← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (كُتُبٍ) جَمْعُ كِتَابٍ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْكُتُبُ الْمُدَوَّنَةُ الْجَامِعَةُ لِأَبْوَابِ الْعُلُومِ وَفُصُولِهَا وَمَسَائِلِهَا وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَمْعِهَا أَنْوَاعَ الْعُلُومِ وَالْمَسَائِلِ. وَإِنَّمَا يُبَاحُ إتْلَافُهَا وَلَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا حَيْثُ (حَوَتْ) أَيْ اشْتَمَلَتْ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: حَوَاهُ يَحْوِيهِ حَيًّا وَحَوَايَةً، وَاحْتَوَاهُ وَاحْتَوَى عَلَيْهِ جَمَعَهُ وَأَحْرَزَهُ. قِيلَ وَمِنْهُ الْحَيَّةُ لِتَحْوِيهَا أَوْ لِطُولِ حَيَاتِهَا. وَالْحَوَايَا الْأَمْعَاءُ. انْتَهَى. (هَذَا) الْهَاءُ لِلتَّنْبِيهِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِآلَةِ التَّنْجِيمِ وَالسِّحْرِ بِأَنْوَاعِهِ مِنْ السِّيمِيَاءِ وَالْهِيمْيَاءِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَالْعَزَائِمِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْأَوْفَاقِ وَالِاسْتِخْدَامَات، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَأَشْبَاهُهُ) أَيْ أَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ وَالْبَاطِلَاتِ، فَكُلُّ مَا شَاكَلَ ذَلِكَ وَمَاثَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُتْلِفِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ وَمَالِيَّتِهِ، وَكَذَا كُتُبٌ مُبْتَدَعَةٌ مُضِلَّةٌ، وَأَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ، وَكُتُبُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِالْأَوْلَى لَا سِيَّمَا (كُتُبُ الدُّرُوزِ) عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، فَقَدْ نَظَرْت فِي بَعْضِهَا فَرَأَيْت الْعَجَبَ الْعُجَابَ، فَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا مَجُوسَ مِثْلُهُمْ، بَلْ هُمْ أَشَدُّ مِنْ عَلِمْنَا كُفْرًا لِإِسْقَاطِهِمْ الْأَحْكَامَ وَإِنْكَارِهِمْ الْقِيَامَ، وَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْحَاكِمَ الْعُبَيْدَيَّ الْخَبِيثَ رَبُّ الْأَنَامِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا وَأَضْرَابِهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُضِلَّةِ (اُقْدُدْ) هَا أَمْرُ وُجُوبٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ مِنْ الْقَدِّ وَهُوَ الْقَطْعُ الْمُسْتَأْصِلُ أَوْ الْمُسْتَطِيلُ وَالشَّقُّ كَالِاقْتِدَادِ وَالتَّقْدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَبَيْضٍ وَجَوْزٍ لِلْقِمَارِ بِقَدْرِ مَا ... يُزِيلُ عَنْ الْمَنْكُورِ مَقْصِدَ مُفْسِدِ (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (بَيْضٍ) يُتَّخَذُ لِلْقِمَارِ (وَ) لَا غُرْمَ أَيْضًا فِي إتْلَافِ (جَوْزٍ) هُوَ الثَّمَرُ الْمَعْرُوفُ. وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَجَرَةَ الْجَوْزِ فِي حَدِيثِ (شَجَرَةُ طُوبَى) لَمَّا «قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَيْسَ تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِك وَلَكِنْ أَتَيْت الشَّامَ؟ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ شَجَرَةً فِي الشَّامِ تُدْعَى الْجَوْزَةَ» وَالْمُتَّخَذُ (لِلْقِمَارِ) ثَمَرَتُهَا وَلَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ إتْلَافُ نَحْوِ الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ (بِقَدْرِ مَا) أَيْ إنْكَارٍ (يُزِيلُ) أَيْ يُذْهِبُ وَيُبْطِلُ (عَنْ) الشَّخْصِ (الْمَنْكُورِ) عَلَيْهِ (مَقْصِدَ مُفْسِدِ) أَيْ يُتْلِفُ الْقَدْرَ الَّذِي يَزُولُ بِهِ الْقَصْدُ الْمُحَرَّمُ الْفَاسِدُ بِأَنْ كَسَرَ الْبَيْضَ وَالْجَوْزَ بِحَيْثُ يُذْهِبُ بِهِ

стр. 247

تَأْتِي الْقِمَارُ بِهِ فَقَطْ دُونَ إتْلَافٍ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِمَارِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ الْمُرَاهَنَةِ، يُقَالُ قَامَرَهُ مُقَامَرَةً وَقَمْرًا فَقَمَرَهُ كَنَصَرَهُ وَتَقَمَّرَهُ رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ وَهُوَ التَّقَامُرُ. وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ قَالَ تَعَالَ أُقَامِرْك فَلْيَتَصَدَّقْ» قِيلَ يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ مَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْقِمَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ مَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلَا شَقِّ زِقِّ الْخَمْرِ أَوْ كَسْرِ دَنِّهِ ... إذَا عَجَزَ الْإِنْكَارُ دُونَ التَّقَدُّدِ (وَلَا) غُرْمَ أَيْضًا فِي (شَقِّ زِقٍّ) أَيْ وِعَاءٍ (الْخَمْرِ) وَالزَّقُّ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ هُوَ السِّقَاءُ أَوْ جِلْدٌ يُجَزُّ وَلَا يَنْتِفْ لِلشَّرَابِ وَغَيْرِهِ. وَالْخَمْرُ كُلُّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ أَيْ غَطَّاهُ، فَمَتَى أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ. وَشُرْبُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا زَادَ مُسْلِمٌ «وَلَكِنَّ التَّوْبَةَ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ» . وَقَالَ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَبَائِعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ «وَآكِلَ ثَمَنِهَا» وَرَوَى مِثْلَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُسْقَاهَا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ» هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِلْبَيْهَقِيِّ.

стр. 248

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمَا: وَفِي قَوْلِهِ حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ وَعِيدٌ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْرٌ إلَّا أَنَّهُمْ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَا يُحْرَمُ شَرَابَهَا. انْتَهَى. قُلْت: وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِيمَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] بَلْ أَوْلَى. وَقَدْ أَشْبَعْت الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْكَبَائِرِ. (أَوْ) أَيْ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ فِي (كَسْرِ دَنِّهِ) أَيْ دَنِّ الْخَمْرِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرَّاقُودُ الْعَظِيمُ أَوْ أَطْوَلُ مِنْ الْحُبِّ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ لَهُ عُسْعُسٌ لَا يَقْعُدُ إلَّا أَنْ يَحْفِرَ لَهُ. وَفِي لُغَةِ الْإِقْنَاعِ: الدَّنُّ الْحُبُّ إلَّا أَنَّهُ أَطْوَلُ مِنْهُ وَأَوْسَعُ رَأْسًا وَجَمْعُهُ دِنَانٌ مِثْل سَهْمٍ وَسِهَامٍ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُبِّ: وَالْحُبُّ الْجَرَّةُ أَوْ الضَّخْمَةُ مِنْهَا جَمْعُهُ أَحْبَابٌ وَحِبَبَةٌ وَحِبَابٌ وَبِالْكَسْرِ الْمُحِبُّ. انْتَهَى. وَقَوْلُ النَّاظِمِ (إذَا عَجَزَ الْإِنْكَارُ) أَيْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِنْكَارُ (دُونَ) أَيْ غَيْرَ التَّقَدُّدِ يَعْنِي حَيْثُ لَمْ تُمْكِنْ إزَالَةُ هَذَا الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ إرَاقَةُ الْخَمْرِ بِغَيْرِ تُقَدِّدْ زَقِّ الْخَمْرِ أَوْ كَسْرِ دَنِّهِ. وَمَفْهُومُهُ ضَمَانُ آنِيَةِ الْخَمْرِ مَعَ إمْكَانِ إرَاقَتِهَا دُونَ تَلَفِ الْآنِيَةِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فَقَالَ: وَإِنْ يَتَأَتَّى دُونَهُ دَفْعُ مُنْكَرٍ ضَمِنْت الَّذِي يُنْقَى بِتَغْسِيلِهِ قَدْ (وَإِنْ يَتَأَتَّى) أَيْ يُمْكِنُ إرَاقَةُ الْخَمْرِ مِنْ الزَّقِّ أَوْ الدَّنِّ (دُونَهُ) أَيْ دُونَ شَقِّ زَقِّ الْخَمْرِ وَدُونَ كَسْرِ دَنِّهِ (دَفْعٌ) أَيْ إزَالَةُ (مُنْكَرٍ) وَهُوَ الْخَمْرُ بِلَا شَقِّ زَقٍّ أَوْ كَسْرِ دَنٍّ ثُمَّ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالتَّأَتِّي وَالنَّهْيِ لِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَدَفْعِهِ مَعَ إرَاقَةِ الْخَمْرِ بِغَيْرِ شَقٍّ وَكَسْرٍ إنْ شَقَقْت الزِّقَّ أَوْ كَسَرْت الدَّنَّ (ضَمِنْت) أَيْ غَرِمْت الزِّقَّ أَوْ الدَّنَّ (الَّذِي يُنْقَى) أَيْ يُنَظَّفُ وَيُطَهَّرُ. وَأَصْلُ النَّقَاءِ الْبَيَاضُ وَالنَّظَافَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّهَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْوِعَاءُ طَاهِرًا جَائِزَ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ كَوْنِهِ نَجِسًا مُحَرَّمَ الِاسْتِعْمَالِ (بِتَغْسِيلِهِ) أَيْ بِسَبَبِ

стр. 249

تَغْسِيلِ ذَلِكَ الْإِنَاءِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُهُ بِأَنْ كَانَ تَشْرَبُ النَّجَاسَةَ فَلَا ضَمَانَ بِأَنْ يَكُونَ الدَّنُّ أَوْ الزِّقُّ فَشَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ. وَقَوْلُهُ (قَدْ) أَيْ حَسْبُ، يَعْنِي فَقَطْ دُونَ الَّذِي لَمْ يَطْهُرْ بِتَغْسِيلِهِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَجْزِ عَنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِدُونِ كَسْرٍ أَوْ شَقِّ وِعَاءِ الْخَمْرِ وَإِلَّا ضَمِنَ رِوَايَةً اخْتَارَهَا النَّاظِمُ ﵀ نَقَلَهَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَثْرَمِ مِنْ الْإِمَامِ ﵁. وَالْمَذْهَبُ الْمَجْزُومُ بِهِ خِلَافُهُ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَمْ يَضْمَنْ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِ تَلَفِ الْإِنَاءِ أَوْ لَا. قَالَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِيَ الشَّفْرَةُ فَأَتَيْت بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأُرْهِفَتْ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ أَعِدْ عَلَيَّ بِهَا فَفَعَلْت. فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا زُقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنْ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ كُلِّهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَيُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْتُهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَكَذَا لَوْ أَحْرَقَ مَخْزِنَ خَمْرٍ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْهَدْيِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: رَجُلٌ مُسْلِمٌ وُجِدَ فِي بَيْتِهِ خَمْرٌ، قَالَ يُرَاقُ الْخَمْرُ وَيُؤَدَّبُ، وَإِنْ كَانَتْ تِجَارَتَهُ يُحْرَقُ بَيْتُهُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِرُوَيْشِدٍ. انْتَهَى. يُرِيدُ مَا رَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ شَرَابًا فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَحُرِقَ بَيْتُهُ، وَكَانَ يُدْعَى (رُوَيْشِدٌ) فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ فُوَيْسِقٌ. وَقَالَ الْحَارِثُ: شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ يَصْطَنِعُ الْخَمْرَ فِي بَيْتِهِ فَيَشْرَبُهَا وَيَبِيعُهَا، فَأُمِرَ بِهَا فَكُسِرَتْ وَحُرِقَ بَيْتُهُ وَأُنْهِبَ مَالُهُ ثُمَّ جُلِدَ، وَنَفَاهُ. رَوَاهُمَا الْإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. [مَطْلَبٌ: فِي هَجْرِ مَنْ أَعْلَنَ بِالْمَعَاصِي] وَلَمَّا بَيَّنَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَرَاتِبِهِ الثَّلَاثَةِ وَبَيَّنَ طَرَفًا مِمَّا يُنْكِرُهُ وَيَكْسِرُهُ وَيُتْلِفُهُ. وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيَكُونُ إنَّمَا أَنْكَرَ

стр. 250

بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ فَقَطْ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي هِجْرَانُهُ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيَانِ هِجْرَانِ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي هَجْرِ مَنْ أَعْلَنَ بِالْمَعَاصِي: وَهِجْرَانُ مَنْ أَبْدَى الْمَعَاصِيَ سُنَّةٌ ... وَقَدْ قِيلَ إنْ يَرْدَعْهُ أَوْجِبْ وَأَكِّدْ (وَهِجْرَانُ) مَصْدَرُ هَجَرَهُ هَجْرًا بِالْفَتْحِ وَهِجْرًا بِالْكَسْرِ صَرَمَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْهَجْرُ ضِدُّ الْوَصْلِ يَعْنِي صَرْمَ وَقَطْعَ (مَنْ) أَيْ إنْسَانٍ مُكَلَّفٍ (أَبْدَى) أَيْ أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفُ (الْمَعَاصِيَ) جَمْعُ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ مَا يُعَابُ فَاعِلُهَا ضِدُّ الطَّاعَةِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَعَاصِي فِعْلِيَّةً أَوْ قَوْلِيَّةً أَوْ اعْتِقَادِيَّةً (سُنَّةٌ) مِنْ سُنَنِ الْمُصْطَفَى يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهَا حَيْثُ كَانَ الْهَجْرُ لِلَّهِ تَعَالَى وَغَضَبًا لِارْتِكَابِ مَعَاصِيهِ أَوْ لِإِهْمَالِ أَوَامِرِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ إنْ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِلَّا كَيْفَ يَتَبَيَّنُ لِلرَّجُلِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرَ مُنْكَرًا وَلَا جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ. وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبًا وَصَاحِبِيهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِهَجْرِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا. وَهَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا. وَهَجَرَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ ﵂ ابْنَ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ مُدَّةً. وَهَجَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَاتُوا مُتَهَاجِرِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. أَمَّا هِجْرَانُ النَّبِيِّ ﷺ كَعْبًا وَصَاحِبَهُ وَهُمَا (مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) الْعَامِرِيُّ وَ (هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ) الْوَاقِفِيُّ فَلِتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَأَمَّا هِجْرَانُهُ أَهْلَهُ شَهْرًا فَلِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ ﷺ مِنْ طَلَبِ بَعْضِ أُمُورٍ وَشُئُونٍ مِنْهُ حَتَّى أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ، فَخَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَأَمَّا هِجْرَانُ سَيِّدَتِنَا وَأُمِّنَا عَائِشَةَ ﵂ ابْنَ أُخْتِهَا الْإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵃ فَلِفَرْطِ كَرَمِهَا ﵂ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهَا بِالدُّنْيَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: إنَّ هَذَا سَفَهٌ أَوْ كَلَامٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْجَبَ غَضَبَ

стр. 251

عَائِشَةَ وَآلَتْ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا. وَلَفْظُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا فَقَالَتْ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا نَعَمْ. قَالَتْ هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إلَيْهَا حِينَ طَالَتْ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ لَا وَاَللَّهِ لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ أَثَرِ عَائِشَةَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْهِجْرَةِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ هَجَرَ بِغَيْرِ مُوجِبٍ لِذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ فَطَالَتْ هِجْرَتُهَا إيَّاهُ فَنَغَّصَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ فَاسْتَشْفَعَ بِالْمُهَاجِرِينَ فَلَمْ تَقْبَلْ. وَأَخْرَجَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَزَادَ فِيهِ: فَاسْتَشْفَعَ إلَيْهَا بِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فَقَالَ لَهَا أَيُّ حَدِيثٍ أَخْبَرْتَنِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّرْمِ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَلَمْ تَقْبَلْ، أَيْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهَا مَخْصُوصٌ كَمَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَقَالَ لَهُمَا أَنْشُدُكُمَا بِاَللَّهِ لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي. فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلِينَ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ اُدْخُلُوا. قَالُوا كُلُّنَا؟ قَالَتْ نَعَمْ اُدْخُلُوا كُلُّكُمْ وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ. فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ بَكَى وَبَكَتْ وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ بَعَثَتْ إلَى الْيَمَنِ بِمَالٍ قَالَ فَابْتِيعَ لَهَا بِهِ أَرْبَعُونَ رَقَبَةً فَأَعْتَقَتْهَا كَفَّارَةً لِنَذْرِهَا. وَأَرْسَلَ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ بِعَشْرِ رِقَابٍ فَأَعْتَقَتْهُمْ وَلَعَلَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِينَ بِأَنْ كَمَّلَتْ عَلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو دَاوُد ﵁: إذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا يَعْنِي مِنْ أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ بِالْهِجْرَانِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَابْنُ عُمَرَ ﵁ هَجَرَ ابْنًا لَهُ إلَى أَنْ مَاتَ. وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَجَرَ جَمَاعَةً مِمَّنْ أَجَابُوا فِي الْمِحْنَةِ مِثْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ

стр. 252

وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمَا مَعَ فَخَامَةِ شَأْنِهِمْ، حَتَّى ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ عَمِلَ أَبْيَاتًا فِي شَأْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَأَرْسَلَهَا إلَيْهِ وَهِيَ: يَا ابْنَ الْمَدِينِيِّ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ ... دُنْيَا فَجَادَ بِدِينِهِ لِيَنَالَهَا مَاذَا دَعَاك إلَى انْتِحَالِ مَقَالَةٍ ... قَدْ كُنْت تَزْعُمُ كَافِرًا مَنْ قَالَهَا أَمْرٌ بَدَا لَك رُشْدُهُ فَتَبِعْته ... أَمْ زِينَةُ الدُّنْيَا أَرَدْت نَوَالَهَا وَلَقَدْ عَهِدْتُك مَرَّةً مُتَشَدِّدًا ... صَعْبَ الْمَقَالَةِ لِلَّتِي تُدْعَى لَهَا إنَّ الْمُرَزَّى مَنْ يُصَابُ بِدِينِهِ ... لَا مَنْ يُرَزَّأُ نَاقَةً وَفِصَالَهَا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ بِسَنَدٍ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ﵀. وَكَمْ إمَامٍ هَجَرَ لِلَّهِ خِدْنًا كَانَ أَعَزَّ عَلَيْهِ لَوْلَا انْتِهَاكُهُ لِمَحَارِمِ مَوْلَاهُ مِنْ رُوحِهِ، فَصَارَ بِذَلِكَ كَالْجَمَادِ بَلْ أَدْنَى. فَلَا نُطِيلُ الْكَلَامَ بِحِكَايَاتِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ خَيْرِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَعَ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَذْكُورَةٌ. (وَقَدْ) حَرْفُ تَحْقِيقٍ، وَتَأْتِي لِلتَّقْلِيلِ كَ (قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ) وَلِلتَّكْثِيرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: قَدْ أَتْرُكُ الْفُرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ وَلِلتَّوَقُّعِ قَدْ يَقْدُمُ الْغَائِبُ وَتَقْرِيبِ الْمَاضِي مِنْ الْحَالِ قَدْ قَامَ زَيْدٌ وَكَذَا لِتَقْرِيبِ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَلِلنَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ: قَدْ كُنْت فِي خَيْرٍ فَتَعْرِفَهُ بِنَصْبِ تَعْرِفُ. وَمَعْنَى هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا لِلتَّحْقِيقِ (قِيلَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَصْلُهُ قُوِلَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَى الْقَافِ فَحُذِفَتْ ثُمَّ نُقِلَتْ كَسْرَةُ الْوَاوِ إلَى الْقَافِ فَصَارَتْ قِوْلَ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَتْ قِيلَ (أَنْ يَرْدَعَهُ) أَيْ إنْ كَانَ الْهِجْرَانُ يَرْدَعُ مَنْ أَظْهَرَ الْمَعَاصِيَ أَيْ يَكُفُّهُ وَيَزْجُرُهُ وَيَرُدُّهُ، يُقَالُ رَدَعَهُ كَمَنَعَهُ كَفَّهُ وَرَدَّهُ (أَوْجَبَ) ذَلِكَ عَلَيْهِ (وَأَكِّدْ) الْوُجُوبَ لِأَنَّ مَا لَمْ يَتِمَّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَإِنْ حَرْفُ شَرْطٍ جَازِمٌ، وَيَرْدَعْهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَأَوْجِبْ جَوَابُهُ، وَأَكِّدْ مَعْطُوفٌ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَّةِ. وَقِيلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَا دَامَ مُعْلِنَا ... وَلَاقِهِ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ مُرَبَّدِ (وَقِيلَ) أَوْجَبَ هَجْرَهُ (عَلَى) سَبِيلِ (الْإِطْلَاقِ) مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِكَوْنِهِ يَرْتَدِعُ بِهَذَا الْهَجْرِ أَوْ لَا. فَمَتَى ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ اللَّهِ أَوْجِبْ عَلَى

стр. 253

نَفْسِك وَإِخْوَانِك الْمُتَشَرِّعِينَ هِجْرَانَهُ (مَا دَامَ مُعْلِنَا) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ إعْلَانِهِ لِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي. وَالْإِعْلَانُ الظُّهُورُ وَالْبَيَانُ وَهُوَ ضِدُّ السِّرِّ وَالْإِخْفَاءِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُسَنُّ هَجْرُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَالِاعْتِقَادِيَّة، وَقِيلَ: يَجِبُ إنْ ارْتَدَعَ بِهِ وَإِلَّا كَانَ مُسْتَحَبًّا. وَقِيلَ: يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ السَّلَامِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى يَتُوبَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُكْرَهُ لِبَقِيَّةِ النَّاسِ تَرْكُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ تَرْكُ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حُسَيْنٍ فِي التَّمَامِ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي وُجُوبِ هَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَفُسَّاقِ الْمِلَّةِ. وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُجَاهِرِ وَغَيْرِهِ كَالْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ فَيَنْبَغِي لَك إنْ كُنْت مُتَّبِعًا سُنَنَ مَنْ سَلَفَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَاهَرَ بِمَعَاصِي اللَّهِ لَا تُعَاضِدْهُ وَلَا تُسَاعِدْهُ وَلَا تُقَاعِدْهُ وَلَا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ بَلْ اُهْجُرْهُ (وَلَاقِهِ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الْمُلَاقَاةِ (بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ) عَلَى وَزْنِ مُسْتَمِرٍّ هُوَ الْغَلِيظُ، يُقَالُ اكْفَهَرَّ وَجْهُهُ عَبَسَ وَقَطَبَ. وَفِي الْحَدِيثِ «الْقَوْا الْمُخَالِفِينَ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ» قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ عَابِسٍ قَطُوبٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «إذَا لَقِيت الْكَافِرَ فَالْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ» وَقَوْلُهُ (مُرَبَّدِ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ. وَالْمُرَبَّدُ الْمُلَوَّنُ وَزْنًا وَمَعْنًى. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَرَبَّدَ تَغَيَّرَ، وَتَرَبَّدَتْ السَّمَاءُ تَغَيَّمَتْ وَتَعَبَّسَتْ انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَرَبَّدَ لَوْنُهُ وَأَرْبَدَ أَيْ تَلَوَّنَ وَصَارَ كَلَوْنِ الرَّمَادِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْجَمْهَرَةِ: وَالرُّبْدَةُ لَوْنٌ أَكْدَرُ مِنْ الْوَرْقَاءِ، يَعْنِي الْحَمَامَةَ الرَّبْدَاءَ. يُقَالُ نَعَامَةٌ رَبْدَاءُ وَظَلِيمٌ أَرْبَدَ. قَالَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُ الرَّجُلِ إذَا احْمَارَّ حُمْرَةً فِيهَا سَوَادٌ عِنْدَ الْغَضَبِ. وَرَبَدَ السَّيْفُ فَرَبَدَهُ، يُقَالُ سَيْفٌ ذُو رُبْدٍ أَيْ فِيهِ شِبْهُ غُبَارٍ أَوْ مَدَبُّ نَمْلٍ. انْتَهَى. وَفِي قَصِيدَةِ بِشْرِ بْنِ أَبِي عَوَانَةَ الْعَبْدِيِّ الْجَاهِلِيِّ الَّتِي كَتَبَهَا إلَى أُخْتِهِ فَاطِمَةَ، كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي ابْتِغَاءِ مَهْرِ ابْنَةِ عَمِّهِ فَعَرَضَ لَهُ أَسَدٌ فَقَتَلَ الْأَسَدَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي قُرَاضَةِ الذَّهَبِ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَفَاطِمُ لَوْ شَهِدْت بِبَطْنٍ خَبْتٍ ... وَقَدْ لَاقَى الْهِزَبْرُ أَخَاك بِشْرَا إذًا لَرَأَيْت لَيْثًا رَامَ لَيْثًا ... هِزَبْرًا أَغْلَبًا لَاقَى هِزَبْرَا تَبَهْنَسَ إذْ تَقَاعَسَ عَنْهُ مُهْرِي ... مُحَاذَرَةً فَقُلْت عُقِرْت مُهْرَا

стр. 254

أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الْأَرْضِ إنِّي ... رَأَيْت الْأَرْضَ أَثْبَتَ مِنْك ظَهْرَا فَحِينَ نَزَلْت مَدَّ إلَيَّ طَرْفًا ... تَخَالُ الْمَوْتَ يَلْمَعُ مِنْهُ شَزَرًا فَقُلْت لَهُ وَقَدْ أَبْدَى نِصَالًا ... مُحَدِّدَةً وَوَجْهًا مُكْفَهِرَّا تَدَلَّ بِمِخْلَبٍ وَبِحَدِّ نَابٍ ... وَبِاللَّحَظَاتِ تَحْسَبُهُنَّ جَمْرَا وَفِي يُمْنَايَ مَاضِي الْحَدِّ أَبْقَى ... بِمِضْرَبِهِ قِرَاعَ الدَّهْرِ أَسْرَا إلَى آخِرِهَا. وَهِيَ قَصِيدَةٌ عَظِيمَةٌ. وَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ وَوَجْهًا مُكْفَهِرَّا يَعْنِي عَابِسًا قَطُوبًا. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: الصَّحَابَةُ ﵃ آثَرُوا فِرَاقَ أَنْفُسِهِمْ لِأَجْلِ مُخَالَفَتِهَا لِلْخَالِقِ . فَهَذَا يَقُولُ زَنَيْت فَطَهِّرْنِي، وَنَحْنُ لَا نَسْخُو أَنْ نُقَاطِعَ أَحَدًا فِيهِ لِمَكَانِ الْمُخَالَفَةِ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ وَهِجْرَانُ مَنْ أَبْدَى الْمَعَاصِيَ، وَمِنْ قَوْلِهِ مَا دَامَ مُعْلِنًا أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعَاصِي الْمُسْتَتِرَ لَا يُهْجَرُ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵁: إذَا عُلِمَ مِنْ الرَّجُلِ الْفُجُورُ أَيُخْبَرُ بِهِ النَّاسُ؟ قَالَ بَلْ يُسْتَرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِيَةً. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ فِي مَعْنَى الدَّاعِيَةِ مَنْ اُشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِالشَّرِّ وَالْفَسَادِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسَرَّ الْمَعْصِيَةَ. وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الْقَاضِي فِيمَنْ أَتَى مَا يُوجِبُ حَدًّا إنْ شَاعَ عَنْهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَذْهَبَ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ لِيَأْخُذَهُ بِهِ وَإِلَّا سَتَرَ نَفْسَهُ. قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ كَانَ يَسْتَتِرُ بِالْمَعَاصِي فَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ لَا يُهْجَرُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَيْسَ لِمَنْ يَسْكَرُ وَيُقَارِفُ شَيْئًا مِنْ الْفَوَاحِشِ حُرْمَةٌ وَلَا وَصْلَةٌ إذَا كَانَ مُعْلِنًا بِذَلِكَ مُكَاشِفًا. وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْمُجَانَبَةِ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُهْجَرُ أَهْلُ الْمَعَاصِي وَمَنْ قَارَفَ الْأَعْمَالَ الرَّدِيَّةَ أَوْ تَعَدَّى حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَعْنَى الْإِقَامَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِضْرَارِ. وَأَمَّا مَنْ سَكِرَ أَوْ شَرِبَ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَحْظُورَةِ ثُمَّ لَمْ يُكَاشِفْ بِهَا وَلَمْ يَلْقَ فِيهَا جِلْبَابُ الْحَيَاءِ فَالْكَفُّ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِمْسَاكُ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ أَسْلَمُ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: إنَّ الْمُسْتَتِرَ بِالْمُنْكَرِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ فُعِلَ مَا يَنْكَفُّ بِهِ إذَا كَانَ أَنْفَعَ بِهِ فِي الدِّينِ. وَإِنَّ

стр. 255

الْمُظْهِرَ لِلْمُنْكَرِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ عَلَانِيَةً، وَلَا تَبْقَى لَهُ غِيبَةٌ، وَيَجِبُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَانِيَةً بِمَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْخَيْرِ أَنْ يَهْجُرُوهُ مَيِّتًا إذَا كَانَ فِيهِ كَفٌّ لِأَمْثَالِهِ فَيَتْرُكُونَ تَشْيِيعَ جِنَازَتِهِ. انْتَهَى. وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ وُجُوبُ الْإِغْضَاءِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ وُجُوبُ الْإِنْكَارِ سِرًّا جَمْعًا بَيْنَ الْمَصَالِحِ. وَلِذَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ: تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَكَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ السَّتْرِ عَلَى هَذَا يَعْنِي الَّذِي لَمْ يُعْلِنْ بِالْمَعْصِيَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْحَلَالُ يُسْتَحَبُّ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَمْ أَجِدْ بَيْنَ الْأَصْحَابِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا لَهُ أَنْ يُقِيمَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقِيمَهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ سَتْرَهُ لَا يَجِبُ، وَأَنَّهُ يُنْكَرُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِهِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَشْهُورًا بِالشَّرِّ وَالْفَسَادِ أَمْ لَا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً» قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَمَّا السَّتْرُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَادُ بِهِ السَّتْرُ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَادِ، وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ بِذَلِكَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُسْتَرَ عَلَيْهِ بَلْ يَرْفَعُ قِصَّتَهُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً، لِأَنَّ السَّتْرَ عَلَى هَذَا يُطْمِعُهُ فِي الْإِيذَاءِ وَالْفَسَادِ وَانْتِهَاكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَجَسَارَةِ غَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي سِتْرِ مَعْصِيَةٍ مَضَتْ وَانْقَضَتْ، أَمَّا مَعْصِيَةٌ رَآهُ عَلَيْهَا وَهُوَ بَعْدُ مُتَلَبِّسٌ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِإِنْكَارِهَا عَلَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْهَا عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا، فَإِنْ عَجَزَ لَزِمَهُ رَفْعُهَا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ. انْتَهَى. [مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ التَّجَسُّسِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ] وَلَمَّا كَانَ السَّتْرُ مَطْلُوبًا وَفَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ مَحْسُوبًا، كَانَ عَدَمُ التَّجَسُّسِ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى أَحْرَى. كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ وَأَدْرَى. وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

стр. 256

مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ التَّجَسُّسِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ: وَيَحْرُمُ تَجْسِيسٌ عَلَى مُتَسَتِّرٍ ... بِفِسْقٍ وَمَاضِي الْفِسْقِ إنْ لَمْ يُجْدَدْ (وَيَحْرُمُ) عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ (تَجْسِيسٌ) بِالْجِيمِ هُوَ الْبَحْثُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. وَأَمَّا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْبَحْثُ عَنْ طَلَبِ الْخَبَرِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ لَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَايِبَهُمْ بِالْبَحْثِ عَنْهَا. وَقَالَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ [يوسف: ٨٧] بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] أَيْ اُطْلُبُوا خَبَرَهُمَا. فَتَتَبُّعُ أَخْبَارِ النَّاسِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْبَحْثِ مِنْ عُيُوبِهِمْ أَوْ لِيَطَّلِعَ عَلَى أَخْبَارِهِمْ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِئَلَّا يَظْهَرَ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ. وَتَأَمُّلُ الْعَيْبِ مَعِيبٌ وَكَذَا تَتَبُّعُهُ وَالْبَحْثُ عَنْهُ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِئَلَّا يَقَعَ فِي حَدٍّ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا» وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ لِاسْتِمَاعِ حَدِيثِ الْقَوْمِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْحِسِّ لِأَنَّهُ يَتَتَبَّعُهُ بِحِسِّهِ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ (وَلَا تَحَسَّسُوا) بِالْحَاءِ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ ذَلِكَ الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْأُمَنَاءِ عَلَى الْأَوْقَافِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْأَيْتَامِ وَنَحْوِهِمْ فَيَجِبُ جَرْحُهُمْ وَلَا يَحِلُّ السَّتْرُ عَلَيْهِمْ إذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا يَقْدَحُ فِي أَهْلِيَّتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ وَتَقَدَّمَ. (عَلَى مُتَسَتِّرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِتَجْسِيسٍ بِخِلَافِ الْمُعْلِنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا غِيبَتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ (بِ) عَمَلٍ أَوْ قَوْلٍ يُؤَدِّي إلَى (فِسْقٍ) مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ وَزِنًا وَلِوَاطٍ وَنَحْوِهَا. ذَكَرَ الْمَهْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ فَإِنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى رِيبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتُرَهَا وَيَعِظَهُ مَعَ ذَلِكَ وَيُخَوِّفَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " مُعَافَاةٌ " يَعُودُ إلَى الْأُمَّةِ. وَفِي

стр. 257

بَعْضِ النُّسَخِ. وَإِنَّ الْمُجَاهَرَةَ " وَفِي بَعْضِهَا " وَإِنَّ مِنْ الْجِهَارِ يُقَالُ جَهَرَ بِأَمْرِ كَذَا وَأَجْهَرَ وَجَاهَرَ. (وَ) يَحْرُمُ تَجْسِيسٌ عَلَى (مَاضِي الْفِسْقِ) أَيْ مَا يُفَسَّقُ بِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَوْ الْفِسْقِ الْمَاضِي مِثْلُ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي مَضَى وَتَبْحَثُ عَنْهُ أَنْتَ بَعْدَ مُدَّةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ إشَاعَةٌ لِلْمُنْكَرِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا عَوْدَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا هُوَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ فَيَنْبَغِي كَفُّهُ وَنِسْيَانُهُ دُونَ إذَاعَتِهِ وَإِعْلَانِهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ التَّجَسُّسُ عَنْ ذَلِكَ (إنْ لَمْ يُجَدِّدْ) الْعَوْدُ عَلَيْهِ وَالْإِتْيَانُ بِهِ ثَانِيًا. فَإِنْ عَاوَدَهُ فَلَا حُرْمَةَ إذَنْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِمُنْكَرٍ فُعِلَ خُفْيَةً عَلَى الْأَشْهَرِ أَوْ مَاضٍ أَوْ بَعِيدٍ وَقِيلَ يُجْهَلُ فَاعِلُهُ وَمَحَلُّهُ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا إنْكَارَ فِيمَا مَضَى وَفَاتَ إلَّا فِي الْعَقَائِدِ أَوْ الْآرَاءِ. انْتَهَى. وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ، لِأَنَّ الْعَقَائِدَ مِمَّا يُجَدَّدُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مَرْفُوعًا «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ» . قَالَ الْحَجَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْمُسْتَتِرُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ غَالِبًا غَيْرُ مَنْ حَضَرَهُ، وَيَكْتُمُهُ وَلَا يُحَدِّثُ بِهِ. وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ بِهِ جِيرَانُهُ وَلَوْ فِي دَارِهِ فَإِنَّ هَذَا مُعْلِنٌ مُجَاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَتِرٍ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ تَسَتَّرَ بِالْمَعْصِيَةِ فِي دَارِهِ وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَجَسَّسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُظْهِرَ مَا يَعْرِفُهُ كَأَصْوَاتِ الْمَزَامِيرِ وَالْعِيدَانِ، فَلِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلَ وَيَكْسِرَ الْمَلَاهِيَ، وَإِنْ فَاحَتْ رَائِحَةُ الْخَمْرِ فَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْإِنْكَارِ. انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَنْ كَانَ مَسْتُورًا لَا يُعْرَفُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ هَفْوَةٌ أَوْ زَلَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَشْفُهَا وَهَتْكُهَا وَلَا التَّحَدُّثُ بِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] وَالْمُرَادُ

стр. 258

إشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَتِرِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ أَوْ اُتُّهِمَ بِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ. قَالَ بَعْضُ الْوُزَرَاءِ الصَّالِحِينَ لِبَعْضِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ: اجْتَهِدْ أَنْ تَسْتُرَ الْعُصَاةَ فَإِنَّ ظُهُورَ مَعَاصِيهِمْ عَيْبٌ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَوْلَى الْأُمُورِ سَتْرُ الْعُيُوبِ. وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ «أَقِيلُوا ذَوِي الْعَثَرَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَالثَّانِي: مَنْ كَانَ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي مُعْلِنًا بِهَا وَلَا يُبَالِي بِمَا ارْتَكَبَ مِنْهَا وَلَا بِمَا قِيلَ لَهُ، فَهَذَا هُوَ الْفَاجِرُ الْمُعْلِنُ وَلَيْسَ لَهُ غِيبَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِالْبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى. وَأَمَّا تَسَوُّرُ الْجُدْرَانِ عَلَى مَنْ عَلِمَ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ فَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: إنَّ فُلَانًا تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ نَهَانَا اللَّهُ عَنْ التَّجَسُّسِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إنْ كَانَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الِاسْتِمْرَارُ بِهِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَنْهُ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ جَازَ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فِي الرُّتْبَةِ لَمْ يَجُزْ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا الْكَشْفُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ عَلَى دَارِ غَيْرِهِ يَسْتَمِعُ صَوْتَ الْأَوْتَارِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلشَّمِّ لِيُدْرِكَ رَائِحَةَ الْخَمْرِ، وَلَا أَنْ يَمَسَّ مَا قَدْ سُتِرَ بِثَوْبٍ لِيَعْرِفَ شَكْلَ الْمِزْمَارِ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْبِرَ جِيرَانَهُ لِيُخْبِرَ بِمَا جَرَى، بَلْ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ ابْتِدَاءً أَنَّ فُلَانًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَلَهُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَدْخُلَ وَيُنْكِرَ. وَمَرَّ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ مَتَى سَمِعَ أَنْكَرَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَسْمَعُ الْمُنْكَرَ فِي دَارِ بَعْضِ جِيرَانِهِ قَالَ يَأْمُرُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ يَجْمَعُ عَلَيْهِ الْجِيرَانَ وَيُهَوِّلُ عَلَيْهِ. وَفِيمَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْمُغَنِّي فِي الطَّرِيقِ قَالَ: هَذَا قَدْ ظَهَرَ، عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَاهُمْ.

стр. 259

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي الْكَفِّ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ: أَدْرَكْنَا قَوْمًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَذَكَرُوا عُيُوبَ النَّاسِ فَذَكَرَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا؛ وَأَدْرَكْنَا أَقْوَامًا كَانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ فَكَفُّوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَنُسِيَتْ عُيُوبُهُمْ. وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ مَرْفُوعًا. «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ لَا تَغْتَابُوا النَّاسَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» ، وَتَقَدَّمَ. وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ: لَا تَلْتَمِسْ مِنْ مَسَاوِي النَّاسِ مَا سَتَرُوا ... فَيَكْشِفَ اللَّهُ سِتْرًا مِنْ مَسَاوِيكَا وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إذَا ذُكِرُوا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا وَاسْتَغْنِ بِاَللَّهِ عَنْ كُلٍّ فَإِنَّ بِهِ ... غِنًى لِكُلٍّ وَثِقْ بِاَللَّهِ يَكْفِيكَا (تَنْبِيهَانِ) : (الْأَوَّلُ) : قَدْ هَجَرَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - جَمَاعَةً بِأَدْوَنَ مِمَّا ذَكَرْنَا، فَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَضْحَكُ مَعَ جِنَازَةٍ فَقَالَ تَضْحَكُ مَعَ الْجِنَازَةِ لَا أُكَلِّمُك أَبَدًا. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ كَانَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ امْرَأَةٌ فِي خُلُقِهَا سُوءٌ، فَكَانَ يَهْجُرُهَا السَّنَةَ وَالْأَشْهُرَ، فَتَتَعَلَّقُ بِثَوْبِهِ فَتَقُولُ أَنْشُدُك بِاَللَّهِ يَا ابْنَ مَالِكٍ، أَنْشُدُك بِاَللَّهِ يَا ابْنَ مَالِكٍ، فَمَا يُكَلِّمُهَا. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ جَعَلَ فِي عَضُدِهِ خَيْطًا مِنْ الْحُمَّى: لَوْ مِتَّ وَهَذَا عَلَيْك لَمْ أُصَلِّ عَلَيْك. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَك أَكَلَ طَعَامًا حَتَّى كَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ، قَالَ: لَوْ مَاتَ مَا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي مَقَامَاتِهِ الْمُسَمَّاةِ (الزَّجْرُ بِالْهَجْرِ) قَالَ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَمْرٍو، كَانَ قَدْ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَصْرِمْ الْأَحْمَقَ فَلَيْسَ لِلْأَحْمَقِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ الْهِجْرَانِ» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى بَشِيرِ بْنِ عَمْرٍو. وَرَوَى مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ «أَصْرِمْ الْأَحْمَقَ» قَالَ الْحَاكِمُ: بَشِيرُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ فِيهِ وَمَسَانِيدُهُ عَزِيزَةٌ.

стр. 260

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ خَذَفَ فَنَهَاهُ وَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكِي عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ. قَالَ فَعَادَ فَقَالَ أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ عُدْت تَحْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا» . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُسُوقِ وَمُنَابِذِي السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ هِجْرَانُهُ دَائِمًا. وَالنَّهْيُ عَنْ الْهِجْرَانِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنْيَا، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْهَجْرُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لَا أَذًى مَعَهُ. وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لَا شَكْوَى مَعَهُ. وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لَا عِتَابَ مَعَهُ. وَكَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁ يَقُولُ: مُصَارَمَةٌ جَمِيلَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مَوَدَّةٍ عَلَى دَخَلٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ. قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا مَا تَقَضَّى الْوُدُّ إلَّا مُكَاثِرًا ... فَهَجْرٌ جَمِيلٌ عِنْدَ ذَلِكَ صَالِحُ مَطْلَبٌ: لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ (الثَّانِي) : مِمَّا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وَيَغْفِرَ زَلَّتَهُ، وَيَرْحَمَ عَبْرَتَهُ وَيُقِيلَ عَثْرَتَهُ، وَيَقْبَلَ مَعْذِرَتَهُ، وَيَرُدَّ غِيبَتَهُ، وَيُدِيمَ نَصِيحَتَهُ، وَيَحْفَظَ خُلَّتَهُ، وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ، وَيُجِيبَ دَعَوْتَهُ، وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ، وَيُكَافِئَ صِلَتَهُ، وَيَشْكُرَ نِعْمَتَهُ، وَيُحْسِنَ نُصْرَتَهُ، وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، وَيَشْفَعَ مَسْأَلَتَهُ وَيُشَمِّتَ عَطْسَتَهُ، وَيَرُدَّ ضَالَّتَهُ، وَيُوَالِيَهُ وَلَا يُعَادِيَهُ، وَيَنْصُرَهُ عَلَى ظَالِمِهِ، وَيَكُفَّهُ عَنْ ظُلْمِ غَيْرِهِ، وَلَا يُسْلِمَهُ، وَلَا يَخْذُلَهُ، وَيُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ نُصْحُ الذِّمِّيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ الْكَفُّ عَنْ مَسَاوِئِ النَّاسِ وَعُيُوبِهِمْ، كَذَا عِبَارَاتُهُمْ. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ: وَالْأَوْلَى يَجِبُ وَهُوَ كَمَا قَالَ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الَّتِي

стр. 261

يُسِرُّونَهَا، وَعَمَّا يَبْدُو مِنْهُمْ غَفْلَةٌ أَوْ غَلَبَةٌ مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ أَوْ خُرُوجِ رِيحٍ، أَوْ صَوْتِ رِيحٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ فَالْأَوْلَى لِلسَّامِعِ أَنْ يُظْهِرَ طَرَشًا أَوْ غَفْلَةً أَوْ نَوْمًا أَوْ يَتَوَضَّأَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَتْرًا لِذَلِكَ. انْتَهَى. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى رِيبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتُرَهَا وَيَعِظَهُ مَعَ ذَلِكَ وَيُخَوِّفَهُ بِاَللَّهِ. قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁: الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنِّي لَأَعْفُو عَنْ ذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ ... وَفِي دُونِهَا قَطْعُ الْحَبِيبِ الْمُوَاصِلِ وَأُعْرِضُ عَنْ ذِي اللُّبِّ حَتَّى كَأَنَّنِي ... جَهِلْت الَّذِي يَأْتِي وَلَسْت بِجَاهِلِ وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَعْنَى: وَمَنْ لَمْ يَغُضَّ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ ... وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهُوَ عَائِبُ وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ... يَجِدْهَا وَلَا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَاحِبُ هَذَا كُلُّهُ فِي هِجْرَانِ أَرْبَابِ الْمَعَاصِي. وَأَمَّا هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي نَظْمِهِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي هَجْرِ مَنْ يَدْعُو لِأَمْرٍ مُضِلٍّ: وَهِجْرَانُ مَنْ يَدْعُو لِأَمْرٍ مُضِلٍّ أَوْ ... مُفَسِّقٍ احْتِمْهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدِ (وَهِجْرَانُ مَنْ) أَيْ إنْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِمْ (يَدْعُو) النَّاسَ جَهْرَةً أَوْ خُفْيَةً (لِ) إجَابَةِ (أَمْرٍ) مِنْ الدِّينِ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ الْأَفْعَالِ أَوْ الِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ (مُضِلٍّ) تَائِهٌ حَائِدٌ عَنْ النَّهْجِ الْقَوِيمِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ، وَالرَّسُولُ الْعَظِيمُ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ، أَوْ الصَّحَابَةُ أَهْلُ التَّقْوَى وَالْإِصَابَةِ، الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ عِصَابَةٍ، أَوْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، أَوْ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الَّذِي نَطَقَ بِفَضْلِهِ سَيِّدُ الْأَكْوَانِ، فِي قَوْلِهِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» فَهَؤُلَاءِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْوِرَاثَةِ، لَا مَا نَهَجَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ وَأَضْرَابُهُمْ مِنْ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ وَالطَّوَائِفِ الْمَائِلَةِ الزَّالَّةِ، فَهَؤُلَاءِ حَتْمٌ هِجْرَانُهُمْ، وَلَا تَرْعَ شَأْنَهُمْ.

стр. 262

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: وَيَجِبُ هَجْرُ مَنْ كُفِّرَ أَوْ فُسِّقَ بِبِدْعَةٍ أَوْ دَعَا إلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أَوْ مُفَسِّقَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاظِمِ (أَوْ) يَدْعُو لِأَمْرٍ (مُفَسِّقٍ) بِأَنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ مُفَسِّقَةً لَا مُكَفِّرَةً. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُكَفِّرَةً فَبِالْأَوْلَى وَقَدْ شَمَلَهُ قَوْلُهُ لِأَمْرٍ مُضِلٍّ، لِأَنَّ الضَّلَالَ يَشْمَلُ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ، وَعَطْفُهُ مِنْ عَطْفِ (الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ) وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّاعِيَ إلَى الْبِدْعَةِ الْمُفَسِّقَةِ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ عَدَمَ وُجُوبِ هَجْرِهِ كَمَا لَهُ كَانَ فَاسِقًا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ هَجْرُهُ بَلْ يُسَنُّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ دَاعِيَةً إلَى الْبِدْعَةِ الْمُفَسِّقَةِ (احْتِمْهُ) أَيْ الْهِجْرَانَ بِغَيْرِ (تَرَدُّدٍ) مِنْك وَلَا شَكٍّ لِارْتِكَابِهِ الْبِدَعَ، وَخِلَالُ السُّوءِ الَّتِي عَلَيْهَا انْطَبَعَ. فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَلِيمِ الْفُؤَادِ، مِنْ شُعَبِ الْبِدَعِ وَالْعِنَادِ، أَنْ يَصْرِمَ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْإِلْحَادِ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَرْدَادٍ. فَهِجْرَانُ الدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ وَاجِبٌ. عَلَى غَيْرِ مَنْ يَقْوَى عَلَى دَحْضِ قَوْلِهِ ... وَيَدْفَعُ إضْرَارَ الْمُضِلِّ بِمِذْوَدِ (عَلَى) كُلِّ مُسْلِمٍ مُمْتَثِلٍ لِلسُّنَّةِ وَلِلْبِدْعَةِ مُجَانِبٍ (غَيْرَ مَنْ) أَيْ إنْسَانٍ مُسْلِمٍ (يَقْوَى) لِنُفُوذِ كَلِمَتِهِ أَوْ عُلُوِّ هِمَّتِهِ أَوْ كَثْرَةِ عَشِيرَتِهِ (عَلَى دَحْضِ) أَيْ دَفْعِ وَرَدِّ وَإِبْطَالِ قَوْلِهِ، أَيْ قَوْلِ مَنْ يَدْعُو لِلضَّلَالَةِ وَالْبِدَعِ وَالْجَهَالَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: وَيَجِبُ هَجْرُ مَنْ كُفِّرَ أَوْ فُسِّقَ بِبِدْعَةٍ أَوْ دَعَا إلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أَوْ مُفَسِّقَةٍ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَوْ خَافَ الِاغْتِرَارَ بِهِ وَالتَّأَذِّي دُونَ غَيْرِهِ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ هَجْرُهُ بَلْ عَلَيْهِ رَدُّ قَوْلِهِ كَمَا فِي كَلَامِ النَّاظِمِ فَيَرُدُّهُ (وَيَدْفَعُ) بِالْبَرَاهِينِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ شُبْهَتَهُ إنْ كَانَ لَهُ شُبْهَةٌ أَوْ بِسَيْفِ الشَّرْعِ (إضْرَارَ الْمُضِلِّ) لِلنَّاسِ الدَّاعِيَ لَهُمْ لِلْهَلَكَةِ وَالْيَأْسِ (بِمِذْوَدِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمِذْوَدُ كَمِنْبَرِ اللِّسَانِ. وَأَصْلُ الذَّوْدِ السَّوْقُ وَالطَّرْدُ وَالدَّفْعُ كَالذِّيَادِ وَهُوَ ذَائِدٌ. وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ: وَقِيلَ يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَقَطَعَ ابْنُ عَقِيلٍ بِهِ فِي مُعْتَقَدِهِ قَالَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَسْرًا لَهُ وَاسْتِصْلَاحًا وَقَالَ أَيْضًا يَعْنِي ابْنَ عَقِيلٍ: إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ مَحَلَّ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ، فَلَا تَنْظُرْ إلَى زِحَامِهِمْ فِي أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ، وَلَا ضَجِيجِهِمْ بِ (لَبَّيْكَ) ، وَإِنَّمَا اُنْظُرْ إلَى مُوَاطَأَتِهِمْ أَعْدَاءَ الشَّرِيعَةِ. عَاشَ

стр. 263

ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ وَالْمُرِّيُّ - عَلَيْهِمَا مَا يَسْتَحِقَّانِ - يَنْظِمَانِ وَيَنْثُرَانِ هَذَا يَقُولُ حَدِيثُ خُرَافَةٍ. وَالْمَعَرِّيُّ يَقُولُ: تَلَوْا بَاطِلًا وَجَلَوْا صَارِمًا ... وَقَالُوا صَدَقْنَا فَقُلْنَا نَعَمْ يَعْنِي بِالْبَاطِلِ كِتَابَ اللَّهِ ، وَعُظِّمَتْ قُبُورُهُمْ وَاشْتُرِيَتْ تَصَانِيفُهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُرُودَةِ الدِّينِ فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَالَهُ أَيْضًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ هَجْرُ مَنْ كُفِّرَ أَوْ فُسِّقَ بِبِدْعَةٍ أَوْ دَعَا إلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أَوْ مُفَسِّقَةٍ وَهُمْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الْمُخَالِفُونَ فِيمَا لَا يَسُوغُ فِيهِ الْخِلَافُ، كَالْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الْقَدَرِ، وَنَفْيِ رُؤْيَةِ الْبَارِي فِي الْجَنَّةِ وَالْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ، وَالْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْإِبَاضِيَّةُ وَالْحَرُورِيَّةُ وَالْوَاقِفِيَّةُ، وَاللَّفْظِيَّةُ، وَالرَّافِضَةُ، وَالْخَوَارِجُ، وَأَمْثَالُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنْ كُفْرٍ أَوْ فِسْقٍ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﵁ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ رَافِضِيٌّ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، قَالَ لَا وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ عَلَى الْخَامِلِ وَمَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى خُلْطَتِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى خُلْطَتِهِمْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُرَادُ النَّاظِمِ بِقَوْلِهِ: وَيَقْضِي أُمُورَ النَّاسِ فِي إتْيَانِهِ وَلَا هَجْرَ مَعَ تَسْلِيمِهِ الْمُتَعَوَّدِ (وَيَقْضِي) أَيْ يُنَفِّذُ (أُمُورَ) جَمْعُ أَمْرٍ وَالْمُرَادُ بِهِ حَوَادِثُ وَشُئُونُ وَمَصَالِحُ (النَّاسِ) الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ أَنْفُسِهِمْ (فِي إتْيَانِهِ) أَيْ إتْيَانُ هَذَا الْمُخَالِطِ لِهَؤُلَاءِ وَغِشْيَانُهُ لِأَبْوَابِهِمْ وَجُلُوسُهُ فِي أَنْدِيَتِهِمْ، فَهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ هَجْرُهُمْ: فَتَخَلَّصَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ النَّاظِمِ وَالْأَصْحَابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ أَوْ خَافَ الِاغْتِرَارَ وَالتَّأَذِّي وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَجْرُ، وَأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الرَّدِّ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى مُخَالَطَتِهِمْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْهَجْرُ، لِأَنَّ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَيُنَاظِرُهُمْ يَحْتَاجُ إلَى مُشَافَهَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ فِي مَعْنَاهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَافِرِهِمْ وَفَاسِقِهِمْ، وَالْمُتَظَاهِرِ بِالْمَعَاصِي، وَتَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمَكْرُوهٌ لِسَائِرِ النَّاسِ.

стр. 264

وَلَا) يَتَأَتَّى (هَجْرٌ) وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ شَخْصٍ (مَعَ تَسْلِيمِهِ) أَيْ تَسْلِيمِ الْهَاجِرِ عَلَى الْمُبْتَدِعِ (الْمُتَعَوِّدِ) أَيْ الْمُعْتَادِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِمَ كَلَامَهُ وَيَتْرُكَ سَلَامَهُ فَلَا يَبْدَأُهُ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ بَدَأَهُ الْمُبْتَدِعُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ وَلَا احْتِشَامَ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ أَوْلَى، وَامْتِثَالَ الشَّرِيعَةِ أَحَقُّ وَأَعْلَى. فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَاجِرًا، وَلَا عَنْ مَوَدَّتِهِ وَصُحْبَتِهِ نَافِرًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: إذَا سَلَّمَ الرَّجُلُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ فَهُوَ يُحِبُّهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . (تَتِمَّةٌ) قَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ الْهِجْرَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِمَا يُوجِبُ الْهِجْرَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَأْخُذُ بِالْقَرَفِ وَلَا يُصَدِّقُ أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ» وَالْقَرَفُ التُّهْمَةُ، يُقَالُ قَرَفْتُهُ بِكَذَا إذَا أَضَفْتُهُ إلَيْهِ وَعِبْتُهُ وَاتَّهَمْتُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: إذَا كَانَ لَك أَخٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُمَارِهِ وَلَا تَسْمَعْ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ فَرُبَّمَا قَالَ لَك مَا لَيْسَ فِيهِ فَحَالَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ، وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ: إنَّ الْوُشَاةَ كَثِيرٌ إنْ أَطَعْتَهُمْ ... لَا يَرْقُبُونَ بِنَا إلًّا وَلَا ذِمَمَا الْإِلُّ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِهَذَا الْبَيْتِ عَلَى أَنَّهُ الْقَرَابَةُ. وَقِيلَ أَيْضًا: لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلَا أَرْسَلْتهمْ بِرَسُولٍ أَيْ بِرِسَالَةٍ. وَقَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: لِعَمِّ أَبِي الْوَاشِينَ لَا عَمِّ غَيْرِهِمْ ... لَقَدْ كَلَّفُونِي خُطَّةً لَا أُرِيدُهَا وَلَا يَلْبَثُ الْوَاشُونَ أَنْ يَصْدَعُوا الْعَصَا ... إذَا هِيَ لَمْ يُصْلَبْ عَلَى الْمَرْءِ عُودُهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: يَا مُلْزِمِي بِذُنُوبٍ مَا أَحَطْتُ بِهَا ... عِلْمًا وَلَا خَطَرَتْ يَوْمًا عَلَى فِكْرِي صَدَّقْتَ فِي أَبَاطِيلَ الظُّنُونِ وَكَمْ ... كَذَّبْتُ فِيكَ يَقِينَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ

стр. 265

وَلَمَّا ذَكَرَ النَّاظِمُ ﵀ مَنْ يُنْدَبُ وَيَجِبُ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَنْ لَا يَجُوزُ هَجْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي حَظْرِ انْتِفَاءِ التَّسْلِيمِ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ: وَحَظْرَ انْتِفَا التَّسْلِيمِ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ ... عَلَى غَيْرِ مَنْ قُلْنَا بِهَجْرٍ فَأَكِّدْ (وَحَظْرَ) أَيْ مَنْع، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ بِأَكِّدِ. وَالْمُرَادُ بِالْحَظْرِ هُنَا الْحُرْمَةُ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ عَقِيلٍ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: فَأَمَّا هَجْرُ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ فِي اعْتِقَادِهِ وَأَفْعَالِهِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: اقْتِصَارُهُ فِي الْهَجْرِ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ مِنْ الْكَبَائِرِ، عَلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إذْ الْكَبِيرَةُ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ. وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ ﵊ فِيمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ. (انْتِفَا التَّسْلِيمِ) إذَا لَقِيَهُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ جَانِبًا وَلَا يَكُونُ لِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ مُرَاقِبًا وَلَا لِخُطَّةِ الشَّيْطَانِ مُجَانِبًا (فَوْقَ ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ أَيْ أَزْيَدَ مِنْهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ عَدَمُ الْحَظْرِ فِي الثَّلَاثَةِ فَمَا دُونَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ هُنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ. وَكَلَامُهُمْ فِي النُّشُوزِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا. وَذَلِكَ لِظَاهِرِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ . الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ، وَفِيهِمَا وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَهَاجَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا. إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إلَى أَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» . فَقَوْلُهُ. وَلَا تَهَاجَرُوا " نَهْيٌ عَنْ الْهِجْرَةِ وَقَطْعِ الْكَلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَا تَهْجُرُوا " وَهُوَ بِمَعْنَى الْأُولَى. وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى وَلَا تَهْجُرُوا أَيْ لَا تَتَكَلَّمُوا بِالْهُجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ.

стр. 266

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمَا «وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ فِيهِ «يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَاَلَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ يَسْبِقُ إلَى الْجَنَّةِ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ ﵇ فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنْ الْهِجْرَةِ» . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «فَإِذَا لَقِيَهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ أَيْ مَائِلَانِ عَنْ الْحَقِّ، مَا دَامَا عَلَى صِرَامِهِمَا، وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا يَكُون سَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ فَلَمْ يَقْبَلْ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ، فَإِنْ مَاتَا عَلَى صِرَامِهِمَا لَمْ يَدْخُلَا الْجَنَّةَ جَمِيعًا أَبَدًا» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَهُوَ فِي النَّارِ إلَّا أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» . وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تُعْرَضُ

стр. 267

الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيَقُولُ اُتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ ثَلَاثًا يَعْنِي قَوْلَهُ اُتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا. الشَّحْنَاءُ الْعَدَاوَةُ كَأَنَّهُ شَحَنَ قَلْبَهُ بُغْضًا أَيْ مَلَأَهُ. وَكَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵃: وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاثِ لِيَزُولَ ذَلِكَ الْعَارِضُ. وَقِيلَ إنَّ الْأَخْبَارَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْهَجْرِ فِي الثَّلَاثِ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمَفْهُومِ: قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيُتَوَجَّهُ أَوْ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي الْهَجْرِ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ انْتَهَى. قُلْت: وَقَدْ وَرَدَ مِنْ الْمُصْطَفَى ﷺ مَا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَيْنِ. فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ اللَّيْثَنِيَّ فَوَثَّقَهُ مَالِكٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ يَحْيَى لَيْسَ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا تَرَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، هَجْرُ الْمُؤْمِنَيْنِ ثَلَاثًا فَإِنْ تَكَلَّمَا وَإِلَّا أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَتَّى يَتَكَلَّمَا» فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَنْ لَمْ يَحْتَجَّ بِالْمَفْهُومِ جَزْمًا، وَهِيَ اتِّجَاهُ صَاحِبِ الْآدَابِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعُذْرِ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْهَجْرُ وَانْتِفَاءُ التَّسْلِيمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (عَلَى غَيْرٍ مَنْ) أَيْ مُسْلِمٍ قُلْنَا (بِ) جَوَاز (هَجْرِ) هـ لِارْتِكَابِهِ الْمَعَاصِيَ وَتَجَاهُرِهِ بِهَا، فَإِنَّهَا تَجُرُّهُ بِالنَّوَاصِي إلَى جَهَنَّمَ وَلَهَبِهَا. أَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ هَجْرِهِ لِارْتِكَابِهِ الْبِدَعَ الْمُكَفِّرَةَ أَوْ الْمُفَسِّقَةَ أَوْ كَوْنِهِ دَاعِيًا إلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أَوْ مُفَسِّقَةٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا. وَقَوْلُ النَّاظِمِ (فَأَكِّدْ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ التَّأْكِيدِ، أَيْ أَكِّدْ حَظْرَ انْتِفَاءِ التَّسْلِيمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ قُلْنَا بِجَوَازِ هَجْرِهِ أَوْ وُجُوبِهِ.

стр. 268

مَطْلَبٌ: هَلْ يَزُولُ الْهَجْرُ الْمُحَرَّمُ بِالسَّلَامِ ؟ (تَنْبِيهَانِ) : (الْأَوَّلُ) : ظَاهِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْهَجْرَ الْمُحَرَّمَ يَزُولُ بِالسَّلَامِ وَذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ وَالرِّعَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَزَادَ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «السَّلَامُ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ» وَذَكَر النَّوَوِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَزُولُ الْهَجْرُ الْمُحَرَّمُ بِالسَّلَامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ: إنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لَمْ يَقْطَعْ السَّلَامُ هِجْرَانَهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ السَّلَامِ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ؟ فَقَالَ قَدْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَقَدْ صَدَرَ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْهُ: النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ «يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا» فَإِذَا كَانَ قَدْ عَوَّدَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَأَنْ يُصَافِحَهُ ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ هِجْرَانٍ فِي شَيْءٍ يَخَافُ عَلَيْهِ فَهُوَ الْكُفْرُ فَهُوَ جَائِزٌ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ خَافَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهِمْ " لَا تُكَلِّمُوهُمْ " فَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ بَلْ بِعَوْدِهِ إلَى حَالِهِ مَعَ الْمَهْجُورِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ أَحْمَدُ خَارِجًا مِنْ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ حَتَّى يَعُودَ إلَى عَادَتِهِ مَعَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَزُولُ إلَّا بِعَوْدَتِهِ مَعَهُ. انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِلَّذِي تَشْتُمُهُ ابْنَةُ عَمِّهِ: إذَا لَقِيتَهَا سَلِّمْ عَلَيْهَا اقْطَعْ الْمُصَارَمَةَ. فَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّلَامَ يَقْطَعُهَا مُطْلَقًا. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ وَالسَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّ الْهَجْرَ الْمُحَرَّمَ لَا يَزُولُ بِغَيْرِ مُشَافَهَةٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْكِتَابَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ كَلَامًا أَنْ يَزُولَ الْهَجْرُ الْمُحَرَّمُ بِهَا. قَالَ ثُمَّ وَجَدْت ابْنَ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا يَزُولُ لِزَوَالِ الْوَحْشَةِ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ سَيِّدِنَا

стр. 269

الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَزُولُ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ فَكَتَبَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ وَتَرْكَ صِلَتِهِ حَنِثَ. انْتَهَى. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ كَلَامٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِكُلِّ خَيْرٍ. وَلَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ الْهَجْرِ وَالِانْصِرَامِ أَعْقَبَ ذَلِكَ فِي النِّظَامِ بِذِكْرِ السَّلَامِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: فِي فَضْلِ بَدْءِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَكُنْ عَالِمًا أَنَّ السَّلَامَ لِسُنَّةٍ ... وَرَدُّك فَرْضٌ لَيْسَ نَدْبًا بِأَوْطَدِ (وَكُنْ) أَيُّهَا الْمُتَشَرِّعُ، الَّذِي لِعِلْمِ الْآدَابِ مُتَشَوِّقٌ وَمُتَطَلِّعٌ. (عَالِمًا) عِلْمَ إخْلَاصٍ وَتَحْقِيقٍ، وَامْتِثَالٍ وَتَدْقِيقٍ، (أَنَّ السَّلَامَ) أَيْ ابْتِدَاءَهُ. وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْأَمَانُ. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ: السَّلَامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْك مُعَرَّفًا وَيَجُوزُ مُنَكَّرًا، وَمَعْنَاهُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْك، أَوْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْك تَسْلِيمًا وَسَلَامًا، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ (لَسُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ صَرَّحَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ، وَصَحَّتْ بِهَا الْآثَارُ، عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَنَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١] فَالسَّلَامُ سُنَّةُ عَيْنٍ مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَسُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَالْأَفْضَلُ السَّلَامُ مِنْ جَمِيعِهِمْ (وَ) كُنْ عَالِمًا أَنَّ (رَدَّك) السَّلَامَ الْمَسْنُونَ عَلَى مَنْ ابْتَدَأَهُ عَلَيْك يَعْنِي حَيْثُ كَانَ الِابْتِدَاءُ فِي حَالَةٍ يُسَنُّ الِابْتِدَاءُ فِيهَا (فَرْضٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ الْجَمَاعَةِ. وَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْوَاحِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وَلِمَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ (لَيْسَ) رَدُّكَ السَّلَامَ (نَدْبًا) أَيْ مَنْدُوبًا بَلْ وَاجِبٌ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، رَحِمَهُمْ الْمَلِكُ الْوَهَّابُ (بِأَوْطَدَ) أَيْ بِأَثْبَتَ وَأَشْهَرَ، يُقَالُ وَطَدَ الشَّيْءَ يَطِدُهُ وَطْدًا فَهُوَ وَطِيدٌ وَمَوْطُودٌ أَثْبَتَهُ وَثَقَّلَهُ كَوَطَّدَهُ فَتَوَطَّدَ، وَوَطَدَ الشَّيْءُ دَامَ وَثَبُتَ وَرَسَا، وَالْمُتَوَاطِدُ الدَّائِمُ الثَّابِتُ الَّذِي بَعْضُهُ فِي أَثَرِ بَعْضٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَنَحْوُهُ فِي النِّهَايَةِ. فَالْأَثْبَتُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ لَا مَنْدُوبٌ. وَعُلِمَ مِنْهُ. أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا. وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ وُجُوبُهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵁ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ وَاجِبٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.

стр. 270

وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ فِي إفْشَاءِ السَّلَامِ وَفَضَائِلِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَفْشُوا السَّلَامَ تَسْلَمُوا» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «كُنَّا إذَا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتُفَرِّقُ بَيْنَنَا شَجَرَةٌ فَإِذَا الْتَقَيْنَا يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» . وَأَخْرَجَ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَقَالَ لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ فِي الدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» . وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ﵁ فِي مَعَاجِمِهِ الثَّلَاثَةِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَسْرَقُ النَّاسِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ؟ قَالَ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا. وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَإِسْنَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ لِفُلَانٍ فِي

стр. 271

حَائِطِي عِذْقًا وَأَنَّهُ قَدْ أَذَانِي وَشَقَّ عَلَيَّ مَكَانُ عِذْقِهِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِعْنِي عِذْقَك الَّذِي فِي حَائِطِ فُلَانٍ. قَالَ لَا. قَالَ فَهَبْهُ لِي، قَالَ لَا، قَالَ فَبِعْنِيهِ بِعِذْقٍ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا رَأَيْت الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْك إلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ» . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ. إذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ لِلسَّلَامِ عِدَّةَ فَوَائِدَ، مِنْهَا امْتِثَالُ سُنَّةِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَقَدْ قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي» وَمِنْهَا الْخُرُوجُ مِنْ الْحُرْمَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ ابْتِدَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عَدَمَ الْوُجُوبِ. وَمِنْهَا الْخُرُوجُ مِنْ الْبُخْلِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ جَنَّةَ عَدْنٍ بَخِيلٌ، وَقَالَ ﷺ : «أَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنْ الْبُخْلِ، وَالْبَخِيلُ بَغِيضٌ إلَى اللَّهِ، بَغِيضٌ إلَى النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ، حَبِيبٌ إلَى الشَّيْطَانِ، قَرِيبٌ إلَى النِّيرَانِ، وَالْجَنَّةُ دَارُ الْأَسْخِيَاءِ» . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُدْخِلُ صَاحِبَهَا الْجَنَّةَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيُوجِبُ دُخُولَهَا لَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَرْحٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ الْجَنَّةَ، قَالَ طَيِّبُ الْكَلَامِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَمِنْهَا أَنَّ بَذْلَهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي سَرْحٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ إنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بَذْلَ السَّلَامِ، وَحُسْنَ الْكَلَامِ» . وَمِنْهَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ وَغَيْرِهِ. وَالْمَحَبَّةُ شَأْنُهَا عَظِيمٌ. وَقَدْرُهَا جَسِيمٌ، وَمَدَارُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ عَلَيْهَا. وَجَمِيعُ الْحَرَكَاتِ إنَّمَا نَشَأَتْ عَنْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ ذَكَرْت طَرَفًا مِنْهَا فِي خَاتِمَةِ كِتَابِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ، وَيَكْفِي كَوْنُهَا عِلْمًا لِلْإِيمَانِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ.

стр. 272

وَمِنْهَا أَدَاءُ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ» . وَمِنْهَا أَوْلَوِيَّتُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاَللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلَانِ يَلْتَقِيَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ؟ قَالَ: أَوْلَاهُمَا بِاَللَّهِ تَعَالَى» . وَمِنْهَا حَوْزُهُ الْفَضِيلَةَ، لِمَا أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْمَاشِيَانِ أَيُّهُمَا بَدَأَ فَهُوَ أَفْضَلُ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَحَدِ إسْنَادَيْ الْكَبِيرِ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ عَنْ الْأَغَرِّ أَغَرِّ مُزَيْنَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ لِي بِجَرِيبٍ مِنْ تَمْرٍ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَمَطَلَنِي بِهِ، فَكَلَّمْت فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اُغْدُ يَا أَبَا بَكْرٍ فَخُذْ لَهُ مِنْ تَمْرِهِ، فَوَعَدَنِي أَبُو بَكْرٍ الْمَسْجِدَ إذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، فَوَجَدْته حَيْثُ وَعَدَنِي فَانْطَلَقْنَا. فَكُلَّمَا رَأَى أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ مِنْ بَعِيدٍ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَمَّا تَرَى مَا يُصِيبُ الْقَوْمُ عَلَيْك مِنْ الْفَضْلِ لَا يَسْبِقُك إلَى السَّلَامِ أَحَدٌ فَكُنَّا إذَا طَلَعَ الرَّجُلُ مِنْ بَعِيدٍ بَادَرْنَاهُ بِالسَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْنَا» . وَمِنْهَا إدْرَاكُ الْفَضِيلَةِ فِي إفْشَاءِ اسْمِ اللَّهِ السَّلَامِ وَفَضْلِ الدَّرَجَةِ بِنَشْرِهِ، لِمَا أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ إذَا مَرَّ بِقَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلُ دَرَجَةٍ بِتَذْكِيرِهِ إيَّاهُمْ السَّلَامَ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ» .

стр. 273

وَمِنْهَا حُصُولُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي صَحَّتْ بِهَا الرِّوَايَاتُ، فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَشْرٌ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ فَجَلَسَ فَقَالَ عِشْرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلَاثُونَ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ وَزَادَ «ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ أَرْبَعُونَ هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ» وَمِنْهَا حُصُولُ السَّلَامَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ. وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﷺ : «أَفْشُوا السَّلَامَ تَسْلَمُوا» يَعْنِي فِي الدُّنْيَا مِنْ الْإِثْمِ وَالْبُخْلِ، أَوْ مِنْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ نَكَبَاتِ الدُّنْيَا وَمِنْ أَهْوَالِ الْآخِرَةِ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ. وَمِنْهَا دُخُولُ الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ، يَعْنِي بِأَمَانٍ؛ أَوْ مُتَلَبِّسِينَ بِسَلَامٍ، أَوْ مُصْطَحِبِينَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا تَصْفِيَةُ وُدِّ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ شَيْبَةَ الْحَجَبِيِّ عَنْ عَمِّهِ مَرْفُوعًا «ثَلَاثٌ يُصَفِّينَ لَك وُدَّ أَخِيكَ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيتَهُ، وَتُوَسِّعُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَتَدْعُوهُ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إلَيْهِ» . وَمِنْهَا حُصُولُ فَضِيلَةِ الْإِسْلَامِ وَخَيْرِيَّتِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَتَقَدَّمَ. وَمِنْهَا إحْيَاءُ سُنَّةِ أَبِينَا آدَمَ ﵊، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ، نَفَرٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَك فَإِنَّهَا تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ؛ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوا وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَأْخُذُ بِيَدِي فَيَخْرُجُ إلَى السُّوقِ يَقُولُ إنِّي لَأَخْرُجُ وَمَا لِي حَاجَةٌ إلَّا لِأُسَلِّمَ وَيُسَلَّمَ عَلَيَّ، فَأُعْطِي وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَآخُذُ عَشْرًا، يَا مُجَاهِدُ إنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: فَمَنْ أَكْثَرَ السَّلَامَ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 274

وَمِنْهَا مُوَافَقَةُ تَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا سَلَامٌ كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ. مَطْلَبٌ: فِيمَا يَقُولُهُ الْبَادِئُ بِالسَّلَامِ وَجَوَابُ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : صِفَةُ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَيَقُول الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَإِنْ قَالَ الرَّادُّ: وَعَلَيْك أَوْ وَعَلَيْكُمْ فَقَطْ. وَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ. قَالَ كَمَا رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَصَحَّ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ يَا أُبَيّ، فَالْتَفَتَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ صَلَّى أَيْ تَخَفَّفَ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ وَعَلَيْكَ، مَا مَنَعَك أَنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُك» الْحَدِيثَ. قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الرَّادِّ لِلسَّلَامِ وَعَلَيْك بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأِ. انْتَهَى. وَكَذَا رَدُّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي فَضَائِلِهِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ لَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَالَ وَيُجْزِئُ فِي الرَّدِّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَدَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى الْإِجْزَاءِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِأَقَلَّ مِنْهَا بِأَنْ حَذَفَ الْمُبْتَدَأَ فَقَالَ وَعَلَيْكُمْ. وَمُقْتَضَى كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ قَالَ الْمُضْمَرُ كَالْمُظْهَرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إذَا وَصَلَهُ بِكَلَامٍ فَلَهُ الِاقْتِصَارُ بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَتَ وَلَوْلَا أَنَّ الرَّدَّ الْوَاجِبَ يَحْصُلُ بِهِ لَمَا أَجْزَأَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الذِّمِّيِّ. وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَسَيِّدِنَا الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: فَإِنْ قَالَ سَلَامٌ لَمْ يُجِبْهُ وَيُعَرِّفُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ تَنْكِيرَ الِابْتِدَاءِ وَتَعْرِيفَ الْجَوَابِ، وَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ يَعْنِي: السَّلَامَ الْأَوَّلَ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ تَعْرِيفِهِ وَتَنْكِيرِهِ فِي سَلَامِهِ عَلَى الْحَيِّ، وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ فَمُعَرَّفٌ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ إلَى آخِرِهِ.

стр. 275

الثَّانِي) : انْتِهَاءُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا (وَبَرَكَاتُهُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ الِابْتِدَاءَ عَلَى الرَّدِّ كَعَكْسِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَآخِرُهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ تَمَامِ السَّلَامِ فَقَالَ وَبَرَكَاتُهُ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُجْزِي أَنْ يَزِيدَ الِابْتِدَاءُ عَلَى لَفْظِ الرَّدِّ وَالرَّدُّ عَلَى لَفْظِ الِابْتِدَاءِ إلَّا أَنَّ الِانْتِهَاءَ فِي ذَلِكَ إلَى الْبَرَكَاتِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ مُسَاوَاةَ الرَّدِّ لِلِابْتِدَاءِ أَوْ أَزْيَدَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي دَاوُد فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْبَرَكَاتِ حَيْثُ قَالَ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ فَقَالَ أَرْبَعُونَ - وَتَقَدَّمَ - فَضَعِيفٌ وَخِلَافُ الْمَشْهُورِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَأْتِي بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا، وَيَقُولُ الْمُجِيبُ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ لِمَا قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي دَاوُد، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَكْمَلُهُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ ابْتِدَاءً وَكَذَا الْجَوَابُ، وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَأَوْسَطُهُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُجْزِئُ فِي السَّلَامِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَلَوْ عَلَى مُنْفَرِدٍ، وَفِي الرَّدِّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَيَنْوِي مَلَائِكَتَهُ حَيْثُ أَتَى بِمِيمِ الْجَمْعِ. (الثَّالِثُ) : أَوْجَبَ فِي الْإِقْنَاعِ زِيَادَةَ الْوَاوِ فِي الرَّدِّ بِأَنْ يَقُولَ وَعَلَيْك أَوْ وَعَلَيْكُمْ فَإِنْ أَسْقَطَهَا فَقَالَ فِي الْهَدْيِ فَهَلْ يَكُونُ رَدًّا صَحِيحًا؟ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي لَا يَكُونُ جَوَابًا وَلَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الرَّدِّ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَتُزَادُ الْوَاوُ فِي رَدِّ السَّلَامِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ يَعْنِي عَدَمَ وُجُوبِ زِيَادَتِهَا. قُلْت وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ م ص فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى كَالْمُصَنِّفِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ آدَمَ ﵇ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ ﵈: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ عَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] قَالَ فِي الْآدَابِ: قِيلَ هُوَ مَرْفُوعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قَوْلِي

стр. 276

سَلَامٌ، أَيْ جَوَابِي أَوْ أَمْرِي. وَقِيلَ هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا النَّصْبُ فِي الْأَوَّلِ فَقِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ ذَكَرُوا سَلَامًا وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ أَيْ سَلَّمُوا سَلَامًا، وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ وَهُوَ كَذِبٌ وَفِيهِ أَنَّهُ إنْشَاءٌ كَقَوْلِك: صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، بَلْ الْأَوْلَى أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالسَّلَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ كَمَا فِي الْآدَابِ. مَطْلَبٌ: فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ وَمَنْ لَا يَجِبُ (الرَّابِعُ) : يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ الْمُتَوَضِّئُ، وَمَنْ فِي الْحَمَّامِ، وَمَنْ يَأْكُلُ، أَوْ يُقَاتِلُ، وَعَلَى تَالٍ، وَذَاكِرٍ، وَمُلَبٍّ، وَمُحَدِّثٍ، وَخَطِيبٍ، وَوَاعِظٍ، وَعَلَى مُسْتَمِعٍ لَهُمْ وَمُكَرِّرِ فِقْهٍ، وَمُدَرِّسٍ، وَبَاحِثٍ فِي عِلْمٍ، وَمُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ، وَمَنْ عَلَى حَاجَتِهِ، وَمُتَمَتِّعٍ بِأَهْلِهِ، أَوْ مُشْتَغِلٍ بِالْقَضَاءِ، وَنَحْوِهِمْ. فَمَنْ سَلَّمَ فِي حَالَةٍ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا السَّلَامُ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا. وَقَدْ نَظَّمَهُمْ الْخَلْوَتِيُّ وَزَادَ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً فَقَالَ: رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى ... مَنْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بِأَكْلٍ شُغِلَا أَوْ شُرْبٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ أَدْعِيَهْ ... أَوْ ذِكْرٍ أَوْ فِي خُطْبَةٍ أَوْ تَلْبِيَهْ أَوْ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ... أَوْ فِي إقَامَةٍ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ سَلَّمَ الطِّفْلُ أَوْ السَّكْرَانُ ... أَوْ شَابَّةٌ يُخْشَى بِهَا افْتِتَانُ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ نَاعِسٌ أَوْ نَائِمٌ ... أَوْ حَالَةَ الْجِمَاعِ أَوْ تَحَاكُمٌ أَوْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ أَوْ مَجْنُونَا ... فَهِيَ اثْنَتَانِ قَبْلَهَا عِشْرُونَا وَرَدَ النَّصُّ فِي بَعْضِ هَذِهِ وَالْبَقِيَّةُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. وَإِذَا انْتَفَى الْوُجُوبُ بَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ أَوْ الْإِبَاحَةُ، نَعَمْ فِي مَوَاضِعَ يُكْرَهُ الرَّدُّ أَيْضًا كَاَلَّذِي عَلَى حَاجَتِهِ، وَلَعَلَّ مِثْلَهُ مَنْ مَعَ أَهْلِهِ. وَيَحْرُمُ أَنْ يَرُدَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَفْظًا وَتَبْطُلُ بِهِ، وَيُكْرَهُ إشَارَةٌ قَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ لَا كَرَاهَةَ لِلْعُمُومِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ رَدَّ عَلَى ابْنِ عُمَرَ إشَارَةً، وَعَلَى صُهَيْبٍ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ

стр. 277

وَصَحَّحَهُ، وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَحَسَنٌ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَإِنْ لَقِيَ طَائِفَةً فَخَصَّ بَعْضَهُمْ بِالسَّلَامِ كُرِهَ، وَكُرِهَ السَّلَامُ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ غَيْرِ عَجُوزٍ وَبَرْزَةٍ فَإِنْ سَلَّمَتْ شَابَّةٌ عَلَى رَجُلٍ رَدَّهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمَرْأَةُ لَا تُسَلِّمُ عَلَى الرِّجَالِ أَصْلًا، وَرُوِيَ مِنْ الْحِلْيَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ يَرْفَعُهُ «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ سَلَامٌ وَلَا عَلَيْهِنَّ سَلَامٌ» وَكَرِهَ الْإِمَامِ السَّلَامَ عَلَى الشَّوَابِّ دُونَ الْكَبِيرَةِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي وَلَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُ. (الْخَامِسُ) : سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ رَجُلٍ مَرَّ بِجَمَاعَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرُدُّوا ﵇، فَقَالَ يُسْرِعُ فِي خُطَاهُ لَا تَلْحَقُهُ اللَّعْنَةُ مَعَ الْقَوْمِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ جَعَلُوهُ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ. وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ نَعَمْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ سَائِلٍ عَلَى بَابِ دَارِهِ لِأَنَّهُ سَلَّمَ لِشِعَارِ سُؤَالِهِ لَا لِلتَّحِيَّةِ، قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُجْزِي رَدُّ وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ، فَأَمَّا الْوَاحِدُ الْمُنْقَطِعُ فَلَا يُجْزِئُ سَلَامُهُ عَنْ سَلَامٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْخُزَاعِيُّ ضَعَّفَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَرَدُّ السَّلَامِ سَلَامٌ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِلَفْظِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ وَلِأَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ تَحِيَّتِهِ فَلَا تَجِبُ زِيَادَةٌ كَزِيَادَةِ الْقَدْرِ قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ يَعْنِي وُجُوبَ الرَّدِّ بِرَدِّ غَيْرِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَرْضِ كَمَا لَا يَسْقُطُ الْأَذَانُ مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ بِأَذَانِ بَلْدَةٍ أُخْرَى. وَأَمَّا لَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَلَاقِيَيْنِ لِصَاحِبِهِ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ ابْتِدَاءً لَا جَوَابًا فَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ لَمْ يَسْتَحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْجَوَابَ لِأَنَّهَا صِيغَةُ جَوَابٍ لَا ابْتِدَاءً، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 278

مَطْلَبٌ: فِي السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ (السَّادِسُ) : يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَى الصِّبْيَانِ تَأْدِيبًا لَهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَصَاحِبُ عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يُسْتَحَبُّ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إجْمَاعًا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَأَمَّا الْحَدَثُ الْوَضِيءُ أَيْ الْجَمِيلُ فَلَمْ يَسْتَثْنُوهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ. وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصِّبْيَانِ كَمَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، كَقَوْلِ أَنَسٍ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» . «وَمَرَّ أَنَسٌ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالصِّبْيَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ، وَضَمُّهَا لُغَةٌ. (السَّابِعُ) : يُسَنُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِابْتِدَاءِ السَّلَامِ لِيَسْمَعَهُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ سَمَاعًا مُحَقَّقًا وَمَنْ سَلَّمَ أَوْ رَدَّ عَلَى أَصَمَّ جَمَعَ بَيْنَ لَفْظٍ وَإِشَارَةٍ. وَسَلَامُ أَخْرَسَ وَجَوَابُهُ بِالْإِشَارَةِ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ عِنْدَهُمْ نِيَامٌ أَوْ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ هَلْ هُمْ أَيْقَاظٌ أَوْ نِيَامٌ خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْأَيْقَاظُ وَلَا يُوقِظُ النِّيَامَ. وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ عَلَى بُعْدٍ ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ سُنَّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَلَا يَتْرُكُ السَّلَامَ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الرَّدِّ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ عُلَمَاءُ سَلَّمَ عَلَى الْكُلِّ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْعُلَمَاءِ سَلَامًا ثَانِيًا. (الثَّامِنُ) : سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ حَدِيثِ حَذْفِ السَّلَامِ سُنَّةٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إلَى الْقَوْمِ فَيَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَمَدَّ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَوْتَهُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَخَفَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَوْتَهُ قَالَ يَقُولُ هَكَذَا. (التَّاسِعُ) : إنْ سَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ الْغَائِبُ بِرِسَالَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الْبَلَاغِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الرَّسُولِ فَيَقُولَ وَعَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِنْ بَعَثَ مَعَهُ السَّلَامَ وَجَبَ تَبْلِيغُهُ إنْ تَحَمَّلَهُ. رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: «إنِّي لَأَرَى لِرَدِّ جَوَابِ الْكِتَابِ عَلَيَّ حَقًّا كَمَا أَرَى رَدَّ جَوَابِ السَّلَامِ» . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْمَحْفُوظُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 279

وَقْفُهُ، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ إذَا لَمْ يَصِحَّ خِلَافُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مَعْمُولٌ بِهِ. (الْعَاشِرُ) قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: كَيْفَ نَكْتُبُ فِي عِنْوَانِ الْكِتَابِ؟ قَالَ تَكْتُبُ إلَى أَبِي فُلَانٍ وَلَا تَكْتُبُ لِأَبِي فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى إذَا كَتَبْت لِأَبِي فُلَانٍ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَكْتُبُ عِنْوَانَ الْكِتَابِ إلَى أَبِي فُلَانٍ وَقَالَ هُوَ أَصْوَبُ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ لِأَبِي فُلَانٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ: كَتَبَ إلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ إلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَاءٌ، وَالسُّلْطَانُ دَاءٌ، وَالْعَالِمَ طَبِيبٌ، فَإِذَا رَأَيْت الطَّبِيبَ يَجُرُّ الدَّاءَ إلَى نَفْسِهِ فَاحْذَرْهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. وَقَالَ حَنْبَلٌ: كَانَتْ كُتُبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا إلَى فُلَانٍ، فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ كَتَبَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَكَتَبَ كُلَّمَا كَتَبَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَعُمَرُ كَتَبَ إلَى عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، وَهَذَا الَّذِي يُكْتَبُ الْيَوْمَ لِفُلَانٍ مُحْدَثٌ لَا أَعْرِفُهُ. قُلْت فَالرَّجُلُ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَمَّا الْأَبُ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَهُ بِاسْمِهِ وَلَا يَبْدَأَ وَلَدٌ بِاسْمِهِ عَلَى وَالِدٍ وَالْكَبِيرُ السِّنُّ كَذَلِكَ يُوَقِّرُهُ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا بَأْسَ وَفِي مَعْنَى كِبَرِ السِّنِّ الْعِلْمُ وَالشَّرَفُ قَالَ فِي الْآدَابِ وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِمُرَاعَاةِ شَيْخٍ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَتَرْكِ عَالَمٍ صَغِيرِ السِّنِّ. قَالَ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ مَا يُخَالِفُ هَذَا النَّصَّ صَرِيحًا وَلَعَلَّ ظَاهِرَ حَالِهِ اتِّبَاعُ طَرِيقِ مَنْ مَضَى فِي بُدَاءَةِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَذَكَّرْت هُنَا أَبْيَاتًا أَحْبَبْت ذِكْرَهَا. كَتَبَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ مَا لَفْظُهُ: قَالُوا يَزُورُك أَحْمَدُ وَتَزُورُهُ ... قُلْت الْفَضَائِلُ لَا تُفَارِقُ مَنْزِلَهْ إنْ زَارَنِي فَبِفَضْلِهِ أَوْ زُرْتُهُ ... فَلِفَضْلِهِ فَالْفَضْلُ فِي الْحَالَيْنِ لَهْ فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: إنْ زُرْتنَا فَبِفَضْلٍ مِنْك تَمْنَحُنَا ... أَوْ نَحْنُ زُرْنَا فَلِلْفَضْلِ الَّذِي فِيكَا فَلَا عَدِمْنَا كِلَا الْحَالَيْنِ مِنْك وَلَا ... نَالَ الَّذِي يَتَمَنَّى فِيك شَانِيكَا

стр. 280

وَكَتَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ لِلْمُغِيرَةِ وَقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ عَلَى بُطْءِ الْمُكَاتَبَةِ: مَا غَيَّرَ النَّأْيُ وُدًّا كُنْت تَعْهَدُهُ ... وَلَا تَبَدَّلْت بَعْدَ الذِّكْرِ نِسْيَانَا وَلَا حَمِدْت إخَاءً مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... إلَّا جَعَلَتْك فَوْقَ الْحَمْدِ عُنْوَانَا (الْحَادِي عَشَرَ) ابْتِدَاءُ السَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ، مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ سُنَّةٌ وَرَدَّهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي السُّنَّةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْفَرْضِ. الثَّانِي: إنْظَارُ الْمُعْسِرِ فَرْضٌ وَإِبْرَاؤُهُ سُنَّةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ. الثَّالِثُ التَّطَهُّرُ قَبْلَ الْوَقْتِ سُنَّةٌ وَبِهِ يَجِبُ. وَقَدْ نَظَمَهَا الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فَقَالَ: الْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ عَابِدٍ ... حَتَّى وَلَوْ قَدْ جَاءَ مِنْهُ بِأَكْثَرِ إلَّا التَّطَهُّرَ قَبْلَ وَقْتٍ وَابْتِدَا ... لِلسَّلَامِ كَذَاك إبْرَا الْمُعْسِرِ وَزَادَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدٌ الْخَلْوَتِيُّ الْخِتَانَ وَنَظَمَهُ فَقَالَ: وَكَذَا خِتَانُ الْمَرْءِ قَبْلَ بُلُوغِهِ ... تَمِّمْ بِهِ عَقْدَ الْإِمَامِ الْمُكْثِرِ مَطْلَبٌ: فِي السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ (تَتِمَّةٌ) . لَا يَجُوزُ بُدَاءَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالسَّلَامِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ سَلَّمَ أَحَدُهُمْ وَجَبَ الرَّدُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ بِالْأَمْرِ بِالرَّدِّ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَصِفَةُ الرَّدِّ (وَعَلَيْك) أَوْ (وَعَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ الْوَاوِ وَإِثْبَاتِهَا لِصِحَّةِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَاخْتَارَ الْأَصْحَابُ إثْبَاتَ الْوَاوِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي مُوسَى مِنَّا وَابْنِ حُسَيْنٍ الْمَالِكِيِّ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّشْرِيكَ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِالْحَذْفِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رَوَاهُ عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ بِالْوَاوِ، وَقِيلَ: الْوَاوُ هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الذَّمِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ السَّامُّ عَلَيْكُمْ يَعْنِي الْمَوْتَ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْك، وَهِيَ الْحِجَارَةُ، فَيُقَالُ: وَعَلَيْك، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ قَالَ لَهُ رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُجْزِئُ تَسْلِيمُ امْرِئٍ مِنْ جَمَاعَةٍ ... وَرَدُّ فَتًى مِنْهُمْ عَلَى الْكُلِّ يَا عَدِيّ (وَ) حَيْثُ عَلِمْت أَنَّ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ مِنْ الْجَمَاعَةِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فَ (يُجْزِئُ تَسْلِيمٌ) أَيْ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ مِنْ (امْرِئٍ) حَيْثُ كَانَ الْمَرْءُ الْمُسَلِّمُ (مِنْ) جُمْلَةِ

стр. 281

جَمَاعَةٍ) مِنْ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْكِفَايَةِ أَيْ يُخَاطِبُ بِهِ الْجَمِيعَ لَا كُلَّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ وَيُجْزِئُ مِنْ وَاحِدٍ. وَظَاهِرُهُ وَيَحْصُلُ لَهُمْ أَصْلُ السَّنَةِ بِتَسْلِيمِ مَنْ يُجْزِئُ سَلَامُهُ، وَالْأَفْضَلُ السَّلَامُ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَالسَّلَامُ فِي حَقِّهِ سُنَّةُ عَيْنٍ. وَظَاهِرُ إطْلَاقِ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ إجْزَاءُ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَيَتَوَجَّهُ، وَكَذَا مِنْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الرَّدُّ عَلَى سَلَامِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُمَا رَدٌّ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِمَا (وَ) وَيُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ (رَدُّ فَتًى) وَاحِدٍ بَالِغٍ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ دُونَ رَدِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ فَوْرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ جَوَابًا لِلسَّلَامِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ رَدًّا كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ: قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَرْضِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا، وَانْظُرْ هَلْ يَشْمَلُ تَعْلِيلُهُ كُلَّ مَنْ لَا يُسَنُّ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ عَلَيْهِ كَالْآكِلِ، وَالْمُتَوَضِّئِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَالظَّاهِرُ إجْزَاءُ رَدِّهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ كَمَا عَلِمْت فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَشَأْنُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يُخَاطَبَ بِهِ الْجَمْعُ، وَيَسْقُطَ بِمَنْ يَقُومُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِتْيَانُ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرَّادُّ مُكَلَّفًا حَتَّى يُجْزِئَ عَنْ الْبَاقِينَ. فَلَوْ رَدَّ كَافِرٌ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَرَدَّ وَحْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ الْفَرْضُ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَلَى بَالِغٍ وَصَبِيٍّ رَدَّهُ الْبَالِغُ، وَلَمْ يَكْفِ رَدُّ الصَّبِيِّ. انْتَهَى. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَالِغٌ وَصَبِيٌّ فَسَلَّمَ الصَّبِيُّ عَلَى بَالِغٍ وَصَبِيٍّ أَجْزَأَ رَدُّ الصَّبِيِّ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ مُرَادًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الرَّدُّ عَلَى تَسْلِيمِ الصَّبِيِّ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّدَّ لَا يَسْقُطُ بِالصَّبِيِّ فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَالسَّلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْخِطَابِ وَالْأَمْرِ بِهِ فَإِنْ سَلَّمَ صَبِيٌّ عَلَى بَالِغِينَ فَوَجْهَانِ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ مُخْرَجَانِ مِنْ صِحَّةِ سَلَامِهِ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ. قَالَ فِي الْغَايَةِ: وَلَا بَأْسَ بِهِ يَعْنِي السَّلَامَ عَلَى الصِّبْيَانِ تَأْدِيبًا لَهُمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدٌّ، وَيَلْزَمُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ كَشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ سَلَّمَتْ وَإِرْسَالُهَا بِهِ لِأَجْنَبِيٍّ وَإِرْسَالُهُ إلَيْهَا لَا بَأْسَ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ وَعَدَمِ

стр. 282

مَحْذُورٍ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ اعْتِبَارُ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا الْوَاحِدُ الْمُنْقَطِعُ فَلَا يُجْزِئُ سَلَامُهُ عَنْ سَلَامِ آخَرَ مُنْقَطِعٍ. (تَنْبِيهٌ) : اسْتَوْجَهَ الْعَلَّامَةُ فِي غَايَتِهِ اكْتِفَاءَ رَدِّ وَاحِدٍ مَعَ سَلَامِ جَمَاعَةٍ تَعَاقَبُوا إنْ لَمْ يَكُنْ رَدٌّ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ تَشْمِيتٌ، وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاسَهُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَفِيهِ أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تَتَدَاخَلُ وَعَلَى كَلَامِهِ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَقَوْلُ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (عَلَى الْكُلِّ) أَيْ عَلَى كُلِّ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلِّمِينَ أَوْ الْمُسَلِّمِ مِنْهُمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ بِالرَّدِّ عَلَى كُلِّهِمْ وَلَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ بَعْضَهُمْ. وَفِي نُسْخَةٍ وَرَدُّ الْفَتَى مِنْهُمْ عَنْ الْجَمْعِ يَا عَدِيّ، أَيْ وَيُجْزِئُ رَدُّ فَتًى مِنْ جَمْعٍ عَنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ يَعْنِي رَدَّ وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ عَنْ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ يُخَاطَبُ بِهِ الْجَمِيعُ وَيَسْقُطُ بِوَاحِدٍ، وَقَدْ عُلِمَ هَذَا مِمَّا شَرَحْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ (يَا عَدِيّ) أَيْ يَا فُلَانُ وَأَتَى بِهِ حَشْوًا لِقَافِيَّةِ الْبَيْتِ لَا أَنَّهُ قَصَدَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ اسْمُهُ عَدِيٌّ. وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ إرَادَتُهُ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ قَصَدَ تَفْهِيمُهُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَسْلِيمُ نَزْرٍ وَالصَّغِيرِ وَعَابِرِ ... السَّبِيلِ وَرُكْبَانٍ عَلَى الضِّدِّ أَيِّدِ (وَ) يُسَنُّ (تَسْلِيمُ نَزْرٍ) أَيْ قَلِيلٍ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا عَلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَوْ جَمَاعَةً عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُمْ عَدَدًا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّزْرُ الْقَلِيلُ كَالنَّزِيرِ وَالْمَنْزُورِ. وَفِي صِفَةِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا نَزْرَ وَلَا هَدْرَ» ، أَيْ لَيْسَ بِقَلِيلٍ فَيَدُلُّ عَلَى عَيٍّ وَلَا بِكَثِيرٍ فَاسِدٍ (وَ) يُسَنُّ تَسْلِيمُ (الصَّغِيرِ) عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْكَبِيرُ وَعَابِرِ السَّبِيلِ يَعْنِي الْمَاشِيَ فِي الطَّرِيقِ عَلَى الْجَالِسِ (وَ) تَسْلِيمُ (رُكْبَانٍ) عَلَى خَيْلٍ أَوْ ضِدِّهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ، وَالرَّاكِبُ عَلَيْهِمَا» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْمَاشِيَانِ أَيُّهُمَا بَدَأَ فَهُوَ أَفْضَلُ» قَالَ

стр. 283

الْإِمَامُ الْوَزِيرُ عَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ ﵁: مَنْ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ فَقَدْ أَمَّنَهُ، فَالْفَارِسُ أَقْوَى مِنْ الرَّاجِلِ، فَأُمِرَ ﵇ بِسَلَامِ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ، وَسَلَامُ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ أَقَلُّ حَرَجًا، هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ. وَإِنَّ سَلَّمَ الْمَأْمُورُ بِالرَّدِّ مِنْهُمْ ... فَقَدْ حَصَّلَ الْمَسْنُونَ إذْ هُوَ مُبْتَدِي (وَإِنْ) عُكِسَ الْأَمْرُ بِأَنْ (سَلَّمَ) أَيْ ابْتَدَأَ السَّلَامَ (الْمَأْمُورُ بِالرَّدِّ) أَيْ بِرَدِّ السَّلَامِ لِيَكُونَ ضِدَّهُمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْمُسَلِّمِينَ الْمَأْمُورِينَ بِنَشْرِ السَّلَامِ بِأَنْ ابْتَدَأَ بِالسَّلَامِ الْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْكَبِيرُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ (فَقَدْ حَصَلَ) الْأَمْرُ (الْمَسْنُونَ إذْ هُوَ) أَيْ الْمُسَلِّمُ (مُبْتَدِي) فَحَصَّلَ بِالسَّلَامِ مَنْ قُلْنَا يَبْدَأُ غَيْرُهُ السُّنَّةَ بِسَلَامِهِ وَصَارَ مُبْتَدِئًا يَعْنِي حَصَّلَ أَصْلَ السُّنَّةِ غَيْرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ مُفْلِحٍ هُنَا تَرَدُّدٌ فِي فَهْمِ شَأْنِ هَذَا الْبَيْتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى. وَمُرَادُ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ بِالسَّلَامِ مِنْ نَحْوِ الْجَالِسِ وَالْكَثِيرِ إلَخْ فَقَدْ حَصَّلَ الْمَسْنُونَ وَفَازَ بِالْأَجْرِ الْمَضْمُونِ، وَحَازَ الْفَضْلَ الْمَكْنُونَ فِي الِابْتِدَاءِ؛ إذْ الِابْتِدَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الرَّدِّ كَمَا قَدَّمْنَا فَلَا تَوَقُّفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فُقَهَاؤُنَا: وَسُنَّ حِرْصُ مُتَلَاقِيَيْنِ عَلَى بُدَاءَةِ سَلَامٍ، فَإِنْ بَدَأَ كُلٌّ صَاحِبَهُ مَعًا وَجَبَ الرَّدُّ عَلَى كُلٍّ وَسُنَّ لِمَنْ تَلَاقَوْا بِطَرِيقٍ أَنْ يُسَلِّمَ صَغِيرٌ وَقَلِيلٌ وَمَاشٍ وَرَاكِبٌ. قَالَ فِي الْغَايَةِ: وَيُتَّجَهُ وَمُنْحَدَرٌ عَلَى ضِدِّهِمْ، فَإِنَّ عُكِسَ حَصَلَتْ السُّنَّةُ وَيُسَلِّمُ وَارِدٌ عَلَى ضِدِّهِ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْوَارِدُ أَكْثَرَ مِنْ ضِدِّهِ أَوْ أَقَلَّ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا، كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا. وَظَاهِرُ النَّظْمِ لَوْ سَلَّمَ الْجَالِسُ عَلَى الْوَارِدِ لَحَصَّلَ أَصْلَ السُّنَّةِ، وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ تُعَيِّنُ كَوْنَ السَّلَامِ مِنْ الْوَارِدِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَمَّا إذَا وَرَدُوا عَلَى قَاعِدٍ أَوْ قُعُودٍ فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَشَارَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَسْنُونِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِ قَوْمٍ فَقَالَ: وَسَلِّمْ إذَا مَا قُمْت عَنْ حَضْرَةِ امْرِئٍ ... وَسَلِّمْ إذَا مَا جِئْت بَيْتَك تَهْتَدِ (وَسَلِّمْ) اسْتِحْبَابًا كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ. وَهَلْ يَكُونُ مِنْ جَمَاعَةٍ سُنَّةَ كِفَايَةٍ

стр. 284

لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ كَذَلِكَ لَا سُنَّةَ عَيْنٍ فَيَطْلُبُ مِنْ كُلِّ مَنْ قَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ عَلَى حِدَتِهِ. نَعَمْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ كَابْتِدَائِهِ لِلْقَادِمِينَ وَنَحْوِهِمْ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَادِمِينَ إلَى مَجْلِسِ قَوْمٍ وَالْقَائِمِينَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (إذَا مَا) تَقَدَّمَ أَنَّ إذَا ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الزَّمَانِ وَمَا زَائِدَةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] (قُمْت) عِنْدَ انْصِرَافِك (عَنْ حَضْرَةِ امْرِئٍ) مُسْلِمٍ غَيْرِ وَاجِبِ الْهَجْرِ وَلَا مَنْدُوبِهِ وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ لَفْظَةِ (عَنْ) هِيَ لِلْمُفَارَقَةِ وَالْمُجَاوَزَةِ أَيْ إذَا قُمْت مِنْ مَجْلِسِ قَوْمٍ وَاحِدًا وَاحِدًا فَصَاعِدًا فَسَلِّمْ عِنْدَ انْصِرَافِك وَمُفَارَقَتِك لِمَجْلِسِهِمْ، لِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الثَّانِيَةِ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَزَادَ فِيهِ رَزِينٌ «وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ حِينَ يَقُومَ عَنْهُمْ كَانَ شَرِيكَهُمْ فِيمَا خَاضُوا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدَهُ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ فَايِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «حَقٌّ عَلَى مَنْ قَامَ عَلَى جَمَاعَةٍ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَقٌّ عَلَى مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسٍ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَامَ رَجُلٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَكَلَّمُ فَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ» . وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: يَا بُنَيَّ إذَا كُنْت فِي مَجْلِسٍ تَرْجُو خَيْرَهُ فَعَجَّلَتْ بِك حَاجَةٌ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّك شَرِيكُهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَوْقُوفًا هَكَذَا، وَمَرْفُوعًا وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَقَالَ: عَشْرُ حَسَنَاتٍ، ثُمَّ مَرَّ آخَر فَقَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ: عِشْرُونَ حَسَنَةً، ثُمَّ مَرَّ آخَرُ فَقَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ: ثَلَاثُونَ حَسَنَةً، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 285

مَا أَوْشَكَ أَيْ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ صَاحِبُكُمْ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ» . وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِي دُخُولِهِ أَعَادَهُ فِي خُرُوجِهِ، قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَالدُّخُولُ آكَدُ اسْتِحْبَابًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «إذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» . مَطْلَبٌ: فِي اسْتِحْبَابِ تَسْلِيمِ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ (وَسَلِّمْ) اسْتِحْبَابًا (إذَا مَا جِئْت) أَيْ: زَمَانَ مَجِيئِك (بَيْتَك) عَلَى أَهْلِهِ (تَهْتَدِ) لِمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ، وَفِعْلِك الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأَحْرَى. أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا بُنَيَّ إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ تَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْك وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِك» . وَقَوْلُ النَّاظِمِ بَيْتَك مُجَارَاةٌ لِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَبَيْتُ غَيْرِهِ كَبَيْتِهِ، فَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ إنْ دَخَلَ بَيْتَهُ أَوْ بَيْتًا مَسْكُونًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١] . وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَلَجَ أَحَدُكُمْ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَشَمِلَ إطْلَاقُ قَوْلِ النَّاظِمِ (وَسَلِّمْ إذَا مَا جِئْت بَيْتَك) مَا إذَا كَانَ بَيْتُهُ خَالِيًا وَهُوَ مُرَادٌ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَمَنْ دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا سَلَّمَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ وَرَدَّ هُوَ السَّلَامَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَيُعَايَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُسَلِّمَ هُوَ يَرُدُّ السَّلَامَ. وَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَخْرِيجٌ فِيمَنْ عَطَسَ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ أَنَّهُ يَرُدَّ عَلَى
следующие страницы →