Полный текст (1 066 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
مَطْلَبٌ: فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمَالٍ حَلَالٍ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا حَرَامٌ
وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِمَالٍ حَلَالٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَصْلَ السِّلْعَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ، ثُمَّ كَانَتْ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ هَلْ يَأْثَمُ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ: مَتَى اعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الَّذِي مَعَ الْبَائِعِ مِلْكُهُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ قَدْ سَرَقَهُ الْبَائِعُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي لَا يَعْلَمُ إثْمٌ وَلَا عُقُوبَةٌ، لَا فِي الدُّنْيَا، وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَالضَّمَانُ وَالدَّرَكُ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ وَبَاعَهُ.
وَإِذَا ظَهَرَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فِيمَا بَعْدُ رُدَّتْ إلَيْهِ سِلْعَتُهُ، وَرُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنُهُ، وَعُوقِبَ الْبَائِعُ الظَّالِمُ.
فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ أَصَابَ، وَمَنْ لَا أَخْطَأَ.
انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا بَيْتًا سَاقِطًا فِي أَكْثَرِهَا وَعَدَمُ سُقُوطِهِ أَوْلَى وَهُوَ:
وَيَحْرُمُ بَيْعٌ لِلرِّجَالِ لِلُبْسِهِمْ ... وَتَخْيِيطُهُ وَالنَّسْجُ فِي نَصِّ أَحْمَدَ
(وَيَحْرُمُ بَيْعٌ) مِنْ مُكَلَّفٍ (لِ) أَحَدٍ مِنْ (الرِّجَالِ) الْبَالِغِينَ، وَكَذَا مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِثْلُ الْخَنَاثَى (لِلُبْسِهِمْ) أَيْ لُبْسِ الرِّجَالِ وَكَذَا لِلُبْسِ الصِّبْيَانِ كَمَا مَرَّ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلُبْسِهِمْ: مَا إذَا اشْتَرَاهُ الرِّجَالُ لِلُبْسِ مَنْ يُبَاحُ لَهُ لُبْسُهُ مِنْ النِّسَاءِ (وَ) كَذَا يَحْرُمُ (تَخْيِيطُهُ) أَيْ تَخْيِيطُ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ.
وَأَمَّا تَخْيِيطُ الْحَرِيرِ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ فَلَا يَحْرُمُ (وَ) كَذَا يَحْرُمُ (النَّسْجُ) لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْسُ دُونَ غَيْرِهِ (فِي نَصِّ) الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁.
وَهَذَا مَرَّ مَبْسُوطًا.
قَالَ النَّاظِمُ: أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ خَاطَهُ أَوْ نَسَجَهُ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ مَا نُسِجَ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ:
وَيَحْرُمُ لُبْسٌ مِنْ لُجَيْنٍ وَعَسْجَدٍ ... سِوَى مَا قَدْ اسْتَثْنَيْتُهُ فِي الَّذِي اُبْتُدِئَ
(وَيَحْرُمُ لُبْسٌ) ثِيَابٍ مَنْسُوجَةٍ (مِنْ لُجَيْنٍ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْجِيمِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْفِضَّةِ جَاءَ مُصَغَّرًا كَالثُّرَيَّا وَالْكُمَيْتِ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: لِلْفِضَّةِ
стр. 667
أَسْمَاءٌ، مِنْهَا: الْفِضَّةُ وَاللُّجَيْنُ، وَالنَّسِيكُ، وَالْغَرَبُ، وَيُطْلَقَانِ عَلَى الذَّهَبِ أَيْضًا.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا لُبْسُ ثِيَابٍ مَنْسُوجَةٍ مِنْ (عَسْجَدٍ) وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّهَبِ، وَلَهُ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ غَيْرُهُ، مِنْهَا النَّضْرُ، وَالنَّضِيرُ، وَالنُّضَارُ، وَالزِّبْرِجُ. وَالسِّيرَا، وَالزُّخْرُفُ، وَالْعِقْيَانُ، وَالتِّبْرُ غَيْرَ مَضْرُوبٍ، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُ التِّبْرَ عَلَى الْفِضَّةِ قَبْلَ الضَّرْبِ أَيْضًا.
وَجَمَعَ ابْنُ مَالِكٍ أَسْمَاءَ الذَّهَبِ جَمِيعَهَا فِي قَوْلِهِ:
نَضْرٌ نَضِيرٌ نُضَارٌ زِبْرِجٌ سِيَرَا ... ءَ زُخْرُفٌ عَسْجَدٌ عِقْيَانُ الذَّهَبُ
وَالتِّبْرُ مَا لَمْ يَذُبْ وَشَرَّكُوا ذَهَبًا ... مَعْ فِضَّةٍ فِي نَسِيكٍ هَكَذَا الْغَرَبُ
فَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ مَا نُسِجَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُوِّهَ أَوْ طُلِيَ أَوْ كُفِّتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا.
وَقِيلَ بَلْ يُكْرَهُ إلَّا فِي مِغْفَرٍ وَجَوْشَنٍ وَخُوذَةٍ أَوْ فِي سِلَاحِهِ لِضَرُورَةٍ.
كَذَا فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ تَمْوِيهُ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَسَرِيرٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَيَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا، وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ وَقَلَنْسُوَةٍ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ سَرْجٍ وَدَوَاةٍ وَلِجَامٍ وَمِحْبَرَةٍ وَمِقْلَمَةٍ وَمِرْآةٍ وَمُكْحُلَةٍ وَشَرْبَةٍ وَمَيْلٍ وَكُرْسِيٍّ وَآنِيَةٍ وَسُبْحَةٍ وَمِحْرَابٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ وَقِنْدِيلٍ وَمِجْمَرَةٍ وَمِدْخَنَةٍ وَمِلْعَقَةٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي الْكُلِّ.
وَالْمَذْهَبُ حُرْمَةُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
(سِوَى مَا) أَيْ الَّذِي (اسْتَثْنَيْتُهُ) يَعْنِي فِي الْمَنْظُومَةِ الْكُبْرَى قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ مَا قَدْ اسْتَثْنَيْتُهُ فِي الْحَرِيرِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ مَنْسُوجٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ أَوْ فِضَّةٍ وَالْمُمَوَّهُ بِلَا حَاجَةٍ فَيَلْبَسُهُ، وَالْحَرِيرُ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ لِعَدَمٍ.
وَحُكِيَ الْمَنْعُ رِوَايَةً.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ لِحَاجَةٍ.
قَالَ: لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَأَرَادَ بِالْحَاجَةِ مَا احْتَاجَهُ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ.
كَذَا قَالَ.
فَإِنْ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ مُطْلَقًا أُبِيحَ فِي الْأَصَحِّ وِفَاقًا لِلثَّلَاثَةِ.
وَقِيلَ: الْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ كَحَرِيرٍ كَمَا سَبَقَ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلَى ذَكَرٍ وَخُنْثَى بِلَا حَاجَةٍ لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَخْ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُنْتَهَى بِلَا حَاجَةٍ.
وَفِي الْغَايَةِ بَعْدَ
стр. 668
مَا ذُكِرَ أَنَّ الْحَرِيرَ لَا يَحْرُمُ لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ قَمْلٍ أَوْ حَرْبٍ مُبَاحٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالَةِ قِتَالٍ.
قَالَ: وَلَا الْكُلُّ يَعْنِي الْحَرِيرَ وَالْمَنْسُوجَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَمَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ لِحَاجَةٍ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ اُحْتِيجَ لِلُبْسِهِ. انْتَهَى.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مِنْ الْمَنْسُوجِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إلَّا لِلْحَاجَةِ لِلُبْسِهِ دُونَ الْمُدَاوَاةِ وَحَرْبٍ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ؛ وَلِذَا قَالَ (فِي الَّذِي) أَيْ فِي النَّظْمِ الَّذِي (اُبْتُدِئَ) بِالضَّمِّ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أَيْ الَّذِي ابْتَدَأْتُهُ فِي الْمَنْظُومَةِ الْكُبْرَى لِتَخَلُّفِ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الْحَرِيرِ.
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ: فَمِمَّا اعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الَّذِي يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ الْخَاتَمُ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْمِثْقَالِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ.
وَلَهُ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مِنْ ذَهَبٍ إنْ كَانَ يَسِيرًا.
وَقَبِيعَةُ سَيْفٍ، وَحِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ، وَحِلْيَةُ جَوْشَنٍ، وَبَيْضَةٍ - وَهِيَ الْخُوذَةُ - وَخُفٍّ وَرَانٍ، وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ.
وَحَمَائِلُ سَيْفٍ، وَمِغْفَرٍ، وَرَأْسُ رُمْحٍ، وَشَعِيرَةُ السِّكِّينِ، وَالتِّرْكَاشِ، وَالْكَلَالِيبُ.
وَمِنْ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ.
وَمَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ وَرَبْطِ سِنٍّ أَوْ أَسْنَانٍ بِهِ.
وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْهُمَا مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، كَطَوْقٍ، وَخَلْخَالٍ، وَسِوَارٍ، وَدُمْلُجٍ، وَقُرْطٍ، وَعِقْدٍ، وَهُوَ الْقِلَادَةُ، وَتَاجٍ، وَخَاتَمٍ، وَمَا فِي الْمُخَانِقِ وَالْمَقَالِدِ مِنْ حُرُوزٍ وَتَعَاوِيذَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ، حَتَّى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ أَوْ فِي مُرْسَلَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: تَحْرِيمُ الْأَوَانِي أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَنْسُوجِ بِالْفِضَّةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
(الْأَوَّلُ) : تَحْرِيمُ الْأَوَانِي أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَنْسُوجِ بِالْفِضَّةِ، لِتَحْرِيمِ الْآنِيَةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، دُونَ اللِّبَاسِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدُهُمْ احْتَجُّوا عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ الْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَلَا
стр. 669
أَعْرِفُ فِي التَّحْرِيمِ نَصًّا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.
وَكَلَامُ شَيْخِنَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَالِ إلَّا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا، يَعْنِي شَيْخَهُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵁: لُبْسُ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عَامٌّ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
فَإِذَا أَبَاحَتْ السُّنَّةُ خَاتَمَ الْفِضَّةِ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْرِيمِهِ.
يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ.
فَعَلَى كَلَامِهِ ﵁ تُبَاحُ تَحْلِيَةُ الْأَسْلِحَةِ بِالْفِضَّةِ، وَكَذَا الذَّهَبُ فِي مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعِبَارَتُهُ: وَقِيلَ: يُبَاحُ يَعْنِي الذَّهَبَ فِي سِلَاحٍ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَقِيلَ: كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ أُبِيحَ بِذَهَبٍ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ بِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ تَحْلِيَةُ السِّكِّينِ بِالْفِضَّةِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى بِالْعَكْسِ.
وَيَدْخُلُ فِي الْخِلَافِ تِرْكَاشُ النُّشَّابِ وَالْكَلَالِيبُ لِأَنَّهَا يَسِيرٌ تَابِعٌ.
وَوَاحِدُ الْكَلَالِيبِ كَلُّوبٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، وَيُقَالُ أَيْضًا كُلَّابٌ. انْتَهَى.
(الثَّانِي) : مَتَى اسْتَهْلَكَ مَا قُلْنَا يَحْرُمُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيمَا حُلِّيَ بِهِ أَوْ مُوِّهَ بِهِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ لَوْ أُزِيلَ أَوْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَذَهَابِ الْمَالِيَّةِ.
وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ الْخِلَافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : فُهِمَ مِنْ تَنْصِيصِ النَّاظِمِ عَلَى اخْتِصَاصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمَنْعِ إبَاحَةُ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي بَعْضِ أَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي الزَّجْرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالتَّحَلِّي بِهِمَا.
(الرَّابِعُ) : فِي بَعْضِ أَحَادِيثَ عَنْ الْمُصْطَفَى ﷺ وَرَدَتْ فِي الزَّجْرِ عَنْ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالتَّحَلِّي بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 670
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَفِي أُخْرَى لَهُ «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَ الْجَرْجَرَةَ بِمَعْنَى الصَّبِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجَّاجُ.
أَيْ إنَّمَا يَصُبُّ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.
وَالْجَرْجَرَةُ الصَّوْتُ الْمُتَرَدِّدُ فِي الْحَلْقِ. وَجَرْجَرَ الْفَحْلُ: إذَا رَدَّدَ صَوْتَهُ فِي حَلْقِهِ. وَقَدْ يَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى هَذَا أَيْضًا إذَا عُدِّيَ الْفِعْلُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَزْهَرِيُّ.
قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي مُسْلِمٍ «كَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» قَالَ: وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ النَّصْبِ. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا تَلْبِسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدِّيبَاجُ مَعْرُوفٌ مُعَرَّبٌ يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَرِيرِ، وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْهُ وَهُوَ مُعَرَّبٌ لَا عَرَبِيٌّ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ أَبَا طَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ وَشَرِبَ فِي الْفِضَّةِ فَلَيْسَ مِنَّا. وَمَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى مَوَالِيهِ فَلَيْسَ مِنَّا» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ حَرِيرًا، وَلَا ذَهَبًا» رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاةُ الْإِمَامِ ثِقَاتٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي، وَهُوَ مُتَحَلِّي الذَّهَبِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِبَاسَهُ فِي الْجَنَّةِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 671
مَطْلَبٌ: فِي حُرْمَةِ اتِّخَاذِ السِّتْرِ الْمُحْتَوِي عَلَى صُورَةٍ
وَيَحْرُمُ سِتْرٌ أَوْ لِبَاسُ الْفَتَى الَّذِي ... حَوَى صُورَةً لِلْحَيِّ فِي نَصِّ أَحْمَدَ
(وَيَحْرُمُ) عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ (سِتْرٌ) أَيْ اتِّخَاذُهُ حَيْثُ حَوَى صُورَةً (أَوْ) أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (لِبَاسُ الْفَتَى) أَرَادَ بِالْفَتَى هُنَا مَا يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْكُلِّ مِنْهُمَا لِبَاسُ الثَّوْبِ (الَّذِي حَوَى) هُوَ (صُورَةً) أَيْ مِثَالَ صُورَةٍ (لِلْحَيِّ) مِنْ الْحَيَوَانِ لِيَخْرُجَ الشَّجَرُ وَنَحْوُهُ، وَمَا أُزِيلَ مِنْهُ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ (فِي نَصِّ) أَيْ مَنْصُوصِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْكُلِّ - يَعْنِي الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ - لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي كَتَعْلِيقِهِ وَسَتْرِ الْجُدُرِ بِهِ وَتَصْوِيرِهِ لَا افْتِرَاشِهِ أَوْ جَعْلِهِ مِخَدًّا فَلَا يُكْرَهُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ « ﷺ اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
انْتَهَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَجَعَلَ يُفْتِي وَلَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اُدْنُهُ، فَدَنَا الرَّجُلُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حَسَنٍ «فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» وَكَأَنَّ الْقَصْدَ طُولُ تَعْذِيبِهِ وَإِظْهَارُ عَجْزِهِ عَمَّا كَانَ تَعَاطَاهُ مُبَالَغَةً فِي تَوْبِيخِهِ وَبَيَانِ قُبْحِ فِعْلِهِ.
فَقَوْلُهُ «لَيْسَ بِنَافِخٍ» أَيْ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُعَذَّبًا دَائِمًا.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْوَعِيدُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
فَإِنَّ وَعِيدَ الْقَاتِلِ عَمْدًا يَنْقَطِعُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ وُرُودِ تَخْلِيدِهِ بِحَمْلِ التَّخْلِيدِ عَلَى مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ.
وَهَذَا الْوَعِيدُ أَشَدُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُغَيًّا بِمَا لَا يُمْكِنُ، وَهُوَ نَفْخُ الرُّوحِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُعَذَّبُ زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ يَتَخَلَّصُ.
وَالْجَوَابُ تَعْيِينُ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ عَلَى إرَادَةِ الزَّجْرِ الشَّدِيدِ بِالْوَعِيدِ
стр. 672
بِعِقَابِ الْكَافِرِ فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي الِارْتِدَاعِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ.
هَذَا فِي حَقِّ الْعَاصِي بِذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَالْحَاصِلُ حَمْلُ مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إمَّا عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَإِمَّا عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَإِمَّا أَنَّ هَذَا الْعَذَابَ جَزَاءُ هَذَا الْفِعْلِ أَنْ لَوْ جُوزِيَ، وَلَكِنَّ الْكَرَمَ وَالْحِلْمَ أَوْسَعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ طَرَفٌ مِنْ هَذَا.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ كَتْبِ الْقُرْآنِ فِي السِّتْرِ، وَمَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلَةٍ
وَفِي السِّتْرِ أَوْ مَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلَةٍ ... لَيُكْرَهُ كَتْبٌ لِلْقُرْآنِ الْمُمَجَّدِ
(وَ) تُكْرَهُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (فِي) نَحْوِ (السِّتْرِ) وَالْجُدْرَانِ (أَوْ) أَيْ وَكُلِّ (مَا) أَيْ الَّذِي (هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلَةٍ) وَامْتِهَانٍ كَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِتَقْدِيرِ الْقَسَمِ يَعْنِي - وَاَللَّهِ - أَوْ التَّأْكِيدِ، وَلِذَا أَدْخَلَ اللَّامَ (لَيُكْرَهُ كَتْبٌ) أَيْ كِتَابَةٌ (لِلْقُرْآنِ) بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ (الْمُمَجَّدِ) أَيْ الْمُشَرَّفِ، فَإِنَّ الْمَجْدَ هُوَ الشَّرَفُ الْوَاسِعُ، وَقِيلَ الْمَاجِدُ هُوَ الْمِفْضَالُ عَلَى الْخَلْقِ الْكَثِيرِ الْعَطَاءِ لَهُمْ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «نَاوِلِينِي الْمَجِيدَ» أَيْ الْمُصْحَفَ هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] .
مَطْلَبٌ: الذِّكْرُ نَوْعَانِ
(فَائِدَةٌ) : ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَنَّ الذِّكْرَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا ذِكْرُ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِهَا وَتَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ.
وَهَذَا أَيْضًا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا إنْشَاءُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِهَا مِنْ الذَّاكِرِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ نَحْوُ (سُبْحَانَ اللَّهِ) وَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) وَ (اللَّهُ أَكْبَرُ) إلَى مَا لَا يُحْصَى.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْخَبَرُ عَنْ الرَّبِّ تَعَالَى بِأَحْكَامِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، نَحْوُ قَوْلِك: اللَّهُ يَسْمَعُ أَصْوَاتَ عِبَادِهِ، وَيَرَى حَرَكَاتِهِمْ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 673
قَدِيرٌ، وَهُوَ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ الْفَاقِدِ الْوَاجِدِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَأَفْضَلُ هَذَا النَّوْعِ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَبِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.
وَهَذَا النَّوْعُ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: حَمْدٌ وَثَنَاءٌ وَمَجْدٌ.
فَالْحَمْدُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ مَعَ مَحَبَّتِهِ وَالرِّضَا عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ الْمُحِبُّ السَّاكِتُ حَامِدًا.
وَلَا الْمُثْنِي بِلَا مَحَبَّةٍ حَامِدًا حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهُ الْمَحَبَّةُ وَالثَّنَاءُ، فَإِنْ كَرَّرَ الْمَحَامِدَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَانَتْ ثَنَاءً، فَإِنْ كَانَ الْمَدْحُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْمُلْكِ كَانَ مَجْدًا.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ - تَعَالَى - لِعَبْدِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي» .
النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ الذِّكْرِ ذِكْرُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَهَذَا أَيْضًا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: ذِكْرُهُ بِذَلِكَ إخْبَارًا عَنْهُ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا، وَأَحَبَّ كَذَا وَسَخِطَ كَذَا.
وَالثَّانِي: ذِكْرُهُ عِنْدَ أَمْرِهِ فَيُبَادِرُ إلَيْهِ.
وَعِنْدَ نَهْيِهِ فَيَهْرُبُ مِنْهُ.
فَذِكْرُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ شَيْءٌ وَذِكْرُهُ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ شَيْءٌ آخَرُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ ذَكَرْنَاهَا هُنَا لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْمَجْدِ وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - نَذْكُرُ عِنْدَ قَوْلِ النَّظْمِ، وَقُلْ فِي صَبَاحٍ إلَخْ بَعْضَ فَوَائِدِ فَرَائِدَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .
وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ كِتَابَةُ غَيْرِهِ ... مِنْ الذِّكْرِ فِي مَا لَمْ يُدَسْ وَيُمَهَّدْ
(وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ كِتَابَةُ) شَيْءٍ مِنْ (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقُرْآنِ (مِنْ) بَقِيَّةِ (الذِّكْرِ) وَلَوْ قُدْسِيًّا (فِي مَا) الشَّيْءِ الَّذِي (لَمْ يُدَسْ) مِنْ سِتْرٍ وَجِدَارٍ وَثِيَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَ) لَمْ (يُمَهَّدْ) أَيْ يُفْرَشْ، فَإِنْ كَانَ يُدَاسُ أَوْ يُفْرَشُ كُرِهَ صَوْنًا لَهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي آدَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَلَّ لِمَنْ يَسْتَأْجِرُ الْبَيْتَ حَكُّهُ التَّ ... صَاوِيرَ كَالْحَمَّامِ لِلدَّاخِلِ اشْهَدْ
(وَحَلَّ لِمَنْ) أَيْ لِلَّذِي (يَسْتَأْجِرُ الْبَيْتَ) وَنَحْوَهُ (حَكُّهُ) أَيْ حَكُّ الْمُسْتَأْجِرِ وَنَحْوُهُ (التَّصَاوِيرَ) الْمُصَوَّرَةَ عَلَى هَيْئَةِ ذِي رُوحٍ كَمَا مَرَّ (كَ) مَا
стр. 674
يَحِلُّ حَكُّ التَّصَاوِيرِ الَّتِي عَلَى حِيطَانِ (الْحَمَّامِ) وَالْخَانِ وَنَحْوِهِمَا (لِلدَّاخِلِ) فِيهِمَا لِأَنَّهُ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ (اشْهَدْ) بِصِحَّةِ ذَلِكَ وَاعْتَقِدْهُ فَإِنَّهُ فِقْهٌ جَيِّدٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِمَا فِيهِ غُنْيَةٌ. .
مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ شِرَاءِ اللُّعْبَةِ لِلْيَتِيمَةِ:
وَحَلَّ شِرَاهُ لِلْيَتِيمَةِ لُعْبَةً ... بِلَا رَأْسٍ إنْ تَطْلُبْ وَبِالرَّأْسِ فَاصْدُدْ
(وَحَلَّ شِرَاهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (لِلْيَتِيمَةِ) الْقَاصِرَةِ عَلَى دَرَجَةِ الْبُلُوغِ (لُعْبَةً) بِالضَّمِّ تِمْثَالًا تَلْعَبُ بِهِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ (بِلَا رَأْسٍ) حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ التَّصَاوِيرِ الْمُحَرَّمَةِ (إنْ تَطْلُبْ) الْيَتِيمَةُ ذَلِكَ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْحِلِّ إنْ لَمْ تَطْلُبْهُ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِمَا يَأْتِي مِنْ النَّصِّ وَلِيَسْتَقِيمَ الْوَزْنُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (وَ) أَمَّا اللُّعْبَةُ (بِالرَّأْسِ) الَّذِي تَكُونُ بِهِ عَلَى هَيْئَةِ ذِي الرُّوحِ مِنْ الْحَيَوَانِ (فَاصْدُدْ) لَهَا عَنْ اللَّعِبِ بِهَا وَامْنَعْهَا.
وَلَا يَشْتَرِي مَا كَانَ مِنْ ذَاكَ صُورَةً ... وَمِنْ مَالِهِ لَا مَالِهَا فِي الْمُجَرَّدِ
(وَلَا يَشْتَرِي) الْوَلِيُّ (مَا) أَيْ الَّذِي (كَانَ) هُوَ (مِنْ ذَاكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ يَرْجِعُ إلَى الْمَذْكُورِ أَوْ التِّمْثَالِ، أَيْ وَلَا يَشْتَرِي مَا كَانَ مِنْ التِّمْثَالِ أَوْ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ (صُورَةً) أَيْ ذَا صُورَةٍ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ الْإِذْنُ لَهَا فِي اللَّعِبِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ بِالْيَتِيمَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَا عَبَّرَ فِي الْإِقْنَاعِ بِقَوْلِهِ: وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّغِيرَةِ أَنْ تَلْعَبَ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، أَيْ بِلَا رَأْسٍ انْتَهَى.
وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَكَلَامُ النَّظْمِ يَخُصُّ الْيَتِيمَةَ.
وَالْحَقُّ الشُّمُولُ لِقَضِيَّةِ عَائِشَةَ ﵂.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي فَصْلِ وَالِي الْحِسْبَةِ: وَأَمَّا اللَّعِبُ فَلَيْسَ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْبَنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ، فَفِيهَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ يُقَارِنُهُ مَعْصِيَةٌ بِتَصْوِيرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ، فَلِلتَّمْكِينِ مِنْهَا وَبِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إقْرَارُهُ وَإِنْكَارُهُ، يَعْنِي إنْ كَانَتْ قَرِينَةُ الْحَالِ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةَ أَقَرَّهُ، وَإِلَّا أَنْكَرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: الْإِنْكَارُ إذَا كَانَتْ عَلَى صُورَةِ ذَوَاتِ
стр. 675
الْأَرْوَاحِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْوَصِيِّ يَشْتَرِي لِلصَّبِيَّةِ لُعْبَةً إذَا طَلَبَتْ، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ صُورَةً فَلَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «كُنْت أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ» ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِلُعَبِ اللَّعِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا صُورَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صُورَةٌ فَلَا.
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ وَمَعَهَا جَوَارٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ هَذَا خَيْلُ سُلَيْمَانَ قَالَ: فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا» قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ غَرِيبٌ.
وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَتَاعِ عَائِشَةَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَهُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الصُّوَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصُّوَرِ ثُمَّ نُسِخَ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
قُلْت: وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْخُصُوصِيَّةَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ.
قَالَ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَجَائِزٌ لِلصَّبَايَا خَاصَّةً اللَّعِبُ بِالصُّوَرِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِنَّ، وَالصُّوَرُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا هَذَا، وَإِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ. انْتَهَى.
وَقَدْ عَلِمْت حُرْمَةَ كَوْنِهِ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ، وَكَذَا لُعْبَةٌ مَا لَمْ تَكُنْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ نَحْوِ شَجَرَةٍ أَوْ بِلَا رَأْسٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) حَيْثُ جَازَ شِرَاءُ الْوَلِيِّ لِلُّعْبَةِ فَثَمَنُهَا (مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْوَلِيِّ (لَا) مِنْ (مَالِهَا) أَيْ الْيَتِيمَةِ عَلَى مَا (فِي) كِتَابِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ وَالْهُمَامِ الْأَمْجَدِ، حَامِلِ لِوَاءِ مَذْهَبِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى - طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ الْمُسَمَّى بِ (الْمُجَرَّدِ) .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَهُ شِرَاؤُهَا بِمَالِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: بَلْ بِمَالِهِ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: هَلْ يَشْتَرِيهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَالِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ: لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّغِيرَةِ أَنْ تَلْعَبَ بِاللُّعَبِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُصَوَّرَةٍ.
وَشِرَاؤُهَا لَهَا بِمَالِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ: مِنْ مَالِهِ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ فِي آدَابِهِ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي التَّلْخِيصِ فِي
стр. 676
بَابِ اللِّبَاسِ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ مَا لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ.
قُلْت: وَالْمُعْتَمَدُ لَهُ شِرَاؤُهَا مِنْ مَالِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَفِي نَصِّهِ أَكْرَهُ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَا الرَّ ... قِيقَ سِوَى لِلزَّوْجِ يَخْلُو وَسَيِّدِ
(وَفِي نَصِّهِ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ (أَكْرَهُ) أَيْ يُكْرَهُ (لِلرِّجَالِ) جَمْعُ رَجُلٍ، وَهُوَ الذَّكَرُ الْبَالِغُ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَالْمُرَادُ هُنَا مُجَرَّدُ الذُّكُورِ (وَلِلنِّسَاءِ) مُجَرَّدُ الْإِنَاثِ (الرَّقِيقَ) أَيْ لُبْسَهُ مُفْرَدًا (سِوَى) مَا إذَا لَبِسَتْهُ الْمَرْأَةُ (لِلزَّوْجِ) أَيْ زَوْجِهَا (يَخْلُو) أَيْ فِي حَالَ خَلْوَتِهِ بِهَا فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ (وَ) سِوَى مَا إذَا لَبِسَتْهُ أَمَةٌ لِ (سَيِّدِ) هَا فِي حَالِ خَلْوَتِهِ بِهَا فَكَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا.
مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ لُبْسِ الرَّقِيقِ وَتَطْوِيلِ اللِّبَاسِ وَتَقْصِيرِهِ:
وَيُكْرَهُ تَقْصِيرُ اللِّبَاسِ وَطُولُهُ ... بِلَا حَاجَةٍ كِبْرًا وَتَرْكُ الْمُعَوَّدِ
وَ (يُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (تَقْصِيرُ اللِّبَاسِ) أَيْ الْمَلْبُوسِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ فَوْقَ نِصْفِ سَاقَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: يُشَهِّرُ نَفْسَهُ.
وَقَالَ فِي الْآدَابِ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ السُّنَّةُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ مِنْ نِصْفِ السَّاقِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، فَلَا يَتَأَذَّى السَّاقُ بِحَرٍّ وَبَرْدٍ، وَلَا يَتَأَذَّى الْمَاشِي بِطُولِهِ وَيَجْعَلُهُ كَالْمُقَيَّدِ.
وَيُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ ارْتَفَعَ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ الرَّجُلِ إلَى فَوْقِ نِصْفِ سَاقِهِ وَتَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ:
مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ إسْبَالِ اللِّبَاسِ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (طُولُهُ) أَيْ اللِّبَاسِ إلَى تَحْتِ كَعْبَيْهِ (بِلَا حَاجَةٍ) وَأَمَّا إذَا كَانَ لُبْسُهُ ذَلِكَ لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ لِذَلِكَ كَسَتْرِ سَاقٍ قَبِيحٍ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ، وَلَا تَدْلِيسٍ أُبِيحَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ إسْبَالُهُ لِلِّبَاسِ (كِبْرًا) أَيْ لِأَجْلِ الْكِبْرِ
стр. 677
فَأَطْلَقَ النَّاظِمُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ، وَالْأَصَحُّ الْحُرْمَةُ بَلْ هُوَ كَبِيرَةٌ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْإِسْبَالَ تَارَةً يَكُونُ خُيَلَاءَ وَتَارَةً لَا يَكُونُ.
الْأَوَّلُ حَرَامٌ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي تَارَةً يَكُونُ لِحَاجَةٍ وَأُخْرَى لَا.
الْأَوَّلُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ مَا لَمْ يَقْصِدْ تَدْلِيسًا فَيَحْرُمُ، وَالثَّانِي مَكْرُوهٌ، وَهُوَ الْإِسْبَالُ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَا خُيَلَاءَ وَلَا تَدْلِيسٍ، لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ.
وَظَاهِرُ النَّظْمِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا خُيَلَاءَ وَلَا كِبْرَ.
وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ النَّظْمِ وَقَالَ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِرِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْ الْإِمَامِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ عَنْ جَرِّ الْإِزَارِ: إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ كَمَا فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ مُفْلِحٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ ارْتَدَى بِرِدَاءٍ ثَمِينٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ يَجُرُّهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَقِيلَ لَهُ: أَوَلَسْنَا نُهِينَا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ لِذَوِي الْخُيَلَاءِ، وَلَسْنَا مِنْهُمْ.
قَالَ فِي الْآدَابِ: وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَدَمَ تَحْرِيمِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَرَاهَةِ، وَلَا عَدَمِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ طُولُ قَمِيصِ الرَّجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِلَى شِرَاكِ النَّعْلِ.
وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَطُولُ الْإِزَارِ إلَى مَرَاقِّ السَّاقَيْنِ، وَقِيلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الرَّدْعِ عَنْ جَرِّ الْإِزَارِ خُيَلَاءَ.
وَلْنَذْكُرْ الْآنَ طَرَفًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الرَّدْعِ عَنْ جَرِّ الْإِزَارِ خُيَلَاءَ، وَعَنْ الْعُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الشَّرْحِ، وَإِلَّا فَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي ذَلِكَ فَنَقُولُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قَالَ «إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى عَضَلَةِ سَاقِهِ، ثُمَّ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ، ثُمَّ إلَى كَعْبِهِ، وَمَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ " مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 678
الْإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ عَنْ الْإِزَارِ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ بِهَا سَقَطْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلَا حَرَجَ، أَوْ قَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَمَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ حُمَيْدٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ أَحْمَدُ كَأَنَّهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْإِزَارُ إلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَوْ إلَى الْكَعْبَيْنِ، لَا خَيْرَ فِي أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُسْبِلُ هُوَ الَّذِي يُطَوِّلُ ثَوْبَهُ، وَيُرْسِلُهُ إلَى الْأَرْضِ كَأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَجَبُّرًا وَاخْتِيَالًا.
وَفِي لَفْظٍ «الْمُسْبِلُ إزَارَهُ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ - وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَوْثِيقِهِ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ. مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قُلْت: وَفِي ثُلَاثِيَّاتِ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ عَنْهُ جَمَعَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الْحُجَّةُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ ﵀ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ يَعْنِي بْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ابْنُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ» . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 679
إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» . وَهُمَا وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» وَهُمَا وَغَيْرُهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَيْضًا مَرْفُوعًا «مَنْ جَرَّ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ إزَارِي يَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّك لَسْت مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ» . وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ يَقُولُ «مَنْ جَرَّ إزَارَهُ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إلَّا الْمَخِيلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْخُيَلَاءُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا أَيْضًا وَبِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ مَمْدُودٌ هُوَ الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ. وَالْمَخِيلَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الِاخْتِيَالِ وَهُوَ الْكِبْرُ وَاسْتِحْقَارُ النَّاسِ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَجُرُّ إزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . قَوْلُهُ يَتَجَلْجَلُ بِجِيمَيْنِ أَيْ يَغُوصُ وَيَنْزِلُ فِيهَا. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «بَيْنَا رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَ فِي بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ يَخْتَالُ فِيهِمَا أَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ رَأْسَهُ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ إذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَالْبَزَّارُ عَنْ جَابِرٍ أَحْسَبُهُ رَفَعَهُ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ فَتَبَخْتَرَ أَوْ اخْتَالَ فِيهَا فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي مُبْهَمَاتِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ الْهَيْزَنُ، وَأَنَّهُ مِنْ أَعْرَابِ
стр. 680
فَارِسَ وَقِيلَ هُوَ قَارُونُ انْتَهَى.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى اللَّهِ كَرِيمًا» .
وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلِلَّهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ بِعَدَدِ شُعُورِ غَنَمِ كَلْبٍ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ فِيهَا إلَى مُشْرِكٍ، وَلَا إلَى سَاحِرٍ، وَلَا إلَى قَاطِعِ رَحِمٍ، وَلَا إلَى مُسْبِلٍ، وَلَا إلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، وَلَا إلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ»
وَأَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَقَالَ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْهُ مَوْقُوفًا «مَنْ أَسْبَلَ إزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَمٍ» .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَضْعَافُهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ تَدُلُّ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى تَحْرِيمِ الْخُيَلَاءِ وَالْإِسْبَالِ كِبْرًا.
فَإِنْ قُلْت: حَيْثُ كَانَ الْإِسْبَالُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَا عُذْرُ النَّاظِمِ فِي جَعْلِهِ مَكْرُوهًا مَعَ الْكِبْرِ وَغَيْرَ مَكْرُوهٍ بِلَا كِبْرٍ؟ ،.
قُلْت: النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَقُولُ إنَّ الْكِبْرَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي نَفْسِ الْإِسْبَالِ هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ لَا.
وَأَمَّا الْكِبْرُ فَحَرَامٌ بِلَا شَكٍّ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْإِسْبَالَ خُيَلَاءَ حَرَامٌ أَيْضًا.
مَطْلَبٌ: فِي ذِكْرِ بَعْضِ مَثَالِبِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ
وَاسْتَمِعْ الْآنَ إلَى بَعْضِ مَثَالِبِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمَا وَمِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُوجِبُ غَضَبًا وَإِعْرَاضًا، وَعَذَابًا وَانْقِبَاضًا، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» .
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْعُتُلُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ هُوَ الْغَلِيظُ الْجَافِي.
وَالْجَوَّاظُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْجَمُوعُ الْمَنُوعُ، وَقِيلَ الضَّخْمُ الْمُخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ، وَقِيلَ: الْقَصِيرُ الْبَطِينُ.
стр. 681
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» .
وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ : الْعِزُّ إزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعْنِي عَذَّبْتُهُ» . وَرَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ مِنْ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظٍ «يَقُولُ اللَّهُ : الْعِزُّ إزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «ثَلَاثَةٌ لَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرُ، وَإِزَارَهُ الْعِزُّ، وَرَجُلٌ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» .
وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ عِبَادِ اللَّهِ؟ الْفَظُّ الْمُسْتَكْبِرُ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ؟ الضَّعِيفُ الْمُسْتَضْعَفُ ذُو الطِّمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ جَابِرٍ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» .
الْعَائِلُ بِالْمَدِّ هُوَ الْفَقِيرُ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ عَلَى الْمَرْوَةِ فَتَحَدَّثَا، ثُمَّ مَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَبْكِي،
стр. 682
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ هَذَا يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ فِي النَّارِ» وَرُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ رُوَاةُ الصَّحِيحِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ صَحِيحَةٍ أَيْضًا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إنْسَانٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ فِي السُّوقِ، وَعَلَيْهِ حُزْمَةٌ مِنْ حَطَبٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يَحْمِلُك عَلَى هَذَا، وَقَدْ أَغْنَاك اللَّهُ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَدْفَعَ الْكِبْرَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ مِنْ كِبْرٍ» وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ جَابِرٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الثَّرْثَارُ بِثَاءَيْنِ مُثَلَّثَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَكْرِيرِ الرَّاءِ هُوَ الْكَثِيرُ الْكَلَامِ تَكَلُّفًا.
وَالْمُتَشَدِّقُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِمِلْءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَعَاظُمًا وَاسْتِعْلَاءً. وَهُوَ مَعْنَى الْمُتَفَيْهِقِ أَيْضًا.
وَتَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخُلُقِ الْحَسَنِ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَان، يُسَاقُونَ إلَى سَجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» .
بُولَسُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ.
وَالْخَبَالُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي مَرْفُوعِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ.
стр. 683
وَفِي الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يُجَاءُ بِالْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ رِجَالٌ فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ النَّاسُ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ قَالَ: ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى نَارِ الْأَنْيَارِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نَارُ الْأَنْيَارِ؟ قَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» .
بَطَرُ الْحَقِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ جَمِيعًا هُوَ دَفْعُهُ وَرَدُّهُ.
وَغَمْطُ النَّاسِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ وَكَذَلِكَ غَمْصُهُمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَاللَّفْظُ لَهُ وَرُوَاتُهُ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَاكِمُ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ أَوْ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ ﵎ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ غَرِيبٌ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا وَلَهَا وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَطَغَى وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشَّهَوَاتِ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ» .
وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ الْعُجْبُ» .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ " لَبِسْتُ مَرَّةً دِرْعًا جَدِيدًا فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَيْهِ، وَأَعْجَبُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا دَخَلَهُ
стр. 684
الْعُجْبُ بِزِينَةِ الدُّنْيَا مَقَتَهُ رَبُّهُ حَتَّى يُفَارِقَ تِلْكَ الزِّينَةَ؟ قَالَتْ فَنَزَعْتُهُ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَسَى ذَلِكَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكِ
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الْعُجْبِ، وَبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِبْرِ.
تَنْبِيهَاتٌ:
(الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعُجْبُ بِالضَّمِّ: الزَّهْوُ وَالْكِبْرُ.
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الْكِبْرِ: هُوَ مُعَظِّمُ الشَّيْءِ وَالشَّرَفُ وَيُضَمُّ، وَالْإِثْمُ الْكَبِيرُ، كَالْكِبْرَةِ، بِالْكَسْرِ الرِّفْعَةِ فِي الشَّرَفِ وَالْعَظَمَةِ، وَالتَّجَبُّرُ كَالْكِبْرِيَاءِ، وَقَدْ تَكَبَّرَ وَاسْتَكْبَرَ وَتَكَابَرَ، وَكَصُرَدٍ جَمْعُ الْكُبْرَى. انْتَهَى.
فَقَدْ فَسَّرَ الْعُجْبَ بِالْكِبْرِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا فَسَّرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا دَقِيقًا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ فَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ الْكِبْرَ خُلُقٌ بَاطِنٌ يَصْدُرُ عَنْهُ أَعْمَالٌ، وَذَلِكَ الْخُلُقُ هُوَ رُؤْيَةُ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُهُ الْعُجْبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْكِبْرَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، وَالْعُجْبُ يُتَصَوَّرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ غَيْرُ الْمُعْجَبِ.
وَالْمُتَكَبِّرِ يَرَى نَفْسَهُ أَعْلَى مِنْ الْغَيْرِ فَتَحْصُلُ لَهُ هِزَّةٌ وَفَرَحٌ، وَرُكُونٌ لَهُ إلَى مَا اعْتَقَدَهُ، وَذَلِكَ نَفْخُ الشَّيْطَانِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الشَّيْطَانِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ قَالَ: هَمْزُهُ الْمَوْتَةُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرِيَاءُ» . .
مَطْلَبٌ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَهَابَةِ وَالْكِبْرِ
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرَّوْحِ الْكُبْرَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَهَابَةِ وَالْكِبْرِ: إنَّ الْمَهَابَةَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ، فَإِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ بِذَلِكَ حَلَّ فِيهِ النُّورُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأُلْبِسَ رِدَاءَ الْهَيْبَةِ، فَاكْتَسَى وَجْهُهُ الْحَلَاوَةَ وَالْمَهَابَةَ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ مَحَبَّةً وَمَهَابَةً، فَحَنَّتْ إلَيْهِ الْأَفْئِدَةُ، وَقَرَّتْ بِهِ الْعُيُونُ، وَأَنِسَتْ بِهِ الْقُلُوبُ، فَكَلَامُهُ نُورٌ، وَمَدْخَلُهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَعِلْمُهُ نُورٌ، إنْ سَكَتَ عَلَاهُ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَخَذَ بِالْقُلُوبِ وَالْأَسْمَاعِ.
стр. 685
قَالَ: وَأَمَّا الْكِبْرُ فَأَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْعُجْبِ وَالْبَغْيِ مِنْ قَلْبٍ قَدْ امْتَلَأَ بِالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، تَرَحَّلَتْ مِنْهُ الْعُبُودِيَّةُ وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْمَقْتُ، فَنَظَرُهُ إلَى النَّاسِ شَزْرٌ، وَمَشْيُهُ بَيْنَهُمْ تَبَخْتُرٌ، وَمُعَامَلَتُهُ لَهُمْ مُعَامَلَةُ الِاسْتِيثَارِ لَا الْإِيثَارِ، وَلَا الْإِنْصَافِ، ذَاهِبٌ بِنَفْسِهِ تِيهًا، لَا يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ رَأَى أَنَّهُ قَدْ بَالَغَ فِي الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، لَا يَنْطَلِقُ لَهُمْ وَجْهُهُ، وَلَا يَسَعُهُمْ خُلُقُهُ، وَلَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، وَيَرَى حُقُوقَهُ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يَرَى فَضْلَهُمْ عَلَيْهِ، وَيَرَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَزْدَادُ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا، وَلَا مِنْ النَّاسِ إلَّا صَغَارًا وَبُغْضًا. .
مَطْلَبٌ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيَانَةِ وَالتَّكَبُّرِ
وَقَالَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيَانَةِ وَالتَّكَبُّرِ: إنَّ الصَّائِنَ لِنَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَدْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا نَقِيَّ الْبَيَاضِ ذَا ثَمَنٍ، فَهُوَ يَدْخُلُ بِهِ عَلَى الْمُلُوكِ فَمَنْ دُونَهُمْ، فَهُوَ يَصُونُهُ عَنْ الْوَسَخِ وَالْغُبَارِ، وَالطُّبُوعِ وَأَنْوَاعِ الْآثَارِ إبْقَاءً عَلَى بَيَاضِهِ وَنَقَائِهِ، إلَى آخِرِ كَلَامِهِ قَالَ: بِخِلَافِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَإِنَّهُ، وَإِنْ شَابَهُ هَذَا فِي تَعَزُّزِهِ وَتَجَنُّبِهِ فَهُوَ يَقْصِدُ أَنْ يَعْلُوَ رِقَابَهُمْ وَيَجْعَلَهُمْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَهَذَا لَوْنٌ وَذَاكَ لَوْنٌ، فَجَعَلَ الْكِبْرَ أَثَرًا مِنْ آثَارِ الْعُجْبِ وَثَمَرَةً مِنْ ثَمَرَاتِهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ الْعُجْبَ، فَإِنَّ مَنْ أُعْجِبَ بِشَيْءٍ تَكَبَّرَ بِهِ.
قَالَ فِي تَعْرِيفِ التِّيهِ: هُوَ خُلُقٌ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِزْرَاؤُهُ بِغَيْرِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْ بَيْنِ هَذَيْنِ التِّيهُ.
(الثَّانِي) : قَوْلُهُ ﷺ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ذَكَرْت طَرَفًا مِنْهَا «الْعِزُّ إزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي» عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجُمُوعٌ: إنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ صِفَتَانِ لِلَّهِ اُخْتُصَّ بِهِمَا فَلَا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَتَعَاطَاهُمَا، لِأَنَّ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ التَّوَاضُعُ وَالذُّلُّ، وَضَرَبَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ مَ وَجَلَّ اُخْتُصَّ بِهِمَا فَلَا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَتَعَاطَاهُمَا، لِأَنَّ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ التَّوَاضُعُ وَالذُّلُّ، وَضَرَبَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ مَثَلًا يَقُولُ كَمَا لَا يَشْرَكُ الْإِنْسَانَ فِي رِدَائِهِ وَإِزَارِهِ أَحَدٌ فَكَذَلِكَ لَا يَشْرَكُنِي فِي الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ مَخْلُوقٌ. .
مَطْلَبٌ: التَّكَبُّرُ عَلَى الْخَلْقِ قِسْمَانِ، وَفِيهِ كَلَامٌ نَفِيسٌ
(الثَّالِثُ) :: التَّكَبُّرُ عَلَى الْخَلْقِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا التَّكَبُّرُ عَلَى
стр. 686
الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، مِنْ جِهَةِ تَرَفُّعِ النَّفْسِ عَنْ الِانْقِيَادِ لِلْبَشَرِ، وَرُبَّمَا عَرَفَتْ النُّفُوسُ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ وَمَا جَاءُوا بِهِ فَيَمْنَعُهَا الْكِبْرُ عَنْ الِانْقِيَادِ وَالِانْفِعَالِ لَهُمْ، وَهَذَا كُفْرٌ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: التَّكَبُّرُ عَلَى الْخَلْقِ سِوَى مَنْ قَدَّمْنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ عَظِيمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ لَا تَلِيقُ إلَّا بِالْمَلِكِ الْقَادِرِ لَا بِالْعَبْدِ الْعَاجِزِ.
ثُمَّ إنَّهُ يَتَكَبَّرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ وَلَا خَلَقَ شَيْئًا مِنْهُ، وَأَمْرُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ.
إنْ أُعْجِبَ بِجَمَالِهِ فَجَمَالُهُ لَيْسَ هُوَ مَنْ صَنَعَهُ.
أَوْ بِعِلْمِهِ فَعِلْمُهُ لَيْسَ مِنْ وُسْعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَقَّلُ كَيْفَ يَعْلَقُ الْعِلْمُ بِالْقَلْبِ، وَلَا يُدْرِكُ كَيْفَ يَعْقِلُ فِي الْحَافِظَةِ، وَلَا يُحِيطُ بِكُنْهِ حَقَائِقِ الْحُرَّاسِ الْبَاطِنَةِ.
وَمَنْ كَانَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ يَعْجَبُ وَيَتَكَبَّرُ؟ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكِبْرَ يَدْعُو إلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَأْنَفُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.
وَلِذَا قَالَ ﵇ «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» وَرُبَّمَا تَكَبَّرَ الْعَالِمُ وَاحْتَقَرَ النَّاسَ، وَيَرَى أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ أَعْلَى مِنْهُمْ مَنْزِلَةً، وَلَيْسَ هَذَا بِعَالِمٍ بَلْ ظَالِمٌ، لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الَّذِي يُعَرِّفُ الْإِنْسَانَ نَفْسَهُ، وَيُعَلِّمُهُ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَزِيدُهُ خَوْفًا.
وَلِذَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ مَنْ ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ وَجَعًا.
وَرُبَّمَا كَانَ الْعِلْمُ حُجَّةً عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرُبَّمَا تَكَبَّرَ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ، وَلَعَلَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وَرُبَّمَا تَكَبَّرَ صَاحِبُ النَّسَبِ بِنَسَبِهِ وَنَسِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَرُبَّمَا تَكَبَّرَ الْغَنِيُّ بِغِنَاهُ، وَلَوْ عَرَفَ الْمِسْكِينُ آفَةَ الْغِنَى وَشَرَفَ الْفَقْرِ، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى الْكَافِرَ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ، وَأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ إلَى الْجَنَّةِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، لَمَا تَكَبَّرَ بِهَا. .
مَطْلَبٌ: الْكِبْرُ الَّذِي لَا يُدْخِلُ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ هُوَ كِبْرُ الْكُفْرِ.
(الرَّابِعُ) : تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ.
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: الْكِبْرُ غَايَةُ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَذُو الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُخَلَّدٍ فِي النَّارِ، وَلَا تُوجِبُ دُخُولَهُ لَهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا إذَا مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا.
стр. 687
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّا نَعْنِي بِالْكِبْرِ الَّذِي لَا يُدْخِلُ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ كِبْرَ الْكُفْرِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَتَكَبَّرُ عَلَى الْخَالِقِ لِفَرْطِ جَهْلِهِ فَيَكْفُرُ بِهِ، وَلَا يَعْبُدُهُ، وَرُبَّمَا تَكَبَّرَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَهَذَا كَافِرٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَبَدًا.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» يَعْنِي كِبْرَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَابَلَهُ فِي نَقِيضِهِ بِالْإِيمَانِ فَقَالَ: وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ، أَرَادَ دُخُولَ تَأْبِيدٍ.
وَقِيلَ: أَرَادَ إذَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ نُزِعَ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ الْكِبْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مِنْ بَطَرِ الْحَقِّ» هَذَا الْحَدِيثُ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ ذُو الْكِبْرِ، أَوْ لَكِنْ الْكِبْرُ كِبْرُ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] .
انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ مَنْشَأِ الْعُجْبِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُقَلَاءِ .
(الْخَامِسُ) : الْعَجَبُ إنَّمَا يَكُونُ وَيُوجَدُ مِنْ الْإِنْسَانِ لِاسْتِشْعَارِ وَصْفِ كَمَالٍ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ اسْتَعْظَمَهُ فَكَأَنَّهُ يَمُنُّ عَلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَرُبَّمَا ظَنَّ أَنَّهَا جَعَلَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَوْضِعًا، وَأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْجَبَ بِهَا جَزَاءً، وَيَكُونُ قَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ، فَقَدْ قَالَ ﵊ «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحُّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» وَرُبَّمَا مَنَعَهُ عُجْبُهُ مِنْ الِازْدِيَادِ، وَلِهَذَا قَالُوا: عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ.
وَمَا أَضَرَّ الْعُجْبَ بِالْمَحَاسِنِ.
وَسَبَبُ الْعُجْبِ وَعِلَّتُهُ الْجَهْلُ الْمَحْضُ.
وَمَنْ أُعْجِبَ بِطَاعَتِهِ مَثَلًا فَمَا فَهِمَ أَنَّهَا بِالتَّوْفِيقِ حَصَلَتْ.
فَإِنْ قَالَ: رَآنِي أَهْلًا لَهَا فَوَفَّقَنِي.
قِيلَ لَهُ: فَتِلْكَ نِعْمَةٌ مِنْ مَنِّهِ وَفَضْلِهِ فَلَا تُقَابَلُ بِالْإِعْجَابِ.
وَفِي صَيْدِ الْخَاطِرِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ - طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ -: إذَا تَمَّ عِلْمُ الْإِنْسَانِ لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ عَمَلًا، وَلَمْ يُعْجَبْ بِهِ لِأَشْيَاءَ: مِنْهَا أَنَّهُ وُفِّقَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَحَبَّبَ إلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا قِيسَ بِالنِّعَمِ لَمْ يَفِ
стр. 688
بِمِعْشَارِ عُشْرِهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا لُوحِظَتْ عَظَمَةُ الْمَخْدُومِ اُحْتُقِرَ كُلُّ عَمَلٍ وَتَعَبُّدٍ.
هَذَا إذَا سَلِمَ مِنْ شَائِبَةٍ وَخَلَصَ مِنْ غَفْلَةٍ، فَأَمَّا وَالْغَفَلَاتُ تُحِيطُ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَلِّبَ الْحَذَرَ مِنْ رَدِّهِ وَيَخَافَ الْعِقَابَ عَلَى التَّقْصِيرِ فِيهِ فَيَشْتَغِلَ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهِ، وَتَأَمَّلْ عَلَى الْفُطَنَاءِ أَحْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ.
فَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ قَالُوا: مَا عَبَدْنَاك حَقَّ عِبَادَتِك.
وَالْخَلِيلُ ﵊ يَقُولُ ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وَمَا دَلَّ بِصَبْرِهِ عَلَى النَّارِ وَتَسْلِيمِهِ الْوَلَدَ إلَى الذَّبْحِ.
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَا مِنْكُمْ مَنْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
وَعُمَرُ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعًا عَلَى الْأَرْضِ لَافْتَدَيْت بِهَا مِنْ هَوْلِ مَا أَمَامِي قَبْلَ (أَنْ) أَعْلَمَ مَا الْخَبَرُ.
وَابْنُ مَسْعُودٍ: يَقُولُ: وَدِدْت إذْ مِتُّ لَا أُبْعَثُ.
وَعَائِشَةُ تَقُولُ: لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا.
وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ صُلَحَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ مَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْإِفْهَامِ لِمَا شَرَحْته؛ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَعْمَالِهِمْ فَأَدَلُّوا بِهَا.
مَطْلَبٌ: حِكَايَةُ الْعَابِدِ.
فَمِنْهُ حَدِيثُ الْعَابِدِ الَّذِي تَعَبَّدَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ فِي جَزِيرَةٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً، وَسَأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يُمِيتَهُ فِي سُجُودِهِ، فَإِذَا حُشِرَ قِيلَ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، قَالَ بَلْ بِعَمَلِي، فَيُوزَنُ جَمِيعُ عَمَلِهِ بِنِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَفِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بِرَحْمَتِك.
قُلْت: هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هَرِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. قَالَ جَابِرٌ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللَّهَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ، عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَأَخْرَجَ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبُعِ تَبِضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ، فَيَسْتَنْقِعُ فِي
стр. 689
أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ فَسَأَلَ رَبَّهُ عِنْدَ وَقْتِ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ، وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى يَبْعَثَهُ، وَهُوَ سَاجِدٌ قَالَ فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إذَا هَبَطْنَا، وَإِذَا خَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي فَيَقُولُ اللَّهُ: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ، فَيُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ فَيُجَرُّ إلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِك أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: رُدُّوهُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَك، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاك لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَك فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ، وَأَخْرَجَ لَك الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنْ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَك كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً، وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَهُ أَنْ يَقْبِضَك سَاجِدًا فَفَعَلَ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ قَالَ: فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي، وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُك الْجَنَّةَ، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ جِبْرِيلُ: إنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ» .
مَطْلَبٌ: حِكَايَةُ مَنْ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ الصَّخْرَةُ.
وَفِيهِ كَلَامٌ نَفِيسٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْغَارِ الَّذِينَ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ الصَّخْرَةُ وَقَدْ قَدَّمْت حَدِيثَهُمْ.
قَالَ: فَإِنَّ أَحَدَهُمْ تَوَسَّلَ بِعَمَلٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى الزِّنَا ثُمَّ خَافَ الْعُقُوبَةَ فَتَرَكَهُ.
فَلَيْتَ شِعْرِي بِمَاذَا يُدِلُّ مَنْ خَافَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى شَيْءٍ فَتَرَكَهُ لِخَوْفِ الْعُقُوبَةِ إنَّمَا لَوْ كَانَ مُبَاحًا فَتَرَكَهُ كَانَ فِيهِ مَا فِيهِ.
وَلَوْ فَهِمَ لَشَغَلَهُ خَجَلُ التُّهْمَةِ عَنْ الْإِدْلَالِ كَمَا قَالَ يُوسُفُ ﵇.
وَالْآخَرُ تَرَكَ صِبْيَانَهُ يَتَضَاغَوْنَ إلَى الْفَجْرِ لِيَسْقِيَ أَبَوَيْهِ اللَّبَنَ.
وَفِي ضِمْنِ هَذَا الْبِرِّ أَذًى
стр. 690
لِلْأَطْفَالِ.
قَالَ: وَلَكِنَّ الْفَهْمَ عَزِيزٌ.
وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أَحْسَنُوا قَالَ لِسَانُ الْحَالِ: أَعْطُوهُمْ مَا طَلَبُوا فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أُجْرَةَ مَا عَمِلُوا.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْلَا عِزَّةُ الْفَهْمِ مَا تَكَبَّرَ مُتَكَبِّرٌ عَلَى جِنْسِهِ، وَلَكَانَ كُلُّ كَامِلٍ خَائِفًا مُحْتَقِرًا لِعَمَلِهِ حَذِرًا مِنْ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ مَا أُنْعِمَ عَلَيْهِ.
وَفَهْمُ هَذَا الْمَشْرُوحِ يُنَكِّسُ رَأْسَ الْكِبْرِ وَيُوجِبُ مُسَاكَنَةَ الذُّلِّ.
وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: عَجِبْت لِمَنْ يَعْجَبُ بِصُورَتِهِ، وَيَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ، وَيَنْسَى مَبْدَأَ أَمْرِهِ، إنَّمَا أَوَّلُهُ لُقْمَةٌ ضَمَّتْ إلَيْهَا جَرْعَةَ مَاءٍ، فَإِنْ شِئْت فَقُلْ كِسْرَةَ خُبْزٍ مَعَهَا تَمَرَاتٌ، وَقِطْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ، وَمَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَجَرْعَةٌ مِنْ مَاءٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، طَبَخَتْهُ الْكَبِدُ، فَأَخْرَجَتْ مِنْهُ قَطَرَاتِ مَنِيٍّ فَاسْتَقَرَّتْ فِي الْأُنْثَيَيْنِ، فَحَرَّكَتْهَا الشَّهْوَةُ، فَبَقِيَتْ فِي بَطْنِ الْأُمِّ مُدَّةً حَتَّى تَكَامَلَتْ صُورَتُهَا، فَخَرَجَتْ طِفْلًا تَتَقَلَّبُ فِي خِرَقِ الْبَوْلِ.
وَأَمَّا آخِرُهُ فَإِنَّهُ يُلْقَى فِي التُّرَابِ فَيَأْكُلُهُ الدُّودُ، وَيَصِيرُ رُفَاتًا تَسْفِيهِ السَّوَافِي.
وَكَمْ يَخْرُجُ تُرَابُ بَدَنِهِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان آخَرَ، وَيُقَلَّبُ فِي أَحْوَالٍ إلَى أَنْ يَعُودَ فَيُجْمَعَ.
وَأَمَّا الرُّوحُ فَإِنْ تَجَوْهَرَتْ بِالْأَدَبِ، وَتَقَوَّمَتْ بِالْعِلْمِ، وَعَرَفَتْ الصَّانِعَ، وَقَامَتْ بِحَقِّهِ، فَلَا يَضُرُّهَا نَقْضُ الْمُرَكَّبِ.
وَإِنْ هِيَ بَقِيَتْ عَلَى طَبْعِهَا مِنْ الْجَهَالَةِ شَابَهَتْ الطِّينَ، بَلْ صَارَتْ إلَى أَخَسِّ حَالَةٍ مِنْهُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: اعْتَبَرْتُ عَلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ أَنَّهُمْ يُبْطِنُونَ الْكِبْرَ.
فَهَذَا يَنْظُرُ فِي مَوْضِعِهِ وَارْتِفَاعِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَعُودُ مَرِيضًا فَقِيرًا يَرَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْهُ، حَتَّى رَأَيْتُ جَمَاعَةً يُومَأُ إلَيْهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا أُدْفَنُ إلَّا فِي دِكَّةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَيَعْلَمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرَ عِظَامِ الْمَوْتَى، ثُمَّ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ادْفِنُونِي إلَى جَانِبِ مَسْجِدِي ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ مَوْتِهِ مَزُورًا كَمَعْرُوفٍ، وَلَا يَعْلَمُونَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ تَكَبَّرَ» وَقَلَّ مَا رَأَيْتُ إلَّا وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ.
وَالْعُجْبُ كُلُّ الْعُجْبِ مِمَّنْ يَرَى نَفْسَهُ.
أَتُرَاهُ بِمَاذَا رَآهَا.
إنْ كَانَ بِالْعِلْمِ فَقَدْ
стр. 691
سَبَقَهُ الْعُلَمَاءُ.
أَوْ بِالتَّعَبُّدِ فَقَدْ سَبَقَهُ الْعُبَّادُ.
أَوْ بِالْمَالِ فَالْمَالُ لَا يُوجِبُ بِنَفْسِهِ فَضِيلَةً دِينِيَّةً.
فَإِنْ قَالَ: عَرَفْت مَا لَمْ يَعْرِفْ غَيْرِي مِنْ الْعِلْمِ فِي زَمَنِي فَمَا عَلَيَّ مِمَّنْ تَقَدَّمَ.
قِيلَ لَهُ: مَا نَأْمُرُك يَا حَافِظَ الْقُرْآنِ أَنْ تَرَى نَفْسَك فِي الْحِفْظِ كَمَنْ يَحْفَظُ النِّصْفَ، وَلَا يَا فَقِيهُ أَنْ تَرَى نَفْسَك فِي الْعِلْمِ كَالْعَامِّيِّ إنَّمَا نَحْذَرُ عَلَيْك أَنْ تَرَى نَفْسَك خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُؤْمِنِ وَإِنْ قَلَّ عِلْمُهُ، فَإِنَّ الْخَيْرِيَّةَ بِالْمَعَانِي لَا بِصُوَرِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ خِصَالَ نَفْسِهِ وَذُنُوبَهَا عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الذُّنُوبِ وَالتَّقْصِيرِ، وَهُوَ مِنْ حَالِ غَيْرِهِ عَلَى شَكٍّ، فَاَلَّذِي نَحْذَرُ مِنْهُ الْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ وَرُؤْيَةُ التَّقَدُّمِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ.
وَالْمُؤْمِنُ لَا يَزَالُ يَحْتَقِرُ نَفْسَهُ.
وَقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إنْ مِتَّ نَدْفِنُك فِي حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَأَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِكُلِّ ذَنْبٍ غَيْرِ الشِّرْكِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى نَفْسِي أَهْلًا لِذَلِكَ.
قَالَ - أَيْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -: وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الرُّهْبَانِ رَأَى فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: فُلَانٌ الْإِسْكَافُ خَيْرٌ مِنْك، فَنَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَجَاءَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ كَبِيرَ عَمَلٍ.
فَقِيلَ لَهُ فِي الْمَنَامِ عُدْ إلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ: مِمَّ صُفْرَةُ وَجْهِك؟ فَعَادَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْت مُسْلِمًا إلَّا وَظَنَنْتُهُ خَيْرًا مِنِّي، فَقِيلَ لَهُ: فَبِذَاكَ ارْتَفَعَ. انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: الْعُجْبُ وَالْكِبْرُ مَذْمُومَانِ شَرْعًا وَطَبْعًا
(السَّادِسُ) : الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ مَذْمُومَانِ شَرْعًا وَطَبْعًا أَمَّا الشَّرْعُ فَقَدْ عَلِمْتَ دَلِيلَهُ.
وَأَمَّا الطَّبْعُ فَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا مِمَّا مَرَّ وَنَزِيدُك أَيْضًا وُضُوحًا أَنَّ الْكِبْرَ حَرَكَاتٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَخَطَرَاتٌ نَفْسَانِيَّةٌ يَتَرَكَّبُ مِنْ رُؤْيَةِ قَدْرِهِ، وَنُفُوذِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُصُورِ غَيْرِهِ مِنْ حَالِهِ، وَيُورِثُهُ اسْتِكْبَارًا عَنْ الْحَقِّ إذَا طُولِبَ بِهِ، وَإِقَامَةَ الْمَعَاذِيرِ لِنَفْسِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَالْغَيْبَةَ عَنْ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ الَّذِي هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ لَاحَظَ ذَلِكَ لَذَلَّتْ نَفْسُهُ، وَاعْتَدَلَ كِبْرُهُ، وَصَارَ عِزَّةً؛ إذْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَظُهُورُ صِفَاتِ النَّفْسِ غَالِبًا لَا يَجْتَمِعَانِ، اللَّهُمَّ إلَّا فِي نَاقِصِ الْبَصِيرَةِ، بِحَيْثُ يُبْصِرُ أَمْرًا وَيَغِيبُ عَنْ آخَرَ، فَقَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ
стр. 692
الْعَمَى مَا يَخْلُفُهُ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ الْوَاسِطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَلِأَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْكِبْرِ أَنْ يَطْلُبَ إقَامَةَ جَاهِهِ، وَكَسْرَ غَيْرِهِ، وَالِانْتِقَامَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَذْكُرَ أَحَدًا إلَّا انْتَقَصَهُ، وَذَكَرَ عُيُوبَهُ، وَنَسِيَ فَضَائِلَهُ، وَأَظْهَرَ فَضَائِلَ نَفْسِهِ، وَكُلُّ هَذَا مَذْمُومٌ طَبْعًا.
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمَا عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي اقْتِفَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نَوْعَيْ الِاسْتِطَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَطِيلَ إنْ اسْتَطَالَ بِحَقٍّ فَهُوَ الْمُفْتَخِرُ، وَإِنْ اسْتَطَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ الْبَاغِي.
فَلَا يَحِلُّ لَا هَذَا، وَلَا هَذَا.
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(تَتِمَّةٌ) فِي فَوَائِدَ تَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ:
مَطْلَبٌ: التَّوَاضُعُ مَحْمُودٌ شَرْعًا وَطَبْعًا .
(الْأُولَى) : التَّوَاضُعُ مَحْمُودٌ شَرْعًا وَطَبْعًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَا تَوَاضَعَ لِلَّهِ أَحَدٌ إلَّا رَفَعَهُ» .
وَعَنْ نَصِيحٍ الْعَنْسِيِّ عَنْ رَكْبٍ الْمِصْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وَذَلَّ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَأَنْفَقَ مَالًا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ، وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ طُوبَى لِمَنْ طَابَ كَسْبُهُ وَصَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَكَرُمَتْ عَلَانِيَتُهُ، وَعَزَلَ عَنْ النَّاسِ شَرَّهُ طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَقَدْ حَسَّنَهُ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً يَرْفَعُهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً يَضَعُهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ» زَادَ ابْنُ حِبَّانَ «وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ عَلَيْهَا بَابٌ وَلَا كُوَّةٌ لَخَرَجَ مَا غَيَّبَهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» .
стр. 693
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَرُوَاتُهُمَا مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا رَفَعَهُ قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ ﵎: مَنْ تَوَاضَعَ لِي هَكَذَا، وَجَعَلَ يَزِيدُ بَاطِنَ كَفِّهِ إلَى الْأَرْضِ وَأَدْنَاهَا رَفَعْتُهُ هَكَذَا، وَجَعَلَ بَاطِنَ كَفِّهِ إلَى السَّمَاءِ وَرَفَعَهَا نَحْوَ السَّمَاءِ» .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ تَوَاضَعُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ قَالَ انْتَعِشْ نَعَشَك اللَّهُ فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ وَفِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ قَصَمَهُ اللَّهُ وَقَالَ اخْسَأْ فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ» . وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إلَّا فِي رَأْسِهِ حَكَمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ ارْفَعْ حَكَمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ ضَعْ حَكَمَتَهُ»
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْحَكَمَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ هِيَ مَا يُجْعَلُ فِي رَأْسِ الدَّابَّةِ كَاللِّجَامِ وَنَحْوِهِ.
وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَوَاضَعَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ رَفَعَهُ اللَّهُ. وَمَنْ ارْتَفَعَ عَلَيْهِ وَضَعَهُ اللَّهُ» .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا حَسَبَ إلَّا فِي التَّوَاضُعِ، وَلَا نَسَبَ إلَّا بِالتَّقْوَى، وَلَا عَمَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا عِبَادَةَ إلَّا بِالْيَقِينِ» .
وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلْيَطْلُبْ بِالتَّوَاضُعِ شُكْرَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَكُورًا حَتَّى يَكُونَ مُتَوَاضِعًا» .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ " إنَّ مِنْ التَّوَاضُعِ الرِّضَا بِالدُّونِ مِنْ شَرَفِ الْمَجْلِسِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَقِيتَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ " كَانَ يُقَالُ: الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَالْكَرَمُ فِي التَّقْوَى، وَالشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ ".
وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ﵇ يَجْلِسُ فِي أَوْضَعِ مَجَالِسِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَيَقُولُ: مِسْكِينٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مَسَاكِينَ.
стр. 694
وَكَانَ يُقَالُ: ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الرَّاحَةُ، وَثَمَرَةُ التَّوَاضُعِ الْمَحَبَّةُ.
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إذَا سُئِلَ الشَّرِيفُ تَوَاضَعَ، وَإِذَا سُئِلَ الْوَضِيعُ تَكَبَّرَ.
وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرَ: وَجَدْنَا التَّوَاضُعَ مَعَ الْجَهْلِ وَالْبُخْلِ، أَحْمَدَ مِنْ الْكِبْرِ مَعَ الْأَدَبِ وَالسَّخَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ لِلرَّشِيدِ: تَوَاضُعُك فِي شَرَفِك أَفْضَلُ مِنْ شَرَفِك.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
الْكِبْرُ ذُلٌّ وَالتَّوَاضُعُ رِفْعَةٌ ... وَالْمَزْحُ وَالضَّحِكُ الْكَثِيرُ سُقُوطُ
وَالْحِرْصُ فَقْرٌ وَالْقَنَاعَةُ عِزَّةٌ ... وَالْيَأْسُ مِنْ صُنْعِ الْإِلَهِ قُنُوطُ
وَقِيلَ: التَّوَاضُعُ سُلَّمُ الشَّرَفِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ شَمَخَتْ الْجِبَالُ، وَتَوَاضَعَ الْجُودِيُّ فَرَفَعَهُ فَوْقَ الْجِبَالِ وَجَعَلَ قَرَارَ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ فَسُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّةِ جَبَرُوتِ عَظَمَتِهِ، وَخَضَعَ لِجَلَالِ عَظِيمِ حِكْمَتِهِ.
مَطْلَبٌ: التَّوَاضُعُ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ مَذْمُومٌ .
(الثَّانِيَةُ) مِنْ التَّوَاضُعِ الْمَذْمُومِ تَوَاضُعُك لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ خَضَعَ لِغَنِيٍّ وَوَضَعَ لَهُ نَفْسَهُ إعْظَامًا وَطَمَعًا فِيمَا قِبَلَهُ ذَهَبَ ثُلُثَا مُرُوءَتِهِ وَشَطْرُ دِينِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ وَاهِيَةٍ حَتَّى ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَكُلُّ مَا يُرْوَى بِمَعْنَى ذَلِكَ فَهُوَ وَاهٍ. قَالَهُ فِي التَّمْيِيزِ. وَفِي الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وَجَدْت فِي التَّوْرَاةِ أَرْبَعَةَ أَسْطُرٍ مُتَوَالِيَاتٍ إحْدَاهُنَّ مَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَغْفِرَ لَهُ فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ. الثَّانِيَةُ: وَمَنْ شَكَا مُصِيبَتَهُ فَإِنَّمَا شَكَا رَبَّهُ. الثَّالِثَةُ: مَنْ حَزِنَ عَلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ فَقَدْ سَخِطَ قَضَاءَ رَبِّهِ. وَالرَّابِعَةُ: مَنْ تَضَعْضَعَ لِغَنِيٍّ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ.
стр. 695
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ -: التَّكَبُّرُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ تَوَاضُعٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ: أَظْلَمُ النَّاسِ لِنَفْسِهِ مَنْ تَوَاضَعَ لِمَنْ لَا يُكْرِمُهُ.
مَطْلَبٌ: فِي بَعْضِ حِكَمٍ وَأَشْعَارٍ.
(الثَّالِثَةُ) فِي بَعْضِ حِكَمٍ وَأَشْعَارٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.
قِيلَ - لِبَزَرْجَمْهَرَ -: أَيُّ الْعُيُوبِ أَعْسَرُ؟ قَالَ: الْعُجْبُ وَاللَّجَاجُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْكِبْرُ وَالْإِعْجَابُ يَسْلُبَانِ الْفَضَائِلَ وَيُكْسِبَانِ الرَّذَائِلَ.
وَمَرَّ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمُهَلَّبِ بِمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: يَا بُنَيَّ لَوْ تَرَكْتَ هَذَا الْخُيَلَاءَ لَكَانَ أَجْمَلَ، فَقَالَ أَوَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: أَعْرِفُك مَعْرِفَةً جَيِّدَةً، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ الْعَذِرَةَ.
فَأَرْخَى الْفَتَى رَأْسَهُ وَكَفَّ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْأَحْنَفُ: عَجِبْت لِمَنْ جَرَى فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ.
وَنَظَرَ أَفْلَاطُونُ إلَى رَجُلٍ جَاهِلٍ مُعْجَبٍ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي مِثْلُكَ فِي ظَنِّك، وَأَنَّ أَعْدَائِي مِثْلُك فِي الْحَقِيقَةِ.
وَرَأَى رَجُلًا يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ فَقَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ مِثْلَك فِي نَفْسِك، وَلَا جَعَلَنِي اللَّهُ مِثْلَك فِي نَفْسِهِ.
وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ:
تَتِيهُ وَجِسْمُك مِنْ نُطْفَةٍ ... وَأَنْتَ وِعَاءٌ لِمَا تَعْلَمُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
وَأَحْسَنُ أَخْلَاقِ الْفَتَى وَأَتَمُّهَا ... تَوَاضُعُهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ رَفِيعُ
وَأَقْبَحُ شَيْءٍ أَنْ يَرَى الْمَرْءُ نَفْسَهُ ... رَفِيعًا وَعِنْدَ الْعَالَمِينَ وَضِيعُ
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ يَسَارًا كَتَبَ إلَى بَعْضِ الْوُلَاةِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
لَا تَشْرَهَنَّ فَإِنَّ الذُّلَّ فِي الشَّرَهِ ... وَالْعِزَّ فِي الْحِلْمِ لَا فِي الطَّيْشِ وَالسَّفَهِ
وَقُلْ لِمُغْتَبِطٍ فِي التِّيهِ مِنْ حُمْقٍ ... لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي التِّيهِ لَمْ تَتِهْ
التِّيهُ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ مَنْقَصَةٌ ... لِلْعَقْلِ مَهْلَكَةٌ لِلْعِرْضِ فَانْتَبِهْ
وَلَا سَبِيلَ إلَى اسْتِقْصَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي آفَاتِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَمَدْحِ التَّوَاضُعِ مِنْ الْمَنْثُورِ وَالْمَنْظُومِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ مُخَالَفَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي اللِّبَاسِ]
قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَ) يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ (تَرْكُ) لُبْسِ اللِّبَاسِ
стр. 696
الْمُعَوَّدِ) أَيْ الْمُعْتَادِ لِلُبْسِهِ مِنْ قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَغَيْرِهَا.
وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ غَيْرِ زِيِّ بَلَدِهِ بِلَا عُذْرٍ كَمَا هُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ.
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ مُخَالَفَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي اللِّبَاسِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْبَسَ مَلَابِسَ بَلَدِهِ لِئَلَّا يُشَارَ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ حَامِلًا لَهُمْ عَلَى غَيْبَتِهِ فَيُشَارِكَهُمْ فِي إثْمِ الْغَيْبَةِ لَهُ. وَفِي كِتَابِ التَّوَاضُعِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الشُّهْرَتَيْنِ» ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ) : سُئِلَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ عَنْ طَالِبِ عِلْمٍ تَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ قُرَى الْبَرِّ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إلَى بِلَادِهِ وَعَشِيرَتِهِ تَزَيَّا بِزِيِّهِمْ وَتَرَكَ زِيَّ أَهْلِ الْعِلْمِ هَلْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَجَابَ بِمَا مَعْنَاهُ لَمَّا اتَّصَفَ بِالصِّفَتَيْنِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ الزِّيَّيْنِ تَزَيَّا، لِأَنَّهُ إنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ بَلَدِهِ وَعَشِيرَتِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ وَلِأَنَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ.
وَهَذَا وَاضِحٌ.
وَلَعَلَّ كَلَامَ عُلَمَائِنَا لَا يُخَالِفُهُ.
وَمُرَادُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: وَيُكْرَهُ خِلَافُ زِيِّ بَلَدِهِ يَعْنِي بِلَا حَاجَةٍ تَدْعُو إلَى خِلَافِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ صَارَ مِنْ الْعُلَمَاءِ تَزَيَّا بِزِيِّهِمْ فِي أَيِّ مِصْرٍ كَانَ أَوْ بَلْدَةٍ كَانَتْ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَطْوَلُ ذَيْلِ الْمَرْءِ لِلْكَعْبِ وَالنِّسَا ... بِلَا الْأُزُرِ شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا لِتَزْدَدْ
(وَأَطْوَلُ ذَيْلِ) ثَوْبِ (الْمَرْءِ) يَعْنِي الذَّكَرَ أَيْ يَنْتَهِي طُولُهُ إِ (لَ) ى (الْكَعْبِ) وَاحِدُ الْكَعْبَيْنِ، وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ الرِّجْلِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاشِزُ عِنْدَ مُلْتَقَى السَّاقِ وَالْقَدَمِ.
وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ النَّاسِ: إنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى.
مَطْلَبٌ: تَطْوِيلِ ذَيْلِ النِّسَاءِ .
(وَ) أَطْوَلُ ذَيْلِ ثَوْبِ (النِّسَاءِ) حَيْثُ كُنَّ لَابِسَاتِهِ (بِلَا) لُبْسِ (الْأُزُرِ) جَمْعُ إزَارٍ وَهُوَ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى الْحَقْوَيْنِ فَمَا تَحْتَهُمَا، وَيُجْمَعُ جَمْعَ قِلَّةٍ عَلَى آزِرَةٍ وَجَمْعَ الْكَثْرَةِ أُزُرٌ بِضَمَّتَيْنِ مِثْلُ حِمَارٍ وَحُمُرٌ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَيُقَالُ
стр. 697
إزَارٌ لَبِسْتُهُ وَلَبِسْتُهَا وَالْمِئْزَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِثْلُهُ وَالْجَمْعُ مَآزِرُ وَائْتَزَرْتُ لَبِسْت الْإِزَارَ وَأَصْلُهُ بِهَمْزَتَيْنِ الْأُولَى هَمْزَةُ وَصْلٍ وَالثَّانِيَةُ تَاءُ " افْتَعَلْتُ.
إذَا عَلِمْت هَذَا فَيَكُونُ انْتِهَاءُ طُولِ ذَيْلِ ثَوْبِ الْمَرْأَةِ حَيْثُ لَا إزَارَ وَهُوَ الْمِلْحَفَةُ إمَّا (شِبْرًا) وَهُوَ بِالْكَسْرِ مَا بَيْنَ أَعْلَى الْإِبْهَامِ وَأَعْلَى الْخِنْصِرِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَجَمْعُهُ أَشْبَارٌ (أَوْ) يَكُونُ انْتِهَاءُ ذَيْلِ ثَوْبِهَا (ذِرَاعًا) بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالتَّأْنِيثُ أَكْثَرُ، وَجَمْعُهُ أَذْرُعٌ وَذُرْعَانٌ بِالضَّمِّ.
وَقَوْلُهُ (لِتَزْدَدْ) اللَّامُ لِلْأَمْرِ " وَتَزْدَدْ " فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ النِّسَاءَ حَيْثُ كُنَّ بِلَا أُزُرٍ، وَهِيَ الْمَلَاحِفُ كَنِسَاءِ الْبَرِّ وَنِسَاءِ الْعَرَبِ وَنَحْوِهِنَّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُنَّ سَرَاوِيلُ وَلَا خِفَافٌ تَسْتُرُ أَقْدَامَهُنَّ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ أَنْ تَكُونَ ذُيُولُ ثِيَابِهِنَّ شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا تَزْدَادُ بِذَلِكَ الشِّبْرِ أَوْ الذِّرَاعِ عَنْ ذَيْلِ الرَّجُلِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيَزِيدُ ذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى ذَيْلِ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ الشِّبْرِ إلَى الذِّرَاعِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ تَمْشِي بَيْنَ الرِّجَالِ كَنِسَاءِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا نِسَاءُ الْمُدُنِ فِي الْبُيُوتِ فَذَيْلُهَا كَذَيْلِ الرَّجُلِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ مَا ذَكَرَ أَنَّ ذَيْلَ نِسَاءِ الْمُدُنِ فِي الْبُيُوتِ كَذَيْلِ الرِّجَالِ قَالَ: وَتُرْخِيهِ الْبَرْزَةُ وَنِسَاءُ الْبَرِّ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الذِّرَاعِ، وَقِيلَ مِنْ شِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ، وَقِيلَ يُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْهُ أَوْ ارْتَفَعَ بِنَصٍّ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ نِسَاءِ الْمُدُنِ وَغَيْرِهِنَّ؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا قُلْت: إذَنْ تَبْدُو أَقْدَامُهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَذِرَاعٌ وَلَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» فَظَاهِرُ هَذَا كَرَاهَةُ مَا زَادَ عَلَى الذِّرَاعِ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا، فَكُنَّ يُرْسِلْنَ إلَيْنَا فَنَذْرَعُ لَهُنَّ
стр. 698
ذِرَاعًا» فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَدْرَ الذِّرَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَأَنَّهُ شِبْرَانِ بِشِبْرِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشْرَفُ مَلْبُوسٍ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ ... وَمَا تَحْتَ كَعْبٍ فَاكْرَهَنْهُ وَصَعِّدْ
(وَأَشْرَفُ) بِمَعْنَى أَنْزَهُ وَأَفْضَلُ (مَلْبُوسِ) رَجُلٍ أَنْ يَكُونَ مُنْتَهِيًا (إلَى نِصْفِ سَاقِهِ) أَيْ سَاقِ الرَّجُلِ اللَّابِسِ لِذَلِكَ الْمَلْبُوسِ لِبُعْدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالزَّهْوِ وَالْإِعْجَابِ (وَمَا) أَيْ وَالْمَلْبُوسُ الَّذِي يَنْتَهِي فِي إسْبَالِهِ حَتَّى يَصِلَ (تَحْتَ كَعْبِ) اللَّابِسِ (فَاكْرَهَنْهُ) أَمْرٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ لِلْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (وَصَعِّدْ) أَمْرٌ مِنْ الصُّعُودِ، أَيْ ارْفَعْ الْمَلْبُوسَ وَلَا تَتْرُكْهُ يَنْزِلُ إلَى تَحْتِ الْكَعْبَيْنِ؛ فَإِنَّ مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ كَمَا أَسْلَفْنَا فِي الْأَخْبَارِ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ.
وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ السَّلَفِ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» أَمِنَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنْ الْإِزَارِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَنْبُ الْإِزَارِ إنَّمَا أَرَادَ اللَّحْمَ وَالْعَظْمَ وَالْجِلْدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِلرُّصْغِ كُمُّ الْمُصْطَفَى فَإِنْ ارْتَخَى ... تَنَاهَى إلَى أَقْصَى أَصَابِعِهِ قَدْ
(وَلِلرُّصْغِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. وَفِي نُسَخٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ يَعْنِي الْعَظْمَ الَّذِي يَلِي الْأُصْبُعَ الْوُسْطَى، وَأَمَّا مَا يَلِي الْإِبْهَامَ فَكُوعٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَيُقَالُ فِيهِ كَاعٌ.
وَالطَّرَفُ الَّذِي يَلِي الْخِنْصَرَ يُسَمَّى كُرْسُوعًا وَمَا يَلِي إبْهَامَ الرِّجْلِ يُسَمَّى بُوعًا.
وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
فَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي ... لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رَجْلٍ مُلَقَّبٌ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطْ
مَطْلَبٌ: كَانَ كُمُّ الْمُصْطَفَى ﷺ إلَى الرُّسْغِ كَانَ (كُمُّ) وَهُوَ بِضَمِّ الْكَافِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ مَدْخَلُ الْيَدِ وَمَخْرَجُهَا مِنْ الثَّوْبِ. وَالْجَمْعُ أَكْمَامٌ وَكَمِمَةٌ. وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَوِعَاءُ الطَّلْعِ وَغِطَاءٌ لِلنُّورِ (الْمُصْطَفَى) هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ نَبِيِّنَا ﷺ وَمَعْنَاهُ الْخَالِصُ مِنْ
стр. 699
الْخَلْقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ﷺ خَيْرُ الْخَلَائِقِ كَافَّةً (فَإِنْ ارْتَخَى) كُمُّهُ ﷺ (تَنَاهَى) فِي ارْتِخَائِهِ (إلَى أَقْصَى) أَيْ أَطْرَافِ (أَصَابِعِهِ) الشَّرِيفَةِ جَمْعُ أُصْبُعٍ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ فِيهَا عَشْرَ لُغَاتٍ: فَتْحُ الْهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ، وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَضَمُّ الْهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ، وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ، وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا.
وَالْعَاشِرَةُ أُصْبُوعٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ وَبَعْدَهَا وَاوٌ وَقَوْلُ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَدْ) أَيْ فَقَطْ.
وَأَشَارَ بِأَحَدِ شَطْرَيْ هَذَا الْبَيْتِ إلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ ﵂ قَالَتْ «كَانَ كُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الرُّسْغِ» .
وَبِالشَّطْرِ الثَّانِي إلَى مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ قَمِيصًا وَكَانَ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، وَكَانَ كُمُّهُ إلَى الْأَصَابِعِ» وَلَفْظُ أَبِي الشَّيْخِ «يَلْبَسُ قَمِيصًا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوِيَ الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ» .
وَرَوَى الْبَزَّارُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنْ أَنَسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ يَزِيدَ الْعُقَيْلِيِّ ﵃ قَالُوا «كَانَ كُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الرُّسْغِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ قَمِيصًا وَكَانَ كُمَّاهُ مَعَ الْأَصَابِعِ» .
(تَنْبِيهَانِ) :
(الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِلشَّمْسِ الشَّامِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْكُمِّ إلَى الرُّسْغِ - مَخْصُوصٌ بِالْقَمِيصِ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهُ فِي السَّفَرِ.
وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الْحَضَرِ قَمِيصًا مِنْ قُطْنٍ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ وَكُمَّاهُ مَعَ الْأَصَابِعِ.
ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَنِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقَ انْتَهَى.
(الثَّانِي) : قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْفُرُوعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمْ: إنَّهُ يُسَنُّ تَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ أَوْ أَكْثَرَ يَسِيرًا وَتَوْسِيعُهُ قَصْدًا وَقَصْرُ كُمِّ الْمَرْأَةِ وَتَوْسِيعُهُ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: وَاخْتَلَفَ كَلَامُهُمْ فِي سِعَتِهِ يَعْنِي كُمَّ الْمَرْأَةِ قَصْدًا.
стр. 700
وَقَيَّدَ ابْنُ حَمْدَانَ قَصْرَ كُمِّ الْمَرْأَةِ إلَى دُونِ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا.
وَعَلَّلَ طُولَ كُمِّ الرَّجُلِ وَسِعَتَهُ فِي الْآدَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ وَلَا تَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشَ.
قُلْت: وَالْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ فِعْلُهُ وَالتَّأَسِّي بِهِ ﷺ وَمَا أَبْدَاهُ حِكْمَةُ ذَلِكَ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: تَوْسِيعُ الْكُمِّ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ حَسَنٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ عَرْضُ زِيقِ الْقَمِيصِ
وَلِلرَّجُلِ اكْرَهْ عَرْضَ زِيقٍ بِنَصِّهِ ... وَلَا يُكْرَهُ الْكَتَّانُ فِي الْمُتَأَكِّدِ
(وَلِلرَّجُلِ) دُونَ النِّسَاءِ (اكْرَهْ) تَنْزِيهًا (عَرْضَ زِيقِ) الْقَمِيصِ وَهُوَ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ (بِنَصِّهِ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.
وَيُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِفِضَّةٍ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ فَاحِشٌ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُخَاطُ لِلنِّسَاءِ هَذِهِ الزِّيقَاتُ الْعِرَاضُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ شَيْءٌ عَرِيضٌ فَأَكْرَهُهُ هُوَ مُحْدَثٌ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ وَسِيطٌ لَمْ نَرَ بِهِ بَأْسًا.
وَقَطَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ لِوَلَدِهِ الصِّغَارِ قُمُصًا فَقَالَ لِلْخَيَّاطِ صَيِّرِ زِيقَهَا دِقَاقًا وَكَرِهَ أَنْ يَصِيرَ عَرِيضًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَرِهَ أَحْمَدُ الزِّيقَ الْعَرِيضَ لِلرَّجُلِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا كُرِهَ لِإِفْضَائِهِ إلَى الشُّهْرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْإِفْرَاطَ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهِ.
وَفِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ صَوَّبَ عَدَمَ كَرَاهَةِ عَرْضِ الزِّيقِ لِلْمَرْأَةِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ فِي آدَابِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّجُلِ وَقَطَعَ فِي الْإِقْنَاعِ بِاخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِالرِّجَالِ.
مَطْلَبٌ: لَا يُكْرَهُ لُبْسُ ثِيَابِ الْكَتَّانِ
(وَلَا يُكْرَهُ الْكَتَّانُ) أَيْ لَا يُكْرَهُ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْكَتَّانِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ غَيْرَهُمَا (فِي الْمُتَأَكِّدِ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ فِي
стр. 701
الْفُرُوعِ: وَيُبَاحُ الْكَتَّانُ إجْمَاعًا، وَالنَّهْيُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بَاطِلٌ.
وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِلرِّجَالِ انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ فِي الْإِبَاحَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْت الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ أَنَّ ثَمَّ قَوْلًا غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ بِالْكَرَاهَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
مَطْلَبٌ: لَا يُكْرَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ
وَلَا بَأْسَ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ سُتْرَةً ... أَتَمُّ مِنْ التَّأْزِيرِ فَالْبَسْهُ وَاقْتَدِ
(وَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا حَرَجَ وَلَا كَرَاهَةَ (فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ) جَمْعُ سَرَاوِيلَاتٍ أَوْ جَمْعُ سِرْوَالٍ وَسِرْوَالَةٍ أَوْ سِرْوِيلٍ بِكَسْرِهِنَّ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: لُغَةٌ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ يُذَكَّرُ قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْوِيلٌ.
قَالَ: وَالسَّرَاوِينُ بِالنُّونِ لُغَةٌ، وَالشِّرْوَالُ بِالشِّينِ لُغَةٌ.
وَفِي الْمَطْلَعِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَأَمَّا سَرَاوِيلُ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ عُرِّبَ إلَّا أَنَّهُ أَشْبَهَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ.
وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فِيهِ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ذُو وَجْهَيْنِ الصَّرْفِ وَتَرْكِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَجْهًا وَاحِدًا انْتَهَى.
وَقَوْلُ النَّاظِمِ (سُتْرَةً) يَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَوْ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ سُتْرَةٌ (أَتَمُّ) فِي السَّتْرِ وَأَكْمَلُ فِيهِ (مِنْ التَّأْزِيرِ) أَيْ التَّغْطِيَةِ.
يُقَالُ ائْتَزَرَ بِهِ وَتَأَزَّرَ تَأْزِيرًا، وَلَا تَقُلْ اتَّزَرَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَلَعَلَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ الرُّوَاةِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتُسَنُّ السَّرَاوِيلُ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: لَا بَأْسَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: السَّرَاوِيلُ أَسْتَرُ مِنْ الْإِزَارِ، وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْإِزَارَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَظْهَرُ خِلَافًا لِلرِّعَايَةِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْأَفْضَلُ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلُ مِنْ غَيْرِ حَاجَتِهِ إلَى الْإِزَارِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرَ الْخَبَرَ، وَفِيهِ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ تَسَرْوَلُوا
стр. 702
وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ فِيهِ نَظَرٌ.
وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ لُبْسِهِ يَعْنِي السَّرَاوِيلَ، فَقَالَ: هُوَ أَسْتَرُ مِنْ الْأُزُرِ وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْأُزُرَ.
قَالَ النَّاظِمُ: فَتَعَارَضَ فِيهِ دَلِيلَانِ انْتَهَى كَلَامُ النَّاظِمِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ بِعَرَفَاتٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ» وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ.
قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى جَيْشِهِ بِأَذْرَبِيجَانَ إذَا قَدِمْتُمْ مِنْ غَزَاتِكُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ وَالْأَقْبِيَةِ وَالْبَسُوا الْأُزُرَ وَالْأَرْدِيَةَ.
قَالَ النَّاظِمُ: فَدَلَّ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ لَهَا، وَأَنَّهَا غَيْرُ زِيِّهِمْ.
وَجَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ بِسُنِّيَّةِ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
(الْأَوَّلُ) :: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵊، كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ حَتَّى كَانَ يَسْتَحْيِي مِنْ أَنْ تَرَى الْأَرْضُ مَذَاكِيرَهُ، فَاشْتَكَى إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇ بِخِرْقَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ، فَفَصَّلَهَا جِبْرِيلُ سَرَاوِيلَ، وَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَى سَارَةَ تَخِيطُهُ، وَكَانَ اسْمُهَا يَسَارَةَ فَلَمَّا خَاطَتْهُ وَلَبِسَهُ إبْرَاهِيمُ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَسْتَرَهُ يَا جِبْرِيلُ فَإِنَّهُ نِعْمَ السِّتْرُ لِلْمُؤْمِنِ فَكَانَ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَأَوَّلُ مَنْ فَصَّلَهُ جِبْرِيلُ، وَأَوَّلُ مَنْ خَاطَهُ سَارَةُ بَعْدَ إدْرِيسَ ﵇.
ذَكَرَهُ فِي الْأُنْسِ الْجَلِيلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ إدْرِيسَ يَعْنِي بَعْدَ إدْرِيسَ فِي مُجَرَّدِ الْخِيَاطَةِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَاطَ.
وَأَمَّا كَوْنُ إدْرِيسَ خَاطَ السَّرَاوِيلَ فَيُنَافِي أَوَّلِيَّتَهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ؛ وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الْأَوَائِلِ، فَكَانَتْ سَارَةُ أَوَّلَ مَنْ خَاطَتْ مِنْ النِّسَاءِ فَصَارَ الْغَزْلُ أَفْضَلَ الْحِرَفِ لِلنِّسَاءِ، وَالْخِيَاطَةُ لِلرِّجَالِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ.
стр. 703
وَقَالَ فِي الْأَوَائِلِ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ إذَا مِتُّ فَاغْسِلُونِي مِنْ تَحْتِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: أَوَّلُ مَنْ فَصَّلَ وَخَاطَ مِنْ النِّسَاءِ سَارَةُ ﵍.
مَطْلَبٌ: فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ أَمْ لَا ؟ .
(الثَّانِي) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﵉ أَنَّهُمَا لَبِسَاهُ وَلَبِسَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَسَلْمَانَ وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْوَفِيِّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «إنَّ النَّجَاشِيَّ كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي قَدْ زَوَّجْتُك امْرَأَةً مِنْ قَوْمِك وَهِيَ عَلَى دِينِك أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَهْدَيْتُ لَك هَدِيَّةً جَامِعَةً قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ وَعِطَافًا وَخُفَّيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ: قُلْت لِلْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ مَا الْعِطَافُ؟ قَالَ: الطَّيْلَسَانُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ «سُوَيْد بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْت أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ إلَى مَكَّةَ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ، وَثَمَّ وِزَانٍ يَزِنُ بِالْأَجْرِ، فَقَالَ: إذَا زِنْت فَأَرْجِحْ» وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عَمِيرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ «قَدِمْت قَبْلَ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَى مِنِّي سَرَاوِيلَ فَأَرْجَحَ لِي» قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمَا كَانَ لِيَشْتَرِيَهُ عَبَثًا وَإِنْ كَانَ غَالِبُ لُبْسِهِ الْإِزَارَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «دَخَلْت يَوْمًا السُّوقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ إلَى الْبَزَّازِينَ فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ» الْحَدِيثَ وَفِيهِ «فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّك لَتَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ؟ قَالَ: أَجَلْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنِّي أُمِرْت بِالتَّسَتُّرِ» وَفِيهِ يُوسُفُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ.
قَالَ فِي الْهَدْيِ: اشْتَرَى ﷺ السَّرَاوِيلَ وَالظَّاهِرُ إنَّمَا
стр. 704
اشْتَرَاهُ لِيَلْبَسَهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «أَنَّهُ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ وَكَانُوا يَلْبَسُونَهُ فِي زَمَانِهِ وَبِإِذْنِهِ» .
قُلْت: وَمَيْلُ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ فِي الْهَدْيِ إلَى أَنَّهُ ﷺ لَبِسَهَا وَكَذَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: لَمْ يَلْبَسَهَا ﵊ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ شِرَائِهِ لَهَا لُبْسُهَا.
وَقَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : التُّبَّانُ فِي مَعْنَى السَّرَاوِيلِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: رَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَأْمُرُ غِلْمَانَهَا بِالتَّبَابِينِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: التُّبَّانُ شِبْهُ السَّرَاوِيلِ قَصِيرَةُ السَّاقِ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ: التُّبَّانُ بِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ هُوَ سَرَاوِيلُ قَصِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِقْدَارُ شِبْرٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ فَقَطْ وَيَكُونُ لِلْمَلَّاحِينَ وَجَمْعُهُ تَبَابِينُ انْتَهَى.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ، وَفَهِمْت مَا هُنَالِكَ مِنْ كَوْنِ السَّرَاوِيلِ سُنَّةَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَالنَّبِيِّ النَّبِيلِ عَلَى أَحَدِ الْأَقَاوِيلِ، وَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَاخْتِيَارَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ (فَالْبَسْهُ) أَيْ السَّرَاوِيلَ (وَاقْتَدِ) بِمَنْ ذَكَرْنَا لَك أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ فَإِنَّهُمْ أَهْلٌ لَأَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ لَا سِيَّمَا الِاقْتِدَاءُ.
(بِسُنَّةِ) سَيِّدِنَا (إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلِ ﵊ (فِيهِ) أَيْ فِي لُبْسِهِ (وَ) سُنَّةَ نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا (أَحْمَدَ) الْمُخْتَارِ (وَأَصْحَابِهِ) الْأَخْيَارِ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ (وَ) لَكِنْ لُبْسُهُمْ (الْأُزُرَ) جَمْعُ إزَارٍ (أَشْهَرُ) مِنْ لُبْسِهِمْ السَّرَاوِيلَ (أَكِّدْ) فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ التَّأْكِيدِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الِادِّهَانِ وَكَوْنِهِ غِبًّا أَوْ مُطْلَقًا لِحَاجَةٍ لِلْخَبَرِ.
وَاخْتَارَ شَيْخُنَا فِعْلَ الْأَصْلَحِ لِلْبَدَنِ كَالْغُسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ رَطْبٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَأَنَّ مِثْلَهُ نَوْعُ اللُّبْسِ وَالْمَأْكَلِ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا فَتَحُوا الْأَمْصَارَ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، وَيَلْبَسُ مِنْ لِبَاسِ بَلَدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدُوا قُوتَ الْمَدِينَةِ
стр. 705
وَلِبَاسَهَا.
قَالَ: وَمِنْ هَذَا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْإِزَارُ وَالرِّدَاءُ، فَهَلْ هُمَا أَفْضَلُ لِكُلِّ أَحَدٍ وَلَوْ مَعَ الْقَمِيصِ، أَوْ الْأَفْضَلُ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلُ فَقَطْ؟ هَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَالثَّانِي أَظْهَرُهُ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ تَارَةً يَكُونُ فِي نَوْعِ الْفِعْلِ، وَتَارَةً فِي جِنْسِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِمَعْنًى يَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْعَ وَغَيْرَهُ لَا لِمَعْنًى يَخُصُّهُ.
فَيَكُونُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْأَمْرُ الْعَامُّ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ، بَلْ وَبِكَثِيرٍ مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ.
وَهَذَا تَسْمِيَةُ طَائِفَةٍ مِنْ النَّاسِ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مَنَاطَ الْحُكْمِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» فَالْأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ الْفَأْرَةِ وَذَلِكَ السَّمْنِ، بَلْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا.
يَبْقَى الْمَنَاطُ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْحُكْمَ مَا هُوَ؟ فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَزْعُمُونَ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِفَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَيُنَجِّسُونَ مَا كَانَ كَذَلِكَ، وَلَا يُنَجِّسُونَ السَّمْنَ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْكَلْبُ وَالْبَوْلُ وَالْعُذْرَةُ، وَلَا يُنَجِّسُونَ الزَّيْتَ وَنَحْوَهُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ، وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ قَطْعًا. انْتَهَى.
وَعِمَّةُ مُخْلِي حَلْقِهِ مِنْ تَحَنُّكٍ ... لَدَى أَحْمَدَ مَكْرُوهَةٌ بِتَأَكُّدِ
(وَعِمَّةٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعِمَّةُ بِالْكَسْرِ الِاعْتِمَامُ. وَمُرَادُ النَّاظِمِ كُلُّ عِمَامَةٍ (مُخْلِي) أَيْ مَتْرُوكِ وَخَالِ (حَلْقِهِ) أَيْ صَاحِبِهَا، وَالْمُعْتَمُّ بِهَا (مِنْ تَحَنُّكٍ) أَيْ لَيْسَ تَحْتَ حَنَكِ لَابِسِهَا مِنْهَا شَيْءٌ الْحَنَكُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ (لَدَى) أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ (مَكْرُوهَةٌ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ بَلْ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (بِتَأَكُّدِ) لِنَصِّهِ ﵁ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْأَصْحَابُ.
وَحَكَى فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ هَلْ هِيَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَرِهَ أَحْمَدُ لُبْسَ غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ.
وَنَقَلَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْمَحْكِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةَ.
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ لَا تَرْتَقِي إلَى التَّحْرِيمِ.
следующие страницы →