَعْضُ الطَّغَامِ، مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ الرَّعَاعِ الْغِشَامِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ السَّعَادَةِ. فَجَرَى مَا جَرَى وَخَتَمَ اللَّهُ عَمَلَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ ابْنُ عَرَبْ شَاهْ فِي تَارِيخِ تَيْمُورَ، وَالشَّيْخُ الْعُلَيْمِيِّ فِي الْمَقْصَدِ الْأَحْمَدِ، تَرَاجِمِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد. - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَلَمَّا وَعَظَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْخَلِيفَةَ (الْمُسْتَضِيءَ بِأَمْرِ اللَّهِ) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ قَالَ لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ أَنِّي مَثُلْت بَيْنَ يَدَيْ السُّدَّةِ الشَّرِيفَةِ لَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: كُنْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ مَعَ حَاجَتِك إلَيْهِ كَمَا كَانَ لَك مَعَ غِنَاهُ عَنْك أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا فَوْقَك، فَلَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَشْكَرَ لَهُ مِنْك. فَتَصَدَّقْ بِصَدَقَاتٍ وَأَطْلِقْ مَحْبُوسِينَ.

стр. 228

وَوَعَظَ أَيْضًا فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْخَلِيفَةُ حَاضِرٌ فَبَالَغَ فِي وَعْظِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا حَكَاهُ لَهُ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لِشَيْبَانَ عِظْنِي، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَأَنْ تَصْحَبَ مَنْ يُخَوِّفُك حَتَّى تُدْرِكَ الْأَمْنَ، خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَصْحَبَ مَنْ يُؤَمِّنُك حَتَّى تُدْرِكَ الْخَوْفَ، قَالَ فَسِّرْ لِي هَذَا، قَالَ مَنْ يَقُولُ لَك أَنْتَ مَسْئُولٌ عَنْ الرَّعِيَّةِ فَاتَّقِ اللَّهَ أَنْصَحُ لَك مِمَّنْ يَقُولُ لَك أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مَغْفُورٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ نَبِيِّكُمْ، فَبَكَى الرَّشِيدُ حَتَّى رَحِمَهُ مَنْ حَوْلَهُ. فَقُلْت لَهُ فِي كَلَامِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ تَكَلَّمْت خِفْت مِنْك، وَإِنْ سَكَتُّ خِفْت عَلَيْك، وَأَنَا أُقَدِّمُ خَوْفِي عَلَيْك عَلَى خَوْفِي مِنْك. انْتَهَى. وَفِي (مُثِيرُ الْعَزْمِ السَّاكِنِ، إلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ) لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَعَظَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ: كُنْت بِمَكَّةَ فِي زُقَاقِ الشَّطَوِيِّ وَإِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ وَقَدْ حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ، فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى، قَدْ أُخْلِيَ لَهُ الْمَسْعَى، قَالَ الْعُمَرِيُّ لِلرَّجُلِ لَا جَزَاك اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا كَلَّفْتنِي أَمْرًا كُنْت عَنْهُ غَنِيًّا. ثُمَّ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ فَتَبِعْته فَأَقْبَلَ هَارُونُ الرَّشِيدُ مِنْ الْمَرْوَةِ يُرِيدُ الصَّفَا، فَصَاحَ بِهِ يَا هَارُونُ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ قَالَ لَبَّيْكَ يَا عَمِّ، قَالَ ارْقَ الصَّفَا، فَلَمَّا رَقِيَهُ قَالَ ارْمِ بِطَرَفِك إلَى الْبَيْتِ، قَالَ قَدْ فَعَلْت، قَالَ كَمْ هُمْ؟ قَالَ وَمَنْ يُحْصِيهِمْ؟ قَالَ فَكَمْ فِي النَّاسِ مِثْلُهُمْ؟ قَالَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصِيهِمْ إلَّا اللَّهُ. قَالَ اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْأَلُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَأَنْتَ وَحْدَك مَسْئُولٌ عَنْ الْجَمِيعِ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ. قَالَ فَبَكَى هَارُونُ وَجَلَسَ، وَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ مِنْدِيلًا مِنْدِيلًا لِلدُّمُوعِ. قَالَ الْعُمَرِيُّ: وَأُخْرَى أَقُولُهَا، قَالَ قُلْ يَا عَمِّ، قَالَ وَاَللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيُسْرِعُ فِي مَالِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَسْرَعَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَضَى وَهَارُونُ يَبْكِي. وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ الْحَجَّ كُلَّ سَنَةٍ مَا يَمْنَعُنِي إلَّا رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ ثُمَّ يُسْمِعُنِي مَا أَكْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) : لَا بُدَّ لِوُجُوبِ الْإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ مُجَاهِرًا

стр. 229

وَأَمَّا مَنْ تَسَتَّرَ وَاخْتَفَى فَلَا يَتَجَسَّسُ عَلَيْهِ. وَيَأْتِي فِي كَلَامِ النَّاظِمِ، وَتُذْكَرُ أَحْكَامُ ذَلِكَ ثَمَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا يُنْكَرُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ إلَّا تَأْدِيبًا لَهُ وَزَجْرًا. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمُنْكَرُ أَعَمُّ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَحْذُورُ الْوُقُوعِ فِي الشَّرْعِ، فَمَنْ رَأَى صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرِيقَ خَمْرَهُ وَيَمْنَعَهُ، وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الزِّنَا. انْتَهَى. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: فَالطُّنْبُورُ الصَّغِيرُ يَكُونُ مَعَ الصَّبِيِّ؟ قَالَ يُكْرَهُ أَيْضًا إذَا كَانَ مَكْشُوفًا فَاكْسِرْهُ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ وَسَدَّ أُذُنَيْهِ» قَالَ: لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّفِيقَ كَانَ بَالِغًا فَلَعَلَّهُ كَانَ صَغِيرًا دُونَ الْبُلُوغِ، وَالصِّبْيَانُ رُخِّصَ لَهُمْ فِي اللَّعِبِ مَا لَمْ يُرَخَّصْ فِيهِ لِبَالِغٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ سَمَاعَ الْمُحَرَّمِ بِدُونِ اسْتِمَاعِهِ وَهُوَ قَصْدُ السَّمَاعِ لَا يَحْرُمُ. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا وَزَادَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ وَإِنَّمَا سَدَّ النَّبِيُّ ﷺ أُذُنَيْهِ مُبَالَغَةً فِي التَّحَفُّظِ، فَسَنَّ بِذَلِكَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ السَّمَاعِ. وَإِلَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَشَارَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: مَطْلَبٌ: فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الصِّبْيَانِ لِتَأْدِيبِهِمْ: وَأَنْكِرْ عَلَى الصِّبْيَانِ كُلَّ مُحَرَّمٍ ... لِتَأْدِيبِهِمْ وَالْعِلْمِ فِي الشَّرْعِ لَرَدِي (وَأَنْكِرْ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ الْمُتَّبِعُ الْأَوَامِرَ الشَّرْعِيَّةَ، الْعَالِمُ بِأَحْكَامِهَا الْفَرْعِيَّةِ. (عَلَى الصِّبْيَانِ) جَمْعُ صَبِيٍّ هُوَ الصَّغِيرُ أَعْنِي الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ التَّكْلِيفِ، هَذَا مُرَادُهُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّبِيُّ مَنْ لَمْ يُفْطَمْ. وَقَالَ فِي كِتَابِ كِفَايَةِ الْمُتَحَفِّظِ: الْوَلَدُ مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَهُوَ جَنِينٌ فَإِذَا وُلِدَ يُسَمَّى صَبِيًّا، فَإِذَا فُطِمَ يُسَمَّى غُلَامًا إلَى سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا إلَى عَشْرٍ، ثُمَّ حُزُورًا إلَى خَمْسَةَ عَشْرَ، ثُمَّ يَصِيرُ قَمْدًا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ مَنْ

стр. 230

لَمْ يُفْطَمْ بَعْدُ، وَلَكِنْ لَيْسَ مُرَادًا فِي كَلَامِ النَّاظِمِ بَلْ الْمُرَادُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ سِنِّ التَّكْلِيفِ. وَفِي حَدِيثٍ «أَنَّهُ ﷺ رَأَى حَسَنًا يَلْعَبُ مَعَ صَبْوَةٍ فِي السِّكَّةِ» ، وَالصَّبْوَةُ وَالصِّبْيَةُ جَمْعُ صَبِيٍّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ أَكْبَرَ مِنْ الَّذِينَ يَرْضَعُونَ (كُلَّ) فِعْلٍ وَقَوْلٍ (مُحَرَّمٍ) فِي نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ آثِمًا، فَإِنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ (لِ) أَجْلِ (تَأْدِيبِهِمْ) وَزَجْرِهِمْ عَنْ مُلَابَسَةِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الصِّبْيَانِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا (وَ) لِأَجْلِ (الْعِلْمِ فِي الشَّرْعِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. وَالشَّرِيعَةُ الدِّينُ وَهُوَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، وَمِثْلُهُ الشِّرْعَةُ بِالْكَسْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِظُهُورِهِ وَوُضُوحِهِ، وَطَرِيقٌ شَارِعٌ: أَيْ مَسْلُوكٌ، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ الدِّينَ أَوْضَحَهُ وَبَيَّنَهُ، وَالشَّرِيعَةُ مَوْرِدُ الْمَاءِ. فَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِ هُنَا الْمَشْرُوعُ مِنْ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيُسْتَحَبُّ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ يَعْنِي لِتَأْدِيبِهِمْ وَلِلْعِلْمِ أَنَّ هَذَا فِي الشَّرْعِ (بِا) لِفِعْلِ (الرَّدِي) أَيْ الْقَبِيحُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَرَّ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، فَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ وَقَرَّ قُبْحُهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوهُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَجَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ إنْكَارَ ذَلِكَ عَلَى أُولَئِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَفْظُهُ: وَيُسْتَحَبُّ الْإِنْكَارُ عَلَى الْأَوْلَادِ الَّذِينَ دُونَ الْبُلُوغِ، سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا تَأْدِيبًا لَهُمْ وَتَعْلِيمًا. قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُنْكَرُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ إلَّا تَأْدِيبًا لَهُ وَزَجْرًا. انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْإِنْكَارَ وَاجِبٌ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرِيقَ خَمْرَهُ وَيَمْنَعَهُ وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الزِّنَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَظْهَرُ حَيْثُ تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَدِّبُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا يَقُولُونَ أَكْرِمْ وَلَدَك وَأَحْسِنْ أَدَبَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّعَلُّمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ.

стр. 231

وَقَالَ لُقْمَانُ: ضَرْبُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ كَمَطَرِ السَّمَاءِ لِلزَّرْعِ. وَكَانَ يُقَالُ: الْأَدَبُ مِنْ الْآبَاءِ، وَالصَّلَاحُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ أَدَّبَ ابْنَهُ صَغِيرًا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ كَبِيرًا. (تَنْبِيهٌ) قَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْفِقْهِ بِأَنَّ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَرْبُهُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْوُجُوبِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ، أَوْ يُقِيمَ لَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ. وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَيْضًا: يَجِبُ عَلَى الْأَبِ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَعْلِيمُ الِابْنِ مَا يَحْتَاجُهُ لِدِينِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ لِوَلَدِك عَلَيْك حَقًّا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ الْقَاضِي مِنْ أَئِمَّتِنَا: وَمِمَّا يَجِبُ إنْكَارُهُ تَرْكُ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ لِمَا يَجِبُ تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ، نَحْوُ مَا تَعَلَّقَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَبِمَعْرِفَةِ الصَّلَاةِ وَجُمْلَةِ الشَّرَائِعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرَائِضِ وَيَلْزَمُ النِّسَاءَ الْخُرُوجُ لِتَعَلُّمِ ذَلِكَ. وَأَوْجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَعَاهَدَ الْمُعَلِّمَ وَالْمُتَعَلِّمَ لِذَلِكَ وَيَرْزُقَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قِوَامًا لِلدِّينِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَشَأَ الْوَلَدُ عَلَى مَذْهَبٍ فَاسِدٍ فَيَتَعَذَّرُ زَوَالُهُ مِنْ قَلْبِهِ. انْتَهَى. وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ تَمْكِينُ الصَّغِيرِ مِنْ لُبْسِ ثَوْبٍ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا مِنْ فِعْلِ كُلِّ مُحَرَّمٍ. فَعَلَى كُلِّ حَالٍ مَتَى تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لَا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ كَمَا قَالَ الْحَجَّاوِيُّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي زَجْرِ الذِّمِّيِّ إذَا جَهَرَ بِالْمُنْكَرَاتِ وَإِنْ جَهَرَ الذِّمِّيُّ بِالْمُنْكَرَاتِ ... فِي الشَّرِيعَةِ يُزْجَرُ دُونَ مُخْفٍ بِمَرْكَدِ (وَإِنْ جَهَرَ) أَيْ أَظْهَرَ وَأَبَانَ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: جَهَرَ كَمَنَعَ عَلَنَ، وَالْكَلَامَ وَبِهِ أَعْلَنَ كَأَجْهَرَ، وَالصَّوْتَ أَعْلَاهُ. وقَوْله تَعَالَى ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] أَيْ عِيَانًا غَيْرَ مُسْتَتِرٍ (الذِّمِّيُّ) فَاعِلُ جَهَرَ وَنِسْبَتُهُ إلَى الذِّمَّةِ بِمَعْنَى الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ وَتُفَسَّرُ الذِّمَّةُ بِالضَّمَانِ أَيْضًا. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي ذِمَّتِي أَيْ ضَمَانِي، وَالْجَمْعُ ذِمَمٌ، وَهُمْ مَنْ جَوَّزْنَا عَقْدَ الذِّمَّةِ لَهُمْ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس

стр. 232

لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَالسَّامِرَةُ مِنْ الْيَهُودِ وَالْإِفْرِنْجِ فِرْقَةٌ مِنْ النَّصَارَى (بِالْمُنْكَرَاتِ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (فِي الشَّرِيعَةِ) الْمُطَهَّرَةِ وَأَلْ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيْ فِي شَرِيعَتِنَا الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ وَجَمْعُهَا شَرَائِعُ (يُزْجَرُ) أَيْ يُمْنَعُ، يُقَالُ زَجَرْته مِنْ بَابِ قَتَلَ مَنَعْته فَانْزَجَرَ وَازْدَجَرَ ازْدِجَارًا وَالْأَصْلُ ازْتَجَرَ عَلَى افْتِعَالٍ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا. وَتَزَاجَرُوا عَنْ الْمُنْكَرِ مَنَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَزَجَرَهُ أَيْ حَثَّهُ وَحَمَلَهُ عَلَى السُّرْعَةِ. وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْهَرْ بِالْمُنْكَرَاتِ فِي شَرِيعَتِنَا بَلْ أَخْفَاهَا وَسَتَرَهَا أَنَّهُ لَا يُزْجَرُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ بِقَوْلِهِ (دُونَ) أَيْ غَيْرَ. وَمِنْ إتْيَانِ دُونَ بِمَعْنَى غَيْرِ قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» أَيْ فِي غَيْرِ خَمْسِ أَوَاقٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَتَكُونُ دُونَ بِمَعْنَى سِوَى أَيْ سِوَى (مُخْفٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَخْفَى يُخْفِي فَهُوَ مُخْفٍ فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ الذِّمِّيُّ بِفِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ أَوْ قَوْلِهَا بِأَنْ فَعَلَهَا (بِمَرْكَدِ) أَيْ بِمَوْضِعِ سُكُونٍ يَعْنِي فِي نَحْوِ بَيْتِهِ. يُقَالُ رَكَدَ الْمَاءُ رُكُودًا مِنْ بَابِ قَعَدَ سَكَنَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرُّكُودُ السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ. فَمَعْنَى مَرْكَدِ مَسْكَنٌ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إذَا فَعَلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَمْرًا مُحَرَّمًا عِنْدَهُمْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ عِنْدَنَا لَمْ نَعْرِضْ لَهُمْ وَنَدْعُهُمْ وَفِعْلَهُمْ سَوَاءٌ أَسَرُّوهُ أَوْ أَظْهَرُوهُ، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ النَّظْمِ، فَإِنَّهُ حَصَرَ الزَّجْرَ فِي فِعْلٍ مُحَرَّمٍ فِي الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ بِقَيْدِ الظُّهُورِ، وَيَبْقَى إذَا فَعَلُوا مُحَرَّمًا عِنْدَهُمْ دُونَ شَرِيعَتِنَا وَلَوْ ظَاهِرًا أَوْ فِي شَرِيعَتِنَا وَكَانَ خِفْيَةً، سَوَاءٌ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ حُرْمَتَهُ أَوْ لَا. وَأَمَّا إذَا فَعَلُوا مُحَرَّمًا فِي شَرْعِنَا مُجَاهِرِينَ بِهِ وَجَبَ إنْكَارُهُ، سَوَاءٌ اعْتَقَدُوا حِلَّهُ أَوْ لَا. وَأَمَّا إذَا فَعَلُوا مَا يَعْتَقِدُونَ حُرْمَتَهُ وَهُوَ فِي شَرْعِنَا غَيْرُ مُحَرَّمٍ لَمْ نُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَلَوْ ظَاهِرًا، لِأَنَّ اللَّهَ مَنَعَنَا مِنْ قِتَالِهِمْ وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ إذَا الْتَزَمُوا الْجِزْيَةَ وَالصَّغَارَ، وَهُوَ جَرَيَانُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا فَالْقَصْدُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إقَامَةُ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ حَاصِلٌ، لَا أَمْرِ دِينِهِمْ الْمُبَدَّلِ الْمُغَيَّرِ. وَأَمَّا إنْ فَعَلُوا أَمْرًا مُحَرَّمًا عِنْدَنَا فَمَا فِيهِ ضَرَرٌ أَوْ غَضَاضَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُمْنَعُونَ مِنْهُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ يَعْنِي إصَابَتُهَا بِاسْمِ النِّكَاحِ

стр. 233

وَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ. وَلَعَلَّ هَذَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْهُ حَيْثُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيٌّ بِمُسْلِمَةٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حُدُودِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَأَلْفٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ إخْوَانِنَا ذَكَرَ لِي قِصَّةً عَلَى سَبِيلِ الْمُذَاكَرَةِ، فَإِذَا فِيهَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَالْحَالُ أَنَّ لَهُ بُنَيَّةً دُونَ الْبُلُوغِ، فَلَمَّا بَلَغَتْ الْبِنْتُ تَزَوَّجَهَا نَصْرَانِيٌّ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهَا تَبَعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لِي كُنْت فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيَّةِ فَإِذَا بِفُلَانٍ النَّصْرَانِيِّ مُتَزَوِّجٌ بِابْنَةِ فُلَانٍ الَّذِي أَسْلَمَ وَهِيَ صَغِيرَةٌ جِدًّا وَزَوْجُهَا كَبِيرٌ. فَتَعَجَّبْت كَيْفَ قَعَدَتْ لَهُ. فَتَثَبَّتُّ فِي الْقَضِيَّةِ فَإِذَا هِيَ جَلِيَّةٌ، فَرَكِبْت لِبَعْضِ وُلَاةِ أُمُورِ الدِّينِ وَرَكِبَتْ عِدَّةُ خَيَّالَةٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي طَلَبِ أَبِي الْبِنْتِ وَزَوْجِهَا وَالْخُورِيِّ وَالْبِنْتِ، فَهَرَبَ الزَّوْجُ وَالْخُورِيِّ وَأَتَى الْأَبُ مُعْتَذِرًا. فَحَرَّجْت عَلَيْهِ أَنْ لَا يُمَكِّنَ الْخَبِيثَ مِنْ ابْنَتِهِ وَإِلَّا أَجْرَيْت عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا مَا يَسْتَحِقَّانِهِ. فَذَهَبَ الزَّوْجُ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَصَدَ بَعْضَ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ فَكَتَبَ لَهُ وَرَقَةً تَتَضَمَّنُ الرِّفْقَ بِهِ، وَأَنَّ هَذَا يُسَامَحُ بِمِثْلِهِ لِكَوْنِ النَّصْرَانِيِّ أَنْهَى لِلشَّيْخِ غَيْرَ الْوَاقِعِ، فَلَمْ أَنْظُرْ إلَى ذَلِكَ وَصَمَّمْت عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا الْإِسْلَامُ وَإِمَّا الْقَتْلُ. فَفَرَّ وَمَكَثَ مُدَّةً فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فَمَا شَعَرْت إلَّا وَالرَّجُلُ أَتَانِي مُسْلِمًا، فَأَعَادَ النِّكَاحَ وَخَرَجَ مِنْ عَامِهِ لِحَجِّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَزِيَارَةِ نَبِيِّهِ ﵊. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي شَرْعِنَا تَعَيَّنَ إنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَمْرًا جَازَتْ إرَاقَتُهُ، وَإِنْ أَظْهَرُوا صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا جَازَ كَسْرُهُ. وَإِنْ أَظْهَرُوا كُفْرَهُمْ أُدِّبُوا عَلَى ذَلِكَ. وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَابْنِ رَزِينٍ، وَيُمْنَعُونَ مِمَّا تَتَأَذَّى بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَإِظْهَارِ الْمُنْكَرِ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَعْيَادِ وَالصُّلْبَانِ وَالنَّاقُوسِ، وَكَذَا مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ مَأْكُولٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ كَالشِّوَاءِ. وَكَذَا إذَا تَبَايَعُوا بِالرِّبَا فِي سُوقِنَا مُنِعُوا لِأَنَّهُ عَائِدٌ بِفَسَادِ نَقْدِنَا. قَالَهُ الْقَاضِي. فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ سُوقِنَا. وَاسْتَظْهَرَ فِي الْآدَابِ مَنْعَهُمْ مُطْلَقًا لِأَنَّهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا عَلَيْهِمْ.

стр. 234

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يُمْنَعُونَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، كَمَا يُنْهُونَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَإِنْ تَرَكُوا التَّمْيِيزَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: لِبَاسُهُمْ وَشُعُورُهُمْ وَرُكُوبُهُمْ وَكُنَاهُمْ أُلْزِمُوا بِهِ، نَعَمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: (الْأَوَّلُ) : أَنْ يَعْتَقِدُوا حِلَّ ذَلِكَ. (الثَّانِي) : أَنْ لَا يَرْتَفِعُوا إلَيْنَا، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا حِلَّهُ مُنِعُوا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ عِنْدَنَا مَعَ اعْتِقَادِهِمْ تَحْرِيمَهُ يُصَيِّرُهُ مُنْكَرًا فَيَتَنَاوَلُهُ أَدِلَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا الصَّغَارَ وَهُوَ جَرَيَانُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ إلَّا فِيمَا اعْتَقَدُوا إبَاحَتَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ وُجُوبَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَارَةً فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَبَيَّنَ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَمَا يُنْكِرُ شَرْعًا وَمَنْ يُنْكِرُ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِكَيْفِيَّةِ الْإِنْكَارِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: يَجِبُ عَلَى الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَبْدَأَ بِالرِّفْقِ . وَبِالْأَسْهَلِ ابْدَأْ ثُمَّ زِدْ قَدْرَ حَاجَةٍ ... فَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِالنَّافِذِ الْأَمْرِ فَاصْدُدْ (وَبِالْأَسْهَلِ) أَيْ الْأَلْيَنِ مِنْ السَّهْلِ ضِدُّ الْحَزَنِ (ابْدَأْ) أَيُّهَا الْآمِرُ النَّاهِي لِتَفُوزَ بِفَضِيلَةِ مَا قُمْت بِهِ وَفَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ فِي سُهُولَةِ الْأَخْلَاقِ وَالِانْطِبَاعِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْفَعِلُ لِلرِّفْقِ مَا لَا يَنْفَعِلُ لِلْعُنْفِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَبْدَأَ بِالرِّفْقِ وَلِينِ الْجَانِبِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُنْكَرُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ مُتَوَاضِعًا رَفِيقًا فِيمَا يَدْعُو إلَيْهِ، رَحِيمًا شَفِيقًا غَيْرَ فَظٍّ وَلَا غَلِيظَ الْقَلْبِ وَلَا مُتَعَنِّتٍ، دَيِّنًا نَزِهًا عَفِيفًا ذَا رَأْيٍ وَحَزَامَةٍ وَشِدَّةٍ فِي الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ فِي قَوْلِهِ الْفَتَى الْجَلْدِ، قَاصِدًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَإِقَامَةَ دِينِهِ وَنُصْرَةَ شَرْعِهِ وَامْتِثَالَ أَمْرِهِ، وَإِحْيَاءَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ بِلَا رِيَاءٍ وَلَا مُنَافَقَةٍ وَلَا مُدَاهَنَةٍ، غَيْرَ مُنَافِسٍ وَلَا مُفَاخِرٍ، وَلَا مِمَّنْ يُخَالِفُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ

стр. 235

وَيُسَنُّ لَهُ الْعَمَلُ بِالنَّوَافِلِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالرِّفْقُ وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ عِنْدَ إنْكَارِهِ، وَالتَّثَبُّتُ وَالْمُسَامَحَةُ بِالْهَفْوَةِ عِنْدَ أَوَّلِ مَرَّةٍ. قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَى مُدَارَاةِ وَرِفْقِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا غِلْظَةٍ إلَّا رَجُلٌ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْك نَهْيُهُ وَإِعْلَامُهُ لِأَنَّهُ يُقَالُ: لَيْسَ لِفَاسِقٍ حُرْمَةٌ، فَهَؤُلَاءِ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ. وَسَأَلَهُ مُهَنَّا هَلْ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ضَرْبًا بِالْيَدِ إذَا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ الرِّفْقُ. وَنَقَلَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ كَانَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ مَهْلًا رَحِمَكُمْ اللَّهُ. وَنَقَلَ مُهَنَّا: يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ بِالرِّفْقِ وَالْخُضُوعِ. قُلْت كَيْفَ؟ قَالَ إنْ أَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ لَا يَغْضَبُ فَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ لِنَفْسِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَسْهَلِ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ كَالنَّاظِمِ، وَيَبْدَأُ بِإِسْقَاطٍ وَيَجِبُ وَيَعْمَلُ بِظَنِّهِ فِي ذَلِكَ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يُزَلْ الْمُنْكَرُ الْوَاجِبُ إنْكَارُهُ (زِدْ) عَلَى الْأَسْهَلِ بِأَنْ تُغْلِظَ لَهُ الْقَوْلَ (قَدْرَ) أَيْ بِقَدْرِ (حَاجَةِ) إزَالَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ أَغْلِظْ فِيهِ بِالزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ، فَإِنْ زَالَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ إقَامَةُ الدِّينِ، وَنُصْرَةُ الشَّرْعِ الْمُبِينِ، وَزَوَالُ الْمُنْكَرِ وَالشَّيْنِ، وَإِحْيَاءُ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ (فَإِنْ لَمْ يَزُلْ) الْمُنْكَرُ بِذَلِكَ كُلِّهِ فَاسْتَعِنْ عَلَى إزَالَتِهِ (بِالنَّافِذِ) أَيْ الْمَاضِي (الْأَمْرَ) يُقَالُ أَنْفَذَ الْأَمْرَ قَضَاهُ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَالنَّافِذُ الْمَاضِي فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ كَالنُّفُوذِ وَالنَّفَاذِ وَالْمُطَاعِ مِنْ الْأَمْرِ. وَقَوْلُهُ (فَاصْدُدْ) أَيْ فَأَعْرِضْ وَأَصْرِفْ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ فَأَعْرِضْ عَنْ ذَلِكَ وَارْفَعْهُ لِنَافِذِ الْأَمْرِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ أَرَادَ فَاصْدُدْهُ أَيْ امْنَعْهُ وَاصْرِفْهُ بِنَافِذِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ. قَالَ فِي الْآدَابِ: فَإِنْ زَالَ وَإِلَّا رَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ ابْتِدَاءً إنْ أَمِنَ حَيْفَهُ فِيهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّ شَرْطَ رَفْعِهِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمَنَ حَيْفَهُ فِيهِ، وَيَكُونَ قَصْدُهُ فِي ذَلِكَ النُّصْحَ لَا الْغَلَبَةَ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ يَفْعَلُ فِيهِ يَعْنِي السُّلْطَانَ مَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ لَا غَيْرُ، وَظَاهِرُهُ يَحْرُمُ إنْ فَعَلَ بِهِ مُحَرَّمًا مِنْ أَخْذِ مَالٍ وَنَحْوِهِ، وَيُكْرَهُ إنْ فَعَلَ بِهِ مَكْرُوهًا.

стр. 236

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ: وَيَحْرُمُ أَخْذُ مَالٍ عَلَى حَدٍّ أَوْ مُنْكَرٍ اُرْتُكِبَ. وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ أَنَّ تَعْطِيلَ الْحَقِّ بِمَالٍ يُؤْخَذُ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ سُحْتٌ خَبِيثٌ، وَلَقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ وَهُوَ الْوَاسِطَةُ» ، انْتَهَى. وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ رَفْعِهِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ بِلَا تَفْصِيلٍ. (تَتِمَّةٌ) قَالَ مُثَنَّى الْأَنْبَارِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ إذَا ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلًا بِحَضْرَتِي أَوْ شَتَمَهُ فَأَرَادَنِي أَنْ أَشْهَدَ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ؟ قَالَ إنْ خَافَ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ لَمْ يَشْهَدْ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ شَهِدَ. (فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لَعَلَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْأَمْرِ يَرْفَعُهُ يَعْنِي مَعَ إقَامَتِهِ لِلْحَدِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِحَدٍّ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقِيمَهَا. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ رَفْعَهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ مُبَاحٌ، وَرَفْعَهُ لِأَجْلِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِأَجْلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ أَمْنِ الْحَيْفِ قَالَ النَّاظِمُ ﵀: إذَا لَمْ يَخَفْ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ حَيْفَهُ ... إذَا كَانَ ذَا الْإِنْكَارُ حَتْمَ التَّأَكُّدِ (إذَا) أَيْ إنَّمَا يَرْفَعُهُ إلَى نَافِذِ الْأَمْرِ حَيْثُ (لَمْ يَخَفْ) الرَّافِعُ عِلْمَ ذَلِكَ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ (فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ) الَّذِي رَفَعَهُ إلَيْهِ (حَيْفَهُ) أَيْ جَوْرَهُ وَظُلْمَهُ. وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَإِنْ خَافَ جَوْرَهُ وَظُلْمَهُ بِأَنْ عَاقَبَهُ أَزْيَدَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ مَالًا لَمْ يَرْفَعْهُ. وَقَدْ نَصَّ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ إنْ تَعَدَّى فِيهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، قَالَ: مَرَّ بِنَا سَكْرَانُ فَشَتَمَ رَبَّهُ. فَبَعَثْنَا إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَسُولًا وَكَانَ مُخْتَفِيًا فَقُلْنَا أَيْشٍ السَّبِيلُ فِي هَذَا، سَمِعْنَاهُ يَشْتُمُ رَبَّهُ، أَتَرَى أَنْ نَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ؟ فَبَعَثَ إلَيْنَا: إنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ أَخَافُ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَيْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، وَلَكِنْ أَخِيفُوهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْكُمْ شَبِيهًا بِالْهَارِبِ، فَأَخَفْنَاهُ فَهَرَبَ.

стр. 237

وَلَا بُدَّ لِوُجُوبِ رَفْعِهِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مِنْ شَرْطٍ ثَانٍ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إذَا كَانَ ذَا) أَيْ هَذَا (الْإِنْكَارُ) الَّذِي أَنْكَرَهُ (حَتْمٌ) أَيْ وَاجِبُ الْإِنْكَارِ مَجْزُومُ (التَّأَكُّدِ) بِأَنْ كَانَ حَرَامًا مَحْضًا أَوْ تَرْكَ وَاجِبٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ مَنْدُوبًا أَوْ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ، فَمَتَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ وَلَمْ تُمْكِنْهُ رَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ: مَطْلَبٌ: فِي كَسْرِ الدُّفِّ وَلَا غُرْمَ فِي دُفِّ الصُّنُوجِ كَسَرْته ... وَلَا صُوَرٍ أَيْضًا وَلَا آلَةِ الدَّدِ (وَلَا غُرْمَ) أَيْ لَا ضَمَانَ (فِي دُفٍّ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتُفْتَحُ وَجَمْعُهُ دُفُوفٌ وَإِنَّمَا يَنْتَفِي الضَّمَانُ فِي الدُّفِّ ذِي (الصُّنُوجِ) جَمْعُ صَنْجٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ صُفْرٍ يُضْرَبُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، انْتَهَى. فَإِذَا كَانَ الدُّفُّ ذَا صُنُوجٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْك إذَا (كَسَرْته) لِعَدَمِ إبَاحَتِهِ، وَمِثْلُ الصُّنُوجِ الْحِلَقُ وَالْجَلَاجِلُ، نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ ضَمَانِهِ. وَأَمَّا الدُّفُّ الْعَارِي عَنْ ذَلِكَ فَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ إنْ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَالِمًا ضَرَبَتْ عَلَى رَأْسِهِ بِالدُّفِّ، فَقَالَ: «أَوْفِي بِنَذْرِك» . وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لِأَنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِالنِّسَاءِ. وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَيُسَنُّ الضَّرْبُ فِيهِ لِلنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ غَيْرَ أَبِي دَاوُد. وَلَا يُكْرَهُ لِقُدُومِ غَائِبٍ وَخِتَانٍ وَنَحْوِهِمَا، بَلْ يُسَنُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ. (وَلَا) غُرْمَ فِي (صُوَرٍ) جَمْعُ صُورَةٍ (أَيْضًا) مَصْدَرُ آضَ إذَا رَجَعَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأَيْضُ الْعَوْدُ إلَى الشَّيْءِ وَصَيْرُورَةُ الشَّيْءِ غَيْرَهُ وَتَحْوِيلُهُ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ وَالرُّجُوعُ، وَآضَ كَذَا صَارَ، وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا، إذَا فَعَلَهُ مُعَاوِدًا. فَمَعْنَى قَوْلِ النَّاظِمِ أَيْضًا يَعْنِي الْمُعَاوَدَةَ إلَى عَدَمِ الضَّمَانِ فِي كَسْرِ الصُّورَةِ كَمَا لَا ضَمَانَ فِي كَسْرِ الدُّفِّ الْمُصَنَّجِ. مَطْلَبٌ: فِي عِظَمِ وِزْرِ الْمُصَوِّرِينَ وَكَسْرِ الصُّورَةِ وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ مِنْ النَّبِيِّ الْمَجِيدِ ﷺ فِي عِظَمِ وِزْرِ الْمُصَوِّرِينَ وَتَهْوِيلِ ذَلِكَ.

стр. 238

فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْت سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ يَا عَائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ السَّهْوَةُ - بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - الطَّاقُ فِي الْحَائِطِ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ. وَقِيلَ الصُّفَّةُ، وَقِيلَ الْمَخْدَعُ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ، وَقِيلَ بَيْتٌ صَغِيرٌ كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ. وَالْقِرَامُ - بِكَسْرِ الْقَافِ - هِيَ السِّتْرُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ وَقَالَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُمَا «أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً - وَهِيَ بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ أَيْضًا؛ وَقَدْ تُفْتَحُ الرَّاءُ وَبِكَسْرِهَا - يَعْنِي مِخَدَّةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ. قَالَتْ: فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ فَقُلْت اشْتَرَيْتهَا لَك لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . وَقَالَ «إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلهُ الْمَلَائِكَةُ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ اُدْنُ مِنِّي فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ اُدْنُ مِنِّي، فَدَنَا، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ أُنْبِئُك بِمَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَيُعَذِّبَهُ فِي

стр. 239

جَهَنَّمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ ﵁ «أَلَا أَبْعَثُك عَلَى مَا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تَدَعَ صُورَةً إلَّا طَمَسْتهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» وَفِي مُسْلِمٍ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَمَاثِيلُ» وَالْمُرَادُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ دُونَ الْحَافِظِينَ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ وَضَّاحٍ وَالْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ عَلَى عَمَلِ الْعَبْدِ وَيُسْمِعَهُمْ قَوْلَهُ وَهُمْ بِبَابِ الدَّارِ الَّذِي هُوَ فِيهَا مَثَلًا كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ الْبَيْتَ الَّتِي هِيَ فِيهِ مَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا الرُّوحُ مَا لَمْ يُقْطَعْ رَأْسُهُ أَوْ لَمْ يُمْتَهَنْ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَمِثْلُهُ الْكَلْبُ، يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يُبَحْ اقْتِنَاؤُهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ إنِّي وُكِّلْت بِثَلَاثَةٍ: بِمَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وَبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِالْمَصُورِينَ» . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْعُنُقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ أَيْ طَائِفَةٌ وَجَانِبٌ مِنْ النَّارِ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَإِطْلَاقُ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَخْصُوصٌ بِصُوَرِ الْحَيَوَانِ دُونَ الشَّجَرِ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَيَعْنِي دُونَ مَا لَيْسَ هُوَ عَلَى هَيْئَةِ ذِي رُوحٍ وَمَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ كَإِبَانَةِ رَأْسِ الصُّورَةِ. نَعَمْ لَوْ فَصَلَهَا بِنَحْوِ خَطٍّ مِمَّا يَزِيدُهَا رَوْنَقًا لَمْ تَزُلْ الْحُرْمَةُ. وَعُمُومُ نِظَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَنَاوَلُ الصُّوَرَ الَّتِي عَلَى نَحْوِ الثِّيَابِ مِنْ السُّتُورِ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالصُّوَرِ الَّتِي عَلَى نَحْوِ الْحِيطَانِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهَا بِخِلَافِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ عَلَى السُّتُورِ وَالثِّيَابِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْرِيقُهَا وَإِنْ كَانَ تَصْوِيرُهَا حَرَامًا.

стр. 240

قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵁: فَالرَّجُلُ يُدْعَى فَيَرَى سِتْرًا عَلَيْهِ تَصَاوِيرُ، قَالَ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ. قُلْت قَدْ نَظَرْت إلَيْهِ كَيْفَ أَصْنَعُ أَهْتِكُهُ؟ قَالَ: لَا يُحْرَقُ شَيْءُ النَّاسِ، وَلَكِنْ إنْ أَمْكَنَك خَلْعُهُ خَلَعْته. قُلْت فَالرَّجُلُ يَكْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَصَاوِيرُ تَرَى أَنْ أَحُكَّ الرَّأْسَ؟ قَالَ نَعَمْ، وَهَذَا الْحَكُّ إذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ، وَأَمَّا فِي سِتْرٍ وَثِيَابٍ فَلَا يُتْلِفُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: وَسُئِلَ هَلْ يَجُوزُ تَخْرِيقُ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ؟ قَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَفَارِشَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا اتَّخَذَتْ ذَاكَ السِّتْرَ مِخَدَّةً أَوْ مِخَدَّتَيْنِ. فَإِذَا كَانَ عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ يُفْرَشُ وَيُدَاسُ، أَوْ مَخَادٍّ تُوضَعُ وَيُجْلَسُ عَلَيْهَا فَلَا حُرْمَةَ. نَعَمْ التَّصْوِيرُ حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. وَتَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي آدَابِ اللِّبَاسِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. . (وَلَا) غُرْمَ أَيْضًا فِي (آلَةِ) وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَا عُمِلَتْ بِهِ مِنْ آلَاتِ الْبِنَاءِ مَثَلًا نَحْوُ خَشَبٍ وَأَحْجَارٍ وَآجُرٍّ وَعَمَلِ الْخَيْمَةِ وَالْجَمْعُ آلَاتٌ (الدَّدِ) أَيْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالصِّحَاحِ، تَقُولُ هَذَا دَدٌ وَدَدًا كَقَفًا وَدَدَنٍ. وَفِي حَدِيثٍ «مَا أَنَا دَدٌ وَلَا الدَّدُ مِنِّي» قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لَهُ كَسْرُ آلَةِ اللَّهْوِ وَصُوَرِ الْخَيَالِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁: وَآلَاتُ اللَّهْوِ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا وَلَا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ كَغَيْرِهِ: وَمَنْ أَتْلَفَ أَوْ كَسَرَ مِزْمَارًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ كَسَرَ إنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إنَاءً فِيهِ خَمْرٌ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِهِ أَوْ آلَةَ لَهْوٍ وَلَوْ مَعَ صَغِيرٍ كَعُودٍ وَطَبْلٍ وَدُفٍّ بِصُنُوجٍ أَوْ حِلَقٍ أَوْ نَرْدٍ أَوْ شِطْرَنْجٍ أَوْ صُوَرَ خَيَالٍ أَوْ أَوْثَانٍ، وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي النَّظْمِ، لَمْ يَضْمَنْ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ (إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ) : وَنَصَّ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ عَلَى كَسْرِ آلَاتِ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ وَغَيْرِهِ إذَا رَآهَا مَكْشُوفَةً وَأَمْكَنَهُ كَسْرُهَا. وَعَنْهُ فِي كَسْرِهَا إذَا كَانَتْ مُغَطَّاةً تَحْتَ ثِيَابِهِ وَعَلِمَ بِهَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ. وَقَدْ عَلِمْت فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ الْإِطْلَاقَ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ.

стр. 241

مَطْلَبٌ: فِي إتْلَافِ آلَةِ التَّنْجِيمِ وَالسِّحْرِ: وَآلَةِ تَنْجِيمٍ وَسِحْرٍ وَنَحْوِهِ ... وَكُتُبٍ حَوَتْ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ اُقْدُدْ (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (آلَةِ تَنْجِيمٍ) لِأَنَّهُ عِلْمٌ بَاطِلٌ وَحَدْسٌ عَاطِلٌ مَبْنَاهُ عَلَى الْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ لَا عَلَى الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ لَمْ تَرِدْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ، وَإِنَّمَا يَلْهَجُ بِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وَلَا نَصِيبَ مِنْ الدِّينِ بَحْرًا وَبَرًّا. وَقَدْ أَنْكَرَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَنَصُّوا عَلَى بُطْلَانِهِ وَحُرْمَتِهِ، فَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحَرَامِ. وَقَدْ أَبْطَلَهُ بِالنَّقْضِ وَالْبُرْهَانِ عَيْنُ الْأَعْيَانِ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي (مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ) فَأَتَى فِيهِ بِمَا يَكْفِي وَيَشْفِي وَزِيَادَةٍ، وَأَنْشَدَ قَصِيدَةَ أَبِي تَمَّامٍ فِي أَمْرِ عَمُورِيَّةَ وَالْمُعْتَصِمُ. وَمِنْهَا: أَيْنَ الرِّوَايَةُ أَمْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا ... صَاغُوهُ مِنْ زُخْرُفٍ مِنْهَا وَمِنْ كَذِبِ تَخَرُّصًا وَأَحَادِيثًا مُلَفَّقَةً ... لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إذَا عُدَّتْ وَلَا غَرَبِ وَأَنْشَدَ قَصِيدَةَ الْفَاضِلِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَحْمُودٍ الْحُسَيْنِيِّ لَمَّا قَضَى مُنَجِّمُو زَمَانِهِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ لَمَّا نَزَلَ الْإِفْرَنْجُ عَلَى دِمْيَاطَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبُوا عَلَى الْبِلَادِ فَيَتَمَلَّكُوا مَا بِأَرْضِ مِصْرَ مِنْ رِقَابِ الْعِبَادِ وَأَنَّهُمْ لَا تَدُورُ عَلَيْهِمْ الدَّائِرَةُ إلَّا إذَا قَامَ قَائِمُ الزَّمَانِ، وَظَهَرَ بِرَايَاتِهِ الْخَافِقَةِ ذَلِكَ الْأَوَانُ، فَكَذَّبَ اللَّهُ ظُنُونَهُمْ وَأَتَى مِنْ لُطْفِهِ الْخَفِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ، وَرَدَّ الْفِرِنْجَ، بَعْدَ الْقَتْلِ الذَّرِيعِ فِيهِمْ، وَالْأَسْرِ عَلَى الْأَعْقَابِ. وَكَانَ الْمُنَجِّمُونَ قَدْ أَجْمَعُوا فِي أَمْرِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى نَحْوِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُمْ فِي شَأْنِ عَمُورِيَّةَ مَعَ الْمُعْتَصَمِ ذِي السَّطْوَةِ الْبَارِعَةِ. فَمِمَّا أُنْشِدَ: لَا يَنْبَغِي لَك فِي مَكْرُوهِ حَادِثَةٍ ... أَنْ تَبْتَغِي لَك فِي غَيْرِ الرِّضَا طَلَبَا لِلَّهِ فِي الْخَلْقِ تَدْبِيرٌ يَفُوقُ مَدَى ... أَسْرَارِ حِكْمَتِهِ أَحْكَامَ مَنْ حَسِبَا أَبْغِي النَّجَاةَ إذَا مَا ذُو النَّجَامَةِ فِي ... زُورٍ مِنْ الْقَوْلِ يَقْضِي كُلَّ مَا قَرُبَا إلَى أَنْ قَالَ: لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ خَالِقُنَا ... لَا غَيْرُهُ عَالِمٌ عَجَمًا وَلَا عَرَبَا لَا شَيْءَ أَجْهَلُ مِمَّنْ يَدَّعِي ثِقَةً ... بِحَدْسِهِ وَيَرَى فِيمَا يَرَى رِيَبَا قَدْ يَجْهَلُ الْمَرْءُ مَا فِي بَيْتِهِ نَظَرًا ... فَكَيْفَ عَنْهُ بِمَا فِي غَيْبِهِ احْتَجَبَا

стр. 242

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ أَنَّ عَلِيًّا نَهَى عَنْ السَّفَرِ وَالْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ فَبَاطِلٌ. وَالْمَشْهُورُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ خِلَافُهُ، أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِحَرْبِ الْخَوَارِجِ اعْتَرَضَ مُنَجِّمٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَخْرُجَ، قَالَ لِأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ إنَّ الْقَمَرَ فِي الْعَقْرَبِ، فَإِنْ خَرَجْت أُصِبْت وَهُزِمَ عَسْكَرُك، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنَجِّمٌ، وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ، فَأَخْرُجُ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِك، فَمَا سَافَرَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَفْرَةً أَبْرَكَ مِنْهَا، قَتَلَ الْخَوَارِجَ وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ، وَرَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا فَائِزًا بِبِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ قَتَلَهُمْ حَيْثُ يَقُولُ: «شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَا، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ» وَفِي لَفْظٍ «طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ» . وَمِمَّا يُنْسَبُ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْلُهُ: أَيَا عُلَمَا النُّجُومِ أَحَلْتُمُونَا ... عَلَى عِلْمٍ أَرَقَّ مِنْ الْهَبَاءِ كُنُوزُ الْأَرْضِ لَمْ تَصِلُوا إلَيْهَا ... فَكَيْفَ وَصَلْتُمُو عِلْمَ السَّمَاءِ قُلْت: وَنَسَبَهُمَا صَلَاحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْوَافِي بِالْوَفَيَاتِ إلَى الْإِمَامِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظِ: أَمُنْتَحِلِي النُّجُومَ أَحَلْتُمُونَا ... عَلَى عِلْمٍ أَرَقَّ مِنْ الْهَبَاءِ عُلُومُ الْأَرْضِ مَا أَحْكَمْتُمُوهَا ... فَكَيْفَ بِكُمْ إلَى عِلْمِ السَّمَاءِ وَمَا أَلْطَفَ قَوْلَ تَاجِ الدِّينِ الْكِنْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: دَعْ الْمُنَجِّمَ يَكْبُو فِي ضَلَالَتِهِ ... إنْ ادَّعَى عِلْمَ مَا يَجْرِي بِهِ الْفَلَكُ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِالْعِلْمِ الْقَدِيمِ فَلَا الْ ... إنْسَانُ يُشْرِكُهُ فِيهِ وَلَا الْمَلَكُ أَعَدَّ لِلرِّزْقِ مِنْ إشْرَاكِهِ شَرَكًا ... وَبِئْسَ الْعِدَّتَانِ الشِّرْكُ وَالشَّرَكُ وَأَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُنَجِّمِينَ وَرَدِّهِ. فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَنَصَحَهُ لِشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ . . (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ آلَةِ (سِحْرٍ) لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ آلَةِ (نَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ السِّحْرِ كَالتَّعْزِيمِ وَالْحَصَى الَّذِي يُتَّخَذُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالسِّحْرِ، وَهُوَ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]

стр. 243

دَلَالَةٌ عَلَى كُفْرِ السَّحَرَةِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» . وَرَوَى عَنْهُ النَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ وُكِلَ إلَيْهِ» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ دُونَ قَوْلِهِ وَمَنْ أَتَى إلَخْ. وَرَوَى الْبَزَّارُ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا قَالَ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » إسْنَادُهُ جَيِّدُ قَوِيٌّ. وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ وَالْمُضْمَرَاتِ فَيُصِيبُ بَعْضَهَا وَيُخْطِئُ أَكْثَرَهَا، وَيَزْعُمُ أَنَّ الْجِنَّ تُخْبِرُهُ بِذَلِكَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «لَنْ يَنَالَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا» . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» .

стр. 244

قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْعَرَّافُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ كَالْكَاهِنِ، وَقِيلَ هُوَ السَّاحِرُ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: الْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا، كَالْمَسْرُوقِ مَنْ الَّذِي سَرَقَهُ، وَمَعْرِفَةِ مَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّى الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا. انْتَهَى. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَّافَ غَيْرُ الْكَاهِنِ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مَوْقُوفًا. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ «يُؤْمِنُ بِمَا يَقُولُ» وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْتِ» قَالَ أَبُو دَاوُد: الطَّرْقُ الزَّجْرُ، وَالْعِيَافَةُ الْحَظُّ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الطَّرْقُ الضَّرْبُ بِالْحَصَى وَهُوَ جِنْسٌ مِنْ التَّكْهِينِ وَهُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ. وَالْجِبْتُ بِكَسْرِ الْجِيمِ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. . (تَنْبِيهَانِ) : (الْأَوَّلُ) : الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ كُفْرُ السَّاحِرِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيَحْرُمُ تَعَلُّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ، وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ. وَلَهُ حَقِيقَةٌ، فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَمَا يُمْرِضُ، وَمَا يَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَيَمْنَعُهُ عَنْ وَطْئِهَا، أَوْ يَعْقِدُ الْمُتَزَوِّجَ فَلَا يُطِيقُ وَطْأَهَا أَوْ يَسْحَرُهُ حَتَّى يَهِيمَ مَعَ

стр. 245

الْوَحْشِ. وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ وَمَا يُبْغِضُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَيُحَبِّبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ. قَالَ وَيَكْفُرُ بِتَعْلِيمِهِ وَفِعْلِهِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَوْ إبَاحَتَهُ، كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْجَمَادَ مِنْ مِكْنَسَةٍ وَغَيْرِهَا فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ، وَيُقْتَلُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَذَا مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ ذِمِّيٌّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِهِ، وَيَكُونَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ. فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ يَضُرُّ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِفِعْلِهِ غَالِبًا فَيُقْتَصَّ مِنْهُ وَإِلَّا يَكُنْ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَالدِّيَةُ. وَأَمَّا الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا فَتُطِيعُهُ فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْكَاهِنُ وَالْعَرَّافُ. وَإِطْلَاقُ الشَّارِعِ كُفْرَ مَنْ أَتَاهُمَا تَشْدِيدٌ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَالْكَاهِنُ الَّذِي لَهُ رَوِيٌّ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ، وَالْعَرَّافُ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ كَالْمُنَجِّمِ. وَلَوْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ. قَالَ: وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا. وَالْمُشَعْبِذُ وَالْقَائِلُ بِزَجْرِ الطَّيْرِ، وَالضَّارِبُ بِحَصًى وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالنَّظَرُ فِي أَلْوَاحِ الْأَكْتَافِ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ الْغَيْبَ عُزِّرَ وَيَكُفُّ عَنْهُ وَإِلَّا كَفَرَ وَحَرُمَ طَلْسَمٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ كَاسْمِ كَوْكَبٍ، وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَلَا بَأْسَ بِحَلِّ السِّحْرِ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الْمُبَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) : الَّذِي يَحْرُمُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا يَدَّعِيهِ أَهْلُهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَوَادِثِ الْآتِيَةِ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَجِيءِ الْمَطَرِ، وَوُقُوعِ الثَّلْجِ، وَهُبُوبِ الرِّيحِ، وَتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِسَيْرِ الْكَوَاكِبِ وَاقْتِرَانِهَا وَافْتِرَاقِهَا وَظُهُورِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَهَذَا شَيْءٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي (مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ) بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ. فَأَمَّا مَا يُدْرَكُ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الزَّوَالُ وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ وَكَمْ مَضَى وَكَمْ بَقِيَ فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي النَّهْيِ، بَلْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 246

(وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (كُتُبٍ) جَمْعُ كِتَابٍ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْكُتُبُ الْمُدَوَّنَةُ الْجَامِعَةُ لِأَبْوَابِ الْعُلُومِ وَفُصُولِهَا وَمَسَائِلِهَا وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَمْعِهَا أَنْوَاعَ الْعُلُومِ وَالْمَسَائِلِ. وَإِنَّمَا يُبَاحُ إتْلَافُهَا وَلَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا حَيْثُ (حَوَتْ) أَيْ اشْتَمَلَتْ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: حَوَاهُ يَحْوِيهِ حَيًّا وَحَوَايَةً، وَاحْتَوَاهُ وَاحْتَوَى عَلَيْهِ جَمَعَهُ وَأَحْرَزَهُ. قِيلَ وَمِنْهُ الْحَيَّةُ لِتَحْوِيهَا أَوْ لِطُولِ حَيَاتِهَا. وَالْحَوَايَا الْأَمْعَاءُ. انْتَهَى. (هَذَا) الْهَاءُ لِلتَّنْبِيهِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِآلَةِ التَّنْجِيمِ وَالسِّحْرِ بِأَنْوَاعِهِ مِنْ السِّيمِيَاءِ وَالْهِيمْيَاءِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَالْعَزَائِمِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْأَوْفَاقِ وَالِاسْتِخْدَامَات، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَأَشْبَاهُهُ) أَيْ أَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ وَالْبَاطِلَاتِ، فَكُلُّ مَا شَاكَلَ ذَلِكَ وَمَاثَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُتْلِفِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ وَمَالِيَّتِهِ، وَكَذَا كُتُبٌ مُبْتَدَعَةٌ مُضِلَّةٌ، وَأَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ، وَكُتُبُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِالْأَوْلَى لَا سِيَّمَا (كُتُبُ الدُّرُوزِ) عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، فَقَدْ نَظَرْت فِي بَعْضِهَا فَرَأَيْت الْعَجَبَ الْعُجَابَ، فَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا مَجُوسَ مِثْلُهُمْ، بَلْ هُمْ أَشَدُّ مِنْ عَلِمْنَا كُفْرًا لِإِسْقَاطِهِمْ الْأَحْكَامَ وَإِنْكَارِهِمْ الْقِيَامَ، وَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْحَاكِمَ الْعُبَيْدَيَّ الْخَبِيثَ رَبُّ الْأَنَامِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا وَأَضْرَابِهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُضِلَّةِ (اُقْدُدْ) هَا أَمْرُ وُجُوبٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ مِنْ الْقَدِّ وَهُوَ الْقَطْعُ الْمُسْتَأْصِلُ أَوْ الْمُسْتَطِيلُ وَالشَّقُّ كَالِاقْتِدَادِ وَالتَّقْدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَبَيْضٍ وَجَوْزٍ لِلْقِمَارِ بِقَدْرِ مَا ... يُزِيلُ عَنْ الْمَنْكُورِ مَقْصِدَ مُفْسِدِ (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (بَيْضٍ) يُتَّخَذُ لِلْقِمَارِ (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (جَوْزٍ) هُوَ الثَّمَرُ الْمَعْرُوفُ. وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَجَرَةَ الْجَوْزِ فِي حَدِيثِ (شَجَرَةُ طُوبَى) لَمَّا «قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَيْسَ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِك وَلَكِنْ أَتَيْت الشَّامَ؟ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ شَجَرَةً فِي الشَّامِ تُدْعَى الْجَوْزَةَ» وَالْمُتَّخَذُ (لِلْقِمَارِ) ثَمَرَتُهَا وَلَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ إتْلَافُ نَحْوِ الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ (بِقَدْرِ مَا) أَيْ إنْكَارٍ (يُزِيلُ) أَيْ يُذْهِبُ وَيُبْطِلُ (عَنْ) الشَّخْصِ (الْمَنْكُورِ) عَلَيْهِ (مَقْصِدَ مُفْسِدِ) أَيْ يُتْلِفُ الْقَدْرَ الَّذِي يَزُولُ بِهِ الْقَصْدُ الْمُحَرَّمُ الْفَاسِدُ بِأَنْ كَسَرَ الْبَيْضَ وَالْجَوْزَ بِحَيْثُ يُذْهِبُ بِهِ

стр. 247

تَأْتِي الْقِمَارُ بِهِ فَقَطْ دُونَ إتْلَافٍ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِمَارِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ الْمُرَاهَنَةِ، يُقَالُ قَامَرَهُ مُقَامَرَةً وَقَمْرًا فَقَمَرَهُ كَنَصَرَهُ وَتَقَمَّرَهُ رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ وَهُوَ التَّقَامُرُ. وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ قَالَ تَعَالَ أُقَامِرْك فَلْيَتَصَدَّقْ» قِيلَ يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ مَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْقِمَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ مَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلَا شَقِّ زِقِّ الْخَمْرِ أَوْ كَسْرِ دَنِّهِ ... إذَا عَجَزَ الْإِنْكَارُ دُونَ التَّقَدُّدِ (وَلَا) غُرْمَ أَيْضًا فِي (شَقِّ زِقٍّ) أَيْ وِعَاءٍ (الْخَمْرِ) وَالزَّقُّ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ هُوَ السِّقَاءُ أَوْ جِلْدٌ يُجَزُّ وَلَا يَنْتِفْ لِلشَّرَابِ وَغَيْرِهِ. وَالْخَمْرُ كُلُّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ أَيْ غَطَّاهُ، فَمَتَى أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ. وَشُرْبُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا زَادَ مُسْلِمٌ «وَلَكِنَّ التَّوْبَةَ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ» . وَقَالَ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَبَائِعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ «وَآكِلَ ثَمَنِهَا» وَرَوَى مِثْلَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُسْقَاهَا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ» هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِلْبَيْهَقِيِّ.

стр. 248

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمَا: وَفِي قَوْلِهِ حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ وَعِيدٌ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْرٌ إلَّا أَنَّهُمْ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَا يُحْرَمُ شَرَابَهَا. انْتَهَى. قُلْت: وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِيمَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] بَلْ أَوْلَى. وَقَدْ أَشْبَعْت الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْكَبَائِرِ. (أَوْ) أَيْ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ فِي (كَسْرِ دَنِّهِ) أَيْ دَنِّ الْخَمْرِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرَّاقُودُ الْعَظِيمُ أَوْ أَطْوَلُ مِنْ الْحُبِّ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ لَهُ عُسْعُسٌ لَا يَقْعُدُ إلَّا أَنْ يَحْفِرَ لَهُ. وَفِي لُغَةِ الْإِقْنَاعِ: الدَّنُّ الْحُبُّ إلَّا أَنَّهُ أَطْوَلُ مِنْهُ وَأَوْسَعُ رَأْسًا وَجَمْعُهُ دِنَانٌ مِثْل سَهْمٍ وَسِهَامٍ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُبِّ: وَالْحُبُّ الْجَرَّةُ أَوْ الضَّخْمَةُ مِنْهَا جَمْعُهُ أَحْبَابٌ وَحِبَبَةٌ وَحِبَابٌ وَبِالْكَسْرِ الْمُحِبُّ. انْتَهَى. وَقَوْلُ النَّاظِمِ (إذَا عَجَزَ الْإِنْكَارُ) أَيْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِنْكَارُ (دُونَ) أَيْ غَيْرَ التَّقَدُّدِ يَعْنِي حَيْثُ لَمْ تُمْكِنْ إزَالَةُ هَذَا الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ إرَاقَةُ الْخَمْرِ بِغَيْرِ تُقَدِّدْ زَقِّ الْخَمْرِ أَوْ كَسْرِ دَنِّهِ. وَمَفْهُومُهُ ضَمَانُ آنِيَةِ الْخَمْرِ مَعَ إمْكَانِ إرَاقَتِهَا دُونَ تَلَفِ الْآنِيَةِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فَقَالَ: وَإِنْ يَتَأَتَّى دُونَهُ دَفْعُ مُنْكَرٍ ضَمِنْت الَّذِي يُنْقَى بِتَغْسِيلِهِ قَدْ (وَإِنْ يَتَأَتَّى) أَيْ يُمْكِنُ إرَاقَةُ الْخَمْرِ مِنْ الزَّقِّ أَوْ الدَّنِّ (دُونَهُ) أَيْ دُونَ شَقِّ زَقِّ الْخَمْرِ وَدُونَ كَسْرِ دَنِّهِ (دَفْعٌ) أَيْ إزَالَةُ (مُنْكَرٍ) وَهُوَ الْخَمْرُ بِلَا شَقِّ زَقٍّ أَوْ كَسْرِ دَنٍّ ثُمَّ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالتَّأَتِّي وَالنَّهْيِ لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَدَفْعِهِ مَعَ إرَاقَةِ الْخَمْرِ بِغَيْرِ شَقٍّ وَكَسْرٍ إنْ شَقَقْت الزِّقَّ أَوْ كَسَرْت الدَّنَّ (ضَمِنْت) أَيْ غَرِمْت الزِّقَّ أَوْ الدَّنَّ (الَّذِي يُنْقَى) أَيْ يُنَظَّفُ وَيُطَهَّرُ. وَأَصْلُ النَّقَاءِ الْبَيَاضُ وَالنَّظَافَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّهَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْوِعَاءُ طَاهِرًا جَائِزَ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ كَوْنِهِ نَجِسًا مُحَرَّمَ الِاسْتِعْمَالِ (بِتَغْسِيلِهِ) أَيْ بِسَبَبِ

стр. 249

تَغْسِيلِ ذَلِكَ الْإِنَاءِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُهُ بِأَنْ كَانَ تَشْرَبُ النَّجَاسَةَ فَلَا ضَمَانَ بِأَنْ يَكُونَ الدَّنُّ أَوْ الزِّقُّ فَشَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ. وَقَوْلُهُ (قَدْ) أَيْ حَسْبُ، يَعْنِي فَقَطْ دُونَ الَّذِي لَمْ يَطْهُرْ بِتَغْسِيلِهِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَجْزِ عَنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِدُونِ كَسْرٍ أَوْ شَقِّ وِعَاءِ الْخَمْرِ وَإِلَّا ضَمِنَ رِوَايَةً اخْتَارَهَا النَّاظِمُ ﵀ نَقَلَهَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَثْرَمِ مِنْ الْإِمَامِ ﵁. وَالْمَذْهَبُ الْمَجْزُومُ بِهِ خِلَافُهُ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَمْ يَضْمَنْ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِ تَلَفِ الْإِنَاءِ أَوْ لَا. قَالَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِيَ الشَّفْرَةُ فَأَتَيْت بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأُرْهِفَتْ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ أَعِدْ عَلَيَّ بِهَا فَفَعَلْت. فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا زُقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنْ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ كُلِّهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَيُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْتُهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَكَذَا لَوْ أَحْرَقَ مَخْزِنَ خَمْرٍ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْهَدْيِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: رَجُلٌ مُسْلِمٌ وُجِدَ فِي بَيْتِهِ خَمْرٌ، قَالَ يُرَاقُ الْخَمْرُ وَيُؤَدَّبُ، وَإِنْ كَانَتْ تِجَارَتَهُ يُحْرَقُ بَيْتُهُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِرُوَيْشِدٍ. انْتَهَى. يُرِيدُ مَا رَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ شَرَابًا فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَحُرِقَ بَيْتُهُ، وَكَانَ يُدْعَى (رُوَيْشِدٌ) فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ فُوَيْسِقٌ. وَقَالَ الْحَارِثُ: شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ يَصْطَنِعُ الْخَمْرَ فِي بَيْتِهِ فَيَشْرَبُهَا وَيَبِيعُهَا، فَأُمِرَ بِهَا فَكُسِرَتْ وَحُرِقَ بَيْتُهُ وَأُنْهِبَ مَالُهُ ثُمَّ جُلِدَ، وَنَفَاهُ. رَوَاهُمَا الْإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. [مَطْلَبٌ: فِي هَجْرِ مَنْ أَعْلَنَ بِالْمَعَاصِي] وَلَمَّا بَيَّنَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَرَاتِبِهِ الثَّلَاثَةِ وَبَيَّنَ طَرَفًا مِمَّا يُنْكِرُهُ وَيَكْسِرُهُ وَيُتْلِفُهُ. وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيَكُونُ إنَّمَا أَنْكَرَ

стр. 250

بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ فَقَطْ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي هِجْرَانُهُ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيَانِ هِجْرَانِ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي هَجْرِ مَنْ أَعْلَنَ بِالْمَعَاصِي: وَهِجْرَانُ مَنْ أَبْدَى الْمَعَاصِيَ سُنَّةٌ ... وَقَدْ قِيلَ إنْ يَرْدَعْهُ أَوْجِبْ وَأَكِّدْ (وَهِجْرَانُ) مَصْدَرُ هَجَرَهُ هَجْرًا بِالْفَتْحِ وَهِجْرًا بِالْكَسْرِ صَرَمَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْهَجْرُ ضِدُّ الْوَصْلِ يَعْنِي صَرْمَ وَقَطْعَ (مَنْ) أَيْ إنْسَانٍ مُكَلَّفٍ (أَبْدَى) أَيْ أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفُ (الْمَعَاصِيَ) جَمْعُ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ مَا يُعَابُ فَاعِلُهَا ضِدُّ الطَّاعَةِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَعَاصِي فِعْلِيَّةً أَوْ قَوْلِيَّةً أَوْ اعْتِقَادِيَّةً (سُنَّةٌ) مِنْ سُنَنِ الْمُصْطَفَى يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهَا حَيْثُ كَانَ الْهَجْرُ لِلَّهِ تَعَالَى وَغَضَبًا لِارْتِكَابِ مَعَاصِيهِ أَوْ لِإِهْمَالِ أَوَامِرِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ إنْ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِلَّا كَيْفَ يَتَبَيَّنُ لِلرَّجُلِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرَ مُنْكَرًا وَلَا جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ. وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبًا وَصَاحِبِيهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِهَجْرِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا. وَهَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا. وَهَجَرَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ ﵂ ابْنَ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ مُدَّةً. وَهَجَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَاتُوا مُتَهَاجِرِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. أَمَّا هِجْرَانُ النَّبِيِّ ﷺ كَعْبًا وَصَاحِبَهُ وَهُمَا (مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) الْعَامِرِيُّ وَ (هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ) الْوَاقِفِيُّ فَلِتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَأَمَّا هِجْرَانُهُ أَهْلَهُ شَهْرًا فَلِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ ﷺ مِنْ طَلَبِ بَعْضِ أُمُورٍ وَشُئُونٍ مِنْهُ حَتَّى أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ، فَخَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَأَمَّا هِجْرَانُ سَيِّدَتِنَا وَأُمِّنَا عَائِشَةَ ﵂ ابْنَ أُخْتِهَا الْإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵃ فَلِفَرْطِ كَرَمِهَا ﵂ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهَا بِالدُّنْيَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: إنَّ هَذَا سَفَهٌ أَوْ كَلَامٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْجَبَ غَضَبَ
следующие страницы →