← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَفِي الْوَجِيزِ: يَحْرُمُ التَّصْوِيرُ وَاسْتِعْمَالُهُ. وَفِي الْفُصُولِ: تُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ صُورَةٌ، وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ هُنَا وَفِي الْوَلِيمَةِ ظَاهِرٌ، وَبَعْضُهُ صَرِيحٌ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ تَخْصِيصًا لِلنَّهْيِ. وَذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ فِي تَخْصِيصِ الْأَخْبَارِ. وَفِي تَتِمَّةِ الْخَبَرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ» إسْنَادُهُ حَسَنٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَوْ صَرِيحُ بَعْضِهِمْ الْمُرَادُ كَلْبٌ مَنْهِيٌّ عَنْ اقْتِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ نَهْيًا، كَرِوَايَةِ النَّسَائِيّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ، وَلَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً بِهَا جَرَسٌ» قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ: وَكَذَا الْجُنُبُ. وَذَكَرَ شَيْخُنَا: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَفِي الْإِرْشَادِ: الصُّوَرُ وَالتَّمَاثِيلُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ فِي الْأَسِرَّةِ، وَالْجُدْرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا فِي الرَّقْمِ أَيْسَرُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْحُرْمَةُ. وَكَأَنَّ النَّاظِمَ أَشَارَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَمَا لَمْ يُدَسْ مِنْهَا اكْرَهَنَّ بِتَشَدُّدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَتِمَّةٌ) يُكْرَهُ الصَّلِيبُ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى. وَظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ تَحْرِيمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ تَشْبِيهِ الرَّجُلِ بِالْأُنْثَى وَعَكْسِهِ وَلِلرَّجُلِ اكْرَهْ لُبْسَ أُنْثَى وَعَكْسَهُ ... وَمَا حَظْرُهُ لِلَّعْنِ فِيهِ بِمُبْعَدِ (وَلِلرَّجُلِ) ، وَهُوَ الذَّكَرُ الْبَالِغُ (اكْرَهْ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا (لُبْسَ أُنْثَى وَعَكْسَهُ) بِأَنْ تَلْبَسَ أُنْثَى لُبْسَ رَجُلٍ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ تَشَبُّهِ الرَّجُلِ بِالْأُنْثَى وَعَكْسُهُ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ فَقَدَّمَ النَّاظِمُ الْكَرَاهَةَ، ثُمَّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَمَا حَظْرُهُ) أَيْ مَنْعُهُ وَحُرْمَتُهُ (لِ) أَجْلِ الـ (لَّعْنِ) الْوَارِدِ عَنْ حَضْرَةِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ ﵊ (فِيهِ) أَيْ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَتَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ

стр. 632

بِمُبْعَدِ) ، بَلْ هُوَ قَرِيبٌ، فَإِنَّهُ ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ امْرَأَةً مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَقَلِّدَةً قَوْسًا فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» الْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُخَنَّثُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَنْ فِيهِ انْخِنَاثٌ، وَهُوَ التَّكَسُّرُ وَالتَّثَنِّي كَمَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ لَا الَّذِي يَأْتِي الْفَاحِشَةَ الْكُبْرَى. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخَنَّثِي الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ، وَرَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «أَرْبَعَةٌ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ وَأَمَّنَتْ الْمَلَائِكَةُ: رَجُلٌ جَعَلَهُ اللَّهُ ذَكَرًا فَأَنَّثَ نَفْسَهُ وَتَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ، وَامْرَأَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ أُنْثَى فَتَذَكَّرَتْ وَتَشَبَّهَتْ بِالرِّجَالِ، وَاَلَّذِي يُضِلُّ الْأَعْمَى، وَرَجُلٌ حَصُورٌ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ حَصُورًا إلَّا يَحْيَى ابْنَ زَكَرِيَّا» . وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالدَّيُّوثُ، وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الدَّيُّوثُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الْفَاحِشَةَ فِي أَهْلِهِ وَيُقِرُّهُمْ عَلَيْهَا. قُلْت: وَهُوَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ ﵁ مُفَسَّرٌ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَفْظُهُ «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَبَدًا: الدَّيُّوثُ، وَالرَّجُلَةُ مِنْ النِّسَاءِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَمَّا مُدْمِنُ الْخَمْرِ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الدَّيُّوثُ؟ قَالَ

стр. 633

الَّذِي لَا يُبَالِي مَنْ دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ. قُلْنَا: فَمَا الرَّجُلَةُ مِنْ النِّسَاءِ؟ قَالَ: الَّتِي تَتَشَبَّهُ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَرُوَاتُهُ لَا أَعْلَمُ فِيهِمْ مَجْرُوحًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ الْبَيَاضُ: وَأَحْسَنُ مَلْبُوسٍ بَيَاضٌ لِمَيِّتٍ ... وَحَيٍّ فَبَيِّضْ مُطْلَقًا لَا تُسَوِّدْ (وَأَحْسَنُ) بِمَعْنَى أَفْضَلُ (مَلْبُوسٍ) مِنْ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا مَا لَوْنُهُ (بَيَاضٌ لِ) إنْسَانٍ (مَيِّتٍ) بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثِيَابٍ بِيضٍ (وَ) لِ (حَيٍّ) بِأَنْ يَلْبَسَ الثِّيَابَ الْبِيضَ دُونَ غَيْرِهَا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَسُوا الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ مَرْفُوعًا «أَحْسَنُ مَا زُرْتُمْ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ الْبَيَاضُ» . (فَبَيِّضْ) ثِيَابَك أَيْ اتَّخِذْهَا بِيضًا (مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْأَعْيَادِ وَغَيْرِهَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْبَيَاضُ أَفْضَلُ اتِّفَاقًا. وَفِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى فِي الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ: وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ. (لَا) نَاهِيَةٌ (تُسَوِّدْ) هَا فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ وَمُرَادُهُ بِالنَّهْيِ خِلَافُ الْأَفْضَلِ وَإِلَّا فَلُبْسُ السَّوَادِ مُبَاحٌ، وَلَوْ لِلْجُنْدِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: يُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ مِنْ عِمَامَةٍ نَصًّا وَثَوْبٍ وَقَبَاءٍ وَقِيلَ إلَّا لِمُصَابٍ، أَوْ جُنْدِيٍّ فِي غَيْرِ حَرْبٍ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِلْجُنْدِيِّ مُطْلَقًا. وَيُرْوَى عَنْ الْإِمَامِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ ثِيَابًا سُودًا يُحْرِقُهَا الْوَصِيُّ قِيلَ لَهُ: فِي الْوَرَثَةِ صِبْيَانٌ تَرَى أَنْ يُحْرِقَ؟ قَالَ: نَعَمْ يُحْرِقُهُ

стр. 634

الْوَصِيُّ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ. وَعَلَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ بِأَنَّهُ لِبَاسُ الْجُنْدِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ وَالظَّلَمَةِ. وَسَأَلَ أَحْمَدُ الْمُتَوَكِّلَ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنْ لُبْسِ السَّوَادِ فَأَعْفَاهُ. وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ سَوْدَاءُ وَاسْتَبْعَدَ فِي الْفُرُوعِ الْأَمْرَ بِحَرْقِهِ. ، وَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيدُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ لُبْسِ السَّوَادِ فَقَالَ لَا أُحَرِّمُهُ وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ قَالَ وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا تُجَلَّى فِيهِ عَرُوسٌ، وَلَا يُلَبِّي فِيهِ مُحْرِمٌ، وَلَا يُكَفَّنُ فِيهِ مَيِّتٌ، وَقِيلَ لِنَمْلَةٍ: لِمَ تَلْبَسُونَ السَّوَادَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّهَا أَشْبَهُ بِثِيَابِ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي فَتًى فِيمَنْ لَبِسَ السَّوَادَ (شِعْرًا) : رَأَيْتُكَ فِي السَّوَادِ فَقُلْتُ بَدْرٌ ... بَدَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ وَأَلْقَيْت السَّوَادَ فَقُلْتُ شَمْسٌ ... مَحَتْ بِشُعَاعِهَا ضَوْءَ النُّجُومِ مَطْلَبٌ: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّوَادَ لِلْحُزْنِ (فَائِدَةٌ) : أَوَّلُ مَا لَبِسَ الْعَبَّاسِيُّونَ السَّوَادُ حِينَ قَتَلَ مَرْوَانُ الْأُمَوِيُّ إبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ لَمَّا تَنَسَّمَ مِنْهُ دَعْوَى الْخِلَافَةِ لَبِسُوهُ حُزْنًا قَالُوا: لِأَنَّهَا أَشْبَهُ بِثِيَابِ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ وَفِي الْمُحْكَمِ: الْبَسْ الْبَيَاضَ وَالسَّوَادَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ كَذَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ. وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّوَادَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي أَوَائِلِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ لُبْسِ مَا صَبَغَهُ الْيَهُودُ قَبْلَ غَسْلِهِ وَلَا بَأْسَ بِالْمَصْبُوغِ مِنْ قَبْلِ غَسْلِهِ مَعَ الْجَهْلِ فِي أَصْبَاغِ أَهْلِ التَّهَوُّدِ (وَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا حَرَجَ وَلَا حُرْمَةَ (بِ) لُبْسِ الثَّوْبِ (الْمَصْبُوغِ) وَاسْتِعْمَالِهِ حَالَ كَوْنِ اللُّبْسِ وَالِاسْتِعْمَالِ (مِنْ قَبْلِ غَسْلِهِ) أَيْ غَسْلِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ وَنَحْوِهِ مِنْ الصِّبْغِ الَّذِي عَلِقَ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ (مَعَ الْجَهْلِ فِي) حَالِ (أَصْبَاغِ أَهْلِ التَّهَوُّدِ) وَنَحْوِهِمْ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ الصَّابِغِ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، أَوْ مُشْرِكًا وَنَحْوَهُمْ مِنْ بَقِيَّةِ الْكُفَّارِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ، بَلْ يُبَاحُ اللُّبْسُ

стр. 635

لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَمَا عَدَاهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُعْتَمَدِ. وَقِيلَ اكْرَهَنَّهُ مِثْلَ مُسْتَعْمَلِ الْإِنَا ... وَإِنْ تَعْلَمْ التَّنْجِيسَ فَاغْسِلْهُ تَهْتَدِ (وَقِيلَ اكْرَهَنَّهُ) أَيْ اكْرَهْ مَا صَبَغَهُ الْكُفَّارُ (مِثْلَ) مَا يُكْرَهُ (مُسْتَعْمَلُ) أَيْ اسْتِعْمَالُ (الْإِنَاءِ) أَيْ أَوَانِي الْكُفَّارِ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهَا.، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَثِيَابُ الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ إنْ جُهِلَ حَالُهَا حَتَّى مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ، كَمَا لَوْ عُلِمَتْ طَهَارَتُهَا، وَكَذَا مَا صَبَغُوهُ، أَوْ نَسَجُوهُ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَمَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ آنِيَةِ كُفَّارٍ، وَلَوْ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُمْ كَالْمَجُوسِ وَمَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ ثِيَابِهِمْ، وَلَوْ وَلِيَتْ عَوْرَاتِهِمْ، وَكَذَا مَنْ لَابَسَ النَّجَاسَةَ كَثِيرًا طَاهِرٌ مُبَاحٌ فَصَرَّحَ بِالطَّهَارَةِ، وَالْإِبَاحَةِ كَالْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ شَارِحُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَا لَا يَقُومُ إلَّا بِآنِيَةٍ «وَلِأَنَّهُ ﵊ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَبَدَنُ الْكَافِرِ طَاهِرٌ، وَكَذَا طَعَامُهُ وَمَاؤُهُ وَمَا صَبَغُوهُ، أَوْ نَسَجُوهُ. ثُمَّ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْغَايَةِ: وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الْمُرْضِعَةِ، وَالْحَائِضِ وَالصَّبِيِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مَا لَمْ تَعْلَمْ نَجَاسَتَهَا، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْحَائِضِ، وَالْمُرْضِعَةِ، وَبَيْنَ ثِيَابِ الْكُفَّارِ وَمُلَابِسِي النَّجَاسَةِ فَجَعَلَهَا فِي ثِيَابِ الْمُرْضِعَةِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِمْ. وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَآنِيَتُهُمْ مُبَاحَةٌ إنْ جُهِلَ حَالُهَا وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَعَنْهُ الْكَرَاهَةُ وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْهُ الْمَنْعُ وَعَنْهُ فِيمَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِمَّنْ تَحْرُمُ ذَبِيحَتُهُ، وَكَذَا حُكْمُ مَا صَبَغُوهُ وَآنِيَةُ مَنْ لَابَسَ النَّجَاسَةَ كَثِيرًا وَثِيَابُهُ. وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ عَنْ صَبْغِ الْيَهُودِ بِالْبَوْلِ؟ فَقَالَ: الْمُسْلِمُ، وَالْكَافِرُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَذَا وَلَا تَبْحَثْ عَنْهُ، فَإِنْ عَلِمْت فَلَا

стр. 636

تُصَلِّ فِيهِ حَتَّى تَغْسِلَهُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ ﵀ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ تَعْلَمْ التَّنْجِيسَ) فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (فَاغْسِلْهُ) الْغَسْلَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي يُذْهِبُ النَّجَاسَةَ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ إنْ قُلْنَا بِهِ، أَوْ بِمَا يُذْهِبُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَطَعْمَهَا، وَكَذَا رِيحُهَا، وَلَوْنُهَا مَا لَمْ تَعْجِزْ عَنْ إزَالَتِهِمَا (تَهْتَدِ) مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ، وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊ «وَلَا يَضُرُّكَ أَثَرُهُ» . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاحْتَجَّ غَيْرُ وَاحِدٍ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِي ذَلِكَ: نَهَانَا اللَّهُ عَنْ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ. وَبِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي ذَلِكَ: نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّقِ وَسَأَلَهُ - يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ اللَّحْمِ يُشْتَرَى مِنْ الْقَصَّابِ، قَالَ: يُغْسَلُ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ: بِدْعَةٌ، يَعْنِي غَسْلَ اللَّحْمِ. مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَمَا اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ وَأَحْمَرُ قَانٍ وَالْمُعَصْفَرُ فَاكْرَهَنْ ... لِلُبْسِ رِجَالٍ حَسْبُ فِي نَصِّ أَحْمَدَ (وَأَحْمَرُ قَانٍ) فَاكْرَهَنْ لُبْسَهُ لِلرِّجَالِ. نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى كَرَاهَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ الْمُصْمَتِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ رَوَى أَنَّهُ اشْتَرَى ثَوْبًا فَرَأَى فِيهِ خَيْطًا أَحْمَرَ فَرَدَّهُ. وَقَوْلُ النَّاظِمِ: قَانٍ، أَيْ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ يُقَالُ قَنَأَ كَمَنَعَ قُنُوءًا اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْمَقْصُورِ: وَأَحْمَرُ قَانِئٌ صَوَابُهُ بِالْهَمْزِ وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ انْتَهَى. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ أَحْمَرَ مُصْمَتٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ مُوَفَّقُ الدِّينِ: لَا يُكْرَهُ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ دُونَ خَفِيفِهَا.، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَلَوْ بِطَانَةً. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الثِّيَابَ الْحُمْرَ آلُ قَارُونَ أَوْ آلُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] قَالَ فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ ﵁. وَقِيلَ لَهُ ﵁: الثَّوْبُ الْأَحْمَرُ تُغَطَّى بِهِ الْجِنَازَةُ، فَكَرِهَهُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ

стр. 637

- ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْبَزَّارُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ «الْحُمْرَةُ زِينَةُ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ» وَوَصَلَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ كَمَا فِي الْفَتْحِ. وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ. وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ رَافِعِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ «أَنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ. وَقَوْلُ الْجُورَقَانِيِّ: " إنَّهُ بَاطِلٌ " بَاطِلٌ، بَلْ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ أَحْمَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ فَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إبِلِنَا وَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مِنْ الْأَلْوَانِ الْخُضْرَةَ، وَيَكْرَهُ الْحُمْرَةَ وَيَقُولُ: هِيَ زِينَةُ الشَّيْطَانِ» انْتَهَى. وَقَوْلُهُمْ: الْأَحْمَرُ الْمُصْمَتُ أَيْ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ لَوْنٌ غَيْرُ الِاحْمِرَارِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَثَوْبٌ مُصْمَتٌ لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ. فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ مُوَفَّقُ الدِّينِ، وَهُوَ الْإِمَامُ فِي النَّقْلِ وَالتَّمْكِينِ قَالَ: ثُمَّ دَعْ عَنْك مَا قَالَهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَاسْمَعْ لِمَا جَاءَ مِنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ،، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ» . وَفِيهِمَا عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ " مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لُمَّةٍ وَحُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَالتِّرْمِذِيُّ

стр. 638

وَحَسَّنَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ» وَأَبُو دَاوُد عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ» أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ النَّجَاةُ وَالِانْتِفَاعُ. وَحَدِيثُ رَافِعٍ فِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُعَصْفَرَةً فَكَرِهَهَا لِذَلِكَ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَأَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى وَأَرْجَحُ. قُلْت: مَا قُلْته غَيْرُ بَعِيدِ الصَّوَابِ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: غَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحُلَّةَ كَانَتْ حَمْرَاءَ بَحْتًا لَا يُخَالِطُهَا غَيْرُهَا، وَإِنَّمَا الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ بُرْدَانِ يَمَانِيَّانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ كَسَائِرِ الْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنْ الْخُطُوطِ وَإِلَّا فَالْأَحْمَرُ الْبَحْتُ نُهِيَ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ انْتَهَى. فَهَذَا يُبَيِّنُ لَك بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ مَا كَانَ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا كَوْنَهُ أَحْمَرَ مُصْمَتًا حَتَّى يَكُونَ مَكْرُوهًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) الثَّوْبُ (الْمُعَصْفَرُ) ، وَهُوَ الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ، وَهُوَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ نَبْتٌ يَهْرِي اللَّحْمَ الْغَلِيظَ وَبَذْرُهُ الْقُرْطُمُ، قَالَ: وَعَصْفَرَ ثَوْبَهُ صَبَغَهُ بِهِ فَتَعَصْفَرَ، انْتَهَى. (فَاكْرَهَنْ) فِعْلُ أَمْرٍ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ (لِلُبْسِ رِجَالٍ حَسْبُ) أَيْ فَقَطْ دُونَ النِّسَاءِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُنَّ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ (فِي نَصِّ) الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ فَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: إلَّا فِي إحْرَامٍ فَلَا يُكْرَهُ انْتَهَى. وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ مَا رَوَى الْإِمَامُ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا أَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ» .

стр. 639

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُعَصْفَرَ لِلرِّجَالِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً. قَالَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا؟ قُلْت: أَغْسِلُهُمَا قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا» . وَعِنْدَ الْإِمَامِ الْمُوَفَّقِ لَا يُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ وِفَاقًا لِلثَّلَاثَةِ. وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ، وَهِيَ الْمَصْبُوغَةُ بِعُصْفُرٍ، فَأَبَاحَهَا جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ: غَيْرُهَا أَفْضَلُ مِنْهَا. وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ لِبَاسَهَا فِي الْبُيُوتِ وَأَفْنِيَةِ الدُّورِ وَكَرِهَهُ فِي الْمَحَافِلِ، وَالْأَسْوَاقِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى هَذَا وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: فَلَوْ بَلَغَ الشَّافِعِيَّ لَقَالَ بِهِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ كَعَادَتِهِ انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَقَدْ كَرِهَ الْمُعَصْفَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَرَخَّصَ فِيهِ جَمَاعَةٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْحَلِيمِيُّ. وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ هُوَ الْأَوْلَى، وَقَالَ: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَتْقَنَ الْبَيْهَقِيُّ الْمَسْأَلَةَ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا تَكْرَهَنْ فِي نَصِّهِ مَا صَبَغْتَهُ ... مِنْ الزَّعْفَرَانِ الْبَحْتِ لَوْنَ الْمُوَرَّدِ (وَلَا) نَاهِيَةٌ (تَكْرَهَنْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ بِلَا مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ (فِي نَصِّهِ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ (مَا) أَيْ الثَّوْبَ الَّذِي (صَبَغْتَهُ) أَيْ أَنْتَ أَوْ غَيْرُك، فَالْمُرَادُ عَدَمُ كَرَاهَةِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ (مِنْ) أَيْ بِ (الزَّعْفَرَانِ) هُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَإِذَا كَانَ فِي بَيْتٍ لَا يَدْخُلُهُ سَامٌّ أَبْرَصُ، وَزَعْفَرَهُ: صَبَغَهُ بِالزَّعْفَرَانِ. (الْبَحْتِ) أَيْ الْمَحْضِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ (لَوْنَ الْمُوَرَّدِ) وَمِنْ أَسْمَاءِ الزَّعْفَرَانِ الْوَرْدُ،، وَالْوَرْدُ مِنْ الْخَيْلِ مَا بَيْنَ الْكُمَيْتِ، وَالْأَشْقَرِ. فَاللَّوْنُ الْمُوَرَّدُ مَا كَانَ بَيْنَ الْحُمْرَةِ

стр. 640

وَالصُّفْرَةِ هَذَا مُرَادُ النَّاظِمِ هُنَا، وَقَدْ جَزَمَ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ لِلرِّجَالِ عَلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَيَدْهُنُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ ثِيَابَك وَتَدْهُنُ بِالزَّعْفَرَانِ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي رَأَيْته أَحَبَّ الْأَصْبَاغِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَدْهُنُ بِهِ وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي لَفْظِهِمَا «وَلَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِهِ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ» . وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُبَاحُ الْمِسْكُ، وَالْمُوَرَّدُ وَيُكْرَهُ لَهُ الْمُعَصْفَرُ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا الْمُزَعْفَرُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَفِيهِ وَجْهٌ يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. وَقَطَعَ فِي الشَّرْحِ يَعْنِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ لِلْإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَرَاهَةِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ، وَالْمُعَصْفَرِ، وَالْأَحْمَرِ الْمُصْمَتِ، وَقِيلَ لَا، وَنَقَلَهُ الْأَكْثَرُ فِي الْمُزَعْفَرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وِفَاقًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ. وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا تَحْرِيمَ التَّزَعْفُرِ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ الْآنَ كَرَاهِيَةُ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا. (تَنْبِيهَانِ) : نَفْسُ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ مَكْرُوهٌ وَجْهًا وَاحِدًا،؛ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى الرِّجَالَ عَنْ التَّزَعْفُرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: حَمَلَ الْخَلَّالُ النَّهْيَ عَنْ التَّزَعْفُرِ عَلَى بَدَنِهِ فِي صَلَاتِهِ، وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى التَّطَيُّبِ بِهِ وَالتَّخَلُّقِ بِهِ؛ لِأَنَّ خَيْرَ طِيبِ الرِّجَالِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَ رِيحُهُ. انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ كَرَاهِيَةُ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ كَالتَّزَعْفُرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) : لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْمُزَعْفَرِ، وَالْمُعَصْفَرِ، وَالْأَحْمَرِ الْمُصْمَتِ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الزِّينَةِ، وَهِيَ مِنْهَا مَطْلُوبَةٌ. وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .

стр. 641

مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ أَلْبِسَةِ الصُّوفِ وَمَا شَاكَلَهَا وَلَيْسَ بِلُبْسِ الصُّوفِ بَأْسٌ وَلَا الْقَبَا ... وَلَا لِلنِّسَا وَالْبُرْنُسِ افْهَمْهُ وَاقْتَدِ (وَلَيْسَ بِلُبْسِ) الْإِنْسَانِ لِ (لصُّوفِ) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ - قُلْت: وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهِ مَا كَانَ أَحْمَرَ مُصْمَتًا وَمُزَعْفَرًا وَمُعَصْفَرًا فَيُكْرَهُ لِذَلِكَ لَا لِكَوْنِهِ صُوفًا - (بَأْسٌ) اسْمُ لَيْسَ " وَخَبَرُهُ مُتَعَلَّقُ الْجَارِّ، وَالْمَجْرُورِ، أَيْ لَيْسَ بَأْسٌ كَائِنًا بِلُبْسِ الصُّوفِ يَعْنِي لَا حَرَجَ وَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ، فَيُبَاحُ لُبْسُ ثِيَابِ الصُّوفِ، وَكَذَا الْوَبَرُ وَالشَّعْرُ حَيْثُ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ خَشِنًا وَلَبِسَ خَشِنًا، لَبِسَ الصُّوفَ وَاحْتَذَى بِالْمَخْصُوفِ» . قِيلَ لِلْحَسَنِ: مَا الْخَشِنُ؟ قَالَ: غَلِيظُ الشَّعِيرِ، مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسِيغُهُ إلَّا بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ. وَفِي سَنَدِهِ يُوسُفُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ ذَكْوَانَ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: يُوسُفُ لَا يُعْرَفُ، وَنُوحُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْنِي بُطْلَانَ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ لَهُ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ غَرِيبٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ عَلَى مُوسَى ﵇ يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبَّةُ صُوفٍ وَكُمَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَكَانَ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: تَوَهَّمَ الْحَاكِمُ أَنَّ حُمَيْدًا الْأَعْرَجَ هُوَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الْمَكِّيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ (حُمَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ) وَقَيْسُ بْنُ عَمَّارٍ أَحَدُ الْمَتْرُوكِينَ. وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ: الْكُمَّةُ هِيَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْقَلَنْسُوَةُ الصَّغِيرَةُ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مَوْقُوفًا عَنْ الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَلْبَسُوا الصُّوفَ، وَيَحْتَلِبُوا الْغَنَمَ، وَيَرْكَبُوا الْحُمُرَ» . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَشَارَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ إلَى ضَعْفِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «بَرَاءَةٌ مِنْ الْكِبْرِ لَبُوسُ الصُّوفِ وَمُجَالَسَةُ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَرُكُوبُ الْحِمَارِ، وَاعْتِقَالُ الْعَنْزِ، وَالْبَعِيرِ» .

стр. 642

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَصَلَّى بِنَا فِيهَا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُهَا» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا وَفِي سَنَدِهِ لِينٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مُرُوطِ نِسَاءٍ وَكَانَتْ أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ مِمَّا يُشْتَرَى بِالسِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ وَكُنَّ نِسَاؤُهُ يَتَّزِرْنَ بِهَا» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ الْمِرْطُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كِسَاءٌ يُؤْتَزَرُ بِهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ تَكُونُ مِنْ صُوفٍ وَمِنْ خَزٍّ. وَقَوْلُهُمَا مُرَحَّلٌ هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةٌ أَيْ فِيهِ صُوَرُ رِحَالِ الْجَمَالِ، وَقَالَ فِي الْمَطَالِعِ: قَوْلُهُ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ، كَذَا لِلْهَرَوِيِّ بِالْجِيمِ وَلِغَيْرِهِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مُوَشًّى بِصُوَرِ الرِّجَالِ، وَالْمَرَاجِلِ، وَقَدْ جَاءَ ثَوْبٌ مُرَاجَلٌ وَمُمَرْجَلٌ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسُرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ» ، وَفِي لَفْظٍ «رُومِيَّةُ الْكُمَّيْنِ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا» . قُلْت: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ أَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ مِنْ صُوفٍ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مِنْ صُوفٍ وَعَزَا الْحَدِيثَ لِلشَّيْخَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي أَنْوَاعِ جُبَبِهِ ﷺ وَمَا أُهْدِيَ إلَيْهِ (تَنْبِيهَانِ) : (الْأَوَّلُ) : «كَانَ يَلْبَسُ الْمُصْطَفَى ﷺ جُبَّةً رُومِيَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ» . رَوَى أَبُو الشَّيْخِ «عَنْ دِحْيَةَ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً مِنْ الشَّامِ» . وَالرُّومِيَّةُ وَالشَّامِيَّةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ،؛ لِأَنَّ الشَّامَ يَوْمَئِذٍ فِي حُكْمِ الرُّومِ. «وَكَانَ يَلْبَسُ ﷺ جُبَّةً كِسْرَوَانِيَّةً غَيْرَ رُومِيَّةٍ» . فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى

стр. 643

أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَ «أَخْرَجَتْ إلَيْنَا أَسْمَاءُ جُبَّةً مِنْ طَيَالِسَةٍ لَهَا لَبِنَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ كِسْرَوَانِيٍّ. وَفِي لَفْظٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ وَفُرُوجُهَا مَكْفُوفَةٌ بِهِ. وَفِي لَفْظٍ وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ عَائِشَةُ قَبَضْتُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرِيضِ مِنَّا إذَا اشْتَكَى وَفِي لَفْظٍ لِلْمَرْضَى وَنَسْتَشْفِي» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَهُ جُبَّةُ صُوفٍ فِي الْحِيَاكَةِ» . وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ «خِيطَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةٌ مِنْ صُوفِ أَنْمَارَ فَلَبِسَهَا فَمَا أُعْجِبَ بِثَوْبٍ مَا أُعْجِبَ بِهِ، فَجَعَلَ يَمَسُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ اُنْظُرُوا مَا أَحْسَنَهُ، وَفِي الْقَوْمِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَبْهَا لِي فَخَلَعَهَا فَدَفَعَهَا فِي يَدِهِ» . «وَأَهْدَى لَهُ أُكَيْدِرُ دَوْمَةَ جُبَّةً مِنْ سُنْدُسٍ مَنْسُوجٍ فِيهَا الذَّهَبُ، فَلَبِسَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذِهِ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا وَأَهْدَاهَا إلَى عُمَرَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَكْرَهُهَا وَأَلْبَسُهَا؟ فَقَالَ يَا عُمَرُ إنَّمَا أَرْسَلْتُ بِهَا إلَيْك وَجْهًا تُصِيبُ بِهَا. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ. «وَأَهْدَى مَلِكُ الرُّومِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شُقَّةً مِنْ سُنْدُسٍ فَلَبِسَهَا قَالَ أَنَسٌ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى يَدَيْهَا ثَدْيَانِ مِنْ طُولِهِمَا، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنْزِلَتْ عَلَيْك مِنْ السَّمَاءِ؟ فَقَالَ: وَمَا تَعْجَبُونَ مِنْهَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِنْدِيلًا مِنْ مَنَادِيلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَبِسَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا. قَالَ فَمَا أَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: ابْعَثْ بِهَا إلَى أَخِيك النَّجَاشِيِّ» . رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁. وَرَوَى ابْنُ قَانِعٍ عَنْ دَاوُد بْنِ دَاوُد «أَنَّ قَيْصَرَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً مِنْ سُنْدُسٍ، فَاسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 644

نَرَى أَنْ تَلْبَسَهَا يَكْبِتُ اللَّهُ بِهَا عَدُوَّك وَيُسَرُّ الْمُسْلِمُونَ، فَلَبِسَهَا وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَكَانَ جَمِيلًا يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ فِيهَا، ثُمَّ نَزَلَ فَخَلَعَهَا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعْفَرٌ وَهَبَهَا لَهُ» . . مَطْلَبٌ: فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي نِسْبَةِ الصُّوفِيَّةِ (الثَّانِي) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي نِسْبَةِ الصُّوفِيَّةِ لِمَاذَا؟ فَقِيلَ: لِلُبْسِهِمْ الصُّوفَ لِاخْتِيَارِهِمْ الْفَقْرَ. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ تَلْبِيسِ إبْلِيسَ: نُسِبَتْ الصُّوفِيَّةُ إلَى صُوفَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ انْفَرَدَ بِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ صُوفَةُ، وَاسْمُهُ الْغَوْثُ بْنُ مَرْصُوفَةَ فَنُسِبُوا إلَيْهِ لِمُشَابِهَتِهِمْ إيَّاهُ فِي الِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظِ قَالَ: سَأَلْت وَلِيدَ بْنَ قَاسِمٍ إلَى أَيِّ شَيْءٍ يُنْسَبُ الصُّوفِيَّةُ؟ فَقَالَ: كَانَ قَوْمٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُمْ صُوفَةُ انْقَطَعُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَطَنُوا عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَمَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ فَهُوَ الصُّوفِيُّ. وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا سُمِّيَ الْغَوْثُ بْنُ مَرْصُوفَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَعِيشُ لِأُمِّهِ أَوْلَادٌ، فَنَذَرَتْ لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُعَلِّقَنَّهُ بِرَأْسِهِ وَلَتَجْعَلَنَّهُ رَبِيطًا بِالْكَعْبَةِ، فَفَعَلَتْ فَقِيلَ لَهُ صُوفَةُ وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ مَنْسُوبُونَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَهِيَ سَقِيفَةٌ اتَّخَذَهَا ضُعَفَاءُ الصَّحَابَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ حَيٌّ يُقَالُ لَهُمْ صُوفَةُ يَخْدُمُونَ الْكَعْبَةَ فَقِيلَ الصُّوفَةُ نِسْبَةٌ لَهُمْ يَعْنِي أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ لَزِمُوا الْقُطُونَ فِي الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ كَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَزِمُوا الْمُقَامَ لِخِدْمَةِ الْكَعْبَةِ. وَقِيلَ لِتَجَمُّعِهِمْ كَمَا يَتَجَمَّعُ الصُّوفُ، وَقِيلَ لِخُشُوعِهِمْ كَصُوفَةٍ مَطْرُوحَةٍ، أَوْ لِلِينِهِمْ كَالصُّوفَةِ. وَقِيلَ إنَّهُ مِنْ صَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، أَوْ مِنْ الْمُصَافَاةِ، وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ السَّبْتِيُّ فَقَالَ: تَخَالَفَ النَّاسُ فِي الصُّوفِيِّ وَاخْتَلَفُوا ... جَهْلًا فَظَنُّوهُ مُشْتَقًّا مِنْ الصُّوفِ وَلَسْت أَنْحَلُ هَذَا الِاسْمَ غَيْرَ فَتًى ... صَافَى فَصُوفِيَ حَتَّى سُمِّيَ الصُّوفِيَّ مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ لُبْسِ الْقَبَاءِ (وَلَا) بِلُبْسِ (الْقَبَاءِ) ، وَهُوَ بِالْمَدِّ وَقَصَرَهُ النَّاظِمُ ضَرُورَةً. قَالَ فِي

стр. 645

الْمَطْلَعِ: الْقَبَاءُ مَمْدُودٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: هُوَ مِنْ قَبَوْت إذَا صَمَّمْت، وَهُوَ ثَوْبٌ ضَيِّقٌ مِنْ ثِيَابِ الْعَجَمِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَبْوَةُ انْضِمَامُ مَا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ، وَمِنْهُ الْقَبَاءُ مِنْ الثِّيَابِ جَمْعُهُ أَقْبِيَةٌ، أَيْ لَيْسَ بِلُبْسِهِ بَأْسٌ وَلَا حَرَجٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَهُ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْفَرُّوجُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَبِالْجِيمِ هُوَ الْقَبَاءُ الَّذِي شُقَّ مِنْ خَلْفِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «لَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا قَبَاءَ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ، فَأَرْسَلَ بِهِ إلَى عُمَرَ، فَقِيلَ: قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْته يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ، فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي؟ فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ إنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ لِتَبِيعَهُ، فَبَاعَهُ عُمَرُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ» وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ قَالَ «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَقَالَ: اُدْخُلْ فَادْعُهُ لِي، فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ. وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ فَقَالَ: خَبَّأْتُ هَذَا لَك. قَالَ: فَنَظَرَ إلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ» ، وَإِنَّمَا نَزَعَ الْقَبَاءَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا، وَكَانَ لُبْسُهُ ﷺ لَهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ، فَلَمَّا حُرِّمَ نَزَعَهُ؛ وَلِذَا قَالَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ» . (فَائِدَةٌ) : سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ عَنْ طَرْحِ الْقَبَاءِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ ﵁ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ ذَكَرُوا جَوَازَ ذَلِكَ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ، لِأَنَّ هَذِهِ اللِّبْسَةَ لَيْسَتْ لِبْسَةَ الْيَهُودِ. انْتَهَى.

стр. 646

(وَلَا) بَأْسَ بِلُبْسِ الصُّوفِ، وَالْقَبَاءِ (لِلنِّسَاءِ) حَيْثُ لَا تَشْبِيهَ. وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمَا «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مُرُوطِ نِسَائِهِ وَكَانَتْ أَكْسِيَةً مِنْ صُوفٍ» . وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ الْأَثْرَمُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵁: الدُّرَّاعَةُ يَكُونُ لَهَا فَرْجٌ؟ فَقَالَ كَانَ لِخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: دُرَّاعَةٌ لَهَا فَرْجٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا قَدْرُ ذِرَاعٍ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَيَكُونُ لَهَا فَرْجٌ مِنْ خَلْفِهَا؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي أَمَّا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا فَقَدْ سَمِعْت، وَأَمَّا مِنْ خَلْفِهَا فَلَمْ أَسْمَعْ قَالَ: أَلَا إنَّ فِي ذَلِكَ سَعَةً لَهُ عِنْدَ الرُّكُوبِ، وَمَنْفَعَةً انْتَهَى. قُلْت: وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الْفُرُوجِ، وَأَنَّهُ الْقَبَاءُ الَّذِي شُقَّ مِنْ خَلْفِهِ. قَالَ فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ: هُوَ أَصْلٌ فِي لُبْسِ الْخُلَفَاءِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ لُبْسِ الْبُرْنُسِ (وَ) لَا بَأْسَ بِلُبْسِ (الْبُرْنُسِ) ، وَهُوَ بِالضَّمِّ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ، أَوْ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ، دُرَّاعَةً كَانَ أَوْ جُبَّةً قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ: فَيُبَاحُ لُبْسُ الْبُرْنُسِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى حُرْمَةِ لُبْسِ الْبُرْنُسِ لِلْمُحْرِمِ وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى إبَاحَتِهِ لِغَيْرِهِ. (افْهَمْهُ) أَيْ احْفَظْهُ وَافْهَمْ مَعْنَاهُ، وَالْمُرَادَ مِنْهُ (وَاقْتَدِ) بِالْمُصْطَفَى وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ فِي سَائِرِ شُؤُونِك، فَإِنَّهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالطَّرِيقِ الْقَوِيمِ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . وَإِيَّاكَ وَمَا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِنْ التَّنَطُّعِ حَتَّى فِي اللِّبَاسِ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ السَّرْمَدِيَّةَ، وَالْغَنِيمَةَ، وَالْفَوْزَ فِي اتِّبَاعِ الْعِصَابَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ السُّنِّيَّةِ السَّنِيَّةِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالسَّلَامَةُ بِلَا مُحَالٍ فِي حُسْنِ الِاتِّبَاعِ، وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِاقْتِفَاءِ أَثَرِ الرَّسُولِ، وَالْقُرُونِ الْأُوَلِ، وَأَنْ يُسَدِّدَنَا فِي الِاعْتِقَادِ، وَالْقَوْلِ، وَالْعَمَلِ، إنَّهُ وَلِيُّ النِّعَمِ. وَمِنْهُ الْجُودُ وَالتَّكَرُّمُ. لَا رَبَّ لَنَا سِوَاهُ. وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ.

стр. 647

مَطْلَبٌ: يَحْرُمُ لُبْسُ الْحَرِيرِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلُبْسَ الْحَرِيرِ اُحْظُرْ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ ... سِوَى لِضَنًى أَوْ قَمْلٍ أَوْ حَرْبِ جُحَّدِ (وَلُبْسَ) ثَوْبِ (الْحَرِيرِ) وَعِمَامَتِهِ وَتِكَّةِ سَرَاوِيلَ وَشِرَابَةٍ مُفْرَدَةٍ كَشِرَابَةِ الْبَرِيدِ لَا تَبَعًا فَحُكْمُهَا مَعَ التَّبَعِيَّةِ الْإِبَاحَةُ كَالزِّرِّ، وَكَذَا بِطَانَةُ نَحْوِ ثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ (اُحْظُرْ) أَيْ امْنَعْ وَحَرِّمْ (عَلَى كُلِّ) ذَكَرٍ، وَلَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. وَمِثْلُ اللُّبْسِ افْتِرَاشُهُ وَاسْتِنَادُهُ وَاتِّكَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَوَسُّدُهُ وَتَعْلِيقُهُ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ غَيْرَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ. وَكَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ. وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ م ص فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَيَحْرُمُ اسْتِنَادٌ إلَيْهِ وَتَعْلِيقُهُ يَدْخُلُ فِيهِ بِشِخَابَةٍ وَخَيْمَةٌ وَنَحْوُهُمَا. قَالَ: وَحَرَّمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا، فَدَخَلَ فِيهِ تِكَّةٌ وَشِرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ وَخَيْطُ سُبْحَةٍ انْتَهَى. وَفِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ قُنْدُسٍ بَعْدَ ذِكْرِ مَسْأَلَةِ حَشْوِ الْجِبَابِ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: فُرُوعٌ يَجُوزُ حَشْوُ الْجُبَّةِ، وَالْمِخَدَّةِ مِنْهُ أَيْ الْحَرِيرِ، وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ إذَا بُسِطَ فَوْقَهُ ثَوْبٌ، وَلَوْ نُظِمَ سُبْحَةٌ فِي خَيْطِ حَرِيرٍ لَمْ يَحْرُمْ اسْتِعْمَالُهَا، وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ جُبَّةٍ بِطَانَتُهَا حَرِيرٌ انْتَهَى فَكَأَنَّهُ مُرْتَضٍ لِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَالِغٍ) فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ إلْبَاسُ الصَّغِيرِ ثِيَابَ الْحَرِيرِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ قَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ الْعَوَّامِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانُوا يُرَخِّصُونَ لِلصَّبِيِّ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ فَإِذَا بَلَغَ أَلْقَاهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُشَيْمٌ مُدَلِّسٌ، وَهَذَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ،، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْوَلِيِّ إلْبَاسُ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ النَّاظِمِ. مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ، عَنْ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، وَبِتَحْرِيمِهِ، وَالْمَنْعِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ صَرِيحَةٌ. مِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ

стр. 648

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَزَادَ: وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ «مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] » . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» زَادَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا «مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «لَا يَسْتَمْتِعُ بِالْحَرِيرِ مَنْ يَرْجُو أَيَّامَ اللَّهِ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا يَرْجُو أَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ» . قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَبْلُغُهُمْ هَذَا عَنْ نَبِيِّهِمْ يَجْعَلُونَ حَرِيرًا فِي ثِيَابِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسُ حَرِيرًا وَلَا ذَهَبًا» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا «قَالَ اللَّهُ

стр. 649

تَعَالَى: مَنْ تَرَكَ الْحَرِيرَ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَأَكْسَوْتُهُ إيَّاهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ» وَقَوْلُ النَّاظِمِ ﵀ (سِوَى) لُبْسِ الْحَرِيرِ (لِ) أَجْلِ (ضَنًى) أَيْ مَرَضٍ، وَهُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ مَقْصُورًا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: ضَنِيَ كَرَضِيَ ضَنًى فَهُوَ ضَنِيٌّ، وَضَنٍ كَحَرِيٍّ وَحَرٍ، مَرِضَ مَرَضًا مُخَامِرًا كُلَّمَا ظُنَّ بُرْؤُهُ نُكِسَ، وَأَضْنَاهُ الْمَرَضُ. انْتَهَى. اسْتَثْنَاهُ مِنْ الْحَظْرِ، أَيْ حَرُمَ لُبْسُ الْحَرِيرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ بَالِغٍ سِوَى لُبْسِهِ لِمَرَضٍ (أَوْ) أَيْ وَسِوَى لُبْسِهِ لِ (قَمْلٍ) وَاحِدَتُهُ قَمْلَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ قَمَالٌ قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ. وَيَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَرَقِ، وَالْوَسَخِ إذَا أَصَابَ ثَوْبًا أَوْ رِيشًا، أَوْ شَعْرًا حَتَّى يَصِيرَ الْمَكَانُ عَفِنًا. قَالَ الْجَاحِظُ: وَرُبَّمَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَمِلَ الطِّبَاعِ، وَإِنْ تَنَظَّفَ وَتَعَطَّرَ وَبَدَّلَ الثِّيَابَ، كَمَا «عَرَضَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵄ حِينَ اسْتَأْذَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ فَأَذِنَ لَهُمَا فِيهِ» ، وَلَوْلَا الْحَاجَةُ مَا أَذِنَ لَهُمَا فِيهِ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وَقِصَّةُ إبَاحَتِهِ ﷺ لُبْسَ الْحَرِيرِ لِابْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِثْلُ جَوَازِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِقَمْلٍ لُبْسُهُ لِأَجْلِ حَكَّةٍ، وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي زَوَالِهَا، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ الدَّمِيرِيُّ: قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ يَعْنِي الْحَرِيرَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ وَقَائِعَ الْأَحْوَالِ عِنْدَهُ لَا تَعُمُّ. (أَوْ) أَيْ وَسِوَى لُبْسِهِ لِ (حَرْبِ جُحَّدِ) أَيْ كُفَّارٍ. وَالْمُرَادُ لِحَرْبِ مُبَاحٍ إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ. وَيَمْتَدُّ وَقْتُ إبَاحَةِ لُبْسِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَلَوْ كَانَ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ فِي حَالِ الْحَرْبِ بِلَا حَاجَةٍ فِي الْأَصَحِّ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَالْفَخْرِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى، وَالْوُسْطَى: يُبَاحُ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ. وَفِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُبَاحُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 650

وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَدَمُ الْإِبَاحَةِ اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِبَاحَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُرَجِّحًا مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ فَقَالَ: مَطْلَبٌ: هَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ أَمْ لَا ؟ : فَجَوِّزْهُ فِي الْأَوْلَى وَحَرِّمْهُ فِي الْأَصَحْ ... عَلَى هَذِهِ الصِّبْيَانِ مِنْ مُصْمَتٍ زِدْ (فَجَوِّزْهُ) أَيْ لُبْسَ الْحَرِيرِ (فِي) الْقَوْلِ (الْأَوْلَى) بِالْقَبُولِ وَالصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ (وَحَرِّمْهُ) أَيْ حَرِّمْ إلْبَاسَ الْحَرِيرِ (فِي الْأَصَحِّ) مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: هَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ - زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالذَّهَبَ - عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا التَّحْرِيمُ (عَلَى) أَوْلِيَاءِ (هَذِهِ الصِّبْيَانِ) إذْ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ دُونَ الصِّبْيَانِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» وَلِقَوْلِ جَابِرٍ ﵁ " كُنَّا نَنْزِعُهُ مِنْ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَكَوْنُ الصِّبْيَانِ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي التَّحْرِيمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ كَرِهَ إلْبَاسَ الصَّبِيَّانِ الْقَرَامِزَ السُّودَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْفِتْنَةِ. (تَنْبِيهَانِ) : (الْأَوَّلُ) : لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ النَّاظِمِ عَلَى هَذِهِ الصِّبْيَانِ فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَشَارَ بِهِ إلَى الصِّبْيَانِ فَكَانَ حَقُّ الْإِشَارَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ وَلَا يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِلرِّوَايَةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى إذْ " حَرِّمْ " لَا يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى يَكُونُ وَحَرِّمْهُ فِي الْأَصَحِّ الصِّبْيَانَ عَلَى هَذِهِ، وَلَعَلَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ تَصَرُّفِ النُّسَّاخِ. وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِهِ أَسْقَطَ لَفْظَةَ هَذِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَهَا شَيْئًا. وَيَظْهَرُ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ

стр. 651

بَعْضَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ رَآهَا مَحْذُوفَةً فَذَكَرَ هَذِهِ لِتَنْسِيقِ النَّظْمِ، فَتَكُونُ اللَّفْظَةُ الْمَحْذُوفَةُ أَوْلِيَاءَ الصِّبْيَانِ، وَقَصْرُ أَوْلِيَاءَ جَائِزٌ لِضَرُورَةِ النَّظْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) : الْقَرَامِزُ السُّودُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ الظَّاهِرُ نَوْعٌ مِنْ اللِّبَاسِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] قَالَ كَالْقِرْمِزِ هُوَ صِبْغٌ أَحْمَرُ، وَيُقَالُ: إنَّهُ حَيَوَانٌ تُصْبَغُ بِهِ الثِّيَابُ فَلَا يَكَادُ يَنْصُلُ لَوْنُهُ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ انْتَهَى. وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: الْقِرْمِزُ دُودٌ أَحْمَرُ يُوجَدُ فِي شَجَرِ الْبَلُّوطِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ صَدَفِيٌّ شَبِيهٌ بِالْحِلْزِمَانِ تَجْمَعُهُ نِسَاءُ تِلْكَ الْبِلَادِ بِأَفْوَاهِهِنَّ يُصْبَغُ بِهِ. وَنَحْوُهُ فِي الْقَامُوسِ بِاخْتِصَارٍ. وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّ الْقَرَامِزَ سُودٌ فَحَرِّرْهُ فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ فِي كَلَامِهِمْ مُفَسَّرًا. وَقَوْلُ النَّاظِمِ (مِنْ) حَرِيرٍ (مُصْمَتٍ) أَيْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ حَرِيرٌ صِرْفٌ (زِدْ) هَذَا الْقَيْدَ وَلَا تُطْلِقْ التَّحْرِيمَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْهُ غَيْرُهُ، أَوْ خَالَطَهُ غَيْرُهُ وَكَانَ الْحَرِيرُ غَالِبًا فِي الظُّهُورِ. وَأَمَّا إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا وَوَزْنًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ أَكْثَرَ وَزْنًا وَالظُّهُورُ لِغَيْرِهِ فَلَا حُرْمَةَ حِينَئِذٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَا غَالَبَهُ حَرِيرٌ قِيلَ ظُهُورًا وَقِيلَ وَزْنًا، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ. قَالَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيُّ ﵀ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ قِيلَ وَزْنًا وَقِيلَ ظُهُورًا أَطْلَقَ الْخِلَافَ، وَأَطْلَقَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِي الْمُقْنِعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ أَحَدُهُمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا غَالِبُهُ الظُّهُورُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ: قَوْلُهُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا ظُهُورًا، أَوْ وَزْنًا فَهَلْ يَحْرُمُ أَمْ لَا؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْمُقْنِعِ، وَالْهَادِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ، أَحَدُهُمَا يَحْرُمُ، وَصَوَّبَهُ الْمِرْدَاوِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَالشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: لِأَنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ

стр. 652

وَلَيْسَ تَغْلِيبُ التَّحْلِيلِ بِأَوْلَى مِنْ التَّحْرِيمِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَاعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (تَتِمَّةٌ) فِي أَبْحَاثٍ وَفَوَائِدَ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ. مَطْلَبٌ: الْحَرِيرُ مُحَرَّمٌ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ (الْبَحْثُ الْأَوَّلُ) إنَّمَا يَحْرُمُ الْحَرِيرُ عَلَى الذُّكُورِ كَمَا عُلِمَ دُونَ الْإِنَاثِ، وَالْخَنَاثَى هُنَا مُلْحَقُونَ بِالرِّجَالِ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْخُنْثَى مِنْ الْحَرِيرِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ. قَالَ فِي الْآدَابِ: يُبَاحُ الْحَرِيرُ بِأَنْوَاعِهِ لِلنِّسَاءِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَا إبَاحَةُ الذَّهَبِ لَهُنَّ انْتَهَى. وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْت «الزُّبَيْرَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ: «وَمَنْ لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] » . وَرَوَى النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ الْحِلْيَةَ، وَالْحَرِيرَ وَيَقُولُ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ حِلْيَةَ الْجَنَّةِ وَحَرِيرَهَا فَلَا تَلْبَسُوهَا فِي الدُّنْيَا» . . وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَيْلٌ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْأَحْمَرَيْنِ الذَّهَبِ، وَالْمُعَصْفَرِ» . وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «أُرِيتُ أَنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَعَالِي أَهْلِ الْجَنَّةِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ أَقَلَّ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالنِّسَاءِ فَقِيلَ لِي: أَمَّا الْأَغْنِيَاءُ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الْبَابِ

стр. 653

يُحَاسَبُونَ وَيُمَحَّصُونَ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَأَلْهَاهُنَّ الْأَحْمَرَانِ الذَّهَبُ، وَالْحَرِيرُ» الْحَدِيثَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِابْنَتِهِ: لَا تَلْبَسِي الذَّهَبَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْك مِنْ حَرِّ اللَّهَبِ. فَكُلُّ هَذَا، وَأَضْرَابُهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى تَحْرِيمٍ سَابِقٍ لِصِحَّةِ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى إبَاحَتِهِ لَهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ كِتَابَةِ الْمَهْرِ فِي الْحَرِيرِ (الثَّانِي) : قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي تَحْرِيمِ كِتَابَةِ الْمَهْرِ فِيهِ أَيْ الْحَرِيرِ وَجْهَانِ. قَالَ الْقَاضِي فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: أَحَدُهُمَا لَا يَحْرُمُ، بَلْ يُكْرَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَتَبِعَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى، وَالْوُسْطَى يَعْنِي الْعَلَّامَةَ ابْنَ مُفْلِحٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَحْرُمُ فِي الْأَقْيَسِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَقَدَّمَهُ فِي الْإِقْنَاعِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ يُكْرَهُ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: قُلْت لَوْ قِيلَ بِالْإِبَاحَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَقَالَ م ص فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَعَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ الْعَمَلُ. مَطْلَبٌ: فِيمَا يُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ (الثَّالِثُ) : جُمْلَةُ الَّذِي يُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ: يُبَاحُ خَالِصُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ لِمَرَضٍ، أَوْ حَكَّةٍ، أَوْ قَمْلٍ أَوْ حَرْبٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالَةِ قِتَالٍ كَمَا فِي الْغَايَةِ. وَفِي الْإِقْنَاعِ: إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. وَيُبَاحُ الْحَرِيرُ الْخَالِصُ وَمَا فِيهِ صُورَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَالْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ لِحَاجَةٍ بِأَنْ عُدِمَ غَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ لُبْسِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ أَيْضًا كِيسُ مُصْحَفٍ، وَأَزْرَارٌ، وَخِيَاطَةٌ بِهِ " وَحَشْوُ جِبَابٍ، وَحَشْوُ فُرُشٍ، وَعَلَمُ ثَوْبٍ، وَهُوَ طِرَازُهُ، وَلَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهِيَ الزِّيقُ وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ هُنَا أَوْلَى مِنْ

стр. 654

عِبَارَةِ الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَبِنَةُ الْجَيْبِ، وَهِيَ الزِّيقُ، وَالْجَيْبُ هُوَ الطَّوْقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ إذَا كَانَ - يَعْنِي مِقْدَارَ الْحَرِيرِ - أَرْبَعَ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ فَمَا دُونَ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَالْجَيْبُ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ، أَوْ طَوْقٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَجَيْبٌ وَنَحْوُهُ بِالْفَتْحِ طَوْقُهُ. وَيُبَاحُ مِنْ الْحَرِيرِ أَيْضًا رِقَاعٌ وَسُجُفٍ، نَحْوُ فِرَاءٍ لَا فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ، وَلَوْ لَبِسَ ثِيَابًا، بِكُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يَحِلُّ، وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا لَمْ يُكْرَهْ. وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَدَّمَ فِي الْآدَابِ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ كَفِّ حَرِيرٍ عَرْضًا وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ، بَلْ أَرْبَعُ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ فَأَقَلُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْيُونِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْآدَابِ: وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ. قُلْت: هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُبَاحُ مِنْهُ الْعَلَمُ إذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ فَأَقَلَّ، نَصَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْوَجِيزِ دُونَهَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ: قَدْرَ كَفٍّ. فَقَدْ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ كَمَا تَرَى. وَفِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ قُنْدُسٍ: لَوْ بَسَطَ عَلَى الْحَرِيرِ شَيْئًا يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ فَقِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا إذَا بَسَطَ عَلَى نَجَاسَةٍ شَيْئًا طَاهِرًا جَوَازُ الْجُلُوسِ عَلَى الْمُرَجَّحِ. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْفُرُوعِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ الْبَسْطِ عَلَى النَّجِسِ وَوُجِّهَ أَنَّهَا مِثْلُهَا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهَا كَمَسْأَلَةِ حَشْوِ الْجِبَابِ. انْتَهَى. وَفِي الْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ لَا يَحْرُمُ افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ تَحْتَ حَائِلٍ صَفِيقٍ، قَالَ م ص: فَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْحَائِلِ وَمُرَادُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ لَوْ بَسَطَ عَلَى نَجَاسَةٍ، أَوْ حَرِيرٍ - يَحْرُمُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ - شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا بِحَيْثُ لَمْ يَنْفُذْ إلَى ظَاهِرِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَيَكُونُ جَعَلُوهُ مِنْ بَابِ بَسْطِ الطَّاهِرِ عَلَى النَّجِسِ لَا مِنْ بَابِ حَشْوِ الْجِبَابِ.

стр. 655

مَطْلَبٌ: فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ . (الرَّابِعُ) : قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لِبَاسُ الْحَرِيرِ أَنْفَعُ وَأَعْدَلُ اللِّبَاسِ فَلِمَ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ؟ فَأَجَابَ قِيلَ لِتَصْبِرَ النَّفْسُ عَنْهُ فَتُثَابَ وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ وَقِيلَ فِي إبَاحَتِهِ مَفْسَدَةُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ. وَقِيلَ لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالتَّخَنُّثِ. وَقِيلَ لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْفَخْرِ، وَالْعُجْبِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الْحِكَمَ وَالتَّعْلِيلَ لِلْأَحْكَامِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَوَابٍ. وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْأَسْبَابِ جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ. مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ مَا يَصْنَعُهُ الْآنَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْكَرْمَسُوتِ وَالْأَطَالِسِ وَمَا شَاكَلَهَا (الْخَامِسُ) : قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ اعْتِبَارُ الظُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ لِلْحَرِيرِ حَرُمَ وَإِلَّا أُبِيحَ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى إبَاحَةِ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، مَعَ تَقْدِيمِهِمْ أَوَّلًا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظُّهُورِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الشَّامِ الْآنَ مِنْ الْبُرُودِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الدَّابُولِيَّ والكرمسوني، وَالْأَطَالِسَ وَنَحْوَهَا يُسَدُّونَهَا بِالْحَرِيرِ وَيُلْحِمُونَهَا بِنَحْوِ الْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، لَكِنْ يَكُونُ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَخَذْنَا بِعُمُومِ اعْتِبَارِ الظُّهُورِ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مَحْظُورًا، وَإِنْ أَخَذْنَا بِعُمُومِ أَنَّ كُلَّ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ يَكُونُ مُبَاحًا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مُبَاحًا. وَلَمْ يَزُلْ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ حَتَّى حَصَلَ بَيْنَ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ، وَالْقُطْبِ الْفَرْدِ الْأَمْجَدِ مَنْ طَنَّتْ حَصَاتُهُ فِي الْبِلَادِ، وَانْتَفَعَ بِحَالِهِ وَقَالِهِ جُلُّ الْعِبَادِ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ، مَوْلَانَا الشَّيْخِ أَبِي الْمَوَاهِبِ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي مُفْتِي السَّادَةِ الْحَنَابِلَةِ فِي الدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَابْنِ مُفْتِيهَا، وَبَيْنَ أَفْضَلِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَخَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ، الشَّيْخِ عُثْمَانَ النَّجْدِيِّ صَاحِبِ شَرْحِ عُمْدَةِ الشَّيْخِ مَنْصُورٍ وَحَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى نِزَاعٌ. فَقَالَ مَوْلَانَا أَبُو الْمَوَاهِبِ بِالْإِبَاحَةِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عُثْمَانُ بِالْحَظْرِ، فَحَصَلَ لِلْمُحَقِّقِ الشَّيْخِ عُثْمَانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ زَعَلٌ وَضِيقُ صَدْرٍ، مَعَ مَا جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّجْدِيِّينَ مِنْ الْحِدَّةِ أَوْجَبَ خُرُوجَهُ مِنْ الشَّامِ إلَى مِصْرَ وَلَمْ يَزَلْ مُسْتَوْطِنَهَا حَتَّى

стр. 656

تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَتَبَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ مِنْهَا مَا كَتَبَهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَلَى قَوْلِ الْمَاتِنِ: وَيُبَاحُ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْإِبْرَيْسَمِ مِنْ نَحْوِ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ. قَالَ: لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ مُسْتَتِرًا وَغَيْرُ الْحَرِيرِ هُوَ الظَّاهِرَ، وَإِلَّا بِأَنْ ظَهَرَ الْحَرِيرُ وَاسْتَتَرَ غَيْرُهُ فَهُوَ كَالْمُلْحَمِ الْمُحَرَّمِ، كَمَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، يَعْنِي م ص، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ: الْمُلْحَمُ مَا سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ انْتَهَى. فَالْمُلْحَمُ عَكْسُ الْخَزِّ صُورَةً وَحُكْمًا، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ نَحْوُ الثِّيَابِ الْبَغْدَادِيَّةِ مِمَّا يُسَدَّى بِالْحَرِيرِ وَيُلْحَمُ بِالْقُطْنِ، لَكِنْ مَعَ ظُهُورِ الْحَرِيرِ وَاسْتِتَارِ الْقُطْنِ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَزِّ الْمُبَاحِ وَغَفَلُوا عَنْ شَرْطِ الْخَزِّ، أَعْنِي اسْتِتَارَ الْحَرِيرِ وَظُهُورَ غَيْرِهِ. وَهَذَا شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ لِابْنِ قُنْدُسٍ وَغَيْرِهَا. انْتَهَى. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْإِمَامَ أَبَا الْمَوَاهِبِ وَأَصْحَابَنَا الشَّامِيِّينَ، وَكَذَا كَتَبَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَوَاشِي الْمُنْتَهَى وَلَمْ يُطِلْ الْكِتَابَةَ.، ثُمَّ إنَّهُ حَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَسَأَذْكُرُهَا جُمْلَةً. قَالَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ وَالتَّصْلِيَةِ: وَبَعْدُ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَزِّ، وَالْمُلْحَمِ مَعْنًى وَحُكْمًا، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: فِي الْخَزِّ، وَهُوَ كَمَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَغَيْرُهُمَا مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ. الثَّانِي: فِي الْمُلْحَمِ، وَهُوَ كَمَا فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ مَا سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ فَهُوَ عَكْسُ الْخَزِّ. الثَّالِثُ: فِي حُكْمِهِمَا فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْخَزَّ الْمَذْكُورَ مُبَاحٌ، وَأَنَّ الْمُلْحَمَ حَرَامٌ، وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ وَيُلْبَسُ الْخَزُّ وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ وَلَا الدِّيبَاجُ انْتَهَى. (الرَّابِعُ) : أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْخَزِّ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ السَّدَى

стр. 657

مُسْتَتِرًا وَلُحْمَتُهُ ظَاهِرَةً، فَلَوْ ظَهَرَ السَّدَى وَاسْتَتَرَتْ اللُّحْمَةُ كَانَ كَالْمُلْحَمِ حُكْمًا فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ مِنْ كَلَامِهِمْ: مِنْهَا مَا قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ: الْخَزُّ مَا سُدِّيَ، بِالْإِبْرَيْسَمِ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ لِغَلَبَةِ اللُّحْمَةِ عَلَى الْحَرِيرِ انْتَهَى. أَيْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا اسْتَتَرَ لَا يَغْلِبُ مَا ظَهَرَ، بَلْ الْحُكْمُ لِلظَّاهِرِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: إذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ وَمَا مَعَهُ ظُهُورًا أُبِيحَ. وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ مُوسَى فِي شَرْحِ الْآدَابِ: وَإِنْ نُسِجَ أَيْ الْحَرِيرُ مَعَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ ظُهُورًا فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ ظُهُورًا الْحَرِيرَ حُرِّمَ انْتَهَى. فَانْظُرْ إلَى مَنَاطِ الْحِلِّ؛ إنَّهُ الظُّهُورُ فَقَطْ أَيْ لَا الْوَزْنُ وَلَا غَيْرُهُ، فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَتِرُ كُلُّهُ حَرِيرًا، وَالظَّاهِرُ بَعْضُهُ وَبَرٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ لَكِنْ اسْتَوَيَا ظُهُورًا فَهُوَ مُبَاحٌ لِصِدْقِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْهَا، وَهُوَ أَصْرَحُهَا، بَلْ الْعُمْدَةُ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ عَنْ الِاخْتِيَارَاتِ فِي الْخَزِّ، وَالْمُلْحَمِ قَالَ: وَالْخَزُّ أَخَفُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ وَالسَّدَى أَيْسَرُ مِنْ اللُّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَوَازَهُ بِقَوْلِهِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالسَّدَى لِلثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْخَزَّ ثَخِينٌ، وَالْحَرِيرَ مَسْتُورٌ بِالْوَبَرِ فِيهِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشْوِ، قَالَ: وَالْخَزُّ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لِلْوَبَرِ الَّذِي يُنْسَجُ مَعَهُ الْحَرِيرُ، وَهُوَ وَبَرُ الْأَرْنَبِ، وَاسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْحَرِيرِ، وَالْوَبَرِ، وَاسْمٌ لِرَدِيءِ الْحَرِيرِ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَلَالٌ وَالثَّالِثُ حَرَامٌ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ النَّجْدِيُّ: فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ أَنَّ الْخَزَّ الْمُبَاحَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ فِيهِ مَسْتُورًا وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْخَزُّ اسْمًا لِمَا سُدِّيَ بِالْإِبْرَيْسَمِ، وَلَوْ ظَهَرَ السَّدَى لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُلْحَمُ اسْمًا لِمَا أُلْحِمَ بِالْإِبْرَيْسَمِ، وَلَوْ اسْتَتَرَتْ اللُّحْمَةُ؛ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْخَزِّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُفْضِي إلَى تَحْرِيمِ ثَوْبٍ سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِالْحَرِيرِ، وَالظَّاهِرُ كُلُّهُ غَيْرُ الْحَرِيرِ وَإِلَى إبَاحَةِ عَكْسِهِ، وَهُوَ ثَوْبٌ سُدِّيَ بِحَرِيرٍ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ كُلُّهُ الْحَرِيرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُعْدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ. وَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَمِنْهُ أَسْتَمِدُّ الْمَعُونَةَ وَالتَّحْقِيقَ:

стр. 658

كَلَامُ النَّجْدِيِّ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّدْقِيقِ وَمَطْمَحُ نَظَرِهِ إلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وَالْإِبَاحَةِ. وَنَحْنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ نُبَيِّنُ وَجْهَ مَأْخَذِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْإِمَامِ أَبِي الْمَوَاهِبِ، وَمَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ: اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْإِقْنَاعِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ، وَلَوْ كَافِرًا وَخُنْثَى لُبْسُ ثِيَابِ حَرِيرٍ إلَخْ، وَكَذَا مَا غَالِبُهُ حَرِيرٌ ظُهُورًا لَا إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا وَوَزْنًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ أَكْثَرَ وَزْنًا وَالظُّهُورُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ، وَهُوَ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى حَتَّى كَافِرٍ لُبْسُ مَا كُلُّهُ، أَوْ غَالِبُهُ حَرِيرٌ، إلَى أَنْ قَالَ لَا حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ ظُهُورًا (وَخَزٌّ) أَيْ وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ قَالَ: وَهُوَ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِصُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ أَمَّا عَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَكَذَا عِبَارَةُ الْغَايَةِ فَجَعَلُوا مَا نُسِجَ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً وَهَذِهِ اعْتَبَرُوا فِيهَا الظُّهُورَ، فَمَا غَلَبَ ظُهُورُهُ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ وَحِينَئِذٍ تَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُسَدَّى بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَيُلْحَمَ كَذَلِكَ، أَوْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ، أَوْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ. فَهَذِهِ الثَّلَاثُ صُوَرٍ نَعْتَبِرُ فِيهَا أَغْلَبِيَّةَ الظُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ ظُهُورًا الْحَرِيرَ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ قَالُوا: وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ فَجَعَلُوهَا مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا غَيْرَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَعَطَفُوهَا بِالْوَاوِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِيهَا الظُّهُورَ، بَلْ أَطْلَقُوا إبَاحَةَ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ النَّجْدِيُّ مُرَادًا لَقَيَّدُوهُ بِمُلَاحَظَةِ قَيْدِ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ كَانَ الشُّرَّاحُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ الْأَصْوَبُ فِي عِبَارَاتِهِمْ تَأْخِيرَ هَذَا الْقَيْدِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَيُبَاحُ الْخَزُّ وَمَا نُسِجَ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْحَرِيرِ أَغْلَبَ ظُهُورًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ وَغَيْرُهُ سِيَّانِ. فَلَمَّا فَصَلُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَخَّرُوهَا عَنْ الْقَيْدِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُعْتَبِرِينَ هَذَا الْقَيْدَ.

стр. 659

وَأَيْضًا أَيُّ فَائِدَةٍ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مُلَاحَظَةِ هَذَا الْقَيْدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفِدْنَا شَيْئًا، إذْ هِيَ نَسْجُ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدَمَا ذَكَرُوهُ أَوَّلًا تَكْرَارًا بِلَا فَائِدَةٍ، إذْ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا لَا مَعْنًى وَلَا حُكْمًا مَعَ اعْتِنَائِهِمْ بِالِاخْتِصَارِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا مَسْأَلَةَ الْمُلْحَمِ لِمَا شَمِلَتْهُ الْعِبَارَةُ الْأُولَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ بِالْإِنْصَافِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ النَّجْدِيِّ بِكَلَامِ الْحَجَّاوِيِّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاظِمِ مِنْ مُصْمَتٍ زِدْ. قَالَ: يَعْنِي إنَّمَا يَحْرُمُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ أَيْ الصِّرْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ نُسِجَ مَعَ غَيْرِهِ فَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ ظُهُورًا، فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ ظُهُورًا الْحَرِيرَ حَرُمَ، وَإِنْ اسْتَوَيَا ظُهُورًا، أَوْ وَزْنًا فَفِيهِ وَجْهَانِ، الْمَذْهَبُ الْإِبَاحَةُ انْتَهَى. وَنَحْنُ لَا نَشُكُّ أَنَّ مُرَادَ الْحَجَّاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآدَابِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي إقْنَاعِهِ، وَحِينَئِذٍ يُرْجَعُ إلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّهُ نَسْجُ الْحَرِيرِ مَعَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مَا إذَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ كَمَا فِي إقْنَاعِهِ، ثُمَّ هُوَ مَأْخَذُ كَلَامِهِ مِنْ الْآدَابِ الْكُبْرَى وَعِبَارَتُهُ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَيُبَاحُ الْخَزُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَرِيرٌ وَوَبَرٌ طَاهِرٌ مِنْ أَرْنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ. وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ مُحْدَثٌ. ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. وَفِي رِوَايَةِ بَكْرٍ أَوْمَأَ إلَى فَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْخَزَّ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا نُسِجَ أَيْ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ الْخَزِّ الَّذِي سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ. وَعَلَى كَلَامِ النَّجْدِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الْإِمَامِ. قُلْت: وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ خَاتِمَةُ الْمُرَجِّحِينَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قَالَ: قَوْلُهُ: وَكَذَا الْخَزُّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ وَأَبَاحَهُ أَحْمَدُ انْتَهَى، يَعْنِي أَنَّ الْخَزَّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ كَالْحَرِيرِ فِي الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ. فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ يَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُطْلَقُ إذَا اسْتَوَيَا، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ مِنْهُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي

стр. 660

وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الْخَزُّ مَا عُمِلَ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ فِي النَّفَقَاتِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ مَا عُمِلَ مِنْ إبْرَيْسَمٍ وَوَبَرِ طَاهِرٍ كَالْأَرْنَبِ وَغَيْرِهَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ: الْخَزُّ مَا سُدِّيَ بِالْإِبْرَيْسَمِ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ لِغَلَبَةِ اللُّحْمَةِ عَلَى الْحَرِيرِ انْتَهَى. فَذَكَرَ كَلَامَهُ مُؤَخَّرًا عَنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمَجْدَ لَمْ يَجْعَلْهُ قَيْدًا، وَإِنَّمَا أَبْدَاهُ حِكْمَةً، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ النَّجْدِيُّ لَقَالَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ مَغْلُوبًا فِي الظُّهُورِ، ثُمَّ إنَّا لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا فَرَّعَهُ، فَإِنَّ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَيْنِ فِي الْأَغْلَبِيَّةِ هَلْ هِيَ فِي الْوَزْنِ أَوْ الظُّهُورِ كَمَا أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفُرُوعِ وَأَطْلَقَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَجَمَاعَةٌ كَمَا مَرَّ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ: الْخَزُّ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: وَالْخَزُّ الْمَعْرُوفُ الْآنَ كُلُّهُ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ انْتَهَى. وَأَمَّا مَا جَعَلَهُ عُمْدَةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُنْدُسٍ فَنَحْنُ نَسُوقُ كَلَامَهُ بِحُرُوفِهِ. قَالَ ﵀: قَوْلُهُ: وَكَذَا الْخَزُّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ وَأَبَاحَهُ أَحْمَدُ الْخَزُّ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَحَرِيرٍ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: الْخَزُّ الْمَعْرُوفُ أَوَّلًا ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ وَالْإِبْرَيْسَمُ هُوَ الْحَرِيرُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَمَّا الْخَزُّ فَقَدْ لَبِسَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْنَا فِي سَدَى ذَلِكَ الْخَزِّ، فَقَالَ قَوْمٌ كَانَ سَدَاه قُطْنًا، وَقَالَ آخَرُونَ حَرِيرًا، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ خَزِّنَا الْيَوْمَ أَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: قُلْنَا لِعَلِيٍّ ﵁ مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ فِيهَا حَرِيرٌ أَمْثَالُ الْأُتْرُجِّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ ثِيَابٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا حَرِيرٌ، فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا ثِيَابٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَلَيْسَتْ

стр. 661

حَرِيرًا مُصْمَتًا، وَهَذَا هُوَ الْمُلْحَمُ، وَالْخَزُّ أَخَفُّ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ وَالسَّدَى أَيْسَرُ مِنْ اللُّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ جَوَازَهُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالسَّدَى لِلثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَزَّ ثَخِينٌ، وَالْحَرِيرَ مَسْتُورٌ بِالْوَبَرِ فِيهِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشْوِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْخَزُّ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لِلْوَبَرِ الَّذِي يُنْسَجُ مَعَ الْحَرِيرِ، وَهُوَ وَبَرُ الْأَرْنَبِ، وَاسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْحَرِيرِ، وَالْوَبَرِ، وَاسْمٌ لِرَدِيءِ الْحَرِيرِ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَلَالٌ، وَالثَّالِثُ حَرَامٌ، وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ، وَالْخَزَّ مِنْ صُوَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَجَعَلَ التَّحْرِيمَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ - لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ -، وَالْإِبَاحَةَ قَوْلَ ابْنِ الْبَنَّا؛؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْخَزَّ. قَالَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: وَيُلْبَسُ الْخَزُّ وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ وَلَا الدِّيبَاجُ. وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ فَإِبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْخَزِّ خِلَافًا فَقَدْ غَلِطَ، وَأَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ الْمَنْسُوجَ مِنْ الْحَرِيرِ، وَالْوَبَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَنْسُوجَ مِنْ الْحَرِيرِ وَالصُّوفِ وَذَكَرَهُ أَبُو السَّعَادَاتِ فَيَكُونُ قِسْمًا رَابِعًا. انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ. فَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ النَّجْدِيُّ فِي مَعْرِضِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلْحَمِ وَبَيْنَهُ، وَأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْمُلْحَمِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ إلَّا بِشَرْطِ اسْتِتَارِ الْحَرِيرِ وَظُهُورِ الْوَبَرِ، ثُمَّ إنَّ دَلَالَةَ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُنْدُسٍ عَلَى مَا قَالَهُ النَّجْدِيُّ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. وَكَلَامُ الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا صَرِيحٌ فِي إبَاحَةِ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ مَعَ تَأْخِيرِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الْقَيْدِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ إبَاحَةُ الْخَزِّ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لُبْسُ الصَّحَابَةِ وَبِأَنَّهُ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. انْتَهَى. وَأَمَّا مَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ الْحَرِيرِ وَمُشَاقَّتِهِ وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فِيهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُزِلَ وَنُسِجَ فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. فَإِنْ قُلْت: أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ مَا فَهِمَهُ النَّجْدِيُّ، أَوْ أَبُو الْمَوَاهِبِ؟

стр. 662

قُلْت: مَأْخَذُ النَّجْدِيِّ دَقِيقٌ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا عَلَّلُوا بِهِ. وَلَكِنْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قَالَهُ وَفَهِمَهُ أَبُو الْمَوَاهِبِ هُوَ التَّحْقِيقُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: الْخَزُّ مَا خُلِطَ مِنْ الْحَرِيرِ بِالْوَبَرِ وَشِبْهِهِ وَأَصْلُهُ مِنْ وَبَرِ الْأَرْنَبِ، وَيُسَمَّى ذَكَرُهُ الْخُزَزَ فَسُمِّيَ بِهِ، وَإِنْ خَلَطَ بِكُلِّ وَبَرٍ خَزًّا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْخَزُّ مِنْ الثِّيَابِ مَعْرُوفٌ جَمْعُهُ خُزُوزٌ، وَالْخُزَزُ كَصُرَدٍ ذَكَرُ الْأَرَانِبِ، جَمْعُهُ خِزَّانٌ وَأَخِزَّةٌ، وَمَوْضِعُهَا مَخَزَّةٌ وَمِنْهُ اُشْتُقَّ الْخَزُّ انْتَهَى. مَطْلَبٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ (فَائِدَةٌ أُخْرَى) : أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ وَشَرِبَ الْخُمُورَ فِي الْمَجَالِسِ وَطَوَّلَ الشَّارِبَ وَقَصَّ اللِّحْيَةَ وَلَعِبَ بِالْحَمَامِ قَوْمُ لُوطٍ، ذَكَرَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي أَوَائِلِهِ وَفِي زُبْدَةِ التَّوَارِيخِ، وَنَقَلَهُ عَلِيٌّ دَدَهْ فِي أَوَائِلِهِ، وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ اسْتَخْرَجَ الْحَرِيرَ مِنْ دِيدَانِهِ - تَعَلَّمَهُ مِنْ الْجِنِّ، وَكَانُوا مُسَخَّرِينَ لَهُ - جَمْشِيدُ، وَكَانَ فِي أَوَائِلِ مُلْكِهِ مَلِكًا عَادِلًا، ثُمَّ طَغَى وَتَجَبَّرَ وَاِتَّخَذَ الْأَصْنَامَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ فَسُلِبَ مُلْكَهُ، فَغُرِّبَ إلَى الْهِنْدِ وَمَاتَ مَجُوسِيًّا زِنْدِيقًا. قَتَلَهُ الضَّحَّاكُ الْعَلْوَانِيُّ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ شَرَّ قِتْلَةٍ. وَجَمْشِيدُ هَذَا أَوَّلُ مَنْ اسْتَخْرَجَ نَسْجَ أَلْوَانِ اللِّبَاسِ، وَاسْتَخْرَجَ الْقُطْنَ. وَكَانَ مَاهِرًا فِي الْحِرَفِ، وَالْآلَاتِ، وَالْعُدَّةِ قَبْلَ طُغْيَانِهِ. قُلْت: وَذَكَرَ السُّيُوطِيّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ الدُّرَّ الْمَنْثُورَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَ الْقُطْنَ وَاسْتَخْرَجَهُ إدْرِيسُ ﵊. وَأَمَّا أَوَّلُ اتِّخَاذِ ذُكُورِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِلْحَرِيرِ وَلُبْسِهَا لَهُ فَقَالَ السُّيُوطِيّ: كَانَ أَوَّلُ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَوْشَكَ أَنْ تَسْتَحِلَّ أُمَّتِي فُرُوجَ النِّسَاءِ، وَالْحَرِيرَ وَهَذَا أَوَّلُ حَرِيرٍ رَأَيْته عَلَى الْمُسْلِمِينَ» . قُلْت وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو مَالِكٍ وَاَللَّهِ يَمِينًا أُخْرَى مَا كَذَبَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ - وَذَكَرَ كَلَامًا - قَالَ: يُمْسَخُ مِنْهُمْ قِرَدَةٌ وَخَنَازِيرُ إلَى يَوْمِ

стр. 663

الْقِيَامَةِ» ، وَالْحِرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَرْجُ الْمَرْأَةِ لُغَةً فِي الْمُخَفَّفَةِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ فِي الْمَطَالِعِ قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَلُّ الْحِرُ مُخَفَّفَ الرَّاءِ اسْمٌ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ بِالتَّاءِ بَعْدَ الرَّاءِ فَحُذِفَتْ. . مَطْلَبٌ: مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَمُذَهَّبٍ وَمُصَوَّرٍ حَرُمَ بَيْعُهُ وَنَسْجُهُ (الْبَحْثُ السَّادِسُ) : مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَمُذَهَّبٍ وَمُصَوَّرٍ وَنَحْوِهَا حَرُمَ بَيْعُهُ وَنَسْجُهُ وَخِيَاطَتُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَتَمَلُّكُهُ وَأُجْرَتُهُ لِذَلِكَ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِهِ. وَأَمَّا إذَا نَسَجَهُ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ كَالنِّسَاءِ فَيُبَاحُ، وَكَذَا بَيْعُهُ وَنَحْوُهُ. وَعُمُومُ إطْلَاقِهِمْ يَشْمَلُ حُرْمَةَ بَيْعِ ثَوْبِ الْحَرِيرِ وَخِيَاطَتِهِ وَنَحْوِهِ لِلْكَافِرِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ حَرِيرٍ لِكَافِرٍ وَلُبْسُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ التَّحْرِيمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ عَنْ خِلَافِهِ قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ، وَهُوَ وَهْمٌ بَاطِلٌ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا، وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ ﵃، وَكَذَا بَعَثَ لِجَعْفَرٍ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ انْتَهَى. وَأَصْلُ الْمَأْخَذِ أَنَّا نَحْنُ وَالشَّافِعِيَّةَ نَقُولُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ زِيَادَةُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْبَحْثُ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَفَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ بَيْعِ الْحَرِيرِ لِلْكُفَّارِ وَبَيْعِ الْخَمْرِ، بِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ حَرَامًا عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ: وَعَلَى قِيَاسِهِ بَيْعُ آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ لَهُمْ. وَإِذَا جَازَ بَيْعُهَا لَهُمْ جَازَ صُنْعُهَا لِبَيْعِهَا وَجَازَ عَمَلُهَا لَهُمْ بِالْأُجْرَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ النَّظَرِ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ (السَّابِعُ) : قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ كَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ نَظَرُ مَلَابِسِ حَرِيرٍ وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهَا إنْ رَغَّبَهُ فِي التَّزْيِينِ بِهَا، وَالْمُفَاخَرَةِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّجَمُّلِ بِهَا. وَذَكَرَ

стр. 664

ذَلِكَ فِي الْآدَابِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ: رِيحُ الْخَمْرِ كَصَوْتِ الْمَلَاهِي حَتَّى إذَا شَمَّ رِيحَهَا فَاسْتَدَامَ شَمَّهَا كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْمَلَاهِي فَأَصْغَى إلَيْهَا، وَيَجِبُ سَتْرُ الْمَنْخِرَيْنِ، وَالْإِسْرَاعُ كَسَدِّ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ الِاسْتِمَاعِ. وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ وَأَوَانِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ إنْ دَعَتْ إلَى حُبِّ الدُّنْيَا، وَالْمُفَاخَرَةِ وَيَحْجُبُ ذَلِكَ عَنْهُ. وَنَزِيدُ فَنَقُولُ: التَّفَكُّرُ الدَّاعِي إلَى اسْتِحْضَارِ صُوَرِ الْمَحْظُورِ مَحْظُورٌ، حَتَّى إذَا فَكَّرَ الصَّائِمُ فَأَنْزَلَ أَثِمَ وَقَضَى، وَكَانَ عِنْدِي كَالْعَابِثِ بِذَكَرِهِ فَيُمْنِي، وَأَدَقُّ مِنْ هَذَا لَوْ اسْتَحْضَرَ صُورَةَ الْمَعْشُوقِ وَقْتَ جِمَاعِ أَهْلِهِ. قُلْت: الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ فِطْرِ الصَّائِمِ بِالْفِكْرِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا نَظَرٍ أَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ، وَالْفِكْرَةَ الْغَالِبَةَ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَالنَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُمَا. قُلْت: وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ، وَلَوْ تَمَادَى مَعَ الْفِكْرِ، وَهُوَ مُرَادُهُمْ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ قَالَ: وَلَا فِطْرَ وَلَا إثْمَ بِفِكْرٍ غَالِبٍ اتِّفَاقًا، وَقَالَ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ يَعْنِي فِي الْفِطْرِ بِالتَّفَكُّرِ سَوَاءٌ لِدُخُولِ الْفِكْرِ تَحْتَ النَّهْيِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا يُفْطِرُ خِلَافًا لِمَالِكٍ. قَالَ: وَهُوَ يَعْنِي: عَدَمُ الْفِطْرِ بِالْفِكْرِ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ وَتَكْرَارِ النَّظَرِ، وَيُخَالِفُ بِالتَّحْرِيمِ إنْ تَعَلَّقَ بِأَجْنَبِيَّةٍ. زَادَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، أَوْ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ فِي زَوْجَةٍ. يَعْنِي أَنَّ تَكْرَارَ النَّظَرِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ مُحَرَّمٌ سِيَّمَا لِلصَّائِمِ، وَتَكْرَارُهُ فِي زَوْجَتِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ مَكْرُوهٌ، وَالْفِكْرُ لَيْسَ يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْهُمَا يَعْنِي لَا هُوَ حَرَامٌ وَلَا مَكْرُوهٌ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا أَظُنُّ مَنْ قَالَ يُفْطِرُ بِهِ، وَهُوَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ يَسْلَمُ فِي ذَلِكَ، يَعْنِي عَدَمَ الْحُرْمَةِ، وَالْكَرَاهَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُقْنِعِ فِيمَا لَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَكَذَا لَوْ فَكَّرَ فَأَمْذَى. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ: يُفْطِرُ بِالْإِنْزَالِ، وَالْمَذْيِ إذَا حَصَلَ بِفِكْرِهِ. وَقِيلَ يُفْطِرُ بِهِمَا إنْ اسْتَدْعَاهُمَا وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.

стр. 665

فَعُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْفِطْرِ بِالْفِكْرِ، وَلَوْ اسْتَدْعَاهُ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ حُرْمَةَ اسْتِحْضَارِ نَحْوِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ. وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا كَالنَّظَرِ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ. وَكَلَامُ الْمُوَفَّقِ فِي الْمُغْنِي يَقْتَضِي عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِيمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ . (الثَّامِنُ) : الَّذِي اعْتَمَدَهُ مُتَأَخِّرُو الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَايَةِ كَالْمُنْتَهَى أَنَّ مَنْ صَلَّى، وَلَوْ نَفْلًا فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ أَوْ أَكْثَرَهُ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَكَذَا مَغْصُوبٌ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ مَا ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ بِنِيَّةِ نَقْدِهِ مِنْ الْحَرَامِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا، وَإِلَّا صَحَّتْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ دُمْلُجًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ تِكَّةَ سَرَاوِيلَ أَوْ خُفًّا مِنْ حَرِيرٍ وَإِنْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ حَرِيرًا أَوْ غَصْبًا أَوْ حُبِسَ بِمَكَانِ غَصْبٍ أَوْ كَانَ فِي جَيْبِهِ دِرْهَمٌ مَغْصُوبٌ صَحَّتْ. وَعَنْ الْإِمَامِ تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ وِفَاقًا لِلثَّلَاثَةِ. وَقَالَ بِهِ جُمُوعٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ إلَى خَارِجٍ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ اسْتِقْصَاءِ ذَلِكَ. وَصَلَاةُ الْمُمَيِّزِ فِي ثَوْبِ الْحَرِيرِ كَالْبَالِغِ. فَإِنْ قُلْت: لَا عَمْدَ لِلصَّبِيِّ بَلْ عَمْدُهُ خَطَأٌ كَمَا فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الصَّغِيرِ كَذَلِكَ بِجَامِعِ عَدَمِ الْإِثْمِ. وَالْجَوَابُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ النَّجْدِيُّ، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ أَحَدٌ؛ فَلِذَلِكَ اُغْتُفِرَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الصَّبِيِّ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ فِيهَا مَعْصِيَةٌ مُؤَاخَذٌ بِهَا، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِغَيْرِ الْمُصَلِّي، فَكَأَنَّهُ لِشُؤْمِ أَثَرِ الْمَعْصِيَةِ حُكِمَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ. هَذَا مَا ظَهَرَ فَلْيُحَرَّرْ انْتَهَى. قُلْت: وَفِي هَذَا نَظَرٌ يَظْهَرُ بِمَا إذَا لَبِسَ زَيْدٌ سُتْرَةً مِنْ عِنْدِ عَمْرٍو بِإِذْنِهِ، وَعَمْرٌو كَانَ قَدْ غَصَبَ السُّتْرَةَ، وَلَا عِلْمَ لِزَيْدٍ، فَإِنَّ صَلَاةَ زَيْدٍ صَحِيحَةٌ، وَعَمْرٌو عَاصٍ، وَلَمْ يَعُدْ شُؤْمُ أَثَرِ مَعْصِيَةِ عَمْرٍو عَلَى صَلَاةِ زَيْدٍ بِالْبُطْلَانِ لِعَدَمِ شُعُورِهِ بِذَلِكَ.

стр. 666

مَطْلَبٌ: فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمَالٍ حَلَالٍ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا حَرَامٌ وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِمَالٍ حَلَالٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَصْلَ السِّلْعَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ، ثُمَّ كَانَتْ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ هَلْ يَأْثَمُ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: مَتَى اعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الَّذِي مَعَ الْبَائِعِ مِلْكُهُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ قَدْ سَرَقَهُ الْبَائِعُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي لَا يَعْلَمُ إثْمٌ وَلَا عُقُوبَةٌ، لَا فِي الدُّنْيَا، وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَالضَّمَانُ وَالدَّرَكُ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ وَبَاعَهُ. وَإِذَا ظَهَرَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فِيمَا بَعْدُ رُدَّتْ إلَيْهِ سِلْعَتُهُ، وَرُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنُهُ، وَعُوقِبَ الْبَائِعُ الظَّالِمُ. فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ أَصَابَ، وَمَنْ لَا أَخْطَأَ. انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) : رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا بَيْتًا سَاقِطًا فِي أَكْثَرِهَا وَعَدَمُ سُقُوطِهِ أَوْلَى وَهُوَ: وَيَحْرُمُ بَيْعٌ لِلرِّجَالِ لِلُبْسِهِمْ ... وَتَخْيِيطُهُ وَالنَّسْجُ فِي نَصِّ أَحْمَدَ (وَيَحْرُمُ بَيْعٌ) مِنْ مُكَلَّفٍ (لِ) أَحَدٍ مِنْ (الرِّجَالِ) الْبَالِغِينَ، وَكَذَا مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِثْلُ الْخَنَاثَى (لِلُبْسِهِمْ) أَيْ لُبْسِ الرِّجَالِ وَكَذَا لِلُبْسِ الصِّبْيَانِ كَمَا مَرَّ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلُبْسِهِمْ: مَا إذَا اشْتَرَاهُ الرِّجَالُ لِلُبْسِ مَنْ يُبَاحُ لَهُ لُبْسُهُ مِنْ النِّسَاءِ (وَ) كَذَا يَحْرُمُ (تَخْيِيطُهُ) أَيْ تَخْيِيطُ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ. وَأَمَّا تَخْيِيطُ الْحَرِيرِ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ فَلَا يَحْرُمُ (وَ) كَذَا يَحْرُمُ (النَّسْجُ) لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْسُ دُونَ غَيْرِهِ (فِي نَصِّ) الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁. وَهَذَا مَرَّ مَبْسُوطًا. قَالَ النَّاظِمُ: أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ خَاطَهُ أَوْ نَسَجَهُ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ مَا نُسِجَ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ: وَيَحْرُمُ لُبْسٌ مِنْ لُجَيْنٍ وَعَسْجَدٍ ... سِوَى مَا قَدْ اسْتَثْنَيْتُهُ فِي الَّذِي اُبْتُدِئَ (وَيَحْرُمُ لُبْسٌ) ثِيَابٍ مَنْسُوجَةٍ (مِنْ لُجَيْنٍ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْجِيمِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْفِضَّةِ جَاءَ مُصَغَّرًا كَالثُّرَيَّا وَالْكُمَيْتِ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: لِلْفِضَّةِ

стр. 667

أَسْمَاءٌ، مِنْهَا: الْفِضَّةُ وَاللُّجَيْنُ، وَالنَّسِيكُ، وَالْغَرَبُ، وَيُطْلَقَانِ عَلَى الذَّهَبِ أَيْضًا. (وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا لُبْسُ ثِيَابٍ مَنْسُوجَةٍ مِنْ (عَسْجَدٍ) وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّهَبِ، وَلَهُ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ غَيْرُهُ، مِنْهَا النَّضْرُ، وَالنَّضِيرُ، وَالنُّضَارُ، وَالزِّبْرِجُ. وَالسِّيرَا، وَالزُّخْرُفُ، وَالْعِقْيَانُ، وَالتِّبْرُ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُ التِّبْرَ عَلَى الْفِضَّةِ قَبْلَ الضَّرْبِ أَيْضًا. وَجَمَعَ ابْنُ مَالِكٍ أَسْمَاءَ الذَّهَبِ جَمِيعَهَا فِي قَوْلِهِ: نَضْرٌ نَضِيرٌ نُضَارٌ زِبْرِجٌ سِيَرَا ... ءَ زُخْرُفٌ عَسْجَدٌ عِقْيَانُ الذَّهَبُ وَالتِّبْرُ مَا لَمْ يَذُبْ وَشَرَّكُوا ذَهَبًا ... مَعْ فِضَّةٍ فِي نَسِيكٍ هَكَذَا الْغَرَبُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ مَا نُسِجَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُوِّهَ أَوْ طُلِيَ أَوْ كُفِّتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا. وَقِيلَ بَلْ يُكْرَهُ إلَّا فِي مِغْفَرٍ وَجَوْشَنٍ وَخُوذَةٍ أَوْ فِي سِلَاحِهِ لِضَرُورَةٍ. كَذَا فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ تَمْوِيهُ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَسَرِيرٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَيَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا، وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ وَقَلَنْسُوَةٍ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ سَرْجٍ وَدَوَاةٍ وَلِجَامٍ وَمِحْبَرَةٍ وَمِقْلَمَةٍ وَمِرْآةٍ وَمُكْحُلَةٍ وَشَرْبَةٍ وَمَيْلٍ وَكُرْسِيٍّ وَآنِيَةٍ وَسُبْحَةٍ وَمِحْرَابٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ وَقِنْدِيلٍ وَمِجْمَرَةٍ وَمِدْخَنَةٍ وَمِلْعَقَةٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي الْكُلِّ. وَالْمَذْهَبُ حُرْمَةُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. (سِوَى مَا) أَيْ الَّذِي (اسْتَثْنَيْتُهُ) يَعْنِي فِي الْمَنْظُومَةِ الْكُبْرَى قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ. وَيَحْتَمِلُ مَا قَدْ اسْتَثْنَيْتُهُ فِي الْحَرِيرِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ مَنْسُوجٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ أَوْ فِضَّةٍ وَالْمُمَوَّهُ بِلَا حَاجَةٍ فَيَلْبَسُهُ، وَالْحَرِيرُ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ لِعَدَمٍ. وَحُكِيَ الْمَنْعُ رِوَايَةً. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ لِحَاجَةٍ. قَالَ: لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَأَرَادَ بِالْحَاجَةِ مَا احْتَاجَهُ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ. كَذَا قَالَ. فَإِنْ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ مُطْلَقًا أُبِيحَ فِي الْأَصَحِّ وِفَاقًا لِلثَّلَاثَةِ. وَقِيلَ: الْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ كَحَرِيرٍ كَمَا سَبَقَ انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَى ذَكَرٍ وَخُنْثَى بِلَا حَاجَةٍ لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَخْ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُنْتَهَى بِلَا حَاجَةٍ. وَفِي الْغَايَةِ بَعْدَ

стр. 668

مَا ذُكِرَ أَنَّ الْحَرِيرَ لَا يَحْرُمُ لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ قَمْلٍ أَوْ حَرْبٍ مُبَاحٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالَةِ قِتَالٍ. قَالَ: وَلَا الْكُلُّ يَعْنِي الْحَرِيرَ وَالْمَنْسُوجَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَمَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ لِحَاجَةٍ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ اُحْتِيجَ لِلُبْسِهِ. انْتَهَى. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مِنْ الْمَنْسُوجِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إلَّا لِلْحَاجَةِ لِلُبْسِهِ دُونَ الْمُدَاوَاةِ وَحَرْبٍ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ؛ وَلِذَا قَالَ (فِي الَّذِي) أَيْ فِي النَّظْمِ الَّذِي (اُبْتُدِئَ) بِالضَّمِّ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ الَّذِي ابْتَدَأْتُهُ فِي الْمَنْظُومَةِ الْكُبْرَى لِتَخَلُّفِ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْحَرِيرِ. مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ: فَمِمَّا اعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الَّذِي يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ الْخَاتَمُ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْمِثْقَالِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ. وَلَهُ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مِنْ ذَهَبٍ إنْ كَانَ يَسِيرًا. وَقَبِيعَةُ سَيْفٍ، وَحِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ، وَحِلْيَةُ جَوْشَنٍ، وَبَيْضَةٍ - وَهِيَ الْخُوذَةُ - وَخُفٍّ وَرَانٍ، وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ. وَحَمَائِلُ سَيْفٍ، وَمِغْفَرٍ، وَرَأْسُ رُمْحٍ، وَشَعِيرَةُ السِّكِّينِ، وَالتِّرْكَاشِ، وَالْكَلَالِيبُ. وَمِنْ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ. وَمَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ وَرَبْطِ سِنٍّ أَوْ أَسْنَانٍ بِهِ. وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْهُمَا مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، كَطَوْقٍ، وَخَلْخَالٍ، وَسِوَارٍ، وَدُمْلُجٍ، وَقُرْطٍ، وَعِقْدٍ، وَهُوَ الْقِلَادَةُ، وَتَاجٍ، وَخَاتَمٍ، وَمَا فِي الْمُخَانِقِ وَالْمَقَالِدِ مِنْ حُرُوزٍ وَتَعَاوِيذَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ، حَتَّى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ أَوْ فِي مُرْسَلَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: تَحْرِيمُ الْأَوَانِي أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَنْسُوجِ بِالْفِضَّةِ. (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : تَحْرِيمُ الْأَوَانِي أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَنْسُوجِ بِالْفِضَّةِ، لِتَحْرِيمِ الْآنِيَةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، دُونَ اللِّبَاسِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدُهُمْ احْتَجُّوا عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ الْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَلَا

стр. 669

أَعْرِفُ فِي التَّحْرِيمِ نَصًّا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. وَكَلَامُ شَيْخِنَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَالِ إلَّا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ أَيْضًا، يَعْنِي شَيْخَهُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵁: لُبْسُ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عَامٌّ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ. فَإِذَا أَبَاحَتْ السُّنَّةُ خَاتَمَ الْفِضَّةِ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْرِيمِهِ. يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ. فَعَلَى كَلَامِهِ ﵁ تُبَاحُ تَحْلِيَةُ الْأَسْلِحَةِ بِالْفِضَّةِ، وَكَذَا الذَّهَبُ فِي مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعِبَارَتُهُ: وَقِيلَ: يُبَاحُ يَعْنِي الذَّهَبَ فِي سِلَاحٍ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَقِيلَ: كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ أُبِيحَ بِذَهَبٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ تَحْلِيَةُ السِّكِّينِ بِالْفِضَّةِ. وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى بِالْعَكْسِ. وَيَدْخُلُ فِي الْخِلَافِ تِرْكَاشُ النُّشَّابِ وَالْكَلَالِيبُ لِأَنَّهَا يَسِيرٌ تَابِعٌ. وَوَاحِدُ الْكَلَالِيبِ كَلُّوبٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، وَيُقَالُ أَيْضًا كُلَّابٌ. انْتَهَى. (الثَّانِي) : مَتَى اسْتَهْلَكَ مَا قُلْنَا يَحْرُمُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيمَا حُلِّيَ بِهِ أَوْ مُوِّهَ بِهِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ لَوْ أُزِيلَ أَوْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَذَهَابِ الْمَالِيَّةِ. وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ الْخِلَافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) : فُهِمَ مِنْ تَنْصِيصِ النَّاظِمِ عَلَى اخْتِصَاصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمَنْعِ إبَاحَةُ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي بَعْضِ أَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي الزَّجْرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالتَّحَلِّي بِهِمَا. (الرَّابِعُ) : فِي بَعْضِ أَحَادِيثَ عَنْ الْمُصْطَفَى ﷺ وَرَدَتْ فِي الزَّجْرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالتَّحَلِّي بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.

стр. 670

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَفِي أُخْرَى لَهُ «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَ الْجَرْجَرَةَ بِمَعْنَى الصَّبِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجَّاجُ. أَيْ إنَّمَا يَصُبُّ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ. وَالْجَرْجَرَةُ الصَّوْتُ الْمُتَرَدِّدُ فِي الْحَلْقِ. وَجَرْجَرَ الْفَحْلُ: إذَا رَدَّدَ صَوْتَهُ فِي حَلْقِهِ. وَقَدْ يَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى هَذَا أَيْضًا إذَا عُدِّيَ الْفِعْلُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَزْهَرِيُّ. قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي مُسْلِمٍ «كَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» قَالَ: وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ النَّصْبِ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا تَلْبِسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدِّيبَاجُ مَعْرُوفٌ مُعَرَّبٌ يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَرِيرِ، وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْهُ وَهُوَ مُعَرَّبٌ لَا عَرَبِيٌّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ أَبَا طَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ وَشَرِبَ فِي الْفِضَّةِ فَلَيْسَ مِنَّا. وَمَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى مَوَالِيهِ فَلَيْسَ مِنَّا» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ حَرِيرًا، وَلَا ذَهَبًا» رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاةُ الْإِمَامِ ثِقَاتٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي، وَهُوَ مُتَحَلِّي الذَّهَبِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِبَاسَهُ فِي الْجَنَّةِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →